النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
کتاب: الرؤيا
رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللّهِ وَله. ح وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيْبِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، أَخْبَرَنَا ابْنُ
وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ
عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ
فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ. فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ. فَالْمُسْتَكْثِرُ
وَالْمُسْتَقِلُّ. وَأَرَىْ سَبَباً وَاصِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ. فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ
الزهريات، وذكره البخاري تعليقاً في باب الرؤيا بالليل. وأخرجه أبو داود وابن ماجه عن
محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق، فقال فيه: ((عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث)»
بما يدل على أن ابن عباس رواه عن أبي هريرة، وهكذا أخرجه البراز عن سلمة بن شعيب عن
عبد الرزاق، وقال: ((لا نعلم أحداً قال: عن عبيد الله عن ابن عباس، عن أبي هريرة إلا عبد
الرزاق عن معمر، ورواه غير واحد فلم يذكروا أبا هريرة)»، وصنيع البخاري يقتضي ترجيح رواية
من جزم بكونه من مسندات ابن عباس. لأنه ذكر هذا الحديث في الأيمان والنذور تعليقاً، فقال:
((وقال ابن عباس: قال النبي ◌َّر لأبي بكر)) فجزم بأن الراوي ابن عباس، وراجع للتفصيل فتح
الباري (١٢ : ٤٣٣).
وليس هذا من الاضطراب الذي يقدح في صحة الحديث، لأن أكثر المحققين رجحوا كونه
مروياً عن ابن عباس، وبعد الترجيح لا يبقى اضطراب، ولأن جهالة الصحابيّ غير مضرّة، لكون
الصحابة كلهم عدولاً، والله سبحانه أعلم.
قوله: (ظُلّة) بضم الظاء، أي: سحابة لها ظلّ. وكل ما أظلّ من سقيفة ونحوها يسمّى
ظُلّة. قاله الخطّابي. وزاد ابن ماجه من طريق ابن عيينة ((بين السماء والأرض)).
قوله: (تنطف) بكسر الطاء، ويجوز ضمها أيضاً، ومعناه: تقطر. يقال: نطف الماء: إذا
سال، ويقال: ليلةٌ نَطُوفٌ، أي: الليلة التي مطرت فيها السماء إلى الصبح.
قوله: (يتكفّفون) أي: يأخذون بأكفّهم. قال الخليل: تكفّف: بسط كفه ليأخذ. وفي رواية
الترمذي ((يستقون)). ويحتمل أن يكون معنى ((يتكفّفون)) يأخذون كفايتهم، قاله القرطبي وتعقبه
الحافظ في الفتح (١٢ : ٤٣٤).
قوله: (فالمستكثر والمستقل) يعني: بعضهم يأخذ الكثير منه، وبعضهم يأخذ القليل. وفي
رواية لأحمد ((فمن بين مستكثر ومستقل)).
قوله: (ورأى سبباً) أي: حبلاً .
قوله: (فأراك أخذت به) خطاب للنبي وَل .

٤٠٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلاَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلاَ. ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ. ثُمَّ
وُصِلَ لَهُ فَعَلَاً .
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ. وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلأَعْبُرَنَّهَا. قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: (اعْبُرْهَا)) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسْلاَمِ. وَأَمَّا الَّذِي يَنْطُفُ مِنَ
السَّمْنِ وَالْعَسَلِ فَالْقُرْآنُ حَلاَوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِّكَ فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ
وَالْمُسَتَقِلُّ. وَأَمَّا السَّبِّبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ. تَأْخُذُ بِهِ
فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ. ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ. ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ. ثُمَّ
يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ. فَأَخْبِرْنِي، يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ،
أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((أَصَبْتَ بَعْضاً وَأَخْطَأْتَ بَعْضاً)) قَالَ: فَوَاللَّهِ،
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَتُحَدْثَنِي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ؟ قَالَ: ((لاَ تُقْسِمْ)).
قوله: (فانقطع به) يعني: انقطع الحبل، ثمّ وُصِل له.
قوله: (لتدعنّي فلأعبّرنها) فيه جواز إظهار العالم ما يحسن من العلم إذا خلصت نيتّه وأمن
العجب .
قوله: (ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به) قال العلماء: والذين أخذوا به بعد النبي وَّ
واحداً بعد واحد، هم الخلفاء الثلاثة، وعثمان ربه هو الذي انقطع به ثم اتصل.
قوله: (لا تُقسم) وفي رواية ابن ماجه ((لا تقسم يا أبا بكر)» وفي رواية للدرامي وأبي عوانة:
(«ما الذي أصبت؟ وما الذي أخطأت؟ فأبى أن يخبره)).
قال المهلب: ((توجيه تعبير أبي بكر أن الظُّلّة نعمة من نعم الله تعالى على أهل الجنّة،
وكذلك كانت على بني إسرائيل، وكذلك الإسلام يقي الأذى وينعم به المؤمن في الدنيا
والآخرة. وأما العسل، فإنّ الله جعله شفاء للناس، وقال تعالى في القرآن: (30-FM ﴿شفاء
لما في الصدور﴾﴾، وهو حلو على الأسماع كحلاوة العسل في المذاق، وكذلك جاء في
الحديث: ((إن في السمن شفاء)) وقال القاضي عياض: ((وقد يكون عبر الظلّة بذلك لما نطفت
العسل والسمن الذين عبرهما بالقُرآن، وذلك إنما كان عن الإسلام والشريعة. والسبب في اللغة
الحبل والعهد والميثاق)).
ثم تكلمت جماعة من شرّاح الحديث فيما ذكر النبيّ وَّ أن أبا بكر ◌َ ه أخطأ فيه فقال
بعض العلماء: لم يكن أخطأ في تعبير الرؤيا وإنما خطؤه رضي الله عنه في مبادرته إلى التّعبير
قبل أن يعبّر رسول الله # أو أن يأمره بالتعبير. وفيه نظر، لأن ظاهر لفظ الحديث أن النبي وَيّ
إنما أشار إلى كونه مخطئاً في بعض أجزاء التّعبير، ولأن مبادرته إلى التعبير لو كان خطأ، لما
أذن له رسول الله ﴾﴾ بذلك.

٤٠٣
کتاب: الرؤيا
٥٨٨٨ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ النَّبِيَّ وَ﴿ مُنْصَرَفَهُ مِن أُحُدٍ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، بِمَعْنَى
حَدِيثٍ يُونُسَ .
وقال ابن التين والطحاوي: موضع خطأه تفسيره العسل والسّمن كليهما بشيء واحد وهو
القرآن وكان يناسب أن يفسّر العسل بالقرآن والسّمن بالسنّة. وأيده الخطيب بقول أهل التعبير،
وبه جزم ابن العربيّ.
وقيل: الخطأ في خلع عثمان رواه، لأنه رؤى في المنام أنه آخذ بالسبب فانقطع به، وذلك
يدل انخلاعه بنفسه، وعثمان رُه قد قتل قهراً ولم يخلع نفسه، وهذا غير ظاهر.
وقال بعض العلماء: وجه الخطأ أنه جعل السبب الحقّ، وعثمان رَظُه لم ينقطع به الحقّ،
وكان الصواب أن يفسّره بالولاية، لأنها كانت أولاً بالنبوة، ثم صارت بالخلافة، فاتصلت لأبي
بكر وعمر، ثم انقطعت بعثمان لما كان ظُنّ به، ثمّ صحت براءته، فأعلاه الله تعالى ولحق
بأصحابه.
وهذا الوجه الأخير وإن كان أولى الوجوه بظاهره، ولكنّني لا استحسن الخوض في تعيين
الله لا
الخطأ الذي أشار إليه رسول الله وَله. وذلك لأمرين: الأوّل: أنّ ما أخطأ فيه الصديق
يمكن لأحد أن يدّعي علم الصواب في ذلك، ودرجة الصديق ◌ُه أعلى من أن يتصدى أحد
ممن بعده لبيان خطأه بدون نصّ صريح. والوجه الثاني: أن النبيّ وَّر أعرض عن بيان وجه
الخطأ مع طلب ذلك من سيدنا أبي بكر ته، وما ذلك إلا لأنه وَلو رأى مصلحة في إخفائه،
وليس لنا أن نتعرّض لما أخفاه رسول الله وَ ◌ّ ر عن قصد وعمد. وما أحسن ما ذكره الحافظ في
الفتح (١٢ : ٤٣٧) عن بعض السّلف أنه سأل عن الوجه الذي أخطأ فيه أبو بكر، فقال: ((ولئن
كان تقدم أبي بكر بين يدي رسول الله وَ الفر خطأ، فالتقدم بين يدي أبي بكر لتعيين خطئه أعظم
وأعظم، فالذي يقتضيه الدين والحزم الكفّ عن ذلك)) واعتذر الكرماني لمن تعرض لبيان وجه
الخطأ بأن النبي وَلّ لم يبين وجه الخطأ لما رأى مفسدة في ذلك حينئذ، وزالت تلك المفسدة
بعده ◌َّه، ولم يبين أحد منهم وجهاً إلا على سبيل الاحتمال. وما ذكره الكرماني مستحسن
لتبرير السّلف الذين تكلموا في هذا الموضوع باجتهادهم، وإلا فلا شكّ أن السّبيل الأقوم
والأسلم في مثل هذه الأمور هو السّكوت وتفويض العلم إلى الله سبحانه وتعالى.
(٠٠٠) - قوله: (منصرفه من أحد) بفتح الفاء على أنه ظرف أو منصوب بنزع الخافض،
والتقدير: عند منصرفه. وهذا مما يدل على أن الحديث من مراسيل الصحابة، سواء كان مروياً
عن ابن عباس أو عن أبي هريرة. لأن كلا منهما لم يكن في ذلك الزمان بالمدينة. أما ابن عباس
فكان صغيراً مع أبويه بمكة، وأما أبو هريرة، فإنما قدم المدينة زمن خيبر سنة سبع.

٤٠٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٨٨٩ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَّ
عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ أَحْياناً يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَحْيَاناً يَقُولُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَجُلاً أَتَى رَسُولَ اللّهِ وَهِ فَقَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّيَلَّةَ ظُلَّةً، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
٥٨٩٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ،
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ: كَانَ مِمَّا يَقُولُ لأَصْحَابِهِ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَغَبُرْهَا لَّهُ))
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ ظُلَّةً. بِنَحْوِ حَدِيثِهمْ.
(٤) - باب: رؤيا النبيّ وَل
٥٨٩١ _ (١٨) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
ثَابِتِ الْبُثَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فِيمَا
يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةً بْنِ رَافِعٍ، فَأَتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ. فَأَوَّلْتُ الرَّفْعَةَ لَنَا
فِي الدُّنْيَا وَالْعَاقِيةَ فِي الآخِرَةِ،
(٤) - باب: رؤيا النبي وَّلـ
١٨ - (٢٢٧٠) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في
الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢٥).
قوله: (في دار عقبة بن رافع) هو من أنصار الصحابة، وله حديث أخرجه أبو يعلى بسند
فيه ابن لهيعة عن محمود بن لبيد عن عقبة بن رافع رفعه: ((إذا أحبّ الله عبداً حماه الدنيا إلخ))
ورواه غير ابن لهيعة، فسمى الصحابي قتادة بن النعمان ته، والله أعلم، وراجع الإصابة (٢ :
٤٨٢).
قوله: (من رطب ابن طاب) قال النووي: ((هو نوع من الرطب معروف، يقال له (رطب ابن
طاب) و (تمر ابن طاب) و (غذق ابن طاب) و (عرجون ابن طاب) وهي مضاف إلى ابن طاب
رجل من أهل المدينة)).
قوله: (فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة) قال القرطبي: ((أخذ ويل من لفظ
(عقبة) العاقبة، ومن (رافع) الرفعة)) وقال القاضي عياض: ((وتأول الرطب بالدين، لأنه حلو في
القلوب سهل، لأنّ الشريعة سمحة كملت بعد تدريج، كما أن الرطب حلو سهل كمل بعد تدريج
من الطلع إلى أن صار رطباً)).
ثم قال القاضي عياض رحمه الله: ((قال علماء التعبير: طرق التعبير أربعة: الاشتقاق، كما

٤٠٥
کتاب: الرؤيا
وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ)).
٥٨٩٢ - (١٩) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. أَخْبَرَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ
جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: أَرَانِي فِي الْمَنَامِ
أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكِ، فَجَذَبَنِي رَجُلاَنٍ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرِّ
مِنْهُمَا. فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ».
٥٨٩٣ - (٢٠) حدّثنا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ
الْعَلاَءِ، (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ جَدِّهِ، عَنْ
أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ.
تقدم. والثاني: ما يعبر بمثاله ويفسر بشكله، كدلالة معلم الكتاب على القاضي والسلطان
وصاحب السجن ورئيس السفينة، وعلى الوصىّ والولد، والثالثة: ما يفسره المعنى المقصود من
ذلك الشيء المرئي، كدلالة فعل السفر على السفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار
على الزوجة والجارية. والرابعة: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن أو السنّة، أو الشّعر أو كلام
عرب وأمثالها، أو كلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة حكمة. وذلك كتعبير الخشبة
بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبُ مُسَنَّدَةٌ﴾. وتعبير الفأرة بالفاسق، لأنه وَّهُ سمّاها فويسقة،
وكتعبير الزجاجة بالمرأة، لتسمية بعض الشعراء إيّاها بذلك، وكتعبير رؤية الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام والخلفاء . بما كان في أيّامهم وخاصّ قصصهم)). كذا من شرح الأبيّ.
قوله: (وأن ديننا قد طاب) قال النووي: ((أي: كمل واستقرت أحكامه وتمهدت قواعده)).
١٩ - (٢٢٧١) - قوله: (أن عبد الله بن عمر حدثه) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في
الزهد، باب مناولة الأكبر، وأخرجه البخاري في الوضوء، باب دفع السواك إلى الأكبر (٢٤٦).
قوله: (فقيل لي: كبّر) أي: أعط الأكبر منهما. وأخرج الطبراني في الأوسط من طريق
نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ:
((أمرني جبريل أن أكبر)).
قال ابن بطال: ((فيه تقديم ذي السنّ في السواك، ويلتحق به الطعام والشراب والمشي
والكلام)) وقال الملهب: ((هذا ما لم يترتب في الجلوس، فإذا ترتّبوا فالسنّة حينئذ: تقديم
الأيمن)) كذا في فتح الباري (١: ٣٥٧).
٢٠ - (٢٢٧٢) - قوله: (عن أبي موسى) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
علامات النبوة في الإسلام (٣٦٢٢)، وفي المغازي، باب فضل من شهد بدراً (٣٩٨٧)، وباب
من قتل من المسلمين يوم أحد (٤٠٨١)، وفي التعبير، باب إذا رأى بقراً تنحر (٧٠٣٣)، وباب

٤٠٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ. فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي
هَزَّزْتُ سَيْفاً. فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ.
إذا هزّ سيفاً في المنام (٧٠٤١)، وذكره تعليقاً في المناقب، باب هجرة النبي وَّ إلى المدينة،
وابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب تعبير الرؤيا (٣٩٦٨).
قوله: (فذهب وهلي) إن أصحاب الحديث يروونها بفتح الهاء، والذي ذكره أهل اللغة
بسكونها، تقول: وهلت، بفتح الهاء، وَهْلاً (بسكون الهاء): إذا ذهب همّك إليه وأنت تريد
غيره، مثل (وهمت). وأمّا وهل وَهَلاَ (بفتح الهاء) فهو بمعنى الفزع. ولعلّهم يتوسّعون بتحريك
هاء الأول، ويريدون به الوهم، كما يفعلون في النّهْر والنّهَر، والشَّعّر والشَّعّر بتحريك هاء
الأول، فالذين رووه بفتح الهاء إنما أرادوا به الوهْل (بسكون الهاء) بمعنى الوهم والخيال.
قوله: (أوهَجَرُ) بفتح الهاء والجيم، بلد معروف من البحرين، وهي من مساكن عبد
القيس، وقد سبقوا غيرهم إلى الإسلام، وزعم بعض الشراح أن المراد بهجر هنا قرية قريبة من
المدينة، ولكنه بعيد لكونها قرية صغيرة لا تُعرف، ومن المستبعد أن تكون مهجر النبي وَله.
وأفاد ياقوت أن هجر أيضاً بلد باليمن. فهذا أولى بالتردد بينها وبين اليمامة، لأن اليمامة بين
مكة واليمن. كذا في مناقب فتح الباري (٧: ٢٢٨).
قوله: (فإذا هي المدينة يثرب) وهذا يدل على أنّ تأويل الرؤيا بجميع تفاصيلها أمر
اجتهاديّ يحتمل الصواب والخطأ، إلا إذا كان بوحي من الله تعالى. ولا شكّ أن رؤيا الأنبياء
وحي، ولكن ما رآه وسي﴿ في المنام هو أنه سيهاجر إلى أرض بها نخل، وكان هذا القدر قطعياً
لكونه وحياً، وقد وقع ما أخبر به. أمّا تعيين تلك الأرض، فلم يوح إليه في ذلك حينئذ شيء،
فأوّلها على طريق الظنّ والاجتهاد باليمامة أو بهجر، فتبيّن بعد ذلك أنها غيرهما .
و(يثرب) اسم قديم للمدينة، وقد ورد في الحديث النهي عن تسميتها بيثرب لكراهة لفظ
التثريب، ولأنه من تسمية الجاهلية. فقيل: يحتمل أن تسميته و ◌ّلإر في حديث الباب (يثرب) كان
قبل النهي عنه، وقيل: لبيان الجواز، وإن النهي للتنزيه لا للتحريم. وقيل: خوطب به من يعرفها
به، ولهذا جمع بينه وبين اسمه الشرعيّ، فقال: المدينة، يثرب. كذا في شرح النووي.
قوله: (هززت سيفاً، فانقطع صدره) ووقع في رواية لأبي أسود في المغازي، ولابن سعد
في الطبقات عن عروة مرسلاً: ((رأيت سيفي ذا الفقار قد انقصم من عند قبضته)) ذكره الحافظ في
مغازي الفتح (٧: ٣٧٧).
وقال الحافظ في كتاب التعبير (١٢: ٤٢٢): ((ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث
ابن عباس عند أحمد أيضاً والنسائي والطبراني، وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن
عبيد الله بن عبد اللّه عتبة، عن ابن عباس في قصة أحد، وأشار النبي ◌َّر عليهم أن لا يبرحوا

٤٠٧
کتاب: الرؤيا
فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ. ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ. فَإِذَا هُوَ مَا
جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ. وَرَأَيْتُ فِيهَا أَيْضاً بَقَراً، واللّهُ خَيْرٌ. فَإِذَا هُمُ النَّفَرُ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أَخَدٍ. وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ بَعْدُ، وَثَوَابُ الصِّدْقِ الَّذِي آثَانَا
اللَّهُ بَعْدُ، يَوْمَ بَذْرٍ)).
من المدينة، وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة، ولبسه اللامة، وندامتهم على ذلك، وقوله وَله:
(لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل) وفيه ((أني رأيت أني في درع حصينة)).
قوله: (فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد) هذا التأويل هو المنصوص بطريق
صحيح، فينبغي أن يكون هو المعتمد. وقد ذكر عروة في الرواية التي أخرجها أبو الأسود: ((كأن
الذي رأى بسيفه ما أصاب وجهه المكرم)) وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم أنه وَلقر قال:
(«وأما الثلم في السيف فهو رجل من أهل بيتي يقتل)) كما حكى عنهما الحافظ في المغازي. وكل
واحد منهما مرجوح، إما لكونه غير منصوص، أو لكونه غير متصل الإسناد. إلا أن يدخل في
عموم ما ذکر في حديث الباب.
قوله: (ورأيت فيها أيضاً بقرأ) وفي رواية أبي الأسود عن عروة: ((بقراً تذبح)) وكذا في
حديث ابن عباس عند أبي يعلى.
قوله: (واللهُ خَيْرٌ) قال الأبي نقلاً عن القاضي عياض: ((والله خير)) من جملة الرؤيا، وإنها
كلمة ألقيت إليه وسمعها عند رؤياه، بدليل قوله: ((وإذا الخير ما جاء الله به إلخ)) وظاهره أنه رؤية
واحدة غير منفصلة)) ولعلّ هذه الكلمة إنما ألقيت إليه وَ ر عند ما رأى بقراً تُنحر. لأن تأويل نحر
البقر هو ما يصاب به المسلمون يوم أحد من الشّهادة، فأعقب الله تعالى هذه الرؤيا بكلمة فيها
تسلية لخواطر المسلمين .
وقد ورد في رواية لابن إسحاق: ((وإنّي رأيت والله خيراً، رأيت بقراً) فإن صحت هذه
الرواية فهي أوضح، وقد رجحها الحافظ في الفتح، والله أعلم.
قوله: (فإذا هم النّفر من المؤمنين يوم أحد) يعني: الذين استشهدوا يومئذ، ولعلّ هذا
التعبير مأخذه اشتقاق لفظ البقر. فإن البقر بسكون القاف هو شقّ البطن، ويمكن أن يكون مأخذه
التشابه بين ذبح البقر، وقتل الإنسان. وقد ذكر أهل التّعبير وجوهاً في تأويل رؤية البقر، والله
أعلم.
قوله: (وثواب الصّدق) أي: ثواب الصدق في القتال والصبر على الجهاد، أو ثواب
الصدق في الوعد حينما وعد المسلمون القتال مع المشركين بعد أحد بسنة، فصدق المؤمنون
وعدهم، وأخلف المشركون.
قوله: (آتانا الله بعد يوم بدر) روي بضم دال (بعدُ) وفتح (يومَ) على أنه ظرف لقوله (آتاه).

٤٠٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٨٩٤ - (٢١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ الثَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ،
عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ. حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ
الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَّهِ، الْمَدِينَةَ. فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدُ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ
تَبِعْتُهُ. فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ. فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَّهِ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ
شَمَّاسٍ. وَفِي يَدِ النَّبِيِّ وَّهِ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ. حَتَّى وَقَفَ عَلَىْ مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ. قَالَ: ((لَوْ
سَأَلْتَنِيَ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا. وَلَنْ أَتَعدَّى أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ.
وروي بفتح دال (بعدَ) وكسر يوم) على أنه مضاف إليه. وعلى الوجهين: المراد من (يوم بدر)
هنا (غزوة بدر الثانية) وهي التي يقال لها (بدر الموعد) أيضاً، لا الوقعة المشهورة السابقة على
أحد، فإن (بدر الموعد) كانت بعد أحد، ولم يقع فيها القتال. وكان المشركون لمّا رجعوا من
أحد، قالوا: موعدكم العام المقبل بدر، فخرج النبي ◌َّ﴿ ومن انتدب معه إلى بدر، فلم يحضر
المشركون، فسميت بدر الموعد، فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الوعد ولم يخلفوه، فأثابهم الله
تعالى على ذلك بما فتح عليهم بعد ذلك من قريظة وخيبر وما بعدها .
٢١ - (٢٢٧٣) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
علامات النبوة في الإسلام، (٣٦٢٠)، وفي المغازي، باب وفد بني حنيفة (٤٣٧٣)، وباب قصة
الأسود العنسيّ (٤٣٧٨)، وفي التعبير، باب إذا طار الشيء في المنام) ٧٠٣٣)، وفي التوحيد،
باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾﴾ (٧٤٦١).
قوله: (قدم مسيلمة الكَذّاب) ومُسَيْلِمَة، بضم الميم وكسر اللام مصغراً، ابن تمامة بن
كبير، رجل من بني حنيفة ادعى النبوة سنة عشر، وكان بنو حنيفة يقولون له (رحمان اليمامة)،
والعياذ بالله تعالى، وقدم مع وفد قومه إلى المدينة، فنزل في دار بنت حارث، كما هو مصرح في
رواية عبيد الله ابن عتبة عند البخاري في باب قصة الأسود العنسيّ، وهي رملة بنت الحارث
وكانت دارها معدة للوفود، كما في فتح الباري (٨: ٩٢). وقال النووي: ((قال العلماء: إنما
جاءه تألفاً له ولقومه رجاء إسلامهم، وليبلغ ما أنزل إليه. قال القاضي: ويحتمل أن سبب مجيئه
إليه أن مسيلمة قصده من بلده للقائه، فجاءه مكافأة له. قال: وكان مسيلمة إذ ذاك يظهر
الإسلام، وإنما ظهر كفره وارتداده بعد ذلك)).
قوله: (إن جعل محمّد الأمر من بعده) أي: الخلافة. وقد سقط لفظ (الأمر) في بعض
الروايات، وهو مقدر.
قوله: (ولن أتعدّى أمر الله فيك) من أني لا أجيبك إلى ما طلبته مما لا ينبغي لك من
الاستخلاف أو المشاركة، ومن أني أبلغ ما أنزل إليّ، وأدفع أمرك بالتي هي أحسن ووقع في
رواية للبخاري: ((ولن تعدو أمر الله فيك)) يعنى: لن تعدوَ أَنت أمر الله في خيبتك فيما أملته من

٤٠٩
کتاب: الرؤيا
وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ. وَإِنِّي لأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ. وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ
عَنِّي)) ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.
(٠٠٠) - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ وَِّ: ((إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ
مَا أُرِيتُ)) فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيِّ وَلِّ قَالَ: (( بَيْنَا أَنَا نَائِمْ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنٍ مِنْ
ذَهَبِ. فَأَهَمَّنِي شَأْتُهُمَا، فَأَوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا. فَأَوَّلَُّهُمَا
كذابین یخرجانٍ مِنْ بعدي
النبوة، وهلاكك دون ذلك، أو فيما سبق من قضاء الله تعالى وقدره في شقاوتك.
قوله: (ولئن أدبرت ليعقرنك الله) أي: إن أدبرت عن طاعتي ليقتلك الله. والعقر: القتل،
وعقروا الناقة: قتلوها. وقتله الله تعالى يوم اليمامة، وهذا من معجزات النبوة.
قوله: (وإنّي لأُراك الذي أريتُ فيه ما أريت) أما قوله: (لأُراك) فهو بضم الهمزة، يعني:
لأظنّك، وأما قوله وَله: ((أَريت فيه ما أُريت)) فهو إشارة إلى الرؤيا التي رآها النبيّ وَّ كما
سيأتي. والمراد: أنّي أظّنك الشّخص الذي أراني الله فيه الرؤيا.
قوله: (وهذا ثابت يجيبك عنّي) المراد به ثابت بن قيس بن شمّاس ◌َظُه، وكان معه وَال
عند إتيانه إلى مسيلمة، كما سبق. وأمّا تفويضه وهو الإجابة إلى ثابت بن قيس، فلأنه كان رجلاً
خطيباً يجاوب الوفود عن خطبهم وتشدقهم. قال الحافظ في الفتح (٨: ٩٠): ((إنه كان خطيب
الأنصار. وكان النبي وَلقر قد أعطى جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان
يريد الإسهاب في الخطاب، فهذا الخطيب يقوم عني في ذلك. ويؤخذ منه استعانة الأمام بأهل
البلاغة في جواب أهل العناد)).
(٢٢٧٤) - قوله: (فسألت عن قول النبي ( (*) يعني: سألت أبا هريرة عن الرؤيا التي أشار
إليها ◌َّلقر في قوله: ((أريت فيه ما أريت)).
قوله: (فأولّتهما كذّابين) قال الملهب: ((وإنما أوّل النبي ◌َّ السّوارين بالكذابين، لأن
الكذب وضع الشيء في غير موضعه. فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب، وليسا من لبسه
لأنهما من حلية النساء، عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له. وأيضاً، ففي كونهما من ذهب -
والذهب منهي من لبسه - دليل على الكذب. وأيضاً، فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء
يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما، فطارا، فعرف أنه لا يثبت لهما أمر، وأن كلامه
بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما، والنفخ يدل على الكلام)) كذا في فتح الباري (١٢ :
٤٢١).
قوله: (يخرجان من بعدي) فسّره النووي بأنهما تظهر شوكتهما بعد النبي بَّر، وإلا فإنهما
كانا موجودين في حياته وّل قر، وتعقبه الحافظ في الفتح بأن الأسود العنسيّ قد ظهرت شوكنه في

٤١٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ، صَاحِبَ صَنْعَاءَ. وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ، صَاحِبَ الْيَمَامَةِ)).
٥٨٩٥ - (٢٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ: (بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنَ الأَرْضِ.
حيتة النبي ◌َّر: فالظاهر أن المراد من قوله (من بعدي) أي بعد بعثتي، والله أعلم.
قوله: (فكان أحدهما العنسيّ) يعني: الأسود العنسيُّ - بسكون النون - واسمه عبهلة بن
كعب، وكان يقال له أيضاً: ذو الخمار، لأنه كان يخمّر وجهه. وأخرج البيهقي في الدلائل عن
النعمان بن بزرج قال: ((خرج الأسود الكذاب، وهو من بني عنس، وكان معه شيطانان يقال
لأحدهما سحيق، ولآخر شقيق، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس. وكان باذان
عامل النبي ◌َّه بصنعاء فمات. فجاء شيطان الأسود فأخبره، فخرج في قومه حتى ملك صنعاء
وتزوج المرزبانة زوجة باذان)) فذكر القصة في مواعدتها دادويه وفيروز وغيرهما، حتى دخلوا على
الأسود ليلاً، وقد سقته المزربانة الخمر حتى سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز
ومن معه الجدار حتى دخلوا، فقتله فيروز واحتزّ رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبّوا من متاع
البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافى بذلك عند وفاة النبي وَله. قال أبو الأسود عن عروة:
أصيب الإسود قبل وفاة النبي و 8# بيوم وليلة. فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه وقيل: وصل الخبر
بذلك صبيحة دفن النبي (َّر)).
قوله: (والآخر مسيلمة) قال الحافظ في مغازي الفتح (٨: ٩٠): ((ويؤخذ من هذه القصة
منقبة للصديق وظبه لأن النبي ◌َّ تولّى نفخ السّوارين بنفسه حتى طارا. فأما الأسود فقتل في
زمنه. وأما مسيلمة، فكان القائم عليه حتى قتله أبو بكر الصديق ظه. فقام مقام النبي وَّر في
ذلك».
٢٢ - (٠٠٠) - قوله: (ما حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب،
باب علامات النبوة في الإسلام (٣٦٢١). وفي المغازي، باب وفد بني حنيفة (٤٣٧٤
و ٤٣٧٥)، وباب قصة الأسود العنسيّ (٤٣٧٩)، وفي التعبير، باب إذا طار الشيء في المنام
(٧٠٣٤)، وباب النفخ في المنام (٧٠٣٦ و٧٠٣٧)، وأخرجه الترمذي في الرؤيا، باب رؤيا
النبي ◌َ﴾ (٢٢٩٢)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب تعبير الرؤيا (٣٩٦٩).
قوله: (أُتِيتُ خزائن الأرض) يعني: أوتيت، بمعنى: أُعطيت. وكذا وقع في بعض النّسخ
(أوتيت) بإثبات الواو، وقد تحذف. قال الخطابي: ((المراد بخزائن الأرض ما فتح على الأمة
من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما. ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة)
وقال غيره: ((بل يحمل على أعم من ذلك)) كذا في فتح الباري (١٢ : ٤٢٤).

٤١١
کتاب: ٠الرؤيا
فَوَضَعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنٍ مِنْ ذَهَبٍ. فَكَبُرًا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي. فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا.
فَتَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا. فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبَ صَنْعَاءَ، وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ)).
٥٨٩٦ - (٢٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي
رَجَاءِ الْعُطَارِدِيِّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وََّ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ
بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ((هَلْ رَأَىْ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا؟)).
قوله: (فوضع في يديّ) هو بفتح الواو والضاد بصيغة المعروف، وضمير فاعله يرجع إلى
شخص معهود في الذهن.
ورواه بعضهم بضمّ الواو وكسر الضاد، بصيغة المجهول. ويشكل عليه نصب (أسوارين)
وقد تكلف ابن التين بتوجيهه بما لم يرض به الحافظ ابن حجر، ورجح الحافظ الرواية بصيغة
المعروف.
قوله: (أُسْوَارَيْن) بضم الهمزة، لغة في السِّوار، وهي ثلاث لغات: سِوار، ككتاب،
وسُوار، كغراب، وأسوار، كما ههنا. وراجع القاموس.
قوله: (الذين أنا بينهما) قال القرطبي في المفهم ما ملخصه: مناسبة هذا التأويل لهذه
الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا، فكانوا كالساعدين للإسلام. فلما ظهر فيهما
الكذابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة انخدع أكثرهم بذلك. فكان
اليدان بمنزلة البلدين، والسّواران بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب أشار إلى ما زخرفاه،
والزخرف من أسماء الذهب. وراجع شرح الأبيّ.
٢٣ - (٢٢٧٥) - قوله: (عن سمرة بن جندب) هذا الحديث أخرجه البخاري في صفة
الصلاة، باب يستقبل الإمام الناس إذا سلّم (٨٤٥)، وفي التهجد، باب عقد الشيطان على قافية
الرأس إذا لم يصلّ بالليل (١١٤٣). وفي الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين (١٣٨٦)،
وفي البيوع، باب آكل الربا وشاهده وكاتبه (٢٠٨٤)، وفي الجهاد، باب درجات المجاهدين في
سبيل الله (٢٧٩١)، وفي بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم (آمين) والملائكة في السماء إلخ
(٣٢٣٦)، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٥٤)، وفي
التفسير، باب ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلخ (٤٦٧٤)، وفي الأدب، باب قول الله تعالى ﴿يا
أبها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٦٠٩٦)، وفي التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد
صلاة الصبح (٧٠٤٧)، وأخرجه الترمذي في الرؤيا، باب ما جاء في رؤيا النبي ◌َّهُ الميزان
والدلو (٢٢٩٤).
قوله: (هل رأى أحد منكم البارحة) إلخ أي: الليلة الماضية. وفيه حجة على من كره تعبير
الرؤيا قبل طلوع الشمس، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر، عن سعيد بن عبد الرحمن، عن

٤١٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بعض علماءهم، قال: ((لا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتى تطلع الشمس)) وفي
الحديث ما يرد عليهم. بل قال المهلب: ((تعبير الرؤيا عند صلاة الصبح أولى من غيره من
الأوقات، لحفظ صاحبها لها، لقرب عهده بها، وقبل ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن
العابر وقلة شغله بالفكرة فيما يتعلق بمعاشه، وليعرف الرائي ما يعرض له بسبب رؤياه، فيستبشر
بالخير ويحذر من الشّرّ ويتأهب لذلك. فربما كان في الرؤيا تحذير عن معصية فيكفّ عنها،
وربما كانت إنذار لأمر، فيكون له مترقباً)» كذا في فتح الباري (١٢: ٤٤٠).
وفي الحديث دليل على استحباب استقبال الإمام الناس بوجهه بعد صلاة الصبح، وعلى
جواز استدبار القبلة في جلوسه للعلم أو غيره، وعلى أنه يستحب للإمام أن يستكشف عن أحوال
أتباعه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قد تمّ بفضل الله تعالى وتوفيقه شرح كتاب الرؤيا ضحى يوم الخميس الثامن من شهر ذي
القعدة سنة ١٤١١هـ. واسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني لإكمال باقي الأبواب على ما يرضيه
جلّ وعلا. وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.

٤١٣
كتاب: الفضائل
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٤٣/ - كتاب: الفضائل
(١) - باب: فضل نسب النبيّ وَّة، وتسليم الحجر عليه قبل النبوّة
٥٨٩٧ - (١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْم،
جَمِيعاً عَنِ الْوَلِيدِ. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِيِ
عَمَّارٍ، شَدَّادٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ
اضْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ. وَاضْطَفِىَ قُرَيْشاً مِنْ كِنَائَةَ. وَاضْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ.
وَاضْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم».
[٤٣] - كتاب الفضائل
(١) - باب: فضل نسب النبيّ وَّر وتسليم الحجر عليه قبل النبوة
١ - (٢٢٧٦) - قوله: (عن أبي عمار، شدّاه) هو شداد بن عبد الله القرشيّ، أبو عمّار
الدمشقيّ، مولى معاوية بن أبي سفيان به من كبار التابعين، لقي أبا أمامة وواثله، وصحب
أنسا إلى الشام. قال عكرمة بن عمار: كان مرضيّاً، ووثقه العجليّ وأبو حاتم والدارقطني، وقال
عثمان الدارمي وابن الجنيد عن ابن معين: ليس به بأس. وكذا قال النسائي. وكذا في التهذيب
(٤: ٣١٧).
قوله: (سمع واثلة بن الأسقع) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في المناقب، باب ما
جاء في فضل النبيّ ◌َّر (رقم: ٣٦٠٩، ٣٦١٢).
قوله: (إنّ الله اصطفى كنانة) قال ابن العربي: ((الاصطفاء: أخذ الصافي من جملة معها
غيره وليس مثله)) وكنانة هو ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
قوله: (من ولد إسماعيل) بفتح الواو واللام، على أنه اسم جمع، أو بضّم الواو وسكون
اللام، علی أنه جمع لولد.
قوله: (قُريشاً من كنانة) واختلف النسّابون: من أين تقرّشت قريش، فقيل: من فهر بن
مالك، وقيل: من النضر بن كنانة، والمشهور أنه من النّضر. وكان لكنانة أولاد غير النّضر، ولا
يسمّون قريشاً.

٤١٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٨٩٨ - (٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ. حَدَّثَنِي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَراً بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنَّ أُبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ
الآنَ)).
(٢) - باب: تفضيل نبينا وُّل على جميع الخلائق
٥٨٩٩ _ (٣) حدّثني الْحَكَمُ بْنُ مُوسَىْ، أَبُو صَالِح. حَدَّثَنَا هقْلٌ، (يَعْنِي ابْنَ
زِيَادٍ)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. حَدَّثَنِي أَبُو عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُوخَ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةً
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ.
٢ - (٢٢٧٧) - قوله: (عن جابر بن سمرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في
المناقب، باب في آيات إثبات نبوّة النبي وَّه وما قد خصّه الله عز وجلّ به، (رقم: ٣٦٢٤).
قوله: (كان يسلّم عليّ) قال النووي: (فيه معجزة له وَّ﴾. وفي هذا إثبات التمييز في بعض
الجمادات، وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ وقوله
تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾، وفي هذه الآية خلاف
مشهور. والصحيح أنه يسبح حقيقة، ويجعل الله تعالى فيه تمييزاً بحسبه كما ذكرنا)) وذكر بعضهم
أن الحجر الذي كان يسلم عليه وَّر هو الحجر الأسود، كما في شرح الأبيّ. وقال آخرون: هو
حجر غيره، والله أعلم.
قوله: (قبل أن أبعث) وفي رواية الترمذي (ليالي بُعِثتُ) وهو محمول على التقريب. وما
ظهر من الخوارق قبل بعثته يسمى إرهاصاً .
(٢) - باب: تفضيل نبيّنا وَلقر على جميع الخلائق
٣ - (٢٢٧٨) - قوله: (حدثني أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في السنّة، باب ما
جاء في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٤٧٦٣)، والترمذي في المناقب، باب ما
جاء في فضل النبي ◌َّر ٣٦١١.
قوله: (أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة) قال النوويّ رحمه الله تعالى: ((قال الهرويّ: السيّد هو
الذي يفوق قومه في الخير، وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد، فيقوم
بأمرهم، ويتحمل عنهم مكارهم ويدفعها عنهم. وأمّا قوله وَّرِ (يوم القيامة) مع أنه سيدهم في
الدنيا والآخرة، فسبب التقييد أن في يوم القيامة يظهر سؤدده لكل أحد، ولا يبقى مناع ولا معاند
ونحوه، بخلاف الدنيا، فقد نازعه ذلك فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين. وهذا التقييد قريب
من معنى قوله تعالى: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَّ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ مع أن الملك له سبحانه قبل ذلك،

٤١٥
كتاب: الفضائل
وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ».
(٣) - باب: في معجزات النبي وَل
٥٩٠٠ - (٤) وحدّثني أَبو الرَّبِيع، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (يَعْنِي
لكن كان في الدنيا من يدعي الملك، أو من يضاف إليه مجازاً، فانقطع كل ذلك في الآخرة)).
ثمّ قد ورد هذا اللفظ عند الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري وعن ابن عباس ، وزاد
فيه رسول الله وَّر ((ولا فخر)) يعني: أنه وَّ لا يقول ذلك فخراً وإعجاباً بنفسه، أو استكباراً على
غيره، والعياذ بالله، وإنما قال ذلك بياناً لحقيقة واقعة يجب أن يعتقدها كل مسلم، فهو من قبيل
تبليغ الرسالة، وتحديث النعمة.
وأما الحديث الآخر (لا تفضلوا بين الأنبياء) فقال فيه النووي رحمه الله: ((جوابه من
خمسة أوجه: أحدها أنه وَّ قاله قبل أن يعلم أنه سيّد ولد آدم، فلمّا علم أخبر به. والثاني: قاله
أدباً وتواضعاً. والثالث: أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول. والرابع: إنما
نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة، كما هو المشهور في سبب الحديث. والخامس: أن
النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها. وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل
أخرى. ولا بد من اعتقاد التفضيل، فقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ﴾ .
قوله: (وأوّل من يُشَفّعُ) يعني: أول من تُقبل شفاعته، وإنَّما صرح بذلك، لأنه قد يشفع
إثنان، فيُشفّع الثاني قبل الأول، فالأولية في الشفاعة لا تسلتزم الأولية في التشفيع، ولذلك أفرد
كلا منهما بالذكر.
باب في معجزات النبي وَلو
قد ذكر المصنّف في هذا الباب عدة معجزات للنبي الكريم وَله. وقد ثبت لنبينا وَ لهو عدد
كبير من المعجزات، حتى ألّف فيها العلماء كتباً مستقلة ضخيمة، من أشهرها دلائل النبوة
للبيهقي، ودلائل النبوة لأبي نعيم، وقد جمع السّيوطي رحمه الله جميع ما روي عنه من
المعجزات في كتابه المعروف (الخصائص الكبرى). والكتب الثلاثة مشتملة على أحاديث
صحيحة وحسنة وضعيفة، ولكن قدرها المشترك، وهو أنه قد ظهر على يديه ﴿* بعض
المعجزات، ثابت بالتواتر المعنويّ، فلا بدّ من اعتقاد ثبوت معجزات النبي ◌ِّر في الجملة.
وقد أنكرت جماعة من المعتزلة المعجزات، وكذلك بعض المعتزلة الجُدُد، الذين تأثروا
في ذلك بنظريات بعض أهل الغرب من الفلاسفة، وزعموا أن الأشياء الخارقة للعادة مصادمة
لقوانين الكون وفطرته، فلا ينبغي أن يعترف بوقوعها، ولم يتفطن هؤلاء أن الله تعالى لا يخرج
عن قدرته شيء، وما هو المانع من أن يُظهر عجائب قدرته على أيدي أنبيائه ورسله لإقامة الحجّة

٤١٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ابْنَ زَيْدٍ)، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ دَعَا بِمَاءٍ فَأَتِيَ بِقَدَحِ رَحْرَاح، فَجَعَلَ الْقَوْمُ
يَتَوَضَّؤُنَ، فَحَزَرْتُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ
أَصَابِعِهِ.
على من يكذّبهم ويكفر بما جاؤوا به من الدين الصحيح؟ وأمّا قوانين الكون والفطرة، فليست إلا
من وضع الله سبحانه وتعالى، ومن وضع قانوناً، فإنه يحقّ له أن يستثني من مقتضياته ما شاء.
فلم توجد الحرارة في النّار إلا بخلق الله تعالى إيّاها، ومن يمنع الله سبحانه من أن يخلق ناراً
ولا يخلق فيها إحراقاً؟
هذا هو الطريق السليم الذي سلكه علماء المسلمين طوال قرون في حقيقة خواصّ الأشياء.
وإنّما اغترّ بعض الناس بالفلسفة التي تقول: إن لوازم الأشياء وخواصها معلومة بعلل ظاهرة
يتوقف عليها وجود المعلولات، فلا يتخلف معلول عن علّة، ولا علّة عن معلول. ولم تزل هذه
النظرية سائدة في الفلسفة إلى القرن التاسع والعشرين (من التقويم الميلادي) حتى ظهرت في
أوائل القرن العشرين فلسفة أخرى وهي التي تسمى فلسفة الإضافة، تُنسب إلى آئن استاين. وقد
ثبت بهذه الفلسفة الجديدة أن خواصّ الأشياء التي تسمى لازمة ليست معلولة لهذه العلل الظّاهرة،
وإنما وجود اللازم أو الخاصّة مستقلّ عن وجود الملزوم ذي الخاصّة، فلا مانع من أن يتخلف
اللازم أو الخاصة عن الملزوم أو ذي الخاصة وبالعكس. وهذا قريب مما ذهب إليه العلماء
المسلمون في أنّ اللوازم والخواصّ كلّها من خلق الله تعالى، ويجوز أن يخلق الله تعالى الملزوم
مجرداً عن اللازم، أو اللازم مجرداً عن الملزوم(١)، لأنه تعالى على كل شيء قدير.
٤ - (٢٢٧٩) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الوضوء، باب التماس
الوضوء إذا حانت الصلاة (١٦٩)، وباب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب
والحجارة (١٩٥)، وباب الوضوء من الثّور (٢٠٠)، وفي الأنبياء، باب علامات النبوة في
الإسلام (٣٥٧٢) إلى (٣٥٧٥)، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب (رقم: ١٢، حديث
٣٦٣١)، والنسائي في الطهارة، باب الوضوء من الإناء.
قوله: (فأتى بقدح رحراح) بفتح الراء بوزن خلخال، وقال الخطابي: ((الرحراح: الإناء
الواسع الصّحن، القريب القعر، ومثله لا يسع الماء الكثير، فهو أدل على المعجزة)) وقال
الحافظ بعد نقله في الفتح (١: ٣٠٤): ((وهذه الصفة شبيهة بالطست)).
قوله: (فحزرت) أي: خرصت وقدّرت.
قوله: (أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه) قال النووي: ((وفي كيفية هذا النبع قولان
(١) أي ما يسمّى في العرف ((ملزوماً)) وظاهر أنه إذا تجرد عن لازمه لا يطلق عليه اسم ((الملزوم)) إلا باعتبار
العادة السابقة .

٤١٧
كتاب: الفضائل
٥٩٠١ - (٥) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ. عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، وَحَانَتْ صَلاَةُ الْعَصْرِ،
فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِوَضُوءٍ. فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ
فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ. قَالَ: فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ
أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.
٥٩٠٢ - (٦) حدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذْ، (يَعْنِي ابْنَ هِشَام)، حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ قَتَادَة، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَّهِ وَأَصْحَابَهُ بِالزَّوْرَّاءِ - (قَالَ:
وَالزَّوْرَاءُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ فِيمَا ثَمَّهْ) - دَعَا بِقَدَح فِيهِ مَاءٌ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ.
فَجَعَلَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ. فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصْحَابِهِ. قَالَ: قُلْتُ: كَمْ كَانُوا؟ يَا أَبَا حَمْزَةَ.
قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ اللَّلاَئِمِائَةِ.
حكاهما القاضي وغيره. أحدهما - ونقله القاضي عن المزني وأكثر العلماء -: أن معناه أن الماء
كان يخرج من نفس أصابعه وَّر، وينبع من ذاتها. قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نبعه من
حجر. ويؤيد هذا أنه جاء في رواية (فرأيت الماء ينبع من أصابعه). والثاني: يحتمل أن الله كثّر
الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسها. وكلاهما معجزة ظاهرة وآية باهرة)).
٥ - (٠٠٠) - قوله: (فالتمس الناس الوضوء) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به.
قوله: (حتى توضؤوا من عند آخرهم) هذه محاورة بمعنى (توضأ جميعهم، حتى آخرهم).
قال الكرماني: ((حتى للتدريج، و (من) للبيان، أي: توضأ الناس، حتى توضأ الذين عند
آخرهم، وهو كناية عن جميعهم ... و (عند) بمعنى (في) ... فكأنه قال: الذين هم في آخرهم)»
وقال التيمي: ((المعنى: توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر)) وذهب النووي إلى أن كلمة
(من) هنا بمعنى (إلى). وتعقبه الكرماني، وانتصر الحافظ للنووي، وراجع له فتح الباري (١ :
٣٧١).
٦ - (٠٠٠) - قوله: (بالزّوراء) بفتح الزاى، كان موضعاً معروفاً بسوق المدينة. وزعم
الداودي أنه كان مرتفعاً كالمنارة، وكأنه أخذه من أمر عثمان بالتأذين على الزوار وليس ذلك
بلازم، بل الواقع أن المكان الذي أمر عثمان بالتأذين فيه كان بالزوراء، لا أنه الزوراء نفسها .
ووقع في رواية لأبي نعيم عن أنس أنه هو الذي أحضر الماء، وأحضره من بيت أم سلمة دَظ ◌ُه.
ذكره الحافظ في الفتح (٧: ٥٨٥ و ٥٨٦).
قوله: (كانوا زهاء الثلاثمائة) أي: قريباً من ثلاثمائة، وهذا معارض لما مر من رواية ثابت
أنهم كانوا ما بين الستّين إلى الثمانين، ولعدم إمكان الجمع ذهب النووي والحافظ إلى حمل

٤١٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٩٠٣ - (٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ بِالزَّوْرَاءِ. فَأَتِيَ بِنَاءِ مَاءٍ لاَ يَغْمُرُ أَصَابِعَهُ. أَو قَدْرَ مَا
يُوَارِي أَصَابِعَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ هِشَامٍ.
٥٩٠٤ - (٨) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ ◌َُّ
الحديثين على واقعتين مختلفتين. ووقع الاختلاف في روايات أنس في تعيين المكان الذي وقع
فيه ذلك، فصرح في حديث الباب أنه وسير كان بالمدينة، ووقع في رواية الحسن عن أنس عند
البخاري في علامات النبوة ما نصّه: ((خرج النبيّ وَّر في بعض مخارجه، ومعه ناس من
أصحابه، فانطلقوا يسيرون، فحضرت الصلاة، فلم يجدوا ماء يتوضؤون إلخ)) وهذا يدل على
كون الواقعة في سفر، ويبعد الجمع بينهما أيضاً. والذي يظهر من الأحاديث أن قصة نبع الماء
من أصابع رسول الله وَ ﴿ وقعت عدة مرّات. فلا يبعد أن يكون أنس رُّبه أخبر في بعض الأحيان
ما وقع في المدينة، وفي بعضها ما وقع في السّفر. وكان المتوضؤون في بعض هذه الواقعات
زهاء ثمانين، وفي بعضها زهاء ثلاثمائة، والله سبحانه أعلم.
ثمّ قال القرطبي: ((قضية نبع الماء من بين أصابعه وَّ تكررت منه في عدة مواطن في
مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة يفيد مجموعها العلم القطعيّ المستفاد من التواتر
المعنويّ، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة لغير نبينا وَّلة)) لكن تعقبه الحافظ في الفتح (٧: ٥٨٥)
بأن قصة نبع الماء جاءت من رواية أنس عند الشيخين وأحمد وغيرهم خمس طرق، وعن جابر
من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني
من طريقين، وعن ابن أبي ليلى عند الطبراني، قال الحافظ: ((فعدد هؤلاء الصحابة ليس كما
يفهم من إطلاقهما (أي: القرطبي والقاضي عياض) فكأنه يريد أن هذا العدد لا يكفي لإثبات
التواتر. نعم يكفي لكون الخبر مشهوراً. والله سبحانه أعلم.
٨ - (٢٢٨٠) - قوله: (عن جابر) وهذا الحديث لم يخرجه أحد من الأئمة الستة إلاّ
المصنف رحمه الله تعالى .
قوله: (أن أم مالك) الأنصارية. وذكر الحافظ في الإصابة (٤: ٤٧٠) رواية لابن أبي
عاصم، ولابن أبي خيثمة جاء فيها: ((أن أم مالك الأنصارية جاءت بعكّة سمن إلى رسول
الله وَ*، فأمر بلالا بعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءة، فجاءت، فقالت: أنزل فيّ
شيء؟ قال: وما ذلك؟ قالت: رددت عليّ هديّتي، فدعا بلالا فسأله، فقال: والذي بعثك
بالحق، لقد عصرتها حتى استحييت. فقال: هنيئاً لك، هذه بركة يا أم مالك! هذه بركة، عجّل
الله لك ثوابها .

٤١٩
كتاب: الفضائل
فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْناً. فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدْمَ. وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ، فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي
كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَِّّ وَُّ، فَتَجِدُ فِيهِ سَمْناً. فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَ بَيْتِهَا حَتَّى عَصَرَتْهُ،
فَأَتَتِ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: ((عَصَرْتِيهَا؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ((لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِماً)) .
٥٩٠٥ - (٩) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهُ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَظْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ.
فَمَّا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا، حَتَّى كَالَهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: ((لَوْ لَمْ تَكِلْهُ
لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ)).
٥٩٠٦ - (١٠) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ الْخَنَفِيُّ.
حَدَّثَنَا مَالِكٌ، (وَهُوَ ابْنُ أَنَسٍ)، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ؛ أَنَّ أَبَا الظُفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَخْبَرَهُ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَكَانَ
قوله: (في عُكّة) قال في القاموس: ((العُكّة بالضمّ: آنية السّمن أصغر من القِربة، وجمعه
عكك)).
قوله: (فيسألون الأُدْم) بضم الهمزة وسكون الدال، لغة في الإدام، وهو ما يؤكل الخبر
به .
قوله: (فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه) أما قوله: (تعمد) فمعناه (تقصد) أي تذهب.
والمراد من (الذي كانت تهدي فيه) الإناء الذي تحمل فيه السمن إلى رسول الله وَّير، وهي العكّة
المذكورة، وإنما تذهب إليه لتأخذ شيئاً من السّمن المتبقّي فيه بعد إهدائه إلى رسول الله اَليات.
قوله: (فما زال يقيم لها أدم بيتها) أي: لم يزل ذلك الإناء يهيّأ لها ما يكفي لائتدام أهل
بيتها، إلى أن عصرته، فلن يبق فيه شيء.
٩ - (٢٢٨١) - قوله: (عن جابر) وهذا الحديث لم يخرجه غير المصنف من الأئمة الستة
رحمهم الله تعالى.
قوله: (لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم) قال القاضي عياض: ((معنى (قام): ثبت
ودام ... وفيه أن هذه الأمور الكونية يجب أن لا يتقصّى أمرها وتترك مهملة لا تدخل تحت
تقدير، لأن تقدير ما فيها مضاد للتسليم والتوكيل على رزق الله تعالى فيعاقب فاعله برفع البركة
منه، ويرد إلى قوته. وهذا هو وجه التأويل فيه والظاهر في معناه)).
١٠ - (٢٧٠٦) - قوله: (أن معاذ بن جبل أخبره) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في
صلاة المسافرين، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وأخرجه أبو داود في الصلاة،
باب الجمع بين الصلاتين (١٢٠٦ و١٢٠٨ و١٢٢٠)، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في

٤٢٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَجْمَعُ الصَّلاَةَ، فَصَلَّى الظُهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً، حَتَّى إِذَا كَانَ
يَوْماً أَخَّرَ الصَّلاَةَ. ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً. ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذُلِكَ.
فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً. ثُمَّ قَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَداً، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَيْنَ تَبُوكَ،
وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِيَ النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلاَ يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئاً حَتَّى آتِيَ)).
فَجِثْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلاَنِ. وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ. قَالَ: فَسَأَلَهُمَا
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئاً؟)) قَالاَ: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ بِّهِ، وَقَالَ لَهُمَا
مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. قَالَ: ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ قَلِيلاً قَلِيلاً. حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ .
قَالَ: وَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. أَوْ
الجمع بين الصلاتين (٥٥٣ و٥٥٤)، والنسائي في مواقيت الصلاة، باب الوقت الذي يجمع فيه
المسافر بين الظهر والعصر (٥٨٧)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين في
السفر (١٠٥٦). ومالك في الموطأ، في قصر الصلاة في السفر، ولم يخرج غير مالك ومسلم
إلا الجمع بين الصلاتين ولم يذكروا القصة بطولها، وذكرها مالك ومسلم فقط.
قوله: (فكان يجمع الصلاة) أي: صورة عند الحنيفة، وحقيقة عند غيرهم، على ما مر
تفصيل الخلاف فيه في كتاب الصلوات.
قوله: (فلا يمسّ من مائها شيئاً) ولم أقف على حكمه هذا النهي مصرحة في رواية، ولا
في كلام أحد من الشرّاح، ولعله وَّي كان يريد أن تظهر في الماء البركة بوجوده وصقر، وكان
يخشى أذا مسّه أحد قبل حضوره أن ينقطع الماء. ثم رأيت الباجي رحمه الله قد ذكر في شرح
الموطأ مثل هذا في بيان حكمة هذا النهي، وزاد قائلاً: ((فيه دليل على أن للإمام أن يمنع من
الأمور العامة كالماء والكلأ من المنافع التي يشترك فيها المسلمون، لما يراه من المصلحة)).
قوله: (والعين مثل الشّراك تبضّ) بكسر الباء، أي: تقطر وتسيل قليلاً قليلاً، يقال: بئر
بضوض: يخرج ماؤها قليلاً قليلاً. والبضيضة: المطر القليل. كذا في القاموس. ورواه بعضهم
(تبصّ) بالصاد المهملة، ومعناه: تبرق وتلمع، ويمكن تفسيره بالرشح أيضاً، لأنه أحد معاني
الكلمة كما في القاموس. والتشبيه بالشراك في قلة عرض الماء في العين.
قوله: (فسبّهما النبيّ وَّهُ﴾ أي: لامهما وعاتبهما. قال عياض: ((فيه تأديب الحاكم بالقول
والسبّ غير المقدح)) وقال الباجي: ((لعله ◌َ ليل سألهما لما رأى من قلة الماء ولعله أوحى إليه أنه
يكثر إذا سبق إليه، فأنكر قلته)).
وأمّا وجه مخالفتهما لنهي النبي ◌َّ، فقال فيه الباجي في المنتقى: ((لأنهما لم يعلما نهيه،
أو حملاه على الكراهة، أو نسياه إن كانا مؤمنين. وروى أبو بشر الدولابي أنهما كانا من
المنافقين)) .
قوله: (فجرت العين بماء منهمر) أي: كثير الصبّ والدفع. قال المجد في القاموس: