النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب: الفضائل
قَالَ غَزِيرٍ - شَكَّ أَبُو عَلِيٍّ أَيُّهُمَا قَالَ - حَتَّى اسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: ((يُوشِكُ، يَا مُعَاذُ! إِنْ
طَالَتْ بِكَّ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَىْ مَا هُهُنَا قَدْ مُلِىءَ جِنَاناً)).
٥٩٠٧ - (١١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ يَحْيَىِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ. قَالَ: ((خَرَجْنَا
مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ غَزْوَةَ تَبُوَكَ، فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَىْ عَلَى حَدِيقَةٍ لاِمِرَأَةٍ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَهِ: ((اخْرِ صُوهَا)) فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ. وَقَالَ:
((وانهمر الماء: انسكب وسال)). والهمّار: السحاب السيال. ووقع في رواية الموطأ: ((بماء
كثير)) .
قوله: (يوشك يا معاذ إلخ) أي: يقرب يا معاذ إن طالت بك حيوة، أي: إن أطال الله
عمرك. وفيه إشارة إلى بقاء معاذ ظه حيّا بعد وفاته وَّر، ومروره بهذا الموضع مرة أخرى،
فوقع کذلك، وقدم معاذ إلى الشام ومات بها .
قوله: (قد مُلِىء جناناً) يعني: بساتين، وهو جمع جنّة. وذكر ابن عبد البر عن ابن وضاح
قال: ((إني رأيت ذلك الموضع كله حوالي تلك العين جناناً خضرة نضرة)) كذا في كشف المغطى
شرح الموطأ .
١١ - (١٣٩٢) - قوله: (عن أبي حميد) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في الحجّ،
باب ((أحد جبل يحبنا ونحبه))، وأخرجه البخاري في الزكاة، باب خرص الّمر (١٤٨١)، وفي
فضائل المدينة، باب المدينة طابة (١٨٧٢)، وفي الجزية والموادعة، باب إذا وادع الإمام ملك
القرية هل يكون ذلك لبقيّتهم (٣١٦١)، وفي مناقب الأنصار، باب فضل دور الأنصار (٣٧٩١)،
وفي المغازي، باب نزول النبي وَّه وسلم الحجر (٤٤٢٢)، وأخرجه أبو داود في الخراج
والإمارة، باب إحياء الموات (٣٠٧٩).
وأبو حميد هذا هو الساعدي الصحابي المشهور، واسمه عبد الرحمن بن سعد، شهد أحداً
وما بعدها، وتوفي في آخر خلافة معاوية وأول خلافة يزيد. وراجع الإصابة (٤: ٤٧).
قوله: (فأتينا وادي القرى) وهي مدينة قديمة بين المدينة والشام.
قوله: (على حديقة لامرأة) قال الحافظ: لم أقف على اسمها في شيء من الطرق.
قوله: (فأخرصوها) بضم الراء، أي: احزروا كم يخرج من تمرها. قال النووي: ((فيه
استحباب امتحان العالم أصحابه بمثل هذا التمرين)) ولعلّله و * فعل ذلك تمريناً لهم على
الخرص الذي يحتاج إليه المسلمون عند أخذ الصدقات. وأمر المرأة بإحصاء الخارج منها،
ليتبيّن صحة الخرص وخطأه.

٤٢٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((أَخْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ)) وَانْطَلَقْنَا. حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ:
((سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحْ شَدِيدَةٌ، فَلاَ يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ. فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ))
فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ. فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّىءٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابْنٍ
الْعَلْمَاءِ، صَاحِبٍ أَيْلَةَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِ لَهُ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةٌ بَيْضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ
قوله: (فلا يقم فيها أحد منكم) وفي رواية لابن إسحاق في المغازي: ((ولا يخرجن أحد
منكم الليلة إلا ومعه صاحب له)) وفيه شفقة النبي ◌َّر على الأمّة، وجواز تعليم التدابير الوقائية،
وأخذ الاحتياطات اللازمة عند ما يخشى فساد.
قوله: (فقام رجل فحملته الريح) وفي رواية ابن إسحاق في المغازي: ((ففعل الناس ما
أمرهم، إلا رجلين من بني ساعدة، خرج أحدهما لحاجته، وخرج آخر في طلب بعير له. فأما
الذي ذهب لحاجته، فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره، فاحتملته الريح
حتى طرحته بجبلي طيّىء. فأخبر رسول الله وَله فقال: ألم أنهكم أن يخرج رجل إلا ومعه
صاحب له. ثم دعا على الذي أصيب على مذهبه فشفي. وأما الآخر، فإنه وصل إلى رسول
الله (َله حين قدم من تبوك)) كذا في فتح الباري (٣: ٣٤٥).
قوله: (ألقته بجبلي طيّىء) بفتح الطاء وكسر الياء المشددة، بعدهما همزة. وهي القبيلة
المعروفة، وكانت مقيمة بين جبلين أحدهما (أجأ) والآخر (سلمى) سميا باسم رجل وامرأة كانت
لهما قصة في ذلك الموضع ذكرها العيني في عمدة القارى (٤: ٤١٦) عن أسماء البلدان
للكلبي، وحاصلها أن أجأ قد هرب بعشيقته سلمى وجاء إلى هذين الجبلين وأقام بهما، فجاء
إخوة سلمى في طلبها، فأخذوا سلمى ونزعوا عينها ووضعوها على الجبل، وكُتف أجأ ووضع
على الجبل. فسمي بهما الجبلان، فسميت منازل طيّىء بجبلى طّىء.
قوله: (رسول ابن العلماء، صاحب أيلة) بفتح الهمزة وسكون الياء، بلدة قديمة بساحل
البحر، وجاء في مغازي ابن إسحق: ((ولما انتهى رسول الله وَله إلى تبوك أتاه يوحنّا بن روبة
صاحب أيلة، فصالح رسول الله وَ ﴿ وأعطاه الجزية)) قال الحافظ: ((فاستفيد من ذلك اسمه واسم
أبيه. فلعلّ العَلْمَاء اسم أمه، ويُحَنّا بضم التحتانية، وفتح المهملة وتشديد النون، ورُوبَة، بضم
الراء وسكون الواو)).
قوله: (وأهدى له بغلة بيضاء) قال الحافظ في الفتح (٣: ٣٤٥): ((واسم البغلة المذكورة
(دلدل). هكذا جزم به النووي. ونقل عن العلماء أنه لا يعرف له بغلة سواها. وتعقب بأن
الحاكم أخرج في المستدرك عن ابن عباس: أن كسرى أهدى للنبي وَلّر، فركبها بحبل من شعر،
ثم أردفني خلفه وهذه غير دلدل. ويقال: إنّ النجاشي أهدى له بغلة، وإن صاحب دُومة الجندل
أهدى له بغلة، وأن دلدل إنما أهداها له المقوقس. وذكر السهيلي أن التي كانت تحته يوم حنين
تسمى فضة، وكانت شهباء، ووقع عند مسلم في هذه البغلة أن فروة أهداها له)).

٤٢٣
كتاب: الفضائل
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْداً، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَىُ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا ((كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟)) فَقَالَتْ: عَشْرَةَ أَوْسُقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنِّي
مُسْرِعٌ. فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيُسْرِعْ مَعِيَ. وَمَنْ شَاءَ فَلْيَمْكُثْ)) فَخَرَجْنَا حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى
الْمَدِينَةِ. فَقَالَ «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدّ. وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)) ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ خَيْرَ دُورٍ
الأَنْصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ. ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ. ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. ثُمَّ
دَارُ بَنِي سَاعِدَةً. وَفِي كُلِّ دُورِ الأنْصَارِ خَيْرٌ)) فَلَحِقَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. فَقَالَ أَبُوَ أُسَيْدٍ: أَلَمْ تَرَ
قوله: (فقالت عشرةَ أَوسقَ) بنصب (عشرة) على أنه منصوب بنزع الخافض، أي: جاء
بمقدار عشرة أوسق، أو نصب على الحال، ويجوز أن يعطى لقوله (جاء) حكم الأفعال الناقصة،
فيكون (عشرة) خبراً له. كذا في عمدة القارى (٤: ٤١٦).
وهذا المقدار عين ما خرص به رسول الله ◌َ و ثمر الحديقة عند الذهاب إلى تبوك.
قوله: (هذه طابة) وأشار إلى المدينة، و (طابة) غير منصرف للعلمية والتأنيث، ومعناها
الطيّبة. وسماها رسول الله وَ ل بهذا اسم، وكان اسمها (يثرب).
قوله: (وهو جبل يحبّنا ونحبّه) قد مر تفسيره في كتاب الحج، والحاصل أن بعضهم أوّلوه
بأهل الجبل، يعني الأنصار، فإنهم كانوا يحبّون رسول الله وَّةٍ، ورسول الله بَّ كان يحبّهم.
وحمله آخرون على حقيقته، ولا مانع من أن يحبّ جبل رسول الله وَّر، فإنه رحمة للعالمين، بما
فيها الشجر والحجر، وقد مر قريباً أن حجراً كان يسلّم عليه وَالخير .
قوله: (إن خير دور الأنصار دار بني النجار) والمراد أسرتهم أفضل مرتبة من البيوت
الأخرى للأنصار، وبنو النجار هم أخوال جدّ رسول الله وَلهير، لأن والدة عبد المطلب منهم،
وعليهم نزل رسول الله وّلهم لمّا قدم المدينة. فلهم مزية على غيرهم. والنجّار لقب لتيم الله بن
ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. قيل: سمّى النجّار لأنه اختتن بقدوم، وقيل: بل نجر وجه رجل
بالقدوم، فسمّي النجار. كذا ذكر العيني في العمدة (٤: ٤١٧).
قوله: (ثمّ دار بني عبد الأشهل) هم من الأوس، وعبد الأشهل هو ابن جشم ابن
الحارث بن الخزرج الأصغر ابن عمرو، وهو النبيت بن مالك بن الأوس، والأوس أحد جذمي
الأنصار، لأنهم جذمان: الأوس والخزرج، وهما أخوان، وأمهما قبيلة بنت الأرقم. كما في
العمدة. وبنو عبد الأشهل هم رهط سعد بن معاذ رُه، وذكرت فضيلتهم في حديث الباب بعد
فضيلة بني النجار. ووقع في رواية لأبي هريرة تقديم بني عبد الأشهل على بني النجار، لكن
رجح الحافظ في الفتح (٧: ١١٦) حديث الباب، وأن بني النجار مقدمون على بني عبد
الأشهل.
قوله: (ثم دار بني ساعدة) هم من الخزرج، وهم رهط سعد بن عبادة.

٤٢٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ خَيَّرَ دُورَ الأَنْصَارِ، فَجَعَلَنَا آخِراً، فَأدْرَكَ سَعْدٌ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَيَّرْتَ دُورَ الأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِراً. فَقَالَ: «أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ
الْخِیَارِ)).
٥٩٠٨ - (١٢) حدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّنُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
يَحْيَى، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: ((وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ)) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ قِصَّةٍ
سَعْدِ بْنِ عُبَادَةً. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِبَحْرِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي
حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ اَلِهِ.
(٤) - باب: توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس
٥٩٠٩ - (١٣) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانَ، مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ،
(وَاللَّفْظُ لَهُ)، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ
قوله: (فجعلتنا آخراً) الظاهر أنه لم يكن على سبيل الإنكار والاعتراض، وإنما كان على
سبيل التثبّت.
قوله: (أو لیس بحسبکم) بسکون السین، أي: أو لا يكفيكم؟
قوله: (أن تكونوا من الخيار) أي: الأفاضل، لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل. وكأن
المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله ونحو
ذلك.
١٢ - (٠٠٠) - قوله: (فكتب رسول الله ◌َ﴿ ببحرهم) هذا متعلق بقصة ملك أيلة الذي
جاءه وَّر بوادي القرى، والمراد بالبحر البلد، وأهل العرب ربما يستعملون كلمة (البحر)
و (البحرة) بمعنى البلد والقرية، أو المراد: (بأهل بحرهم) لأنهم كانوا سكاناً بساحل البحر، أي
أقره عليهم بما التزموه من الجزية. وقيل: البحرة: الأرض. كان ◌َ ◌ّ أقطع هذا الملك من بلاده
قطائع، وفوّض إليه حكومتها. وقد ذكر ابن إسحق هذا الكتاب الذي كتبه لملك أيلة، وهو بعد
البسملة: ((هذه أمنة من الله ومن محمد النبي رسول الله ليوحنا بن روبة وأهل أيلة، سفنهم
وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي)) وساق الكتاب. هذا ملخص ما في العمدة
(٤ : ٤١٦)، وفتح الباري (٣: ٣٤٦).
(٤) - باب: توكله على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس
١٣ - (٨٤٣) - قوله: (عن سنان بن أبي سِنان الدُؤَليّ) بضم الدال وفتح الهمزة، نسبة إلى

٤٢٥
كتاب: الفضائل
الدُّؤَلِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ غَزْوَةً قِبَلِ نَجْدٍ. فَأَدْرَكَنَا
رَسُولُ اللّهِ بِهِ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاءِ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ. فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ
مِنْ أَغْصَانِهَا. قَالَ: وَتَفَّرَقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ. قَالَ: فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّ رَجُلاً أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَنْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي،
فَلَمْ أَشْعُر إِلَّ وَالسَّيْفُ صَلْتاً فِي يَدِهِ. فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْتَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ
حيّ من كنانة، وهو الدُئِل (بضم الدال وكسر الهمزة) بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، والدُئِل
المنسوب إليه ضبطوه بكسر الهمزة ولكن النسبة إليه دُؤَلِيّ بفتح الهمزة، لأنهم كرهوا توالي
الكسرات، صرح به أبو العباس المبرد. وهناك نسب ثلاثة: الدُؤلي، وهو ما ذكرناه، والثّاني:
الدُؤلي (بسكون الواو) وهو نسبة إلى الدُول من حنيفة. والثالث: الدِّيلي، وهو نسبة إلى دِيل عبد
القيس. كذا في في الأنساب للسمعاني (٥: ٤٠٦).
وسِنان هذا (بكسر السين) اسم أبيه يزيد بن أبي مية، وهو مدني من ثقات التابعين مات
سنة: (١٠٥ هـ) أخرج له الشيخان والترمذي والنسائي، كما في التهذيب (٤: ٢٤٢).
قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه المصنف إيضاً في صلاة المسافرين،
باب صلاة الخوف. وأخرجه البخاري في الجهاد، باب من علّق سيفه بالشجر في السفر عند
القائلة (٢٩١٠)، وباب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة (٢٩١٣)، وفي المغازي، باب غزوة
ذات الرقاع (٤١٣٤) إلى (٤١٣٦)، وباب غزوة بني المصطلق (٤١٣٩)، وأخرجه النسائي في
صلاة الخوف (١٥٤٥) إلى (١٥٤٧)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في صلاة
الخوف (١٢٥٢).
قوله: (غزوة قبل نجد) وسيأتي في رواية يحيى بن أبي كثير صراحة أنها كانت غزوة ذات
الرقاع.
قوله: (في واد كثير العضاه) بكسر العين: كل شجر يعظم له شوك. وقيل: هو العظيم من
السّمر مطلقاً .
قوله: (قال: فقال النبي (َ (18) وفي رواية للزهري عند البخاري في المغازي: ((فنمنا نومة،
فإذا رسول الله وَلا يدعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابيّ جالس، فقال رسول الله وَل و إلخ)).
قوله: (إنّ رجلاً أتاني) وذكر البخاري من طريق مسدد أن اسمه غَوْرَث بن الحارث. ووقع
عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابيّ دعثورَ وأنه أسلم. لكن ظاهر كلامه أنهما
قصتان في غزوتين، فالله أعلم. وراجع فتح الباري (٧: ٤٢٨).
قوله: (والسيف صَلتاً) بفتح الصاد وبضمها، أي: مسلولاً، وهو منصوب على الحالية.
قوله: (فقال لي: من يمنعك منّي؟) قال القرطبي: ((هذا دليل على أنه وَّ كان في هذا

٤٢٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. قَالَ فَشَاءَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ)) ثُمَّ لَمْ
يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ.
الوقت لا يحرسه أحد من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول الأمر، فإنه كان يُحرس، حتى
نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ وقال الحافظ بعد نقل كلامه: ((لكن قد قيل: إن هذه
القصة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾، وذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة من
طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: (كنا إذا نزلنا طلبنا للنبي وَلّ أعظم
شجرة وأظلها، فنزل تحت شجرة، فجاء رجل فأخذ سيفه فقال: يا محمد! من يمنعك منّي؟
قال: الله. فأنزل الله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ وهذا إسناد حسن. فيحتمل إن كان محفوظاً
أن يقال: كان مخيّراً في اتخاذ الحرس، فتركه مرة لقوة يقينه، فلما وقعت هذه القصة ونزلت
الآية ترك ذلك)) وراجع فتح الباري (٦: ٩٨).
قوله: (فشام السّيف) أي أغمده، وهذه الكلمة من الأضداد، يقال: شامه: إذا استلّه،
وشامه: إذا أغمده. وكأن الرجل لما شاهد ذلك الثبات العظيم والتوكل على الله عرف أنه لا
يصل إليه، وألقي في قلبه الرعب وترك ما أراده.
ثمّ إن روايات الشّيخين لا تذكر إلا أن الأعرابيّ أغمد سيفه، ولم يتعرض له رسول
الله ◌َير، ولكن وقع في رواية لابن إسحاق بعد قوله ويّير: (الله): ((فدفع جبريل في صدره، فوقع
السيف من يده، فأخذ النبي ◌َّ* وقال: من يمنعك أنت منّي؟ قال: لا أحد. قال: قم فاذهب
لشأنك، فلمّا ولى قال: أنت خير مني)) ووقع فيها أيضاً أن الرجل أسلم بعد. ذكره الحافظ في
الفتح (٧: ٤٢٧ و٤٢٨).
وهناك رواية أخرى ذكرها ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق من طريق عمرو بن عبيد،
عن الحسن، عن جابر: ((أن رجلاً من بني محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان
ومحارب: ألا أقتل لكم محمداً؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قال: فأقبل إلى
رسول الله ◌َ* وهو جالس، وسيف رسول الله وَل في حجره، فقال: يا محمد! أنظر إلى سيفك
هذا؟ قال: نعم، وكان محلى بفضة فيما قال ابن هشام. قال: فأخذه فاستلّه، ثم جعل يهزه
ويهمّ، فيكبته الله. ثم قال: يا محمد! أما تخافني؟ قال: لا وما أخاف منك؟ قال: أما تخافني
وفي يدي سيف؟ قال: لا يمنعني الله منك. ثم عمد إلى سيف رسول الله (وَ﴿ فرده عليه)) لكن
مدار هذه الرواية على عمرو بن عبيد. وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف (٣: ٢٥٥) أنه متفق
على وهن حديثه، وترك الرواية عنه، لما اشتهر من بدعته، وسوء نحلته. ولا شك أن ما رواه
الشيخان هو الأصح.
قوله: (ثم لم يعرض له رسول الله (ص) فيه عظيم رحمته وَّظاهر وشفقته على العباد،
واستئلاف قلوب الكفار، وترك الانتقام ممن أراده بسوء.

٤٢٧
كتاب: الفضائل
٥٩١٠ - (١٤) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ.
قَالاَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانِ الدُّؤَلِيُّ
وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ وََّ، أَخْبَرَهُمَا؛ أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِّ وَِّ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ. فَلَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ وَ قَفَلَ مَعَهُ.
فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ يَوْماً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمَعْمَرٍ .
٥٩١١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَفَّنُ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِِّ،
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَـ
(٥) - باب: بيان مثل ما بعث النبيّ وَّ من الهدى والعلم
٥٩١٢ - (١٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْعَلاَءِ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ)، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً، عَنْ أَبِي
مُوسَىْ، عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ
أَصَابَ أَرْضَاً، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِيَةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَقَتِ الْكَلاَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَّ. وَكَانَ مِنْهَا
أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ. فَتَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ. فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا
(٥) - باب: بيان ما مثل بعث النبي ◌َّ من الهدى والعلم
١٥ - (٢٢٨٢) - قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب
فضل من علم وعلّم، (رقم: ٧٩).
قوله: (إن مثل ما بعثني الله) المثل: بفتح الميم والثاء، هُنا بمعنى الصفة العجيبة، لا
بمعنى المثل السائر.
قوله: (فأنبتت الكلا والعُشب) أما الكلأ، بالهمزة بلا مدّ، فيقال للنبت الرطب واليابس
كليهما. وأمّا العُشب، بضم العين وسكون الشين، فهو بمعنى النبت الرطب فقط، ففيه تخصيص
بعد تعميم .
قوله: (وكان منها أجادب) هو جمع الجدَب، بفتح الجيم والدال، وهي الأرض الصلبة
التي لا ينضب منها الماء. وضبطه بعضهم بالذال المعجمة، وبعضهم (أحادب) وكلاهما خطأ .
وقال بعضهم (أجارد) وهو صحيح من حيث اللغة، لكونه بمعنى الأرض الجرداء التي لا تنبت،
ولكن لا تساعده الرواية. ووقع في نسخة أبي ذر لصحيح البخاري (إخاذات) وهي جمع إخاذة،
بمعنى الأرض التي تمسك الماء.

٤٢٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أُخْرَى. إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءَ وَلاَ تُثْبِتُ كَلاَ. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ
بِمَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلْمَ. وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَّى اللَّهِ الَّذِي
أُرْسِلْتُ بِهِ)».
(٦) - باب: شفقته ◌َّي على أمته، ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم
٥٩١٣ - (١٦) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي
كُرَيْبٍ)، قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ
قوله: (إنّما هي قِيعان) بكسر القاف وسكون الياء، جمع (قاع)، وهي الأرض المستوية
الملساء التي لا تنبت ولا تجمع ماء.
قوله: (فذلك مثل من فقُه) بضم القاف، أي صار فقيهاً. قال القرطبي وغيره: ((ضرب
النبي وسي لما جاء به من الدين مثلاً بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا
كان حال الناس قبل مبعثه. فكما أن الغيث يحيي البلد الميت، فكذا علوم الدين تحيي القلب
الميّت. ثمّ شبه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث. فمنهم العالم العامل
المعلّم، فهو بمنزلة الأرض الطيبة، شربت فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها. ومنهم
الجامع للعلم المستغرق لزمانه فيه، غير أنه لم يعمل بنوافله، أو لم يتفقه فيما جمع، لكنه أدّاه
لغيره، فهو بمنزلة الأرض التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس به، وهو المشار إليه بقوله ((نضّر الله
عبداً سمع مقالتي فأدّاها كما سمعها)). ومنهم من يسمع العلم فلا يحفظه ولا يعمل به ولا ينقله
لغيره، فهو بمنزلة الأرض السبخة أو الملساء التي لا تقبل الماء أو تفسده على غيرهما، وإنما
جمع في المثل بين الطائفتين الأوليين المحمودتين، لاشتراكهما في الانتفاع بهما، وأفرد الطائفة
الثالثة المذمومة لعدم النفع بها)).
وقال الطيبي: ((بقي من الناس قسمان: أحدهما: الذي انتفع بالعلم في نفسه ولم يعلّمه
غيره. والثاني: من لم ينتفع به في نفسه وعلّمه غيره)) وقال الحافظ في الفتح (١: ١٧٧): ((قلت:
والأول داخل في الأول، لأن النفع حصل في الجملة وإن تفاوتت مراتبه، وكذلك ما تنبته
الأرض، فمنه ما ينتفع الناس به، ومنه ما يصير هشمياً. وأما الثاني: فإن كان عمل الفرائض
وأهمل النوافل فقد دخل في الثاني كما قررناه، وإن ترك الفرائض أيضاً فهو فاسق لا يجوز
الأخذ عنه، ولعلّه يدخل في عموم (من لم يرفع بذلك رأساً) والله أعلم)).
(٦) - باب: شفقته ◌َّيّر على أمته الخ
١٦ - (٢٢٨٣) - قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب
الانتهاء عن المعاصي (٦٤٨٢)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول
الله ◌َلير (٧٢٨٣).

٤٢٩
كتاب: الفضائل
قَالَ: ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلِ أَتَى قَوْمَهُ. فَقَالَ: يَا قَوْمٍ، إِنِّي رَأَيْتُ
الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا الَّذِيرُ الْعُزْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَّجُوا فَانْطَلَقُوا
عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِقَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ،
قوله: (رأيت الجيش بعينيّ) يعني: رأيتُ جيش العدوّ. متأهّباً للإغارة عليكم.
قوله: (وإنّي أنا الّذير العُريان) قال النووي رحمه الله: ((قال العلماء: أصله أن الرجل إذا
أراد إنذار قومه وإعلامهم بما يوجب المخافة نزع ثوبه، وأشار به إليهم إذا كان بعيداً منهم
ليخبرهم بما دهمهم. وأكثر ما يفعل هذا ربيئة القوم وهو طليعتهم ورقيبهم. قالوا: وإنما يفعل
ذلك لأنه أبين للناظر وأغرب وأشنع منظراً، فهو أبلغ في استحثاثهم في التأهب للعدو)).
(أما سبب هذه العادة الجارية، فقد ذكروا فيها وجوهاً. فمنها ما ذكره أبو بشر الآمدي أن
زنبرا بن عمرو الخثعمي كان ناكحاً في آل زبيد، فأرادوا أن يغزوا قومه، وخشوا أن ينذر بهم،
فحرسه أربعة نفر، فصادف منهم غِرّةً، فقذف ثيابه وعدا، وكان من أشدّ الناس عدواً، فأنذر
قومه. وقال غيره: الأصل فيه أن رجلاً لقي جيشاً، فسلبوه وأسروه، فانفلت إلى قومه، فقال:
إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عرياناً فتحققوا صدقه، لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في
النصيحة، ولا جرت عادته بالتعرّي، فقطعوا بصدقه لهذه القرائن).
فضرب النبي وَله لنفسه ولما جاء به مثلاً بذلك، لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالّة
على القطع بصدقة، تقريباً لإفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفون. ويؤيده ما أخرجه الرّامَهُرْمُزيّ
في الأمثال، وهو عند أحمد أيضاً بسند جيد من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: ((خرج
النبي و ﴿ ذات يوم، فنادى ثلاث مرات: أيها الناس! مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً أن
يأتيهم، فبعثوا رجلاً يترايا لهم، فبينما هم كذلك إذ أبصر العدوّ، فأقبل لينذر قومه، فخشي أن
يدركه العدوّ قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس! أُتيتم ثلاث مرات)) ذكره الحافظ في
فتح الباري (١١ : ٣١٧).
قوله: (فالنّجاءَ) بفتح النون، ونصب الهمزة على الإغراء. ووقع في رواية البخاري:
(فالنّجاء، النّجاءَ) مرتين، أي: اطلبوا النجاةء، والنّجاء بمعنى: النّجاة من الشرّ.
قوله: (فأدلجوا) بهمزة القطع المفتوحة، وسكون الدال. أي: ساروا أول الليل، أو ساروا
الليل كلّه، وأصل الإدلاج كالإكرام: الدخول في الدّلجة، (بفتح الدال) وهي ظلام اللّيل.
وضبطه بعضهم بهمزة الوصل وتشديد الدال: (أدّلجوا) ومعناه: السّير في آخر الليل: وهو مأخوذ
من الدُلجة، بضم الدالّ، بمعنى: آخر الليل لكن قال الحافظ: أنه لا يناسب المقام.
قوله: (فانطلقوا على مهلتهم) بضم الميم وسكون الهاء، أي: برفقهم. وفي رواية للبخاري
(على مَهَلهم) بفتح الميم والهاء، والمعنى واحد، يعني: أنهم لم يحتاجوا إلى الإفراط في
العدو، لکونھم خرجوا في وقت مبگّر.

٤٣٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْئُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ. فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ. وَمَثَلُ مَنْ
عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)).
٥٩١٤ - (١٧) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ،
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ
أَمَّتِي كَمَثَلٍ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ نَارَاً. فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَقَخَّمُونَ فِیهِ)) .
٥٩١٥ - (٠٠٠) وحدّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٥٩١٦ - (١٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَيِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةٌ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ نَاراً، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ
وَهَذِهِ الذَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَخَّمْنَ فِيهَا. قَالَ:
قوله: (فصبّحهم الجيش) أي: أغار عليهم في وقت الصباح. هذا أصله، ثم استعير فيمن
طرق بغتةً في أي وقت كان.
قوله: (فاجتاحهم) أي: استأصلهم، وأصله جاح يجوح، بوزن عاد يعود، والاسم
الجائحة .
١٧ - (٢٢٨٤) - قوله: ((عن أبي هريرة)) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
وَوَهَبْنَا لِدَاؤْدَ سُلَيْمُنَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ (٣٤٢٦)، وفي الرقاق، باب الانتهاء من المعاصي
(٦٤٨٣)، وأخرجه الترمذي في الأمثال، باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله (٢٨٢٤).
قوله: (استوقد ناراً) بمعنى: أوقد، والاستيقاد أبلغ، والإضاءة فرط الإنارة.
قوله: (والفَراش) بفتح الفاء، اسم لنوع من الطير له أجنحة أكبر من جثته، وأنواعه مختلفة
في الكبر والصغر وكذا أجنحته وهي التي تحبّ النّور والنّار، فتقع فيها. شبّه رسول الله وَل
الناس الذين يحبون الشهوات التي تأخذ بهم إلى النار.
قوله: (فأنا آخذ بحُجَزكم) بضم الحاء وفتح الجيم، وقيل: بضمها، بعدها زاي معجمة،
جمع حجزة، وهي معقد الإزار، ومن السراويل موضع التكة.
قوله: (وأنتم تقحّمون) بفتح التاء والقاف والحاء، بحذف تاء الخطاب في باب التفعل.
أي تدخلون والتقحّم هو الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت.

٤٣١
كتاب: الفضائل
فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ. أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ. هَلُمَّ عَنِ النَّارِ. هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِي
تَقَخَّمُونَ فِیھَا» .
٥٩١٧ - (١٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلِ أَوْقَدَ نَاراً
فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا. وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا. وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ. وَأَنْتُمْ
تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي».
(٧) - باب: ذكر كونه ◌َّ خاتم النبيين
٥٩١٨ - (٢٠) حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ. قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ
بَى بُنْيَاناً فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ
١٩ - (٢٢٨٥) قوله: (عن جابر) هذا الحديث لم يخرجه غير مسلم من الأئمة الستة.
قوله: (فجعل الجنادب) جمع جُندب، بضم الجيم والدال، ويقال: جُنْدَب، بفتح الدال،
وجِنْدَب، بكسر الجيم وفتح الدال أيضاً. قال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجراد، له أربعة
أجنحة كالجرادة، وأصغر منها يطير، ويصرّ بالليل (أي يصيح) صرّاً شديداً كذا في شرح
النووي.
قوله: (وأنتم تفَلَّتُوْن) بفتح التاء والفاء واللام المشددة من باب التفعل، وقيل: بضم التاء
وسكون الفاء وكسر اللام، من باب الإكرام. وكلاهما صحيح. يقال: أفلت منّي وتفلّت: إذا
نازعك الغلبة والهرب، ثم غلب وهرب.
(٧) - باب: ذكر كونه * خاتم النبيّين
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب خاتم النبيّين وَلّ
(٣٥٣٤)، وأخرجه الترمذي في الأمثال، باب ما جاء في مثل النبي وَّر (٢٨٦٢).
قوله: (مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً) قيل: المشبّه به واحد، والمشبّه جماعة،
فكيف صح التشبيه؟ وأجاب عنه بعضهم بأنه جعل الأنبياء كرجل واحد، لأنه لا يتم ما أراد من
التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان. والأحسن في الجواب أن
يقال: إنه ليس تشبيهاً لمفرد بمفرد، بل هو تشبيه تمثيليّ، وهو الذي يؤخذ فيه بوصف من جميع
أحوال المشّبه، ويشبّه بمثله من أحوال المشبّه به، فشبّه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس إلى
مكارم الأخلاق بدار أسس قواعدها ورفع بنيانها وبقي منه موضع لبنة. فنبيّنا وَّ بعث لتتميم
مكارم الأخلاق، كأنه هو تلك اللبنة الباقية من الدار.

٤٣٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُطِيفُونَ بِهِ. يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا بُنْيَاناً أَحْسَنَ مِنْ هَذَا. إِلَّ هَذِهِ اللَِّنَّةَ، فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَِّنَةَ)).
٥٩١٩ - (٢١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ أَبُوَ الْقَاسِمِ بَّهِ: (مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلِ ابْتَتَى بُيُوتاً فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا
وَأَكْمَلَهَا، إِلَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا. فَجَعَلَّ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ
فَيَقُولُونَ: أَلَّ وَضَعْتَ هُهُنَا لَِّنَةً! فَيَتِمَّ بُثْيَانُكَ)) فَقَالَ مُحَمَّدٌ بَّهِ: ((فَكُنْتُ أَنَا اللَّبِنَةَ)).
٥٩٢٠ - (٢٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
(يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، أَنَّ
رَسُول اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٌ بَتَى بُنْيَاناً فَأَحْسَتَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلاَّ
مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجُبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ
هَذِهِ اللَِّنَّةُ! قَالَ: فَأَنَا اللَِّنَةُ. وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ)).
وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في أسّ الدّار المذكورة، وأنها لولا وضعها
لانتقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور. وتعقبه الحافظ في الفتح (٦:
٥٥٩) بأن ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار لفقدها. وقد وقع
في رواية همام عند مسلم: ((إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها))، فيظهر أن المراد أنها مكملة
محسنة، وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصاً، وليس كذلك، فإن شريعة كل نبي
بالنسبة إليه كاملة. فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من
الشرائع الكاملة .
قوله: (يُطيفون) من الإطافة. وطاف وأطاف بمعنى واحد.
قوله: (إلا هذه اللبنة) بفتح اللام وكسر الباء، هي القطعة من الطين تُعجن وتجبل وتعدّ
للبناء، ويقال لها ما لم تحرق. (لبنة) فإذا أحرقت فهي آجُرّة.
(٠٠٠) - قوله: (وأنا خاتم النّبيّين) يعني: آخر النبيّين، لا نبيّ بعدي، وكونه وَّ خاتم
النبيّين لا نبيّ بعده ثابت بنصوص قطعية متواترة لا شبهة فيها، وعقيدة ختم النبوة عليه وَلقر مما
ثبت من الدين ضرورة يكفر جاحدها دون أيّ شكّ. ولحضرة والدي المفتي محمد شفيع رحمه
الله تعالى في ذلك كتاب جيّد باسم (ختم النبوة) استوعب فيه الآيات والأحاديث والآثار الدالّة
على كونه عليه السلام خاتم النّبيّين، وتعرّض لجميع التحريفات الباطلة التي ارتكبها بعض
الملاحدة من القاديانية وغيرهم، وفّد دعاويهم بدلائل قاطعة يطمئن إليها قلب كل مؤمن،
فليراجع، وليس هذا موضع البسط في ذلك.

٤٣٣
كتاب: الفضائل
٥٩٢١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ
النَِّئِينَ)). فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
٥٩٢٢ - (٢٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَقَّانُ. حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّنَ.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَثَلٍ رَجُلٍ بَنَى
دَاراً فَأَتَمَّهَا وَأَكْمَلَهَا إِلاَّ مَوْضِعٍ لَّبِنَةٍ. فَجَعَلَ النَّاسُ يَدْخُلُونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا، وَيَقُولُونَ: لَوْلاَ
مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ!)) قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَ: ((فَأَنَا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ، جِئْتُ فَخَتَمْتُ الأَنْبِيَاءَ».
وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سَلِيمٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وَقَالَ بَدَلَ - أَتَمَّهَا - أَحْسَنَهَا .
(٨) - باب: إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها
٥٩٢٣ - ٢٤ / - قَالَ مُسْلِمٌ: وَحُدِّثتُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ. وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنِي بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً،
عَنْ أَبِي مُوسَىْ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ
(٠٠٠) - قوله: (عن أبي سعيد) هذا الحديث أخرجه مسلم فقط، ولم يخرجه الأئمة
الخمسة .
٢٣ - (٢٢٨٧) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب خاتم
النبيّين (٣٥٣٤)، والترمذي في الأمثال، باب ما جاء في مثل النبي وَل و (٢٨٦٢).
قوله: (لولا موضع اللبنة) أي: لولا موضع اللبنة كان خالياً، لكان حسناً، ويحتمل أن
تكون (لولا) للتحضيض، يعنى: لولا أكمل موضع اللبنة.
(٨) - باب: إذا أراد الله تعالى رحمة أمة قبض نبيها قبلها
٢٤ - (٢٢٨٨) قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط، ولم يخرجه
الأئمة الخمسة الآخرون. وقد ذكر المأزري أن هذا الحديث من الأحاديث المنقطعة في صحيح
مسلم، لأنه قال: (حُدّثت عن أبي أسامة) لكن قال النووي: ((ليس هذا حقيقة انقطاع، وإنما هو
رواية مجهول. وقد وقع في بعض النسخ المعتمدة: قال الجلودي: حدثنا محمد ابن المسيب
الأرعياني: قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامه بإسناده)) فاتصل
إسناده .

٤٣٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نَبيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطاً وَسَلَفاً بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ، عَذَّبَهَا، وَنَبِيُّهَا حَيٍّ،
فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ)) .
(٩) - باب: إثبات حوض نبينا ◌َ﴾ وصفاته
٥٩٢٤ - (٢٥) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زَائِدَةُ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَباً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمْ
عَلَى الْخَوْضِ)».
قوله: (فجعله لها فرطاً) بفتح الفاء والراء، وهو الذي يتقدم القافلة فيهيء لهم الدلاء
والحیاض.
(٩) - باب: إثبات حوض نبينا وَلير وصفاته
٢٥ - (٢٢٨٩) - قوله: (سمعت جندياً) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب في
الحوض (٦٥٨٩). والظاهر أن روايه جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي رظُه، يكنى أبا عبد
الله، وربما نسب إلى جده، ويقال: جندب بن خالد بن سفيان، ويقال له جندب الخير أيضاً،
قال خليفة: مات في فتنة ابن الزبير، وذكره البخاري في التاريخ فيمن توفي من الستين إلى
السبعين. وراجع التهذيب (٢: ١١٧)، والإصابة (١: ٢٥٠).
قوله: (أنا فرطكم على الحوض) يعني: على حوض النبي ◌َّ، وربّما يطلق عليه اسم:
(حوض الكوثر)، والأصل أن (الكوثر) نهر في الجنة، ويشخب منه ميزابان إلى حوض النبيّ ێے،
كما سيأتي من حديث أبي ذرّ رَظُه، ووقع في حديث لابن مسعود رَالُّه عند أحمد: ((ويفتح نهر
الكوثر إلى الحوض)).
وقد ساق الإمام مسلم رحمه الله في هذا الباب أحاديث كثيرة لإثبات حوض النبي ◌َّللتر،
وبيان صفاته، وهذه الأحاديث حجة على من أنكر ثبوت الحوض من الخوارج والمعتزلة. وقد
ذكر المحدثون أن ثبوت حوض النبي ◌ّ متواتر معنى، فقد ذكر القرطبي رحمه الله في (المفهم)
أنه روى ذلك عن النبي ◌ّر من الصحابة نيّف على الثلاثين، منهم في الصحيحين ما ينيف على
العشرين. وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله خمسة وعشرين من الصحابة الذين رووا أحاديث
الحوض، وزاد عليهم النووي ثلاثة، وقد ذكر الحافظ في فتح الباري (١١ : ٤٦٨، و٤٦٩)
أسماءهم وأسماء الذين أخرجوا أحاديثهم، ثم قال: ((وزدت عليهم أجمعين قدر ما ذكروه سواء،
فزادت العدة على خمسين. ولكثير من هؤلاء الصحابة في ذلك زيادة على الحديث الواحد،
كأبي هريرة وأنس وابن عباس وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو، وأحاديثهم بعضها في مطلق ذكر
الحوض، وفي صفته بعضها، وفيمن يرد عليه بعضها، وفيمن يدفع عنه بعضها ... وبلغني أن
بعض المتأخرين وصلها إلى ثمانين صحابياً .

٤٣٥
كتاب: الفضائل
٥٩٢٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب.
حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ. جَمِيعاً عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُعاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلاَهُمَا عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جُنْدَبٍ، عَنِ النَّبِّ وَّلَهُ بِمِثْلِهِ .
٥٩٢٦ - (٢٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِيَّ)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلاً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((أَنَا فَرَطُكُمَّ
وقد اشتهر اختصاص نبينا وَ# بالحوض. لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه: ((إن
لكل نبيّ حوضاً)) وأشار الترمذي إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح. قال
الحافظ في الفتح: ((والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول
الله وَّ: ((إن لكل نبيّ حوضاً، وهو قائم على حوضه، بيده عصا، يدعو من عرف من أمته، إلا
أنهم يتباهون أيّهم أكثر تبعاً، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً وأخرجه الطبراني من وجه آخر
عن سمرة موصولاً. مرفوعاً مثله، وفي سنده لين. وأخرج ابن أبي الدنيا أيضاً من حديث أبي
سعيد رفعه: ((وكل نبيّ يدعو أمته، ولكل نبيّ حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه
العصبة، ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإنّي لأكثر
الأنبياء تبعاً يوم القيامة)) وفي إسناد لين. وإن ثبت فالمختص بنبيّنا وَّ الكوثر الذي يصب من
مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في السورة المذكورة)).
وقد تحدث العلماء عن موضع هذا الحوض، فقال بعضهم: هو قبل الصراط، وقال
آخرون: هو بعد الصراط قبل الجنّة، وكل واحد من الفريقين أيّد قوله بروايات، وأطال في ذلك
الحافظ في الفتح، وتوصّل أخيراً إلى أنه قبل الصّراط، واستشكله البعض بأنه كيف يمكن حينئذ
أن تشخب إليه ميزابان من الجنّة، فإنه يلزم على هذا القول أن يكون بين الحوض وبين الجنّة
صراط، وهو جسر منصوب على جهنّم. ولعلّ هذا الإشكال دفع بعض العلماء إلى القول بأن
لرسول الله ◌َ﴾ حوضين، أحدهما قبل الصّراط، والآخر بعده، وإلى هذا جنح العيني في عمدة
القاري (١٠: ٦٨٨). ولكن أصل الإشكال يمكن رفعه بأن أحوال الآخرة لا تُقاس على أحوال
الدنّيا، وقد ثبت أن أحوال الجنّة لا يمكن تصوّرها لبشر، فكيف نتصور حقيقة الميزابين الذين
ينصبّ ماؤهما إلى الحوض؟ ولا مانع من أن يكون الحوض قبل الضّراط، ومع ذلك ينفذ ماء
نهر الكوثر إليه بصفة لا نتصوّرها اليوم. ثمّ ليس من المهمّ تعيين مكان الحوض، وإنما المهمّ
ثبوته والسّعي للوصول إليه بالعمل الصّالح، رزقنا الله تعالى الوصول إليه والاستقاء منه. آمين،
والله أعلم.
٢٦ - (٢٢٩٠) - قوله: (سمعت سهلاً) يعني: ابن سعد ظله، وهذا الحديث أخرجه

٤٣٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَلَى الْحَوْضِ. مَنْ وَرَدَ شَرِبَ. وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَداً. وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ
وَيَعْرِفُونِي. ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْتَهُمْ)).
البخاري في الرقاق، باب في الحوض (٦٥٨٣)، وفي الفتن، باب ما جاء في قوله تعالى:
﴿وَأَثَّقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾، (٧٠٥٠).
قوله: (من ورد شرب) يعني: أن الممنوع منه شربه إنما هو من لم يرد عليه من الذين ذيدوا
عنه. وأما من ورد، فإنه يشرب منه.
قوله: (ومن شرب لم يظمأ أبداً) يعني: أنه لا يتحمل بعد ذلك أذى العطش وعناءه، أمّا
الشهوة إلى الشّراب الّتي تورث لذة في الشرب، فالظاهر أنها غير منتفية من أهل الجنّة، والله
أعلم.
ثم قال المأزري: ((وهو يدل على أن الشرب منه بعد الحساب والنجاة من النار، لأنه الذي
لا يعطش أبداً. وقيل: لا يشرب منه إلا من لا يدخل النار)) لكن قال القاضي عياض رحمه الله:
((ظاهر الحديث أن الأمة كلها تشرب منه إلا من ارتدّ، ثم من يدخل النار بعد الشّرب، فيحتمل
أنه لا يعذّب فيها بالعطش، بل بغيره. وهذا كما قيل: إن الأمة كلّها تأخذ كتبها بأيمانها، ثمّ
يعاقب الله تعالى من شاء منهم. وقيل: إنما يأخذ كتابه بيمينه الناجون)).
قوله: (وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني) حاصله أن رجالاً من أمته وَ لَه يحاولون
الورود على الحوض، فيُمنعون من ذلك، فيعرفهم رسول الله وَلقول، ويريد أن يدعوهم إلى
الحوض ويسمح لهم بالشرب منه، ولكن يقال له عند ذلك: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك من
الأعمال السيئة، فيتبرأ منهم رسول الله وَ ل﴿ قائلاً: ((سحقاً سحقاً)).
وإن هذا المعنى قد ورد في غير واحد من أحاديث الباب بألفاظ مختلفة، فقد وقع في
حديث سهل بن سعد: ((ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم))، وفي حديث
أبي سعيد الخدريّ: ((إنّهم منّي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك. فأقول: سُحْقاً سُخْقاً لمن
بدّل بعدي))، وفي حديث أسماء بنت أبي بكر: ((إنّي على الحوض حتّى أنظر من يرّد عليّ منكم،
وسيؤخذ أناسٌ دوني، فأقول: يا ربّ! منّي ومن أمتّي! فيُقال: أما شعرت ما عملوا بعدك؟ واللهِ
ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم))، وفي حديث عائشة: ((أنّي على الحوض أنتظر من يرّد
عليّ منكم، فوالله لَّيُقتَطَعَنَّ دوني رجال، فلأقولنّ: أي ربّ! منّي ومن أمتّي، فيقول: إنّك لا
تدري ما عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم)) وفي حديث أم سلمة: ((إنّي لكم فرط
على الحوض، فإيّاي لا يأتينّ أحدكم، فيُذب عنّي كما يذبّ البعير الضّالّ، فأقول: فيم هذا؟
فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحْقاً))، وفي حديث عبد الله بن مسعود: ((أنا
فرطكم على الحوض، ولأنازعنّ أقواماً، ثمّ لأُغلبَنّ عليهم، فأقول: يا ربّ! أصحابي،

٤٣٧
كتاب: الفضائل
أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) وفي حديث أنس بن مالك: ((ليردنّ عليّ
الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورُفِعوا إليّ اختُلِجُوا دوني، فلأقولنّ: أي ربّ
أصحابي، أصحابي، فليقالنّ لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)).
وقد اختلف أقوال العلماء في تعيين هؤلاء الذين يُمنعون من الحوض بعد ما يعرفهم رسول
الله ◌َّ، فنجد في ذلك أقوالاً آتية:
١ - إنّهم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر ◌ُه، فقاتلهم أبو بكر. وهذا القول هو الذي
اختاره أكثر شرّاح الحديث، ويؤيده ما ورد في حديث أسماء: ((والله: ما برحوا بعدك يرجعون
على أعقابهم))، وفي حديث لأبي هريرة: ((إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى)) رواه البخاري
(رقم: ٦٥٨٥)، وبهذا فسّر الحديث قبيصة، كما ورد تعليقاً في نسخة الفربري للبخاري، وقد
وصله الإسماعيلي عن قصيبة، وتفسير راوي الحديث أولى من تفسير غيره. وقد يستشكل هذا
بقوله : ((أصحابي، أصحابي)) فإن الذين ارتدوا لا يسمّون أصحاباً له وَلّ، ويمكن أن يجاب
عن ذلك بأنه و ﴿ أطلق عليهم هذا اللفظ نظراً إلى ما كانوا عليه في حياته وَّ، فإمّا أن يكون لم
يعلم بارتدادهم، أو ارتداد بعضهم، أو علم ذلك أوّلاً، ولكنه ذهل عنه عند الحوض لفرط شفقته
على الأمّة، فلمّا تذكّر ذلك بما قيل له، تبرأ منهم.
٢ - إنّهم المنافقون الذين كانوا في عهده وَّر، فأطلق عليهم لفظ: ((الأصحاب)) نظراً إلى
ظاهر حالهم. وهذا التوجيه يحتاج إلى القول بأن رسول الله ولو لم يكن يعرف نفاق بعض
المنافقين، وفيه نظر ظاهر. ثم يرده أيضاً لفظ الحديث: ((إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك))، فإنه
يدل على أنهم إنما استحقوا النّار بعده وَّر، ولم يكونوا كذلك في عهده.
٣ - هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وإنما يُمنعون من الحوض أوّلاً
عقوبة لهم، ثم يُرحمون. وهذا التأويل يأباه ظاهر الحديث أيضاً، لأن أصحاب البدع إنما
ظهروا بعد وفاة رسول الله وَله، وقد أطلق عليهم لفظ: ((أصحابي)) وقد أجيب عن هذا الإشكال
بحمل الصحبة على المعنى الأعم، ولكن يعكر عليه بما أخرجه أحمد والطبراني من حديث أبي
بكرة: ((ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني))، وسنده حسن كما في فتح الباري. ثم
يستبعد أيضاً أن يقول رسول الله وَله: ((سحقاً سحقاً)) لأحد من المسلمين، سواء كان فاسقاً أو
مبتدعاً. وراجع للتفصيل فتح الباري، باب كيف الحشر: (١١: ٣٨٥).
فالتأويل الراجح لهذا الحديث هو التأويل الأول، وهو أن المراد منهم المرتدون في عهد
أبي بكر ◌ُه. وأمّا ما اعتقده غلاة الرافضة من أن هذا الحديث يدل على أن معظم الصحابة
ارتدوا بعده ( 18 - والعياذ بالله من هذه العقيدة الباطلة - فهو اعتقاد سخيف جداً، لأن سياق
الحديث ناطقٌ بأن هؤلاء الممنوعين من الحوض عددهم قليل جداً، بالنسبة إلى سائر

٤٣٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
2291 - قَالَ أَبُو حَازِم: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ.
فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلاً يَقُولُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُولُ: ((إِنَّهُمْ مِنِّي. فَيُقَالُ:
إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقاً سُخْقاً لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي)) .
٥٩٢٧ - (٠٠٠) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
أُسَامَةُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِّ وََّ. وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنِ الْنَبِيِّ بَّرَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَعْقُوبَ.
٥٩٢٨ - (٢٧) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ. حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَّرَ الْجُمَحِيُّ، عَنِ
ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((حَوْضِي
مَسِيرَةُ شَهْرٍ. وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ. وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ.
أصحابه وَّ ر، ولذلك سماهم رسول الله وَلقوله (أصيحابي) بالتصغير، وهذا التصغير يدل على قلة
عددهم، كما صرح بذلك الخطابي. فكيف يحكم بذلك على معظم الصحابة أنهم تغيّر حالهم
بعده وَّر، وقد ثبت لهم فضائل لا تحصى في كل من القرآن والسنّة والتاريخ؟ ونسأل الله تعالى
أن يعصمنا من مثل هذه الضلالات، والعياذ بالله العظيم.
قوله: (سُخْقاً سُحْقاً) بضم السين وسكون الحاء، أي: بُعداً، والسّحيق: البعيد، ونصبه
على المصدر، والتكرار للتأكيد.
٢٧ - (٢٢٩٢) - قوله: (قال عبد الله بن عمرو بن العاص) هذا الحديث أخرجه البخاري
في الرقاق، باب في الحوض (٦٥٧٩).
قوله: (حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء) أي: جوانبه سواء في المسافة، وحاصله أن
طول الحوض وعرضه سواء. وسيأتي بيان اختلاف الروايات في حجم الحوض في شرح حديث
عقبة بن عامر في هذا الباب إن شاء الله تعالى.
قوله: (ماؤه أبيض من الورق) بفتح الواو وكسر الراء، أي الفضة. ووقع في رواية سعيد بن
أبي مريم عند البخاري: ((أبيض من اللبن))، وكلاهما متقاربان، لأن المقصود بيان شدة بياضه،
ثم قال المأزري: ((مقتضى كلام النحاة أن يقال: أشدّ بياضاً، ولا يقال: أبيض من كذا. ومنهم
من أجازه في الشّعر، ومنهم من أجازه بقلّة، ويشهد له هذا الحديث وغيره)) لكن قال الحافظ في
الفتح (١١ : ٤٧٢): ((قلت: ويحتمل أن يكون ذلك من تصرّف الرواة، فقد وقع في رواية أبي ذر
عند مسلم بلفظ: ((أشد بياضا من اللبن))، وكذا لابن مسعود عند أحمد، وكذا لأبي أمامة عند
ابن أبي عاصم)) .

٤٣٩
كتاب: الفضائل
وَرِيحُهُ أَظْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ. وَكِيزَانُهُ كَتُجُومِ السَّمَاءِ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلاَ يَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَداً)).
2293 - قَالَ: وَقَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّرِ: ((إِنِّي عَلَى
الْحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ. وَسَيُؤْخَذُ أَنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ
أُمَِّي. فَيَقَالُ: أَمَا شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعْدَكَ يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)) .
قَالَ: فَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَرْجِعَ عَلَى أَعْقَابِنَا أَوْ أَنْ
نُفْتَنَ عَنْ دِينِنَا .
٥٩٢٩ _ (٢٨) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمِ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّ
يَقُولُ، وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ: ((إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ. أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ. فَوَاللَّهِ
لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ. فَلأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أَمَّتِي. فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ تَذْرِي مَا عَمِلُوا
بَعْدَكَ. مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ)).
قوله: (وريحه أطيب من المسك) وسيأتي في حديث أبي ذر وثوبان: ((وأحلى من العسل))،
وزاد أحمد في حديث ابن عمر، ومن حديث ابن مسعود: ((وأبرد من الثلج)) وروي في مثله في
حديث أبي برزة عند أحمد، وفي حديث أنس عند البراز وأبي يعلى، وجاء في حديث ابن عمر
عند الترمذي: ((وماؤه أشد برداً من الثلج)). هذا ملخص ما في فتح الباري.
قوله: (قال وكيزانه كنجوم السماء) الكِيزان، بكسر الكاف، جمع الكُوز (بضم الكاف)
والمراد بيان كثرة عددها .
(٢٢٩٣) - قوله: (قال وقالت أسماء بنت أبي بكر) قائل هذا الكلام هو ابن أبي مليكة،
روى حديث عبد الله بن عمرو أولاً، ثم روى حديث أسماء، فهذا الحديث مسند، وليس معلّقاً
كما زعم البعض. وحديث أسماء هذا أخرجه البخاري في الرقاق، باب في الحوض ٦٥٩٣ من
طريق سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن عمر، قال: حدثني ابن أبي مليكة عن أسماء. وأخرجه
في الفتن، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَثَقُواْ فِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمُ خَاصَةٌ﴾ (٧٠٤١) من
طريق علي بن عبد الله، حدثنا بشر بن السريّ، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال:
قالت أسماء الخ فذكر الحديث.
قوله: (منّي ومن أمّتي) يعني: هؤولاء منّي ومن أمّتي، فينبغي أن يسمح لهم بالورود على
الحوض .
٢٨ - (٢٢٩٤) - قوله: (سمع عائشة) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط من بين الأئمة
الستة .

٤٤٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٩٣٠ - (٢٩) وحدّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ)، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِع، مَوْلَى أُمِّ سَلَّمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ؛ أَنَّهَا قَالَّتْ: كُنْتُ أَسْمَعُ
النَّاسَ يَذْكُرُونَ الْحَوْضَ. وَلَمْ أَسْمَعْ ذُلِكَ مِنْ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْماً مِنْ ذَلِكَ.
وَالْجَارِيَةُ تَمْشُطُنِي. فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((أَيُّهَا النَّاسُ)) فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: اسْتَأْخِرِي
عَنْي. قَالَتْ: إِنَّمَا دَعَا الرِّجَالَ وَلَمْ يَدْعُ النِّسَاءَ. فَقُلْتُ: إِنِّي مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((إِنِّي لَكُمْ فَرَطْ عَلَى الْخَوْضِ. فَإَِّاتَ لاَ يَأْتِيَنَّ أَحَدُكُمْ فَيَذِبُّ عَنِّي كَمَا يُذَبُّ
الْبَعِيرُ الضَّالُّ. فَأَقُولُ: فِيمَ هَذَا؟ فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَذْرِي مَا أَخْدَثُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُخْقاً».
٥٩٣١ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، (وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو)، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَافِعِ. قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ وَ يَقُولُ، عَلَى
الْمِنْبَرِ، وَهِيَ تَمْتَشِّطُ: ((أَيُّهَا النَّاسُ)) فَقَالَتْ لِمَاشِطَتِهَا: كُفِّي رَأْسِي، بِنَحْوِ حَدِيثِ بُكَيْرٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ.
٥٩٣٢ - (٣٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ
أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ◌ِهـ
٢٩ - (٢٢٩٥) - قوله: (عن أم سلمة) هذا الحديث أيضاً أخرجه المصنف فقط، ولم
يخرجه الأئمة الخمسة الآخرون.
قوله: (استأخِري عنّي) إنّما أمرت الجارية بالكفّ عن الامتشاط، لكي يمكن لها الإصغاء
إلى خطاب رسول الله وَل﴾.
قوله: (فقلت: إنّ من النّاس) فيه كمال عقل أم سلمة ، ووفور علمها، وفرط اشتياقها إلى
استماع كلام رسول الله صل، وحبّ مطاوعتها لأمر النبيّ وَ ل38، فإن قوله: ((أيها الناس)) متضمن
للأمر بالاستماع، وكانت تعرف أم سلمة أنه كلّما خاطب القرآن أو رسول الله وَّيقول بهذه الصيغة،
فإن النّساء يدخلن في الخطاب كما يدخل الرجال، فبادرت إلى مطاوعة الأمر، والاستماع إلى
قوله له .
٣٠ - (٢٢٩٦) - قوله: (عن عقبة بن عامر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب
الصلاة على الشهيد (١٣٤٤)، وفي الأنبياء، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٥٩٦)، وفي
المغازي، باب غزوة أحد (٤٠٤٢)، وباب أحد يحبّنا ونحبّه (٤٠٨٥)، وفي الرقاق، باب في
الحوض (٦٥٩٠)، وباب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها (٦٤٢٦).