النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
كتاب: اللباس والزينة
عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، صَاحِبٍ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتاً فِيهِ صُورَةً)» .
لا؟ اختلف فيه المعاصرون. وقد ألّف العلامة الشيخ محمد بخيت مفتي مصر تكلّثُ رسالة باسم
(الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافيّ)) ذهب فيها إلى أن الصورة بالفوتوغرافيا - الذي
هو عبارة عن حبس الظل بالوسائط المعلومة لأرباب هذه الصناعة - ليس من التصوير المنهي
عنه، لأن التصوير المنهي عنه هو إيجاد صورة وصنع صورة لم تكن موجودة ولا مصنوعة من
قبل، يضاهي بها حيواناً خلقه الله تعالى، وليس هذا المعنى موجوداً في أخذ الصور بتلك الآلة.
ولكن كثيراً من علماء البلاد العربية، وجلّهم أو كلّهم في البلاد الهندية، قد أفتوا بأنه لا
فرق بين الصورة المرسومة والصورة الشمسية في الحكم. ولنحك لك أقوال بعض المعاصرين
من علماء البلاد العربية :
قال الشيخ مصطفى الحمامي في كتاب ((النهضة الإصلاحية)) (ص: ٢٦٤ و٥٦٥): ((وإني
أحب أن تجزم الجزم كله أن التصوير بآلة التصوير (الفوتوغراف) كالتصوير باليد تماماً، فيحرم
على المؤمن تسليطها للتصوير، ويحرم عليه تمكين مسلطها لالتقاط صورته بها، لأنه بهذا
التمكين يعين على فعل محرم غليظ، وليس من الصواب في شيء ما ذهب إليه أحد علماء عصرنا
هذا من استباحة التصوير بتلك الآلة بحجة أن التصوير ما كان باليد، والتصوير بهذه الآلة لا
دخل لليد فيه فلا يكون حراماً - وهذا عندي أشبه بمن يرسل أسداً مفترساً فيقتل من يقتل، أو
يفتح تيّاراً كهربائياً يعدم كل من مرّ به أو يضع سمّاً في طعام فيهلك كل من تناول من ذلك
الطعام، فإذا وجّه إليه اتهام بالقتل قال: أنا لم أقتل، إنما قتل السمّ والكهرباء والأسد ... )).
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه آداب الزفاف: ((وقريب من هذا تفريق
بعضهم بين الرسم باليد وبين التصوير الشمسيّ يزعم أنه ليس من عمل الإنسان! وليس من عمله
فيه إلّا إمساك الظلّ فقط! كذا زعموا. أما ذلك الجهد الجبّار الذي صرفه المخترع لهذه الآلة
حتى استطاع أن يصور في لحظة ما لا يستطيعه بدونها في ساعات، فليس من عمل الإنسان عند
هؤلاء! وكذلك توجيه المصور للآلة وتسديدها نحو الهدف المراد تصويره، وقبيل ذلك تركيب ما
يسمونه بالفلم ثم بعد ذلك تحميضه، وغير ذلك مما لا أعرفه، فهذا أيضاً ليس من عمل الإنسان
عند أولئك أيضاً ... وثمرة التفريق عندهم أنه يجوز تعليق صورة رجل مثلاً في البيت إذا كانت
مصورة بالتصوير الشمسيّ، ولا يجوز ذلك إذا كانت مصورة باليد !... أما أنا فلم أر له مثلاً إلا
جمود بعض أهل الظاهر قديماً، مثل قول أحدهم في حديث: ((نهى رسول الله وَّر عن البول في
الماء الراكد)) قال: فالنهي عنه هو البول في الماء مباشرة أما لو بال في إناء ثم أراقه في الماء
فهذا ليس منهياً عنه)).
وقال الشيخ محمد علي الصابوني في رسالته ((حكم الإسلام في التصوير)) ص(: ١٥) وفي

١٤٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَىْ زَيْدٌ بَعْدُ. فَعُدْنَاهُ فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ. قَالَ: فَقُلْتُ
تفسير آيات الأحكام: ((إن التصوير الشمسي لا يخرج عن كونه نوعاً من أنواع التصوير. فما
يخرج بالآلة يسمى صورة والشخص مصوراً، فهو وإن كان لا يشمله النص الصريح، لأنه ليس
تصويراً باليد، وليس فيه مضاهاة لخلق الله، إلا أنه لا يخرج عن كونه ضرباً من ضروب
التصوير، فينبغي أن يقتصر في الإباحة على حد الضرورة)).
وقال الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، في كتابه ((فقه السيرة)) (ص: ٣٨٠):
((والحق أنه لا ينبغي تكلف أيّ فرق بين أنواع التصوير المختلفة حيطة في الأمر، ونظراً لإطلاق
لفظ الحديث. هذا فيما يتعلق بالتصوير. أما الاتخاذ فلا فرق بين الفوتوغرافي وغيره)).
والواقع أنّ التفريق بين الصور المرسومة والصور الشمسيّة لا ينبغي على أصل قويّ، ومن
المقرر شرعاً أن ما كان «ان حراماً أو غير مشروع في أصله لا يتغيّر حكمه بتغيّر الآلة. فالخمر
حرام، سواء خمّرت باليد، أو بالماكينات الحديثة، والقتل حرام، سواء باشره المرء بسكّين، أو
بإطلاق الرصاص. فكذلك الصّورة، قد نهى الشارع عن صنعها واقتنائها، فلا فرق بينما كانت
الصورة قد اتخذت بريشة المصوّر، أو بالآلات الفوتوغرافيّة، والله سبحانه أعلم.
الصورة عند الحاجة
هذا هو حكم الصورة في الأصل. أما اتخاذ الصورة الشّمسيّة للضرورة أو الحاجة
كحاجتها في جواز السّفر، وفي التأشيرة، وفي البطاقات الشخصيّة، أو في مواضع يحتاج فيها
إلى معرفة هويّة المرء، فينبغي أن يكون مرخصاً فيه. فإن الفقهاء رحمهم الله تعالى استثنوا
مواضع الضرورة من الحرمة. قال الإمام محمد في السير الكبير: ((وأن تحققت الحاجة له إلى
استعمال السلاح الذي فيه تمثال فلا بأس باستعماله)) وأعقبه السرخسي كَفُ في شرحه (٢ :
٢٧٨) بقوله: ((لأن مواضع الضرورة مستثناة من الحرمة كما في تناول الميتة)). وذكر السرخسي
أيضاً: ((إن المسلمين يتبايعون بدراهم الأعاجم فيها التماثيل بالتيجان، ولا يمنع أحد عن
المعاملة بذلك)) وقال في موضع آخر من شرحه (٣: ٢١٢): ((لا بأس بأن يحمل الرجل في حال
الصلاة دراهم العجم، وإن كان فيها تمثال الملك على سريره وعليه تاجه)). وقد ثبت بالأحاديث
الصحيحة أن رسول الله ﴿ أجاز لعائشة اللعب بالبنات. وإن الفقهاء أباحوا للمرأة أن تكشف
عن وجهها عند الشهادة .
التّلفزيون
أما التلفزيون والفيديو، فلا شكّ في حرمة استعمالهما بالنّظر إلى ما يشتملان عليه من
المنكرات الكثيرة، من الخلاعة والمجون، والكشف عن النساء المتبرجات أو العاريات، وما
إلى ذلك من أسباب الفسوق. ولكن هل يتأتى فيهما حكم التصوير بحيث إذا كان التلفزيون أو

٠
١٤٣
كتاب: اللباس والزينة
لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيِّ، رَبِيبٍ مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ
الأَوَّلِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: إِلَّ رَقْماً فِي ثَوْبٍ.
٥٤٨٥ _ (٨٦) حدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛
أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ، وَمَعَ
بُسْرِ عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيُّ؛ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لاَ تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ
بَيْتاً فِيهِ صُورَةٌ» .
قَالَ بُسْرٌ: فَمَرِضَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ. فَعُدْنَاهُ. فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرِ فِيهِ تَصَاوِيرُ. فَقُلْتُ
الفيديو خالياً من هذه المنكرات بأسرها، هل يحرم بالنظر إلى كونه تصويراً؟ فإنّ لهذا العبد
الضعيف، عفا الله عنه، فيه وقفة. وذلك لأنّ الصُورة المحرّمة ما كانت منقوشة أو منحوتة بحيث
يصبح لها صفة الاستقرار على شيء وهي الصورة التي كان الكفار يستعملونها للعبادة. أما
الصورة التي ليس لها ثبات واستقرار، وليست منقوشة على شيء بصفة دائمة، فإنها بالظلّ أشبه
منها بالصورة. ويبدو أن صورة التلفزيون والفيديو لا تستقرّ على شيء في مرحلة من المراحل إلّا
إذا كان في صورة ((فيلم)). فإن كانت صور الإنسان حيّة بحيث تبدو على الشّاشة في نفس الوقت
الذي يظهر فيه الإنسان أمام الكاميرا، فإن الصورة لا تستقرّ على الكاميرا ولا على الشّاشة،
وإنما هي أجزاء كهربائية تنتقل من الكاميرا إلى الشّاشة وتظهر عليها بترتيبها الأصليّ، ثم تفنى
وتزول. وأما إذا احتفظ بالصورة في شريط الفيديو، فإن الصّور لا تنقش على الشريط وإنما
تحفظ فيها الأجزاء الكهربائية التي ليس فيها صورة، فإذا ظهرت هذه الأجزاء على الشاشة مرة
أخرى بذلك الترتيب الطبيعي، ولكن ليس لها ثبات ولا استقرار على الشاشة، وإنما هي تظهر
وتغنى. فلا يبدو أن هناك مرحلة من المراحل تنقش فيها الصورة على شيئ بصفة مستقرة أو
دائمة، وعلى هذا؛ فتنزيل هذه الصورة منزلة الصورة المستقرة مشكل، ورحم الله امرءً هداني
للصواب في ذلك. والله سبحانه أعلم.
٨٥ - (٠٠٠) - قوله: (لعبيد الله الخولانيّ ربيب ميمونة) هو عبيد الله بن الأسود، ويقال:
ابن الأسد الخولانيّ. قال الحافظ في التهذيب (٧: ٣): ((المراد بقوله ربيب ميمونة أنّها ربّته.
فقيل: كان مولاها، لا أنه ابن زوجها)) أخرج عنه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه.
قوله: (إلا رقماً في ثوب) به استدل من أجاز الصور التي ليس لها ظلّ، وقد بسطنا الكلام
في ذلك وأن الجمهور يؤولونه بالنقوش على الثياب مما لا روح لها، كصورة الزهر أو الشّجر.
ويدل عليه أن الرّقم يطلق في اللغة العربية على الوشي. قال ابن منظور في لسان العرب
(١٢: ٢٤٩): ((الرّقم: ضرب مخطّط من الوشي)) وقال الراغب في مفردات القرآن (ص:
٢٠١): ((الرقم: الخط الغليظ)). وقال ابن أثير الجزري: ((الرقم: النقش، وأصله الكتابة)).

١٤٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِعُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيِّ: أَلَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: إِلَّ رَقْماً فِي ثَوْبٍ. أَلَمْ
تَسْمَعْهُ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: بَلَى. قَدْ ذَكَرَ ذُلِكَ.
٥٤٨٦ - (٨٧) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِح،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، أَبِي الْحُبَابِ، مَوْلَى بَنِي النَّجَّارِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِّي
طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ يَقُولُ: ((لاَ تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتاً فِيهِ کَلْبٌ
وَلاَ تَمَاثِيلُ)).
2107 - قَالَ فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: إِنَّ هُذَا يُخْبِرُنِي؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((لاَ تَدْخُلُ
الْمَلاَئِكَةُ بَيْتاً فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ تَمَاثِيلُ)) فَهَلْ سَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ ذَكَرَ ذُلِكَ؟ فَقَالَتْ: لاَ.
وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكُمْ مَا رَأَيْتُهُ فَعَلَ. وَأَيْتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاتِهِ. فَأَخَذْتُ نَمَطاً فَسَتَرْتُهُ عَلَى الْبَابِ.
فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَىِ النَّمَطَ، عَرَفْتُ الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِهِ. فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَوْ قَطَعَهُ. وَقَالَ: ((إنَّ
اللَّهَ لَمْ يَأْمُزْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ)) قَالَتْ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَيْنٍ وَحَشَوْتُهُمَا لِيفاً. فَلَمْ
يَعِبْ ذُلِكَ عَلَيَّ .
٥٤٨٧ - (٨٨) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ،
عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَام، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ لَنَا
سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ. وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ. فَقَالُ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: ((حَوَّلِي
(٢١٠٧) - قوله: (فأخذت نمطاً) فسّره ابن منظور في لسان العرب (٧: ٤١٧) بقوله:
(ظهارة فراش مّا ... ضرب من البسط له خمل رقيق)).
قوله: (إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة) قال النووي: ((استدلوا به على أنه يمنع من ستر
الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب، وهو منع كراهة تنزيه لا تحريم، هذا هو الصحيح، وقال الشيخ
أبو الفتح نصر المقدسي من أصحابنا: هو حرام. وليس في هذا الحديث ما يقتضي تحريمه، لأن
حقيقة اللفظ أن الله تعالى لم يأمرنا بذلك، وهذا يقتضي أنه ليس بواجب ولا مندوب، ولا
يقتضي التحريم)).
قوله: (فقطعنا منه وسادتين) به استدل الجمهور على أن التصاوير إن كانت في موضع
ممتهن فلا بأس باستعمالها .
٨٨ - (٠٠٠) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في اللباس، باب ما وطئ
من التصاوير (٥٩٥٤ و٥٩٥٥)، وباب من كره القعود على الصّور (٥٩٥٧)، وباب من لم يدخل
بيتاً فيه صورة (٥٩٦١)، والنسائي في الزينة، باب التصاوير (٥٣٥٢) إلى (٥٣٥٥) وباب ذكر
أشد الناس عذاباً، (٥٣٥٦ و٥٣٥٧)، وابن ماجه في اللباس، باب الصور فيما يوطأ، (٣٦٩٧).

١٤٥
كتاب: اللباس والزينة
هُذَا. فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الذُّنْيَا)) قَالَتْ: وَكَانَتْ لَنَا قَطِيفَةٌ كُنَّا نَقُولُ عَلَمُهَا حَرِيرٌ.
فَكُنَّا نَلْبَسُهَا .
قوله: (كلّما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا) به استدل بعض المعاصرين على أن كراهية
النبي ◌ّ للستر إنما كانت على سبيل الزهد والورع، ولم يكن استعماله حراماً. وأيّدوا ذلك بأنّ
قصة عائشة يا - على ما زعموا - وقعت أكثر من مرّة، لأنّ ألفاظ الروايات مختلفة لا يمكن
التوفيق بينها إلا بحملها على تعدد الواقعات. فإن كان منع النبي وكلير للتحريم لما أمكن لعائشة
أن ترتكب ما نهى عنه رسول الله وَ سليم مرة أخرى، فظهر أن عائشة إنما حملت النهي على التنزه
والورع، دون التحریم.
ولكن هذا الاستدلال غیر صحیح. وذلك لأمور:
أما الأول: فلأنه ولو فرضنا أن النهّي كان للتنزه والورع، فإن عائشة رضيدينا علمت بوضوح
أن النبي وَل﴿ لا يحبّ أن تكون في بيته صورة، ومن المستبعد جدًّا أن ترتكب عائشة ما لا يحبّه
النبي 18َّ، ولو على سبيل التنزه.
وأما الثاني: فقد وقع في عدة روايات أن النبي ◌َّ أعقب النهي بوعيد العذّاب على
المصورين. وبأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، مما يدل صراحة على أن النهي للتحريم دون
التنزيه .
وأما الثالث: فإن الصحيح أن قصة عائشة رؤثنا لم تقع إلا مرة واحدة، وحمل روايات
عائشة على تعدد الواقعات تعسف لا يستساغ بعد النظر العميق في ألفاظ الروايات وإسنادها .
واختلاف الألفاظ إنما نشأ من قبل الرواة عند روايتهم القصة بالمعنى.
وتفصيل ذلك أن الثوب الذي كان فيه صورة طائرة، قد عبره بعض الرواة بالستر، وبعضهم
بالقرام، وبعضهم بالنمط، وبعضهم بالدرنوك، وبعضهم بالنمرقة، فأمّا القرام والنّمط والدرنوك
فكلها متساوية المعنى من حيث أنها تستعمل بمعنى الستر وبمعنى الفراش جميعاً. وأمّا السّتر
فيختص بالمعنى الأول، والنمرقة يختص بالمعنى الثاني فقط، والذي يبدو أن الستر الذي علقته
عائشة وهنا كان من ثوب يستعمل للفراش أيضاً، فاختارت هي وتلميذها القاسم بن محمد التعبير
عنها بالقرام، أو النمط، أو الدرنوك ليشمل اللفظ المعنيين، ولكن عبر عنه سعيد بن هشام
وعبد الرحمن بن القاسم بالسّتر، ونافع بالنمرقة. وإن لفظ ((النمرقة)) لم يذكره إلا نافع. وبما أن
نافعاً رواه عن القاسم بن محمد وسائر تلامذة القاسم يروونه إما بلفظ القرام، أو السّتر، أو
الدرنوك، أو النّمط، ولا يذكر أحد منهم النمرقة، فالظاهر الذي لا خفاء فيه أن نافعاً رواه
بالمعنى، وليست قصة النمرقة منفردة عن قصة القرام.
وربّما يستدلّ على تعدد الواقعات بأنّ وجه الإنكار من النبي ◌َّر في بعض الروايات

١٤٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٤٨٨ - (٨٩) حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَبْدُ الأَعْلَى، بِهذَا
الإِسْنَادِ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَزَادَ فِيهِ - يُرِيدُ عَبْدَ الأَعْلَى - فَلَمْ يَأْمُرْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِقَطْعِهِ.
٥٤٨٩ _ (٩٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ؛ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ مِنْ سَفَرٍ. وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى
بَابِي دُرْنُوَكاً فِيهِ الْخَيْلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ. فَأَمَرَنِي فَتَزَعْتُهُ.
مختلف عن البعض الأخرى، فوقع في بعضها: ((إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين))
وفي بعضها: ((حوّلي هذا، فإنّي كلّما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا)) وفي البعض الأخرى: ((إنّ من
أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة، الذّين يشبهون خلق الله)). ولكن الجمع بين هذه الروايات سهل
جدًّا، فإنّه ◌َ تكلم بجميع ذلك، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر. فكأنه و * علّل إنكاره
على تعليق السّتر أوّلاً بأنه يشتمل على صورة، وأشد الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون. ثم
أعقبه بوجه آخر للإنكار، وهو أنّ هذا السّتر المنقوش، ولو لم تكن فيه صورة، یذّرني بالدنيا،
ثم أيّده بوجه ثالث، وهو أن ستر الجدران بالثياب من عادة الأعاجم المترفّهين، ولا أحب أن
أوافقهم في ذلك، ولذلك قال: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)).
وقد وقع في حديث أنس به عند البخاري في صحيحه: ((أميطي عنّي، فإنه لا تزال
تصاويره تعرض لي في صلاتي)) فزعم منه البعض بأن السّتر لم يزل معلقاً في بيته مدة، ولم ينكر
عليه النبي وَّهِ إلّا بعد ما شعر بأنّه يخلّ بجمع خاطره في الصّلاة. وليس الأمر كذلك، وإن
صيغة ((لا تزال تصاويره تعرض)) تحتمل الحال والاستقبال جميعاً فحمله على المستقبل أولى نظراً
إلى الروايات الأخرى، فهو وجه رابع للإنكار، أن تصاويره سوف تعرض لي في صلاتي.
ثم قد وقع في بعض الروايات أنه وَ* أمر عائشة ؤُها بتحويل الستر، ووقع في بعضها
أنه وَّر تقدم بنفسه فنزعه. ويجمع بينهما بأنه عليه الصلاة والسلام أمر عائشة أوّلاً بالتحويل، ثم
بدا له فتقدم ونزعه بنفسه. أما قول عائشة في بعض الروايات: ((فأمرني فنزعته)) فيمكن أن يكون
من باب التوسّع، حيث استعدّت للنزع بعدما سمعت النبي ◌َّو يأمر بذلك، فعبّرت عن استعدادها
بالنزع فعلاً. ومثل هذه الاختلافات كثير في الأحاديث المروية عن عدة من الرواة، ولا يلزم
بذلك ترك أصل الحديث، ولا حمله على تعدد الواقعات.
٩٠ - (٠٠٠) - قوله: (قدم رسول الله ◌َّ﴿ من سفر) وكان سفر تبوك، كما رواه البيهقي،
وقد ورد عند النسائي وأبي داود أنه كان سفر تبوك أو خيبر. كذا نقله الحافظ في الفتح.
قوله: (درنوكا) بضم الدال والنون على ما هو المشهور، وقيل: بفتح الدال، قال ابن
منظور في اللسان (١٠: ٤٢٣): ((الدرنوك: ضرب من الثياب أو البسط له خمل قصير ...
والدرانيك تكون ستوراً وفروشاً)).

١٤٧
كتاب: اللباس والزينة
٥٤٩٠ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو
كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَبْدَةَ: قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ .
٥٤٩١ - (٩١) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَثَّ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ وَ أَنَا
مُتَسَتِّرَةٌ بِقِرَامٍ فِيهِ صُورَّةٌ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ. ثمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَكَهُ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَشَدْ النَّاسِ
عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَّامَةِ، الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».
٥٤٩٢ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ دَخَلَ عَلَيْهَا .
بِمِثْلٍ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ أَهْوَىْ إِلَى الْقِرَامِ فَهَتَكَهُ بِيَدِهِ.
٥٤٩٣ - (٠٠٠) حدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ.
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ : أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا: ((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
عَذَاباً)) لَمْ يَذْكُرَا: مِنْ.
٥٤٩٤ _ (٩٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ
(وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
عَائِشَةَ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامَ فِيهِ تَمَاثِيلُ. فَلَمَّا رَآهُ
هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً عِنْدَ اللَّهِ، يَوْمَّ الْقِيَامَةِ،
٩١ - (٠٠٠) - قوله: (وأنا متسترة بقرام) وفي بعض النسخ: ((مستترة) تعني: متخذة ستراً.
والقرام بكسر القاف: هو الستر الرقيق ... وقيل: القرام ثوب من صوف غليظ جدًّا يفرش في
الهودج. كذا في لسان العرب (١٢ : ٤٧٤).
٩٢ - (٠٠٠) - قوله: (سترت سهوة) قال النووي: ((السهوة بفتح السين المهملة. قال
الأصمعي: هو شبيهة بالرّفّ أو الطّاق، يوضع عليه الشيء، قال أبو عبيد: وسمعت غير واحد
من أهل اليمن يقولون: السهوة عندنا بيت صغير منحدر في الأرض وسمكه مرتفع من الأرض
يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع. قال أبو عبيد: وهذا عندي أشبه ما قيل في السهوة.
وقال الخليل: هي أربعة أعواد أو ثلاثة، يعرض بعضها على بعض، ثم يوضع عليها شيء من
الأمتعة. وقال ابن الأعرابي: هي الكوّة بين الدارين. وقيل: بيت صغير يشبه المخدع: وقيل:
هي كالصفّة تكون بين يدي البيت وقيل: شبيه دخلة في جانب البيت، والله أعلم)).
قوله: (أشد الناس عذاباً عند الله) إلخ: وسيأتي في حديث عبد الله بن مسعود من طريق

١٤٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أبي معاوية وسفيان عن الأعمش: ((إنّ من أشدّ أهل النّار يوم القيامة عذاباً: المصوّرون)). وقد
استشكل كون المصوّر أشد الناس عذاباً مع قوله تعالى: ﴿ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ فإن
ظاهر الحديث يقتضي أن يكون المصور أشد عذاباً من آل فرعون. وأجيب بأن رواية الزهري عن
القاسم، عن عائشة المارة آنفاً، وحديث ابن مسعود مفسران لهذا الحديث، وهو بإثبات ((من)).
فيحمل حديث الباب عليه والمراد أن المصورين من جملة من يعذبون أشدّ العذاب. وليس في
الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشدّ العذاب، بل هم في العذاب الأشدّ، فكذلك غيرهم
يجوز أن يكون في العذاب الأشدّ. وقوّى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن
مسعود رفعه: ((إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيًّا، أو قتله نبي، وإمام ضلالة، وممثّل
من الممثّلين)) وكذا أخرجه أحمد. وأخرج الطحاوي أيضاً من حديث عائشة مرفوعاً: ((أشد
الناس عذاباً يوم القيامة رجل هجا رجلاً، فهجا القبيلة بأسرها)) قال الطحاوي: فكل واحد من
هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب.
وأجاب الطبري عن أصل الإشكال بأن المراد في الحديث من يصوّر ما يعبد من دون الله،
وهو عارف بذلك قاصد له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون. وأما من لا
يقصد بذلك، فإنه يكون عاصياً بتصويره فقط.
وقال أبو الوليد بن رشد في مختصر مشكل الطحاوي ما حاصله أن الوعيد بهذه الصيغة إن
ورد في حق كافر فلا إشكال فيه، لأنه يكون مشتركاً في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة
على عظم كفر المذكور. وإن ورد في حقّ عاص، فيكون أشدّ عذاباً من غيره من العصاة، ويكون
ذلك دالاً على عظم المعصية المذكورة.
وأجاب القرطبي في المفهم بأن النّاس الذين أضيف إليهم ((أشد)) لا يراد بهم كل الناس،
بل بعضهم. وهم من يشارك في المعنى المتوعد عليه بالعذاب. ففرعون أشد الناس الذين ادعوا
الإلهية عذاباً، ومن يقتدى به في ضلالة كفره أشدّ عذاباً ممن يقتدى به في ضلالة فسقه، ومن
صوّر صورة ذات روح للعبادة أشدّ عذاباً ممن يصورها لا للعبادة.
وأجاب الشريف المرتضى بالتفريق بين العذاب والعقاب. فالعذاب يطلق على ما يؤلم من
قول أو فعل، كالعتب والإنكار، والعقاب يختص بالفعل، فلا يلزم من كون المصوّر أشد الناس
عذاباً، أن يكون أشدّ الناس عقوبة، وتعقبه الحافظ بالآية المشار إليها حيث ذكر إدخال آل
فرعون أشدّ العذاب ويمكن الجواب عنه بأن الأصل في العذاب والعقاب التفريق الذي ذكره
الشريف المرتضى، ولكن ربما يستعمل أحدهما بمعنى الآخر توسّعاً، فالمراد بالعذاب في الآية:
العقاب، والحديث على أصله، والله سبحانه أعلم. والأقوال المذكورة كلّها مأخوذة من فتح
الباري (١٠: ٣٨٣ و٣٨٤) وعمدة القاري (١٠: ٣٠٩).

١٤٩
كتاب: اللباس والزينة
الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ)).
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةٌ أَوْ وِسَادَتَيْنِ.
٥٤٩٥ _ (٩٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم. قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْبٌ فِيهِ
تَصَاوِيرُ. مَمْدُودٌ إِلَى سَهْوَةٍ. فَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي إِلَيْهِ. فَقَالَ: ((أَخِّرِبِهِ عَنِّي)). قَالَتْ:
فَأَخَّرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ وَسَائِدَ.
٥٤٩٦ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ .
ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةً، بِهِذَا
الإِسْنَادِ.
٥٤٩٧ _ (٩٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَ عَلَيَّ وَقَدْ سَتَرْتُ
نَمَطاً فِيهِ تَصَاوِيرُ. فَتَحَّاهُ. فَاتَّخَذْتُ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ.
٥٤٩٨ - (٩٥) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ؛ أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الْقَاسِم حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَائِشَةَ،
زَوْجِ النَّبِيِّ بَّهِ؛ أَنَّهَا نَصَبَتْ سِتْراً فِيهِ تَصَاوِيرُ. فَدَخَّلَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ فَنَزَعَهُ. قَالَتْ:
فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنٍ. فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ حِينَئِذٍ، يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَطَاءٍ، مَوْلَى بَنِي
زُهْرَةَ: أَفَمَا سَمِغَتَ أَبَا مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ يَرْتَفِقُ عَلَيْهِمَا؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لاَ. قَالَ: لُكِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ.
يُرِيدُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ .
٥٤٩٩ - (٩٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
قوله: (الذين يضاهون بخلق الله) المضاهاة: المشابهة. والمراد الذين يصوّرون صور ذوي
الأرواح، فإنّهم يدّعون عملاً أنهم يخلقون صورهم، والعياذ بالله العظيم. والفرق بين ذوي
الأرواح وبين ما ليس له روح في هذا، مع أن الكل مخلوق لله تعالى، ما ذكره والدي وشيخي
المفتي محمد شفيع كثُّ تعالى في رسالته في أحكام التصوير، أن ما ليس له روح وإن كان
مخلوقاً لله تعالى مثل ما فيه روح، غير أن الإنسان ربما يكون له دخل صورةً في تسبيب وجود ما
ليس له روح، كغرس البذر والسقي في الشّجر، بخلاف إيجاد الروح في شيء، فإنه لا يتوهم
أحد، حتى في الظاهر، أن فيه دخلاً لغير الله سبحانه وتعالى. والله سبحانه أعلم.

١٥٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عِنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ. فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللّهِ وَهُ
قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ. فَعَرَفْتُ، أَوْ فَعُرِفَتْ، فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةُ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللّهِ وإِلَى رَسُولِهِ. فَمَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا بَالُ
لهُذِهِ النُّمْرُقَةِ؟)) فَقالَتِ: اشْتَرَيْتُها لَكَ. تَقْعُدُ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدُهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ: ((إِنَّ
أَصْحَابَ هذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ. وَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْيُوا مَا خَلَقْتُم)) ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ
الصُّوَرُ لاَ تَدْخُلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)).
٥٥٠٠ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْحِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ
عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ.
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا أَبُو
سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَخِي الْمَاجِشُونِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. كُلُّهُمْ عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ، بِهِذَا الْحَدِيثِ. وَبَعْضُهُمْ أَتَمُّ حَدِيثاً لَهُ مِنْ بَعْضٍ. وَزَادَ
فِيَ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الْمَاحِشُونِ: قَالَتْ فَأَخَذْتُهُ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَتَيْنٍ. فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي
الْبَيْتِ.
٥٥٠١ - (٩٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ). جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (وَاللَّفْظُ
٩٦ - (٠٠٠) - قوله: (اشترت نمرقة) بضم النون والراء وسكون الميم، وقيل: بكسر النون
والراء، وقيل: بضم النون وفتح الراء. ويقال: نمرق بلا هاء أيضاً. وهي وسادة صغيرة، وقيل:
هي مرفقة، كذا في شرح النووي.
قوله: (أتوب إلى الله وإلى رسوله، فماذا أذنبت) فيه أدب عظيم من عائشة رضينا، حيث
بدأت بالتوبة قبل السؤال عن الذنب، وذلك لأنها تيقنت من أسارير وجه رسول الله صل أن هناك
شيئاً ساءه، فبادرت لى التوبة أولاً، ثم سألت عن الذنب.
قوله: (ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم) قال الكرماني: ((ظاهره أنه من تكليف ما لا يطاق،
وليس كذلك، وإنما القصد طول تعذيبه وإظهار عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في توبيخه،
وبیان قبح فعله)).
(٠٠٠) - قوله: (فكان يرتفق بهما في البيت) فيه دليل على أن الثوب الذي فيه صورة، إذا
اتخذ منه ما يفرش في موضع ممتهن، فإنه يجوز استعماله، وهو قول جمهور أهل العلم.

١٥١
كتاب: اللباس والزينة
لَهُ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَه
قَالَ: ((الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. يُقَالُ لَهُمْ: أَخْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)) .
٥٥٠٢ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي أَبَّنَ عُلَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ.
كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوَبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بِّه بِمِثْلِ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ الْنَّبِيِّ ◌َِّهِ.
٥٥٠٣ - (٩٨) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُوِ سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَىِ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ)) .
وَلَمْ يَذْكُرِ الأَشَجُّ: إِنَّ.
٥٥٠٤ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. كُلُّهُمْ
عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلَاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِْ، بِهُذَا
الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةٍ يَحْيَى وَأَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً: ((إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَهْلِ النَّارِ، يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، عَذَاباً، الْمُصَوِّرُونَ)) .
وَحَدِيثُ سُفْيَانَ كَحَدِيثٌ وَكِيعٍ.
٥٥٠٥ - (٠٠٠) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ مُسْلِمٍ بْنِ صُبَيْحٍ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَسْرُوقٍ
٩٧ - (٢١٠٨) - قوله: (أن ابن عمر أخبره) هذا الحديث أخرجه البخاري في اللباس، باب
عذاب المصورين يوم القيامة، (٥٩٥١)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ﴾ (٧٥٥٩)، والنسائي في الزينة، باب ذكر ما يكلف أصحاب الصور يوم القيامة (٥٣٦١).
٩٨ - (٢١٠٩) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود ظه، وحديثه هذا أخرجه
البخاري في اللباس، باب عذاب المصورين يوم القيامة (٥٩٥٠)، والنسائي في الزينة، باب أشد
عذاباً، (٥٣٦٤).
(٠٠٠) - قوله: (عن مسلم بن صبيح) بضم الصاد مصغراً، وهو اسم لأبي الضحى الكوفي
تلميذ مسروق، وقد وقع ذكره في الروايات السابقة بكنيته، وفي هذه الرواية باسمه. وهو ثقة من
رواة الجماعة. قال أبو حصين: رأيت الشعبي وإلى جنبه مسلم بن صبيح، فإذا جاءه شيء قال:
ما ترى يا ابن صبيح؟ مات سنة مائة، كما في التهذيب ١٠ : ١٣٣.

١٥٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فِي بَيْتٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ مَرْيَمَ. فَقَالَ مَسْرُوقٌ: هُذَا تَمَاثِيلُ مِسْرَىُ. فَقُلْتُ: لاَ. هُذَا تَمَائِيلُ
مَرْيَمَ. فَقَالَ مَسْرُوقُ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّ:
((أَشَدُّ النَّاسِ عَذَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ)).
٥٥٠٦ _ (٩٩) قَالَ مُسْلِمٌ: قَرَأْتُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيِّ، عَنْ
عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ.
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هُذِهِ الصُّوَرَ. فَأَفْتِنِي فِيهَا. فَقَالَ
لَهُ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَىْ رَأْسِهِ. قَالَ: أُنَبِّئُكَ
بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ.
يَجْعَلُ لَهُ، بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْساً فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَثَّمَ)) .
قوله: (في بيت فيه تماثيل مريم) وورد عند البخاري من رواية سفيان أن البيت كان
ليسار بن نمير، وكانت التماثيل في صفّته، ويسار بن نمير كان مولى لعمر رظُته وخازنه، وله
رواية عن عمر وغيره، روى عنه أبو وائل وأبو إسحاق السبيعي، وهو موثق كما في فتح الباري
(١٠: ٣٨٣). وأمّا أنه كيف تحمّل هذه التماثيل في بيته؟ فالجواب أن الظاهر أنه اشترى هذا
البيت من نصرانيّ صنع هذه التماثيل، ويمكن أن يكون قد محا وجوهها، وبقي سائر الجسد،
فرآه أبو الضحى ومسروق. ويمكن أيضاً أنه تحمل هذه التماثيل لكونها في موضع ممتهن، فإنها
كانت في الصفّة. والاحتمال الثالث أن تكون التماثيل منقوشة على الصفّة غير متجسدة، ويكون
يسار بن نمير يرى جوازها كما يراه القاسم بن محمد، والله سبحانه أعلم.
قوله: (هذا تماثيل كسرى) كذا وقع في النسخ الموجودة عندي بتذكير اسم الإشارة، ولكن
نقله الحافظ في الفتح (١٠: ٣٨٣). ((هذه تماثيل كسرى)) بالتأنيث، وهو القياس، ويمكن تأويل
النسخ الموجودة بأن المراد: ((هذا الذي نراه تماثيل کسری)).
٩٩ - (٢١١٠) - قوله: (جاء رجل إلى ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في
البيوع، باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح، (٢٢٢٥)، وفي اللباس، باب من صوّر صورة
كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح (٥٩٦٣)، وفي التعبير، باب من كذب في حلمه (٧٠٤٢)
وأخرجه النسائي في الزينة، باب ذكر ما يكلف أصحاب الصور يوم القيامة (٥٣٥٨).
قوله: (حتى وضع يده على رأسه) قال القرطبي: ((أمره بالدنوّ ثلاثاً، ووضع يده على رأسه
مبالغة في استحضار ذهنه، وتعظيم ما يلقى إليه)) وفيه أن من ابتلي بمنكر، وجاء يستفتى فيه، فإنه
يعامل برفق وشفقة.
قوله: (يجعل له بكل صورة صوّرها نفساً) إلخ: ((يجعل)) ههنا بفتح الياء على البناء
للمفعول، وفاعله الضمير الراجع إلى الله تعالى، ومفعوله ((نفساً)). وقال القاضي عياض:

١٥٣
كتاب: اللباس والزينة
وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلاً، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَ نَفْسَ لَهُ. فَأَقَرَّ بِهِ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ.
٥٥٠٧ - (١٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
أَبِي عَرُوبَةَ، عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَجَعَلَ يُفْتِي
وَلاَ يَقُولُ: قَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، حَتَّى سَأَلَه رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلُّ أُصَوِّرُ هُذِهِ الصُّوَرَ.
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَذْنُهْ. فَدَنَا الرَّجُلُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُولُ:
(مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلُّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَيْس بِنَافِخٍ)) .
٥٥٠٨ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا
مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَّى ابْنَ عَبَّاسٍ.
فَذَكَرَ عَنِ النَّبِّ رَِّ، بِمِثْلِهِ.
((يحتمل أن الصورة التي صوّرها هي التي تعذبه بعد أن يجعل فيها روح. فالباء بمعنى ((في)).
ويحتمل أن يجعل له بعدد ما صوّر شخص يعذبه، فالباء للسبب)) كذا في شرح الأبي.
قوله: (فاصنع الشجر وما لا نفس له) وفي رواية البخاري في البيوع: ((فربا الرجل ربوة
شديدة واصفرّ وجهه، فقال: ويحك، إن أبيت ألّا أن تصنع، فعليك بهذا الشجر، كل شيء ليس
فيه روح)) ودل الحديث على جواز تصوير ما ليس فيه روح، وهو حجة على مجاهد كثّهُ في
تحريمه لصورة شجر أيضاً، وقيد هو الجواز بشجر غير مثمر. ولكن قول ابن عباس: ((وما لا نفس
له)» و«كل شيء ليس فيه روح)» يدل على عموم الجواز في كل غير ذي روح. والذي يدل عليه من
الحديث المرفوع ما رواه أحمد في مسنده عن على ظنه أن النبي وَلفر حكى قول جبرئيل
:
((إنها ثلاث لن يلج ملك ما دام فيها أبداً واحد منها، كلب، أو جنابة، أو صورة روح)).
١٠٠ - (٠٠٠) - قوله: (كلّف أن ينفخ فيها الرّوح) إلخ: تقدم أن هذا التكليف للتعجيز،
فلا يرد عليه أنه تكليف بما لا يطاق. ولكن ورد في رواية سعيد بن أبي الحسن عند البخاري:
(فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبداً)) ويستشكل هذا الوعيد في حق
مسلم، فإن وعيد القاتل عمداً ينقطع عند أهل السنة مع ورود تخليده بحمل التخليد على مدة
مديدة، وهذا الوعيد أشد منه، لأنه مغياً بما لا يمكن، وهو نفخ الروح، وأجاب عنه الحافظ في
الفتح (١٠: ٣٩٤) بأنه يتعين تأويل الحديث على أن المراد به الزجر الشديد بالوعيد بعقاب
الكافر ليكون أبلغ في الارتداع، وظاهره غير مراد. وهذا في حقّ العاصي بذلك. وأما من فعله
مستحلاً، فلا إشكال فيه)). قلت: ويمكن تأويل رواية سعيد بن أبي الحسن بأن المراد من قوله:
((حتى ينفخ فيها الروح)) حتى يأمره بنفخ الروح كما هو مصرح في الروايات الأخرى، وهذا الأمر
يكون للتعجيز كما تقدم، وليس المراد أن عذابه يستمرّ إلى أن يقع منه نفخ الروح فعلاً وهو لا
يستطيع ذلك فيستمر إلى الأبد. والله سبحانه أعلم.

١٥٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٥٠٩ _ (١٠١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ وَأَبُو
كُرَيْبٍ. وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ. قَالَ:
دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي دَارٍ مَرْوَانَ. فَرَأَىُ فِيهَا تَصَاوِيرَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقاً كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً. أَوْ
لِيَخْلُقُوا حبَّةً. أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» .
٥٥١٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ. قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ دَاراً تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ، لِسَعِيدٍ أَوْ لِمَرْوَانَ. قَالَ: فَرَأَىُ
مُصَوِّراً يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِمِثْلِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ ((أَوْ لِيَخْلُقُوا
شَعِيرَةً)» .
٥٥١١ - (١٠٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لاَ
تَدْخُلُ الْمَلاَئِّكَّةُ بَيْتاً فِيهِ تَمَاثِيلٌ أَوْ تَصَاوِيرُ)) .
(٢٧) - باب: كراهة الكلب والجرس في السفر
٥٥١٢ - (١٠٣) حدّثنا أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي
ابْنَ مُفَضَّلٍ. حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ:
١٠١ - (٢١١١) - قوله: (عن أبي زرعة) يعني ابن عمرو بن جرير، تلميذ أبي هريرة. وهذا
الحديث أخرجه البخاري في اللباس، باب نقض الصور (٥٩٥٣)، وفي التوحيد، باب
قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (﴾﴾﴾ (٧٥٥٩).
قوله: (في دار مروان) وفي الرواية الآتية: ((دخلت أنا وأبو هريرة دارا تبنى بالمدينة،
السعيد أو لمروان، قال: فرأى مصوراً يصور في الدار)) وسعيد هذا هو سعيد بن العاص، وكان
هو ومروان بن الحكم يتعاقبان إمرة المدينة لمعاوية ربه. ولعل صاحب الدار، سواء كان مروان
أو سعيد بن العاص، لا يرى حرمة الصورة المنقوشة في الجدار التي ليس لها ظلّ، وليس في
فعل أحدهما حجة أمام الأدلة المذكورة سابقاً في هذا الباب.
قوله: (فليخلقوا ذرّة) يحتمل أن يكون ((الذرة)) هنا بمعنى: الجزء الصغير من الشيء،
ويحتمل أن يكون بمعنى: النمل، والأمر للتعجيز كما سبق، والمراد أنهم لا يستطيعون أن
يخلقوا حبة من الحنطة أو الشعير مما لا روح لها، فكيف يخلقون ما فيه روح؟
(٢٧) - باب: كراهة الكلب والجرس في السفر
١٠٣ - (٢١١٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب

١٥٥
کتاب: اللباس والزينة
(لاَ تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلاَ جَرَسٌ)).
٥٥١٣ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَزْدِيَّ). كِلاَهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٥٥١٤ - (١٠٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
في تعليق الأجراس، (٢٥٥٥ و٢٥٥٦)، والترمذي في الجهاد، باب ما جاء من يستعمل على
الحرب (١٧٠٢).
قوله: (لا تصحب الملائكة رفقة) بضم الراء، وقيل: بكسرها، جماعة من الرفقاء.
قوله: (كلب ولا جرس) الجرس بفتح الراء، ما يعلق في عنق البعير مما له صوت. وأمّا
الجرس بسكون الراء فهو الصوت الخفيّ. قال النووي كَّلُ تعالى: ((وسبق بيان الحكمة في
مجانبة الملائكة بيتاً فيه كلب. وأما الجرس فقيل: سبب منافرة الملائكة له أنه شبيه بالنواقيس،
أو لأنه من المعاليق المنهيّ عنها. وقيل: سببه كراهة صوتها، وتؤيده رواية مزمار الشيطان.
وهذا الذي ذكرناه من كراهة الجرس على الإطلاق هو مذهبنا ومذهب مالك وآخرين، وهي
كراهة تنزيه. وقال جماعة من متقدمي علماء الشام: يكره الجرس الكبير دون الصغير)).
وقال شيخ مشايخنا السهار نفوري في بذل المجهود: (١٢ : ٥٣): ((وهذا (أي: كراهة
الكلب والجرس) إذا خليا عن المنفعة. وأما ما احتيج إليه منهما فمرخص فيه)). والذي يظهر
لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أن الكراهة المذكورة في الحديث إنما تنصرف إلى كلب وجرس
قصد منهما اللّهو والغناء، كما كان يعتاده بعض أهل القوافل ويدل عليه قوله ظل في الرواية
الآتية: ((الجرس مزامير الشيطان)) أما الكلب إذا كان للحراسة والتحرز من اللصوص فهو مرخص
فيه ككلب زرع وماشية، وكذلك الجرس إذا كان المقصود مباح، فلا بأس به. قال في الفتاوى
الهندية (٥: ٣٥٤): ((واختلف العلماء في كراهة تعليق الجرس على الدواب. فمنهم من قال
بكراهته في الأسفار كلها، الغزو وغيره في ذلك سواء، وهذا القائل يقول بكراهة ذلك في
الحضر كما يقول بكراهته في السّفر، ويقول أيضاً بكراهة اتخاذ الجلاجل في رجل الصغير.
وقال محمد تَّقُ تعالى في السير الكبير: إنما يكره اتخاذ الجرس للغزاة في دار الحرب، وهو
المذهب عند علمائنا. رحمهم الله تعالى، لأن تعليق الجرس على الدوابّ إنما يكره في دار
الحرب لأن العدو يشعر بمكان المسلمين ... فعلى هذا قالوا إذا كان الركب في المفازة في دار
الإسلام يخافون من اللصوص، يكره لهم تعليق الجرس على الدواب أيضاً حتى لا يشعر بهم
اللصوص ... قال محمد كثُّ في السير: فأما ما كان في دار الإسلام فيه منفعة لصاحب الراحلة
فلا بأس به. قال: وفي الجرس منفعة جمّة، منها إذا ضل واحد من القافلة يلحق بها بصوت
الجرس، ومنها أن صوت الجرس يبعد هوام الليل عن القافلة، كالذئب وغيره، ومنها أن صوت
الجرس يزيد في نشاط الدواب، فهو نظير الحداء)).

١٥٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِسْمَاعِيلُ، يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ)).
(٢٨) - باب: كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير
٥٥١٥ - (١٠٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم؛ أَنَّ أَبَا بَشِيرِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ
فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ. قَالَ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ،ِهِ رَسُولاً - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَسِبْتُ
أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيِهِمْ - ((لاَ يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرِ قِلاَدَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلاَدَةٌ، إِلَّ قُطِعَتْ)).
(٢٨) - باب: كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير
١٠٥ - (٢١١٥) - قوله: (أن أبا بشير الأنصاري) قد ذكره الحاکم فیمن لا يعرف اسمه،
وقيل: اسمه قيس بن عبد الحرير، وهو صحابي عاش إلى ما بعد الستين وشهد الحرة ومات
بها. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل
(٣٠٠٥)، وأبو داود في الجهاد، باب في تقليد الخيل بالأوتار (٢٥٥٢).
قوله: (فأرسل رسول الله ( * رسولاً) قال ابن عبد البر: في رواية روح بن عبادة عن
مالك: ((أرسل مولاه زيداً)) قال ابن عبد البر: وهو زيد بن حارثة فيما يظهر لي، كذا في فتح
الباري (٦: ١٤١).
قوله: (قلادة من وتر) بفتح الواو، والتاء، وهو وتر القوس. قال ابن الجوزي: وفي
المراد بالأوتار ثلاثة أقوال: أحدها: إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسيّ، لئلا تصيبها العين
بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلاماً بأن الأوتار لا تردّ من أمر الله تعالى شيئاً. وهذا هو الذي اختاره
الإمام مالك تغلفُ كما هو مصرح في آخر الحديث. الثاني: لئلا تختنق الدابة بها عند الركض،
ويحكى ذلك عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وعن أبي عبيد ما يرجحه، فإنه قال:
(نهي عن ذلك، لأن الدواب تتأذى بذلك، ويضيق عليها نفسها ورعيها، وربما تعلقت بشجرة
فاختنقت أو تعوقت عن السير)). الثالث: أنهم كانوا يعلقون فيها الأجراس. ويدل عليه تبويب
البخاري.
وإن تقليد الوتر كما يكره في البعير، يكره في الخيل والحيوانات الأخرى كذلك فقد روى
أبو داود في كتاب الجهاد (رقم: ٢٥٥٣) من حديث أبي وهب الجشمي رفعه: ((ارتبطوا الخيل
وامسحوا نواصيها وأعجازها، وقلّدوها، ولا تقلدوها الأوتار)) وبهذا ظهر أيضاً أن الكراهة إنما
هي في تقليد الأوتار، لا في مطلق التقليد. ولذلك قال العيني في العمدة (٧: ٤٣): ((وعن
مالك: يختص الكراهة من القلائد بالوتر، ويجوز بغيرها إذا لم يقصد دفع العين. هذا كله في

١٥٧
كتاب: اللباس والزينة
قَالَ مَالِكٌ: أُرَىْ ذُلِكَ مِنَ الْعَيْنِ.
(٢٩) - باب: النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه
٥٥١٦ - (١٠٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: نَهَىْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ،
وَعَنِ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ.
تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه. فأمّا ما فيه ذكر الله فلا نهي عنه. فإنه إنما يجعل
للتبرك به والتعوذ في أسمائه وذكره. وكذلك لا نهي عما يعلق لأجل الزينة، ما لم يبلغ الخيلاء
أو السرف)).
قوله: (أو قلادة) يحتمل أن يكون شكّاً من الراوي، يعني أن الراوي يشكّ في أن الحديث
قيّد القلادة المكروهة بالمصنوعة من الوتر، أو عمّمه في كلّ قلادة. ويحتمل أيضاً أن يكون ((أو))
للتنويع، فيكون من باب التعميم من بعد التخصيص. والأول أرجح، بدليل ما روينا من حديث
أبي وهب عن أبي داود، فإنه صريح في جواز القلادة من غير الوتر.
(٢٩) - باب: النهي عن ضرب الحيوان في وجهه، ووسمه فيه
١٠٦ - (٢١١٦) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب النهي
عن الوسم في الوجه، والضرب في الوجه، (٢٥٦٤)، والترمذي في الجهاد، باب ما جاء في
كراهية التحريش بين البهائم، والضرب والوسم في الوجه، (١٧١٠).
قوله: (عن الضرب في الوجه) قال النووي: ((وأما الضرب في الوجه فمنهي عنه في كل
الحيوان المحترم، من الآدمي والحمير والخيل، والإبل، والبغال، والغنم وغيرها، لكنه في
الآدمي أشدّ، لأنه مجمع المحاسن مع أنه لطيف، لأنه يظهر فيه أثر الضرب، وربّما شانه،
وربما آذى بعض الحواس)). وقال الشيخ في بذل المجهود (١٢: ٦١): ((هذا في ضرب الوجه
خاصة. وأما ضرب غير الوجه فيجوز. قال الموفق: للمستأجر ضرب الدابة بقدر ما جرت به
العادة للاستصلاح ولحثها على السير ليلحق القافلة، وقد صح أن النبي وَ ◌ّ نخس بعير جابر رضي ◌ُه
وضربه، وكان أبو بكر يخرش بعيره بمحجنه. وللرائض ضرب الدابة للتأديب، وللمعلم ضرب
الصبيان للتأديب. ومن ضرب هؤلاء الضرب المأذون لم يضمن ما تلف بهذا في الدابة. به قال
مالك والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد. وقال الثوري وأبو حنيفة: يضمن. وكذلك قال
الشافعي في المعلم يضرب)).
قوله: (وعن الوسم في الوجه) الوسم: بفتح الواو وسكون السين المهملة، هو جعل
العلامة على الجسم بالكيّ. والوسم في الوجه منهى عنه بالإجماع، لهذا الحديث. ووسم

١٥٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٥١٧ - (٠٠٠) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛
أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِمِثْلِهِ.
٥٥١٨ - (١٠٧) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَغْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلَّهِ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ: (لَعَنَ
اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ)) .
٥٥١٩ - (١٠٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ نَاعِماً، أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةً حَدَّثُهُ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: وَرَأَىْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حِمَاراً مَوْسُوْمَ الْوَجْهِ فَأَنْكَرَ ذلِكَ. قَالَ:
فَوَاللَّهِ لاَ أَسِمُهُ إِلاَّ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ. فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيْهِ. فَهُوَ
أَوَّلُ مَنْ كَوَى الْجَاعِرَتَّيْنِ.
الآدمي حرام مطلقاً. أما وسم غير الوجه من غير الآدميّ فسيأتي حكمه في الباب اللاحق إن
شاء الله تعالى.
١٠٨ - (٢١١٨) - قوله: (أن ناعماً أبا عبيد الله) هو ناعم بن أُجَيْل (بضم الهمزة وفتح
الجيم) الهمداني المصري، من ثقات التابعين وفقهائهم، وهو من رجال مسلم والأربعة، وثقه
الجميع. وراجع التهذيب (١٠: ٤٠٣ و٤٠٤).
قوله: (أنه سمع ابن عباس يقول) هذا الحديث تفرد بإخراجه مسلم من بين الأئمة الستة،
وعزاه القاضي عياض إلى أبي داود أيضاً، وليس الحديث موجوداً في نسخ سننه الموجودة بين
أيدينا، فكأنه كان في نسخة أخرى.
قوله: (قال: فوالله لا أسمه) قال القاضي عياض: ((هو (يعني: قائل هذا القول) العباس بن
عبد المطلب. كذا ذكره في سنن أبي داود، وكذا صرح به في رواية البخاري في تاريخه. وهو
في كتاب مسلم مشكل يوهم أنه من قول النبي (وَلير)) وقال النووي: ((وقوله ((يوهم أنه من كلام
النبي ◌َّ)) ليس هو بظاهر فيه، بل ظاهره أنه من كلام ابن عباس. وحينئذ يجوز أن تكون القضية
جرت للعباس وابنه)).
قوله: (إلا في أقصى شيء من الوجه) يعني: في حصة من الجسد تكون أبعد من الوجه.
قوله: (فكوى في جاعرتية) قال النووي: ((الجاعرتان: حرفا الورك المشرفان مما يلي
الدبر)»، والكيّ معروف.

١٥٩
كتاب: اللباس والزينة
(٣٠) - باب: جواز وسم الحيوان غير الآدمي
في غير الوجه، وبدنه في نعم الزكاة والجزية
٥٥٢٠ - (١٠٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ
عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: لَمَّا وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمَ قَالَتْ لِي: يَا أَنَسُ، انْظُرْ هُذَا
الْغُلاَمَ. فَلاَ يُصِيبَنَّ شَيْئاً حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ وَِّّهِ يُحَنَّكُهُ. قَالَ فَغَدَوْتُ فَإِذَا هُوَ فِي
الْخَائِطِ. وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ حُوْيِيَّةٌ.
(٣٠) - باب: جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه إلخ
١٠٩ - (٢١١٩) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في الآداب، باب
استحباب تحنيك المولود، وأخرجه مفصلاً في فضائل أبي طلحة ده وأخرجه البخاري في
الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة (١٣٠١)، وفي الزكاة، باب وسم الإمام إبل
الصدقة بيده (١٥٠٢)، وفي العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه، وتحنيكه
(٥٤٧٠)، وفي الذبائح والصيد، باب الوسم والعلم في الصورة (٥٥٤٢)، وفي اللباس، باب
الخميصة السوداء (٥٨٢٤)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في وسم الدواب (٢٥٦٣).
قوله: (لما ولدت أم سليم) أي: عبد الله بن أبي طلحة، كما صرح به المصنف في باب
تحنيك المولود، والبخاري في الزكاة وهو ولد ولد لأم سليم وأبي طلحة بعد وفاة ابنهما الذي
أخفت أم سليم أمره على زوجها حتى واقعها في الليلة، وقال رسول الله وَّ ر لأم سليم: ((بارك
الله في ليلتكما)) أخرج المصنف ههنا ما يوافق الباب فقط.
قوله: (فلا يصيبنّ شيئاً إلخ) أي: فلا يأكلنّ شيئاً.
قوله: (فإذا هو في الحائط) وفي نسخة للبخاري في اللباس: ((في حائط له)) كما ذكره
الحافظ في الفتح (٩: ٥٩٠).
قوله: (وعليه خميصة حويتية) أما الخميصة، فهي الرداء، وأما الحويتية، فقد اختلفت
الروايات والنسخ في ضبط هذه الكلمة اختلافاً شديداً، فالمشهور أنه حويتية (بضم الحاء وفتح
الواو وكسر التاء وتشديد الياء) لكن قال ابن الأثير: ((لا أعرفها وطالما لما بحثت عنها، فلم
أقف لها على معنى)) وذكر النووي عن البعض أنه منسوب إلى حويت وهو اسم لقبيلة، وذكر
الحافظ في الفتح (١٠: ٢٨١) عن بعضهم أن الحويت تصغير للحوت، وشبهت الخميصة
بالحوت بحسب الخطوط الممتدة فيها. وفى بعض الروايات ((حَوْتَنِيّة)) بالتون بعد التاء، وفي
بعضها حونية، بفتح الحاء المهلة، وفي بعضها: ((حُريثية)) منسوبة إلى بني حريث، وفي بعضها:
((حَوْنَبِيّة)) بفتح الحاء والنون وكسر الباب بعدها، وفي بعضها: ((خُوَيثيّة)) بضم الخاء المعجمة،

٠٠
١٦٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهُوَ يَسِمُ الَّهْرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ.
٥٥٢١ - (١١٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يُحَدِّثُ؛ أَنَّ أُمَّهُ حِينَ وَلَدَتِ، انْطَلُّقُوا بِالصَّبِيِّ إِلَى
النَّبِيِّ وَ يُحَنِّكُهُ. قَالَ: فَإِذَا النَّبِيُّ نَّهِ فِي مِرْبَدٍ يَسِمُ غَنَماً. قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ
قَالَ: فِي آذَانِهَا .
وفتح الواو، وكسر الثاء، وفي بعضها: ((جَوْنية)) وفي بعضها: ((جُوَيْنِيّة))، وفي بعضها: ((خيبرية))،
وفي بعضها: ((حوتكية)).
وقال القاضي في المشارق: هذه الروايات كلها تصحيف إلا روايتي ((جونية)) بالجيم،
و((حريثية)) بالراء والمثلثة، فأما الجونية، فمنسوبة إلى بني جون، قبيلة من الأزد، أو إلى لونها
من السواد أو البياض أو الحمرة، لأن العرب تسمي كل لون من هذه الألوان جونا. ورجح
الحافظ في الفتح (١٠: ٢٨١) هاتين الروايتين، وأن المراد من الجونية السوداء ومن الحريثية
أنها كانت منسوبة إلى حريث، رجل من قضاعة، وهو الذي صنعها. والله سبحانه أعلم.
قوله: (وهو يسم الظّهر) الإبل، وفي بعض الروايات الآتية أنه لو كان يسم غنماً، وجمع
الحافظ بينهما بأنه 9 كان يسم الإبل والغنم جميعاً، فصادف أول دخول أنس وهو يسم شاة،
ثم رآه يسم غير ذلك. وراجع فتح الباري (٩ : ٦٧٢).
وقال الحافظ في زكاة الفتح (٣: ٣٦٧): ((وفي حديث الباب حجة على من كره الوسم من
الحنفية بالميسم، لدخوله في عموم النهي عن المثلة، وقد ثبت ذلك من فعل النبي وَّر، فدل
على أن مخصوص من العموم المذكور للحاجة، كالختان للآدمي)). وقال العيني في العمدة
(٤: ٤٦١): ((قلت: ذكر أصحابنا (يعني الحنفية) في كتبهم: لا بأس بكيّ البهائم للعلامة، لأنه
فيه منفعة، ولا بأس بكيّ الصبيان إذا كان لداء أصابهم، لأن ذاك مداواة)) فظهر أنه لا خلاف في
هذه المسألة بين الحنفية والشافعية.
وقال العيني أيضاً: ((قال قوم من الشافعية: الكتيّ مستحب في نعم الزكاة والجزية، وجائز
في غيرها، والمستحب أن يسم الغنم في آذانها، والإبل والبقر في أصول أفخاذها ... وفائدته
تمييز الحيوان بعضه من بعض، وليرده من أخذه، ومن التقطه يعرفه، وإذا تصدق به لا يعود إليه.
ويستحب أن يكتب في ماشية الزكاة ((زكاة)) أو ((صدقة)) ونقل ابن الصباغ وغيره إجماع الصحابة
على ذلك)).
١١٠ - (٠٠٠) - قوله: (في مربد) بكسر الميم وإسكان الراء وفتح الباء: موضع تحبس فيه
الإبل، وهو مثل الحظيرة للغنم. ويحتمل أن يكون أنس به أطلق المربد على حظيرة الغنم. أو
يكون رسول الله ثم أخرج الغنم إلى المربد للوسم. وأما ما وقع في الرواية السابقة من أنه وله