النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب: الأضاحي
٥٠٧٨ _ (٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
يَحْيِى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ . ح
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج. حَدَّثَنَا عَطَاءٌ
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنِّ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كُنَّا لاَ نَأْكُلُ مِنْ لُحُوَمَ بُذْنِنَا فَوْقَ ثَلاَثٍ مِنَّى.
فَأَرْخَصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: ((كُلُوا وَتَزَوَّدُوا)).
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: قَالَ جَابِرٌ: حَتَّى جِئْنَا الْمَدِينَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٥٠٧٩ _ (٣١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كُثَّا لاَ نُمْسِكُ لُحَوَ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنَّ
نَزَوَّدَ مِنْهَا. وَنَأْكُلَ مِنْهَا (يَعْنِي فَوْقَ ثَلاَثٍ).
ادّخار الطعام لغد، وأن اسم الولاية لا يستحقّ لمن ادّخر شيئاً ولو قلّ، وأن من ادّخر أساء الظنّ
بالله، وفي هذه الأحاديث كفاية في الرد على من زعم ذلك)). كذا في فتح الباري (٩: ٥٥٣).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الأمر كما قال ابن البطال: ولكنه لا يستلزم أن لا يجوز
عدم الادخار لمن قوي توكّله، فإنه ثابت من النبيّ الكريم وَل﴿ ومن كثير من الصحابة، وعليه
يحمل ما ثبت عن بعض الصوفية المحققين من أنهم كانوا لا يدّخرون لأنفسهم، وإن كانوا لا
يعتقدون بحرمة الادخار، والله سبحانه أعلم ..
٣٠ - ( ... ) - قوله: (فوق ثلاث مِنَّى) يعني: فوق الأيام الثلاثة التي يقام فيها بمنى.
قوله: (قال جابر: حتى جئنا المدينة؟) أصله أن عمرو بن دينار روى عن عطاء حديث
جابر بلفظ: (كنّا نتزوّد لحوم الهدي على عهد النبيّ وَ﴿ إلى المدينة)) كما أخرجه المصنف بعد
رواية. وكان ابن جريج أخذه عن عطاء بدون زيادة ((إلى المدينة)) فلما اطلع على رواية عمرو،
سأل عطاءً: ((هل قال جابر: حتى جئنا المدينة؟)).
قوله: (قال: نعم) هكذا ذكره المصنّف تَّفُ، ولكن قال البخاريّ في الأطعمة: ((قال ابن
جريج: قلت لعطاء: أقال: حتى جئنا المدينة؟ قال: لا)) فتعارضت روايتا الشيخين فيما بينهما.
قال الحافظ في الفتح (٩: ٥٥٣): ((والذي وقع عند البخاري هو المعتمد، فإن أحمد أخرجه في
مسنده عن يحيى بن سعيد كذلك، وكذلك أخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن يحيى بن
سعيد، ونبّه على اختلاف البخاري ومسلم في هذه اللفظة الحميدي في جمعه، وتبعه عياض،
ولم يذكرا ترجيحاً، وأغفل ذلك شرّاح البخاري أصلاً فيما وقفت عليه. ثمّ ليس المراد بقوله:
((لا)) نفي الحكم، بل مراده أن جابراً لم يصرح باستمرار ذلك منهم حتى قدموا، فيكون على هذا

٤٨٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٠٨٠ - (٣٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: كُنَّا نَزَوَّدُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ.
٥٠٨١ _ (٣٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىْ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ،
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَّىَّ.
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، لاَ تَأْكُلُوا لُحُومَ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ)). (وَقَالَ ابْنُ
الْمُثَنَّى: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ).
فَشَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَِّ أَنَّ لَهُمْ عِيَالاً وَحَشَماً وَخَدَماً. فَقَالَ: (كُلُوا وَأَظْعِمُوا
وَاحْبِسُوا أَوِ اَذَّخِرُوا)). قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: شَكَّ عَبْدُ الأَعْلَى.
٥٠٨٢ - (٣٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي
عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ قَالَ: ((مَنْ ضَخَّى مِنَّكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ فِي
معنى قوله في رواية عمرو بن دينار عن عطاء «كنّا نتزوّد لحوم الهدي إلى المدينة)) أي: لتوجهنا
إلى المدينة، ولا يلزم من ذلك بقاؤها معهم حتى يصلوا المدينة)).
٣٢ - ( ... ) - قوله: (كنا نتزوّدها) يعني: لحوم الهدي في الحج.
٣٣ - (١٩٧٣) - قوله: (عن أبي سعيد الخدري) هذا الحديث أخرجه النسائي أيضاً في
الأضاحي، باب الادخار من الأضاحي، (رقم: ٤٤٣٤).
وأخرجه البخاري في الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي، (رقم: ٥٥٦٨) حديثاً
عن أبي سعيد، ولفظه: ((أنه كان غائباً فقدم فقدّم إليه لحم قالوا: هذا من ضحايانا، فقال:
أخروه، لا أذوقه، قال: ثمّ قمت فخرجت حتى آتى أبا قتادة - وكان أخاه لأمّه وكان بدريّاً .
فذكرت ذلك له، فقال: إنه قد حدث بعدك أمر)». وأخرجه أحمد من طريق ابن إسحاق بسياق
أطول، راجع له فتح الباري (١٠ : ٢٥).
قوله: (وحشما) قال النووي: ((الحشم بفتح الحاء والشين: هم اللائذون بالإنسان يخدمونه
ويقومون بأمره، وقال الجوهري: هم خدم الرجل ومن يغضب له، سمّوا بذلك لأنهم يغضبون
له، والحشمة: الغضب، ويطلق على الاستحياء أيضاً. ومنه قولهم: فلان لا يحتشم أي: لا
يستحيي ... وكأن الحشم أعم من الخدم فلهذا جمع بينهما في الحديث.
٣٤ - (١٩٧٤) - قوله: (عن سلمة بن الأكوع) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الأضاحي، باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزوّد منها، (رقم: ٥٥٦٩).

٤٨٣
كتاب: الأضاحي
بَيْتِهِ، بَعْدَ ثَالِثَةٍ، شَيْئاً)). فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهَ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ
أَوَّلَ؟ فَقَالَ: ((لاَ. إِنَّ ذَاكَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهْدٍ. فَأَرَذْتُ أَنْ يَفْشُوَ فِيهِمْ)).
٥٠٨٣ - (٣٥) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ
صَالِح، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ جُبَيرٍ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ ثَوْبَانَ. قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
ضَحِيَّتَّهُ ثُمَّ قَالَ: ((يَا ثَوْبَانُ، أَصْلِحْ لَحْمَ هُذِهِ) فَلَّمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ.
٥٠٨٤ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ رَافِع. قَالاَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ
حُبَابٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِّمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. كِلاَهُمَا
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٥٠٨٥ - (٣٦) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْهِرٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
حَمْزَةَ. حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى
قوله: (بعد ثالثة، شيئاً) قياسه أن يكون ((شيء)) مرفوعاً على أنه اسم لقوله: ((لا يصبحنّ))،
والتقدير هنا لا يصبحنّ أحدكم وقد ترك في بيته بعد ثالثة شيئاً. ولفظ البخاري: ((فلا يصبحنّ
بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء.
قوله: (نفعل كما فعلنا عام أوّل) أي: في العام الماضي، قال ابن المنير: ((وجه قولهم هل
نفعل كما كنّا نفعل؟ مع أن النهي يقتضي الاستمرار، لأنهم فهموا أن ذلك النهي ورد على سبب
خاص)) كذا في فتح الباري. وهو يؤيد ما قلنا: إن النهي كان لعارض.
قوله: (بجهد) بفتح الجيم بمعنى المشقة. وهو بضم الجيم بمعنى الجدّ.
قوله: (أن يفشو فيهم) أي: يشيع فيهم اللحم وينتشر، ولفظ البخاري: ((فأردت أن تعينوا
فیھا)) .
٣٥ - (١٩٧٥) - قوله: (معن بن عيسى) بفتح الميم ويسكون العين كما في المغني، وهو
معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي مولاهم القزاز، أحد أئمة الحديث، من أبرز تلامذة
مالك، روى عنه الجماعة ووثقه الجميع، مات (سنة: ١٩٨ هـ) وراجع التهذيب (١٠: ٢٥٢).
قوله: (عن أبي الزّاهرية) اسمه حُدير بن كريب الحضرمي (مصغراً) ثقة أخرج عنه الأئمة
إلا البخاري والترمذي، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، كما في التهذيب (٢: ٢١٨).
قوله: (عن ثوبان) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الأضاحي، باب في المسافر
يضخّي، (رقم: ٢٨١٤).
قوله: (أصلح لحم هذه) يعني: افعل ما يُصلحه ويمكن به ادخاره. وسيأتي أنه قال ذلك
في حجة الوداع.

٤٨٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَهَ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((أَصْلِحْ هُذَا اللَّحْمَ))
قَالَ: فَأَصْلَحْتُهُ. فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ.
وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَقُلْ: فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
٥٠٨٦ _ (٣٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَنْ أَبِي سِنَانٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: عَنْ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةً) عَنْ
مُحَارِبٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ. حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ، أَبُو سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبٍ بْنِ دِثَّارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةً، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ،
فَزُورُوهَا. وَنَّهِيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عنِ
النَّبِيذِ إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلُّهَا. وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِراً)).
٣٧ - (١٩٧٧) - قوله: (حدثنا ضرار بن مّرة) بكسر الضاد وفتح الراء المخففة، وهو
الكوفي أبو سنان الشيباني الأكبر، ثقة أخرج عنه البخاري في الأدب المفرد والأئمة الخمسة
جميعاً، وكان من خيار الناس، حفر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة وكان يأتيه فيختم فيه
القرآن. راجع التهذيب (٤: ٤٥٧).
قوله: (عن أبيه) يعني: بريدة ◌َله وقد سبق أن المصنف أخرج حديثه هذا في الجنائز،
باب استئذان النبيّ وَّه ربه عز وجل بزيارة قبر أمه، وأخرجه أيضاً الترمذي في الأضاحي، باب
في الرخصة في أكلها بعد ثلاث، (رقم: ١٥٤٦)، وفي الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في
زيارة القبور، (رقم: ١٠٦٠)، وأبو داود في الأشربة، باب في الأوعية، (رقم: ٣٦٩٨)، وفي
الجنائز، باب في زيارة القبور، (رقم: ٣٢٣٥)، والنسائي في الأضاحي، باب الإذن في ذلك
(رقم: ٤٤٢٩ و٤٤٣٠)، وفي الجنائز، باب زيارة القبور، (رقم: ٢٠٣٢ و٢٠٣٣)، وابن ماجه
في الأشربة، باب ما رخص فيه من ذلك، (رقم: ٣٤٤٨).
قوله: (فزوروها) مر هذا الحديث والأبحاث المتعلقة به في كتاب الجنائز، باب استئذان
النبيّ وَّه ربه عز وجل في زيارة قبر أمه.
قوله: (فاشربوا في الأسقية) كان النبيّ ◌َّ نهى المسلمين عن الشرب في ظروف الخمر،
مثل الدبّاء والحنتم والمزفّت والنّقير، سداً للذريعة، فلما تقررت كراهية الخمر أجاز الشرب فيها
ما لم يشرب المرء فيه مسكراً، وقد سبق هذا الحكم في كتاب الإيمان، وسيأتي في الأشربة.
وإن هذا الحديث مما صرح فيه النبيّ ◌َّ بالناسخ والمنسوخ كليهما.

٤٨٥
كتاب: الأضاحي
٥٠٨٧ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنٍ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَِّهِ قَالَ: ((كُنْتُ
نَهَيْتُكُمْ)). فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي سِنَانٍ.
(٦) - باب: الفرع والعتيرة
٥٠٨٨ - (٣٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً) عَنٍ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((لاَ فَرَعَ وَلاَ
عَتِيرَةَ)).
زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَالْفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ فَيَذْبَحُونَهُ.
(٦) - باب: الفَرَعِ والعتيرة
٣٨ - (١٩٧٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في العقيقة، باب
الفرع، (رقم: ٥٤٧٣). وباب العتيرة، (رقم: ٥٤٧٤)، وأخرجه أبو داود في الأضاحي، باب
في العتيرة، (رقم: ٢٨٣١ و٢٨٣٢) والترمذي في الأضاحي، باب في الفرع والعتيرة،
(رقم: ١٥٤٨)، والنسائي في أول كتاب الفرع والعتيرة، (رقم: ٤٢٢٢ و٤٢٢٣)، وابن ماجه
في الذبائح، باب الفرعة والعتيرة، (رقم: ٣٢٠٦).
قوله: (لا فرع ولا عتيرة) أمّا الفَرَعُ فهو بفتح الفاء والراء، وكذلك الفرعة، حكاه العيني
في العمدة (٩: ٧١٦) عن أبي عبيد. وهو أول نتاج كان أهل الجاهلية يذبحونه لأصنامهم،
والفرع: ذبح كانوا إذا بلغت الإبل ما تمنّاه صاحبها ذبحوه، وكذلك إذا بلغت الإبل مائة يعتر
منها - أي: يذبح - بعيراً كل عام، ولا يأكل منه هو ولا أهل بيته. والفرع أيضاً: طعام يصنع
لنتاج الإبل، كالخرس للولادة. كذا في فتح الباري (٩: ٥٩٦).
وأما العتيرة: فهي فعيلة من العتر، وهو الذبح، وهي النسيكة التي كانت تُعتر، أي: تذبح،
في العشر الأول من رجب، ويسمّونها الرجبيّة أيضاً.
وجمهور العلماء على أن كلا من الفرع والعتيرة منسوخ غير مشروع اليوم، استدلالاً
بحديث الباب. وقال الشافعيّ تُّهُ: إنما المنسوخ وجوبهما، وهما جائزان بل مستحبّان.
واستدلّ بما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن رسول الله وَّ قال:
((الفرع حقّ))، وبما أخرجه أصحاب السنن من طريق أبي رملة عن مخنف بن محمد بن سليم،

٤٨٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧) - باب: نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة،
وهو مريد التضحية، أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً
٥٠٨٩ - (٣٩) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ. سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يُحَدِّثُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ
النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلاَ يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ
شَيْئاً)).
قال: ((كنّا وقوفاً مع النبيّ وَّهِ بعرفة، فسمعته يقول: يا أيها الناس! على كلّ أهل بيت في كل
عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي يسمونها الرجبية)) وحسّنه الترمذي، ولكن
ضعّفه الخطابي، وأخرج النسائي، وصحّحه الحاكم، من حديث الحارث بن عمرو: ((أنه لقي
رسول الله وَّير في حجة الوداع، فقال رجل: يا رسول الله! العتائر والفرائع؟ قال: من شاء عتر،
ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فَرَع، ومن شاء لم يَفْرَع)) وحمل الشافعي حديث الباب على نفي
الوجوب، لا على نفي الجواز أو الاستحباب.
وأما الجمهور، فقالوا: إن حديث الباب ناسخ لأحاديث الجواز أو الاستحباب، لأن
النهي لا يكون إلا عن شيء كان يفعل، وما قال أحد إنه نُهِيَ عنهما ثم أذن في فعلهما، ثم إنه
لم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعلهما بعد النبيّ وسير وذلك دليل على النسخ، لأن الصحابة
كانوا أسبق الناس إلى الخيرات، وكذلك لم يفعلهما التابعون، إلا ما حكي عن ابن سيرين.
(٧) - باب: نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة
وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره إلخ
٣٩ - (١٩٧٧) - قوله: (عن أمّ سلمة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب
الرجل يأخذ من شعره في العشر، (رقم: ٢٧٩١)، والترمذي في الأضاحيّ، باب (رقم: ٢١)،
رقم الحديث (١٥٦١)، والنسائي في الضحايا، في فاتحتها، (رقم: ٤٣٦١)، وابن ماجه في
الأضاحيّ، باب من أراد أن يضحّي فلا يأخذ في العشر من شعره وأظفاره، (رقم: ٣١٨٧
و ٣١٨٨).
قوله: (فلا يمسّ من شعره) أي: ليزيله بحلق أو قصر، وبه أخذ سعيد بن المسيّب وربيعة
وأحمد وإسحاق وداود، فقالوا: إنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يضحى في
وقت الأضحيّة، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، والمشهور عن الشافعي أنه يكره تنزيهاً ولا
يحرم، وبه قال مالك في رواية، وروي عنه أنه لا يحرم ولا يكره، بل هو مباح، وهو الذي نسبه
كثير من العلماء إلى أبي حنيفة كثّفُ أنه لا يقول بحرمة الأخذ ولا بكراهته، ولكنّ لم أجده في
كتب الحنفية .

٤٨٧
كتاب: الأضاحي
قِيلَ لِسُفْيَانَ: فَإِنَّ بَعْضَهُمْ لاَ يَرْفَعُهُ. قَالَ: لُكِنِّي أَرْفَعُهُ.
٥٠٩٠ - (٤٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ حُمْيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
تَرْفَعُهُ. قَالَ: ((إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، وَعِنْدَهُ أُضْحِيَّةٌ، يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلاَ يَأْخُذَنَّ شَعْرَاً وَلاَ
يَقْلِمَنَّ ◌ُفُراً».
٥٠٩١ - (٤١) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ الْعَنْبَرِيُّ، أَبُو
غَسَّانَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ،
عَنْ أُمّ سَلَمَةَ؛ أَنَّ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمْ هِلاَلَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ،
فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ)).
٥٠٩٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْهَاشِمِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
احتج المجوّزون بحديث عائشة في الصحيح: ((لقد كنت أقتل قلائد هدي
رسول الله وَّر فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه مما حلّ للرجال من أهله حتى يرجع
الناس)) ولكنّ ردّ عليه الحافظ في الفتح (١٠: ٢٣) (باب إذا بعث بهديه ليذبح هل يحرم عليه
شيء؟) بأنّه لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحّي أنه لا يستحبّ
فعل ما ورد به الخبر المذكور لغير المحرم. وذكر القاضي عياض عن الطحاوي الجواز استدلالاً
بأنه لا يمنع الوطء الذي هو أغلظ، فأحرى أن لا يمنع غيره. ولكنه كما ترى، قياس في معارضة
النص، ولا دليل للنسخ. فالعمل بحديث الباب أولى وأرجح.
ثم اختلف العلماء في بيان حكمة هذا الحكم. قال النووي: ((والحكمة في النهي أن يبقى
كامل الأجزاء ليعتق من النار، وقيل: التشبه بالمحرم. قال أصحابنا: هذا غلط، لأنه لا يعتزل
النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم)). قلت: التشبّه لا يلزم أن يكون
من كل الوجوه، فلو حدثت المماثلة في بعض الأمور كفت للتشبّه، فيحتمل أن يكون الشارع
استحبّ أن يتشبّه المضحّون بالمحرمين في بعض الأمور.
٤١ - ( ... ) - قوله: (عن عمر بن مسلم) بضم العين وفتح الميم، هكذا وقع في أكثر
الطرق، إلا في طريق حسن بن عمرو الحلوانيّ فإنّ فيه ((عمرو بن مسلم)) بفتح العين، ووقع
الشكّ في طريق أحمد بن عبد الله الهاشميّ، كما سيأتي. وذكره المزّي فيمن اسمه عمرو،
وقال: ((قيل: عمر))، وهو عمرو بن مسلم بن عمارة بن أكيمة الليثي الجُندُعي، بضم الجيم
والدال، وقد صرح بهذه النسبة في طريق حرملة بن يحيى، كما سيأتي، وهو ثقة راجع لترجمته
التهذيب (٨: ١٠٤).

٤٨٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمَرَ أَوْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِم، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ.
٥٠٩٣ - (٤٢) وحدّثني ◌ُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
عَمْرِو اللَّيْئِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِم بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْنِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ
الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِّوَ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((مَنْ كَانَ لَهُ
ذِيْحٌ يَذْبَحُهُ. فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئاً، حَتَّى
يُضحِّيَ)).
٥٠٩٤ - (٠٠٠) حدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ بْنِ عَمَّارِ اللَّيْئِيُّ. قَالَ: كُنَّا فِي الْحَمَّامِ قُبَيْلَ
الأَضْحَى. فَاظَلِّى فِيهِ نَاسٌ. فَقَالَ بَعْضُ أَهَلِ الْحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَكْرَهُ هُذَا، أَوْ
يَنْهَى عَنْهُ. فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، هُذَا حَدِيثٌ قَدْ
نُسِيَ وَتُرِكَ. حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ وََّ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه بِمَعْنَى
حَدِيثِ مُعَاذٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو.
٥٠٩٥ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَبْنُ أَخِي ابْنِ
وَهْبٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ. أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمَ الْجُنْدَعِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ،
زَوْجَ النَّبِّ وَِّ أَخْبَرَتْهُ. وَذَكَرَ النَّبِيَّ ◌َ بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
٤٢ - ( ... ) - قوله: (أُهِلّ هلال ذي الحجة) بضم الهمزة وكسر الهاء على البناء
للمجهول. هكذا تستعمله العرب.
( ... ) - قوله: (فاطّلى فيه ناس) بتشديد الطاء، على أنه من باب الافتعال، كما في لسان
العرب (١٩: ٢٣٤) وهو استعمال النَّورة لإزالة شعر العانة. وأصلح تلطيخ الجسم بشيء من
الدهن وغيره.
قوله: (إنّ سعيد بن المسيّب يكره هذا) يعني: يكره إزالة الشعر في عشر ذي الحجة لمن
يريد التضحية، لا أنه يكره مجرد الاطلاء، لأن سعيداً كَثُ استدلّ بحديث أم سلمة، وليس فيه
ذكر الاطلاء. وإن قول ابن المسيّب هذا دليل على أن المنع لا يقتصر على الحلق بالموسى أو
القصر بالمشقص، وإنما يعمّ الاطلاء أيضاً. وقد نقل ابن عبد البر عن ابن المسيّب جواز
الاطلاء، في العشر بالنَّورة، فإن صح هذا عنه فهو محمول على أنه أفتى به إنساناً لا يريد
التضحية. كذا في شرح النووي.

٤٨٩
كتاب: الأضاحي
(٨) - باب: تحريم الذبح لغير الله تعالى، ولعن فاعله
٥٠٩٦ - (٤٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. كِلاَهُمَا عَنْ مَرْوَانَ. قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ. حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ حَيَّنَ. حَدَّثَنَا أَبُو الظُّفَيْلِ،
عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ نَهُ
يُسِرُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُسِرُّ إِلَيَّ شَيْئاً يَكْتُمُهُ النَّاسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ
حَدَّثَنِي بِكَلِمَاتٍ أَرْبَعٍ. قَالَ: فَقَالَ: مَا هُنَّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قَالَ ((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ
وَالِدَهُ. وَلَعَنَ اللَّهُ مَّنَّ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللّهِ. وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَىْ مُخْدِثاً. وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ
الأَرْضِ».
٥٠٩٧ _ (٤٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، سُلَيْمَانُ بْنُ
حَيَّنَ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَخْبِرْنَا
بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللّهِ وَِّهِ. فَقَالَ: مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئاً كَتَمَهُ النَّاسَ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ
يَقُولُ: (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً. وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ.
وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ)).
(٨) - باب: تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله
٤٣ - (١٩٧٨) - قوله: (حدثنا أبو الطفيل، عامر بن واثلة) هذا الحديث أخرجه أيضاً
النسائي في الضحايا، باب من ذبح لغير الله عز وجل، (رقم: ٤٤٢٢).
قوله: (ما كان النبيّ ◌َ* يسرّ إليّ شيئاً) فيه إبطال لما تزعمه الرافضة والشيعة من أن
النبيّ ◌َله أوصى إلى عليّ رَؤُه، وخصّه بأشياء لم يظهرها لغيره. وأيّ دليل أقوى من اعتراف
سیدنا عليّ كرم الله وجهه بنفسه.
قوله: (من لعن والده) إمّا بأن يلعن أحد والديه صراحة، وإمّا أن يسبّ والدي غيره،
فيسبّ هو والديه انتقاماً، وسبق ذلك في كتاب الإيمان.
قوله: (من ذبح لغير الله) كالذبح للصنم، أو لموسى وعيسى والكعبة، وكل هذا حرام،
ولا تحلّ هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلماً أو نصرانياً أو يهوديّاً .
قوله: (من آوى محدثاً) أي: مبتدعاً، وقد تقدم في آخر كتاب الحج.
قوله: (من غيّر منار الأرض) المراد بمنار الأرض علاماتها وحدودها. وفسّره القاضي
عياض بقوله: ((تغييرها بنقل حدودها وإدخالها في ملكه، وهو من معنى حديث: ((من غصب
شبراً من أرض ◌ُوِّقه من سبع أرضين)). وحمل أبو عبيد الحديث على تغيير حدود الحرم، ولا
معنى للتخصيص بهذا، بل هو عام)) كذا في شرح الأبّي.

٤٩٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٠٩٨ _ (٤٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ أَبِي بَزَّةَ يُحَدِّثُ، عَنْ
أَبِي الظُّفَيْلِ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيٍّ: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَّ بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا
رَسُولُ اللَّهِ بِّهَ بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسِ كَافَّةً. إِلَّ مَا كَانَ فِي قِرَابٍ سَيْفِي هُذَا. قَالَ:
فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مِّكْتُوبٌ فِيهَا: ((لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَلَعَنَّ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ
الأَرْضِ. وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ. وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَىُ مُخْدِثً».
تمّ بفضل الله تعالى شرح كتاب الذبائح ضحى يوم الإثنين التاسع من شهر شوال
(سنة ١٤٠٩ هـ) وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإكمال بقية الشرح كما يحبه ويرضاه، إنه تعالى
سميع قريب مجيب الداعين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

٤٩١
كتاب: الأشربة
جــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
كتاب: الأشربة
(١) - باب: تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب
ومن التمر والبسر والزبيب، وغيرها مما يسكر
٥٠٩٩ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجِ. حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ
عَلِيٍَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفاً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّهَ فِي مَغْنَمِ، يَوْمَ بَدْرٍ. وَأَغْطَانِي
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ شَارِفاً أُخْرَىُ. فَأَنَخْتُهُمَا يَوْماً عِنْدَ بَابٍ رَجُلٍ مِنَ الَأَنْصَارِ. وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ
أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِراً لأَبِيعَهُ، وَمَعِيَ صَائِغٌ
كتاب الأشربة
(١) - باب: تحريم الخمر، وبيان أنها تكون
من عصير العنب ومن التمر إلخ
١ - (١٩٧٩) - قوله: (عن عليّ بن أبي طالب) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد،
باب فرض الخمس، (رقم: ٣٠٩١)، وفي البيوع، باب ما قيل في الصواغ، (رقم: ٢٠٨٩)،
وفي المساقاة، باب بيع الحطب والكلأ، (رقم: ٢٣٧٥)، وفي المغازي، باب شهود الملائكة
بدراً، (رقم: ٤٠٠٣)، وفي اللباس، باب الأردية، (رقم: ٥٧٩٣)، وأخرجه أبو داود في
الخراج، باب بيان مواضع قسم الخمس، (رقم: ٢٩٨٦).
قوله: (أصبت شارفاً) الشّارف: المسنّ من النوق، ولا يقال للذكر عند الأكثر، وحكى
إبراهيم الحربي عن الأصمعيّ جوازه، قال عياض: جمع فاعل على فُعُل بضمتين قليل. كذا في
فتح الباري (٦: ١٩٩).
قوله: (وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخراً) بكسر الهمزة والخاء، حشيش معروف، وما
سيأتي في الرواية الآتية أوضح من هذا، ولفظه: ((فلمّا أردت أن أبتني بفاطمة بنت
رسول الله وَ﴿ واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من
الصّواغين فأستعين به في وليمة عرسي)).

٤٩٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةٍ فَاطِمَةَ. وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذُلِكَ
وفيه جواز الاحتشاش للتكسب وبيعه، وأنه لا ينقص المروءة، وفيه جواز بيع الوقود
للصوّاغين ومعاملتهم.
قوله: (من بني قَيتُقاع) بضم النون وكسرها وفتحها، والضمّ أشهر، هم طائفة من اليهود
كانوا في المدينة. ويجوز صرفه على إرادة الحيّ، وترك صرفه على إرادة القبيلة أو الطائفة وفيه
جواز الاستعانة في الأعمال والأكساب باليهوديّ. كذا في شرح النووي.
قوله: (وحمزة بن عبد المطلب يشرب) أي: الخمر وذلك قبل تحريمها .
قوله: (ومعه قينة) قال الأبّي: ((القينة: الجارية المغنية، ولعل هذا كان قبل المنع من
الغناء)).
قوله: (فقالت) أي: في جملة ما تغنّت به.
قوله: (ألا يا حمز للشرف النّواء) هذا هو المصرع الأول من الأشعار التي تغنّت بها
الجارية، وحكى الحافظ في الفتح (٦: ٢٠٠) عن معجم الشعراء للمرزباني أن هذا الشعر
لعبد الله بن السائب بن أبي السائب المخزوميّ، جدّ أبي السائب المخزوميّ، وهو الذي أمر
القينة أن تغني بها تشير همة حمزة لما عرف من كرمه على نحر الناقتين ليأكلوا من لحمها، وتمام
الأشعار كما يلي :
وهنّ معقّلات بالفناء
ألا يا حمزا للشرف الــنّواء
وضرّجهنّ حمزة! بالدّماء
ضع السكّين في اللبّات منها
قديدا من طبيخ أو شواء
وعجّل من أطايبها لشَربٍ
وقوله: (يا حمز) فيه ترخيم للمنادى، وهو بفتح الزاي، ويجوز ضمها. وأما قوله:
(للشّرف)) فالأكثرون على أنه بضم الشين والفاء جمع شارف، و ((النواء)) بكسر النون والهمزة
جمع ناوية، وهي السمينة، فمعنى ((الشرف النّواء)): النّوق السمينة. واللام متعلقة بمحذوف،
وتقديره: ((إنك يا حمزة كاف لهذه النوق السمينة)) أو ((إننا نشير همتك من أجل هذه النوق)).
ورواه ابن جرير الطبري: ((ألا يا حمز ذا الشّرَف النّواء)» بفتح الشين والراء في الشرف،
وفتح النون في النواء، كأنه وصف حمزة بكونه شريفاً، والنّواء حينئذ بمعنى النّائي، وهو البعيد.
والمراد: ((ذا الشرف البعيد)) أي مناله بعيد. ولكن ردّه الخطابي، وقال: إنه خطأ وتصحيف.
ووقع في رواية القابسي والأصيليّ: ((النوى)) بالقصر، وهو خطأ أيضاً.
وقوله: (وهنّ معقَلات) أي: مشدودات، والضمير للشوارف، وأتي بضمير الجمع مع
أنهما كانتا اثنتين توسعاً. والفناء: جانب الدار. والتضريج: التلطيخ. والأطايب جمع الأطبب،
والمراد: ((عجل من أطيب لحمها)).

٤٩٣
كتاب: الأشربة
الْبَيْتِ. مَعَهُ قَيْنَةٌ تُغَنِّيهِ. فَقَالَتْ: أَلاَ يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ.
فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا. ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا.
قُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَالَ: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا. قَالَ ابْنُ
شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٍّ: فَتَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْطَعَنِي. فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللّهِ وَهِ وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ. فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ. فَدَخَلَ عَلَىْ حَمْزَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ
حَمْزَةُ بَصَرَهُ. فَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّ عَبِيدٌ لِآبَائِي؟ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَجَ
عَنْهُمْ.
٥١٠٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ،
بِهْذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥١٠١ - (٢) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، أَبُو
وقوله: (لشرب) بفتح الشين، جمع شارب. يعني: عجّل من أطيب لحمها لهؤلاء الندماء
الذين يشربون الخمر. و((القديد)» المطبوخ من اللحم. والطبيخ: المطبوخ، والشِّواء بكسر
الشين: المشويَ.
وبالجملة، فإن هذه الأبيات كان فيها تحريض لحمزة ظه على أن ينحر الناقتين المعقلتين
بفناء الدار، وكانتا لعليّ
قوله: (فجبّ أسنمتهما) الجبّ: الاستئصال في القطع، والأسنمة جمع السّنام، وهو ما
على ظهر البعير.
قوله: (بقر خواصرهما) البقر: الشقّ، والخواصر جمع الخاصرة.
قوله: (قلت لابن شهاب) ومن السّنام؟)) يعني: سألته هل أخذ من السّنام أيضاً كما أخذ
من الأكباد؟.
قوله: (هل أنتم إلا عبيد لآبائي) وفي رواية: ((لأبي)، و((هل)) نافية، أو لاستفهام
الإنكار. قيل: أراد أن أباه عبد المطلب جد النبيّ وَل﴾﴿ ولعليّ أيضاً، والجدّ يدعى سيّداً.
وحاصله أن حمزة أراد الافتخار عليهم بأنه أقرب إلى عبد المطلب منهم، وكان إذ ذاك في
سكر.
قوله: (يقهقِر) يعني: يمشي القهقرى، وهو المشي إلى الخلف، وكأنه فعل ذلك خشية أن
يزداد عبث حمزة في حالة سكره، فينتقل من القول إلى الفعل، فأراد أن يكون ما يقع من حمزة
بمرأى منه ليدفعه إن وقع منه شيء. كذا في فتح الباري.

٤٩٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عُثْمَانَ الْمِصْرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ؛ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: كَانَتْ لِي
شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ، يَوْمَ بَدْرٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَل﴿ أَعْطَانِي شَارِفاً مِنَ الْخُمْسِ
يَوْمَئِذٍ. فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ، بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ وََّ، وَاعَدْتُ رَجُلاً صَوَّاغاً مِنْ بَنِي
فَيْنُقَاعَ يَرْتَحِلُ مَعِيَ. فَنَأْتِي بِإِذْخِرٍ أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ. فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةٍ
عُرْسِي. فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعاً مِنَ الأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ.
٢ - ( ... ) - قوله: (أعطاني شارفاً من الخمس) استشكله ابن بطال بأن الخمس لم يكن
مشروعاً يوم بدر، وإنما شرع يوم قريظة أو بعده. لكن ردّه الحافظ في الفتح (٦: ١٩٩) بأن
سورة الأنفال التي فيها التصريح بفرض الخمس نزل غالبها في قصة بدر، وقد جزم الداودي بأن
آية الخمس نزلت يوم بدر، وقال السبكي: نزلت الأنفال في بدر وغنائمها. والذي يظهر أن آية
قسمة الغنيمة نزلت بعد تفرقة الغنائم، لأن أهل السّير نقلوا أنه وَر قسمها على السواء وأعطاها
لمن شهد الوقعة أو غاب لعذر تكرماً منه، لأن الغنيمة كانت أولاً بنص أول سورة الأنفال
للنبيّ وَّر. قال: ولكن يعكر على ما قال أهل السير حديث عليّ، يعني حديث الباب، حيث
قال: ((وأعطاني شارفاً من الخمس يومئذ)»، فإنه ظاهر في أنه كان فيها خمس قال الحافظ:
(«قلت: ويحتمل أن تكون قسمة غنائم بدر وقعت على السواء بعد أن أخرج الخمس للنبيّ وَّ على
ما تقدّم من قصة سرية عبد الله بن جحش (يعني أن عبد الله بن جحش اقترح أن يكون الخمس
للنبيّ وََّ)، وأفادت آية الأنفال ـ وهي قوله تعالى: ﴿وَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٤١]
إلى آخرها - بيان مصرف الخمس، لا مشروعية أصل الخمس، - والله أعلم -.
قوله: (أن أبتني بفاطمة) أي أدخل بها. والبناء: الدخول بالزوجة. وأصله أنهم كانوا من
أراد ذلك بنوا له قبة فخلا فيها بأهله. واختلف في دخول علي بفاطمة. وهذا الحديث يشعر بأنه
كان عقب وقعة بدر، ولعله كان في شوال سنة اثنتين، فإن وقعة بدر كانت في رمضان منها.
وقيل: تزوجها في السنة الأولى، ولعل قائل ذلك أراد العقد. ونقل ابن الجوزي أنه كان في
صفر سنة اثنتين، وقيل: في رجب، وقيل: في ذي الحجة. وهذا الأخير يشبه أن يحمل على
شهر الدخول بها. وقيل: تأخر دخوله بها إلى سنة ثلاث، فدخل بها بعد وقعة أحد، حكاه ابن
عبد البر وفيه بعد. كذا في فتح الباري.
قوله: (فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه) فيه أن ما يجمعه الصواغ يكون ملكاً له، فكيف يبيعه
عليّ رَظُه لنفسه؟ والجواب أن الصوّاغ وعده بأنه سيهب له ما يجمعه، وذلك لما بينهما من
صداقة. أو تكون مصاحبة الصواغ لمجرد الاستيناس به، ويكون كل واحد منهما مالكاً لما
يجمعه بنفسه، ولا يبيع عليّ إلا ما هو ملك له، - والله أعلم - .
قوله: (من الأقتاب والغرائر) قال العيني في العمدة (٧: ١٢٠): ((الأقتاب جمع قتب وهو

٤٩٥
كتاب: الأشربة
وَشَارِفَايَ مُنَاخَانٍ إِلَى جَنْبٍ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ. وَجَمَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ.
فَإِذَا شَارِفَايَ قَدِ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. فَلَمْ أَمْلِكْ
عيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذُلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا. قُلْتُ: مَنْ فَعَلَ هُذَا؟ قَالُوا: فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ
عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ. وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنَ الأَنْصَارِ. غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابُهُ. فَقَالَتْ فِي
غِنَائِهَا: أَلا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَقَامَ حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ. فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ
خَوَاصِرَهُمَا. فَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا. قَالَ عَلِيٍّ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَهُ
وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. قَالَ: فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ فِي وَجْهِيَ الَّذِي لَقِيتُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((مَالَكَ؟)) قلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْم قَطُ. عَدَا حَمْزَةُ
عَلَى نَاقَتَيَّ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا. وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ. قَالَ: فَدَعَا
رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه بِرِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ. ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي. وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. حَتَّى جَاءَ
الْبَابَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ. فَاسْتَأْذَنَ. فَأَذِنُوا لَهُ. فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ. فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَلُومُ
معروف، والغرائر ظرف التبن ونحوه، وهو جمع غرارة. قال الجوهري: وأظنه معرباً)) وفسّرت
الغريرة في القاموس بالجوالق. وإنما أراد عليّ رظنه أن يجمع الغرائر ليحمل فيها الإذخر.
قوله: (شارفاي مناخان) وفي رواية: ((مناختان)) وكلتا الروايتين صحيحة، لأن اللفظ مذكر
والمعنى مؤنث.
قوله: (فجمعت حين جمعت ما جمعت) وفي رواية البخاري في الجهاد: ((فرجعت حين
جمعت ما جمعت)).
قوله: (فلم أملك عينيّ) يعني: شرعت أبكي. وهذا البكاء والحزن الذي أصابه سببه ما
خافه من تقصيره في حق فاطمة رؤيتها وجهازها والاهتمام بأمرها وتقصيره أيضاً بذلك في حق
النبيّ ◌َّه ولم يكن لمجرد الشارفين من حيث هما من متاع الدنيا. كذا في شرح النووي.
قوله: (في شرب من الأنصار) الشَّربُ، بفتح الشين وسكون الراء جمع شارب، والمراد
جماعة للشاربين.
قوله: (عدا حمزة على ناقتيّ) فيه أن استعداء المظلوم على من ظلمه وإخباره بما ظلم به
خارج عن الغيبة والنميمة .
قوله: (فدعا رسول الله ( * بردائه فارتداه) فيه أن للإمام أن يمضي إلى بيت من بلغه أنهم
على منكر ليغيره، وفيه أن للكبير في بيته أن يلقي ردائه تخفيفاً، وأنه إذا أراد لقاء أتباعه يكون
على أكمل هيئة. كذا في فتح الباري.
قوله: (فأذنوا له) قال الحافظ: ((فيه سنة الاستئذان في الدخول، وأن الإذن للرئيس يشمل

٤٩٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ. فَإِذَا حَمْزَةُ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ. فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ. ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ
فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ. ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ. ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ. فَقَالَ حَمْزَةُ:
وَهَلْ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَّبِي؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنَّهُ ثَمِلٌ. فَتَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى
عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَىُ. وَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ.
وَحَدَّثَنِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥١٠٢ - (٣) حدّثني أَبُو الرَّبِيع، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ
زَيْدٍ). أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ، يَوْمَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، فِي
أتباعه، لأن زيد بن حارثة وعليّاً دخلا مع النبيّ وَّل، وهو الذي كان استأذن، فأذنوا له.
قوله: (أنه ثمل) بفتح الثاء وكسر الميم، أي: سكران، وثمل الرجل، كسمعه، إذا سكر.
قوله: (وخرج وخرجنا معه) سكت الراوي عما جرى بعد ذلك في أمر تضمين حمزة ثمن
الناقتين، فزعم منه بعض أن النبيّ وَّر لم يضمن حمزة شيئاً، ومن هنا قال المهلب: ((فيه أن
العادة جرت بأن جناية ذوي الرحم مغتفرة)) ولكن تعقبه الحافظ في الفتح (٦: ٢٠١) بأن ابن أبي
شيبة روى عن أبي بكر بن عياش أن النبيّ وَّ ر أغرم حمزة ثمن الناقتين.
وإنما أورد المصنّف تَشُ هذا الحديث في أول كتاب الأشربة ليتبين به حكمة تحريم
الخمر، فإنّ الإنسان بعد شربها لا يملك نفسه، فيعتدي على مال الغير، ويرتكب ما فيه غضاضة
له، فإن حمزة ربه مع كونه عماً لرسول الله وَّل، كان من أكثر الناس إجلالاً له عل*، وما كان
يتصور منه أن يخاطب رسول الله وَله بما خاطبه به في حالة السكر.
٣ - (١٩٨٠) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في المظالم، باب
صبّ الخمر في الطريق، (رقم: ٢٤٦٤)، وفي تفسير سورة المائدة، باب ﴿إِنََّ الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ﴾
إلخ، (رقم: ٤٦١٧)، وباب ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إلخ
(رقم: ٤٦٢٠)، وفي الأشربة، باب الخمر من العنب وغيره، (رقم: ٥٥٨٠)، وباب نزل تحريم
الخمر، وهي من البسر والتمر، (رقم: ٥٥٨٢ و ٥٥٨٣ و٥٥٨٤)، وباب من رأى أن لا يخلط
البسر والتمر إذا كان مسكراً، (رقم: ٥٦٠٠)، باب خدمة الصغار الكبار، (رقم: ٥٦٢٢)، وفي
أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق إلخ، (رقم: ٧٢٥٣). وأخرجه أبو
داود في الأشربة، باب في تحريم الخمر، (رقم: ٣٦٧٣)، والنسائي في الأشربة، باب ذكر
الشراب الذي أهرق بتحريم الخمر، (رقم: ٥٥٤١ إلى ٥٥٤٣).
قوله: (كنت ساقي القوم) والذي يتلخص من الروايات الآتية أن القوم كان فيهم أبو

٤٩٧
كتاب: الأشربة
بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ. وَمَا شَرَابُهُمْ إِلَّ الْفَضِيخُ: الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي. فَقَالَ: اخْرُجْ
أيوب، وأبو طلحة، وأبو عبيدة، ومعاذ بن جبل، وأبو دجانة، وسهيل بن بيضاء، وأبيّ بن كعب
في رهط من الأنصار ﴿، ووقع عند عبد الرزاق أنهم كانوا أحد عشر رجلاً، وفي رواية
للبخاري في الباب الثالث من الأشربة: ((كنت قائماً على الحي أسقيهم عمومتي، وأنا أصغرهم،
الفضیخ».
وقد وقع في رواية لابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان عن أنس أن أبا بكر
وعمر كانا فيهم، ذكره الحافظ في الفتح (١٠: ٣٧)، ثم قال: ((وهو منكر مع نظافة سنده، وما
أظنه إلا غلطاً، وقد أخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة شعبة من حديث عائشة قالت: حرم أبو
بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام. ويحتمل إن كان محفوظاً أن يكون أبو
بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربا معهم. ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن
أنس، قال: كنت ساقي القوم، وكان في القوم رجل يقال له أبو بكر، فلما شرب قال: تحيى
، فدخل علينا رجل من المسلمين فقال: قد نزل تحريم الخمر،
بالسلامة أم بكر،
الحديث. وأبو بكر هذا يقال له: ابن شغوب، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق، وليس كذلك،
لكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق)). والله سبحانه أعلم.
قوله: (وما شرابهم إلا الفضيخ) الفضيخ في اللغة من باب منع، هو الكسر، ولا يكون إلا
في شيء أجوف، كما في القاموس. والفضيخ شراب التمر. قال النووي: ((قال إبراهيم الحربي:
الفضيخ أن يفضخ البسر ويصب عليه الماء، ويتركه حتى يغلي. وقال أبو عبيد: ((هو ما فضخ من
البسر من غير أن تمسه نار، فإن كان معه تمر فهو خليط)». وقال الحافظ في الفتح: أما الفضيخ
فهو بفاء وضاد معجمتين وزن عظيم: اسم للبسر إذا شدخ ونبذ ... وقد يطلق الفضيخ على
خليط البسر والرطب كما يطلق على خليط البسر والتمر، وكما يطلق على البسر وحده وعلى
التمر وحده. والظاهر أن الذي أراد أنس هنا هو الخليط من البسر والتمر، ولذا فسّره بقوله:
((البسر والتمر)).
واستدل الجمهور على تحريم جميع الأنبذة المسكرة، وأنها كلها تسمى خمراً، وفيه
خلاف لأبي حنيفة وبعض أهل البصرة، وسيأتي بيانه وبيان الأدلة في هذا الباب قريباً في آخر
هذا الحديث إن شاء الله تعالى.
قوله: (فإذا مناد ينادي) قال الحافظ: لم أقف على اسمه وقد وقع في بعض الروايات أن
رجلاً من المسلمين دخل عليهم فأخبرهم بتحريم الخمر، ويمكن الجمع بينهما بأنه وقع كل ذلك
فنادى مناد، وسمعه أحد من المسلمين ودخل عليهم فأخبرهم.
قوله: (فقال: اخرج فانظر) يعني: قال لي أبو طلحة، ووقع التصريح بذلك فيما سيأتي عن
رواية سعيد عن قتادة .

٤٩٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَانْظُرْ. فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي: ((أَلاَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ)). قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكِكٍ
الْمَدِينَةِ. فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا. فَهَرَقْتُهَا. فَقَالُوا (أَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ): قُتِلَ فُلاَنٌ،
قُتِلَ فُلاَنْ. وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ. (قَالَ فَلاَّ أَذْرِي هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ :
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ﴾
[المائدة: ٩٣].
قوله: (فجرت في سكك المدينة) يعني: توارد المسلمون على إراقتها، فجرت في الأزقة
لكثرتها وفي رواية لابن مردويه: ((فانصبت حتى استنقعت في بطن الوادي)) وفي رواية لعبد الرزاق
في مصنفه (٩: ٢١٢): ((حتى كادت السكك أن تمنع من ريحها)) ولم يبال المسلمون بما استلزم
ذلك من تلوث الطرق. لأنهم قصدوا إشاعة تحريمها، فاحتملوا أخف المفسدتين، لحصول
المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار.
قوله: (فأهرقها) أصله ((أرقها)) وزيدت فيه الهاء على خلاف القياس، وأبدلت الهمزة
كذلك بالهاء في قوله: ((هرقتها)).
قوله: (فقالوا، أو قال بعضهم) وروى البزار من حديث جابر أن الذين قالوا ذلك كانوا من
اليهود كما في فتح الباري (٩: ٢٧٩) ويحتمل أن الذين بدؤوا بهذا القول هم اليهود، ثم عرضت
هذه الشبهة لبعض المسلمين أيضاً، فسألوا عن ذلك رسول الله ويت يقول كما سيأتي.
قوله: (قتل فلان وهي في بطونهم) يعني: أنهم قد شربوا الخمر على أنها لم تحرم لم
تحرم عليهم يومئذ، وبما أن القرآن أخبر الآن بكونها رجساً، فإن هذا الرجس لم يزل في
بطونهم، فهل يعاقبون بذلك؟
قوله: (فلا أدري هو من حديث أنس) شك الراوي في أن حديث أنس قد انتهى على
قوله: ((وهي في بطونهم)) أو اشتمل على ما بعده من بيان نزول الآية في ذلك.
قوله: (فيما طعموا) قال القرطبي: ((معنى ((طعموا)) شربوا، كقول طالوت في الماء: ومن
لَّمْ يَطعَمه، وأصل اللفظة في المطعوم، لا في المشروب، لكن قد يتجوز بها، فتستعمل في
المشروب)) كذا في شرح الأبّي.
اختلاف الفقهاء في أحكام الأشربة:
إن الفقهاء بعد إجماعهم على تحريم الخمر، اختلفوا في تفصيل أحكامها على أقوال
ثلاثة :
١ - الأول: قول الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وقول محمد بن الحسن من
الحنفية، والجمهور وهو أن جميع الأشربة المسكرة تسمى خمراً، وهي حرام قليلها وكثيرها.
يحد شاربها سواء شرب منها لحد المسكر أو أقل منه، وكلها نجسة لا يجوز بيعها .

٤٩٩
كتاب: الأشربة
٢ - والثاني: قول ربيعة وداود وهو أن الأشربة كلها محرمة، ولكنها ليست نجسة. وراجع
لتفصيل القولين المجموع شرح المهذب للنووي (٢: ٥٦٩ و ٥٧٠).
٣ - والثالث: قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وإبراهيم النخعي، وبعض أهل البصرة. وهو
أن الأشربة على أقسام:
الأول: النَّيء من ماء العنب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد (ولا يشترط أبو يوسف قذف
الزبد) وهو الخمر حقيقة، ولا شبهة في كونه خمراً، فيحرم قليله وكثيره، ويحدّ شاربه مطلقاً،
سواء شرب منه قطرة، وهو نجس العين، لا يجوز بيعه وشراؤه.
والثاني: الأشربة الثلاثة المحرمة، وهي:
الطلاء، وهو عصير العنب إذا طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه.
(ب) نقيع التمر، المسمى بالسّكّر (بفتحتين)، وهو النيء من ماء التمر.
(ج) نقيع الزبيب، وهو الماء النيء الذي ألقي فيه الزبيب أياماً حتى اشتد وغلا .
وإن هذه الأشربة خمر عند أبي حنيفة في الصحيح(١)، فلذلك هي حرام نجسة يحرم شربها
قليلة كانت أو كثيرة، ولكن كونها خمراً ليس قطعيّاً كقطعية القسم الأول، بل هناك شبهة في
كونها خمراً، فيسقط الحد عن شاربها لمكان هذه الشبهة، وإنما يحدّ إذا أسكر منها. والخلاصة
أن هذا القسم له شبه بالقسم الأول، فيحرم قليله وكثيره ويحكم بنجاسته، وله شبه بالقسم
الثالث، فلا يحد شاربه إلا إذا أسكر، ويجوز بيعها عند أبي حنيفة، خلافاً لصاحبيه.
والقسم الثالث: الأشربة المسكرة الأخرى، غير الأقسام الأربعة المذكورة، مثل نبيذ التمر
أو الزبيب المطبوخ أدنى طبخة، أو عصير العنب المطبوخ الذي ذهب ثلثاه، وكذلك نبيذ العسل،
والتين، والحنطة، والشعير، والحبوب الأخرى.
وحكم هذا القسم عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، أنه لا يحرم منه شرب القليل
الذي لا يسكر، وإنما يحرم منه القدر المسكر.
(١) وقد نسب بعضهم إلى أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يقول بكون هذه الأشربة خمراً، وهذا خلاف التحقيق،
لأنها لو لم تكن خمراً عنده لجاز شرب قليلها عنده كما يجوز في القسم الثالث، ولما حكم بنجاستها،
ويؤيده ما نقله الطحاوي في اختلاف العلماء عن أبي حنيفة: ((أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، والسكر حرام
من غيرها)) كما حكاه عنه الحافظ في الفتح ٣٦/١٠ لأن هذه الأشربة لو لم تكن خمراً عنده لما حرم قليلها
وكثيرها في حين أن الحرمة المطلقة مختصة بالخمر عنده. فالصحيح أن هذه الأشربة الثلاثة خمر عنده، إلا
أن خمريتها ظنية بخلاف القسم الأول، فلم تظهر في حق وجوب الحد بشرب القليل، لأن الحدود تندرىء
بالشبهات، هذا ملخص ما حققه شيخنا في إعلاء السنن ١٨/ ٢٠.

٥٠٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وإليك الآن تفصيل الدلائل :
١ - استدل الإمام أبو حنيفة كَّفُ تعالى بأن لفظ الخمر في أصل اللغة إنّما يطلق على النيء
من ماء العنب. وحكى ابن منظور في اللسان (٥: ٣٣٩) عن ابن سيده أنه أنكر على من قال: إن
الخمر قد تكون من الحبوب، ورد عليه بقوله: ((وأظنه تسمّحا منه، لأن حقيقة الخمر إنما هي
العنب دون سائر الأشياء)) وعرّفه ابن سيده نفسه في المخصّص (١١: ٧٢) بقوله: ((الخمر: ما
أسكر من عصير العنب، والجمع خمور)). وقال ابن الأعرابي: ((سميت الخمر خمراً لأنّها تركت
فاختمرت، واختمارها: تغيّر ريحها. ويقال: سميت بذلك لمخامرتها العقل)) حكاه الجوهري في
الصحاح (٢: ٦٤٩). وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٩: ٢٣٤، رقم: ١٧٥٤) عن ابن المسيّب
مرسلاً، قال: قال النبيّ وَّر: ((الخمر من العنب، والسكر من التمر، والمِزر من الذرة، والغبيراء
من الحنطة، والبتع من العسل، كل مسكر حرام» وهذا صريح في أن الخمر إنما تكون من
العنب، وهو مرسل سعيد بن المسيب، ومراسيله مقبولة بالإجماع، غير أن في إسناده إبراهيم بن
أبي يحيى، تركه الكثيرون، واحتج به الشافعيّ.
وأخرج عبد الرزاق أيضاً في مصنفه (٩: ٢٢٢) عن ابن عمر في قصة قال: ((أما الخمر
فحرام لا سبيل إليها، وأما ما سواها من الأشربة فكل مسكر حرام) ففصل ابن عمر الخمر عن
غيرها من الأشربة المسكرة، فدل على أن جميع الأشربة المسكرة لا تسمى خمراً.
فتبين بهذا أن كلمة الخمر في أصل اللغة موضوعة لما اختمر من ماء العنب النيء، وإنّما
تستعمل لغيره توسعاً أو مجازاً، إلا أن حديث الباب، وحديث أبي هريرة الآتي بعد ما بين
(الخمر من هاتين الشجرتين)» أفاد أن الطلاء نقيع التمر والزبيب خمر أيضاً. فصار في حكمها في
حرمة الشرب والنجاسة، ولكن كونها خمراً إنما ثبت بدليل ظني، وهو خبر الواحد، فبقيت في
خمريتها شبهة. ولذلك لم تكن في معنى الخمر في حق الحدود، لأنها تندرىء بالشبهات. وأما
غيرها من الأشربة فسميت خمراً مجازاً لجامع السّكر. فكان السّكر علّة لحرمتها، فلا تحرم
بدونه، ولذلك قلنا: إنها لا تحرم منها إلا القدر المسكر. وبما أنها ليست حراماً لعينها، فإنها
ليست نجسة.
٢ - واستدل الإمام أبو حنيفة أيضاً بما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ٣٢٤)
عن عبد الله بن عباس قال: ((حرّمت الخمر لعينها، والسّكر من كل شراب)) وهكذا رواه أبو
بكر بن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي نعيم، وأخرجه أيضاً من طريق ابن أبي خيثمة قاسم بن
أصبغ، وقال ابن حزم: صحيح، كما في الجوهر النقي (٨: ٢٩٧). وأخرجه النسائي
(رقم: ٥٦٨٤) من طريق سريج بن يونس، قال: حدثنا هشيم، عن ابن شبرمة، قال: حدثني
الثقة، عن عبد الله بن شدّاد، عن ابن عبّاس، قال: ((حرّمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها،