النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ کتاب: الألفاظ من الأدب الدَّهرُ. أُقَلْبُ لَيْلَهُ وَتَهَارَهُ. فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُهُمَا)) . ٥٨٢٦ - (٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَّ الدَّهرُ)). ٥٨٢٧ - (٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ)). (٢) - باب: كراهة تسمية العنب كرماً ٥٨٢٨ - (٦) حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنٍ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ. فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهرُ. وَلاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ: الْكَرْمَ. فَإِنَّ الْكَزْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ)) . العاقل المكلف، فهذا يضاف شرعاً ولغة إلى الذي جرى على يديه، ويضاف إلى الله تعالى لكونه بتقديره، فأفعال العباد من أكسابهم، ولهذا ترتبت عليه الأحكام، وهي في الابتداء خلق الله تعالى. ومنها ما يجري بغير وساطة، فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس الليل والنهار فعل ولا تأثير، لا لغة، ولا عقلاً، ولا شرعاً، وهو المعني في هذا الحديث. ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل)) وراجع فتح الباري (١٠ : ٥٦٥). (٢) - باب كراهية تسمية العنب كرماً ٦ - (٢٢٤٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب قول النبي وَ له: إنما الكرم قلب المؤمن، (٦١٨٣). وباب لا تسبّوا الدهر (٦١٨٢)، وأبو داود في الأدب، باب في الكرم وحفظ المنطق (٤٩٧٤). قوله: (لا يقولّن أحدكم للعنب: الكرم) بسكون الراء، وحكى ابن بطال عن ابن الأنباري أنهم سمّوا العنب كَرْما، لأن الخمر المتخذة منه تحثّ على الكرم والسخاء ومكارم الأخلاق، حتى قال الشاعر : والخمر مشتقة المعنى من الكرم فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم، حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن الذي يتقي شربها أحق بهذا الاسم. وحكى القرطبي عن المأزري أن السبب في النهي أنه لما حرمت عليهم الخمر، وكانت طباعهم تحثهم على الكرم، كره والر أن يسمى هذا المحرم باسم تهيج طباعهم إليه عند ذكره، فیکون ذلك کالمحرّك لهم. ٣٦٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٨٢٩ - (٧) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا: كَرْمٌ. فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ» . ٥٨٣٠ _ (٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((لاَ تُسَمُوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ. فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ)). ٥٨٣١ - (٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَقْصٍ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ وَّر: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمُ: الْكَرْمُ. فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنٍ». ٥٨٣٢ - (١٠) وحدّثنا ابْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَلهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ، لِلْعِنَبِ، الْكَرْمَ. إِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ)) . ٥٨٣٣ - (١١) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عِيسَى، (يَعْنِي ابْنَ يُرِنُسَ)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِّ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ. قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا: الْكَرْمُ. وَلْكِنَ قَولُوا: الْحَبْلَةُ)). يَعْنِي الْعِنَبَ. ٥٨٣٤ - (١٢) وَحدّثنيه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا: الْكَرْمُ. وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ)). قوله: (فإن الكرم الرجل المسلم) وقد أخرج الطبراني والبراز من حديث سمرة رفعه: ((إن اسم الرجل المؤمن في الكتب الكرم من أجل ما أكرمه الله على الخليقة، وإنكم تدعون الحائط من العنب الكرم)). قوله: (عن علقمة بن وائل، عن أبيه) يعني: وائل بن حُجر ◌َُّه، وهذا الحديث لم .. يخرجه من الأئمة الستة إلا المصنف رحمه الله. قوله: (قولوا: الحبلة) بفتح الحاء والباء، وهو الأشهر، وحكي ضم الحاء وسكون الباء، وهي شجرة العنب، وقيل: أصل الشجرة، وقيل: القضيب منها. وهو أيضاً اسم ثمر السّمر والعضاء. ٣٦٣ كتاب: الألفاظ من الأدب (٣) - باب: حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد ٥٨٣٥ - (١٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّهِ قَالَ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِيَ وَأَمَتِي. كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ. وَلَكِن لِيَقُلْ: غُلاَمِي وَجَارِبَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي)). ٥٨٣٦ - (١٤) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي. فَكُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: فَتَايَ. وَلاَ يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي. (٣) - باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد ١٣ -٢٢٤٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق (٥٥٢)، وأبو داود في الأدب، باب لا يقول المملوك: ربّي وربّتي (٤٩٧٥ و ٤٩٧٦). قوله: (لا يقولنّ أحدكم: عبدي وأمتي) يعني: لا يصف أحدكم رقيقه بكونه عبداً له أو أمة، لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله تعالى. ولأن فيها تعظيماً لا يليق بالمخلوق استعماله لنفسه. قال الخطابي: المعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل والخضوع لله عز وجل، وهو الذي يليق بالمربوب. ثم إن هذا النهي عند جميع العلماء إنما يدل على الكراهة التنزيهية دون التحريم، واستشهد الإمام البخاري على ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُّ وَإِمََّبِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَّمْلُوا﴾ فإنه أطلق لفظ العبد في الآية على الرقيق. وإنما أرشد الحديث إلى الأدب والتواضع في الكلام وحسن الخلق في العشرة، والاجتناب عن الترفع والتعاظم، ومخاطبة الرقيق بما فيه مداراة لهم وتسلية لخواطرهم. ١٤ - (٠٠٠) - قوله: (ولا يقل العبد: ربّي) يعني: لا يصف العبد سيّده بكونه ربّاً له، ولا يخاطبه بقوله: يا ربّي! فإنّ الربوبية من صفات الله تعالى، لا يشاركه فيها غيره. وقد ذكر العلماء أنه لا يجوز لأحد أن يقال لأحد غير الله: (ربّ)، كما لا يجوز أن يقال له (إله). ولكن الذي يختصّ بالله تعالى هو إطلاق لفظ (الربّ) بدون إضافة. أمّا مع الإضافة، فيجوز إطلاقه، كما في قولهم: (ربّ الدّار)، و: (ربّ المال)، و: (ربّ الثوب) وكذلك ورد هذا اللفظ بالإضافة في قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَيِّكَ﴾ وفي قوله: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَيِّكَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فَأَنَسَنُهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾. وكذلك ورد في قوله عليه السلام. ٣٦٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي)) . ٥٨٣٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. كِلَهُمَا عَنِ الأَغْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا: ((وَلاَ يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلاَيَ)) . ((إن تلد الأمة ربتها)) وكلّ هذا يدلّ على أن النهي في حديث الباب إنما هو للتنزيه والإرشاد كما سبق في النهي عن قولهم: عبدي وأمتي. وإلى هذا ذهب كافة العلماء. قوله: (ولكن ليقل: سيّدي) فيه تصريح بجواز إطلاق لفظ السيّد على غير الله تعالى، كما يدل على الجواز قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابٍ﴾ وقوله وَّر في سعد بن معاذ: ((قوموا إلى سيّدكم))، وفي سعد بن عبادة: ((اسمعوا ما يقول سيّدكم)) وفي الحسن بن عليّ ◌َلُه: ((إن ابني هذا سيّد)) وقوله وَ ل﴿ لبني سلمة: ((من سيدكم يا بني سلمة؟))، قالوا: ((الجد بن قيس، على أنا نبخله)) قال: ((وأيّ داء أدوى من البخل؟ بل سيّدكم عمرو بن الجموح)) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأشار إليه تعليقاً في باب كراهية التطاول على الرقيق. فهذه النصوص كلها تدل على جواز استعمال لفظ السيّد لغير الله تعالى. وقد أخرج أبو داود (رقم: ٤٨٠٦) والبخاري في الأدب المفرد عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير، قال: ((قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله وَ ل﴿ فقلنا، أنت سيّدنا، فقال: السيّد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينّكم الشّيطان)) فتمسك به بعض أهل الظاهر فحرّموا إطلاق لفظ السيّد لغير الله تعالى. ولكن هذا الاستدلال غير صحيح، لأن النبيّ وَلو لم يحرّم إطلاق هذا اللفظ لنفسه ولا لأحد غيره، وإنما قال ذلك نهياً لهم عن مدح الإنسان على وجهه بدون داع، ولذلك لم يقتصر إنكاره على لفظ السيّد فقط، بل أنكر أيضاً على قولهم: ((وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً)) فقال: ((قولوا بقولكم)) يعني: تقدموا إلى ما تريدون من القول، ولا تتشاغلوا بالمدح. وليس المراد من قوله عليه السلام: ((السيّد الله)) أن إطلاق لفظ السيّد مخصوص بالله سبحانه، لأنه لم يرد في القرآن أنه اسم من أسمائه تعالى، بل المراد أنّ السيادة التامّة إنّما هي لله تعالى، ولا ينافي ذلك أن تثبت السيّادة في الجملة لغير الله سبحانه. وهذا كما أن الملك والحكم والسلطنة التامة إنما هي الله تعالى، ومع ذلك لا يجوز إطلاق لفظ (الملك) و (الحاكم) و (السلطان) لغير الله تعالى. (٠٠٠) - قوله: (ولا يقل العبد لسيّده: مولاي) هذا متعارض بما سيأتي من حديث همّام بن منبّه: ((ولا يقل أحدكم: ربّي، وليقل سيّدي، مولاي)) فإنه يدل على عدم كراهية استعمال لفظ المولى. وقد رجّح المحدثون رواية همام بن منبه، لأنّه قد اختلف الرواة عن الأعمش، فمنهم من ذكر في الحديث (ولا يقل العبد لسيّده مولاي) ومنهم من حذف هذه الزيادة، وذكر المحدثون أن حذفها أصح. وأما حديث همام فخالٍ عن التعارض، فيترجح على غيره، ولا سيّما إذا ٣٦٥ كتاب: الألفاظ من الأدب وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَّةَ: ((فَإِنَّ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ)). ٥٨٣٨ - (١٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةً، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ: ((لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ: اسْقِ رَبَّكَ، أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّىءْ رَبَّكَ، وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي. وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي. مَوْلاَي. وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي. أَمَتِي. وَلْيَقُلْ: فَتَايَ. فَتَأْتِي غُلاَمِي)) . (٤) - باب: كراهة قول الإنسان: خبثت نفسي ٥٨٣٩ - (١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَّةَ. كِلاَهُمَا عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةً، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لاَ يَقُولنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُقَتْ نَفْسِيَ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي)) . وردت دلائل كثيرة على جواز استعمال لفظ المولى لغير الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَئُهُ﴾ [النحل، آية: ٧٦] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَئُهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم، آية: ٤] وإن لفظ المولى له معانٍ كثيرة فلا يكره استعماله لغير الله تعالى. وبه تبيّن أن ما تعورف في بلادنا من مخاطبة العلماء والمشايخ بقولهم: ((مولانا» لا بأس به، ومن اعترض عليه متمسكاً بحديث الباب، فإن اعتراضه في غير محلّه، والله سبحانه أعلم. (٤) - باب: كراهة قول الإنسان خبثت نفسي ١٦ - (٢٢٥٠) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب لا يقل: خبثت نفسي (٦١٩٧)، وأبو داود في الأدب، باب لا يقال: خبثت نفسي (٤٩٧٩). قوله: (ولكن ليقل: لقست نفسي) اللّقس في اللغة: انتلاء المعدة والغثيان، ويقال: لقست نفسه إلى الشيء: إذا نازعته إليه وحرصت عليه في الاستعمال هو والخبث سواء، غير أن الخبث أعمّ وأقبح، قال الراغب: الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال. والخبث واللقس وإن كان سواء في المعنى من حيث الاستعمال، لكن لفظ الخبيث قبيح ويجمع أموراً زائدة على المراد، كما أنه يستعمل للسبّ أيضاً، بخلاف اللقس، فرجّحه رسول الله ﴿ ترغيباً على حسن الكلام. وأما قوله وَلير في الذي ينام عن الصلاة: ((فأصبح خبيث النفس كسلان)) فقد أخبر به النبي و 18 عن شخص مبهم مذموم الحال، فلا يمتنع إطلاق هذا اللفظ عليه. والنهي للتنزيه . ٣٦٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هَذَا حَدِيثُ أَبِي كُرَيْبٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ((لَكِنْ)). ٥٨٤٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَذَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً، بِهَذَا الإِسْنَادِ. ٥٨٤١ - (١٧) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ قَالَ: ((لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: خَبْقَتْ نَفْسِي، وَلْيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي)) . (٥) - باب: استعمال المسك، وأنه أطيب الطيب. وكراهة رد الريحان والطيب ٥٨٤٢ - (١٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةً. حَدَّثَنِي خُلَيْدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: (كَانَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَصِيرَةٌ. تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ. فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنٍ مِنْ خَشَبٍ. وَخَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقْ مُطْبَقٌ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكاً. وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ. ١٧ - (٢٢٥١) - قوله: (عن أبيه) يعني سهل بن حنيف رُه، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب لا يقل: خبثت نفسي، (٦١٨٠)، وأبو داود في الأدب، باب لا يقال: خبثت نفسي (٤٩٧٨). (٥) - باب: استعمال المسك، وأنه أطيب الطيب قوله: (عن أبي سعيد الخدرّي) هذا الحديث أخرجه النسائي في الزينة، باب أطيب الطيب (٥١١٩)، وباب ذكر أطيب الطيب (٥٢٦٤). قوله: (فاتخذت رجلين من خشب) أي: لتطول قامتها، فتكون متناسبة صاحبتيها. قال النووي رحمه الله: ((حكمه في شرعنا أنها إن قصدت به مقصوداً صحيحاً شرعيّاً، بأن قصدت ستر نفسها لئلا تُعرف فتُقصد بالأذى أو نحو ذلك، فلا بأس به. وإن قصدت به التعاظم أو التشبه بالكاملات تزويراً على الرجال وغيرهم، فهو حرام». قوله: (من ذهب مغلق مطبق) بالجرّ على أنه صفة لذهب، ووقع في بعض النسخ (مغلقاً مطبقاً) بالنصب على أنه صفة لقوله (خاتماً). والحاصل أن الخاتم كان مجوّفاً ليس له منفذ، وقد حشته مسكاً . قوله: (وهو أطيب الطيب) فيه جواز استعمال المسك، وقد انعقد عليه الاجماع، وقد حكي عن بعض الشيعة تحريمه ونجاسته لكون أصله دماً، أو عضواً أبين من الحيّ، ولكن المسك مستثنى من هذه القاعدة، أو هو في معنى الجنين والبيض واللبن. ٣٦٧ كتاب: الألفاظ من الأدب فَلَمْ يَعْرِفُوهَا. فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا)) وَنَفَضَ شُعْبَةُ يَدَهُ. ٥٨٤٣ - (١٩) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْمُسْتَمِّرِّ. قَالاَ: سَمِعْنَا أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ هَ ذَكَرَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَشَتْ خَاتَمَها مِسْكاً. وَالْمِسْكُ أَظْيَبُ الطّيبِ. ٥٨٤٤ _ (٢٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كِلاَهُمَا عَنِ الْمُقْرِىءٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِىءُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ،، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((مَنْ عُرِضَ عَلَّيْهِ رَيْحَانْ فَلا يَرُدُهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيْبُ الرِّيحِ)). ٥٨٤٥ - (٢١) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. (قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا) ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَافِعِ. قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ اسْتَجْمَرَ قوله: (فلم يعرفوها) لطول قامتها . قوله: (فقالت بيدها هكذا) أى: أشارت بيدها . ٢٠ - (٢٢٥٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الترجّل، باب في ردّ الطيب (٤١٧٢)، والنسائي في الزينة، باب الطيب (٥٢٥٩). قوله: (من عرض عليه ريحان) هو نبت معروف طيب الرائحة، وقال أهل اللغة وغريب الحديث في تفسير هذا الحديث: هو كل نبت مشموم طيب الرائح. قال القاضي عياض بعد حكاية ما ذكرناه: ((ويحتمل عندي أن يكون المراد به في هذا الحديث الطيب كله. وقد وقع في رواية أبي داود في هذا الحديث: من عرض عليه طيب)). قوله: (فلا يردّه) برفع الدال على الفصيح المشهور. قال النووي: وأكثر ما يستعمله من لا يحقّق العربية بفتحها . قوله: (فإنه خفيف المحمل) إلخ: أي: لا يشقّ حمله على المهدى إليه، وكذلك لا يشقّ على المهدي إهداؤه، ففي ردّه من غير داع كسر لقلب المهدي. ٢١ - (٢٢٥٤) - قوله: (عن نافع) هذا الحديث أخرجه النسائي في الزينة، باب البخور (٥١٣٥). قوله: (كان ابن عمر إذا استجمر) الاستجمار هنا بمعنى التبخر بالطيب، وهو مأخوذ من المجمر، وهو البخور. ٣٦٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِالأَلُوَّةِ، غَيْرَ مُطَرَّةٍ، وَبِكَافُورٍ، يَظْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ إِ. - قوله: (بالألوّة) بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو، وهي العود يتبخر به، وذكر الأصعميّ أنها كلمة فارسية معربة. قوله: (غير مطراة) أي: غير مخلوطة بغيرها كالمسك والعنبر. قال التوربشتي: ((والمطّراة هي المربّاة بما يزيد في الرائحة من الطيب. والمعنى استجمر بهذه وحدها تارة، وبكافور يطرحه تارة أخرى)) كذا في المرقاة. انتهى بفضل الله تعالى شرح كتاب الألفاظ ضحى يوم الأحد السادس من شهر شوال سنة: (١٤١١ هـ) وقد طعنت بحول الله تعالى في هذا اليوم في السنة الخمسين من عمري، وأدعو الله تعالى أن يغفر لي ما سبق، ويصلح لي ما لحق، ويصرف باقي أيام حياتي فيما يريضيه سبحانه، ويوفقني لإكمال هذا الشرح على ما يوافق رضاه. إنه تعالى سميع قريب مجيب. ٣٦٩ كتاب: الشعر بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ ٤١/ - كتاب: الشعر ٥٨٤٦ - (١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: رَدِقْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَوْماً. فَقَال: ((هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْئاً؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((هِيهِ)) فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتاً. فَقَالَ: ((هِيهِ) ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ بَيْتاً. فَقَالَ: ((هِيهِ) حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةً بَيْتٍ . [٤١] - كتاب الشّعر ١ - (٢٢٥٥) - قوله: (عن عمرو بن الشريد، عن أبيه) وهو الشريد بن سويد الثقفي نظريته، وقد مرّ ترجمته في باب اجتناب المجذوم من الطبّ. وحديثه هذا أخرجه أيضاً ابن ماجه في الآداب، باب الشّعر (٣٨٠٣). قوله: (من شعر أميّة بن أبي الصّلت) شاعر جاهليّ معروف، وقد كان قرأ الكتب السماوية المتقدمة ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأنّ نبيّاً يبعث قد أظلّ زمانه، وكان يأمل أن يكون ذلك النبيّ. فلمّا بلغه خروج رسول الله وَ له وقصّته كفر حسداً له، وكان يحكي في شعره قصص الأنبياء، ويأتي بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب يأخذها من الكتب المتقدمة، وبأحاديث من أحاديث أهل الكتاب. ولمّا أُنشد رسول الله وَلّ شعره قال: آمن لسانه وكفر قلبه. كذا في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة (ص: ٢٢٧). قوله: (شيئاً) ووقع في بعض النسخ (شيء) بالرفع، وهو الموافق للقياس النحويّ. وأمّا النصب الذي وقع في نسختنا فيمكن تأويله بتقدير عامل محذوف، كأن التقدير: (هل تحفظ من شعر أمية شيئاً؟) أو (هل تذكر) أو (هل تحمل معك). قوله: (قال: هِيْه) بكسر الهاء وسكون الياء والهاء الأخيرة على ما ضبطه القاضي، وضبطه النووي بكسر الهاء الأخيرة، وهي كلمة استزادة، معناها: (زد). وأصلها إيْهِ بالهمز، فإن نوّنت الهاء الأخيرة، فهي للاستزادة من حديث غير معين، وإن كسرتها ولم تنوّن فهي للاستزادة من حدیث معین. قوله: (حتى أنشدته مائة بيت) فيه جواز إنشاد الشّعر وإنشاءه، وممّا يدل على الجواز أيضاً ٣٧٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠٠٠ / - وحدّثنيه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَوْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّرِيدِ. قَالَ: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ خَلْفَهُ. فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. ٥٨٤٧ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وحَدَّثَنِي ما أخرجه البخاري في الأدب عن أبيّ بن كعب رَظُه (رقم: ٦١٤٥) أن رسول الله وَل قال: ((إنّ من الشّعر حكمة)). وقد ثبت سماع النبيّ وَّ الشّعر في غير ما حديث، وكان يوضع المنبر في المسجد النبويّ لحسّان بن ثابت رُه، فينشد الأشعار ينافح بها عن النبي ◌َّر. وفي جانب آخر، ورد في مذمة الشّعر والشعراء قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾ وكذلك قوله وقليل في حديث أبي هريرة الآتي في هذا الباب: ((لأن يمتلىء جوف الرجّل قيحاً يريه خير من أن يمتلىء شعراً)). والجميع بين هذه النصوص ما ذكرته عائشة فيما أخرج عنها البخاري بسند حسن في الأدب المفرد، قالت: ((الشّعر منه حسن، ومنه قبيح. خذ الحسن ودع القبيح)). وأخرج أبو يعلى بسند ضعيف عن ابن عمر ربه مرفوعاً: ((الشّعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه کقبيح الكلام)». فالمذموم من الشّعر ما اشتمل على الكفر، أو على الفسق، كالدعاوي الكاذبة لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ﴾﴾ والكلام الفاحش، أو التغزل بأجنبية معينة، أو بالأمرد، أو هجاء إنسان من غير حقه، أو هجاء قبيلة لأجل رجل منهم، أو غير ذلك من المعاصي، فلا يجوز إنشاء مثله ولا إنشاده إلا استشهاداً في اللغة. وكذلك يذم من الشعر ما غلب على الإنسان بحيث صدّه عن القرآن والعلم وذكر الله، فإذا بلغ هذا المبلغ لم يجز، وإن كان مشتملاً على معان مباحة. وإلى هذا المعنى أشار البخاري في صحيحه حيث عقد ترجمة بقول: ((باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشّعر حتى يصّده عن ذكر الله والعلم والقرآن)). أمّا إذا اشتمل الشعر على معنى حسن، كالتوحيد وحمد الله تعالى، ومدح الرسول وَلله وسائر معاني البرّ والخير، فهو مثاب عليه إن شاء الله. وإذا اشتمل الشعر على معنى مباح، فهو مباح. وقد أخرج البغوي في معجم الصحابة أن النبيّ وَّر أذن لمالك بن عمير الأسلميّ الشاعر رَُّله أن يشبّب بامرأته، ويمدح راحلته، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذلك ثبت عن رسول الله ◌َيقر أنه سمع قصائد حسّان وكعب ◌ًا مع ما اشتملت امرأة مبهمة، ولم ينكر عليهما رسول الله ◌َّر في ذلك، فدل على جواز التشبيب بامرأة غير معينة. ٣٧١ كتاب: الشعر زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: اسْتَنْشَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ. وَزَادَ: قَالَ: ((إِنْ كَادَ لَيُسْلِمُ)). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: ((فَلَقَدْ كَادَ يُسْلِمُ فِي شِعْرِهِ). ٥٨٤٨ - (٢) حدّثني أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. جَمِيعاً عَنْ شَرِيكِ. قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا شَرِيكُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((أَشْعَرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ كَلِمَةٌ لَبِيدٍ: (٠٠٠) - قوله: (إِنْ كَادَ لِيُسْلِم) أي: إنّه كاد، و (أن) هنا مخففة من المثقلة. والمراد أن المعاني التي أتى بها أمية بن أبي الصلت في أشعاره معان صحيحة حكيمة لا تصدر في الغالب إلا من رجل مسلم. فكاد أمية أن يسلم ولكنه لم يقدر له ذلك. ٢ - (٢٢٥٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يجوز من الشّعر والرّجز والحداء (٦١٤٧)، وفي فضائل أصحاب النبي ◌َّ، باب أيّام الجاهلية (٣٨٤١)، وفي الرّقاق، باب الجنّة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله (٦٤٨٩)، وأخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر (٢٨٤٩)، وابن ماجه في الآداب، باب الشّعر (٣٨٠٢). قوله: (كلمة لبيد) الكلمة هنا بمعنى القطعة من الكلام. ولبيد هذا هو ابن ربيعة بن مالك العامريّ رُه. ويكنى أبا عقيل، وكان من شعراء الجاهلية وفرسانهم، وأدرك الإسلام وقدم على رسول الله وَّر في وفد بني كلاب فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم، ثم قدم لبيد الكوفة فأقام بها إلى زمن معاوية حتى توفي بها وقد عمّر مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وثلاثين سنة، وقيل: مائة وأربعين سنة، منها تسعون سنة في الجاهلية وباقيها في الإسلام. وهو القائل: ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا الناس: كيف لبيد ولما كتب عمر رُّه إلى عامله بالكوفة: سل لبيدا والأغلب العجليّ ما أحدثا من الشعر في الإسلام؟ فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران، فزاد عمر في عطائه. ويقال: إنه ما قال في الإسلام إلاّ بيتاً واحداً، فقيل: هو قوله: حتّى كساني من الإسلام سِربالا الحمد لله إذا لم يأتني أجلي وقيل : هو قوله : والمرء يصلحه الجليس الصالح ما عاتب المرء الكريم كنفسه وكان عطاؤه ألفين، فزاد فيه عمر ربه حتى صار ألفين وخمسمائة، فلمّا تولّى معاوية ٣٧٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ)) الخلافة سأله: ((هذان الفودان، فما بال العلاوة؟)) يعني بالفودين الألفين، وبالعلاوة الخمس مائة، وأراد أن يحطّه إيّاها، فقال: ((أموت الآن، وتبقى لك العلاوة والفودان)) فرقّ له معاوية وترك عطاءه على حاله، فمات بعد ذلك بيسير. وكان لبيد من أسخياء الناس، وكذلك أبوه ربيعة، حتى كان يقال لأبيه (ربيع المقترين). وكان لبيد قد حلف أن لا تهبّ الصّبا إلاّ أطعم الناس، وفيه قال الوليد بن عقبة: إذا هبّت رياح أبي عقيل أرى الجزّار يشحذ شفرتيه طويل الباع كالسّيف الصقيل أشمّ الأنف أصيد عامريّ هذا ملخص ما في الاصابة للحافظ ابن حجر (٣: ٣٠٧) والشعر والشعراء لابن قتيبة (ص: ١٢٣ و١٢٤). قوله: (ألا، كلّ شيء ما خلا الله باطل) هذا طرف من قصيدته المعروفة، وفيها: وكل نعيم لا مـحـالـة زائـل ألا، كلّ شيء ما خلا الله باطل قضى عملاً، والمرء ما عاش آمل إذا المرء أسرى ليلةً ظنّ أنّه ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل حبائله مبثوثة بسبيله ألمّا يعظك الدّهر؟ أمّك هابل فقولا له إن كان يقسم أمره لعلّك تهديك القرون الأوائل فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ودون معدّ، فلتزعك العواذل فإن لم تجد من دون عدنان والداً إذا كشفت عند الإله المحاصل وكلّ امرىء يوماً سيعلم سعيه (وقد ذكر هذه الأبيات ابن قتيبة في كتابه: ((الشعر والشعراء ص: ١٢٤). وقد زعم بعض العلماء أن هذه القصيدة قالها لبيد بعد إسلامه، كما يدل على ذلك بيتها الأخير، فإنه يدل على إيمانه بالعبث، فإنه يؤول إلى قوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ [العاديات، آية: ١٠٠] وتعقبه الحافظ في الإصابة ورجّح أنه كان من المؤمنين بالعبث قبل إسلامه أيضاً، كما ثبت ذلك عن عدّة من عقلاء الجاهليّة. والذي يدل على أن هذه القصيدة قالها لبيد قبل إسلامه ما رواه ابن إسحاق عن عثمان بن مظعون رُه أنه لما رجع من الهجرة الأولى دخل يوماً في مجلس لقريش وقد وفد عليهم لبيد بن ربيعة، فقعد ينشدهم من شعره، فقال: ((ألا، كل شيء ما خلا الله باطل)) فقال عثمان بن مظعون: صدقت. فقال لبيد: ((وكل نعيم لا محالة زائل)) فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنّة لا يزول. فقال لبيد: متى كان يؤذى جليسكم يا معشر قريش؟ فقام رجل منهم فلطم عثمان فاخضّرت عينه. ذكره الحافظ في فتح الباري (٧: ١٥٣). ٣٧٣ كتاب: الشعر وهذا يدلّ على أن لبيد بن ربيعة لم يكن أسلم يوم قال هذه القصيدة، والله سبحانه أعلم. وأمّا قوله: (ما خلا الله) فلفظ الجلالة فيه منصوب بقوله (خلا). وقوله (باطل) معناه: فان مضمحلّ الوجود، والمراد أن الله تعالى هو المستقل بالوجود، وليس في الكون يستقل بوجوده إلّ الله تبارك وتعالى، فإنه لا يحتاج إلى خالق وموجد، بخلاف جميع الأشياء، فإنها تحتاج إلى مكوّن وموجد. مسألة وحدة الوجود وقد استدلّ بعض النّاس بشعر لبيد ظلاله على صحة نظريّة (وحدة الوجود)، وهذه النظريّة مع ما يقابلها من نظريّة (وحدة الشهود) ليست من النظريات التي يجب في الدين معرفتها أو الاعتقاد بحقيتها أو بطلانها، بل الأحسن ترك التشاغل بها والخوض فيها، لأنّها مسألة خطيرة ربّما أدى الخوض فيها إلى الزندقة والإلحاد، والحقّ أنها مسألة فلسفيّة وكلاميّة تعجز عن إدراك كنهها العقول البشرية، ولم نؤمر في الدين بالتدقيق في هذه المسائل، والسّبيل الأسلم في مثلها ما سلكه الأسلاف الصّالحون من تفويض حقيقتها إلى الله سبحانه، وترك التصدي لمثل هذه التدقيقات الفلسفيّة الّتي لم تصرح فيها النصوص الشرعية بشيء. ومن أجل هذا ما كنّا نريد الخوض في هذه المسألة ولا تطويل الكتاب بتحقيق حقيقتها، ولكن لمّا كثرت المناقشات في هذا الباب فيما بين الفلاسفة والمتصوّفة المسلمين، وقد ظهرت فيها أنواع من الغلوّ من نواح شتّى، فالمناسب أن نذكر ههنا نبذة وجيزة من المذاهب المختلفة في هذا الباب تحذيراً للناس عن الغلوّ، سواء كان ذلك الغلوّ في نفس المسألة، أو في الحكم على أهل هذه المذاهب بالتصويب أو التخطأة، والله سبحانه هو الموفق! فالأمر الذي اتفق عليه أهل الإسلام بل أهل الأديان السماوية كلّهم هو أن الوجود المستقل الأزليّ القديم ليس إلاّ الله سبحانه وتعالى، وأنه تبارك وتعالى هو الذي خلق الكون وأبدعه، وأنّ المخلوقات كلّها كانت معدومة، وجاءت في حيّز الوجود بخلق الله تعالى وإبداعه ولكنّهم اختلفوا في كيفية اتصاف هذه المخلوقات بالوجود على مذاهب أربعة. فذهب جمهور علماء الشريعة إلى أن وجود المخلوقات الممكنات وجود حقيقي مكتسب بمعنى أنّه متوقف على إرادة الله تعالى وخلقه وإبداعه. وقال بعض الفلاسفة المسلمين: إن وجودها إضافيّ، وقال أصحاب نظريّة وحدة الوجود (ومن مقدمتهم الشيخ ابن عربي رحمه الله) إن وجودها خياليّ محض، وقال أصحاب نظريّة وحدة الشهود (ومن مقدمتهم مجدّد الألف الثاني رحمه الله) إن وجودها وجود ظليّ. أما الفرق بين الوجود الحقيقيّ المكتسب، وبين الوجود الإضافيّ والخياليّ والظليّ، ٣٧٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فيتضح بمثال، أو بنظير. وذلك أننا لو وضعنا زجاجاً أمام الشمس، فإن الشّمس تحدث في الزجاج حالات أربعة: الحال الأول: أنّ الزجاج يتسخّن بحرارة الشّمس، وإن وجود الحرارة أو السخونة في الزجاج في هذا الحال وجود حقيقيّ مغاير لوجود حرارة الشّمس، بدليل أنه لو فاتت مقابلة الشمس بالزجاج، بقيت حرارة الزجاج لمدّة، فهذا دليل لمغايرة وجود السخونة بوجود الحرارة، ولكن سخونة الزجاج مكتسبة من حرارة الزّجاج متوقفة عليها. فهذا مثال، أو نظير للوجود الحقيقيّ المكتسب. فذهب جمهور العلماء أن وجود الممكنات والمخلوقات وجود حقيقيّ مكتسب، بمعنى أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلق فيها الوجود، ولكنه وجود حقيقيّ مغاير لوجود الله تعالى، فالوجود والموجود كلاهما كلّيان مشككان، فالوجود الحقيقيّ على قسمين: وجود قديم مستقل بذاته، وليس ذلك الوجود إلاّ لله سبحانه، ووجود مكتسب حادث، وهو صفة لجميع الممكنات، وكذلك الموجود على قسمين: موجود قديم مستقلّ، وليس إلاّ الله تبارك وتعالى، وموجود حادث مخلوق، ويتضمن جميع الممكنات. والحال الثاني للزجاج في مقابلة الشمس: أنه يتنور بنور الشّمس، ولكن هذا النور الذي يتنوّر به الزجاج ليس مغايراً لنور الشّمس، بل هو عين نور الشّمس، غير أنه تميّز عنه بنسبة خاصة حصلت له باتصاف الزجاج به. ودليل كونه عين نور الشمس أنه يفوت بفوات المقابلة بين الشمس والزجاج، فهذا نظير الوجود الإضافي فإن وجود نور الزجاج (من حيث أنه نور الزجاج) ليس حقيقيّاً، وإنّما هو نُور الشّمس حصلت للزجاج نسبة خاصة به، فنور الزجاج عين نور الشّمس، غير أنه تميّز عنه بهذه النسبة الخاصّة. فذهب بعض الفلاسفة الإسلاميين إلى أنّ اتصاف الممكنات بالوجود ليس إلاّ كاتصاف الزجاج بالنور في هذا المثال، وإنّ الله سبحانه وتعالى لمّا أراد خلق الممكنات أعطاها نسبة خاصة (غير معلومة الكنه) بالوجود الذي هو قائم بذاته، ولم يعطها وجوداً مغايراً عن ذلك الوجود، ولكنّها اتصفت بالوجود بفضل هذه النسبة التي أعطاها الله تعالى إيّاها، فالوجود عندهم جزئي حقيقيّ، والموجود كلّي مشكك. والحال الثالث للزجاج في مقابلة الشّمس: أن قرص الشّمس يترآى في الزّجاج كأنّه حالّ فيه، ولكن الواقع أن صورة الشمس التي تترآى في الزّجاج ليس لها وجود حقيقيّ، فإنّها ليست عين الشمس، كما هو ظاهر، ولا شبحها ومثالها، بل هو محض وهم وخيال، وليست حقيقته إلا أن الشّعاع البصريّ حينما يقع على الزجاج فإنه ينقلب إلى الشّمس، فتترآى الشّمس في ذلك الشّعاع البصري، فصورة الشّمس المنعكسة في الزجاج صورة وهميّة إنما نشأت بالشّعاع البصريّ، فلو أغمض أحد عينه، لا يبقى في الزجاج شيء من صورة الشّمس، فلو كان لها وجود ٣٧٥ كتاب: الشعر حقيقيّ في الزجاج لما زال ذلك الوجود بإغماض العين. فهذا مثال للوجود الخياليّ. فيقول أحد أصحاب نظريّة وحدة الوجود (ومن مقدمتهم الشيخ ابن عربي رحمه الله) أن الله تبارك وتعالى وجوده أزليّ قديم، ولم يكن قبل خلق العالم إلا هذا الوجود الأزليّ القديم مع أسمائه وصفاته وهو الذي يسمى في الاصطلاح ظاهر الوجود وكانت جميع الممكنات معدومة في الخارج ولكن علمها التفصيليّ كان حاصلاً لله سبحانه وتعالى، وإن هذه الممكنات من حيث كونها معلومة لله تعالى تسمّى في الاصطلاح: (الأعيان الثابتة)، فلمّا أراد الله سبحانه وتعالى أن يخرج العالم من العدم المحض، فإنّه جلّى هذه (الأعيان الثابتة) على (ظاهر الوجود) بمراتب مختلفة من التجلّ وبكيفية لا يعلم كنهها إلاّ الله، فتجلّت في ظاهر الوجود عكوس هذه الأعيان الثابتة بحيث لم يحصل لها وجود في الخارج، ولا حصل لها حلول في ظاهر الوجود، وإنما حصل لها وجود خياليّ يترآى في الظاهر كأنه وجود خارجيّ، كما يحصل لقرص الشّمس وجود خياليّ في الزجاج بدون أن يحصل له وجود حقيقي في الخارج، فالموجود الحقيقيّ ليس إلّ الله تبارك وتعالى، والعالم كلّه عكس للأعيان الثابتة، وليس إلا خيالاً محضاً، يترآى كأنه موجود في الخارج، وليس موجوداً بوجود حقيقيّ. ثم وإن كان الشيخ ابن عربي رحمه الله يدّعي أن وجود العالم كلّه وجود خياليّ محض، ولكنه مع ذلك يعتقد أن الخيال له مراتب مختلفة، فمن الموجود الخياليّ ما يرتفع برفع الخيال، فلا يتعلق به حكم، ومنه ما لا يرتفع برفعه، فيصح أن تتعلق به بعض الأحكام، وإن وجود العالم من هذا القسم الثاني للوجود الخياليّ الذي لا يرتفع برفع الخيال، فلذلك يصح أن تتعلق به الأحكام الشرعيّة . فما اعترض عليه بعض النّاس أن القول بكون العالم كلّه خيالاً محضاً، يستلزم القول بنفي الشّرائع والأحكام، اعتراض غير وارد على ما قال به الشيخ ابن عربيّ. والحال الرابع للزجاج في مقابلة الشمس: أن ظل الزجاج يقع على الأرض، وإن هذا الظل ليس له وجود حقيقي، وإنما هو ظلام أصلي أحاط به النور، فتكون بهذه الإحاطة صورة في الخارج تسمى ظلاً - فهذا أمثال الوجود الظلي. فيقول أصحاب نظريّة وحدة الشهود ومن مقدمتهم الشيخ مجدد الألف الثاني رحمه الله تعالى) إنّ قبل الخالق العالم لم يكن هناك موجود إلا الله تبارك وتعالى، والممكنات كلّها كانت معدومة، فأسماء الله تعالى وصفاته موجودة بوجود قديم، وهي عبارة عن صفات الكمال، وكانت في مقابلها نقائص معدومة، كالعجز في مقابل القدرة، والجهل في مقابل العلم، فلمّا أراد الله تعالى خلق العالم، فإنّه جلّى صفات كماله على هذه العدمات، فانعكست صورة الكمالات في هذه العدمات، وظهرت بهذه الإنعكاس حقائق مادتها العدمات وصورها هذه ٣٧٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم العكوس. فإنّها ليست موجودة بوجود حقيقيّ، لكونها في الأصل عدمات ونقائص، ولكنّها بفضل هذا الإنعكاس لم تعد عدمات محضة، فوجودها ليس وجوداً حقيقيّاً، لأن الوجود الحقيقيّ ليس إلاّ الله تعالى، ولا وجوداً خياليّاً محضاً، كما ذهب إليه الشيخ ابن عربي، ولكن له مرتبة بين المرتبتين، كوجود الظلّ، فيسمّى وجوداً ظلّاً . وهذه خلاصة المذاهب الأربعة في هذا الباب، وقد لخصّتها من كتاب: ((بوادر النوادر)) لشيخ مشايخنا محمد أشرف علي التهانويّ رحمه الله تعالى. وأمّا الموقف السّليم في مثل هذه المسائل، فإنه ما قدّمنا من ترك الخوض فيها وتفويض حقيقتها إلى الله سبحانه وتعالى، فنؤمن إجمالاً بأنّ وجود الله تعالى مستقلّ كامل أزليّ قدیم، ووجود المخلوقات بأسرها وجود حادث متوقف على إرادة الله تعالى، وهو ناقص كل النقصان بالنسبة إلى وجود الله تعالى. أما معرفة حقيقة هذا الوجود الناقص وكيفية اتصاف المخلوقات به، فلسنا مأمورين بتحقيقها والوصول إلى كنهها، ولا سبيل لنا إلى الجزم في ذلك بشيء. والظاهر أن مذهب جمهور العلماء (وهو المذهب الأول من المذاهب الأربعة التي ذكرناها) هو الراجح، لكونه أقرب إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمََّ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (19)﴾ وأمّا ما ذهب إليه الشيخ ابن عربي أو الشيخ مجدد الألف الثاني رحمهما الله تعالى، فنكل حقيقته إلى الله تعالى، ولا نطيل ألسنتنا فيهم، فإنهم تكلموا في هذه المسائل لدواع هم أعلم بها، وليس فيما قالوه ما يصادم النّصوص صراحة، ولكن لا يوجد في النصوص في نفس الوقت ما يوجب التمسك بقولهم أو الجزم بما ذهبوا إليه. ومن أوّل النصوص الشرعية إلى قول من هذه الأقوال، فإن تأويله لا يخلو من كونه تحريفاً، أو غلوّاً، أو تكلّفاً وتعسفّاً، فإن النصوص الشرعيّة ساكتة من هذه المسائل التي تعجز عن إدراك كنهها العقول البشريّة . فمن تمسّك بحديث الباب على صحة نظرية وحدة الوجود من حيث أن رسول الله وَالقوم أقرّ الحكم ببطلان جميع الأشياء سوى الله تعالى، فإنّه توغّل في الأمر وأبعد النجعة، لأنه ليس مراد الشّعر الخوض في كيفية اتصاف المخلوقات بالوجود، وإنما المراد أن كل شيء ما سوى الله ناقص يطرأ عليه الفناء، وإن الله تبارك وتعالى لا يطرأ عليه نقص ولا فناء ولنعم ما قال شيخ مشايخنا التهانوي رحمه الله تعالى في بوادر النوادر (ص: ٧١٦). (إن مسألة وحدة الوجود ووحدة الشهود من المسائل الكشفية التي ليست مدلولاً لنصّ من النصوص، وغاية هذه المسائل أن لا تكون مصادمة لنص من النصوص. أما السّعي في إثباتها بالنصوص، فإن كان النص يحتملها فإنّ ذكرها على سبيل الاحتمال، وإن لم يكن غلواً، ولكنه تكلف، وإن تعديتها من درجة الاحتمال (إلى درجة الجزم والوثوق) غلوّ، وإن لم يحتمله النّص فادّعاء إثبات تلك المسألة بالنّص، سواء كان احتمالاً أو جزماً، تحريف صريح للنصوص. أما ٣٧٧ كتاب: الشعر ٥٨٤٩ - (٣) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ،َ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ، كَلِمَةُ لَبِيدٍ : أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ)). ٥٨٥٠ - (٤) وحدّثني ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَالْهِ قَالَ: ((أَضْدَقَّ بَيْتٍ قَالَهُ الشَّاعِرُ: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ وَكَادَ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ)). ٥٨٥١ - (٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَرِ. قَالَ: ((أَضْدَقُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الشُّعَرَاءُ: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ)) ٥٨٥٢ - (٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيِي. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ: يَقُولُ: ((إِنَّ أَضْدَقَّ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ)) مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ. إذا لم يكن هذا الادعاء على طريق التفسير والتأويل بل كان على سبيل الاعتبار، فإن الحكم المدعى إن كان ثابتاً بنص آخر، فإن هذا الاعتبار داخل في الحدود الشرعية. أمّا إذا لم يكن الحكم المدعى ثابتاً بنص من النصوص، فإنّ ذكره على سبيل الاعتبار فيه تكلف أيضاً))، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٧ - (٢٢٥٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر (٦١٥٥)، وأبو داود في الأدب، باب ما جاء في الشّعر (٥٠٠٩)، والترمذي في الأدب، باب ما جاء لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلىء شعراً، (٢٨٥١)، وابن ماجه في الآداب، باب ما كره من الشعر (٣٨٩٤). ٣٧٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٨٥٣ - (٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجِّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لأَنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ الرَّجُلِ قَيْحاً يَرِبِهِ، خَيْرٌ مِّنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلاَّ أَنَّ حَفْصَاً لَمْ يَقُلْ: ((يَرِبِهِ)). ٥٨٥٤ - (٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدٍ. عَنْ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((لأَنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحَاً بَرِبِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً)). ٥٨٥٥ - (٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ الثَّقَفِيُّ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ قوله: (قَيْحَأْ يَرِيه) أما القيح فهو معروف بمعنى الصُّديد، وأما قوله: (يريه) فهو بفتح الياء وكسر الراء، مشتق من (الوَرى) وهو داء يفسد الجوف، وقيل: معناه يصيب الرئة، والمراد قيح یأکل جوفه أو رئته. قوله: (أن يمتلىء شعراً) وقد تأول بعض العلماء في هذا الحديث أنه محمول على الشعر الذي اشتمل على هجاء النبي ◌َّ - والعياذ بالله - وأيدوه بما أخرجه أبو يعلى من حديث جابر، وفيه: ((قيحاً أو دماً خير له من أن يمتلىء شعراً هجيت به)) ولكن في إسناده راوٍ لا يعرف. ويؤيد الإطلاق ما أخرجه الطبراني في الأوسط والبغوي في معجم الصحابة والحسن بن سفيان في مسنده من حديث مالك بن عمير الأسلمّي أنه شهد مع رسول الله وَّير الفتح وغيرها، وكان شاعراً، فقال: يا رسول الله: أفتني في الشعر، فذكر الحديث وزاد: (فقلت: يا رسول الله! امسح على رأسي، قال: فوضع يده على رأسي، فما قلت بيت شعر بعد). وفي رواية الحسن بن سفيان بعد قوله: (على رأسي): ((ثمّ أمرّها على كبدي وبطني))، وزاد البغوي في روايته: ((فإن رابك منه شيء فاشبب بامرأتك وامدح راحلتك)) نقله الحافظ في الفتح (١٠: ٥٤٩). وهذا يدّل على أن الحديث ليس خاصّاً بهجاء النبي وَّر، ولا عامّاً في كلّ شعر، وإلا لما أذن له في التشبيب بامرأته ومدح راحلته وإنما المراد منه ما هو المذموم من الشّعر من الأقسام التي سبق ذكرها، أو المقصود النهي عن الانهماك في الشعر بحيث يلهي الإنسان عن فرائضه وعن ذكر الله. وربّما يشير لفظ الامتلاء إلى هذا المعنى، والله سبحانه أعلم. ٨ - (٢٢٥٨) - قوله: (عن سعد) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلىء شعراً (٢٨٥٢)، وابن ماجه في الآداب، باب ما كره من الشّعر (٣٨٠٥). ٣٧٩ كتاب: الشعر يُحِّسَ، مَوْلَى مُصْعَبٍ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي سعِيدٍ الْخُذْرِيِّ. قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَهُ بِالْعَرْجِ، إِذَ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ، لأَنْ يَمْتَلِىءَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِىءَ شِعْراً)) . (١) - باب: تحريم اللعب بالنردشير ٥٨٥٦ - (١٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ قَالَ: ((مَنْ لَعِبَ بِالنّزْدَشِيرِ، ٩ - (٢٢٥٩) - قوله: (عن يُحَنّس) بضم الياء وفتح الحاء وتشديد النّون مفتوحة كما ضبطه في التقريب، وجوّز النووي كسر النون أيضاً، وفي آخره سين مهملة، وذكره في الخلاصة بالشين المعجمة. وهو ابن أبي موسى، ويقال: ابن عبد الله، أبو موسى المدني الأسدي مولى مصعب بن الزبير، وثقه النسائي وابن حبان، وأخرج له مسلم والنسائي. قوله: (عن أبي سعيد الخدري) هذا الحديث لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة الستة . قوله: (بالعَرْج) بفتح العين وسكون الراء، اسم قرية من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلاً من المدينة. قوله: (خذوا الشّيطان) قال القاضي عياض رحمه الله: ((يحتج به من ينهى عن قليل الشعر وكثيره، وبه أخذ الحسن ومسروق وعبد الله بن عمرو بن العاص، وخالفه الكافة، وقالوا: ((هو كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح»، ويمكن الاعتذار عن حديث الباب بأن الرجل كان مشغولاً بشعر مذموم، وإلا فقد مرّ أنه ثبت إنشاد الشّعر بحضرة النبيّ وَلّ، وقد استنشد النبي رَل الشريد بن سويد، وحسان بن ثابت ربه، وقد روي عن الصحابة شعر كثير، حتى أن العلامة ابن سيد الناس رحمه الله قد ألف مجدّداً في أسماء من نقل عنه من الصحابة شيء من شعر متعلق بالنبيّ وَّر خاصة، كما ذكره الحافظ في الفتح (١٠: ٥٣٩). (١) - باب: تحريم اللعب بالنردشير ١٠ - (٢٢٦٠) - قوله: (عن أبيه) يعني بريدة بن الحصيب وظُبه، وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الأدب، باب اللعب في بالنرد (٤٩٣٩)، وابن ماجه في الأداب، باب اللعب بالنرد (٣٨٠٨). قوله: (من لعب بالتّردشير) بفتح النون وسكون الراء والدال وكسر الشين، كلمة فارسية معربة تستعمل للعب المعروف، وهو في الأصل اسم ملك من الأعاجم، سمي اللعب باسمه ٣٨٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَكَأَنَّمَا صَبَّغَ يَدَهُ فِي لَحْمٍ خِنْزِيرٍ وَدَمِ». لكونه قد وضع له، كما نقله ابن عابدين عن المهمات. ويسمى: (الأرن) و (الكعاب) أيضاً. قال بعض الحكماء: إن الأوائل لما نظروا في أمور الدنيا ووجدوها تجري على أسلوبين: أحدهما ما يجري بحكم الاتفاق، والثاني: ما يجري بحكم السعّي والتحيّل، فوضعوا النرد لما يجري بحكم الاتفاق لتشعر النفس به وتتصداه، ووضعوا الشطرنج مثالاً لما يجري بحكم السعي والتحيّل لتشعر النفس بذلك وتنهض الخواطر إلى عمل مثله من المطلوبات، ذكره القاضي عیاض، كما نقل عنه الأتّي. قوله: (صبغ يده في لحم خنزير ودمه) قال القرطبي: هذا كناية عن تذكيته وذبحه، وذبحه حرام، وقال النووي: هو كناية عن أكله. لأن من يأكل الخنزير تتلوث يده بلحم الخنزير، وإن ذبحه تلوثت يده بدمه. وعلى كلّ، فالحديث يدل على عدم جواز اللعب بالنردشير، وقد اتفق عليه العلماء إلا ما روي عن ابن مغفل وابن المسيب وأبي إسحاق المروزي، كما في نيل الأوطار (٨: ٨٥) وقد قاس عليه الجمهور الشطرنج فذهبوا إلى عدم جوازه أيضاً. قال الحصكفي في الدر المختار: ((وكره تحريماً اللعب بالنرد، وكذا الشّطرنج ... وأباحه الشافعي وأبو يوسف في رواية، ونظمها شارح الوهبانية فقال: ولا بأس بالشطرنج، وهي رواية عن الحبر قاضي الشرق والغرب تؤثر، وهذا إذا لم يقامر، ولم يداوم، ولم يخلّ بواجب، وإلا فحرام بالإجماع)) وراجع رد المحتار (٦: ٣٩٤). ثم أن الشافعيّ رحمه الله تعالى، وإن لم يذهب إلى حرمة الشطرنج، ولكنه مكروه عنده أيضاً كما صرح به النووي، إلا أن كراهته دون كراهة النرد. وروي عن ابن عباس وابن عمر وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد وعائشة أنهم كرهوا الشطرنج. وحكي في ضوء النهار عن ابن عباس وأبي هريرة وابن سيرين وهشام بن عروة وابن المسيب وابن جبير أنهم أباحوه. كذا في نيل الأوطار (٨: ٩٥) ولكني لم أجد الرواية عنهم في كتب الحديث. حكم الألعاب في الشريعة وأما حكم الملاهي والألعاب عامّة، فقد ألّف فيه شيخي ووالدي العلامة المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى رسالة مستقلّة طبعت في كتاب ((أحكام القرآن)) له. وألخص فيما يلي النتائج التي وصل إليها بعد سرد النصوص الواردة في الباب، وذلك بالاقتباس من عباراته المختلفة : ((اعلم أن الشريعة المصطفوية السمحة البيضاء، لا تمنع الارتفاقات والمصالح التي فُطرت عليها الطبيعة البشرية، ولا ترتضي الرهبانية والتبتّل، بل تقتضي المدنية والمعاشرة الصالحة. نعم! تمنع الغلوّ في المسليّات والانهماك فيها بحيث يلهي عن الضروريات الدينية والمعاشية. ومن المعلوم أن من الحاجة المفطور عليها الإنسان تمرين البدن وترويح القلب وتفريحه ساعة