النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب: الطب
لَوْ غَيْرُكَ قَالَها يَا أَبَا عُبَيْدَةَ، (وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَهُ)، نَعَمْ. نَفِرُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَىْ قَدَرِ
اللَّهِ. أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُذْوَتَانٍ. إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالأُخْرَى جَدِبَةٌ
أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصِبَةَ رَعَيْتَها بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضٍ حَاجَتِهِ. فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْماً.
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ،بَلِهِ يَقُولُ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ
وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ)).
عند ابن خزيمة: ((وقالت طائفة منهم أبو عبيدة: أمن الموت نفرّ؟ إنما نحن بقدر، لن يُصيبنا إلا
ما كتب الله لنا».
قوله: (لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة!) وجواب ((لو)) محذوف أي: لو قالها غيرك لم أتعجب
منه، وإنما أتعجب من قولك لوفور علمك، أي كيف تقول هذا مع علمك وفضلك؟ وقيل: إن
((لو)) ههنا للتمنّي، فلا يحتاج إلى جواب، وهو أوجه عندي، وإنما قال ذلك عمر عظُله لأن
اختيار أسباب الاحتياط والحذر ليست منافية للتوكل، وإنّها جزء من تقدير الله تعالى.
قوله: (وكان عمر يكره خلافه) أي: مخالفته، وهذه جملة معترضة من الراوي. وليس
المراد أنه كان يكره أن ينتقد عليه أحد، فكم ثبت عنه أنه عرّض نفسه لانتقاد الناس. ولكن
المراد أنه كان يكره أن يخالفه أحد بعد ما استحكم عزمه على أمر اجتهاديّ وصل إليه بعد
المشاورة الطويلة. فأمّا قبل استحكام العزم، فكان ذهنه منفتحاً لرأي كل أحد.
قوله: (نفرّ من قدر الله إلى قدر الله) وفي رواية هشام بن سعد عند ابن خزيمة: ((إن تقدمنا
فبقدر الله، وإن تأخرنا فبقدر الله))، وأطلق عليه لفظ الفرار لشبهه به في الصورة وإن كان ليس
فراراً شرعيًّا. والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه، ولو فعل لكان من قدر الله،
وتجنبه ما يؤذيه مشروع، وقد يقدّر الله وقوعه فيما فرّ منه، فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله.
ومحصل قوله أن اختيار أسباب الاحتياط والحذر ليس فراراً من قدر الله في الحقيقة، لأن الله
تعالى علّق النتائج في هذه الدّنيا على الأسباب، والتقدير المبرم غير معلوم، فالفرار مما يخاف
منه ليس فراراً من التقدير المبرم لكونه غير معلوم، وإنما هو فرار من سبب الهلاك الظاهر، وهو
جزء من التقدير المعلّق، فهو فرار من أحد شقّي التقدير المعلّق إلى الشقّ الآخر، ولا يمكن
لأحد أن يفرّ من التقدير المبرم، والله سبحانه أعلم.
قوله: (له عدوتان) بضم العين وبكسرها، والعدوة: المكان المرتفع من الوادي وهو
شاطئه .
قوله: (إحداهما خصبة) بفتح الخاء ويكسرها، وبسكون الصّاد، وروي: ((خصيبة)» بوزن
((عظيمة)) ومعنى الكل واحد أي: ذات كلا أو زرع. والجدبة ضدّها. أي: غير ذات زرع وكلا.

٣٢٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
٥٧٤٦ - (٩٩) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ
حَدِيثٍ مُّالِكِ. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ: قَالَ: وَقَالَ لَهُ أَيْضاً: أَرَأَيْتَ أَنَّهُ لَوْ رَعَى الْجَدْبَةَ
وَتَرَكَ الْخَصْبَةَ أَكُنْتَ مُعَجِّزَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَسِرْ إِذاً. قَالَ: فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ.
فَقَالَ: هَذَا الْمَحَلُّ أَوْ قَالَ: هَذَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
٥٧٤٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلةُ بْنُ يَخْيَى قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ. غَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَّهُ.
وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
٥٧٤٨ - (١٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْمَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ. فَلَمَّا جَاءَ سَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ
قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ؛ أَنَّ رَسُوَلَ اللّهِ وَ لِ قَالَ: ((إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ
بِأَرْضِ، فَلاَ تَقَدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ)) فَرَجَعَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ مِنْ سَرْغَ.
قوله: (فحمد الله عمر) لموافقة عزمه لقول رسول الله وَله .
٩٩ - (٠٠٠) - قوله: (أكنت معجّزة) بتشديد الجيم المكسورة، أي: أكنت تنسبه إلى العجز
وتلومه على ذلك؟ ومقصود عمر أن الناس رعية لي استرعانيها الله تعالى، فيجب عليّ الاحتياط
لها، فإن تركته نسبت إلى العجز واستوجبت الملامة.
١٠٠ - (٠٠٠) - قوله: (عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) هو معدود في الصحابة لأنه ولد
في عهد النبي ◌َّ، وسمع منه ابن شهاب هذا الحديث عالياً عن عبد الرحمن بن عوف وعمر،
لكنه اختصر القصة واقتصر على حديث عبد الرحمن بن عوف.
قوله: (فرجع عمر بن الخطاب من سرغ) وأخرج ابن أبي شيبة بسند جيد عن ابن عمر أنه
سمع عمر رَُّه قائلاً: ((اللّهم اغفر لي رجوعي من سرغ)) وحمله بعض الناس على رجوع عمر
عن موقفه في هذه المسألة، ولكن حقق الحافظ في الفتح (١٠: ١٨٧) أنه كان خرج لأمرهم
للمسلمين، ولعله ندم على رجوعه لأنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن
يرتفع الطاعون، فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين. ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن
قرب، فكأنه بلغه ذلك، فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه .

٣٢٣
كتاب: الطب
وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ بِالنَّاسِ مِنْ حَدِيثٍ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ.
(٣٣) - باب: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر،
ولا نوء ولا غول، ولا يورد ممرض على مصح
٥٧٤٩ - (١٠١) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، (وَاللَّفْظُ لأَبِي الطَّاهِرِ)،
قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، حِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ عَذْوَى
قوله: (من حديث عبد الرحمن بن عوف) أي أنه جزم بالخروج بعد سماع هذا الحديث،
وإلا فإنك رأيت أنه كان يميل إلى الرجوع قبل سماع الحديث، ولكنه كان يمكنه أن يتردّد بعد
ذلك لدليل يبدو له، ولكنه لما سمع الحديث أجمع أمره، ولم يبق عنده بعد ذلك مجال للتردد،
والله أعلم.
(٣٣) - باب: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر إلخ
١٠١ - (٢٢٢٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطبّ، باب
الطيرة (٥٧٥٤) وباب لا هامة (٥٧٧٠)، وباب لا عدوى (٥٧٧٣) إلى (٥٧٧٥)، وأبو داود في
الطب، باب الطيرة (٣٩١١) إلى (٣٩١٥)، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر (٧٥)، وفي
الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (٣٥٨٦)
مسألة تعدية الأمراض
قوله: (لا عدوى) العدوى: أن يتعدى مرض المريض إلى غيره، والأحاديث في هذا
الباب مختلفة، فمنها ما يفهم منه نفي العدوى، مثل هذا الحديث، ومنها ما يشعر بكونها مؤثرة
في درجة الأسباب، كقوله وَّهو: ((فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد)) أخرجه البخاري في باب
الجذام (٥٧٠٧)، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يورد ممرض على مصحّ)) كما سيأتي من
حديث أبي هريرة في هذا الباب، وما مرّ في الباب السابق من قوله وَّر في الطاعون: ((فإذا
سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه).
وقد اختلفت أقوال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث، واستقصى الحافظ في الفتح
(١٠: ١٦٠) هذه الأقوال كلها، ومن جملتها ما هو المعروف فيما بين أكثر الشرّاح أن الأصل نفي
العدوى، وإنّما نهى عن إيراد الممرض على المصحّ، وأمر بالفرار من المجذوم، لأنّ الصّحيح إن
مرض بعد مخالطته للمريض، فإنه إنما يمرض بتقدير الله تعالى، ولكنه يتخيّل أنه مرض بسبب
العدوى، فيفسد اعتقاده، ومن أجل هذا نهى عن الوقوع فيما يؤدي إلى فساد الاعتقاد.

٣٢٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولكن الموقف الراجح في باب العدوى ما ذكره الحافظ في الفتح عن البيهقي وابن
الصلاح وغيره، قال البيهقي تتّثُ تعالى: ((ما ثبت عن النبي وَّر أنه قال: ((لا عدوى)) فهو على
الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله
بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب سبباً لحدوث ذلك. ولهذا قال ◌َله: ((فرّ
من المجذوم فرارك من الأسد))، وقال: ((لا يورد ممرض على مصحّ))، وقال في الطاعون: ((من
سمع به بأرض فلا يقدم عليه)) وكل ذلك بتقدير الله تعالى))، قال الحافظ بعد نقل كلامه: ((وتبعه
على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين ومن بعده وطائفة ممن قبله)).
وقال الحافظ قبل ذلك: ((إن المراد بنفي العدوى أن شيئاً لا يعدي بطبعه، نفياً لما كانت
الجاهلية تعتقده أنّ الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله. فأبطل النبي ◌َّر اعتقادهم
ذلك، وأكل مع المجذوم ليبيّن لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه ليبين
لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبّباتها، ففي نهيه إثبات
الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقلّ، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها، فلا تؤثر
شيئاً، وإن شاء أبقاها فأثّرت)).
ونقل الحافظ عن ابن قتيبة أنه قال: ((إن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى
في شيء، بل هو لأمر طبيعيّ وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة
وشمّ الرائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح
بكثرة المخالطة ... ولهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجزوم لا على طريق العدوى، بل على
طريق التأثر بالرائحة لأنها تسقم من واظب اشتمامها، ومن ذلك قوله وَلير: ((لا يورد ممرض على
مصحّ)) لأن الجرب الرطب قد يكون بالبعير، فإذا خالط الإبل أو حككها وأوى إلى مباركها
وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وكذا بالنظر نحو ما به)).
وقال شيخ مشايخنا الكَنكوهي قدس سره في الكوكب الذّري (٢: ١٧٧) (طبع الحروف):
((الظاهر من النظر في الأحاديث التي وردت في أمثال هذه المواضع أن العرب كانت تزعم
للعدوى تأثيراً في نفسه من غير افتقار إلى مؤثر سواه، فنفى النبي ◌َّر عن العدوى كل نوع من
التأثير، وإن كان لأمثال هذه مدخل في مسبباتها، وإن كان بإذن منه سبحانه، فقولهم: إنه سبحانه
وضع للنجوم وغيرها تأثيراً بحيث تعطل بعد ذلك، أي لم يبق له قدرة على الإيجاد والإعدام،
سبحانه وتعالى. هذا شرك وكفر، كما أن القول بأن لها تأثيراً في نفسها من غير أن يضعه الله
سبحانه فيها، وكذا القول بأنه تعالى يضع فيها تأثيراً، ثم لا يؤثر سبحانه، بل التأثير إنما يكون
لها، وفي هذا الوجه له خيار على الخلاف إن شاء، ولا كذلك في الوجه الأول. وكذا الاعتقاد

٣٢٥
كتاب: الطب
وَلاَ صَفَرَ
بأن التأثير منه سبحانه، إلا أن التخلف لا يمكن عما هو ظاهر حالها، وأما أنها ليس لها دخل،
لا بكونها سبباً ولا أمارة، فلم يذهب إلى ذلك إلّا شرذمة من أهل الظاهر. والذي ينبغي أن يعقد
عليه القلب أنه تعالى هو المؤثر الحقيقي، يفعل ما شاء حيث شاء. وإنما أمثال هذه أمارات
جرت عادته سبحانه وتعالى أنه يفعل بعد إظهارها، ولو شاء لم يفعل مع ظهور الأمارات أيضاً،
كما أنه وضع في الأدوية أفعالاً وخواصٌ، وقد تتخلف عن موجبها. كذلك نعتقد في العدوى
وتأثيرات النجوم وأمطار الأنواء، أنه تعالى وضع فيها أثراً من غير أن يكون لها تأثير في إبدائه.
فأمرها ليس إلّ كأمر الأمطار إذا تنشأت سحابة فالظاهر منها أنها تمطر، ومع ذلك فلسنا
بالأمطار مستيقنين إلا أن يشاء الله رب العالمين)).
فالحاصل أنه لو ثبت طبيًّا أن جراثيم بعض الأمراض تتنقل من جسم إلى جسم آخر، فإن
ذلك لا ينافي ما ورد في حديث الباب من نفي العدوى، فإنّ المنفيّ هو كون هذا الشيء مؤثراً
بذاته، دون أن يخلقه الله تعالى، ولا شكّ في أن هذا الاعتقاد شرك وكفر. أما الاعتقاد بأن
انتقال الجراثيم ربّما يسبّب المرض، كما تسبّبه الأشياء الضارّة الأخرى وأن كل ذلك موقوف
على مشيئة الله تعالى وتقديره، بحيث أنه إن لم يشأ الله تعالى ذلك لم تنتقل الجراثيم، أو انتقلت
فلم تسبّب المرض، فهذا اعتقاد صحيح لا مانع منه شرعاً، وليس ذلك بمخالف لحديث الباب.
وبما أن العادة جرت بانتقال بعض الأمراض من جسد إلى جسد آخر، كالجذام والطاعون، فإن
النبي 18 أمر بالحذر منه في درجة اختيار الأسباب والتدابير الوقائية، فإن اختيارها لا ينافي
التوكل وعقيدة التقدير ما دام الإنسان معتقداً بأن تأثير الأسباب ليس ذاتياً، وإنّما هو موقوف على
مشيئة الله تعالى قائلاً: ((ثقة بالله وتوكلاً عليه))، وذلك للتنبيه على أن هذا المرض وإن كان يعدي
في العادة، ولكن تعديته موقوفة على تقدير الله تعالى وليس ذلك بتأثيره الذاتيّ.
قوله: (ولا صفر) اختلف العلماء في تفسيره، فقال بعضهم: إن المراد تأخيرهم تحريم
المحرم إلى شهر صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، حكاه النووي عن مالك وأبي عبيدة.
وفسّره البخاري في الطبّ بقوله: ((هو داء يأخذ البطن)) وشرحه رؤبة بن العجاج بقوله: ((هو حية
تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب)) فعلى هذا فالمراد
بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه من العدوى. ورجح عند البخاري هذا القول لكونه قرن في
الحديث بالعدوى. وكذا رجح الطبري والنووي هذا القول. وقيل: المراد بالصفر: الحية، لكن
المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدون أن ما أصابه قتله، فرد ذلك الشارع بأن الموت لا يكون إلا
إذا فرغ الأجل. وسيأتي آخر هذا الباب أن جابراً عَظُبه فسّر صفر بقوله: ((كان يقال: دوابٌ
البطن))، وهذا مما يقوي التفسير الذي اختاره البخاري وغيره لأن جابراً أحد من روى هذا
الحديث، والله أعلم.

٣٢٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلاَ هَامَةَ)). فَقَالَ أَعْرَابِيٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظُّبَاءُ،
فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: ((فَمَّنْ أَعْدَى الأَوَّلَ؟)) .
٥٧٥٠ - (١٠٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ،
(وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ)، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو
سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَغَيْرُهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((لاَ عَدْوَى وَلاَ
طِيَرَةَ وَلاَ صَفَرَ وَلاَ هَامَةً)) فَقَالَ أَغْرَابِيٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يُونُسَ.
قوله: (ولا هامة) بتخفيف الميم على ما هو المحفوظ فى الرواية. وقد ذكر الزبير بن بكار
في الموفقيات أن العرب كانت في الجاهلية تقول: إذا قُتل الرجل ولم يؤخذ بثأره خرجت من
رأسه هامة - وهي دودة - فتدور حول قبره فتقول: اسقوني اسقوني، فإن أدرك بثأره ذهبت، وإلا
بقيت. وفي ذلك يقول شاعرهم:
يا عمرو! إلا تَدَعْ شَتْمي ومنقصتي
أضربك حتى تقول الهامة اسقوني
وهناك تفسيران آخران للهامة: أولهما أن الهامة هي البُومة، كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت
على بيت أحدهم، فيزعمون أنها تخبر بموت صاحب البيت أو أحد من أهل داره. وهذا التفسير
ذكره ابن الأعرابي، ونسبه النووي إلى مالك بن أنس.
والثاني ذكره أبو عبيد، قال: ((كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويسمون
ذلك الطائر الصدى، فالمعنى في الحديث: لا حياة لهامة الميت، والمعنى على تفسير ابن
الأعرابي: لا شؤم بالبومة، وعلى تفسير الزبير بن بكار: لا أصل لعقيدة خروج الهامة من رأس
المقتول، هذا ملخص ما في فتح الباري (١٠: ٢٤١)، والله سبحانه أعلم.
قوله: (كأنّها الظّباء) يعني: تكون صحيحة سليمة من الأمراض نشيطة كالظباء.
قوله: (فمن أعدى الأول؟) هذا دليل قاطع لعقيدة العدوى، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا
يعتقدون العدوى علّة تامة للجرب، وإن العلّة التامّة لا تتخلف عن المعلول، ولا المعلوم من
العلّة. وظاهر أن البعير الأول لم يجرب بالعدوى فتبين أنه لا ملازمة بين العدوى والجرب،
فانتفى كون أحدهما علة للآخر. ولا سبيل في البعير الأول إلا القول بأن الذي أجربه هو الله
سبحانه وتعالى، فكذلك الإبل الباقية لا يجربها إلا الله. وإن هذا الدليل الذي نطق به
رسول الله وَ له من أقوى ما يؤيد ما ذكرنا في تحقيق العدوى، أن المقصود من نفيه نفي كونه علّة
تامّة ومؤثراً بذاته، لا نفي كونه سبباً من الأسباب، لأن السّبب ربما يتخلف عنه المسبّب،
وكذلك المسبّب ربما يتخلف عن أحد الأسباب، ويقع بأسباب أخرى. فلا ينطبق هذا الدليل
على المدعي إلّا إذا كان المقصود نفي كونه علّة تامة، والله أعلم.
١٠٢ - (٠٠٠) - قوله: (ولا ◌ِيَرَةً) بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن، وهي: التشاؤم،

٣٢٧
كتاب: الطب
٥٧٥١ - (١٠٣) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ،
عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانِ الَدُّؤَلِيُّ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةٍ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َ: ((لاَ عَذْوَى)) فَقَامَ أَعْرَابِيِّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ وَصَالِحٍ. وعَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ابْنِ أَخْتِ نَمِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَلِّ قَالَ: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ
صَفَرَ وَلاَ هَامَةَ)).
٥٧٥٢ - (١٠٤) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ، (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ)، قَالاَ: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
حَدَّثُهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّهِ قَالَ: ((لاَّ عَذْوَى)) وَيُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((لاَ يُورِدُ
مُمْرِضٌ عَلَىْ مُصِحْ)).
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ لِهِ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو
وهو مصدر ((تطيّر)) كما أن الحيرة مصدر ((تحيّر)) وقال بعض أهل اللغة: لم يجئ من المصادر
هكذا غير هاتين.
وأصل التطيّر أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن
رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمرّ في عمله، وإن رآه طار يُسرةً تشاؤم به ورجع وربما كان
أحدهم يهيّج الطير ليطير فيعتمدها، وكانوا يسمّون الطائر الذي يطير إلى اليمين: ((سائحاً))،
والذي يطير إلى اليسار يسمّونه: ((بارحاً)) فكانوا يتيمنون بالسائح ويتشاءمون بالبارح، ثم
استعيرت كلمة التطيّر لكلّ تشاؤم، سواء كان بسبب الطير أو بغيره، ومنه ما جاء في القرآن
الكريم ﴿ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن ◌َّعَهُ,﴾ و﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَبَّرْنَا بِكُمْ﴾. فجاء الشرع فأراح المسلمين من
جميع هذه التوهمات. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو موقوفاً: ((من
عرض له من هذه الطَّيَرة شيء فليقل: اللّهُمَ لا طَيْرَ إلّا طيُرك، ولا خير إلّا خير، ولا إله غيرك))
ذكره الحافظ في فتح الباري (١٠: ٢١٣).
١٠٤ - (٢٢٢١) - قوله: (لا يورد ممرض على مصح) وفي رواية للبخاري في باب ((ولا
هامة)): ((لا يوردّن ممرض على مصحّ)) بزيادة نون التأكيد، وهو نهي. أما لفظ الباب فهو خبر
بمعنى النّهي. وهو بكسر الراء على صيغة المعروف، ومفعوله محذوف أي الإبل، والمُمرض
(بضم الميم الأولى وسكون الثانية وكسر الراء) اسم فاعل من الإمراض، وهو صاحب الإبل
المريضة، والمصح (بضم الميم وكسر الصاد) صاحب الإبل السليمة من المرض. والمعنى: من
كانت له إبل مريضة. فلا ينبغي له أن يورد إبله على من له إبل صحيحة. وهذا تدبير وقائي أرشد
إليه النبي 8َّ* على سبيل الحذر والاحتياط. وقد أسلفنا أنه لا يستلزم الاعتقاد بالعدوى، لأن
العدوى هو الاعتقاد بكونه علّة تامّة.

٣٢٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: ((لاَ عَذْوَى)) وَأَقَامَ عَلَى: ((أَنْ لاَ يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحْ)) قَالَ:
فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ - (وَهُوَ ابْنُ عَمْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .: قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُكَ، يَا أَبَا هُرَيْرَةً
تُحَدِّثُنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثاً آخَرَ. قَدْ سَكَثَّ عَنْهُ. كُنْتَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((لاَ
عَذْوَى)) فَأَبَى أَبُو هُرَيْرَةً أَنْ يَعْرِفَ ذَلِكَ. وَقَالَ: ((لاَ يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَىْ مُصِحُّ)) فَمَا رَآهُ
الحَارِثُ فِي ذَلِكَ حَتَّى غَضِبَ أَبُو هُرَيْرَةً فَرَطَنَ بِالْحَبَشِيَّةِ. فَقَالَ لِلْحَارِثِ: أَتَذْرِي مَاذَا قُلْتُ؟
قَالَ: لاَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: أَبَيْتُ.
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَلَعَمْرِي، لَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُنَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لاَ
عَذْوَى)) فَلاَ أَذْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَة، أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الآخَرَ؟.
٥٧٥٣ - (١٠٥) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالَ
عَبْدٌ: حَدَّثَنِي. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنِي أَبِي،
عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يُحَدِّثُ؛ أَن رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ قَالَ: ((لاَّ عَذْوَى)) وَيُحَدِّثُ مَعَ ذَلِكَ: ((لاَ يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى
الْمُصِحْ)) بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ.
٥٧٥٤ - (٠٠٠) حدّثناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ.
حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٥٧٥٥ - (١٠٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
(يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((لاَ
عَذْوَىْ وَلاَ هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلاَ صَفَرَ)).
قوله: (فما رآه الحارث في ذلك) أي: ما رآه مصيباً في ذلك.
قوله: (فلا أدري أنسي أبو هريرة، أو نسخ أحد القولين الآخر) أما احتمال النسخ، فإنما
ذهب إليه أبو سلمة ظنًّا منه بأن الحديثين متعارضان، فحديث: ((لا عدوى)» ينفي تعدية
الأمراض، وحديث: ((لا يورد ممرض)) إلخ يثبته، وقد بسطنا وجه الجمع بين الحديثين، بأن
المنفي كونه علة تامة، والمثبت كونه سبباً من الأسباب. فيحتمل أن يكون أبو هريرة نسي
حديث: ((لا عدوى))، ويحتمل أيضاً أن يكون قد أمسك عن روايته لحكمة هو أعلم بها، وعلى
كونه قد نسي الحديث لا يقدح نسيانه في ثبوت الحديث، لما تقرر في الأصول أن نسيان الراوي
لا ينفي روايته إذا كان من روى عنه ثقة. ولأن حديث: ((لا عدوى)) مرويّ من غير أبي هريرة
أيضاً. والله أعلم وراجع أيضاً فتح الباري، باب لا هامة (١٠: ٢٤٢ و٢٤٣).
١٠٦ - (٢٢٢٠) - قوله: (ولا نَوْءَ) بفتح النون وسكون الواو وفي آخره همزة، وقد مرّ

٣٢٩
كتاب: الطب
٥٧٥٦ - (١٠٧) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ
جَابِرٍ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ غُولَ)).
شرحه في كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مُطِرِنا بنوء كذا. وقد مرّ هناك قول ابن قتيبة:
(«معنى النّوء سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر ... وهو
مأخوذ من (ناء) إذا سقط وقال آخرون: بل النوء طلوع نجم منها، وهو مأخوذ من (ناء) إذا
نهض. ولا تخالف بين القولين في الوقت، لأن كل نجم منها إذا طلع في المشرق وقع حال
طلوعه آخر في المغرب. لا يزال ذلك مستمرًّا إلى أن تنتهي الثمانية والعشرون بانتهاء السّنة، فإنّ
لكل واحد منها ثلاثة عشر يوماً تقريباً. وكانوا في الجاهلية يظنّون أن نزول الغيث بواسطة النّوء،
إمّا بصنعه، وإمّا بعلامته.
وقال شيخنا العثماني كثّفُ في كتاب الإيمان: ((وأعلى ما وقفت عليه من ذلك كلام
الشافعيّ كَثُ قال في الأمّ: (من قال مُطِرنا بنوء كذا وكذا، على ما كان بعض أهل الشرك يعنون
من إضافة المطر إلى أنه مطر نوء كذا وكذا، فذلك كفر كما قال رسول الله وَلاير (أي في
قوله تع *: من قال: مُطِرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) لأن النّوء وقت،
والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولغيره شياً. ومن قال: مُطِرنا بنوء كذا على معنى: مطرنا في
وقت كذا، فلا يكون كفراً. وغيره من الكلام أحبّ إليّ منه)، يعني حسماً للمادة. وعلى ذلك
يحمل إطلاق الحديث. وحكى ابن قتيبة في كتاب الأنواء أن العرب كانت في ذلك على مذهبين
على نحو ما ذكره الشافعي. فأبطل الشرع قولهم وجعله كفراً. فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء
صنعاً في ذلك، فكفره كفر تشريك. وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة فليس بشرك، لكن يجوز
إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النّعمة)).
١٠٧ - (٢٢٢٢) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث لم يخرجه من بين الأئمة السّة إلّا
المصنف رحمه الله تعالی.
قوله: (ولا تُول) بضم الغين. قال النووي: ((قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن
الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين، فتترآى للناس وتتغوّل تغوّلاً، أي تتلوّن تلوّناً،
فتضلّهم عن الطريق فتهلكهم. فأبطل النبي ◌َّلإر ذاك. وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي
وجود الغول، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب من تلوّن الغُول بالصوّر المختلفة واغتيالها.
قالوا: ومعنى (لا غُول) أي لا تستطيع أن تُضلّ أحداً. ويشهد له حديث آخر: (لا غُول، ولكن
السّعالى) قال العلماء: السّعالى بالسين المفتوحة والعين المهملتين، وهم سحرة الجنّ، أي
ولكن في الجنّ سحرة وتخييل. وفي الحديث الآخر: (إذا تغوّلت الغيلان فنادوا بالأذان) أي
ارفعوا شرّها بذكر الله تعالى: وهذا دليل على أنه ليس المراد نفي أصل وجودها. وفي حديث

٣٣٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٧٥٧ - (١٠٨) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم بْنِ حَيَّانَ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ،
(وَهُوَ التُّسْتَرِيُّ)، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ
غُولَ وَلاَ صَفَرَ)).
٥٧٥٨ - (١٠٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَذَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْج. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َهِ يَقُولُ: ((لاَ
عَذْوَّ وَلاَ صَفَرَ وَلاَ غُولَ)) .
وَسَمِعْتُ أَبَا الزُّبَيْرِ يَذْكُرُ؛ أَنَّ جَابِراً فَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَهُ: ((وَلاَ صَفَرَ)) فَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ:
الصَّفَرُ الْبَطْنُ. فَقِيلِ لِجَابِرٍ: كَيْفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ دَوَابُ الْبَطْنِ. قَالَ: وَلَمْ يُفَسِّرِ الْغُولَ.
قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ.
(٣٤) - باب: الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم
٥٧٥٩ - (١١٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَ لَ يَقُولُ:
((لاَ طِيرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ:
أبي أيوب: كان لي تمر في سهوة، وكانت الغول تجيء فتأكل منه)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن العرب كانت تعتقد في الجاهلية أن
الغُول مخلوق مستقلّ من الجنّ، ولا تكون إلا لإغواء الناس وإضلالهم وإيذائهم. فما وقع من
نفي الغول في حديث الباب إنما ينفي كونه مخلوقاً مستقلاً غير الجنّ وكونه مستقلاً بالتأثير في
الإغواء وتلوّن الأشكال. ثمّ ربّما يطلق لفظ (الغُول) على مردة الجنّ أيضاً، وهو المراد في
الأحاديث التي وقع فيها ثبوت الغيلان. وأخرج بدر الدين الشلبي في آكام المرجان (ص: ٢٠)
بسنده عن سعد بن أبي وقاص، قال: ((أمرنا إذا رأينا الغول أن ننادي بالصلاة)). أمّا تصوّر الجنّ
بصور مختلفة، فثابت بعدة أحاديث، وسيأتي الكلام عليها في كتاب قتل الحيّات إن شاء الله
تعالى.
(٣٤) - باب: الطيرة والفال، وما يكون فيه من الشؤم
١١٠ - (٢٢٢٣) - قوله: (أنّ أبا هريرة قال) هذا الحديث قد مضى تخريجه في أول الباب
السابق، وهو نفس ذلك الحديث بإضافة ذكر الفأل، وبهذه الزيادة أخرجه البخاري في الطبّ،
باب الفأل (٥٧٥٥)، وابن ماجه في الطب، باب من كان يعجبه الفأل (٣٥٨٦).
قوله: (وخيرها الفأل) بفتح الفاء وسكون الهمزة، وقد تسهل، والجمع فؤول بالهمزة

٣٣١
كتاب: الطب
(الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ)).
٥٧٦٠ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
جَدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو
الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وَفِي حَدِيثٍ عُقَيْلٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ. وَلَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ:
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ.
٥٧٦١ - (١١١) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ
جزماً. وهو التيمّن بشيء، وقال القرطبي: ((الفأل الرجوع إلى قول مسموع أو أمر محسوس معناه
في العقل تتخيل منه النفس حصول المعنى المقصود)) وربما يستعمل للتشاؤم أيضاً ولكن استعماله
في التيمن أكثر، وهو المراد هنا. وأما قوله: ((خيرها)) فالضمير فيه إلى الطيرة، وذهب الكرماني
إلى أن إضافة الخير إليها إضافة توضيح وبيان، لا إضافة الجزئية. ورجح الحافظ في الفتح أن
الإضافة هنا حقيقية، لأنّ الطّيرة كانت تشتمل على تشاؤم وتيمن. لما سبق أنهم كانوا يتشاءمون
بتوجه الطائر إلى اليسار، ويتيمنون بتوجهه إلى اليمين. فالحاصل أن خير الطيرة الفأل، وهو
التيمن. وأخرج الترمذي عن حابس التميمي مرفوعاً: ((العين حقّ، وأصدق الطّيرة الفأل)).
قوله: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم) ومن أمثاله، على ما ذكره النووي، أن يكون له
مريض، فيتفاءل بما يسمعه، فيسمع من يقول: (يا سالم!) أو يكون طالب حاجة فيسمع من
يقول: يا واجد، فيقع في قلبه رجاء البرء أو الوجدان.
وأخرج الترمذي حديث أنس وصححه: ((أن النبي و ﴿ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن
يسمع: يا نجيح! يا راشد!)) وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة: ((أن النبي وَلقر كان لا يتطير
من شيء، وكان إذا بعث عاملاً يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رؤي كراهة
ذلك في وجهه))، وليست هذه الكراهية للتطيّر، فإنه يسير ما كان يمسك بعد ذلك من بعثه عاملاً،
وإنما هي لفقدان ما كان يرجوه من سماع اسم حسن، والله أعلم.
وأما حبّ رسول الله و # للفأل، فلأن الإنسان إذا أمل فضلاً من الله تعالى وفائدة تحصل
له بسبب قويّ أو ضعيف فهو حسن ظنّ بالله تعالى وعقد الرجاء برحمته، والرجاء له خير. وأما
إذا قُطع رجاؤه وأمله من الله تعالى، فإن ذلك شر له، والطّيرة فيها سوء الظنّ وتوقع البلاء.
وروى قاسم بن أصبغ أن بريدة الأسلمي من بني سهم خرج في سبعين راكباً في أهله يتلقى
رسول الله ◌َ ﴿ ليلاً، فقال: من أنت؟ قال: بريدة: فالتفت رسول الله وجّه إلى أبي بكر وقال: برد
أمرنا وصلح، ثم قال: ممن؟ قال: من أسلم، فقال رسول الله وَّر لأبي بكر: سلمنا، ثم قال:
فممن؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمنا. نقله القرطبي، كما في شرح الأبيّ (٦: ٤٢).

٣٣٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنَسِ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ بَ ◌ّهِ قَالَ: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ: الْكَلَمِةُ الْحَسَنَةُ، الْكَلَمِةُ
الطَّيْبَةُ».
٥٧٦٢ - (١١٢) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. قَالَ: ((لاَ
عَذْوَىْ وَاَّ طِيَرَةَ. وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ)) قَالَ: قِيلَ: وَمَا الْفَأَلُ؟ قَالَ: ((الْكَلِمَةُ الطَّيْبَةُ)).
٥٧٦٣ - (١١٣) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنِي مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَتِيقٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ)).
٥٧٦٤ - (١١٤) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ
حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ
هَامَةَ وَلاَ طِيَرَةَ. وأُحِبُّ الْفَأْلُ الصَّالِحَ)).
٥٧٦٥ - (١١٥) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ وَسَالِم، ابْنَيْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((الشُّؤْمُ فِي الدَّارِ
وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» .
١١١ - (٢٢٢٤) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب، باب الفأل
(٥٧٥٦)، وباب لا عدوى (٥٧٧٦)، وأبو داود في الطب، باب في الطير (٣٩١٦)، والترمذي
في السيّر، باب ما جاء في الطّرة (١٦١٥)، وابن ماجه في الطب، باب من كان يعجبه الفأل
ويكره الطيرة (٣٥٨٢).
١١٥ - (٢٢٢٥) - قوله: (عن عبد الله بن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب،
باب الطيرة (٥٧٥٣)، وباب لا عدوى (٥٧٧٢)، وفي البيوع، باب شراء الإبل الهيم أو الأجرب
(٢٠٩٩)، وفي الجهاد، باب ما يذكر من شؤم الفرس (٢٨٥٨)، وفي النكاح، باب ما يتّقى من
شؤم المرأة (٥٠٩٣ و٥٠٩٤)، وأخرجه أبو داود في الطب، باب في الطيرة (٣٩٢٢)، والترمذي
في الأدب، باب ما جاء في الشّؤم (٢٨٢٤)، والنسائي في الخيل، باب شؤم الخيل (٣٥٦٨
و٣٥٦٩)، وابن ماجه في النكاح، باب ما يكون فيه اليمن والشّؤم (٢٠٠٤).
قوله: (الشُوم في الدّار والمرأة والفرس) حمله بعض العلماء على الظاهر، فقالوا: هذه
الأشياء مستثناة من نفي الطّيرة، فمن تشاءم بها، يجوز له أن يتحول عنها، وهو قول الإمام مالك

٣٣٣
كتاب: الطب
٥٧٦٦ _ (١١٦) وحدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَىُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
وابن قتيبة. وروى أبو داود في الطبّ عن ابن القاسم أنه سئل عنه فقال: كم من دار سكنها ناس
فهلكوا. قال المازريّ: فيحمله مالك على ظاهره، والمعنى أن قدر الله ربما اتفق ما يكره عند
سكنى الدار، فتصير في ذلك كالسبب، فتسامح في إضافة الشيء إليه اتساعاً. وقال ابن العربيّ:
لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها، فأشار إلى أنه ينبغي
للمرء الخروج عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بالباطل.
وذكر ابن عبد البر عن بعض العلماء أنهم قالوا: إن حديث الباب كان في أول الأمر، ثم
نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا كتاب﴾ الآية.
ورده الحافظ في الفتح (٦: ٦٢) بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولا سيما وقد ورد في نفس هذا
الخبر نفي التطيّر، ثم إثباته في الأشياء المذكورة وذهب بعض العلماء إلى تأويل حديث الباب،
بأن المراد: لو كان في شيء من الأشياء شؤم، لكان في هذه الأشياء، ولكن الشؤم منفيّ.
ويؤيده ما سيأتي من رواية محمد بن زيد: «إن يكن من الشؤم شيء حقّ، ففي الفرس والمرأة
والدار)) ومن رواية حمزة: ((إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة)).
والتأويل الراجح لهذا الحديث عندي أن المراد من الشؤم المثبت فيه للأشياء الثلاثة ليس
حقيقة الشؤم، وإنما المراد أنها لم توافق الطبع فإنها تسبب مصائب متنوعة، وأذى مستمرًّا، كما
أن الشّؤم المزعوم عند القائلين به يسبّب ذلك. وإنما خصّت هذه الأشياء بالذكر لأن المصائب
المتسبّبة منها أعظم وأكثر، لأنّ كل واحد من هذه الثلاثة مما يطول صحبتها، ويحتاج إليها
الإنسان مراراً كل يوم، فلو كانت مخالفة للطبع فإنّها تؤذي الإنسان كلّ حين، ويستمرّ إيذاؤها
لمدة طويلة حتى يفارقها ويستبدلها بما هو أحسن منها. ويؤيده ما أخرجه البزار عن سعد بن أبي
وقاص مرفوعاً: ((ثلاث من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والمركب الهنيئ)) كما
في كشف الأستار (٢: ١٥٦، رقم: ١٤١٢)، وسنده غير قويّ، ولكن أخرجه أحمد برجال
الصحيح بسياق أتم منه، ولفظه: ((من سعادة ابن آدم ثلاثة، ومن شقوة ابن آدم ثلاثة: من سعادة
ابن آدم: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة ابن آدم: المرأة
السوء، والمسكن السوء، والمركب السّوء» ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤: ٢٧٢) وقال:
((رواه أحمد والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط. ورجال أحمد رجال الصحيح)).
ومعنى قوله وَله: ((إن يكن من الشؤم شيء حقّ، ففي الفرس والمرأة والدار»: أنه لو كان
الشؤم حقًّا، لكان ثابتاً في هذه الأشياء، لأنها ربّما تسبّب مصائب مثل المصائب المزعومة
للشؤم، ولكن الحقّ أن الشؤم غير ثابت، ولكن من ظفر بالمرأة الصالحة، والمسكن الواسع،
والمركب الهنيء فإنه سعيد في هذه الدنيا، ومن ابتلي بالسيئة من هذه الثلاثة، فإنها من سوء
حظّه، والله سبحانه أعلم.

٣٣٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةً وَسَالِم، ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَّ قَالَ: ((لاَ عَذْوَى وَلاَ طِيَرَةَ. وَإِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاثَةٍ: الْمَرْأَةِ
وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ)).
٥٧٦٧ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم
وَحَمْزَةَ، ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. ح وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌوٌ
النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. ح
وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. خَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ، ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ.
ح وحدّثني عَبْدُ اٌلْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِّي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي
عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وحَدَّثَنَاهُ يَحْيِّى بْنُ يَخْيَى. أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ. حٍ وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو
الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. فِي
الشُّؤْم، بِمْثلٍ حَدِيثِ مَالِكٍ. لاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِ ابْنٍ عُمَرَ: الْعَذْوَى وَالطَّيْرَةَ،
غَيْرُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ.
٥٧٦٨ - (١١٧) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَّحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنْ يَكُنْ مِنَ الشُّؤْمِ شَيْءٌ حَقٌّ، فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالَذَّارِ)).
٥٧٦٩ - (٠٠٠) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَقُلْ: حَقٌّ .
٥٧٧٠ - (١١٨) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَذَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ. حَدَّثَنِي عُثْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ، فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ» .
وقد روي عن عائشة ظنّا أنها أنكرت حديث الباب، وأنكرت على أبي هريرة في روايته،
وقالت: ((لم يحفظ، إنه دخل وهو يقول: قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة، فسمع آخر
الحديث)) أخرجه الطيالسي في مسنده، وأخرج مثله أحمد وابن خزيمة والحاكم. ولكن هذا
الحديث مرويّ عن غير أبي هريرة أيضاً، فلا وجه لردّ هذا الحديث من أجل ذلك، ويمكن أن
تكون القصة التي ذكرتها عائشة ﴿ا وقعت قبل، ثمّ ذكر رسول الله وَّر حديث الباب في غيبة
عائشة ثقا. وراجع للتفصيل كتاب الجهاد من فتح الباري (٦: ٦١).

٣٣٥
كتاب: الطب
٥٧٧١ - (١١٩) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ: ((إِنْ كَانَ، فَفِي الْمَزْأَةِ وَالْفَرَسِ
وَالْمَشِّكَنِ)) يَعْنِي الشُّؤْمَ.
٥٧٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ. حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََِّ، بِمِثْلِهِ.
٥٧٧٣ - (١٢٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يُخْبِرُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّهِ.
قَالَ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيءٍ،ٌ فَفِي الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ وَالْفَرَسِ)).
(٣٥) - باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان
٥٧٧٤ - (١٢١) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ
الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُمُوراً كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. كُنَّا نَأْتِي
١١٩ - (٢٢٢٦) - قوله: (عن سهل بن سعد) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد،
باب ما يذكر من شؤم الفرس (٢٨٥٩)، وفي النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة (٥٠٩٥)،
وابن ماجه في النكاح، باب ما يكون فيه اليمن والشّؤم (٢٠٠٣).
١٢٠ - (٢٢٢٧) - قوله: (أنه سمع جابراً يخبر) هذا الحديث أخرجه النسائي في الخيل،
باب شؤم الخيل (٣٥٧٠).
قوله: (ففي الربّع) يعني البيت.
(٣٥) - باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهّان
١٢١ - (٥٣٧) - قوله: (عن معاوية بن الحكم الأسلميّ) قال أبو عمر: كان يسكن بني
سليم وينزل المدينة، وقال البخاري: له صحبة يعد في أهل الحجاز. وقد مر عند المصنف
حديثه: ((صليت خلف رسول الله وَّر، فعطس رجل من القوم في صلاته إلخ)) كذا في الإصابة
(٣: ٤١١) وحديثه هذا قد مرّ بسياق أتم في الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، وأخرجه
أبو داود في الصلاة، باب تشميت العاطس في الصلاة (٩٣٠)، وفي الطب، باب في الخط
وزجر الطير (٣٩٠٩)، والنسائي في السهو، باب الكلام في الصلاة (١٢١٨)، وأخرجه أحمد
في مسنده (٣: ٤٤٣، و٥ : ٤٤٧ و٤٤٩).

٣٣٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْكُهَانَ. قَالَ: ((فَلاَ تَأْتُوا الْكُهَانَ)) قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ. قَالَ: ((ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُمْ فِي
نَفْسِهِ، فَلاَ يَصُدَّنَكُمْ)).
٥٧٧٥ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، حَدَّثَنِي حُجَيْنٌ، (يَعْنِي ابْنَ الْمُثَنَّى)،
حَذَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُّ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَغَمَرٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ .
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. ح وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ. أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسِىُ. أَخْبَرَنَا
مَالِكٌ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنادِ، مِثْلَ مَّعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّ مَالِكاً فِي
حَدِيثِ ذَكَرَ الطَّيَرَةَ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْكُهَّانِ.
٥٧٧٦ - (٠٠٠) وحدَثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةً)، عَنْ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. كِلَاَهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي
مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنٍ يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، بِمَعْنَى
حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةً. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ:
قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُُونَ قَالَ:
قوله: (فلا تأتوا الكُهّان) هو جمع الكاهن، وهو الذي يخبر عن المغيبات. وقال القاضي
عياض كثّفُهُ: («كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب: أحدها أن يكون للإنسان وليّ من الجنّ
يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم بطل من حيث بعث الله نبيّنا وَلقر. الثاني:
أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض، وما خفي عنه مما قرب أو بعد. وهذا لا يبعد
وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك ولا
بعد في وجوده، لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عامّ. الثالث:
المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس قوّة مّا، لكن الكذب فيه أغلب)).
قال: ((ومن هذا الفنّ العرافة، وصاحبها عرّاف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب
ومقدمات يدعي معرفتها بها. وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك بالزجر والطرق والنجوم
وأسباب معتادة. وهذه الأضرب كلّها تسمى: ((كهانة))، وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن
تصديقهم واتباعهم»، والله أعلم.
قوله: (فلا يصُدنّكم) معناه: أن الطّيرة أمر خياليّ يقع في قلوبكم، ولا أصل له في نفس
الأمر، فلا يصدنّكم التطيّر عما أردتم فعله.
(٠٠٠) - قوله: (ومنّا رجال يخطّون) يعني: يشتغلون بأشكال علم الرمل. وعلم الرمل قد

٣٣٧
كتاب: الطب
((كَانَ نَبِيِّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُ، فَمَنْ وَافَقَ خَطُّهُ فَذَاكَ)).
٥٧٧٧ - (١٢٢) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَخْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الْكُهَانَ كَانُوا يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيْءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا. قَالَ: ((تِلْكَ الْكَلِمَةُ الْحَقُّ.
يَخْطَفُهَا الْجِنِّيَّ فَيَقْذِفُها فِي أُذُنٍ وَلِيِّهِ، وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةً كَذْبَةِ» .
٥٧٧٨ - (١٢٣) حدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
(وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي يَخْيَى بْنُ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةً يَقُولُ: قَالَتْ
عرّفه حاجي خليفه في كشف الظنون (١: ٩١٢) بقوله: ((هو علم يعرف به الاستدلال على
أحوال المسألة حين السؤال بأشكال الرّمل. وهي إثنا عشر شكلاً على عدد البروج. وأكثر
مسائل هذا الفنّ أمور تخمينية مبنية على التجارب، فليس بتام الكفاية لأنهم يقولون: كل واحد
من البروج يقتضي حرفاً معيّناً وشكلاً من أشكال الرمل، فإذا سئل عن المطلوب، فحينئذ يقتضي
وقوع أوضاع البروج شكلاً معيناً، فيدل بسبب المدلولات، وهي البروج، على أحكام مخصوصة
مناسبة لأوضاع تلك البروج. لكن المذكورات أمور تقريبية، لا يقينية)).
قوله: (كان نبيّ من الأنبياء يخطّ) قيل: هو إدريس ظلّلا، وقيل: دانيالمعَلّلا. وذكر في
كشف الظنون ناقلاً عن كتاب ((مصباح الرمل)) أن هذا العلم كان معجزة أعطيت لستة أنبياء عليهم
السلام، وهم آدم، وإدريس، ولقمان، وأرميا، وشعيا، ودانيال، صلى الله تعالى عليهم وسلم
تسليماً .
قوله: (فمن وافق خطّه فذاك) أي: فهو مصيب. وهو كالتعليق بالمحال. وحاصله أن النبي
الذي كان يخطّ، كان يفعل ذلك على طريق معجزة أوتيها، ولا سبيل لأحد أن يعرف طريق خطّه
حتّى يوافقه في ذلك، فانعدم الشرط، وبقي الحظر والمنع. فأمّا ما يدعيه أصحاب الرمل اليوم،
فليس إلّا تخميناً، ولا يفيد علماً يقينياً كما أفاد ذلك النبيّ عليها، وقد نهينا عن اتّباع الظنّ
والتخمين، وعن الاشتغال بما لا يعنينا. ومن ثمّ وقع النهي عن الاشتغال بهذه الأشياء.
وراجع أيضاً ما كتبه شيخنا العثمانيّ تقلُّ تعالى تحت هذا الحديث في كتاب الصلاة، باب
تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته (١: ١٣٥) من الطباعة الأولى.
١٢٢ - (٢٢٢٨) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب، باب
الكهانة (٥٧٦٢)، وفي الأدب، باب قول الرجل للشيء: ليس بشيء (٦٢١٣)، وفي التوحيد،
باب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم (٧٥٦١).
قوله: (تلك الكلمة الحق يخطفها الجنّيّ) أي: من كلام الملائكة، كما سيأتي تفصيله.

٣٣٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَائِشَةُ: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنِ الْكُهَّانِ؟ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((لَيْسُوا بِشَيْءٍ))
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحدِّثُونَ أَخْيَاناً الشَّيْءَ يَكُونُ حَقًّا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((تِلْكَ
الْكَلِمَةُ مِنَ الْجِنِّ يَخْطَفُهَا الْجِنْيُّ، فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنٍ وَلِيَّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ. فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ
مِائَةٍ كَذْبَةٍ)).
٥٧٧٩ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِ مُحَمَّدُ بْنُ
عَمْرٍو، عَنِ ابْنٍ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ رِوَايَةٍ مَعْقِلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
٥٧٨٠ - (١٢٤) حدّثنا حَسَنٌ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ حَسَنٌ:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ. وَقَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ)، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِّنْ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ بَّهِ مِنَ الأَنْصَارِ؛ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةٌ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ رُمِيَ بِنَجْمِ
فَاسْتَنَارَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: «مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا رُمِيَ بِمِثْلٍ هَذَا؟))
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. كُنَّا نَقُولُ وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ
١٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (ليسوا بشيء) أي: ليس قولهم بشيء يعتمد عليه. والعرب تقول
لمن عمل شيئاً ولم يحكمه: ما عمل شيئاً.
قوله: (يكون حقًّا) أورده السائل إشكالاً على عموم قوله: (ليسوا بشيء) لأنه فهم منه أنهم
لا يصدُقون أصلاً، فأجابه وَّر عن سبب الصدق الذي يصدر منهم أحياناً، وأنه إذا اتفق أن
یصدق لم يتركه خالصاً، بل يشوبه بالكذب.
قوله: (تلك الكلمة من الجنّ) وورد في بعض النسخ: ((تلك الكلمة من الحق)) وبهذا اللفظ
أخرجه البخاري.
قوله: (فيقرّها) بفتح الياء وضمّ القاف على ما ضبطه النووي، وبفتح القاف على ما ضبطه
الحافظ في الفتح تقول: قررت على رأسه دلواً، إذا صببته، فكأنه صبّ في أذنه ذلك الكلام.
قال القرطبيّ: ويصح أن يقال: المعنى ألقاها في أذنه بصوت. يقال: قرّ الطائر، إذا صوّت.
وأخرجه البخاري في التوحيد برواية يونس: ((فيقرقرها)) أي: يردّدها، يقال: قرقرت الدجاجة،
إذا ردّدت صوتها. قال الخطابي: والمعنى أن الجني إذا ألقى الكلمة لوليّه تسامع بها الشياطين
فتناقلوها، كما إذا صوّتت الدجاجة فسمعها الدجاج فجاوبتها .
١٢٤ - (٢٢٢٩) - قوله: (أن عبد الله بن عباس قال) هذا الحديث أخرجه الترمذي في
التفسير، باب ومن سورة سبأ (٣٢٢٢).
قوله: (رُمي بنجم) أي: ظهر في السّماء ما يرى كأنه كوكب انقضّ.

٣٣٩
كتاب: الطب
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((فَإِنَّهَا لاَ يُزْمَى بِهَا لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنْ رَبُّنَا، تَبَارَكَ وَتَعَالَى
اسْمُهُ، إِذا قَضَى أَمْرَأَ سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ. ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. حَتَّى يَبْلُغَ
التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا. ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ
رَبُّكمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ. قَالَ: فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضاً. حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ
هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَتَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ. وَيُرْمَوْنَ بِهِ. فَمَا جَاؤُوا بِهِ
عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ. وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ)) .
قوله: (سبّح حملة العرش) أي: خضوعاً لأمر الله تعالى، وتنزيهاً لحكمه عن كل عيب
ونقص .
قوله: (ويُرمون به) أي بمثل هذا النجم الذي يرى وأنه ساقط. وهذا الحديث كأنه تفسير
لقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ
لَّا يَسَّمَّعُونَ
وَحِفْظًا مِّنْ كُلِّ شَيْطَانِ مَّارِدٍ
إِلَى الْعَلَا الْأَعْلَى وَيُقْذِّفُونَ مِن كُلِّ جَاِبٍ ﴿َ دُحُورِّاً وَهُمْ عَذَابُ وَصِبُ ﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطِفَةَ فَأَنْتَعَكُمْ شِهَابٌ
﴾ [الصافات، الآيات: ٦ - ١٠].
ثَاقِبُ
وكان فلاسفة اليونان يزعمون أن الشهاب الثاقب مادّة أرضية تصعد بواسطة البخار إلى
الطبقات العليا في الجوّ، ثم تقرب من كرة النار فتحترق. والذي يفهم من القرآن الكريم ومن
الأحاديث أنه جرم من الأجرام الفلكيّة يرمى به الشياطين. ومن ثم كان المفسرون القدامى
يؤمنون بما جاء في القرآن والسنّة، ويتركون ما يقول به الفلاسفة على أساس أنه ظن وتخمين لا
يقاوم ما في القرآن الكريم من العلم.
وقد أظهرت علوم الفلك اليوم أن ما قاله فلاسفة اليونان باطل محض. والرأي السائد
اليوم فيما بين الفلكييّن أن الشّهب إنما هي قطع كوكبية سماويّة، وهي أجسام صغيرة كثيرة،
ومنها مجموعة تسمى الأسدية، وهي تتمّ دورتها حول الشمس في شكل إهليلجي في: (٣٣
سنة)، وما النّور الذي ينزل من تلك الشّهب إلا من سرعتها واحتكاكها بمادة الجوّ كما يقدح
الزناد. وهذا الرأي أقرب إلى القرآن الكريم من رأي أهل اليونان.
وأمّا ما يستغربه بعض النّاس من كون هذه الشّهب رجوماً للشياطين، فهو مجرد استغراب
واستبعاد، وليس على نفي ذلك دليل قائم. وقال الطنطاويّ المرحوم في تفسيره (الجواهر)
(٨: ١٤): ((إذا كان آباؤنا وحكماؤنا كبُر عليهم أن يخالف القرآن علم الفلك في زمانهم، ولم
يرض المفسرون منهم أن يبقوا على مذاهبهم الفلسفيّة، بل مشوا مع القرآن، ثم ظهر بطلان
المذهب القديم، فهل هناك من مانع يمنع أن تكون الكواكب محرقة أو مخبلة أو مؤذية لتلك
الأرواح. ذلك نسلّم به حتى ننظر المستقبل)).
قوله: (ولكنهم يقرفون) بفتح الياء والراء المهملة، أي: يخلطون ويكذبون، كما في

٣٤٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٧٨١ - (٠٠٠) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو
الأَوْزَاعِيُّ. ح وحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح
وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ (يَعْنِيَ ابْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ). كُلُّهُمْ
عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. أَخْبَرَنِي رِجَالٌ
مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَ مِنَ الأَنْصَارِ. وَفِي حَدِيثِ الأَوْزَاعِيِّ ((وَلَّكِنْ يَقْرِفُونَ فِيهِ
وَيَزِيدُونَ)). وَفِي حَدِيثٍ يُونُسَ: ((وَلَكِنَّهُمْ يَرْقَوْنَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ)). وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يُونُسَ :
(وَقَالَ اللَّهُ: ﴿حََّ إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٢٣]. وَفِي حَدِيثٍ
مَعْقِلٍ كَمَا قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: ((وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ)) .
٥٧٨٢ - (١٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ)،
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. قَالَ:
(مَنْ أَتَى عَرَّافاً فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةُ أَرْبَعِينَ لَّيْلَةً)) .
القاموس، وضبطه بعضهم (يقذفون) بالذال. وذكر القاضي عن شيوخه أنه (يَرْقَوْنَ) بفتح الياء
وسكون الراء وفتح القاف. ومعناه (يزيدون) يقال: رَقِي فلان إلى الباطل (بكسر القاف) أي:
رفعه، وأصله من الصعود، أي يدعون فيها فوق ما سمعوا. هذا ملخص ما في شرح النووي.
١٢٥ - (٢٢٣٠) - قوله: (عن صفيّة) هذا الحديث لم أجده عند غير المصنف من الأئمة
الستة .
قوله: (من أتى عزّافاً) قال الخطابي: العرّاف هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق
ومكان الضالّة ونحوهما. وقدّمنا أن العرّاف هو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات
يدعي معرفتها بها، وقد يعتضد في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة، وهو ضرب من
الكهانة أيضاً. وإنما المحظور منه تصديق العرّاف والعمل بمقتضاه، فإنه مجرد ظنّ وتخمين.
قوله: (لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) أي: لم يترتب عليها ثواب، وإلا فإن الفرض يسقط
عن الذمّة، فالقبول هنا بمعنى قبول الإجابة والإثابة، لا بمعنى قبول الإصابة. وأما تخصيص
أربعين ليلة، فإنه كما قال القاضي عياض كثّفُ، من أسرار الشريعة التي اختص الله سبحانه بعلم
حكمتها، وذكر العلماء أن الأربعين يوماً دخلا في التحويل من حالة إلى أخرى، والله أعلم.