النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب: الطب مِسْعَرٍ. حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنٍ شَدَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ لِ كَانَ يَأْمُرُهَا أَنْ تَشَتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ. ٥٦٨٥ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٥٦٨٦ _ (٥٦) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ شَدَّادٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَرْقِيَ مِنَ الْعَيْنِ . ٥٦٨٧ - (٥٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، فِي الرُّقَى. قَالَ: رُخِّصَ فِي الْخِّمَةِ وَالنَّمْلَةِ وَالْعَيْنِ. ٥٦٨٨ - (٥٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ، (وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ)، كِلاَهُمَا عَنْ عَاصِمِ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْحُمَةِ، وَالثَّمْلَةِ. وَفِي حَدِيثِ سُفْيَانَ: يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ. ٥٥ _ (٢١٩٥) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطبّ، باب رقية العين (٥٧٣٨)، وابن ماجه في الطب، باب من استرقى من العين، (٢٥٥٧). قوله: (يأمرها أن تسترقي من العين) أي: أن تطلب الرقية ممن يعرف الرقي بسبب العين. وفيه مشروعية الرقية لمن أصابه العين. ٥٧ - (٢١٩٦) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الطبّ، باب ما جاء في الرقية (٣٨٨٩)، والترمذي في الطب، باب ما جاء في الرخصة في الرقية (٢٠٦٧)، وابن ماجه في الطبّ باب ما أرخص فيه من الرقي (٣٥٦١). قوله: (والحُمَة) بضم الحاء وتخفيف الميم، أي: إذا أصاب الإنسان شيء له حُمة كالعقرب، وقد تقدم شرحه في أول هذا الباب. قوله: (والنّملة) بفتح النون وسكون الميم، وهي قروح تخرج في الجنب. قال ابن قتيبة وغيره: كانت المجوس تزعم أن ولد الرجل من أمته إذا خط على النملة يشفى صاحبها، ود تكون النملة على غير الجنب، وحكاه الهروي بضم النون أيضاً. كذا في شرح الأبيّ. ٢٨٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٦٨٩ - (٥٩) حدّثني أَبُو الرَّبِيع، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمَّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ شَهِ قَالَ لِجَارِيَةٍ، فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِّ وَِّ، رَأَىْ بِوَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: ((بِهَا نَظْرَةٌ، فَاسْتَرْقُوا لَهَا)). يَعْنِي بِوَجْهِهَا صُفْرَةً. ٥٦٩٠ - (٦٠) حدّثني عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: رَخَّصَ النَّبِيُّ وَّهَ لآلِ خَزْم فِي رُقْيَةِ الْحَيَّةِ. وَقَالَ لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ: ((مَالِي أَرَى أَجْسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُمَّ ٢١ - (٢١٩٧) - قوله: (عن أم سلمة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب، باب رقية العين (٥٧٣٩). قوله: (رأى بوجهها سفعة) بفتح السين وسكون الفاء، وحكى عياض ضم السّين، وقد فسّرها في الحديث بصفرة، وفسّره إبراهيم الحربي بالسواد، والأصمعي بحمرة يعلوها سواد. وقال ابن قتيبة: هي لون يخالف لون الوجه، والأقوال كلها متقاربة، وحاصلها أن بوجهها موضعاً على غير لونه الأصليّ، وكأن الاختلاف بحسب اللون الأصلي، فإن كان أحمر فالسفعة سواد صرف، وإن كان أبيض فالسفعة صفرة، وإن كان أسمر فالسفعة حمرة يعلوها سواد. وذكر صاحب البارع في اللغة أن السّفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة، أي الهزيلة. هذا ملخص ما في شرح النووي والأبيّ، وما في فتح الباري (١٠: ٢٠٢). قوله: (بها نظرة) أي أصابته العين. ومن العلماء من قصر النظرة على نظرة الجنّ، والصحيح العموم. ثم هذا الحديث ما استدركه الدارقطني على المصنف، واعترض على كونه مسنداً موصولاً، فإن عقيلاً رواه عن الزهري عن عروة مرسلاً، ولم يذكر فيه زينب ولا أم سلمة، وكذلك رواه مالك عن سليمان بن يسار عن عروة مرسلاً، ولكن أخرجه الشيخان من طريق محمد بن الوليد الزبيديّ موصولاً، واعتمدا على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب وقد روى الترمذي من طريق الوليد بن مسلم أنه سمع الأوزاعيّ يفضّل الزبيديّ على جميع أصحاب الزهريّ، يعني في الضبط، وذلك لأنه كان يلازمه حضراً وسفراً. وراجع للتفصيل فتح الباري (١٠ : ٢٠٢ و ٢٠٣). ٦٠ - (٢١٩٨) - قوله: (سمع جابر بن عبد اللّه) هذا الحديث لم أجده عند غير مسلم من بين الأئمة الستة . قوله: (ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟) المراد من أخيه هنا: جعفر بن أبي طالب، ٢٨٣ كتاب: الطب الْحَاجَةُ» قَالَتْ: لاَ. وَلَكِنِ الْعَيْنُ تُسْرِعُ إِلَيْهِمْ. قَالَ: ((ارْقِيهِمْ)) قَالَتْ: فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: «ازقیھِمْ)). ٥٦٩١ - (٦١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَرْخَصَ النَّبِيُّ ◌َِلَهُ فِي رُقْيَةٍ الْحَيَّةِ لِبَنِي عَمْرٍو. قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: وَسَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَدَغَتْ رَجُلاً مِنَّا عَقْرَبٌّ. وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرْقِي؟ قَالَ: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ)» . ٥٦٩٢ - (٠٠٠) وحدّثني سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَرْقِيهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَلَمْ يَقُلُ: أَزْقِي. ٥٦٩٣ - (٦٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: كَانَ لِي خَالٌ يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ. فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنِ الرُّقَى. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَّالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَّى. وَأَنَا أَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ. فَقَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ)). وأبناؤه عبد الله ومحمد، وكانت أسماء بنت عميس تحت جعفر بن أبي طالب ◌ًا، وأما ((ضارعة)) فمعناها: نحيفة ضعيفة، وأصل الضراعة الخضوع والتذلل. قوله: (تصيبهم الحاجة؟) هو استفهام، والمعنى: هل هم يحتاجون إلى غذاء يقوّيهم؟. قوله: (فعرضت عليه) تعني: الرقية التي أرادت أن تسترقيهم بها . ٦١ - (٢١٩٩) - قوله: (سمعت جابر بن عبد الله يقول) ولم يعزه ابن الأثير في جامع الأصول إلا إلى مسلم، وأخرجه ابن ماجه في الطب، باب ما أرخص فيه من الرقى، (٣٥٦٠). قوله: (فنهى رسول الله (وَّلإ عن الرقى) تقدم أن النهي كان موجّهاً إلى رقى الجاهلية المشتملة على الشرك ولذلك سيأتي أن النبي ◌َ ﴿ إنما أجاز له الرقية بعدما عرضها عليه، ولم يجد فيهامعنى من معاني الشرك. ورواية ابن ماجه صريحة في هذا، ولفظها: ((فقالوا: يا رسول الله! إنك قد نهيت عن الرقى، وإنّا نرقي من الحمة. فقال لهم: اعرضوا عليّ، فعرضوها، فقال: لا بأس بهذه، هذه مواثيق)). ٢٨٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٦٩٤ - (٠٠٠) وحدّثناه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٥٦٩٥ - (٦٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ عَنِ الرُّقَى. فَجَاءَ آلْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَيْهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنا رُقْبَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ. وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى. قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْساً. مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْقَعْهُ» . (٢٢) - باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ٥٦٩٦ - (٦٤) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ. قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي (٢٢) - باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ٦٤ - (٢٢٠٠) - قوله: (عن عوف بن مالك الأشجعي) كنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد. أسلم عام خيبر وشهد الفتح وكانت معه راية أشجع، وآخى النبي وَّ بينه وبين أبي الدرداء، سكن دمشق وحمص. وروى أبو عبيد بسنده في كتاب الأموال عن سويد بن غفلة، قال: ((لما قدم عمر الشام قام إليه رجل من أهل الكتاب فقال: إن رجلاً من المسلمين صنع بي ما ترى، وهو مشجوج مضروب، فغضب عمر غضباً شديداً، وقال لصهيب: انطلق فانظر من صاحبه فأتني به، فانطلق، فإذا هو عوف بن مالك، فقال: إن أمير المؤمنين قد غضب عليك غضباً شديداً فاءت معاذ بن جبل فكلّمه، فإني أخاف أن يعجل عليك، فلما قضى عمر الصلاة قال: أجئت بالرجل؟ قال: نعم، فقام معاذ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه عوف بن مالك فاسمع منه ولا تعجل عليه، فقال عمر: ما لك ولهذا؟ قال: رأيته يسوق بامرأة مسلمة على حمار، فنخس بها لتصرع فلم تصرع، فدفعها فصرعت، فغشيها أو أكبّ عليها. قال: فلتأتني المرأة فلتصدق ما قلت. فأتاها عوف، فقال له أبوها وزوجها: ما أردت إلى هذا، فضحتنا، فقالت المرأة: والله لأذهبنّ معه، فقالا: فنحن نذهب عنك، فأتيا عمر فأخبراه بمثل قول عوف، فأمر عمر باليهوديُّ فصلب، وقال: ما على هذا صالحناكم. قال سويد: فذلك اليهودي أول مصلوب رأيته في الإسلام)) وهذا يدل على جواز التعزير بشهادة رجل وامرأة وإن لم يكتمل النصاب، كما أنه يدل على جواز عقوبة الإعدام في التعزير. وإن عوف بن مالك رضيُبه روى عن النبي وَلّر، وعن عبد الله بن سلام. مات سنة (٧٣هـ). كذا في الإصابة (٣: ٤٣) وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الطب، باب ما جاء في الرقى (٣٨٨٦) . ٢٨٥ كتاب: الطب الْجَاهِلِيَّةِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ◌َيْفَ تَرَى فِي ذُلِكَ؟ فَقَالَ: ((اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ. لاَبَأْسَ بَالرَّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)). (٢٣) - باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار ٥٦٩٧ - (٦٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ كَانُّوا فِي سَفَرٍ. فَمَرُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ. فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوَهُمْ. فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الْخَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ. قوله: (ما لم يكن فيه شرك) هذا هو الأصل في هذا الباب، ومن هنا منع من الرقى التي لا يفهم معناها، لاحتمال كونها مشتملة على الشرك. (٢٣) - باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار ٦٥ _ (٢٢٠١) - قوله: (عن أبي سعيد الخُدري) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطبّ، باب النفث في الرقية (٥٧٤٩)، وباب الرقى بفاتحة الكتاب (٥٧٣٦) وفي الإجارة، باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (٢٢٧٦)، وفي فضائل القرآن، باب فاتحة الكتاب (٥٠٠٧)، وأخرجه أبو داود في الطب، باب كيف الرقى؟ (٣٩٠٠)، والترمذي في الطب، باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ (٢٠٦٤ و٢٠٦٥)، وابن ماجه في التجارات، باب أجر الراقي (٢١٧٢). قوله: (كانوا في سفر) ذكر الحافظ في الفتح (٤: ٤٥٥) أنه لم يقف على تعيين هؤلاء الأصحاب، ولا على تعيين هذا السفر، ولكن وقع في رواية الأعمش عند ابن ماجه: ((بعثنا رسول الله ◌َ﴿ ثلاثين راكباً في سريّة، فنزلنا بقوم، فسألناهم أن يقرونا فأبوا)) فدلت هذه الرواية أن السّفر كان لسرية بعثها رسول الله وَله، ودلت على تعيين العدد أيضاً .. قوله: (فاستضافوهم) أي طلبوا منهم الضيافة، وزاد الأعمش في رواية النسائي أن القصة وقعت بليل. قوله: (لديغ) واللدغ هو اللسع وزناً ومعنى، وهو ضرب ذات الحمة من حية أو عقرب، وأكثر ما يستعمل في العقرب، وقد أفادت رواية الأعمش تعيين العقرب في هذه القصة. قوله: (أو مصاب) وفي رواية للنسائي: ((أو مصاب في عقله)) وهذا شكّ من هشيم، هل كان سيد الحي لديغاً أو مصاباً في عقله، ولكن أكثر الروايات جازمة بأنه كان لديغاً. قوله: (فقال رجل منهم: نعم) وفي رواية أبي عوانة عند البخاري في الإجارة: ((فلدغ سيد ذلك الحيّ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين ٢٨٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. فَبَرَأَ الرَّجُلُ فَأُعْطِيَ قَطِيعاً مِنْ غَنَم، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. وَقَالَ: حَتَّى أَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِّ وََّ، فَأَتَى النَِّيَّ ◌َّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ مَا رَقَيْتُ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: ((وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟)). ثُمَّ قَالَ: ((خُذُوا مِنْهُمْ. وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم مَعَكُمْ)). ٥٦٩٨ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. كِلاَهُمَا عَنْ غُنْدَرٍ، مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِّ الْحَدِيثِ: فَجَعَلَ يَقْرَأُ أُمَّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ، وَيَتْقُلُ. فَبَرَأَ الرَّجُلُ. ٥٦٩٩ _ (٦٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَخِيهِ، مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ. قَالَ: نَزَلْنَا مِنْزِلاً. فَأَتْنَا امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، لُدِغَ. فَهَلْ فِيكُمْ مِنْ نزلوا، لعلّه أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط! إن سيدنا لديغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إنّي لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيّفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم)). قوله: (فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب) وفي رواية أبي عوانة المذكورة: ((فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمِيْنَ فكأنما نُشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه)). قوله: (فأعطي قطيعاً من غنم) القطيع هو الطائفة من الغنم، كأنها اقتطعت من طائفة كبيرة، وذكر بعضهم أن الغالب في القطيع أن يكون فيما بين العشرة والأربعين وقد ورد في رواية الأعمش عند ابن ماجه أنهم أعطوهم ثلاثين شاة. قوله: (فأبى أن يقبلها) وفي الرواية المذكورة لأبي عوانة: ((فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي # فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا)). قوله: (وما أدراك أنها رقية؟) وزاد الدارقطني في روايته من طريق سليمان بن قتيبة: ((فقلت: يا رسول الله! شيء ألقي في روعي)) وهو ظاهر في أنه لم يكن عنده علم بمشروعية الرقى بالفاتحة . قوله: (واضربوا لي بسهم معكم) وكأنه أراد المبالغة في تأنيسهم وتطيب قلوبهم وتعريفهم أنه خلال لا شبهة فيه، وقد فعل ◌ّلي مثل ذلك في حديث العنبر وفي حديث أبي قتادة في حمار الوحش. (٠٠٠) - قوله: (سليم) أي: لديغ، وسمي به تفاؤلاً بالسلامة. ٢٨٧ كتاب: الطب رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا. مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةٌ، فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَبَرَأَ، فَأَعْطَوْهُ غَنَماً وَ سَقَوْنَا لَبَناً فَقُلْنَا: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً؟ فَقَالَ: مَا رَقَيْتُهُ إِلَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَقُلْتُ: لاَ تُحَرِّكُوهَا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ وَّهِ. فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ نَّهِ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: (مَا كَانَ يُذْرِيِهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ أَقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهُمِ مَعَكُمْ)). ٥٧٠٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا. مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ. (٠٠٠) - قوله: (ما كنّا نأبنه) بكسر الباء وبضمها، أي نظنّه، وأكثر ما يستعمل هذا اللفظ بمعنى (انتهمه))، والمقصود أننا لم نكن نعرف أنه يعلم الرقية. مسألة الأجرة على تعليم القرآن والرقية به واستدل الشافعية والمالكية بحديث الباب على جواز تعليم القرآن بأجرة، وهو مذهب أبي قلابة وأبي ثور وابن المنذر، واستدلوا أيضاً بحديث سهل بن سعد حيث قال رسول الله التالية : ((زوّجتكها بما معك من القرآن)) وقد مضى الحديث في كتاب النكاح. قالوا: إذا جاز تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبه قال عطاء، والضحاك بن قيس، والزهريّ، والحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخعي، وإسحاق، كما حكى عنهم ابن قدامة في المغني (٦: ١٤٠) واستدلوا على ذلك بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلاً﴾. وهو استدلال ضعيف، لأن السيّاق في تحريف الآيات. ٢ - عن عبادة بن الصّامت ◌َ﴿به قال: ((علّمت ناساً من أهل الصفّة الكتاب والقرآن، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً، فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله عزّ وجلّ، لآتينّ رسول الله ﴿ فلأسألنّه، فأتيته، فقلت: يا رسول الله! رجل أهدى إليّ قوساً ممن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله. قال: إن كنت تحبّ أن تطوّق طوقاً من نار فاقبلها)) أخرجه أبو داود في أول الإجارة، (رقم: ٣٤١٦)، وابن ماجه في التجارات، باب الأجر على تعليم القرآن، (رقم: ٢١٧٥). وفي رواية أخرى لأبي داود أن رسول الله وَ له قال له: (جمرة بین کتفیك تقلدتها)). وفي إسناد هذا الحديث المغيرة بن زياد تكلم فيه أحمد والبخاري وأبو حاتم، ووثقه ابن معين والعجلي، وفيه أيضاً الأسود بن ثعلبة، قال فيه ابن المديني: لا يعرف، ولا أحفظ عنه غير هذا الحديث. لكن قال الحافظ في التهذيب (١: ٣٣٨): ((قلت: ذكره ابن حبان في الثقات ٢٨٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (وفيه أن مجرد ذكر ابن حبان أحداً في الثقات لا ينافي جهالته، لأن من عادة ابن حبان أنه يذكر المجاهيل في الثقات) وأخرج الحاكم له في المستدرك هذا الحديث وقال: إنه شاميّ معروف)» وذكر شيخنا في إعلاء السنن (١٦: ١٧١) عن ابن عبد البر أنه قال في هذا الحديث: ((حديث معروف عند أهل العلم، لأنه روي عن عبادة من وجهين، وقد حفظ عن الأسود بن ثعلبة ثلاثة أحاديث أخر)). ٣ - عن أبيّ بن كعب قال: ((علّمت رجلاً القرآن فأهدى إلي قوسا، فذكرت ذلك للنبيّ وَّلـ فقال: إن أخذتها أخذت قوساً من نار، فرددتها)) أخرجه ابن ماجه، (رقم: ٢١٧٦) وذكر الهيثمي في زوائد ابن ماجه أن في إسناده اضطراباً، وأعلّ أيضاً بأن عبد الرحمن بن سلم ليس بمشهور، وبأن عطية الكلاعي لم يسمع من أبيّ بن كعب، ولكن ذكر ابن التركماني في الجوهر النقيّ (٢: ٣٨) أنه روى عن أبيّ بن كعب بأوجه متعددة، وأخرجه الذهبي من طريق أبي إدريس الخولانيّ عن أبيّ، وقال: هذا مرسل جيّد الإسناد. ٤ - عن عبد الرحمن بن شبل قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به)) أخرجه أحمد في مسنده (٣: ٤٢٨)، وكذلك رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، والطبراني، وإسحاق بن راهويه، كما حكى عنهم الزيلعي في نصب الراية (٤ : ١٣٦) . ٥ - عن أبي الدرداء أن رسول الله وَ ل﴿ل قال: ((من أخذ قوساً على تعليم القرآن قلّده الله من نار)) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤: ١٣٨) عن التنقيح، وذكر أنه رواه عثمان بن سعيد الدارمي بسنده. ٦ - عن عثمان بن أبي العاص قال: ((إنّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله وَلَّ أن أتّخذ مؤذّناً لا يأخذ على أذانه أجراً)) أخرجه الترمذي في أبواب الأذان، (رقم: ٢٠٩)، وقال: حديث حسن صحیح. وقال العيني بعد نقل هذه الأحاديث: ((وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها مقال، لكنها يؤكد بعضها بعضاً، ولا سيما حديث القوس فإنه صحيح كما ذكرنا، وإذا تعارض نصان أحدهما مبيح والآخر محرم يدل على النسخ، وكذلك الكلام في حديث أبي سعيد الخدري ... وأجاب ابن الجوزي ناقلاً عن أصحابه عن حديث أبي سعيد ثلاثة أجوبة، أحدها: أن القوم كانوا كفاراً فجاز أخذ أموالهم، والثاني: أن حق الضيف واجب ولم يضيفوهم، والثالث: أن الرقية ليست بقربة محضة، فجاز أخذ الأجرة عليها، وقال القرطبي: ولا نسلم أن جواز أخذ الأجر في الرقي يدل على جواز التعليم بالأجر وقال بعض أصحابنا: ومعنى قوله وقوله: ((إن أحق ما أخذتم عليه ٢٨٩ كتاب: الطب أجراً كتاب الله (كما ورد في بعض الروايات في حديث أبي سعيد الخدري وظابه) يعني إذا رقيتم به وراجع عمدة القاري (٥ : ٦٤٩). وقصر الإمام أحمد الكراهة على الطاعات التي يختص فاعلها بكونه من أهل القربة، يعني أنه يشترط كونه مسلماً، كالإمامة والأذان والحج وتعليم القرآن، فأما ما لا يشترط فيه كون الفاعل مسلماً، فيجوز الاستيجار عليه كتعليم الخط والحساب والفقه والحديث راجع له المغني لابن قدامة (٦: ١٤٣). هذا أصل المذهب عند الحنفية والحنابلة، ولكن أفتى المتأخرون من الحنفية في هذا الباب بقول الشافعية للضرورة، لما يخشى على هذه الوظائف الدينية من الضياع كما في الهداية وغيرها، وكذلك روي عن الإمام أحمد أنه قال: ((التعليم أحبّ إليّ من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يتسدين ويتجر، لعله لا يقدر على الوفاء فيلقي الله تعالى بأمانات الناس، التعليم أحبّ إليّ)) نقله ابن قدامة في المغنى (٦: ١٤٠) ثم قال: ((هذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة، لا للتحريم)). وقال شيخ مشايخنا الأنور كثّفُ في العرف الشذيّ (ص: ١١٤ في أبواب الأذان): ((نهى المتقدمون عن أخذ الأجرة على الأذان والإمامة والتعليم، وأجاز المتأخرون، وظاهر الهداية أن القول بالجواز خروج من المذهب، وأنه قيل به للضرورة، وقال: إن مثار النهي أن التعليم متفاوت بحسب أفهام المخاطبين، فلا ينضبط. وفي قاضي خان أن في الزمان القديم كانت الوظائف مقررة في بيت المال للعلماء والمؤذنين بخلاف هذا الزمان، فيجوز الأجرة فلا يلزم الخروج عن المذهب، والاعتماد على قاضي خان، فإن مرتبته عالية كما صرح به قاسم بن قطلوبغا)). وعبارة قاضي خان في فتاواه (٢: ٢٩٧): كالتالي: ((وقال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل كثّفُ: إنما كره المتقدمون الاستئجار لتعليم القرآن وكرهوا أخذ الأجر على ذلك لأنه كان للمعلمين عطيات في بيت المال في ذلك الزمان وكان لهم زيادة رغبة في أمر الدين وإقامة الحسبة، وفي زماننا انقطعت عطياتهم وانتقصت رغائب الناس في أمر الآخرة، فلو اشتغلوا بالتعليم مع الحاجة إلى مصالح المعاش يختل معاشهم قلنا بصحة الإجارة ووجوب الأجرة للمعلم، بحيث لو امتنع الوالد عن إعطاء الأجر حبس فيه، وإن لم يكن بينهما شرط يؤمر الوالد بتطييب قلب المعلم وإرضائه، وهذا بخلاف المؤذن والإمام، لأن ذلك لا يشغل الإمام والمؤذن عن أمر المعاش، وقال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي تقذفُ تعالى: إن مشايخ بلخ رحمهم الله تعالى جوزوا الإجارة على تعليم القرآن، وأخذوا في ذلك بقول أهل المدينة)). وهذه العبارة صريحة في أن مشايخ الحنفية الذين أفتوا بجواز الإجارة على تعليم القرآن إنما أفتوا بذلك على قول أهل المدينة وما ذكر قاضي خان من قول الإمام محمد بن الفضل لا ٢٩٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٤) - باب: استحباب وضع يده على موضع الألم، مع الدعاء ٥٧٠١ - (٦٧) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرِنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ؛ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَّسُولِ اللَّهِ بِّهِ وَجَعاً، يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((ضَغْ يَدََ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ. وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، ثَلاثَا. وَقَلْ، سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ)». (٢٥) - باب: التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة ٥٧٠٢ - (٦٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ خَلَفِ الْبَاهِلِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُالأَعْلَىُ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ؛ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ينافي ذلك فإنه بيان للضرورة التي أفتوا لأجلها بقول المالكية والشافعية، فلم يتضح لي وجه ما ذكره الشيخ في العرف الشذيّ من أنه لا يلزم على قول قاضي خان الخروج من المذهب، والله سبحانه أعلم. (٢٤) - باب: استحباب وضع يده على موضع الألم، مع الدعاء ٢٩ - (٢٢٠٢) - قوله: (عن عثمان بن أبي العاص) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الطب، باب كيف الرقى (٣٨٩١)، والترمذي في الطب، رقم الباب: (٢٩) (حديث: ٢٠٨١)، وابن ماجه في الطب، باب ما عوذ به النبي بَّر وما ◌ُوّذ به (٣٥٦٧). قوله: (ضع يدك) قال القرطبي: ((هذا أمر إرشاد إلى ما ينفع المريض من وضع يد الراقي عليه وتمسحه بها ويقال إن ذلك ليس خاصاً به وَ * فيتعين أن يفعل ذلك ولا يعدل عنه إلى المسح بحديدة أو وغيرها فإن ذلك لم يفعله أحد ممن تقدم، وإنما كانوا يفعلون المسح حسبما تضمنته الأحاديث)). قوله: (ما أجدو أحاذر) أي: ما أجده الآن، وأحذر وقوعه في المستقبل. (٢٥) - باب: التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة ٦٨ - (٢٢٠٣) - قوله: (أن عثمان بن أبي العاص) هو صحابيّ أسلم في وفد ثقيف فاستعمله النبي ◌َّ على الطائف، وأقره أبو بكر ثم عمر ثم استعمله عمر على عمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن بالبصرة حتى مات بها في خلافة معاوية، وكان هو الذي منع ثقيفاً عن الردة، خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلاماً، فلا تكونوا أولهم ارتداداً. وجاء عنه أنه شهد آمنة لما ولدت النبي ◌َّ، وهي قصة أخرجها البيهقي في الدلائل، وعلى هذا يكون عاش نحواً من مائة وعشرين سنة. كذا في الإصابة (٢: ٤٥٣). وحديثه هذا لم أجده عند غير المصنف من ٢٩١ كتاب: الطب إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاَتِي وَقِرَاءَتِي. يَلْبِسُهَا عَلَيَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: (ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالَ لَهُ: خِنْزِبٌ. فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثَا)) قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. ٥٧٠٣ - (٠٠٠) حدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. كِلاهُمَا عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلاَءِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ؛ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ سَالِمٍ بْنِ نُوحٍ : ثَلاَثَاً . ٥٧٠٤ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْشِّخِيرِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمْ. (٢٦) - باب: لكل داء دواء. واستحباب التداوي ٥٧٠٥ _ (٦٩) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌوٍ، (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ)، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ. الأئمة الستة، ولم يعزه ابن الأثير في جامع الأصول إلا إليه. قوله: (يلبسها عليّ) بكسر الباء أي: يخلطها، ويحدث لي الالتباس. قوله: (خنزب) قال النووي: «أما خنزب فبخاء معجمة مكسورة، ثم نون ساكنة، ثم زاي مكسورة ومفتوحة، ويقال أيضاً بفتح الخاء والزاي، حكاه القاضي. ويقال أيضاً بضم الخاء وفتح الزاي، حكاه ابن الأثير في النهاية، وهو غريب وفي هذا الحديث استحباب التعوذ من الشيطان عند وسوسته مع التفل عن اليسار ثلاثاً)). (٢٦) - باب: لكلّ داء دواء، واستحباب التداوي ٦٩ - (٢٢٠٤) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث لم أجده عند غير المصنف من الأئمة الستة، ولم يعزه ابن الأثير في جامع الأصول إلا إليه. قوله: (لكلّ داء دواء) الدواء بفتح الدال: ما يعالج به، وقد يكسر الدال، وهي لغة الكلابيين كما نبّه عليه النووي. وربّما يستشكل هذا بأن كثيراً من المرضى يداوون ولا يبرؤون، وأجاب عنه القاضي عياض تقذفُ بأن عدم البرء إنما يكون لعدم العلم بحقيقة المداواة، لا لعدم الدواء، وكذلك الأمراض التي يقال فيها إنها ليس لها علاج، فإن ذلك لعدم العلم بطريق ٢٩٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). ٥٧٠٦ - (٧٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛ أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَادَ الْمُقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ: لاَ أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ فِيهِ شِفَاء)» . العلاج، لا لأن الدواء غير موجود. قوله: (فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل) قال القرطبي: ((معنى الحديث أن الله تعالى إذا أراد الشفاء أعثر على عين الدواء، وإذا أراد الهلاك لم يُعثر عليه)). وقال النووي كثُّهُ: ((في هذا الحديث إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا وجمهور السلف وعامة الخلف ... وفيه رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية وقال: كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوي. وحجة العلماء هذه الأحاديث، ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي أيضاً من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار وبالتحصن ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولا بد من وقوع المقدرات)). وقد وردت في الأمر بالتداوي أحاديث كثيرة من أصرحها ما أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن أسامة بن شريك الثعلبيّ قال: ((كنت عند النبي ◌َّ- وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله! تداووا، فإن الله عزّ وجلّ لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: وما هو؟ قال: الهرم)). ٧٠ _ (٢٢٠٥) - قوله: (أن جابر بن عبد الله عاد) إلخ: هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب، باب الحجامة من الداء، (٥٦٩٧). قوله: (عاد المقنّع) بضم الميم وفتح القاف والنون المشددة، وهو ابن سنان، قال الحافظ: ((لا أعرفه إلا في هذا الحدیث)». قوله: (إن فيه شفاء) يعني في الاحتجام. وقد ثبت عن رسول الله وَّر أنه قال: ((إن أفضل ما تداويتم به الحجامة)) وقد مرّ عند المصنف في المساقاة، وأخرجه البخاري (رقم : ٥٦٩٦) وقال الحافظ في الفتح (١٠: ١٥١): ((قال أهل المعرفة: الخطاب بذلك لأهل الحجاز ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارّة، لأن دماءهم رقيقة وتميل إلى ظاهر الأبدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن. ويؤخذ من هذا أن الخطاب لغير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم. قال الطبري: وذلك أنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوى جسده، فلا ينبغي أن يزيده وهياً بإخراج الدم. اهـ وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه، وعلى من لم يعتد به)). ٢٩٣ كتاب: الطب ٥٧٠٧ - (٧١) حدّثني نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ. قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِي أَهْلِنَا. وَرَجُلٌ يَشْتَكِي خُرَاجاً بِهِ أَوَ جِرَاحاً. فَقَالَ: مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: خُرَاجٌ بِي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ. فَقَالَ: يَا غُلاَمُ، اثْنِي بِحَجَّامٍ. فَقَالَ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِالْحَجَّامِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّقَ فِيهِ مِحْجَماً. قَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُني، أَوْ يُصِيبُنِي الثَّوْبُ، فَيُؤْذِينِي، وَيَشُقُّ عَلَيَّ. فَلَمَّا رَأَىْ تَبَرُّمَهُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ شَهِ يَقُولُ: ((إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةٍ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارِ». قَالَ ٧١ - (٠٠٠) - قوله: (جاءنا جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطب، باب الدواء بالعسل (٥٧٠٤)، وباب الحجم من الشقيقة والصداع (٥٧٠٢)، وباب من اكتوى أو كوى غيره (٥٧٠٤)، ولكنه أخرج منه الجزء المرفوع فقط. قوله: (يشتكي خُراجاً) بضم الخاء وتخفيف الراء، على وزن غراب، وهو ورم قرح يخرج بالبدن، وهو يخرج بالدابة أو بغيرها من الحيوان، والجمع أخرجة وخُرجان. كذا في تاج العروس للزبيدي. قوله: (أن أعلق فيه محجماً) بكسر الميم وفتح الجيم، وهي الآلة التي تمصّ، ويجمع بها موضع الحجامة. قوله: (إن الذباب يصيبني) إلخ: يعني: أنّني أتألّم من إصابة الذباب أو الثوب في موضع القرح، فكيف أتحملّ إن علّقت فيها المحجم، فإنه أكثر إيذاء بالنسبة للذباب والثوب. قوله: (فلما رأى تبرّمه) أي: تضجره وسآمته منه. قوله: (ففي شَرْطة مِحجَم) الشّرْطة: بفتح الشين وسكون الراء، ضربة مشراط، وهو بزغ الحجام بالمشرط أو المحجم والمراد من المحجم هنا الحديدة التي يشرط بها موضع الحجامة ليخرج الدم. وهو بكسر الميم كما قدمنا، وقد أخطأ من ضبطه بفتح الميم. قوله: (أو شربة من عسل) وسيأتي ما ورد في فوائد العسل والبحث فيه في باب التداوي بسقي العسل إن شاء الله تعالى. قوله: (أو لذعة بنار) بفتح اللام وسكون الذال المعجمة بعدها عين مهملة، وهي مرة من اللذع، وهو الخفيف من حرق النّار. وقد فسّره أكثر الشّرّاح بالكيّ. ويؤيده ما أخرجه البخاري عن ابن عباس: ((الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكيّة نار! ويجمع بينه وبين قوله بَّه: ((وما أحبّ أن أكتوى))، أو ((أنهى أمّتي عن الكيّ)) أنّه وإن كان طريقاً للعلاج والشفاء ولكنني لا أستحبّه ولا أوصي أمتي بممارسته لما فيه من المضارّ والمفاسد. ٢٩٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ)) قَالَ: فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ. وهناك احتمال آخر في تفسير حديث الباب، وهو أن يراد بقوله: ((لذعه بنار)) التكميد، وهو تسخين الموضع المصاب بثوب أو حجر ساخن، فقد ثبت في حديث صحيح: ((أن النبي وَل جعل التكميد بدلاً للكي)). فأخرج أحمد في مسنده عن عائشة هذا قالت: قال رسول الله القول: ((مكان الكتيّ التكميد، ومكان العلاق السعوط إلخ)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥: ٩٨) وقال: ((رجاله رجال الصحيح، إلا أن إبراهيم لم يسمع من عائشة)) وقد مرّ منا غير مرّة أن مراسيل إبراهيم النخعي مقبولة، فلا يضر هذا الإرسال. ثم إن النبي 18 لما ذكر هذه المعالجات الثلاثة، فإنه لم يرد حصر العلاج فيها، فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما هو حصر إضافي، وهو أسلوب من أساليب البلاغة، وقد نبّه به على أصول العلاج، كمانبه عليه الحافظ في الفتح (١٠: ١٣٨). وقال ابن القيم في ((الطبّ النبوي)) (ص: ٣٨): ((قال أبو عبد الله المأزريّ: الأمراض الامتلائية إما أن تكون دموية، أو صفراوية، إو بلغمية، أو سوداوية، فإن كانت دموية فشفاؤها إخراج الدم، وإن كانت من الأقسام الثلاثة الباقية، فشفاؤها بالإسهال الذي يليق بكل خلط منها، وكأنّه ◌َ الار نبّه بالعسل على المسهلات، وبالحجامة على الفصد. وقد قال بعض الناس: إن الفصد يدخل في قوله: ((شرطة محجم))؛ فإذا أعيا الدواء، فآخر الطبّ الكيّ، فذكره وَّ من الأدوية، لأنه يستعمل عند غلبة الطباع لقوى الأدوية، وحيث لا ينفع الدواء المشروب)). ثم قال ابن القيّم تقذفُهُ: ((إن أصل الأمراض المزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط التي هي الحرارة والبرودة. فجاء كلام النبوة في أصل معالجة الأمراض - التي هي الحارة والباردة - على طريق التمثيل، فإن كان المرض حارًّا عالجناه بإخراج الدم: بالفصد كان أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغاً للمادة وتبريداً للمزاج، وإن كان بارداً عالجناه بالتسخين، وذلك موجود في العسل. فإن كان يحتاج مع ذلك إلى استفراغ المادة الباردة، فالعسل أيضاً يفعل ذلك لما فيه من الإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين. فيحصل بذلك استفراغ تلك المادة: برفق وأمن من نكاية المسهلات القوية، وأما الكيّ، فلأن كل واحد من الأمراض المادية إماأن يكون حادًّا، فيكون سريع الإفضاء لأحد الطرفين، فلا يحتاج إليه فيه، وإما أن يكون مزمناً، وأفضل علاجه بعد الاستفراغ الكيُّ في الأعضاء التي يجوز فيها الكيّ، لأنه لا يكون مزمناً إلا عن مادة باردة غليظة قد رسخت في العضو وأفسدت مزاجه، وأحالت جميع ما يتصل به إلى مشابهة جوهرها فيشتعل في ذلك العضو، فيستخرج بالكيّ تلك المادة من ذلك المكان الذي هي فيه بإفناء الجزء الناري الموجود: بالكي لتلك المادة)». حقيقة الكيّ وحكمه قوله: (وما أحبّ أن أكتوي) أي: أن أعالج مرضي بالكيّ، وهو أن تحمى حديدة على ٢٩٥ كتاب: الطب النار ثم توضع على الموضع المصاب من الجسد. وكان الأقدمون يباشرون الكتيّ بقضبان حديدة تجهز بقبضة خشبية، وبعد أن تحمى هذه القضبان على النار حتى تصير بلون أحمر مبيض أو أحمر قائم، تكوى بها النواحي المختلفة. ولقد أكثر العرب قبل الإسلام من استعمال الكيّ كواسطة علاجية، ولا سيما من قبل الأعراب حيث تندر الأطبّاء والأدوية، وكان أكثرهم يستعملون هذا الطريق بدون استطباب، وبدون مراجعة الخبراء والأطباء، كآخر حيلة للاستشفاء، ومن هنا ورد المثل العربيّ السائر: ((آخر الدواء الكيّ)). وقد ورد في حديث الباب أن النبي ◌ُّ ه لم يستحسن هذا الطريق للعلاج، فقال: ((وما أحبّ أن أكتوي)) وورد في حديث ابن عباس عند البخاري: ((وأنهى أمتي عن الكي)). وأخرج أبو داود والترمذي عن عمران بن حصين ربه: ((أن رسول الله وَ لل نهى عن الكيّ. قال: فابتلينا فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وأخرج الطبرانيّ عن سعد الظفري: ((أن النبي ◌َ ﴿ نهى عن الكيّ، وقال: أكره شرب الحميم)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥: ٩٧) وقال: رجاله رجال الصحيح. وفي جانب آخر، وردت بعض الأحاديث التي تدل على أن النبي ولو أجاز الكيّ، كما سيأتي في حديث جابر ((رمي أُبَي يوم الأحزاب على أكحله، فكواه رسول الله وَّ)) وما سيأتي أنه * فعل مثل ذلك بسعد بن معاذ الله. وأخرج البخاري (رقم: ٥٧١٩) أن أبا طلحة كوى أنساً من ذات الجنب في زمن النبي و 98. وكذلك ثبت عن عدّة من الصحابة ◌ّ أنهم باشروا الكتيّ لمعالجة بعض أمراضهم، فهذا كله يدل على الجواز. وقد جمع العلماء بين أحاديث النهي وبين أحاديث الجواز بطرق مختلفة: ١ - إن النبي ◌ّي لم يستحسن الكتيّ لما فيه من الألم الشديد على المريض، فربما يكون ضرره أعظم من فائدته، فأحاديث النهي محمولة على الإرشاد والتنزيه، والأحاديث الأخرى على أصل الجواز. ٢ - ذهب ابن قتيبة إلى أن النهي إنما ورد من استعمال الكيّ كمنهج للطبّ الوقائيّ، لا كعلاج للمرض الواقع فعلاً، قال الحافظ في الفتح (١٠: ١٥٥): ((الكيّ نوعان: كيّ الصحيح لئلا يعتلّ، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل من اكتوى ... والثاني: كيّ الجرح إذا نغل، أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي به. فإن كان الكيّ لأمر محتمل فهو خلاف الأولى، لما فيه من تعجيل التعذيب بالنّار لأمر غير محقق)). ٣ - قدّمنا أن العرب، ولا سيّما الأعراب منهم، كانوا يغالون في استعمال الكيّ، ويمارسونه دون مراجعة طبيب أو خبير لتوهم أنه يحسم العلة، فيباشرون الكي في أمراض لا يفيد فيها، أو بطرق يعظم بها الضرر بالنسبة لفائدته، فيعذّب به المريض دون جدوى، فنهاهم ٢٩٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٧٠٨ - (٧٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَذَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنّتْ رَسُولَ اللّهِ وَلِ فِّي الْحِجَامَةِ. فَأَمَرَ النَّبِيُّ وَّهِ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا . قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَوْ غُلاَمَاً لَمْ يَحْتَلِمْ. ٥٧٠٩ - (٧٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالَ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ : أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عن ذلك إلا إذا تعيّن ذلك طريقاً مفيداً للعلاج بإخبار طبيب حاذق. ويؤيده ما أخرجه البخاري (في باب الدواء بالعسل) عن جابر: ((إن كان في شيء من أدويتكم - أو يكون في شيء من أدويتكم - خيرٌ ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء)) فقيّد رسول الله اليه اللذعة (وهي الكيّ) بأن توافق الداء. فتبيّن أن الكيّ الموافق للداء غير ممنوع، ولكنه لم يستحسنه رسول الله و ﴿ حتى في هذه الحال، لما فيه من التعذيب والإيلام وتشويه الجسد. فيتحصل منه أن مقصود الكيّ، وهو إحراق المادة الفاسدة، لو حصل بطريق آخر لا يستلزم هذه المفاسد، وتعيّن ذلك علاجاً لمرض مخصوص بوصف طبيب ماهر، فإنه لا بأس به. وقد وجدت في الطبّ الحديث كاويات كهربائية، أو كيميائية تستخدم لنفس الغرض، وبما أنها خالية من هذه المفاسد، فلا بأس باستعمالها عند الحاجة، والله سبحانه أعلم. ٧٢ - (٢٢٠٦) - قوله: (عن جابر، أن أم سلمة إلخ) هذا الحديث أخرجه أبو داود في اللباس، باب في العبد ينظر إلى شعر مولاته، (رقم: ٤١٠٥)، وابن ماجه في الطبّ باب الحجامة (٣٥٢٥). قوله: (استأذنت رسول الله ( * في الحجامة) قال القرطبي: ((يدل أنه لا ينبغي للمرأة أن تداوى إلّا بإذن الزوج، لأن ذلك قد يكون مانعاً لغرضه منها، وإذا كانت لا تتقرب بالتطوعات إلّا بإذنه، كان غير التقربات أولى بالإذن، إلّا أن تدعو ضرورة، خوف موت أو غيره، فلا يفتقر لإذن، لأنه قد يتعين ويلتحق بالواجبات. وأيضاً، فإن الحجامة تفتقر إلى مباشرة الغير، فلا بد فيها من الإذن ليرى الزوج من يحل له ذلك. ألا ترى أنه وَي بعث أبا طيبة لعلة ذكر الراوي أنه أخوها من الرضاعة أو أنه لم يحتلم. فإن دعت إلى الأجنبي الكبير ضرورة جاز لارتكاب أخف الضررين)). وقال القاضي عياض تخلّفُ: ((فيه أن الأخ من الرضاعة يرى غير الوجه والكفين، لأن الحجامة إنما تكون في غيرهما من المعصم والرأس ونحوهما)). كذا في شرح الأبيّ. ٧٣ - (٢٢٠٧) - قوله: (عن جابر قال: بعث) إلخ: هذا الحديث أخرجه أبو داود في الطب، باب في قطع العرق وموضع الحجم (٣٨٦٤)، وباب في الكيّ (٣٨٦٦). ٢٩٧ كتاب: الطب طَبِيِباً. فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً. ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ . ٥٧١٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرَا: فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقاً . ٥٧١١ - (٧٤) وحدّثني بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنْ شُعْبَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سُفْيَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: رُمِيَ أُبَيِّ يَوْمَ الأَخْزَابِ عَلَى أَكْحَلِهِ. فَكْوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. ٥٧١٢ - (٧٥) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ . ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ. قَالَ: قوله: (طبيباً) قال القرطبي: ((يدل على أنه لا يلي عمل الشيء إلا من يعرفه)). قوله: (فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه) وهذا يدل على جواز الكيّ إذا باشره طبيب عارف لحاجة حقيقية. وهذا إنما وقع في غزوة الأحزاب كما سيأتي في الرواية الآتية. ٧٤ - (٢٢٠٧) - قوله: (رُمي أُبيّ) بضم الهمزة، يعني: أبيّ بن كعب ◌َّ ◌ُبه، كما مر في الرواية السابقة. وصحّفه بعضهم فقرأه: ((أبي)) بفتح الهمزة وكسر الباء، وهو غلط، لأن والد جابر قد استشهد يوم أحد قبل الأحزاب. قوله: (على أكحله) الأكحل، بوزن الأفضل، عرق معروف، قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: هو نهر الحياة، ففي كل عضو شعبة منه، وله فيها اسم منفرد، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم. وقال غيره: هو عرق واحد يقال له في اليد الأكحل، وفي الفخذ النسأ، وفي الظهر الأبهر)». ٧٥ - (٢٢٠٨) - قوله: (عن جابر قال: رمي سعد بن معاذ) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الطب، باب في الكيّ (٣٨٦٦)، والترمذي في السير، باب ما جاء في النزول على الحكم (١٥٨٢). وقصة رمي سعد بن معاذ على ما ذكرها ابن إسحاق أنه مر على عائشة وأم سعد يوم الأحزاب وعليه درع له مقلصة، وقد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرفل بها ويقول: لا بأس بالموت إذا حان الأجل لبث قليلاً يشهد الهجيا جمل قالت عائشة: فقلت لأم سعد: والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت: ٢٩٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ وَّهِ بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ. ثُمَّ وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ. ٥٧١٣ - (٧٦) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّنُ بْنُ هِلاَلٍ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَذَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُِّ احْتَجَمَ. وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ. وَاسْتَعَطَ. ٥٧١٤ - (٧٧) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ)، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ، وَكَانَ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً أَجْرَهُ. وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. فرمي سعد بن معاذ بسهم، فقطع منه الأكحل. رماه حبان بن قيس بن العرقة، وقيل: أبو أسامة الحبشي، وقيل: خفاجة بن عاصم بن حبان)) وراجع سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٣: ٦٤). قوله: (فحسمه النبي ◌َ ﴿) أي كواه ليقطع دمه، وأصل الحسم: القطع. قوله: (بمشقص) وهو سكين أو مقراض صغير. ٧٦ - (١٢٠٢) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث قد مرّ في المساقاة، باب حل أجرة الحجامة، وأخرجه البخاري في الإجارة، باب خراج الحجام، (٢٢٧٨ و٢٢٧٩)، وفي البيوع، باب ذكر الحجام (٢١٠٣)، وفي الطب، باب السّعوط (٥٦٩١)، وفي جزاء الصيد، باب الحجامة للمحرم (١٨٣٥)، وفي الصوم، باب الحجامة والقيئ للصائم (١٩٣٨ و١٩٣٩)، وفي الطبّ، باب أي ساعة يحتجم؟ (٥٦٩٤)، وباب الحجم في السفر والإحرام (٥٦٩٥)، وباب الحجامة على الرأس (٥٦٩٩)، وباب الحجامة من الشقيقة والصداع (٥٧٠٠، و٥٧٠١). وأخرجه أبو داود في البيوع، باب كسب الحجام، (٣٤٢٣)، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم (١٦٨٤)، وفي التجارات، باب كسب الحجام (٢١٨٠)، وفي المناسك، باب الحجامة للمحرم. قوله: (وأعطى الحجّام أجره) قد مرّ في المساقاة أنه أبو طيبة، ومرّ هناك ترجمته، والكلام في جواز أجرة الحجامة، فراجع له باب حل أجرة الحجامة من المجلد الأول من هذه التكملة. قوله: (واستعط) هو ماض من باب الافتعال. وهو استعمال السّعوط (بفتح السين) وهو الدواء الذي يقطر في الأنف. ٧٧ - (١٥٧٧) - قوله: (عن عمرو بن عامر الأنصاريّ) قال الحافظ في الإصابة ٣: ٤: (ذكر وثيمة أنه ممن شهد اليمامة في خلافة أبي بكر، وأنشد له مرئية في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري)) وحديثه هذا أخرجه البخاري في الإجارة، باب خراج الحجام (٢٢٨٠). ٢٩٩ كتاب: الطب ٥٧١٥ - (٧٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. قَالَ: ((الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. فَابْرُدُوهَا ٧٨ - (٢٢٠٩) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطبّ، باب الحمّى من فيح جهنم (٥٧٢٣)، وفي بدء الخلق، باب صفة النار (٣٢٦٤)، وابن ماجه في الطبّ، باب الحمّى من فيح جهنم إلخ (٣٥١٧). قوله: (الحمّى من فيح جهنّم) الفَيْح، بفتح الفاء وسكون الياء، والفُوْح كلاهما بمعنى، وهو شدة الحرارة وسطوعها ووهجها. أما كون الحمّى من فيح جهنم، فقد حمله بعض العلماء على الحقيقة، وفسّروا الحديث بأن اللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدّر الله ظهورها بأسباب تقتضيها، ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنّة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة. وحمله الآخرون على التشبيه، والمعنى أن حرّ الحمىّ شبيه بحرّ جهنّم، تنبيهاً للنفوس على شدة حرّ النّار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها. وقد ذكر الحافظ في الفتح (١٠: ١٧٥) كلا التفسيرين، ورجح الأول. وهناك احتمال آخر في تفسير الحديث، لم أره منقولاً عند الشرّاح، ولكنه ليس ببعيد، وهو أن الحمّى نوع من جزاء السيّآت يجازى به المؤمن في حياته، فتعجل له بها العقوبة، فتكون كفارة لسيئاته، فتكون قطعة من عذاب جهنّم تعجّل للمؤمن لئلا يصاب بها في الآخرة، ويؤيده ما أخرجه البزار عن عائشة مرفوعاً: ((الحمّى حظّ كلّ مؤمن من النار)) وإسناده حسن كما في مجمع الزوائد (٢: ٣٠٦). وقد ورد هذا اللفظ مقروناً بلفظ حديث الباب فيما أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي ريحانة، قال: قال رسول الله وَ ر: ((الحمىّ من فيح جنّم، وهي نصيب المؤمن من النّار)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: فيه شهر بن حوشب، وفيه كلام ووثقه جماعة. وأخرج أحمد والطبراني في الكبير. عن أبي أمامة عن النبي وَّ قال: ((الحمّى كير من جهنّم، فما أصاب المؤمن منها كان حظّه من جهنّم)) وفي إسناده أبو حصين الفلسطيني قال فيه الهيثمي : ((لم أر له راوياً غير محمد بن مطرف)) ولكنه يعضده ما ذكرنا من حديث عائشة وأبي ريحانة (نا، والله سبحانه أعلم. قوله: (فابردوها) بهمزة الوصل في أوله وضم الرّاء، على أنه صيغة أمر من برد يبرُد، بوزن نصر ينصر، وهو الضبط الراجح الذي اختاره النووي والقاضي عياض والقرطبي والحافظ ابن حجر وغيرهم. وقيل: إنه بهمزة القطع المفتوحة وبكسر الرّاء، من الإبراد، ولكن ذكر النووي وغيره عن الجوهري أنها لغة رديئة، بل خّأ القرطبي هذا الضبط بتاتاً، فلا شكّ أن الأفصح هو الأول، ويقول حماسيّ : إذا وجدتُ لَهِيْبَ الحُبِّ في كبدي أقْبلتُ نحو سقاءِ القوم أبترد ٣٠٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِالْمَاءِ». هَبْني بَرَدْتُ بِبَرْدِ الماءِ ظاهرَه فَمَن لنارٍ على الأحشاء تتّقد؟ قوله: (بالماء) ذكر المأزريّ كَّثُ تعالى عن بعض أطبّاء عصره أنه حمل حديث الباب على الاغتسال، أو على الانغماس في الماء، وجعل يستهزئ بحديث الباب - والعياذ بالله - بأن الأطباء (أي أطباء ذلك العصر) مجمعون على أن اغتسال المحموم بالماء البارد مهلك. ثمّ ردّ عليه المأزريّ بأن رسول الله وَ لو لم يأمر بالاغتسال ولا بالانغماس، وإنّما قال: ((ابردوها بالماء)) ولم يبيّن الصفة، فيمكن أن يراد به رشّ الماء على جيب المحموم كما سيأتي في حديث أم سلمة پا. والواقع أن استعمال الماء بصور مختلفة، حتى في صورة الاغتسال أو السّباحة مما قد اعترف الأطباء قديماً وحديثاً بأنه نافع في كثير من الحميات. قال جالينوس في المقالة العاشرة من كتاب ((حيلة البراء»: ((ولو أن رجلاً شابًّا حسن اللحم خصِب البدن - في وقت القيظ وفي وقت منتهى الحمى - وليس في أحشائه ورم، استحمّ بماء بارد، أو سبح فيه، لانتفع بذلك)) وقال: ((ونحن نأمر بذلك بلا توقف)) وقال أبو بكر الرازيّ الطبيب المعروف في كتابه الكبير: ((إذا كانت القوة قوّية، والحمّى حادة جدًّا، والنضج بيّن، ولا ورم في الجوف، ولا فتق، ينفع الماء البارد شرباً. وإن كان العليل خصب البدن، والزمان حارّ، وكان معتاداً لاستعمال الماء البارد من خارج، فليؤذن فيه)) نقلها ابن القيم تغذُّ تعالى في كتابه ((الطبّ النبويّ)) (ص: ٢١). وقد حقّق كثير من الأطباء القدامى أنّ الماء البارد ينفع في كثير من أنواع الحمّى، كحمى اليوم، وحمّى الدقّ، والحميات الصفراوية. وأما الطبّ الحديث، فقد أجمع خبراؤه اليوم على أنّ استعمال الماء البارد من أقوى الوسائل تأثيراً في إزالة الحمّى، وإنّهم يصفون للمحموم أن يرشّ الماء على جيبه، أو توضع خرقات مبلولة على جبينه، بل وأن يمسح جميع بدنه بمناشف مبلولة بماء مثلوج، وقد ثبتت هذه الطرق من أنفع المعالجات لإزالة فورة الحمّى. ولكن ينبغي أن لا يغفل هنا ما ذكره الإمام المأزريّ حيث قال: ((ولا شكّ أن علم الطبّ من أكثر العلوم احتياجاً إلى التفصيل، حتى أن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلاً، فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة مّا، لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو لغيره في سائر الأحوال والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السنّ والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع) ذكره الحافظ في الفتح (١٠ : ١٧٦). وحينئذ، فلا شكّ في صحة ما قاله وَلّ من أن الحمّى تعالج بالماء، ولكن الذي ينبغي لكل أحد في وقائع جزئية، أن يرجع إلى طبيب حاذق، فيعالج مرضه في ضوء مواصفاته