النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب: الأطعمة (٢٢) - باب: استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح، وإجابته لذلك ٥٢٩٦ - (١٤٦) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ. قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ عَلَّى أَبِي. قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَاماً وَوَظْبَةً. فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أَتِيَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَىُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ وَيَجْمَعُ السَّبَابَةَ وَالْوُسْطَى (قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّيِ. وَهُوَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِلْقَاءُ النَّوَىُ بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ). ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ. ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ. قَالَ: فَقَالَ أَبِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ. وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْخَمْهُمْ» . ٥٢٩٧ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَذَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَشُكّا فِي إِلْقَاءِ النَّوَىُ بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ . (٢٢) - باب: استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام إلخ ١٤٦ - (٢٠٤٢) - قوله: (عن عبد اللّه بن بسر) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأشربة، باب في النفخ في الشراب والتنفس فيه، (رقم: ٣٧٢٩)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في دعاء الضيف، (رقم: ٣٥٧٦). قوله: (ووطبة) بفتح الواو وسكون الطاء، وهو الصحيح، وفسره النضر بن شميل بأنها حيس يجمع التمر البرنيّ والأقط المدقوق والسمن. ورواه بعضهم ((رُطبة)) بضم الراء وفتح الطاء، وذكر الحميدي أنه تصحيف. ونقل القاضي عياض عن بعض الرواة (وَطِئة) بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة، وهي طعام يتخذ من التمر كالحيس. قوله: (ويلقي النوى بين إصبعيه) فسره الأكثرون بأنه ◌َلو كان يجمع النوى بين إصبعيه، ولا يلقيها في إناء التمر كي لا تختلط بالتمور، ولا يرميها على الأرض محافظة على نظافة المكان. وفسره ابن المنذر بأنه كان يجمعها بين أصابعه ليرميها بعد ذلك في محل مناسب. قوله: (قال شعبة: هو ظنّي) يعني: تردد شعبة، هل ذكر إلقاء النوى بين إصبعين موجود في هذا الحديث أو لا؟ ولم يشك في الرواية الآتية في ذلك. واليقين مقدم على الشك. ٤٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٣) - باب: أكل القثاء بالرطب ٥٢٩٨ - (١٤٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ الْهِلالِيُّ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا) إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ يَأْكُلُ الْفِئَّاءَ بِالرُّطَبِ. (٢٤) - باب: استحباب تواضع الآكل، وصفة قعوده ٥٢٩٩ - (١٤٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. كِلاَهُمَا عَنْ حَفْصِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ مُصْعَب بْنِ سُلَيْمٍ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍّ. قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ مُقْعِياً، يَأْكُلُ تَمْراً. (٢٣) - باب: أكل القّاء بالرطب ١٤٧ - (٢٠٤٣) - قوله: (عن عبد الله بن جعفر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأطعمة، باب القثاء بالرطب، (٥٤٤٠)، وباب القثاء، (٥٤٤٧)، وباب جمع اللونين أو الطعامين بمرة، (٥٤٤٩)، وأبو داود في الأطعمة، باب الجمع بين لونين في الأكل، (٣٨٣٥)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في أكل القثاء بالرطب، (١٨٤٤)، وابن ماجه في الأطعمة، باب القثاء والرطب يجمعان، (٣٣٦٨). قوله: (يأكل القثاء بالرطب) وعلله بعضهم بأن برودة القثاء تطفئ حرارة الرطب. وأخرج النسائي عن عائشة قالت: ((لما تزوجني النبي ◌ّر عالجوني بغير شيء، فأطعموني القّاء بالتمر، فسمنت عليه كأحسن الشحم)) ذكره الحافظ في الفتح (٩: ٥٧٣). وفي الحديث جواز الجمع بين النوعين من الطعام، وجواز التوسع في المطاعم. وقد أورد الحافظ هنا عدة أحاديث جمع فيها رسول الله ﴿ أنواعاً من المطعومات، ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك. وما نقل عن السلف من خلاف هذا فمحمول على الامتناع من اعتياد التوسع والترفه والاستكثار، أو على المجاهدة على سبيل العلاج، لا على أنه ممنوع منه شرعاً . (٢٤) - باب: استحباب تواضع الآكل، وصفة قعوده ١٤٨ - (٢٠٤) - قوله: (حدثنا أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب ما جاء في الأكل متكئاً، (٣٧٧١). قوله: (مقعياً) الإقعاء: أن يجلس الرجل على إليتيه وينصب ساقيه، وهي هيئة متواضعة للجلوس. وأخرج الترمذي هذا الحديث في الشمائل من طريق الفضل بن دكين بلفظ: ((وهو مُقْع من الجوع)) فدل على أن السبب في الإقعاء هو الجوع. ولعل بيان السبب إدراج من أحد الرواة. ٤٣ كتاب: الأطعمة ٥٣٠٠ - (١٤٩) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: أُتِيَ وعلّل الأكثرون الإقعاء بأنه كان تواضعاً منه وَّه واستعجالاً للفراغ من الأكل ليتوجه بعد ذلك إلى شغله. وأخرج ابن حبان من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ ليم قال: ((أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». ودل الحديث على أن المرء ينبغي له أن يجلس على الطعام جلوساً متواضعاً ويجتنب هيئة المتكبرين. ولذلك ورد قوله وَ﴾: ((أما أنا، فلا آكل متكئاً)) أخرجه البخاري وغيره. وقال الخطابي في معالم السنن (٥: ٣٠١): ((يحسب أكثر العامة أن المتكئ هو المائل المعتمد على أحد شقيه، لا يعرفون غيره. وكان بعضهم يتأول هذا الكلام على مذهب الطبّ ودفع الضرر عن البدن، إذ كان معلوماً أن الآكل على أحد شقيه لا يكاد يسلم من ضغط يناله في مجاري طعامه، فلا يسيغه، ولا يسهل نزوله معدته. وليس معنى الحديث ما ذهبوا إليه. وإنما المتكئ ههنا: هو المعتمد على الوطاء الذي تحته. وكل من استوى قاعداً على وطاء فهو متكئ. والاتكاء مأخوذ من الوكاء، ووزنه الافتعال منه. فالمتكئ هو الذي أوكى مقعدته وشدّها بالقعود على الوطاء الذي تحته. والمعنى أني إذا أكلت لم أقعد متمكناً على الأوطية والوسائد. فعلَ من يريد أن يستكثر من الأطعمة ويتوسع في الألوان، ولكني آكل عُلقة، وآخذ من الطعام بُلغة، فیکون قعودي مستوفزاً له)). وقد ذكر العيني في العمدة (٩: ٦٧٠) عن أبي العباس بن عاص أنه من خصائص النبي ◌َّر؛ ثم رده بحديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله وضّله: لا تأكل متكئاً. أخرجه الطبراني، ورجال إسناده ثقات. وقال البيهقي: قد يكره أيضاً لأنه من فعل المتعظمين. ولكن أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٨: ١٢٤) عدة آثار عن ابن عباس وخالد بن الوليد وعطاء وابن سيرين، وعبيدة السلماني أنهم أكلوا متكئين، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٠ : ٤١٦) عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأساً بالأكل والرجل متكئ. وأخرج ابن أبي شيبة (٨: ١٢٦) عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا تكأة مخافة أن تعظم بطونهم. فيتحصل بمجموع هذا أن الأكل متكئاً إن كان للتكبير فهو ممنوع مطلقاً، وإن كان لعذر فهو جائز بدون كراهة، وإن كان للارتياح والتمكن من استكثار الطعام، فهو خلاف الأولى. وذكر العلماء أن أدب الطعام أن يجلس الرجل جائياً على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب الرجل اليمنى ويجلس على اليسرى. ذكره العيني في العمدة، والحافظ في الفتح (٩: ٥٤٢) أما الجلوس متربعاً بدون إسناد الظهر إلى ما خلفه، أو الميلان على أحد الشقين، فالظاهر أنه جائز بدون كراهة، لعدم ما يدل على كراهته. أما ما ذكره الخطّابي من إدخاله في الاتكاء، فلم أره عند غيره، ولئن صح فإنه يمكن أن يكون هذا من خصائص النبي وَلل . ٤٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِتَمْرِ. فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَّهِ يَقْسِمُهُ وَهُوَ مُخْتَفِزٌ. يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلاً ذَرِيعاً. وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: أَكْلاً حَشِيثاً . (٢٥) - باب: نهي الأكل مع جماعة، عن قران تمرتين ونحوهما في لقمة، إلا بإذن أصحابه ٥٣٠١ - (١٥٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ. وَكُنَّا نَأْكُلٌ فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ. فَيَقُولُ: لاَ تُقَارِنُوا. فَإِنَّ ١٤٩ - (٠٠٠) - قوله: (وهو محتفز) أي مستعجل مستوفز غير متمكن في جلوسه. وقوله: (ذريعاً) أي سريعاً، وقوله: (حثيثاً) بمعناه. (٢٥) - باب: نهي الآكل مع جماعة عن قران تمرتين ونحوهما إلخ ١٥٠ - (٢٠٤٥) - قوله: (جبلة بن سحيم) بفتح الجيم والباء. وهذا الحديث أخرجه البخاري في الأطعمة، باب القران في التمر (٥٤٤٦)، وفي المظالم، باب إذا أذن إنسان لآخر شيئاً جاز، (٢٤٥٥)، وفي الشركة، باب القران في التمر بين الشركاء (٢٤٩٠)، وأخرجه أبو داود في الأطعمة، (٣٨٣٤)، والترمذي في الأطعمة، (١٨١٥)، وابن ماجه في الأطعمة، باب النهي عن قران التمر، (٣٣٧٤). قوله: (يرزقنا التمر) أي يعطينا التمر في أرزاقنا، وهو القدر الذي يصرف لهم كل سنة من مال الخراج وغيره بدل النقد تمراً، لقلة النقد إذ ذاك بسبب المجاعة التي حصلت. كذا في فتح الباري (٩: ٥٧٠). قوله: (أصاب الناس يومئذ جهد) بفتح الجيم، أي مشقة، وهو بضم الجيم بمعنى الجدّ والسعي. والمراد بالمشقة هنا القحط وهو مصرح في رواية البخاري في الأطعمة، ولفظها: ((أصابنا عام سنة مع ابن الزبير، فرزقنا تمراً)) والمراد في عهد خلافته بالحجاز. قوله: (لا تقارنوا) والمراد الجمع بين تمرتين في لقمة واحدة إذا كان الرجل يأكل مع جماعة. وقال النووي: ((واختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب. فنقل القاضي عياض عن أهل الظاهر أنه للتحريم، وعن غيرهم أنه للكراهة والأدب. والصواب التفصيل. فإن كان الطعام مشتركاً بينهم فالقران حرام إلا برضاهم، ويحصل الرضا بتصريحهم به أو بما يقوم مقام التصريح من قرينة حال أو إدلال عليهم كلهم بحيث يعلم يقيناً أو ظنًّا قويًّا أنهم يرضون به، ومتى شك في رضاهم فهو حرام. وإن كان الطعام لغيرهم، أو لأحدهم، اشترط رضاه وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام. وإن كان الطعام لغيرهم، أو لأحدهم، اشترط رضاه ٤٥ كتاب: الأطعمة رَسُولَ اللّهِ وَهِ نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ. إِلَّ أَنْ يَسْتَأُذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. قَالَ شُعْبَةُ: لاَ أُرَىُ هُذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّ مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ. يَعْنِي الإِسْتِئْذَانَ. ٥٣٠٢ - (٠٠٠) وحدّثناه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةً، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا، قَوْلُ شُعْبَةً. وَلاَ قَوَّلُهُ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ. ٥٣٠٣ - (١٥١) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْم. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ الَّمْرَتَيْنِ. حَتَّىَّ يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. وحده، فإن قرن بغير رضاه فحرام. ويستحب أن يستأذن الآكلين معه ولا يجب، وإن كان الطعام لنفسه وقد ضيّفهم به فلا يحرم عليه القران. ثم إن كان في الطعام قلة فحسن أن لا يقرن لتساويهم، وإن كان كثيراً بحيث يفضل عنهم فلا بأس بقرانه، لكن الأدب مطلقاً التأدب في الأكل وترك الشّرَه، إلا أن يكون مستعجلاً ويريد الإسراع لشغل آخر)). وقال الخطابي: إنما كان هذا في زمنهم وحين كان الطعام ضيقاً، فأما اليوم مع اتساع الحال فلا حاجة إلى الإذن. وربما يتأيد قوله بما أخرجه البزار والطبراني في الأوسط عن بريدة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّر: ((كنت نهيتكم عن الإقران في التمر، فإن الله قد وسع عليكم فاقرنوا)) ولكن في سنده يزيد ابن بزيغ، ضعفه يحيى بن معين والدارقطني، كما في عمدة القاري (٩: ٧٠٠). ولذلك رد النووي وغيره قول الخطابي بأن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب. قوله: (نهى عن الإقران) كذا ورد في كثير من الروايات، والمعروف في اللغة (القرن) و(القران) ثلاثياً مجرداً، وبه وردت بعض الروايات. وأما الإقران فهو في اللغة، الاطاقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُفْرِينَ﴾، وحكى ابن الأثير أن الإقران ربما يأتي بمعنى القران. قوله: (إلا أن يستأذن الرجل أخاه) وقد صرح شعبة في آخر هذه الرواية أن هذا الاستثناء إدراج من ابن عمر، وأطال الحافظ في الفتح (٩: ٥٧٠) في تحقيقه، ووصل إلى أن هذا الاستثناء مروي عن ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً، فتارة رواه ابن عمر عن رسول الله وَ له وتارة أفتى به. وقد صح هذا الاستثناء عن النبي وَل* مرفوعاً في غير حديث ابن عمر، ومنه حديث أبي هريرة عند البزار: ((قسم رسول الله وَلتر تمراً بين أصحابه، فكان بعضهم يقرن، فنهى رسول الله وَله أن يقرن إلا بأذن أصحابه». وراجع الفتح للتفصيل. ٤٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٢٦) - باب: في إدخال التمر ونحوه من الأقوات للعيال ٥٣٠٤ - (١٥٢) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلى الله وسلم قَالَ: ((لاَ يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ)). ٥٣٠٥ _ (١٥٣) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ طَحْلاَءَ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((يَا عَائِشَةُ! بَيْتٌ لاَ تَمْرَ فِيهِ، جِيَاعٌ أَهْلُهُ. يَا عَائِشَةُ! بَيْتٌ لاَ تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ. أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ )) قَالَهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًاً. (٢٧) - باب: فضل تمر المدينة ٥٣٠٦ - (١٥٤) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ (٢٦) - باب: في إدخال التمر ونحوه من الأقوات للعيال ١٢٥ - ٢٠٤٦) - قوله: (عن عائشة) أخرجه أيضاً أبو داود في الأطعمة، باب في التمر، (٣٨٣١)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في استحباب التمر، (١٨٥١)، وابن ماجه في الأطعمة، باب التمر، (٣٣٧٠). قوله: (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر) وفي الرواية الأخرى: ((بيت لا تمر فيه جياع أهله)» وفيه فضيلة التّمر، وجواز ادخاره للأهل. ١٥٣ - (٠٠٠) - قوله: (يعقوب بن محمد بن طحلاء) بفتح الطاء وسكون الحاء، أبو يوسف مولى بني ليث، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي، وهو من أفراد مسلم، ليس له عند مسلم إلا هذا الحديث. وراجع التهذيب (١١: ٣٩٥). قوله: (عن أمه) يعني: أم أبي الرجال، وهي عمرة بنت عبد الرحمن، تقدم ترجمتها وترجمة أبي الرجال وأنه لقب بذلك لما كان له عشرة أولاد كلهم ذكور، وكلهم رواة حديث. (٢٧) - باب: فضل تمر المدينة ١٥٤ - (٢٠٤٧) - قوله: (عن أبيه) يعني سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه، وأخرجه البخاري في الطبّ، باب الدواء بالعجوة للسحر، (٥٧٦٨ و٥٧٦٩) وباب شرب السمّ والدواء به وبما يخاف منه، (٥٧٧٩)، وفي الأطعمة، باب العجوة، (٥٤٤٥)، وأبو داود في الطب، باب تمرة العجوة (٣٨٧٥ و٣٨٧٦). ٤٧ كتاب: الأطعمة رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ قَالَ: ((مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ، مِمَّا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا، حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ سُمّ حتى يُمْسِي». ٥٣٠٧ - (١٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنٍ هَاشِمٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعْداً يَقُولُ: سَمِعْتُّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ، عَجْوَةً، لَمْ يَضُرَّهُ ذُلِكَ الْيَوْمَ سُمِّ وَلاَ سِخْرٌ)). ٥٣٠٨ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ. ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ. كِلاَهُمَا عَنْ هَاشِمٍ بْنِ هَاشِمِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، عَنِ النَِّّ وَه مِثْلَهُ. وَلاَ يَقُولَانِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ. ٥٣٠٩ - (١٥٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَابْنُ حُجْرِ (قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ، قوله: (ممّا بين لابتيها) أي: لابتي المدينة، وإرجاع الضمير إليها بدون ذكرها لحضورها في الذهن. واللابتان: الحرتان. وقد تقدم مراراً أن المدينة المنورة ربما يعبر عنها بما بين اللابتين. ودل هذا اللفظ على أن الفائدة المذكورة للتمر إنما هي مختصة بتمر المدينة دون غيرها، وقيّده في الرواية الآتية بالعجوة، وهي أجود نوع من التمر بالمدينة غرسها رسول الله وَالة بيده الشريفة كما ذكره الحافظ في الفتح (٢٠: ٢٣٨)، وهي أكبر من الصيحاني، تضرب إلى السواد فيها لين. قوله: (لم يضرّه سمّ) بفتح السين وهو أفصح، وقد وجّهه بعضهم بأن السمّ والسّحر إنما يضّران لبرودتهما، فإذا داوم الرجل على التصبح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، فتقاوم بردودة السمّ. وأطال في ذلك عياض، كما في شرح الأبي. وقال ابن القيم كثّهُ: ((والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية لما فيه من الجوهر الحار الرطب، وأكله على الريق يقتل الديدان لما فيه من القوة الترياقية، فإذا أديم أكله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه وقتله)). ولكن هذه التوجيهات ليس فيها خصوصية لتمر المدينة أو لعجوتها، مع أن سياق الحديث يقتضي التخصيص، فلذلك قال الخطابي: ((كون العجوة تنفع من السم والسحر إنما هو ببركة دعوة النبي ◌َّ لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر)) وقال بعضهم: إنه كان خاصاً بنخل بالمدينة لا يعرف الآن، وقيل: كان خاصاً بزمنه وَله. والأصح أنه عام لكل عجوة بالمدينة. وأما تقييده بسبع تمرات فلا يعلم سرّه إلا الله تعالى، ومن ذكر لذلك سرًّا، فلا يعدو أن يكون ظنًّا وتخمينا. والله سبحانه أعلم. ٤٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءٌ، أَوْ إِنَّهَا تِزْيَاقُ، أَوَّلَ الْبُكْرَةِ». (٢٨) - باب: فضل الكماة، ومداواة العين بها ٥٣١٠ - (١٥٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((الْكَمْأَةُ ١٥٦ - (٢٠٤٨) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث لم يخرجه غير المصنف من الأئمة الستة . قوله: (إن في عجوة العالية) والعالية: القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد. وأدنى العالية ثلاثة أميال وأبعدها ثمانية من المدينة. قوله: (إنها ترياق) بكسر التاء وقد تضم، وقد يقال: درياق أو طرياق، وهو دواء مركب معروف يعالج به المسموم. فأطلق على العجوة اسم الترياق تشبيهاً لها به، وقد وقع في رواية لحديث سعد عند البخاري في الطب: ((لم يضرّه سمّ ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل)) فأفاد أن أكل العجوة يظلّ مفيداً طول النهار، وظاهره أن تأثيره ينقطع بدخول الليل، والله سبحانه أعلم. (٢٨) - باب: فضل الكمأة ومداواة العين بها ١٥٧ - (٢٠٤٩) - قوله: (عن سعيد بن زيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة البقرة، باب قول الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَقَ﴾ (٤٤٧٨)، وفي تفسير سورة الأعراف، باب المن والسلوى، (٤٦٣٩)، وفي الطبّ، باب المنّ شفاء للعين، (٥٧٠٨)، والترمذي في الطبّ، باب الكمأة والعجوة، (٢٠٦٧)، وابن ماجه في الطب، باب الكمأة والعجوة، (٣٤٩٨). وسعيد بن زيد هذا أحد العشرة المبشرة، وهو زوج أخت عمر رضي الله عنه وحفيد عمّه، والصحيح أن هذا الحديث من روايته، ورواه عطاء بن السائب عن عمرو بن حريث عن أبيه، كما أخرجه مسدد في مسنده وابن السكن في الصحابة، والدارقطني في الأفراد. وقيل: كان سعيد بن زيد تزوج أم عمرو بن حريث، فكأنه قال: ((حدثني أبي))، وأراد زوج أمه مجازاً، فظنه الراوي أباه حقيقة، كذا في فتح الباري. قوله: (الكمأة) بفتح الكاف وسكون الميم، وجمعه كمأ. وعكس ابن الأعرابي فقال: الكمأ مفرد والكمأة جمع على خلاف القياس. وقيل: الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤ. وهي نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في الأرض من غير ٤٩ كتاب: الأطعمة مِنَ الْمَنِّ. وَمَا ؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). أن تزرع ويقال لها في الأردية ((كهمبي)) أو ((سانب كي جهتري)) وفي الإنكليزية (Mushroom) ومادة الكمأة من جوهر أرضي بخاري يحتقن نحو سطح الأرض ببرد الشتاء، وينميه مطر الربيع، فيتولد ويندفع متجسداً، ولذلك كان بعض العرب يسميها جدريّ الأرض تشبيهاً لها بالجدريّ مادة وصورة، لأن مادته رطوبة دموية تندفع غالباً عند الترعرع وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة. ومشابهتها له في الصورة ظاهر. وقيل: سميت بالكمأة لاستتارها، يقال: ((كمأ الشهادة)) إذا كتمها . قوله: (من المنّ) في تفسيره ثلاثة أقوال. ١ - المراد به المنّ الذي أنزل على بني إسرائيل في عهد موسى عظللا. والمعنى أن الكمأة جزء من المنّ النازل عليهم، ولا يعارض ما روي أن المنّ كان كالطل الذي يسقط على الشجر، ومنه الترنجبين، فإنه يحتمل أن يكون المنّ أنواعاً، منها ما يسقط على الشجر ومنها الترنجبين، ومنها ما يخرج من الأرض فتكون الكمأة منه، وبه جزم عبد اللطيف البغدادي، وذكره الخطابي احتمالاً . ٢ - المراد به المنّ الذي أنزل على بني إسرائيل، ولكن ليس المعنى أن الكمأة عينه، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي، فهو بمنزلة المنّ الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه. وإنما نالت الكمأة هذا الثناء، لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهة. وهذا ما جزم به الخطابي في أعلام الحديث (٣: ١٧٩٩ و١٨٠٠). ويؤيد هذين التفسيرين ما سيأتي من رواية الحسن في حديث الباب بلفظ ((الكمأة من المن الذي أنزل الله تبارك وتعالى على بني إسرائيل)). ٣ - المراد من (المنّ) معناه اللغوي، والمعنى: أنها من المنّ الذي امتنّ الله به على عباده عفواً بغير علاج. والمن مصدر بمعنى المفعول أي ممنون به، وإن جميع نعم الله تعالى، وإن كانت منّا منه تعالى على عبيده، غير أن ما ليس فيه شائبة كسب كان منّا محضاً، والكمأة منه، لأنها توجد بدون أية مؤونة. واختار هذا القول أبو عبيد وجماعة. وسبب هذا الحديث ما أخرجه الطبري من طريق ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: (كثرت الكمأة على عهد رسول الله وَ الر، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هي جدريّ الأرض، فبلغه ذلك فقال: إن الكمأة ليست من جدريّ الأرض، ألا: إن الكمأة من المنّ)) ذكره الحافظ في فتح الباري (١٠: ١٦٣ و١٦٤). وأخرج الترمذي (٢٠٦٨) عن أبي هريرة أن ناساً من أصحاب النبي ◌َّير قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال النبي ◌ُّ: الكمأة من المنّ. قوله: (وماؤها شفاء للعين) في المراد بكونها شفاء للعين أقوال أربعة: 1 ٥٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٣١١ - (١٥٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ١ - قال الخطابي في شرحه للبخاري (٣: ١٨٠): ((وقوله: وماؤها شفاء للعين، فإنما هو بأن يربّي به الكحل أو التّوتياء ونحوهما مما يكتحل به، فينتفع بذلك، وليس بأن يؤخذ بحتاً فيكتحل ويتداواى به، لأن ذلك يؤذي العين ويقذيها)) وهو الذي اختاره ابن الجوزي ويؤيده ما حكاه الحافظ من قول الغافقي في المفردات: ((ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به، فإنه يقوي الجفن ويزيد البصر قوة ويدفع عنها النوازل. ٢ - واختار النووي تغذَفُ أن ماءها مجرداً شفاء للعين مطلقاً، فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه. قال: ((وقد رأيت أنا وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة، فكحل عينه بماء الكمأة مجرداً، فشفى وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الأيمن الكمال بن عبد الله الدمشقي صاحب صلاح ورواية للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقاداً في الحديث وتبركاً به)) . ولكن يخالفه ما حكى إبراهيم الحربي عن صالح وعبد اللّه ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما، فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بماءها، فهاجت أعينهما ورمدا. وحكى ابن الجوزي عن شيخه أبي بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة فاكتحل به فذهبت عينه. ذكر القصتين الحافظ في الفتح (١٠: ١٦٥) ثم علّق على قول النووي بأن استعمال الماء الصرف ينبغي أن لا يكون إلا ممن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث والعمل به، كما يشير إليه آخر كلام النووي. ٣ - اختار ابن العربي أن في التداوي بماء الكمأة تفصيلاً. وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة فتستعمل مفردة، وإن كان لغير ذلك، فتستعمل مركبة. وحكاه القاضي عياض عن بعض الأطباء أيضاً . ٤ - والقول الرابع: إن المراد من الماء هنا ليس الماء الذي يعصر من الكمأة، ولكنه الماء الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع على الأرض فتربى به الأكحال. حكاه ابن الجوزي عن أبي بكر بن عبد الباقي . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما القول الرابع فهو أضعف الأقوال، كما قال ابن القيم. وأما الأقوال الثلاثة الأولى، فكلها محتملة. وإن الحديث إنما بيّن أن ماء الكمأة مفيد للعين، وبما أن النبي وَ الر لم يبعث لبيان الحقائق الطبية، فإنه لم يذكر طريق استعمال هذا الماء وأنه هل يستعمل مفرداً، أو مركباً مع غيره؟ فلا يُنسب أحد من الطرق المحتملة إلى النبي وَّه على سبيل القطع. فربّما يفيد بمفرده، وربّما يفيد مركباً مع غيره، ويمكن أن يفيد في بعض الأمراض دون بعضها، كما يمكن أن تكون بعض أنواعها نافعة، وبعضها ضارَة، فلا ينبغي أن ينسب إلى النبي ◌ّلو إلّا ما ذكره هو بنفسه، وهو أن ماء الكمأة شفاء للعين، ويصدق ذلك بكونه ٥١ كتاب: الأطعمة عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ . قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنَّ. وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)) . ٥٣١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَبِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِهِ. قَالَ شُعْبَةُ: لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ٥٣١٣ - (١٥٩) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكَم، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الَّمَنِّ، الَّذِي أَنْزَّلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)) . ٥٣١٤ - (١٦٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْحَكُم بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الشَِّّ نَِّ قَالَ: ((الْكَمْأَةً مِنَ الْمَنَّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى. وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). ٥٣١٥ - (١٦١) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ . شفاء في الجملة. ولم يقل النبي 98ّ إنها شفاء في كل مرض، ولا أنها تفيد كل إنسان في كل مكان. فينبغي للعامّة أن يراجعوا الأطبّاء ليصفوا لكل مريض ما يلائم أحوال مرضه. نعم! ينبغي للأطباء أن يستفيدوا بهذا الحديث في تجاربهم، ويستخرجوا التفاصيل بها . ثم إنّ هذا الكلام إنما كان من حيث الأسباب الظاهرة، ولكن لا يخفى أن الشفاء الحقيقي ليس إلا بيد الله سبحانه وتعالى، وإنما الأدوية أسباب محضة ليست تنفع بنفسها ولا تضرّ بنفسها، فإن اعتقد رجل أن قول النبي ومدير عامّ لكل كمأة، ولكل مرض، ولكل إنسان، فاستعمل ماء الكمأة في مرض لا يراها الأطباء نافعة فيه، ونوى اتباع النبي وَل وحصول الشفاء به بقوة اعتقاده، فلا يبعد أن يجعلها الله شفاء له خاصة على الرغم مما يقوله الأطبّاء، لأنّهم لا يتكلمون إلّا عن الأسباب الظاهرة، وأن قدرة الله تعالى وحكمته ورحمته فوق هذه الأسباب بكثير. ومن هنا قال ابن القيّم تغلفُ: ((استعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنيّته، والعكس بالعكس)) حكاه الحافظ في الفتح. (٠٠٠) - قوله: (عن الحسن العرنيّ) بضم العين وفتح الراء، منسوب إلى عرينة، وهو الحسن بن عبد الله العرني البجلي الكوفي، وثقة أبو زرعة والعجلي وابن سعد، وروى عنه الجماعة إلا الترمذي، وراجع التهذيب (٢: ٢٩٠ و٢٩١). ٥٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّه: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنَّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)) . ٥٣١٦ - (١٦٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شَبِيبٍ. قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبِ. فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ غُمَيْرٍ. قَالَ: فَلَقِيْتُ عَبْدَ الْمَلَكِ. فَحَدُّثَنِي عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ. قَالَ: قَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنَّ. وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ)). (٢٩) - باب: فضيلة الأسود من الكباث ٥٣١٧ - (١٦٣) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ بِمَرِّ الظّهْرَانِ. وَنَحْنُ نَجْنِي الْكَبَاثَ. فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ)) قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيْتَ الْغَنَّمَ. قَالَ: ((نَعَمْ. وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ رَعَاهَا)) أَوْ نَحْوَ هُذَا مِنَ الْقَوْلِ. (٢٩) - باب: فضيلة الأسود من الكباث ١٦٣ - (٢٠٥٠) - قوله: (عن جابر بن عبد اللّه) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب يَعْكُفُوْنَ عَلى أَصْنَامِ لَهُمْ، (٣٤٠٦)، وفي الأطعمة، باب الكبات (٥٤٥٣). قوله: (بمرّ الظهران) مرّ الظهران بفتح الميم وتشديد الراء، موضع معروف على مرحلة من مكة . قوله: (نجني الكباث) بفتح الكاف وتخفيف الباء، هو النضيج من ثمر الأراك، وما يبس منه فهو برير، بوزن حرير، وفسّره البخاري بورق الأراك، ولكن خطأه في ذلك الأكثرون، وقالوا: هو ثمر الأراك، وقال أبو زياد: ((يشبه التين يأكله الناس والإبل والغنم)) وقال أبو عمرو: هو حارّ كأن فيه ملحاً. ذكره الحافظ في الفتح (٩: ٥٧٦). قوله: (كأنك رعيت الغنم) يعني: معرفتك بأطيب نوع من الكباث تدل على أنك رعيت الغنم، لأن راعي الغنم يكثر تردده تحت الأشجار لطلب المرعى منها والاستظلال تحتها . قوله: (وهل من نبيّ إلّ وقد رعاها) وأخرج النسائي من حديث نصر بن حزن، قال: (افتخر أهل الإبل وأهل الغنم، فقال رسول الله وَل: بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت أنا وأرعى غنم أهلي بجياد)» والحكمة في رعي الأنبياء الغنم قبل النبوة ٥٣ كتاب: الأطعمة (٣٠) - باب: فضيلة الخل، والتأدم به ٥٣١٨ - (١٦٤) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَهُ قَالَ: ((نِعْمَ الأُدُمُ، أَوِ الإِدَامُ، الْخَلُّ)). ٥٣١٩ - (١٦٥) وحدّثناه مُوسَى بْنُ قُرَيْشِ بْنِ نَافِعِ التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أن يتدربوا على التواضع ويتمرنوا على ما يكلّفون في المستقبل من القيام بأمر أمتهم، ولأن بمخالطتها يحصل لهم الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها، وجمعها بعد تفرقها، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا لضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك. وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر. كذا في إجارة فتح الباري (٤ : ٤٤١). (٣٠) - باب: فضيلة الخلّ والتأدم به ١٦٤ - (٢٠٥١) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في الخل، (١٨٤٠)، وابن ماجه في الأطعمة، باب الايتدام بالخلّ (٣٣٥٩ و٣٣٦١). قوله: (نعم الأدم أو الإدام) الأدم بضم الهمزة والدال، والإدام بكسر الهمزة، وهو ما يؤتدم به، والأدم جمعه، ككتاب وكتب، والأدم بفتح الهمزة وسكون الدال بمعنى الإدام. يقال: أدم الخبز يأدمه، بكسر الدال أي صبغه أو خلطه بما يؤكل بالخبز. قوله: (الخلّ) فيه مدح للخلّ وأنه من أفضل أنواع الإدام. وذهب الخطابي والقاضي عياض إلى أن المقصود من هذا الحديث الحث على الاقتصار في المأكل على أبسط أنواعه ومنع النفس عن ملاذّ الأطعمة، فتقدير الحديث: ائتدموا بالخلّ وما في معناه مما تخفّ مؤنته ولا يعز وجوده، ولا تتأنقوا في الشهوات، فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن)). ولكن تعقبهما النووي بأن قصد الحديث مدح للخل بنفسه، ولذلك قال جابر: ((فما زلت أحبّ الخلّ منذ سمعتها من النبي ◌َّر، فهو كقول أنس: ما زلت أحب الدباء)) وتأويل راوي الحديث أولى بالقبول من تأويل غيره . ١٦٥ - (٠٠٠) - قوله: (موسى بن قريش بن نافع التميميّ) هو البخاري، وهو معاصر لمحمد بن إسماعيل البخاري، مات قبله، ولم يخرج حديثه أحد من الأئمة الستة إلا مسلم تَّتُهُ، وراجع التهذيب (١٠ : ٣٦٦). ٥٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صَالِحِ الْوُحَاظِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((نِعْمَ الأُمُ)) وَلَمْ يَشُكَّ. ٥٣٢٠ - (١٦٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدُمَ. فَقَالُوا: مَاعِنْدَنَا إِلَّ خَلٌّ. فَدَعَا بِهِ. فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: ((نِعْمَ الْأَدُمُ الْخَلُّ. نِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ». ٥٣٢١ - (١٦٧) حدّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَذَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ) عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ. حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ نَافِع؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِيَدِي، ذَاتَ يَوْمٍ، إِلَى مَنْزِلِهِ. فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ فِلَقَاً مِنْ خُبْزٍ. فَقَالَ: «مَامِنْ أَدُم؟)) فَقَالُوا: لاَ. إِلَّ شَيْءٌ مِنْ خَلِّ. قَالَ: ((فَإِنَّ الْخَلَّ نِعْمَ الأُدُمُ» . قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ وَِّ، وَقَالَ طَلْحَةُ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ الْخَلَّ مُنْذُ سَمِعْتُهَا مِنْ جَابِرٍ . ٥٣٢٢ - (١٦٨) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِيِ. حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نَافِع. حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَخَذَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلِيَّةَ. إِلَى قَوْلِهِ: ((فَنِعْمَ الأُدُمُ الْخَلُّ)) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. ٥٣٢٣ - (١٦٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ. حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، طَلْحَةُ بْنُ نَافِعِ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً فِي دَارِي. فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ بََّ. فَأَشَارِ إِلَيَّ. فَقُمْتُ إِلَيْهِ. فَأَخَذَ قوله: (الوحاظي) بضم الواو، وقد مرّ ترجمته. ١٦٦ - (٢٠٥٢) - قوله: (عن جابر بن عبد اللّه) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب في الخلّ (٣٨٢٠)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في الخلّ (١٨٣٩ و١٨٤٢)، والنسائي في الأيمان، باب إذا حلف أن لا يأتدم فأكل خبزاً بخلّ، (٣٧٩٦)، وابن ماجه في الأطعمة، باب الايتدام بالخلّ، (٣٣٦٠). ١٦٧ - (٠٠٠) - قوله: (أخذ رسول الله وَلقول بيدي) فيه أخذ الرجل بيد صاحبه في تماشیهما . قوله: (فأخرج إليه فِلقاً) قال النووي: معناه: أخرج الخادم ونحوه. قلت: ويحتمل أن يكون فيه التفات من صيغة المتكلم إلى ضمير الغائب، فيمكن إرجاع ضمير (إليه) إلى جابر، وضمير الفاعل في (أخرج) إلى رسول الله وَ ل *. والفِلَق، بكسر الفاء وفتح اللام، جمع فِلقَة، ککسرة وزناً ومعنى. ٥٥ كتاب: الأطعمة بِيَدِي. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَى بَعْضَ حُجَرٍ نِسَائِهِ. فَدَخَلَ. ثُمَّ أَذِنَ لِي. فَدَخَلْتُ الْحِجَابَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: ((هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ. فَأَتِيَ بِثَلاثَةِ أَقْرِصَةٍ. فَوُضِعْنَ عَلَى نَبِيِّ. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَ قُرْصاً فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَأَخَذَ قُرْصاً آخَرَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثْنَيْنٍ. فَجَعَلَ نِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَنِصْفَهُ بَيْنَ يَدَيَّ. ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ مِنْ أَدُم؟)) قَالُوا: لاَ. إِلَّ شَيْءٍ مِنْ خَلِّ. قَالَ: ((هَاتُوهُ. فَنِعْمَ الأَدُ هُوَ)). (٣١) - باب: إباحة أكل الثوم، وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه، وكذا ما في معناه ٥٣٢٤ - (١٧٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). قَالاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهَ، إِذَا أُنِيَ بِطَعَامٍ، أَكَلَ مِنْهُ وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ. ١٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (فدخلت الحجاب عليها) أي: دخلت الحجاب إلى الموضع الذي فيه المرأة، وليس في الحديث أنه رآها فيحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب، ويحتمل أن يكون بعده، وتكون قد استترت في جهة منه. كذا قال القاضي عياض. قوله: (فوضعن على نبيّ) كذا وقع هنا بفتح النون وكسر الباء، وتشديد الياء، معناه هنا : مائدة من خوص، قال ثعلب: النبيّ شيء مدور من خوص. وضبطه بعض الرواة (بَتهيّ) بفتح الباء وكسر التاء، وهو كساء من وبر أو صوف، ولعله منديل يوضع عليه الطعام. وضبطه الطبري (بُنِيّ) بضم الباء وكسر النون وتشديد الياء، وصوبه الكسائي، وهو طبق من خوص. هذا ملخص ما في شرح النووي والأبي. (٣١) - باب: إباحة أكل الثوم، وأنه ينبغي لمن أراد خطاب الكبار تركه إلخ ١٧٠ - (٢٠٥٣) - قوله: (عن أبي أيوب الأنصاريّ) لم أجد هذا الحديث عند غير المصنف من بين الأئمة الستة. وأخرج الترمذي هذه القصة برواية جابر بن سمرة في الأطعمة رقم (١٨١١). قوله: (وبعث بفضله إليّ) وكان ذلك أثناء إقامته بَلو بدار أبي أيوب في أوائل هجرته. واستدل به القاضي عياض على أن من أدب الأكل والشّرب أن يبقي الآكل والشارب بقية. ولكنه مقيد بما إذا كان غيره ينتظر أكله، ولا سيّما من يتبرك بفضلته. وربّما يبعث المضيف إلى الضيف جميع ما عنده، ويريد أن لا يطعم أهله إلّا ممّا يفضل بعد أكل الضيف. وحينئذ ينبغي ٥٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْماً بِفَضْلَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا. لأَنَّ فِيهَا ثُوماً. فَسَأَلْتُهُ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: ((لاَ. وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِبِ». قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ. ٥٣٢٥ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ. للضيف أن يبقي لهم من طعامه. وأما إذا خيف على البقية من الضياع، كما هو المعروف في زماننا، فالأحسن أن لا يترك في الإناء بقية، وهو محمل أحاديث لعق الإناء، كما مرّ. والله سبحانه أعلم. وفي الحديث دلالة على جواز التبرك بفضلة أهل الورع وآثارهم. قوله: (ولكنيّ أكرهه من أجل ريحه) هذا صريح في عدم حرمته. وأصرح منه ما أخرجه البخاري في الصلاة (٨٥٥) عن جابر: أن النبي ◌َ ◌ّ قال: من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته، وإنّ النبي ◌َّ أتى بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحاً، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قرّبوها - إلى بعض أصحابه كان معه - فلما رآه كره أكلها، قال: كل، فإنّي أناجي من لا تناجي)). فأفاد هذا الحديث أن النبي ◌َ * كان يجتنب الثوم من أجل كراهته الطبيعية لريحه، ومن أجل أنه عليه الصلاة والسلام كان يكره أن يناجي ربّه، أو يخاطب ملائكته وفي فمه رائحة ثوم أو بصل. وإلى هذا أشار الراوي في آخر الرواية الآتية: ((وكان النبي ◌َّ- يؤتى)). وقال العيني في عمدة القاري ٣: ٢١٦: ((والذي ذكرنا كله (أي كراهة دخول المسجد بعد أكل الثوم) في الثوم النيىء لأجل رائحته. وأما الثوم المطبوخ منه فلا يكره لما روى أبو داود عن علي رظُه قال: ((نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخاً)). وروي أيضاً عن حديث معاوية بن قرة عن أبيه: ((أن النبي (وَ لونهى عن هاتين الشجرتين))، وقال: من أكلهما فلا يقربنّ مسجدنا، وقال: إن كنتم لا بدّ أكليهما فأميتوهما طبخاً)) فظهر أن أكله نيئاً يكره للجميع، ويكره معه دخول المسجد. أما إذا كان مطبوخاً فلا بأس بأكله. وقد أخرج أبو داود (رقم: ٣٨٢٩) عن أبي زياد أنه سأل عائشة عن البصل، فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله ولو كان فيه بصل. وفي إسناده بقية بن الوليد، وقد عنعنه. ولئن صح فإنه محمول على كونه مطبوخاً لا رائحة له. وربما يستشكل بأن الظاهر أن ما بعث إليه أبو أيوب لم يكن نيئاً، لأن العادة أنه يجعل في الطعام مطبوخاً، فلماذا كرهه النبي وَ لّ؟ والجواب أن علة الكراهة هي الرائحة، فإن كان طبخه ليس جيّداً، ربما لا تزول به رائحته، فيمكن أن يكون ذلك الطعام فيه رائحة الثوم على ما كان مطبوخاً، فأخذ حكم الني. والله سبحانه أعلم. ٥٧ كتاب: الأطعمة ٥٣٢٦ - (١٧١) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ (وَاللَّفْظُ مِنْهُمَا قَرِيبٌ) قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ (فِي رِوَايَةٍ حَجَّاجٍ: أَبْنُ يَزِيَدَ أَبُو زَيْدٍ الأَحْولُ). حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَفْلَحَ، مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ نَزَلَ عَلَيْهِ. فَنَزَلَ النَّبِيُّ وَّهِ فِي السُّفْلِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ. قَالَ فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيْلَةً فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ وَ! فَتَنَخَّوْا. فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ. ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ وَِّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((السُّفْلُ أَرْفَقُ)) فَقَالَ: لاَ أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَخْتَهَا. فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ وَِّ فِي الْعُلْوِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ. فَكَانَ يَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ ◌َ طَعَاماً. فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيْهِ سَأَلَّ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِهِ. فَيَتَتَبَّعُ مَوْضِعَ أَصَابِعِهِ. فَصَنَعَ لَهُ طَعَاماً فِيهِ ثُومٌ. فَلَمَّا رُدَّ إِلَيْهِ سَأَلَ عَنْ مَوْضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ بََّ. فَقِيلَ لَّهُ: لَمْ يَأْكُلْ. فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ ((لاَ. وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ)) قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا تَكْرَهُ، أَوْ مَا كَرِهْتَ. قَالَ: ١٧١ - (٠٠٠) - قوله: (وأبو أيّوب في العلو) وأخرج ابن إسحاق بسنده عن أبي أيّوب، قال: ((لما نزل عليّ رسول الله وَّر في بيتي، نزل في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو، فقلت له: يانبي الله! بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظّم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت وكن في العلو، وننزل نحن فنكون في السفل، فقال: يا أبا أيوب! إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت. قال: فكان رسول الله وَيقول في سفله وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حب لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطينة لنا، ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفاً أن يقطر على رسول الله (َّ﴿ منه شيء فيؤذيه)) ثم ذكر قصة حديث الباب، وراجع له الروض الأنف للسھیلي (٢ : ٢٣٩). قوله: (السّفل أرفق) فيه أن راحة الضيف وكبير القوم أولى بالعناية من مقتضى التأدب معه، ولكن ذلك إذا كان المضيف يطيقه. فلما رأى رسول الله وَّر أن أبا أيوب رَضْ لُبه بما في قلبه من الاستغراق الشديد في حب رسول الله وَ ﴿ وفرط تعظيمه، لا يطيق أن يسكن في العلوّ إلا بمشقة شديدة، آثر على راحته راحة مضيفه. وفيه أن الضيف لا ينبغي أن يكلف مضيفه بما هو فوق طاقته . قوله: (قال) فإني أكره ما تكره) وفي رواية ابن إسحاق المذكورة: ((قال (أي رسول الله (9): إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه. قال: فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد)» وظاهره معارض لما في حديث الباب من قوله: (فإني أكره ما تكره)، ويمكن التطبيق بينهما، على تقدير صحة رواية ابن إسحاق، بأنه ظه أكل ذلك الطعام يومئذ ولكنه لم يصنعه بعد، ولذلك قال: فإني أكره ما تكره. وفيه ما كان عليه ٥٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُؤْتَى. (٣٢) - باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره ٥٣٢٧ - (١٧٢) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ. فَأَرْسَلَ إِلَىْ بَعْضٍ نِسَائِهِ. فَقَالَتْ: وَالَّذِيٍ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَىُ. فَقَالَثَ مِثْلَ ذُلِكَ. حَتَّى قُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ: لاَ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا عِنْدِي إِلَّ مَاءٌ. فَقَالَ: ((مَنْ يُضِيفُ هُذَا، اللَّيْلَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ)) فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا. يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ. فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: ـقّ من حب اتباع النبي ◌َّ في كل شيء، حتى في سننه الطبيعية. الصحابة قوله: (وكان النبي ◌َّ* يؤتى) أي: يأتيه الملائكة فيخاطبهم، فيكره أن تكون في فمه رائحة الثوم . (٣٢) - باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره ١٧٢ - (٢٠٥٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي وَّل، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، (٣٧٩٨)، وفي تفسير سورة الحشر، باب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤٨٨٩). قوله: (جاء رجل) قال الحافظ في الفتح (٧: ١١٩): ((لم أقف على اسمه، وسيأتي أنه أنصاري)» . قوله: (إني مجهود) أي: أصابني الجهد، وهو المشقة والحاجة وسوء العيش والجوع. قوله: (فقال: من يضيف هذا) بدأ رسول الله له بنفسه وأهله، فلما لم يجد في بيته شيئاً يواسيه به، رغّب غيره في مساعدته. وهذا حكم المواساة في الشدائد، أن يساعد الرجل المجهودين بنفسه، فإن لم يستطع حوّلهم إلى غيره. قوله: (فقام رجل من الأنصار) زعم ابن التين أنه ثابت بن قيس بن شماس، وقد أورد ذلك ابن بشكوال من طريق أبي جعفر بن النحاس بسند له عن أبي المتوكل الناجي مرسلاً . ورواه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن، ولكن سياقه يشعر بأنها قصة أخرى، لأن لفظه: ((أن رجلاً من الأنصار عبر عليه ثلاثة أيام لا يجد ما يفطر عليه ويصبح صائماً، حتى فطن له رجل من الأنصار يقال له ثابت بن قيس)) فقص القصة. وهذا لا يمنع التعدد في الصنيع مع الضيف وفي نزول الآية. قال ابن بشكوال: وقيل: هو عبد الله بن رواحة، ولم يذكر لذلك مستنداً. وروي ٥٩ كتاب: الأطعمة هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لاَ. إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِي. قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ. فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَطْفِئِي السُّرَاجَ وَأَرِبِهِ أَنَّا نَأْكُلُ. فَإِذَا أَهْوَىْ لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطْفِئِيهِ. قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ نَ. فَقَالَ: ((قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)). ٥٣٢٨ _ (١٧٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ بَاتَ بِهِ ضَيْفٌ، فَلَمْ يَكُنَّ عِنْدَهُ إِلَّ قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ. فَقَالَ لإِمْرَأَتِهِ: نَوِّمِي الصِّبْيَةَ وَأَظْفِئِي السِّرَاجَ وَقَرِّبِي لِلصَّيْفِ أبو البختري القاضي، أحد الضعفاء المتروكين، في كتاب صفة النبي ◌َّر له أنه أبو هريرة راوي الحديث. كذا في فتح الباري. ولكن الصواب ما سيأتي في رواية ابن فضيل أنه أبو طلحة الأنصاريّ ◌َُّبه، ولفظها: (فقام رجل من الأنصار يقال له أبو طلحة)) واستظهر الخطيب كما حكى عنه الحافظ في الفتح أنه غير أبي طلحة زيد بن سهل المشهور، وكأنه استبعد ذلك من وجهين: أحدهما أن أبا طلحة زيد بن سهل رجل مشهور لا يحسن أن يقال فيه: ((فقام رجل يقال له أبو طلحة)) والثاني: أن سياق القصة يشعر بأنه كان من المعسرين حتى احتاج إلى إطفاء المصباح، مع أن أبا طلحة سهل بن زيد كان من أكثر الأنصار مالاً. ويمكن الجواب عن الأول أن شهرة أبي طلحة لا تمنع من أن يقال فيه: ((رجل من الأنصار)) وعن الثاني بأن المال غاد ورائح، فلا يمنع كون أبي طلحة من المياسير أن تمر عليه ليلة وفي طعامه قلة. والله سبحانه أعلم. قوله: (وأريه أنّا نأكل) وذلك لأن الضيف إن علم أن مضيفه لا يأكل، ربما امتنع عن الأكل، أو أكل قليلاً، وذلك من فرط إيثاره رغڅله، وحسن سياسته. قوله: (فإذا أهوى إلخ) معنى ((أهوى بيده)). في اللغة: أمالها لشيء يأخذه. وفي رواية للبخاري: ((هيّئي طعامك وأصبحي سراجك ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما یأکلان، فباتا طاویین)). قوله: (قد عجب الله) أي: كما يليق به جلّ وعلا، والمصود أن الله سبحانه رضي بذلك فحاز كلاهما الأجر عنده. وقال القاضي عياض: ((والحديث محمول على أن الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الأكل بحيث يضرهم ترك الأكل، إذ لو كانوا محتاجين لوجب تقديمهم على الضيف. ويدل على ذلك ثناء الله تعالى ورسوله وهو عليهم. وأما الرجل والمرأة، فرضيا بذلك وآثرا على أنفسهما)) كذا في شرح الأبيّ. ٦٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ج مَا عِنْدَكِ. قَالَ: فَنَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. ٥٣٢٩ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُوَّلِ اللَّهِ وَه لِيُضِيفَهُ. فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُضِيفُهُ. فَقَالَ: ((أَلاَ رَجُلٌ يُضِيفُ هُذَا، رَحِمَهُ اللَّهُ)) فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو طَلْحَةَ. فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ جَرِيرٍ. وَذَكَّرَ فِيهِ نُزُولَ الآيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ وَكِيعٌ. ٥٣٣٠ - (١٧٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِقْدَادِ، قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَصَاحِبَانٍ لِي. وَقَدْ ذَهَبَتْ أَسْمَاعُنَا وَأَبْصَارُنَا مِنَ الْجَهْدِ. فَجَعَلْنَا نَعْرِضُ أَنْفُسَنَا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقْبَلُنَا. فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ نَّهِ فَانْطَلَّقَ بِنَا إِلَى أَهْلِهِ. فَإِذَا ثَلاَثَةُ أَعْنُزِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اخْتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَيْنَنَا)). قَالَ: فَكُنَّا نَحْتَلِبُ فَيَشْرَبُ كُلُّ ١٧٣ - (٠٠٠) - قوله: (فنزلت هذه الآية) هذا هو الأصح في سبب نزول هذه الآية. وعند ابن مردويه من طريق محارب بن دثار عن ابن عمر: «أهدي لرجل رأس شاة فقال: إن أخي وعياله أحوج منّا إلى هذا فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجعت إلى الأول بعد سبعة، فنزلت)) ويحتمل أن تكون الآية نزلت بسبب ذلك كله. قوله: (ولو كان بهم خصاصة) أي: حاجة، وهو من (خصاص البيت): ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح كما في روح المعاني. وذلك يدل على إفلاس صاحب البيت. ١٧٤ - (٢٠٥٥) - قوله: (عن المقداد) يعني: ابن الأسود ◌ُبه، وكان في الأصل ابناً لعمرو بن ثعلبة وقد لحق أبوه بحضر موت، وقدم المقداد إلى مكة فتبناه الأسود بن عبد يغوث، فنسب إليه، فلما نزلت ﴿أدعوهم لأباءهم﴾ قيل له المقداد بن عمرو، واشتهرت شهرته بابن الأسود. أسلم قديماً وزوجه النبي ولو ابنة عمه الضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً وما بعده، وكان فارساً وحيداً يوم بدر. وكان المقداد عظيم البطن، وكان له غلام روميّ، فقال له ذات يوم: أشق بطنك فأخرج من شحمه حتى تلطف، فشق بطنه ثم خاطه، فمات المقداد وهرب الغلام. وذلك سنة (٣٣هـ) في خلافة عثمان رضيّ. كذا في الإصابة (٣: ٤٣٣ و٤٣٤). وحديثه هذا أخرجه أيضاً الترمذي في الاستيذان، باب كيف السلام، (٢٧١٩). قوله: (من الجهد) بفتح الجيم بمعنى المشقة والتعب والجوع، وذهاب الأسماع والأبصار كناية عن شدته، والمراد: كأنّنا لا نسمع ولا نرى شيئاً من شدة ما أصابنا من الجوع والتعب. قوله: (فليس أحد منهم يقبلنا) لكونهم مقلّين لا يجدون ما يواسونهم به .