النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب: الصيد والذبائح
وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبَّا مَحْنُوذاً. قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بِنْتُ
الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ. فَقَدَّمَتِ الضُّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ. وَكَانَ قَلَّمَا يُقَدَّمُ إِلَيْهِ طَعَامٌ حَتَّى يُحَدَّثَ
بِهِ وَيُسَمَّى لَهُ. فَأَهْوَىْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ؛
أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ وََّ بِمَا قَدَّمْتُنَّ لَهُ. قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَرَفَعَ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَدَهُ. فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: أَحَرَامُ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لاَ.
وَلْكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضٍ قَوْمِي. فَأَجِدُنِي أَعَانُهُ» .
قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ. وَرَسُولُ اللَّهِ يَنْظُرُ. فَلَمْ يَنْهَنِي . ..
٥٠١٠ - (٤٥) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ). حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أَمامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ دَخْلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ عَلِّى مَيَمُونَةً بِنْتِ الْحَارِثِ. وَهِيَ خَالَتُهُ. فَقُدِّمَ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ لَحْمُ ضَبٍّ، جَاءَتْ بِهِ أُمُّ حُفَيْدٍ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ. وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ
مِنْ بَنِي جَعْفَرٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لاَ يَأْكُلُ شَيْئاً حَتَّى يَعْلَمَ مَا هُوَ. ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
يُونُسَ. وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَحَدَّثَهُ ابْنُ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةً. وَكَانَ فِي حَجْرِهَا .
٥٠١١ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
اختلف فيه على الزهريّ، ومالك، فروي عنهما ما يدل على أن الحديث من مسند ابن عباس،
وروي أنه من رواية ابن عباس عن خالد، والجمع بين الطريقين على ما ذكره الحافظ في الفتح
(٩: ٦٦٤) أن ابن عباس كان حاضراً للقصة في بيت خالته ميمونة، وكأنه استثبت خالد بن
الوليد في شيء منه لكونه باشر السؤال عن حكم الضبّ وباشر أكله، فكان ابن عباس ربما رواه
عنه .
قوله: (وهي خالته وخالة ابن عباس) اسم أم خالد لبابة الصغرى، واسم أم ابن عباس
لبابة الكبرى، وكانت تكنى أم الفضل، وهما أختا ميمونة، والثلاث بنات الحارث بن حزن،
بفتح الحاء.
قوله: (حفيدة بنت الحارث) بضم الحاء مصغراً، وقيل: اسمها هزيلة، وبهذا الاسم ذكرها
الحافظ في الإصابة (٤: ٤٠٦)، وكنيتها أم حفيد، كما سيأتي في الرواية الآتية، وكانت نكحت
في الأعراب.
قوله: (لم يكن بأرض قومي) يعني: أرض مكة، ولا يمنع ذلك أن توجد الضباب في
غيرها من مناطق الحجاز.

٤٤٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ وَّهُ وَنَحْنُ
فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ بِضَبَّيْنِ مَشْوِيَّيْنِ. بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ. وَلَّمْ يَذْكُرْ: يَزِيدَ بْنَ الأَصَمِّ، عَنْ مَيْمُونَةً.
٥٠١٢ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ جَدِّي.
حَذَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلاَلٍ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ؛ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ
سَهْلٍ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللّهِ بَّهَ، وَهُوَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ. وَعِنْدَهُ
خَالِدٌ بْنُ الْوَلِيدِ، بِلَحْمٍ ضَبٍّ. فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ.
٥٠١٣ - (٤٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ. قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: أَخْبَرَنَا
غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: سِّمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍَ يَقُولُ:
أَهْدَتْ خَالَتِي أُمُّ حُفَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِوَ سَمْناً وَأَقِطاً وَأَضُبًّا. فَأَكَلَ مِنَ السَّمْنِ وَالأَقِطِ،
وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذَّراً. وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللَّهِ بَلِهِ. وَلَوْ كَانَ حَرَاماً مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةٍ
رَسُولِ اللهِ وَهُوِ.
٥٠١٤ - (٤٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ،
عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ. قَالَ: دَعَانَا عَرُوسٌ بِالْمَدِينَةِ. فَقَرَّبَ إِلَيْنَا ثَلاثَةَ عَشَرَ ضَبًّا. فَآكِلٌ
وَتَارٌِ. فَلَقِيَتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْغَدِ. فَأَخْبَرْتُهُ. فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ. حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ؛ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((لاَ آَكُلُهُ، وَلاَ أَنْهَى عَنْهُ، وَلاَ أُحَرِّمُهُ)). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: بِئْسَ مَا قُلْتُمْ.
مَا بُعِثَ نَبِيُّ اللّهِ وَلَهَ إِلَّ مُحِلاَّ وَمُحَرِّماً. إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ، بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ، وَعِنْدَهُ
الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَامْرَأَةٌ أُخْرَى. إِذْ قُرِّبَ إِلَيْهِمْ خِوَانٌ عَلَيْهِ لَحْمٌ. فَلَمَّا أَرَادَ
النَّبِيُّ وَِّ أَنْ يَأْكُّلَ قَالَتْ لَهُ مَيْمُونَةُ: إِنَّهُ لَحْمُ ضَبِّ. فَكَفَّ يَدَهُ. وَقَالَ: ((هُذَا لَحْمٌ لَمْ آكُلُهُ
قَطُّ)). وَقَالَ لَهُمْ: ((كُلُوا)) فَأَكَلَ مِنْهُ الْفَضْلُ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْمَرْأَةُ.
٤٧ - (١٩٤٨) - قوله: (دعانا عروس) وهو الرجل الذي تزوج قريباً، ويطلق على الذكر
والأنثى.
قوله: (بئس ما قلتم) لعلّه أنكر منهم زعمهم بأن رسول الله ◌َّ لم يبيّن حكمه.
قوله: (قرّب إليهم خِوَان) بكسر الخاء، وهو أفصح من ضمها، وهذا بظاهره يعارض ما
روي أنه ظلَّل ما أكل على خِوان، فأجاب القاضي والنووي عن هذا التعارض أن المراد هنا:
السّفرة المعتادة، وليس الخِوان الذي هو من عادة الأعاجم، وهو الذي نفي في الحديث
المذكور. ولكن قال القرطبي: إنّ النفي محمول على غالب الأحوال، ولا يعارض ما ثبت عنهم
مرة أو مرتين. وذكر القرطبي أن الخوان ما يوضع عليه الطعام قبل أن يوضع، فإن وضع عليه
الطعام فهو مائدة. وراجع شرح الأبي.

٤٤٣
كتاب: الصيد والذبائح
وَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: لاَ آَكُلُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّ شَيْءٌ يَأْكُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ.
٥٠١٥ - (٤٨) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أُتِيَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِضَبٍّ. فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ. وَقَالَ: ((لاَ أَدْرِيَ. لَعَلَّهُ مِنَ الْقُرُونِ الَّتِي
مُسِخَتْ)).
٥٠١٦ - (٤٩) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ. قَالَ: سَأَلْتُ جَابِراً عَنِ الضَّبِّ؟ فَقَالَ: لاَ تَطْعَمُوهُ. وَقَذِرَهُ. وَقَالَ: قَالَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّبِيَّ وَِّ لَمْ يُحَرِّمْهُ. إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ. فَإِنَّمَا
طَعَامُ عَامَّةِ الرِّعَاءِ مِنْهُ. وَلَوْ كَانَ عِنْدِي طَعِمْتُهُ.
٥٠١٧ - (٥٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ
أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ مَضَبَّةٍ. فَمَا تَأْمُرُنَا؟
أَوْ فَمَا تُفْتِينَا؟ قَالَ: ((ذُكِرَ لِي أَنَّ أُمَّةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُسِخَتْ)) فَلَمْ يَأْمُرْ وَلَمْ يَنْهَ .
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذُلِكَ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَنْفَعُ بِهِ غَيْرَ وَاحِدٍ .
وَإِنَّهُ لَطَعَامُ عَامَّةٍ هَذِهِ الرِّعَاءِ. وَلَوْ كَانَ عِنْدِي لَطَعِمْتُهُ. إِنَّمَا عَافَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ.
٤٨ - (١٩٤٩) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) هذا الحديث لم أجده عند غير مسلم.
قوله: (لعلّه من القرون التي مسخت) وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٧٩٥) عن ثابت بن وديعة
في قصة ضب مشويّ مرفوعاً: ((إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابّ في الأرض، وإني لا
أدري أيّ الدوابّ هي؟)) وأخرج أحمد وابن حبان والطحاوي عن عبد الرحمن بن حسنة مرفوعاً:
((إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابّ في الأرض، فأخشى أن تكون هذه، فأكفئوها)) وقال
الطبري: «ليس في الحديث الجزم بأن الضب مما مسخ، وإنما خشي أن يكون منهم فتوقف عنه،
وإنما قال ذلك قبل أن يُعلم الله تعالى نبيّه أن الممسوخ لا ينسل. وبهذا أجاب الطحاوي، ثم
أخرج من طريق المعرور بن سويد عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله وَلّر عن القردة
والخنازير أهي مما مسخ؟ قال: إن الله لم يهلك قوماً - أو يمسخ قوماً - فيجعل لهم نسلاً ولا
عاقبة. كذا في الفتح.
٥٠ - (١٩٥١) - قوله: (عن أبي سعيد) لم يخرجه من الأئمة الستة إلا المصنف.
قوله: (مضبّة) بفتح الميم والضاد، اسم ظرف، وقيل: بضم الميم وكسر الضاد، أي:
ذات ضباب كثيرة.

٤٤٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٠١٨ - (٥١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلِ الدَّوْرَقِيُّ.
حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَغْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ فَقَالَ: إِنِّي فِي غَائِطِ
مَضَبَّةٍ. وَإِنَّهُ عَامَّةُ طَعَامٍ أَهْلِي. قَالَ: فَلَمْ يُحِبْهُ. فَقُلْنَا: عَاوِذْهُ. فَعَاوَدَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ. ثَلاَثًاً.
ثُمَّ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَه فِي الثَّالِئَةِ فَقَالَ: ((يَا أَغْرَابِيُّ، إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَوْ غَضِبَ عَلَى سِبْطِ مِنْ
بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَمَسَخَهُمْ دَوَّابَّ يَدِبُّونَ فِي الأَرْضِ. فَلاَ أَدْرِي لَعَلَّ هُذَا مِنْهَا. فَلَسْتُ آكُلُهَا
وَلاَ أَنْهَى عَنْهَا)) .
(٨) - باب: إباحة الجراد
٥٠١٩ - (٥٢) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ سَبْعَ غَزَوَاتٍ. فَأْكُلُ الْجَرَادَ.
٥١ - ( ... ) - قوله: (إني في غائط) الغائط: الأرض المطئمنة.
(٨) - باب: إباحة الجراد
٥٢ - (١٩٥٢) - قوله: (عن عبد الله بن أبي أوفى) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الصيد، باب الجراد، (رقم: ٥٤٩٥)، وأبو داود في الأطعمة، باب في أكل الجراد،
(رقم: ٣٨١٢)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في أكل الجراد، (رقم: ١٨٨١
إلى ١٨٨٣)، والنسائي في الصيد، باب الجراد، (رقم: ٤٣٥٦ و ٤٣٥٧).
قوله: (نأكل الجراد) حيوان معروف فيه خصائص عجيبة، ذكر بعضها الشهرزوري في
قوله :
وقادمتا نسر، وجؤجؤ ضيغم
لها فخذا بكر، وساقا نعامة
عليها جياد الخيل بالرأس والفم
حبتها أفاعي الرعل بطنا وأنعمت
قيل: وله عين الفيل، وعنق الثور، وقرن الأيّل، وذنب الحيّة، وهو صنفان: طيّار،
ووثاب، ويبيض في الصخر فيتركه حتى ييبس وينتشر فلا يمرّ بزرع إلا اجتاحه. كذا في فتح
الباري.
وأجمع العلماء على حلّ أكل الجراد، إلّ ما ذكره ابن العربي من حرمة جراد الأندلس
لسمّيته. ثم الجمهور على أنه حلال وإن مات حتف أنفه، وبه يقول الحنفية، وقال مالك في
المشهور عنه وأحمد في رواية: لا يحل إلا إذا مات بسبب، بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يلقى
في النار حيّاً أو يشوى، فإن مات حتف أنفه لم يحل. وحجة الجمهور عموم قوله ظلئلا: ((أحلّت
لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت)» وقد تقدم تخريجه في باب ميتات البحر. وكان

٤٤٥
كتاب: الصيد والذبائح
٥٠٢٠ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي
عُمَرَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: سِتَّ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ:
◌ِتُّ أَوْ سَبْعٌ.
٥٠٢١ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
بَشَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ:
سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
(٩) - باب: إباحة الأرنب
٥٠٢٢ - (٥٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
هِشام بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: مَرَّرْنَا فَاسْتَنْفَجْنَا أَرْنَباً بِمَرِّ الظّهْرَانِ. فَسَعَوْا عَلَيْهِ
فَلَغَبُوا. قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَدْرَكْتُهَا. فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ. فَذَبَحَهَا. فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا
إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَهِ. فَأَتَيْتُ بِهَا رَسُولَ اللّهِ وَ، فَقَبِلَهُ.
قياس هذا الحديث أن يحل السمك الطافي أيضاً، ولكن خصّه الحنفية بحديث جابر: ((ما مات
فيه وطفا فلا تأكلوه))وقد مرّ الكلام عليه هناك.
(٩) - باب: إباحة الأرنب
٥٣ - (١٩٥٣) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الصيد، باب
الأرنب، (رقم: ٥٥٣٥)، وباب ما جاء في التصيد، (رقم: ٥٤٨٩)، وفي الهبة، باب قبول
هدية الصيد، (رقم: ٢٥٧٢)، وأخرجه أبو داود في الأطعمة، باب في أكل الأرنب،
(رقم: ٣٧٩١)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في أكل الأرنب، (رقم: ١٨٤٩)،
والنسائي في الصيد، باب الأرنب، (رقم: ٤٣١٢)، وابن ماجه في الصيد، (رقم: ٣٢٨٤).
قوله: (فاستنفجنا) يقال: نفج الأرنب أو انتفج، إذا ثار وعدا، والإنفاج والاستنفاج:
إثارته من موضعه. وقيل: الانتفاج: الاقشعرار، فكأن المعنى: جعلناها تنتفج بطلبنا لها .
قوله: (بمرّ الظهران) بفتح الميم، اسم موضع على مرحلة من مكة و ((مرّ)) قرية ذات نخل
وزرع ومياه، و((الظهران)) واد، والعامّة تقوله: ((بطن مرو)).
قوله: (فلغبوا) بكسر الغين، أي: تعبوا، وزناً ومعناً .
قوله: (حتى أدركتها) وفي رواية لأبي داود: ((وكنت غلاماً حزوّراً)) يعني: المراهق.
قوله: (فقبله) وزاد البخاري في الهبة: ((قلت: وأكله؟ قال: وأكل منه، ثم قال بعد: قبله))

٤٤٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ.
حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةً، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثٍ يَحْيَى:
بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا .
(١٠) - باب: إباحة ما يستعان به
على الاصطياد والعدوّ، وكراهة الخذف
٥٠٢٣ - (٥٤) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ
ابْنِ بُرَيْدَةَ. قَالَ: رَأَىْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يَخْذِفُ. فَقَالَ لَهُ: لاَ
فكأن الراوي توقف في الجزم بأكله. ولكن أخرج النسائي عن أبي هريرة أن النبيّ وَلّ أمر
أصحابه بأكله، ورجاله ثقات، وأخرج الدارقطني عن عائشة: ((أهدي إلى رسول الله وَلّ أرنب
وأنا نائمة، فخبأ لي منها العجز، فلما قمت أطعمني)) ولكن سنده ضعيف.
وقد اتفق العلماء على جواز أكل الأرنب إلا ما روي عن عبد الله بن عمرو، وعكرمة،
وابن أبي ليلى من القول بكراهتها، احتجاجاً بحديث خزيمة بن جزء: ((قلت: يا رسول الله! ما
تقول في الأرنب؟ قال: لا آكله ولا أحرّمه، قلت: فإني آكل ما لا تحرمه، ولم يا رسول الله؟
قال: نبئت أنها تدمى)) يعني: تحيض، وسنده ضعيف، وله شواهد ذكرها الحافظ في فتح الباري
(٩: ٦٦٢). ولو ثبت، فإنه محمول على الكراهة الطبيعية، - والله أعلم - .
وأخرج أبو يوسف في كتاب الآثار له (ص: ٢٣٧) من طريق أبي حنيفة، عن موسى بن
طلحة، عن ابن الحوتكية أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب عن الأرنب، فقال: لولا أني أخاف
أن أزيد في الحديث شيئاً أو أنقص لحدثتكم، ولكني مرسل إلى بعض من شهد الحديث، فأسل
إلى عمار بن ياسر ﴿يًّ، فقال: حدثنا حديث الأرنب يوم كنا بقاع كذا وكذا. قال: فقال: أتى
رجل النبيّ وَ ل بأرنب، فأمر بأكلها، فقال: إني رأيت دما، قال: ليس بشيء، وقال: فكل،
قال: إني صائم، قال: صوم ماذا؟ قال: من كل شهر ثلاثة أيام، قال: أفلا جعلتهنّ البيض؟))
حكاه شيخنا في إعلاء السنن (١٧: ١٩٤) ثم قال: ((وابن الحوتكية ذكره ابن حبان في الثقات،
روى له النسائي، فالحديث حسن صحيح، وهو أوضح شيء في الباب وأبينه.
(١٠) - باب: إباحة ما يستعان به على الاصطياد والعدوّ إلخ
٥٤ - (١٩٥٤) - قوله: (رأى عبد الله بن مغفل) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير
سورة الفتح، باب ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (رقم: ٤٨٤١)، وفي الصيد والذبائح، باب
الخذف والبندقة، (رقم: ٥٤٧٩)، وفي الأدب، باب النهي عن الخذف، (رقم: ٦٢٢٠).
وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في الخذف، (رقم: ٥٢٧٠)، والنسائي في القسامة، باب دية

٤٤٧
كتاب: الصيد والذبائح
تَخْذِفْ. فَإِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِهِ كَانَ يَكْرَهُ - أَوْ قَالَ - يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ، فَإِنَّهُ لاَ يُصْطَادُ بِهِ
الصَّيْدُ، وَلاَ يُنْكَأُ بِهِ الْعَدُوُّ وَلكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ. ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذُلِكَ يَخْذِفُ. فَقَالَ
لَهُ: أُخْبِرُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ كَانَ يَكْرَهُ، أَوْ يَنْهَى عَنِ الْخَذْفِ، ثُمَّ أَرَاكَ تَخْذِفُ! لاَ
أُكَلِّمُكَ کَلِمَةً. كَذَا وَكَذَا .
٥٠٢٤ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. أَخْبَرَنَا
كَهْمَسٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٥٠٢٥ - (٥٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ.
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ عَنِ الْخَذْفِ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ فِي حَدِيثِهِ: وَقَالَ: إِنَّهُ لاَ يَنْكُأُ
الْعَدُوَّ وَلاَ يَقْتُلُ الصَّيْدَ. وَلَكِنَّهُ يَكْسِرُ السِّنَّ وَيَفْقَأُ الْعَيْنَ. وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: إِنَّهَا لاَ تَنْكَأُ
الْعَدُوَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ: تَفْقَأُ الْعَيْنَ.
٥٠٢٦ - (٥٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ أَنَّ قَرِيباً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مُغَفَّلٍ خَذَفَ. قَالَ: فَنَهَاهُ وَقَالَ: إِنَّ
جنين المرأة، (رقم: ٤٨١٥)، وابن ماجه في الصيد، باب النهي عن الخذف، (رقم: ٣٢٦٦
و ٣٢٦٧).
قوله: (يخذف) بكسر الذال، وهو رمي الإنسان بحصاة أو نواة ونحوهما، يجعلها بين
إصبعيه السبابتين، أو الإبهام والسبابة، أو على ظاهر الوسطى وباطن الإبهام. والظاهر أنه كان
لعباً يلعب به أهل العرب.
قوله: (فإنّه لا يصطاد به الصيد) قال الحافظ في الفتح (٩: ٦٠٧): ((وأطلق الشارع أن
الخذف لا يصاد به لأنه ليس من المجهزات، وقد اتفق العلماء - إلا ما شذ منهم - على تحريم
أكل ما قتلته البندقة والحجر ... وإنما كان ذلك لأنه يقتل بقوة راميه لا بحده)) وقد أشبعنا الكلام
في هذه المسألة أول كتاب الصيد.
قوله: (ولا يُنكأ به العدوّ) هكذا روي مهموزاً، والأوجه في اللغة أن يكون ((ينكى)) بغير
همز، يقال: نكيت العدو، وأنكيته نكاية، أي: أصبت منه، وبالغت في إيذائه، وفيه لغة بالهمز،
فعلى هذا رواية الهمزة صحيحة في اللغة أيضاً، كذا حققه النووي والحافظ.
قوله: (لا أكلمك كلمة كذا وكذا) يعني: كذا مرة، وسيأتي في الرواية الأخيرة: ((لا
أكلمك أبداً)) وفيه جواز هجر الرجل لارتكاب معصية أو بدعة، أو مخالفة سنة، وليس ذلك من
الهجران الممنوع، فإنه الهجران لأجل حظ النفس.

٤٤٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ: ((إِنَّهَا لاَ تَصِيدُ صَيْداً وَلاَ تَنْكَأُ عَدُوًّا. وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ
السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ)) قَالَّ: فَعَادَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ! لاَ
أُكَلِّمُكَ أَبَداً.
٥٠٢٧ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا الَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ.
(١١) - باب: الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة
٥٠٢٨ _ (٥٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ
الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةً، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ. قَالَ: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَلهَ. قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ.
وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ. وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ. فَلْيُرِحْ ذَبِيَتَهُ)).
٥٠٢٩ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
(١١) - باب: الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة
٥٧ - (١٩٥٥) - قوله: (عن شدّاد بن أوس) بن ثابت الأنصاري أبي يعلى المدني، هو
وأبوه صحابيان، وأبوه شهد بدراً واستشهد بأحد، طها. وسكن شدّاد الشام، وكان يعتبر من
علماء الصحابة، وتوفي بفلسطين أيام معاوية، وعقبه ببيت المقدس كذا في التهذيب.
وحديثه هذا أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب النهي عن تصبر البهائم والرفق بالذبيحة،
(رقم: ٢٨١٥)، والترمذي في الديات، باب ما جاء في النهي عن المثلة، (رقم: ١٤٢٩)،
والنسائي في الضحايا، باب الأمر بإحداد الشفرة، (رقم: ٤٤٠٥)، وابن ماجه في الذبائح، باب
إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، (رقم: ٣٢٠٨).
قوله: (فأحسِنوا القتلة) بكسر القاف، اسم هيئة من القتل، والمراد الإحسان في طريق
القتل وهيئته، وهو عام في كل قتل من الذبح والقصاص والحدود وغيرها.
قوله: (فأحسنوا الذبح) هو في أكثر النسخ بفتح الذال وبكسرها بدون الهاء في آخره
بالمعنى المصدريّ، وفي بعضها ((الذبحة)) بكسر الذال كالقتلة، وهو اسم هيئة منه بمعنى هيئة
الذبح .
قوله: (وليحدّ أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) الشّفرة بفتح الشين: السكّين، وإحدادها أن
يجعل نصلها حديداً، وهو تفسير لإحسان الذبح. وكل طريق أدّى الحيوان إلى تعذيب أكثر من
اللازم لإزهاق روحه، فهو داخل في النّهي، ومأمور باجتناب عنه، مثل أن يحدّ الشفرة بحضرة
الحيوان، أو يذبحه بمرأى من حيوان آخر، وما إلى ذلك.

٤٤٩
كتاب: الصيد والذبائح
إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مِّحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ
سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ. كلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ خَالِدٍ
الْحَذَّاءِ، بِإِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً وَمَعْنَى حَدِيثِهِ.
(١٢) - باب: النهي عن صبر البهائم
٥٠٣٠ - (٥٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ جَدِّي، أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
دَارَ الْحَكِمِ بْنِ أَيُّوبَ. فَإِذَا قَوْمٌ قَدْ نَصَبْوا دَجَاجَةً يَرْمُونَهَا. قَالَ: فَقَالَ أَنَسُ: نَهَىُ
رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ.
٥٠٣١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ كُلَّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهُذَا الإِسْنَادِ.
٥٠٣٢ - (٥٨م) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ:
(١٢) - باب: النّهي عن صبر البهائم
٥٨ - (١٩٥٦) - قوله: (مع جدي أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الذبائح
والصيد، باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، (رقم: ٥٥١٣)، وأبو داود في
الأضاحي، باب في النهي عن تصبر البهائم، والرفق بالذبيحة، (رقم: ٢٨١٦)، والنسائي في
الضحايا، باب النهي عن المجثمة، (رقم: ٤٤٣٩)، وابن ماجه في الذبائح، باب النهي عن صبر
البهائم وعن المثلة، (رقم: ٣٢٢٥).
قوله: (دار الحكم بن أيوب) هو ابن عم الحجاج بن يوسف ونائبه على البصرة وزوج أخته
زينب بنت يوسف، وكان يضاهي ابن عمه في الجور، وليزيد الضبي معه قصة طويلة تدل على
ذلك أوردها أبو يعلى في مسند أنس له، كذا في الفتح.
قوله: (أن تُصَبَر البهائم) بضم التاء بناء على المجهول، وصبر البهائم: حبسها لترمى حتى
تموت. ونهي عنه تحريماً، ولعن من فعل ذلك لما فيه من تعذيب الحيوان دون حاجة.
٥٨م - (١٩٥٧) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب

٤٥٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((لاَ تَتَّخِذُوا شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً)).
٥٠٣٣ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ
ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥٠٣٤ - (٥٩) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ وَأَبُو كَامِلِ (وَاللَّفْظُ لأَبِي كَامِلٍ). قَالاً:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَّ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَفَرٍ قَدْ نَصَبُوا
دَجَاجَةً يَتَرَامَوْنَهَا. فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا عَنْهَا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هُذَا.
٥٠٣٥ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشِ قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ. وَقَدْ
جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:
مَنْ فَعَلَ هُذَا؟ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هُذَا. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ، شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ،
غَرَضاً .
٥٠٣٦ - (٦٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج. ح
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. حٍ وَحَدَّثَنِي هَارُوَّنُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَّرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
في التحريش بين البهائم، (رقم: ٢٥٦٢)، والترمذي في الجهاد، باب ما جاء في كراهية
التحريش بين البهائم، (رقم ١٧٦٠ و١٧٦١).
قوله: (لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً) الغرض: الهدف، والشيء الذي فيه الروح هو
الحيوان، فالمعنى: لا تتخذوا الحيوان الحيّ غرضاً ترمون إليه، كالغرض من الجلود وغيرها،
والنهي عنه للتحريم، وإن مات بدون ذكاة في هذه الحالة لم يحل أكله، لأن ذكاته بعد الحبس
اختيارية.
٥٩ - (١٩٥٨) - قوله: (مر ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الذبائح والصيد،
باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، (رقم: ٥٥١٥)، والنسائي في الضحايا، باب
النهي عن المجثمة، (رقم: ٤٤٤٣)، وابن ماجه عن ابن عباس في الذبائح، باب النهي عن صبر
البهائم وعن المثلة، (رقم: ٣٢٢٦)، والترمذي في الصيد، باب ما جاء في كراهية أكل
المصبور، (رقم: ١٥٠٢).
( ... ) - قوله: (وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة) الخاطئة من النبل ما لم يصب
الهدف، فكأنهم وعدوا صاحب الطّر بأن كل سهم لم يصب الغرض فهو له.

٤٥١
كتاب: الصيد والذبائح
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْراً.
٦٠ - (١٩٥٩) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) أخرجه أيضاً ابن ماجه في الذبائح، باب
النهي عن صبر البهائم وعن المثلة، (رقم: ٣٢٢٧).
قوله: (صبراً) يعني: حال كونه محبوساً، وقتل الإنسان صبراً: أن يشدّ الرجل، ثم يرمى
إليه بالسهام حتى يموت، وهو ممنوع بهذا الحديث.
قدم تمّ شرح كتاب الصّيد بتوفيق الله تعالى ضحاء الثالث عشر من شهر رجب
(سنة: ١٤٠٩ هـ) وقد وقعت في تأليفه فترات طويلة لأسفار متتابعة اعترت في أثنائه، ولله الحمد
والشكر، وأسأله تعالى أن يوفقني لإكمال باقي الأبواب حسبما يحبه ويرضاه إنه تعالى على كل
شيء قدير وبالإجابة جدير.

٤٥٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
(٣٥) - كتاب: الأضاحي
كتاب الأضاحي
الأضاحيّ بتشديد الياء، جمع أضحِيّة، بضم الهمزة وكسر الحاء، والإضحِيّة بكسرهما،
وهي في اللغة: الشاة التي تذبح ضَحوة، وربما يقال له الضَّحِيّة بوزن العشية، والجمع ضحايا،
ويقال لها: ((الأضحاة)) بوزن ((أرطاة)) أيضاً، وجمعه الأضحى، وبها سمّي يوم الأضحى. كذا
في لسان العرب (١٩: ٢١١).
وتعريف الأضحية في الفقه: ذبح حيوان مخصوص بنية القربة في وقت مخصوص كما في
الدر المختار. وهو مشروع من لدن سيدنا آدم عظلئلا، وقد قرّب هابيل كبشا، كما في تفسير ابن
كثير، وذكره الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ [سورة المائدة، آية: ٢٧].
ولم تزل الأضحيّة عبادة مشروعة في جميع الشّرائع والملل، ويظهر من مطالعة أسفار
اليهود والنصارى في كتبهم المقدسة أن الأضاحيّ قبل سيدنا موسى ظلّلا كانت اختيارية بالنظر
إلى نوع المذبوح والعدد والأحوال الداعية إلى الذبيحة، وكان كل رجل كاهناً يذبح بيده لنفسه،
وكان طريق التقديم أن توضع على جبل أو في صحراء فتحرق، وانظر لعدة وقائع التضحية قبل
سيدنا موسى اللا سفر التكوين (٤: ٣ و٤ و١٧:١٤ و١٨ و٩:١٥ إلى ١٧ و٣١: ٥٤) وسفر
أيّوب: (١ : ٥) وغيره.
ويقال: إن الناموس الموسويّ، (وهو اصطلاح أهل الكتاب للتوراة) أول من وضع ترتيباً
للذبائح، وحصر تقديم الذبائح في عائلة هارون ظلّلا. وكانت تقدمات العبرانيين دموية وغير
دموية، أما غير الدمويّة فكالسوائب، وكانوا يطلقون تيساً يسمى تيس عزازيل في البريّة. وأما
الدمويات فكانت على ثلاثة أقسام، وهي ذبيحة محرقة، وذبيحة الخطايا أو التكفير، وذبيحة
السلامة .
فالذبيحة المحرقة تقدم ويحرق كله، فلا يبقى منه غير جلد الحيوان المذبوح للكاهن
(لاويين ١: ١٣) وذبيحة الخطايا لتطهير من تعدى الناموس، ولم تكن تحرق كلّها، بل شحم
الحيوان المذبوح فقط، وأما اللحم فيأكله الكهنة في مكان مقدس. وكان الكاهن قبل صبّ سائر

٤٥٣
كتاب: الأضاحي
دمها إلى أسفل المذبح يأخذ منه بإصبعه، ويجعل منه على قرون المحرقة.
وأما ذبيحة السلامة فكانت للشكر الله تعالى على بركاته، ولطلب إنعاماته، ولم تكن ذبيحة
واجبة. ولكن أمر الناموس بأن تكون الذبائح بلا عيب، وعددها بحسب استطاعة مقدِّمها، ولم
يكونوا يحرقون منها إلا الشحم والكليتين. أما لحم الصدر والكتفين فكان يعطى للكاهن،
والظاهر أن ما بقي منه كان يأخذه الذي يقدم الأضحية (راجع سفر اللاويين، الباب الثالث).
وكانت هنك ذبيحة طيور، يقدمها الخاطىء إن كان عاجزاً عن تضحية البهائم لفقره،
وكانت تقدم لتطهير النساء بعد الولادة، أو لتطهير الذين حصلوا على الشفاء من البرص.
وأما المسيحيّون، فزعموا أن المسيح فظلّا صار ضحيّة مكفرة عن خطأ بني آدم (والعياذ
بالله)، فكان هو الضحيّة الأخيرة، فليست الضحيّة الآن مشروعة عندهم، إلاّ في صورة العشاء
الربّانيّ، وهي عبادة تباشرها الكاثوليكية من المسيحيين بتقديم خبز وخمر، ثمّ يقرأ عليهما
الكاهن شيئاً، فيزعمون أن الخمر تستحيل إلى دم المسيح ظلّا، والخبز يستحيل إلى لحمه،
وبهذا تتمّ الذبيحة. وأما البروتستانت من المسيحيين، فينكرون استحالة الخبز والخمر إلى لحم
ودم، وينكرون عبادة العشاء الربّاني، ويقولون: إنّ المسيح هو الذبيحة الأخيرة، فلا أضحيّة
بعده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وصارت الأضحيّة عبادة عند عبدة الأوثان أيضاً، وذلك بتوهمهم أن في جميع أجزاء
الطبيعة أرواحاً، فسمّوها آلهة، واعتقدوا أن اقتدارها عظيم، ومعرفتها فائقة، ومداركها سامية،
وإنها مثل البشر من جهة الشهوات والحواسّ، وتوهموا أنها ذكور وإناث، يتزوجون ويلدون،
وإنّها تأكل وتشرب، وتطمع في القرابين والأطياب، وتتغذى بروائح الأطياب ودخان الذبائح،
وتأتي الهياكل والمذابح طالبة فيها الحظ والانشراح إبّان الذبائح والقرابين. فكانت قرابين
اليونانيّين في بادىء الأمر نباتات يحرقونها على المذابح مع أوراقها وأثمارها، ثمّ أبدلوها
بالبخور والأطياب الفاخرة. وكانوا في مبدأ الأمر يكرهون ذبح الحيوانات التي تعينهم على
أعمالهم، ويعاقبون ذابحها بالقتل. ولما أكلوا اللحم في بعض الولائم انقلبت عادات القرابين،
فحسبوا دم الذبيحة تقدمة أفخر من النباتات وأصولها .
وكذلك كانت لكل طائفة من الوثنيّين تقاليد مختلفة في تقديم القرابين، وقد فصّلها البستانيّ
في دائرة المعارف (٨: ٢٩٩ إلى ٣٠٣).
وكان من زعم هؤلاء جميعاً: أن الذبيحة ممّا يقوّي آلهتهم، ويبعث فيها حيوية ونشاطاً،
كما حكي عنهم في دائرة المعارف البريطانية (١٠: ٢٨٩).
وإنّ الله تعالى قد نجّانا بالإسلام من جميع هذه الخرافات والتوهّمات، وقال الله تعالى في

٤٥٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كتابه المجيد: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُوْمُهَا وَلَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَِّرُواْ
(٣٧)﴾ [سورة الحج، آية: ٣٧]. وليست الأضحية في الإسلام إلا
اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنكُمْ وَبَشْرِ الْمُحْسِنِينَ
عبادة للتقرب إلى الله تعالى، شرعها الله تعالى رمزاً لامتثال العبد بأوامر الله سبحانه وتعالى،
واستسلاماً كاملاً لما يحبه ويرضاه، وهي علامة كون العبد يخضع لأمر الله في المنشط والمكره،
سواء كان ذلك الأمر يوافق عقله أو يخالفه، سواء كان يلائم هواه أو يعارضه.
وبهذا تظهر رداءة قول من أنكر مشروعية الأضحيّة من الملحدين في عصرنا على أساس أن
هذا الفعل لا فائدة له في الاقتصاد الاجتماعي، وأنه يؤدي إلى إضاعة الأموال دون طائل،
وإهراق الدماء بدون عائدة، والعياذ بالله.
ومن نظر في حقيقة الأضحيّة ظهر له فساد هذا القول بالبداهة، فإن الأضحية إنّما شرعت
تدريباً على الامتثال بأمر الله في كلّ حال، مهما بعد ذلك الأمر عن موافقة العقل البشريّ
المحدود، ومهما شعر فيه هذا العقل ضرراً أو نقصاناً في الظاهر. فمن شرع يبحث فيها عن
فوائد اقتصادية، ومنافع ماديّة، فإنّه جهل حقيقة الأضحيّة، وقلب موضوعها ظهر البطن وإن
أعظم أضحيّة تقدّم بها إلى الله تعالى أضحية سيدنا إبراهيم عليّ، فإنه أمر بتضحية ولده
المعصوم، ولم يكن في هذا الأمر أية مصلحة في الظاهر، فإنه كان عند ظاهر العقل ظلماً من
الأب على ابنه الصغير الذي لم يرتكب خطيئة ولا اقترف إثماً، فكان قتل نفس دون مبرّر. ولكن
سيدنا إبراهيم ظلّ حينما أمر به استعدّ لامتثاله، وخضع له خضوعاً كاملاً، وكذلك سيدنا
إسماعيل ظل لم يعترض على الأمر، ولم يسأل والده: ما هو الذنب الذي أعاقب عليه هذه
العقوبة القاسية؟ وإنّما أجاب والده قائلاً: ﴿يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىٌّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّبِرِينَ﴾ [سورة الصافات، آية: ١٠٢].
وإن هذه السجيّة، سجية الخضوع الكامل والانقياد التّام التي تقدم بها الوالد
والولد نَّ ه سمّاها الله سبحانه وتعالى ((إسلاماً)) حينما قال في كتابه المجيد: ﴿فَلَمَّ أَسْلَمَا وَثَلَّهُ
﴾ [سورة الصافات، آية: ١٠٣].
لِلْجَبِینِ
وإنّ العقول اليوم قد غرقت في الأفكار المادية، وأصبحت أسيرة للأهواء، فلا تبصر وراء
المادة شيئاً، ولا تعتبر النفع نفعاً حتى يتجلّى في صورة الفلوس والنقود، والمآكل والملابس،
والملاذّ والشهوات، ولذلك لا ترى في العبادات المحضة شيئاً من النفع، ولا تشعر أن أعظم
منفعة على وجه الأرض، أن تتقوى علاقة العبد بربّه، وتستحكم صلته به، وأن ينيب المرء
ويخبت إلى الله، ويكسر الشهوات ابتغاء مرضاته ويتذوّق لذة مناجاته والتقرب إليه. وبهذا تتكوّن
فيه المُثُل العليا من العبدية والإنسانيّة، وتنشأ في نفسه عواطف الخشية والتقوى، التي تمنعه من
الدناءة والفجور وغمط حقّ الآخرين، والتي تتزّى بها أخلاقه، وتتنظف بها حياته، ويهتدي بها

٤٥٥
كتاب: الأضاحي
(١) - باب: وقتها
٥٠٣٧ _ (١) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ. ح
وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍٍ، حَدَّثَنِي جُنْدَبُ بْنُ
سُفْيَانَ. قَالَ: شهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ. فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ،
سَلَّمَ. فَإِذَا هُوَ يَرَىْ لَحْمَ أَضَاحِيَّ قَدْ ذُبِحَتْ، قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ. فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ
ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ - أَوْ نُصَلِّيَ - فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى. وَمَنْ كَانَ لَمْ يَذْبَحْ،
فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ».
مسيره، وإن هذه المنفعة تفوق هذه المنافع المادية الظاهرة في صورة الأموال والمُتع والشهوات.
وإنّ الأضحيّة لمن أقوى وسائل الحصول على هذه المنفعة الباطنة والغذاء الروحيّ، الذي إذا
أعوزه الرجل أعوز الخير كلّه.
باب وقتها
١ - (١٩٦٠) - قوله: (حدثني جندب بن سفيان) بضمّ الجيم، وضم الدال وفتحها كما في
المغني. هو جندب بن عبد الله بن سفيان البَجَليّ، ربما ينسب إلى جدّه، وهو من صغار الصحابة
سكن الكوفة ثم البصرة، قدمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين، كما في الإصابة
(١ : ٢٥٠).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد،
(رقم: ٩٨٥)، وفي الذبائح والصيد، باب قول النبيّ وَّر: ((فليذبح على اسم الله))
(رقم: ٥٥٠٠)، وفي الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد، (رقم: ٥٥٦٢)، وفي الأيمان
والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الإيمان، (رقم: ٦٦٧٤)، وفي التوحيد، باب السؤال بأسماء
الله تعالى والاستعاذة بها، (رقم: ٧٤٠٠). وأخرجه النسائي في الضحايا، باب ذبح الضحيّة قبل
الإمام، (رقم: ٤٣٩٨)، وابن ماجه في الأضاحي، باب النهي عن ذبح الأضحية قبل الصلاة،
(رقم: ٣١٩٠).
قوله: (لم يَعْدُ أن صلّى) بسكون العين وضم الدال، أي: لم يتجاوز. وهذا إنما يقال إذا
فعل الرجل شيئاً عقيب فعل آخر فوراً. يعني: أنّه سلّم على الناس بعد الفراغ من صلاته فوراً.
قوله: (فليذبح مكانها أخرى) ههنا بحثان: الأول في كون الأضحية واجبة أو سنة،
والثاني: في وقتها المشروع.
الأضحيّة واجبة أو سنة؟:
أما المسألة الأولى: فقد قال أبو حنيفة تغّهُ: إن الأضحية واجبة على الموسر، وهو قول

٤٥٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٠٣٨ - (٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ سَلَّمُ بْنُ سُلَيْمِ،
ربيعة والأوزاعيّ والليث بن سعد والثوري والنخعي، وهو رواية عن مالك كثّفُ تعالى، كما في
شرح النووي. وهو مروي عن مجاهد ومكحول والشعبي، كما في محلّى ابن حزم.
وقال الشافعي وأحمد: إنها سنة مؤكدة غير واجبة، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وبلال
وأبي مسعود البدريّ ﴿ه، وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيّب وعلقمة والأسود وعطاء
وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر. وهو رواية عن مالك كثّفُ. كما في المغني لابن قدامة.
واستدلّ الحنفية بدلائل آتية :
(1)) [سورة الكوثر، آية: ٢] وإن الأمر للوجوب، وما
١ - قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ
رواه البيهقي وغيره عن علي وابن عباس من أن المراد من النحر في الآية هو وضع اليدين على
النحر في الصّلاة فإنّ في إسناده مغامز لا تقوم معها الحجة، وقد بسطها شيخنا التهانويّ كَّفُ في
إعلاء السنن (١٧ : ٢٢٢).
٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ﴾: ((من كان له سعة ولم يضحّ فلا يقربنّ
مصلآنا)) أخرجه ابن ماجه (رقم: ٣١٦٠) وأحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهوية، وأبو
يعلى الموصلي، والحاكم، وصححه. وقال الحافظ في الفتح (١٠: ٣): ((ورجاله ثقات)) وذكر
العيني في البناية عن التنقيح أن رجاله رجال الصحيحين سوى عبد الله بن عياش، فإنه من أفراد
مسلم .
وذكر الزيلعي في نصب الراية أن هذا الحديث أعله بعض المحدثين بأنه رواه جعفر بن
ربيعة وعبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة موقوفاً. وكذا رواه ابن وهب عن
عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة. وإنما رفعه عبد الله بن يزيد المقرىء وحيوة بن
شريح وغيرهما عن عبد الله بن عياش عن الأعرج، فالموقوف أصحّ.
وأجاب عنه شيخنا في إعلاء السنن (١٧: ٢١٥): بقوله: ((الرفع زيادة، والزيادة من
الثقات مقبولة، ولا تعارض بين الوقف والرفع، لأنه يمكن أن يكون أبو هريرة رفعه مرة، وأفتى
به أخرى، فسمعه الأعرج من وجهين ورواه كذلك، فسمعه عبد الله بن عياش من وجهين ورواه
كذلك، وسمعه جعفر وغيره من وجه واحد، فرووه كذلك، فلا وجه لرد المرفوع. ولو سلم
الوقف فمثله لا يقال بالرأي، فيكون في حكم المرفوع)).
٣ - عن ابن عمر ه قال: قال رسول الله وَله: ((أقام رسول الله وَطه بالمدينة عشر سنين
يضخّي» أخرجه الترمذي وحسّنه.
وهذا يدلّ على المواظبة، وإن مواظبة النبيّ وَ ﴿ من غير ترك دليل للوجوب.
٤ - عن جبلة بن سحيم: ((أن رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحيّة أواجبة هي؟ فقال: ضحّى

٤٥٧
كتاب: الأضاحي
عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنُ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ. قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه.
رسول الله وَل﴿ والمسلمون، فأعادها عليه، فقال: أتعقل؟ ضحّى رسول الله اله والمسلمون)).
وظاهر جواب ابن عمر ﴿به أنه أراد الدلالة على الوجوب، لأن السائل إنما سأله عن الوجوب،
فلو كانت الأضحيّة غير واجبة لنفي الوجوب صراحة، ولكنّه ذكر مواظبة النبيّ وَّر والمسلمين،
وهو ممّا يدلّ على الوجوب. ولم يصرّح بالوجوب كي لا يظنّ تحتمه كتحتم الفرائض.
٥ - عن مخنف بن سليم، قال: ((كنّا وقوفاً مع رسول الله وَ ل بعرفات، فقال: يا أيّها
الناس! على كلّ أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة)) أخرجه أصحاب السنن الأربعة، وقال
الترمذي: ((حسن غريب)) وقوّى الحافظ إسناده في الفتح (١٠: ٤). والعتيرة: ما كانوا يذبحونها
في رجب، وهي منسوخة بالاتفاق، ولم تقم دلالة على نسخ الأضحية.
٦ - وقع في حديث الباب الأمر بإعادة الأضحية بذبحها قبل صلاة العيد، وكذلك وقع
الأمر بالإعادة فيما سيأتي من قصة أبي بردة خال البراء بن عازب عظته. والأمر بالإعادة يدل
على الوجوب.
واستدل القائلون بعدم الوجوب بحديث ابن عبّاس مرفوعاً: ((كتب عليّ النحر ولم يكتب
عليكم)) لكن قال الحافظ في الفتح (١٠: ٤): ((وهو حديث ضعيف أخرجه أحمد وأبو يعلى
والطبراني والدارقطني، وصححه الحاكم فذهل)).
واستدلوا أيضاً بما سيأتي عند المصنف من حديث أم سلمة مرفوعاً: ((إذا دخلت العشر
وأراد أحدكم أن يضحّي فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً)) وموضع الاستدلال قوله عليّا: ((وأراد
أحدكم أن يضحّي)) فإنه يدلّ على أن التضحية متوقفة على الإرادة وليست واجبة. ولكنه استدلال
ضعيف، لأن المراد من أرادها لوجوبها عليه، وإنما احترز به عمّن لم تجب عليه ولم يردها .
وإنما اختار هذا التعبير ليعمّ من يريد الأضحية الواجبة أو النافلة. فلا يمسّ الحديث موضع
النزاع، والله سبحانه أعلم.
وقت الأضحية:
وأما المسألة الثانية ففيها مذاهب:
١ - يدخل وقتها بعد صلاة الإمام في الأمصار، وبعد طلوع الفجر الصادق في القرى،
وهو مذهب الحنفية، والحسن، والأوزاعي، وإسحاق، كما في المغني.
٢ - وقتها بعد ذبح الإمام، فإن ذبح قبله أعاد، وهو قول مالك، كما في الشرح الصغير
(١ : ٩٩).
٣ - وقتها بعد صلاة الإمام، سواء ذبح الإمام أو لا، وهو رواية عن أحمد.

٤٥٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلَمَّا قَضَىْ صَلاَتَهُ بِالنَّاسِ، نَظَرَ إِلَى غَنَم قَدْ ذُبِحَتْ. فَقَالَ: ((مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَلْيَذْبَحْ
شَاةً مَكَانَهَا. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ».
٥٠٣٩ - (٠٠٠) وحدثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
وَقَالاَ: عَلَى اسْمِ اللَّهِ، كَحَدِيثٍ أَبِي الأَخْوَصِ.
٥٠٤٠ - (٣) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ،
سَمِعَ جُنْدَباً الْبَجَلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صَلَّى يَوْمَ أَضْحَى. ثُمَّ خَطَبَ، فَقَالَ:
((مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ، فَلْيَذْبَحْ بِاسْمِ اللَّهِ)).
٤ - وقتها إذا طلعة الشمس، ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، سواء صلى الإمام فعلاً أو
لا .
ويستوي فيه القرى والأمصار، وهو مذهب الشافعي وابن المنذر وداود، وهو رواية
الخرقيّ عن أحمد، وراجع المغني لابن قدامة (٨: ٦٣٦)، وإن أحاديث الباب فيها حجة ظاهرة
للحنفية، وقال مالك: علة الأمر بالإعادة في حديث أبي بردة ذبحه قبل ذبح رسول الله وَيقال،
ولكن يرده ظاهر لفظ الحديث: ((من كان ذبح قبل أن يصلّي فليعد مكانها)) وأوّله الشافعي بمضيّ
قدر الصلاة والخطبتين، ولم أر في الأحاديث ما يؤيد هذا التأويل.
وأما آخر وقت الأضحية، فالثاني عشر من ذي الحجة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك
وأحمد. وأما الشافعيّ فقال: آخر أيام التشريق، وهو الثالث عشر من ذي الحجة. وحكاه
النووي عن الأوزاعي، وداود، ومكحول أيضاً، وهو اختيار ابن القيم في زاد المعاد (١: ٢٩٦).
استدلّ الجمهور بما أخرجه مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر قال: «الأضحى يومان
بعد يوم الأضحى)) وقال مالك: إنه بلغه عن علي بن أبي طالب مثله. وقد ذكر شيخنا
التهانوي ◌َّفُ عدة آثار عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وابن عمر، وعليّ، وأبي هريرة،
وأنس رَّه، وراجع إعلاء السنن (١٧: ٢٣٥) والآثار الموقوفة في هذا في قوة المرفوع، لأن
أوقات العبادة لا تثبت بالقياس. ويدل عليه حديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة
أيّام أيضاً .
وأمّا الشافعي تَُّ فقد استدلّ بما روي عن النبيّ وَّر من قوله: «كلّ فجاج مكة منحر،
وكلّ أيام التشريق ذبح)) أخرجه أحمد والدارقطني وابن حبان والبيهقي، كما في نيل الأوطار
(٥: ١٤٢) ولكن ذكر شيخنا التهانويّ كثّفُ في إعلاء السنن (١٧: ٢٣٤) أن في إسناده مغامز لا
تقوم معها الحجة. ولا شكّ أن مذهب الجمهور أحوط، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٥٩
كتاب: الأضاحي
٥٠٤١ - (٠٠٠ ) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥٠٤٢ - (٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ
عَامِرٍ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: ضَخَّى خَالِي، أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلاَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((تِلْكَ
شَاةٌ لَحْم)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي جَذَعَةٌ مِنَ الْمَعْزِ. فَقَالَ: ((ضَحْ بِهَا. وَلاَ تَصْلُحُ
لِغَيْرِكَ)). ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ ضَخَّى قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفْسِهِ. وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَقَدْ تَمَّ
نُسُكَّهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ)).
٥٠٤٣ - (٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ أَنَّ خَالَهُ، أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ النَّبِيُّ وَِّ. فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هُذَا يَوْمٌ، اللَّحْمُ فِيهِ مَكْرُوهٌ. وَإِنِّي عَجَّلْتُ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي
٤ - (١٩٦١) - قوله: (عن البراء) هذا الحديث أخرجه البخاري في العيدين، باب سنة
العيدين لأهل الإسلام، (رقم: ٩٥١)، وباب الأكل يوم النحر، (رقم: ٩٥٥)، وباب الخطبة
بعد العيد، (رقم: ٩٦٥)، وباب التبكير إلى العيد، (رقم: ٩٦٨)، وباب استقبال الإمام الناس
في خطبة العيد، (رقم: ٩٧٦)، وباب كلام الإمام والناس في خطبة العيد، (رقم: ٩٨٣)، وفي
الأضاحي، باب سنة الأضحية، (رقم: ٥٥٤٥)، وباب قول النبيّ يَّر لأبي بردة: ضحّ بالجذع
من المعز إلخ، (رقم: ٥٥٥٦ و ٥٥٥٧)، وباب الذبح بعد الصلاة، (رقم: ٥٥٦٠)، وباب من
ذبح قبل الصلاة أعاد، (رقم: ٥٥٦٣)، وفي الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسياً في الأيمان،
(رقم: ٦٦٧٣). وأخرجه أبو داود في الضحايا، باب ما يجوز من السنّ في الضحايا،
(رقم: ٢٨٠٠ و٢٨٠١)، والترمذي في باب الأضاحي، باب في الذبح بعد الصلاة،
(رقم: ١٥٤٤)، والنسائي في الضحايا، باب ذبح الضحيّة قبل الإمام، (رقم: ٤٣٩٤ و٤٣٩٥).
قوله: (خالي، أبو بردة) اسمه هانىء بن نيار، شهد بدراً وما بعدها، وشهد مع علي حروبه
كلّها، ومات في خلافة معاوية سنة (٦١هـ أو ٦٢ هـ أو ٦٥هـ) كما في الإصابة (٤: ١٩) وقد مر
ذكره في (ص: ٨٧٢).
قوله: (تلك شاة لحم) يعني: لم تقع أضحية، وإنما صارت مذبوحة لأكل اللحم.
قوله: (جَذَعَة من المعز) الجذعة بفتحات: ابن ستة أشهر أو أقلّ، وهو يجوز في الأضحيّة
إن كان من الضأن، أما من المعز فلا يجوز، وإنما أجاز النبيّ وَلّ الجذعة لأبي بردة خصوصية
له، كما هو مصرّح في الحديث.
٥ - ( ... ) - قوله: (إن هذا يوم اللحم فيه مكروه) اضطرب الشرّاح في تفسيره على أقوال
آتية :

٤٦٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَعِدْ نُسُكَا)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي
عَنَاقَ لَبَنِ. هِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَّيْ لَحْمٍ. فَقَالَ: ((هِيَ خَيْرُ نَسِيكَتَيْكَ. وَلاَ تَجْزِي جَذَّعَةٌ عَنْ أَحَدٍ
بَعْدَكَ)).
١ - ((. لِلّحَمُ)) هُنا بفتح الحاء، وهو بمعنى اشتهاء اللحم، والمراد أن ترك الذبح والتضحية
فيه بحيث يبقى الأهل بلا لحم حتّى يشتهوه، مكروه. يعني: أنّني ذبحت كراهة أن تبقى في
نفوس أهلي شهوة اللحم بترك التضحية. ولكن رده القرطبي في المفهم بأن فتح الحاء لا يصحّ
رواية.
٢ - المراد من اللحم ما ذبح لغير الأضحية، والمراد أن الذبح لغير الأضحية لمجرد اللحم
في هذا اليوم مكروه. ولكنّه لا يستقيم أيضاً بالتأمّل في السياق.
٣ - قد وقع هنا حذف المضاف، والمراد ((طلب اللحم))، والمعنى: أني عجّلت نسيكتي
من أجل أن طلب اللحم وسؤاله في هذا اليوم مكروه شاقّ. ورجح النووي هذا المعنى.
٤ - المراد أن يوم النحر يكثر فيه اللحم فيملّه الناس ويكرهونه، فعجّلت نسيكتي لأطعم
أهلي وجيراني قبل أن يكثر عندهم اللحم وقبل أن يملّوا. وهذا التفسير عندي أولى وأوفق
بالسياق.
ولكن يشكل عليه ما سيأتي عند المصنّف في حديث أنس من هذه القصة: ((إن هذا يوم
يشتهى فيه اللحم)) وظاهره معارض للفظ الباب بالتفسير الذي رجحناه، ويؤيده ما وقع في بعض
نسخ مسلم: ((هذا يوم، اللحم فيه مقروم)) والقرم: اشتهاء اللحم، وهو بمعنى المشتهى. ويمكن
الجمع بين الروايتين بأن أبا بردة ذكر كلا الأمرين بالنسبة إلى حالين مختلفين، كأنه قال: هذا
يوم يشتهى فيه اللحم في أول النهار، ويكره في آخره، فعجّلت ضحيّتي ليكون لحمي مشتهى لا
مكروهاً، فذكر بعض الرواة جزء، والآخرون جزء آخر، والله سبحانه أعلم.
قوله: (عناق لبن) قال القاضي: ((هي الأنثى من المعز بنت خمسة أشهر ونحوها)) وقال
الأبّي: ((يشير إلى صغرها وأنها ترضع بعد. وقيل: معناه أنثى، وليس بشيء)). وجاء في تاج
العروس (٧: ٢٧): ((الأنثى من أولاد المعز، زاد الأزهري: إذا أتت عليها سنة، وقال ابن
الأثير: ما لم یتمّ له سنة)).
قوله: (هي خير من شاتي لحم) يعني: لسمنها وطيب لحمها، تفضل على شاتين يراد بهما
اللحم .
قوله: (ولا تجزي جذعة) الرواية هنا بفتح التاء بوزن ((ترمي))، ومعناه: لا تكفي، كما في
قوله تعالى: ﴿وَأَخْشَوْ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدُّ عَن وَلَدِهِ﴾ [سورة لقمان، آية: ٣٣]. وفيه أن جذعة المعز لا
تجزي في الأضحية، وهذا متفق عليه.