النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب: الإمارة
قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
(٣٢) - باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدَّين
٤٨٥٧ _ (١١٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؛ أَنَّهُ قَامَ
فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ: ((أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ)) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُكَفِّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّ :
(نَعَمْ. إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُخْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُذْبِرٍ)) ثُمَّ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتْكَفِّرُ عَنِّيّ خَطَايَايَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: (نَعَمْ. وَأَنْتَ صَابِرٌ مُخْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُذْبِرٍ. إِلَّ الدَّيْنَ. فَإِنَّ
جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَالَ لِي ذُلِكَ)).
٤٨٥٨ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا
وعظيم الإحسان بما لم يخطر على قلب بشر، وإن أنواع النعيم يتباعد ما بينها في الفضل تباعد
ما بين السماء والأرض)).
(٣٢) - باب: من قتل في سبيل الله كفّرت خطاياه إلا الدين
١١٧ - (١٨٨٥) - قوله: (عن أبي قتادة) هذا الحديث أخرجه النسائي في الجهاد، باب من
قاتل في سبيل الله وعليه دين، (رقم: ٣١٥٦ و٣١٥٧ و٣١٥٨)، والترمذي في الجهاد، باب ما
جاء فيمن يستشهد وعليه دين، (رقم: ١٧٦٥).
قوله: (أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال) قال القرطبي: ((الإيمان هنا
هو المذكور في حديث جبريل ظلَّلا، وكان أفضل الأعمال لأنه راجع إلى معرفة الله تعالى
ورسوله وَي﴿ وما جاء به، وهو المصحح لأعمال الطاعة، والمقدم عليها في الرتبة، وإنما قرن به
الجهاد في الأفضلية وإن لم يكن الجهاد أحد الخمسة التي بني عليها الإسلام، لأنه لم يتمكن من
إقامة تلك الخمس على وجهها، ولم يظهر دين الإسلام على غيره من الأديان إلا به، فكأنه أصل
في إقامة الدين، والإيمان أصل في تصحيح الدين، فجمع بين الأصلين في الأفضلية. وكون
الجهاد أفضل العبادات العملية إنما هو عند تعيينه، كما كان في أول الإسلام، وكما تعين في
هذه الأزمنة، إذ قد استولى أهل الكفر على أهل الإسلام)) وراجع شرح الأبّي.
قوله: (إلا الدين) فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من
أعمال البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفّر حقوق الله تعالى.

٣٤٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَ طَهِ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ
قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ.
٤٨٥٩ - (١١٨) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
مُحَمَّدٍ بْنِ قَيْسٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلاَنَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَّى
النَّبِيَّ وَّةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي. بِمَعْنَى حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ.
٤٨٦٠ - (١١٩) حدّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ (يَعْنِي
ابْنَ فَضَالَةً) عَنْ عَيَّاشِ (وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيُّ) عَنْ عَبِّدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ
الْحُبْلِيّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ
ذَنْبٍ، إِلاَّ الدَّيْنَ)).
٤٨٦١ - (١٢٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ. حَدَّثَنَا
سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ. حَدَّثَنِي عَيَّاشِرُ بْنُ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحُبْلِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَالَ: ((الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ،
إِلَّ الدَّيْنَ)).
١٢٠ - ( ... ) - قوله: (عيّاش بن عبّاس القتبانىّ) هو بكسر القاف وسكون التاء، نسبة إلى
قتبان بطن من رعين، كما في شرح النووي، وهو من التابعين رأى عبد الله بن الحارث بن جزء،
وثقه ابن معين وأبو داود وغيره كما في التهذيب (٨: ١٩٧ و١٩٨).
قوله: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) لم أجد هذا الحديث عند غير المصنف من
الأئمة الستة .
قوله: (يكفّر كل شيء إلا الدين) ظاهره أنه يكفر الكبائر من حقوق الله أيضاً، والمشهور
أنها لا تكفّر إلاّ بالتوبة. ولعلّ التطبيق بينهما أن الظاهر من المجاهد المخلص الذي عرض حياته
على أخطار الموت أنه قد أقدم على ذلك بعد ما تاب من كبائره، فكانت الشّهادة مطهرة له
لجميع الذنوب كبيرها وصغيرها، - والله أعلم - .
ثمّ إن حديثي الباب صريحان في أن الدين لا يكفره الجهاد والشهادة، وقد أخرج ابن
ماجه (رقم: ٢٨٠٤) عن أبي أمامة ما يدل على أن شهيد البحر يغفر له الذنوب والديون جميعاً،
ولكن إسناده ضعيف. نعم، ذكر العلماء أن هذا فيمن لم يقض دينه مع قدرته على ذلك مطلاً
ولدداً. أما إذا فعل لك لإعساره، وكان في نيته أن يقضي كلّما وجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الله

٣٤٣
كتاب: الإمارة
(٣٣) - باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم
أحياء عند ربهم يرزقون
٤٨٦٢ - (١٢١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي
مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ. جَمِيعاً عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ (وَاللَّغُظْ لَهُ). حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً.
قَالاَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ. قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ (هُوَ ابْنُ
مَسْعُودٍ) عَنْ هُذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
[آل عمران: ١٦٩] قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ: ((أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ.
سبحانه يقضي عنه خصومه، على ما جاء نصاً في ذلك في حديث أبي سعيد. نقله الأبّي عن
القرطبي .
(٣٣) - باب: في بيان أن أرواح الشهداء في الجنّة إلخ
١٢١ - (١٨٨٧) - قوله: (سألنا عبد الله) كذا وقع في أكثر النسخ غير منسوب، وذكر
القاضي أنه وقع في بعض النسخ ((عبد الله بن مسعود)»، وحقق النووي كثّفُ أنه هو المراد هنا،
بخلاف قول من قال: إن المراد منه عبد الله بن عمرو .
وحديثه هذا أخرجه أيضاً الترمذي في التفسير، باب ومن سورة آل عمران، (رقم: ٤٠٩٨)،
وابن ماجه في الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله، (رقم: ٢٨٢٨).
قوله: (سألنا عن ذلك، فقال) يعني: سألنا عن ذلك رسول الله وَل فقال، فالحديث
مرفوع .
قوله: (أرواحه في جوف طير) هذا أحد ما ثبت عن رسول الله وَّر في تعيين مستقر أرواح
الشهداء. وههنا مباحث:
الأول في مستقر الأرواح بعد الموت:
وقد اختلف العلماء فيه قديماً وحديثاً، وقد عدّ ابن القيّم في ذلك نحواً من سبعة عشر
قولاً. منها: أن أرواح المؤمنين عند الله في الجنة، شهداء كانوا أم غير شهداء إذا لم يحبسهم
عن الجنة كبيرة، ولا دين وتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة
وعبد الله بن عمر
ومنها: أنهم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم من روحها ونعيمها ورزقها. ومنها: أن الأرواح
مستقرها أفنية قبورها، ومنها: أنها مرسلة تذهب حيث شاءت. ومنها: أن أرواح الشهداء في
الجنة وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم، وما إلى ذلك من الأقوال.

٣٤٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقد بسط ابن القيم في كتاب الروح على هذه المسألة، وتكلّم على كل قول وما يؤيده أو
يعارضه من الأحاديث والآثار، ثم لخّص ما وصل إليه كما يلي:
(الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى علّيين في
الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما
رآهم النبيّ وَّر ليلة الإسراء. ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنّة حيث شاءت،
وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين
عليه أو غيره ... ومنهم من يكون محبوساً على باب الجنة ... ومنهم من يكون محبوساً على
قبره ... ومنهم من يكون مقرّه باب الجنّة ... ومنهم من يكون محبوساً في الأرض لم تعل
روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحاً سفلية أرضية ... ومنها أرواح تكون في تنور الزناة
والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة. فليس للأرواح سعيدها وشقيّها مستقر
واحد، بل روح في أعلى علّيين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض)).
((وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت حجة
ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضاً، فإنها كلّها حق يصدق بعضها
بعضاً، لكن الشأن في فهمها ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأناً غير شأن البدن، وأنها مع
كونها في الجنّة فهي في السّماء، وتتصل بفناء القبر، وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة
وانتقالاً، وصعوداً وهبوطاً، وأنها تنقسم إلى مرسلة ومحبوسة، وعلوية وسفلية، ولها بعد
المفارقة صحة ومرض، ولذة ونعيم وألم، أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك
الحبس والألم، والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذة والراحة والنعيم والإطلاق. وما
أشبه حالها في هذا البدن بحال الولد في بطن أمّه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من
البطن إلى هذه الدار)).
((فلهذه الأنفس أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها: الدار الأولى في بطن الأم، وذلك
الحصر والضيق، والغم والظلمات الثلاث. والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها وألفتها
واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة والشقاوة. والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع
من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى. والدار الرابعة: دار القرار،
وهي الجنة والنار، فلا دار بعدها، والله ينقلها في هذه الدور طبقاً بعد طبق، حتى يبلغها الدار
التي لا يصلح لها غيرها ولا يليق بها سواها، وهي التي خلقت لها وهيئت للعمل الموصل إليها،
ولها في كل دار من هذه الدور حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها،
ومنشئها، ومميتها ومحييها، ومسعدها ومشقيها)). راجع كتاب الروح لابن القيّم، (ص: ١٤٣
إلى ١٤٥).

٣٤٥
كتاب: الإمارة
الثّاني: في تحقيق أجواف الطير:
وهو أن الظاهر من حديث الباب أن أرواح الشّهداء تكون في أجواف الطير، وأن هذا
مختص بالشهداء. ولكن أخرج مالك في موطأه (جامع الجنائز ص: ٢٢١) عن كعب بن مالك
أن رسول الله و85* قال: ((إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجرة الجنّة حتى يرجعه الله إلى جسده
يوم يبعثه)) وهذا يدل على أن هذه الفضيلة حاصلة لكل مؤمن. وتأول بعض العلماء في حديث
كعب بأن المراد من المؤمن في ذلك الحديث المؤمن الشهيد خاصة. ورده الآخرون، فقالوا: إن
هذه الفضيلة حاصلة لكل مؤمن، ولم يذكر في حديث مسلم إلا الشهداء، ولا ينافي ذلك أن يعم
هذا الحكم المؤمنين جميعاً .
قال ابن القيم في كتاب الروح (ص: ١٢٢): ((فإن قيل: فإذا كان هذا حكماً لا يختص
بالشهداء، فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟ قلت: التنبيه على فضل الشهادة
وعلوّ درجتها، وأن هذا مضمون لأهلها ولا بدّ، وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا
النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم ... ويدل على هذا أن الله
سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم لله حتى أتلفها
أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها
بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة
طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير. وتأمل لفظ الحديثين، فإنه قال: ((نسمة المؤمن
طير))، فذا يعم الشهيد وغيره، ثم خصّ الشهيد بأن قال: ((هي في جوف طير))، ومعلوم أنها إذا
كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير)).
والحاصل عندي: أن كون الروح في نعيم الجنّة حاصل لكثير من المؤمنين الصالحين، غير
أن هذا الوصف في الشهداء أكمل منه في غيرهم، والأحسن أن نكل التفاصيل إلى الله تعالى،
فإنها مما لا يدرك كنهها بهذه العقول المحبوسة في الجسم والمادة، والله سبحانه أعلم.
الثالث: في مسألة التناسخ:
وقد استدل بعض الجهلة بحديث الباب على ثبوت التناسخ في الأرواح، وهذا باطل لا
أصل له. قال ابن القيم في كتاب الروح (ص: ١٤٢):)) وإنما التناسخ الباطل ما تقوله أعداء
الرسل من الملاحدة وغيرهم الذين ينكرون المعاد، أن الأرواح تصير بعد مفارقة الأبدان إلى
أجناس الحيوان والحشرات والطيور التي تناسبها وتشاكلها، فإذا فارقت هذه الأبدان انتقلت إلى
أبدان تلك الحيوانات، فتنعم فيها أو تعذب، ثم تفارقها وتحل في أبدان أخر تناسب أعمالها
وأخلاقها، وهكذا أبداً. فهذا معادها عندهم ونعيمها وعذابها، لا معاد لها عندهم غير ذلك.

٣٤٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ. تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ. ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ.
فَاطَلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاَعَةٌ. فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئاً؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ
مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا. فَفَعَلَ ذُلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ
يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ، نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَزْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً
أُخْرَىُ. فَلَمَّا رَأَىْ أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)).
فهذا هو التناسخ الباطل المخالف لما اتفقت عليه الرسل والأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وهو
كفر بالله واليوم الآخر)).
وإذا عرفت معنى التناسخ ظهر لك البون الشاسع ما بين حديث الباب وفكرة التناسخ، فإن
التناسخ مبني على إنكار المعاد والآخرة، وعلى أن حلول الأرواح في الأبدان المختلفة يقع في
عالمنا هذا، والحديث مبني على إثبات الآخرة، وعلى أن أرواح الشهداء تكون في أجواف الطير
في البرزخ، لا في الدنيا، فشتّان بينهما .
واستدل النووي بهذا الحديث على أن الجنّة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة
جميعاً، خلافاً للمعتزلة وبعض المستغربين في عصرنا، وهو قول باطل بلا ريب. وتكلم
النووي تَّثُ أيضاً على حقيقة الروح، وجمع أقوال العلماء في ذلك، فراجعه إن شئت. والأسلم
عندي السكوت في مثل هذه المباحث التي لا ترجع إلى كثير طائل، والتي لا سبيل إلى معرفة
كنهها بالأقيسة والتجارب، فإن الروح من أمر ربّنا، لا يعلم كنهه إلاّ هو.
قوله: (لها قناديل معلقة بالعرش) الله أعلم بحقيقتها، غير أن ما جاء به الحديث هو أن
هذه القناديل لأرواح الشهداء بمنزلة الأوكار للطائر، فإنها تأوي إليها .
قوله: (تسرح في الجنّة) أي: ترتع وتأكل.
قوله: ((فاطلع إليهم اطلاعه)) كما يليق به سبحانه وتعالى.
قوله: (فلما رأى أن ليس لهم حاجة) أي: في دار الجزاء، وأما ما ذكروه من الرجوع إلى
الدنيا والقتل مرة أخرى، فليس مما سئلوا عنه، لأنه يتعلق بدار العمل التي انقضى أجلها. ولم
يكن هذا السؤال إلا إكراماً لهم وزيادة في الإنعام ليُعطوا ما يشتهونه في هذا العالم، لا في
العالم الماضي، ولم يكن جوابهم إلا اعترافاً بنهاية من الإكرام وشكراً عليه، وأنهم ليس لهم
حاجة ممكنة إلا وقد قضاها الله تعالى.

٣٤٧
كتاب: الإمارة
(٣٤) - باب: فضل الجهاد والرباط
٤٨٦٣ - (١٢٢) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْنِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: ((رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ اللَّهَ رَبَّهُ، وَيَدَعُ
النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)).
(٣٤) - باب: فضل الجهاد والرباط
١٢٢ - (١٨٨٨) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الجهاد، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، (رقم: ٢٧٨٦)، وفي
الرقاق، باب العزلة راحة من خلاط السوء، (رقم: ٦٤٩٤)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب
في ثواب الجهاد، (رقم: ٢٤٨٥)، والترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء أي الناس أفضل،
(رقم: ١٧١١)، والنسائي في الجهاد، باب فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله،
(رقم: ٣١٠٥)، وابن ماجه في الفتن، باب العزلة، (٤٠٢٦).
قوله: (أي الناس أفضل؟) قال الحافظ في الفتح (٦: ٦): ((وفي رواية للحاكم: ((أي
الناس أكمل إيماناً))، وكأن المراد بالمؤمن: من قام بما تعين عليه القيام به، ثم حصل هذه
الفضيلة، وليس المراد من اقتصر على الجهاد وأهمل الواجبات العينية)).
قوله: (في شعب من الشِّعاب) بكسر الشين فيهما، وهو ما انفرج بين جبلين، والمراد منه
موضع العزلة، كما هو مصرح في الرواية الآتية، وقال ابن عبد البر: ((إنما أوردت هذه
الأحاديث بذكر الشعب والجبل لأن ذلك في الأغلب يكون خالياً من الناس، فكل موضع يبعد
على الناس فهو داخل في هذا المعنى)) كذا في فتح الباري.
وقال النووي: ((فيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الاختلاط، وفي ذلك خلاف
مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن،
ومذهب طوائف أن الاعتزال أفضل، وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على
الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم أو نحو
ذلك من الخصوص. وقد كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وجماهير الصحابة والتابعين
والعلماء والزهاد مختلطين، فيحصلون منافع الاختلاط، كشهود الجمعة والجماعة والجنائز
وعيادة المرضى وحلق الذكر، وغير ذلك)).
وما ذكره النووي كثّفُ من حمل الحديث على زمن الفتن، يؤيده حديث أبي سعيد

٣٤٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٨٦٤ - (١٢٣) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ
رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ. يَعْبُدُ رَبَّهُ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)) .
٤٨٦٥ - (١٢٤) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. فَقَالَ: ((وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ)) وَلَمْ
يَقُلْ: ((ثُمَّ رَجُلٌ)».
٤٨٦٦ - (١٢٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْجَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّه؛ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ خَيْرٍ مَعَاشَ
النَّاسِ لَهُمْ، رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ. كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ
الخدريّ رَظُبه في الصحيحين: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال
ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن)).
ثم إن العزلة المحمودة في هذا الحديث ليست الرهبانية المذمومة في القرآن، لأن الرهبانيّة
تتضمن إهمال الحقوق الواجبة للنفس والأهل والعباد، بخلاف هذه العزلة، فإن المقصود منها
ترك الاختلاط مع الناس، مع أداء حقوق النفس والأهل في العزلة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (عن بعجة) بفتح الباء وسكون العين، وهو ابن عبد الله بن بدر الجهني، كما صرح
به في الروايتين الآتيتين، روى عن جمع من الصحابة، مات (سنة: ١٠٠ هـ أو ١٠١هـ)، كما في
التهذيب (١: ٤٧٣).
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في الفتن، باب العزلة،
(رقم: ٤٠٢٥).
قوله: (من خير معاش الناس لهم) قال القرطبي: ((المعاش مصدر بمعنى العيشة أو
العيش، أي: خير طرق الكسب الجهاد، لكن إذا كان أصل النية في الجهاد إعلاء كلمة الله
تعالى)). وقال القاضي عياض: ((فيه أن نية الكسب وأخذ الغنيمة لا تؤثر في الأجر، ولكن إذا
كان الباعث له قصد الجهاد بدليل قوله في الحديث: ((يبتغي القتل)).
وفسّره النووي بطريق آخر، فقال: ((تقديره والله أعلم: من خير أحوال عيشهم رجل
ممسك)) كأنه لا يقصد بالمعاش وسائل الكسب، بل أحوال الحياة عامّة.
قوله: (هيعة) بفتح الهاء وسكون الياء: الصوت الذي يفزع منه، يقال: هاع يهيع هيوعاً
وهيعاناً: إذا جبن وهاع يهاع: إذا جاع. وأكثر ما تستعمل الهيعة في الصوت عند حضور العدو.

٣٤٩
كتاب: الإمارة
فَزْعَةٌ طَارَ عَلَيْهِ. يَبْتَغِيِ الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ. أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هُذِهِ
الشَّعَفِ. أَوْ بَطْنٍ وَادٍ مِنْ هُذِهِ الأَوْدِيَةِ. يُقِيمُ الصَّلاَةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ. وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ
الْيَقِينُ. لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ فِي خَيْرِ)).
٤٨٦٧ - (١٢٦) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمِ، وَيَعْقُوبُ
(يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْقَارِيَّ). كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: عَنْ
بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ. وَقَالَ: ((فِي شِعْبَةٍ مِنْ هُذِهِ الشِّعَابِ)) خِلاَفَ رِوَايَةٍ يَحْيَى.
٤٨٦٨ - (١٢٧) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي حَازِمٍ عَنْ بَعْجَةَ. وَقَالَ: ((فِي شِعْبٍ مِنَ
الشِّعَابِ)).
قوله: (طار عليه) الطيران هنا وفي الجملة التي قبلها كناية عن المسارعة في العدو.
قوله: (يبتغي القتل والموت مظانّه) تقديره: ((في مظانّه)) فهو منصوب بنزع الخافض، أو هو
بدل من القتل والموت، فهو منصوب على كونه بدلاً للمفعول به. والمراد أنه يطلب الشهادة في
المواضع التي يرجى فيها الموت رغبة له في أن يجود بنفسه لله تعالى.
قوله: (في غُنيمة) بضم الغين وفتح النون، تصغير للغنم، يعني: قد أقنع نفسه بعدد يسير
من الغنم يعيش بها .
قوله: (شعفة) بفتح الشين، والعين: رأس الجبل.
١٢٦ - ( ... ) - قوله: (ابن عبد الرحمن القاريّ) بكسر الراء وتشديد الياء، نسبة إلى بني
قارة، وقد مر في كتاب النذر، باب النهي عن النذر.
١٢٧ - ( ... ) - قوله: (عن أسامة بن زيد) يعني: الليثي، روى عن جماعة من التابعين،
وثقه العجلي والدوريّ، وضعفه يحيى القطان وأحمد بن حنبل، وقال النسائي: ليس بالقوي،
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطىء، وقال
ابن القطان الفاسي: ((لم يحتج به مسلم، إنما أخرج له استشهاداً)) ولم يخرج عنه البخاري إلا
تعليقاً. كذا في التهذيب (١: ٢٠٩ و٢١٠).

٣٥٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٥) - باب: بيان الرجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة
٤٨٦٩ - (١٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَ لهِ قَالَ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ. يَقْتُلُ
أَحَدُهُمَا الْآَخَرَ. كِلَّهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)) فَقَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((يُقَاتِلُ هُذَا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُسْتَشْهَدُ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْلِمُ. فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ فَيُسْتَشْهَدُ)) .
٤٨٧٠ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٨٧١ - (١٢٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هُذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ لِرَجُلَيْنِ. يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. كِلاَهُمَا يَدْخُلُ
(٣٥) - باب: بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة
١٢٨ - (١٨٩٠) - قوله: (عن أبي الزناد) بكسر الزاي وتخفيف النون، اسمه عبد الله بن
ذكوان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، من ثقات التابعين، وثقه الجميع، وكان العلماء
يعدلونه بالزهريّ، وقال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد عن الأعرج، عن أبي
هريرة، وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة: قدمت المدينة فأتيت أبا الزناد ورأيت ربيعة، فإذا الناس
على ربيعة، وأبو الزناد أفقه الرجلين، مات (سنة: ١٣١ هـ أو ١٣٢). كذا في التهذيب (٥ : ٢٠٣
- ٢٠٥).
قوله: (عن الأعرج) اسمه عبد الرحمن بن هرمز، وقيل: عبد الرحمن بن كيسان، وهو من
ثقات التابعين وسئل ابن المديني عن أعلى أصحاب أبي هريرة، فبدأ بابن المسيب، وذكر
جماعة، قيل له: فالأعرج، قال: دون هؤلاء، وهو ثقة، وكان الأعرج عالماً بالأنساب
والعربية، روى عنه الجماعة، مات بالإسكندرية (سنة: ١١٧هـ)، كما في التهذيب (٦: ٢٩٠).
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكافر يقتل المسلم
ثم يسلم، (رقم: ٢٨٢٦)، وأخرجه النسائي في الجهاد، باب اجتماع القاتل والمقتول في
سبيل الله في الجنّة، (رقم: ٣١٦٥)، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية،
(رقم: ١٧٩).
قوله: (يضحك الله إلى رجلين) الضحك المعروف الذي هو من صفات الحوادث ممتنع

٣٥١
كتاب: الإمارة
الْجَنَّةَ)). قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((يُقْتَلُ هُذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الآخَرِ
فَيَهْدِيهِ إِلَى الإِسْلاَمِ. ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ)) .
(٣٦) - باب: من قتل كافراً ثم سدّد
٤٨٧٢ - (١٣٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
قَالَ: ((لاَ يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبداً)).
٤٨٧٣ - (١٣١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلاَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ.
إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجْتِمَاعاً يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ)) قِيلَ: مَنْ هُمْ
على الله تعالى، فإمّا أن يتوقف في حقيقته، وهو الأسلم، وإمّا أن يؤوّل بمعنى الإثابة وإعطاء
الأجر الجزيل، والله سبحانه أعلم.
(٣٦) - باب: من قتل كافراً ثمّ سدّد
١٣٠ - (١٨٩١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب
فضل من قتل كافراً، (رقم: ٢٤٩٥)، والنسائي في الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله
على قدمه، (رقم: ٣١٠٩).
قوله: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبداً) واستشكل هذا بمن قتل كافراً وارتكب الكبائر،
فالظاهر أنه يعاقب على ما ارتكب من الكبائر. وأجاب عنه بعض العلماء بأن من قتل كافراً
لمرضاة ربه سبحانه فإنه يكفر عنه جميع ذنوبه حتى الكبائر، فلا يدخل النار أبداً، وقال آخرون:
إن هذا ليس عاماً لكل من قتل كافراً، وإنما هو لمن قتله بنية مخصوصة أو في حال مخصوصة.
وقيل: إنه يعاقب على كبيرته بحبسه في الأعراف دون أن يدخل النار. وقيل: إنه يدخل النار
عقوبة على كبيرته، ولكن موضعه من النار غير موضع الكافر، فلا يجتمعان حتى يعيّره الكافر
على دخول النار، وهذا الأخير يؤيده لفظ الرواية الآتية: ((لا يجتمعان في النار اجتماعاً يضرّ
أحدهم الآخر)) والله سبحانه أعلم.
١٣١ - ( ... ) - قوله: (اجتماعاً يضرّ أحدهم الآخر) هذا يدل على أن اجتماعهما ممكن،
ولكن هذا اجتماع لا يضرّ به أحدهما الآخر بأن يعيّر الكافر المؤمن بأنه لم ينفعك قتلي. وذلك
بأن يختلف زمان دخول كل منهما أو مكانه. واستشكل بعض الناس بعموم الرواية الأولى، فإنها
تدل على أنهما لا يجتمعان أبداً، وأجاب عنه العلماء بأن الرواية الأولى المطلقة محمولة على
هذه المقيّدة .

٣٥٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مُؤْمِنْ قَتَلَ كَافِراً ثُمَّ سَدَّدَ)).
(٣٧) - باب: فضل الصدقة في سبيل الله، وتضعيفها
٤٨٧٤ - (١٣٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ.
فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((لَكَ بِهَا، يَوْمَ الْقِيَامَةِ. سَبْعُمِائَةٍ نَاقَةٍ.
كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ)).
٤٨٧٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةً. ح
وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ). حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كِلاَهُمَا عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
قوله: (قتل كافراً، ثم سدّد) أي: سدّد عمله، فأصبح يعيش على سداد واستقامة في الدين
واستشكل هذا بأنّ من سدّد عمله فإنه لا يرتكب كبيرة، ومثله لا يدخل النار، سواء قتل كافراً أو
لم يقتله. والأحسن في الجواب عن هذا الإشكال ما ذكره القرطبي من أن المراد من السّداد
هنا: دوامه على الإيمان، أو اجتنابه عن إضاعة حقوق الله، ولا ينافي ذلك أن يدخل النّار لبعض
حقوق العباد وغيرها .
وأجاب القاضي عن الإشكال بأن هذه الرواية مقلوبة، وكانت في الأصل راجعة إلى
حديث أبي هريرة في الباب الماضي: ((يضحك الله لرجلين إلخ)) وكان صوابها: ((مؤمن قتله
كافر، ثم سدّد)) أي: سدّد القاتل الكافر، بأن أسلم بعد ذلك، فإنهما لا يجتمعان في النار،
وقوله: ((اجتماعاً يضر أحدهم الآخر)) يعني: به اجتماعاً بعقوبتهما، وهذا للاحتراز عن
اجتماعهما علی جسر جهنم، کما وردت به الآثار.
ولا يخفى ما في هذا التفسير من التكلف، والله سبحانه أعلم.
(٣٧) - باب: فضل الصدقة في سبيل الله إلخ
١٣٢ - (١٨٩٢) - قوله: (عن أبي مسعود الأنصاريّ) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في
الجهاد، باب فضل الصدقة في سبيل الله، (رقم: ٣١٨٧).
قوله: (كلّها مخطومة) المخطومة من الناقة ما فيها خطام، وهو قريب من الزمام. قال
النووي تقذفُ: ((يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له
في الجنة بها سبعمائة، كل واحدة منهن مخطومة يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل
الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر، - والله أعلم - )).

٣٥٣
كتاب: الإمارة
(٣٨) - باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله
بمركوب وغيره، وخلافته في أهله بخير
٤٨٧٦ - (١٣٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ
لأَّبِي كُرَيْبٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمْرِو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي
مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّرِ فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي. فَقَالَ:
(مَا عِنْدِي)) فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ:
((مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ».
٤٨٧٧ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي
بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا
(٣٨) - باب: فضل إعانة الغازي في سبيل الله إلخ
١٣٣ - (١٨٩٣) - قوله: (عن أبي عمرو الشّيبانيّ) بفتح الشّين، اسمه سعد بن إياس
الكوفي، عاصر رسول الله وَّه ولم يره، قال: ((بعث النبيّ وَّ﴿ وأنا أرعى إبلاً لأهلي بكاظمة))
وشهد القادسية وهو ابن أربعين سنة، وعاش مائة وعشرين سنة، روى عن جمع من الصحابة،
وهو ثقة روى عنه الجماعة، وراجع التهذيب (٣: ٤٦٨).
قوله: (عن أبي مسعود الأنصاريّ) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب، باب في
الدالّ على الخير، (رقم: ٥١٣٩)، والترمذي في العلم، باب ما جاء أن الدال على الخير
كفاعله، (رقم: ٢٨١٠).
قوله: (أبدع بي) بضم الهمزة وكسر الدال على البناء للمجهول، ومعناه: هلكت دابتي،
يقال لمن هلكت فرسه وكل ركابه وبقي مقطوعاً: أبدع به. ووقع في بعض النسخ: ((بُدِّع بي))
بحذف الهمزة وضم الباء وتشديد الدال، وهو لغة في الإبداع، لكن المعروف هو الأول، وهو
أصح كما صرح به القاضي والنووي.
قوله: (فله مثل أجر فاعله) قال النووي: ((فيه فضيلة الدلالة على الخير، والتنبيه عليه،
والمساعدة لفاعله. وفيه فضيلة تعليم العلم ووظائف العبادات، لا سيما لمن يعمل بها من
المتعبدين وغيرهم. والمراد بمثل أجر فاعله: أن له ثواباً بذلك الفعل، كما أن لفاعله ثواباً، ولا
يلزم أن یکون قدر ثوابهما سواء)».
لكن قال القرطبي: ((ظاهر اللفظ المساواة، ويمكن أن يصار إلى ذلك ولا بعد فيه، لأن
الأجر على الأعمال إنما هو بفضل الله تعالى يهبه لمن يشاء على أي شيء فعل، وقد جاء في
الشرع من ذلك كثير، كقوله: ((من قال مثل ما يقول المؤذن فله مثل أجره)) والله سبحانه أعلم.

٣٥٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٤٨٧٨ - (١٣٤) ح وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَقَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا
بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ فَتَّى مِنْ أَسْلَمَ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ. قَالَ: ((ائْتِ فُلاَنَاً فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ
فَمَرِضَ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ: أَعْطِنِيِ الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ.
قَالَ: يَا فُلاَنَةُ، أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ. وَلاَ تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئاً. فَوَاللَّهِ، لاَ تَحْبِسِي مِنْهُ
شَيْئاً فَيُبَارَكَ لَكِ فِیهِ)).
٤٨٧٩ - (١٣٥) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ (قَالَ أَبُو الظَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ). أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ
بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرِ؛ أَنَّهُ
قَالَ: ((مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فِي سَبِيلِ اللَّهِ
١٣٤ - (١٨٩٤) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد،
باب فيما يستحب من إنفاد الزاد في الغزو إذا قفل، (رقم: ٢٧٨٠).
قوله: (قد كان تجهّز فمرض) يعني: أنه كان قد تأهب للسّفر بإعداد المركوب والسّلاح،
ولكنه مرض مرضاً منعه عن الجهاد، فبقي جهازه عنده غير مستعمل، فلو طلبت منه ذلك أمكن
أن تغزو به .
قوله: (يا فلانة! أعطيه الذي تجهزت به) خاطب به زوجته أو أمته، وأمرها أن تعطيه جميع
جهازه. وفيه أن ما نوى الإنسان صرفه في جهة برّ، فتعذرت عليه تلك الجهة، يستحب له بذله
في جهة أخرى من البرّ، ولا يلزمه ذلك ما لم يلتزمه النذر. قاله النووي.
١٣٥ - (١٨٩٥) - قوله: (عن زيد بن خالد الجهنيّ) بضم الجيم وفتح الهاء، نسبة إلى بني
جهينة. صحابي شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، مات (سنة: ٧٨هـ) بالمدينة وله
خمس وثمانون، وقيل: مات قبل ذلك في خلافة معاوية. كذا في الإصابة (١ : ٥٤٧).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الجهاد، باب فضل من جهّز غازياً، أو خلفه بخير،
(رقم: ٢٨٤٣)، والنسائي في الجهاد، باب فضل من جهز غازياً، (رقم: ٣١٨٠ و٣١٨١)،
وأبو داود في الجهاد، باب ما يجزىء من الغزو، (رقم: ٢٥٠٩)، والترمذي في الجهاد، باب ما
جاء فيمن جهّز غازياً، (رقم: ١٦٧٨).
قوله: (من جهّز غازياً) وفي حديث عمر عند ابن ماجه وابن حبّان: ((من جهز غازياً حتى

٣٥٥
كتاب: الإمارة
فَقَدْ غَزَا. وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا)).
٤٨٨٠ - (١٣٦) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع). حَدَّثَنَا
حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيٍ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ. قَالَ: قَّالَ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ: ((مَنَ جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا. وَمَنْ
خَلَفَ غَازِياً فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا)».
٤٨٨١ - (١٣٧) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
الْمُبَاركِ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِيَ أَبُو سَعِيدٍ، مَوْلَى الْمَهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ بَعَثَ بَعْثاً إِلَى بَنِي لِحْيَانَ، مِنْ هُذَيْلٍ. فَقَالَ: (لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا. وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا)).
٤٨٨٢ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ (يَعْنِي ابْنَ
عَبْدِ الْوَارِثِ) قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَحْيَى. حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ،
مَوْلَى الْمَهْرِيِّ. حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الْخُدْرِيُّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهَ بَعَثَ بَعْثاً، بِمَعْنَاهُ.
يستقل كان له مثل أجره)) فأفاد أن الوعد المذكور مرتب على تمام التجهيز، وهو المراد بقوله:
((حتى يستقلّ)).
قوله: (فقد غزا) حاصله على ما ظهر لي أن الرجل يكتب في الغُزاة، ثم إن الغُزاة يختلفون
في الأجر على قدر أعمالهم في الغزوة، وتحملهم المشاقّ، واقتحامهم الأخطار، فلا يستلزم
هذا أن يكون ثوابه مساوياً لثواب من باشر القتال بنفسه، وإنما يثاب كلّ على قدر عمله بعد
اشتراكهم في حصول أجر مطلق الجهاد، - والله أعلم - .
١٣٧ - (١٨٩٦) - قوله: (أبو سعيد مولى المهري) بفتح الميم وسكون الهاء كما في
المغني، واسمه سالم بن عبد الله، وقد ذكر النووي أن له ألقاباً ونسباً كثيرة، وهو من ثقات
التابعين، أخرج عنه المصنف وأبو داود والنسائي والترمذي، كما في التهذيب (١٢ : ١١١
و ١١٢).
قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الجهاد، باب ما
يجزىء من الغزو، (رقم: ٢٥١٠)، وأحمد في مسنده (٣: ٣٥ و٤٩ و٥٥).
قوله: (بعث بعثاً إلى بني لحيان) بكسر اللام وبفتحها، والكسر أشهر. وكانوا كفاراً في
ذلك الوقت.
قوله: (لينبعث من كلّ رجلين أحدهما) هذا خطاب للبعث الذي بعثهم إلى بني لحيان،
والمراد أن يخرج من كل قبيلة نصف عددهم.

٣٥٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٨٨٣ - (٠٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنَ مُوسَى)
عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيَى، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٨٨٤ - (١٣٨) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ بَعَثَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ: ((لِيَخْرُجْ مِنْ كُلِّ
رَجُلَيْنِ رَجُلٌ)) ثُمَّ قَالَ لِلْقَاعِدِ: ((أَيْكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ، كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفٍ
أَجْرِ الْخَارِجِ)).
(٣٩) - باب: حرمة نساء المجاهدين، وإثم من خانهم فيهن
٤٨٨٥ - (١٣٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((حُرْمَةُ نِسَاءٍ
الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ، كَحُرْمَةٍ أُمَّهَاتِهِمْ. وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلاً مِنَ
١٣٨ - ( ... ) - قوله: (كان له مثل نصف أجر الخارج) استشكل بعضهم أن يكون أجرهم
نصف أجر الخارج، وزعم أنه معارض لما مرّ من أن من جهّز غازياً فقد غزا أو كان له مثل
أجره، حتى ادعى القرطبي أن لفظ ((النصف)) مقحم من أحد الرواة. وقال الحافظ في
الفتح ٦: ٥٠: ((والذي يظهر في توجيهها أنها أطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل
للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مثل ما للآخر،
فلا تعارض بين الحديثين.
وظنّي أن ما ذكرته في تفسير قوله تعالَّلها: ((فقد غزا)) فيه غنى عن هذه التكلفات، فإن
المقصود من حديث زيد بن خالد به أنه يكتب من الغزاة، ويشاركهم في نفس الجهاد، ولا
مانع من أن يكون أحد الغزاة يضاعف له الأجر، ويكون لغيره نصف أجره بحسب ما باشر كل
واحد من الأعمال، - والله أعلم - .
(٣٩) - باب: حرمة نساء المجاهدين وإثم من خانهم فيهنّ
١٣٩ - (١٨٩٧) - قوله: (عن أبيه) يعني: بريدة بن الحصيب الأسلميّ ◌َظ ◌ُه، وقد مر
ترجمته في (٩٧٠).
وحديثه هذا أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في حرمة نساء المجاهدين على القاعدین،
(رقم: ٢٤٩٦)، والنسائي في الجهاد، باب حرمة نساء المجاهدين، (رقم: ٣١٨٩)، وباب من
خان غازياً في أهله، (رقم: ٣١٩٠).
قوله: (حرمة نساء المجاهدين) إلخ: قال النووي: ((هذا في شيئين: أحدهما: تحريم

٣٥٧
كتاب: الإمارة
الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلاَّ وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ. فَمَا
ظَنُّكُمْ؟».
٤٨٨٦ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ (يَعْنِي النَّبِيَّ ◌ََِّ) بِمَعْنَى حَدِيثٍ
الثَّوْرِيِّ.
٤٨٨٧ - (١٤٠) وحدّثناه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَذَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَعْنَبٍ، عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ((فَقَالَ: فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ)). فَالْتَفَتَّ إِلَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ فَقَالَ: ((فَمَا ظَنْكُمْ؟».
(٤٠) - باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين
٤٨٨٨ - (١٤١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى).
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ يَقُولُ فِي
التعرض لهن بريبة من نظر محرّم، وخلوة، وحديث محرّم وغير ذلك. والثاني: في برّهنّ
والإحسان إليهنّ، وقضاء حوائجهنّ التي لا يترتب عليها مفسدة، ولا يتوصل بها إلى ريبة
ونحوها)».
قوله: (فما ظنّكم؟) معناه: ما تظنّون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك
المقام أن لا يبقى منها شيئاً إن أمكنه. كذا في شرح النووي.
وقال القرطبي: ((ودل الحديث على أن خيانة الغازي في أهله أعظم من كل خيانة، لأن
خيانة غيره لا يخيّر المخون في أخذ كل حسنات الخائن، وإنما يأخذ لكل خيانة قدراً معلوماً من
حسنات الخائن)) كذا في شرح الأبي.
(٤٠) - باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين
١٤١ - (١٨٩٨) - قوله: (سمع البراء) يعني: ابن عازب ◌ًا، له ولأبيه صحبة، لم يشهد
بدر لصغره، وشهد ما بعده أربعاً وعشرين غزوة، وهو الذي افتتح الري سنة أربع وعشرين في
قول أبي عمرو الشيباني، وخالفه غيره، وشهد غزوة تستر مع أبي موسى، وشهد الجمل وصفين
مع عليّ رَظُته، ونزل الكوفة وابتنى بها داراً، ومات في إمارة مصعب بن الزبير، وأرّخه ابن حبان
سنة اثنتين وسبعين، كذا في الإصابة (١: ١٤٧).
وحديثه هذا أخرجه البخاري في الجهاد، باب قول الله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [سورة النساء، آية: ٩٥]، (رقم: ٢٨٣١)، وفي تفسير سورة النساء، باب ﴿لَّا

٣٥٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُذِهِ الآيَةِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَالُْجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٥] فَأَمَرَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ زَيْداً فَجَاءَ بِكْتِفٍ يَكْتُبُهَا. فَشَكًا إِلَيْهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿لَّا
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
قَالَ شُعْبَةُ: وَأَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فِي هذِهِ
الآيَةِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ. وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي
رِوَايَتِهِ: سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
٤٨٨٩ - (١٤٢) ح وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو
إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥]. كَلّمَهُ
ابْنُ أُمّ مَكْتُومَ. فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
(٤١) - باب: ثبوت الجنة للشهيد
٤٨٩٠ _ (١٤٣) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَشِيُّ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ (وَاللَّفْظُ
لِسَعِيدٍ). قالا أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو. سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ:
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ﴾، (رقم: ٤٥٩٣ و٤٥٩٤)، وفي فضائل
القرآن، باب كاتب النبيّ وَّر، (رقم: ٤٩٩٠)، وأخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء في
الرخصة لأهل العذر في القعود، (رقم: ١٧٢١)، وفي التفسير، باب ومن سورة النساء،
(رقم: ٥٠٢٢)، والنسائي في الجهاد، باب فضل المجاهدين على القاعدين، (رقم: ٣١٠١
و ٣١٠٢).
قوله: (فشكا إليه ابن أم مكتوم ضرارته) يعني: عماه، وفي حديث زيد بن ثابت عند
البخاري في التفسير ((فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملّها عليّ، قال: يا رسول الله! وَالله لو أستطيع
الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسوله وَل﴿ وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى
خفت أن ترضّ فخذي. ثمّ سُرّى عنه فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾ [سورة النساء، آية: ٩٥].
قوله: (غير أولي الضّرر) قرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بالرفع على أنه بدل من
((القاعدون)). وقرأ الأعمش بالجرّ على الصفة للمؤمنين، وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء.
كذا في فتح الباري (٨: ٢٦٠).
(٤١) - باب: ثبوت الجنّة للشهيد
١٤٣ - (١٨٩٩) - قوله: (عن عمرو) هو ابن دينار.
قوله: (سمع جابراً) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة أحد، (رقم: ٤٠٤٦)،

٣٥٩
كتاب: الإمارة
قَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ قُتِلْتُ؟ قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ) فَأَلْقَى تَمَراتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَفِي حَدِيثِ سُوَيْدٍ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَّةِ، يَوْمَ أُحُدٍ.
٤٨٩١ _ (١٤٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ إِلَى النَّبِيِّوَلَ. ح وَحَدَّثَنَا
أَحْمَدُ بْنُ جَنَابِ الْمِصِّيصِيُّ. حَدَّثَنَا عِيسَى (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
عَنِ الْبَرَاءِ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّبِيتِ - قَبِيلٍ مِنَ الأَنْصَارِ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ
اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: «عَمِلَ هُذَا يَسِيراً،
وَأُجِرَ كَثِيراً)».
والنسائي في الجهاد، باب ثواب من قتل في سبيل الله عز وجل، (رقم: ٣١٥٤).
قوله: (قال رجل) زعم الخطيب وغيره أنه عمير بن الحمام الأنصاريّ الذي تأتي قصته في
حديث أنس الآتي بعد رواية واحدة، ولكن رده الحافظ في الفتح بأن قصة عمير بن الحمام إنما
وقعت في غزوة بدر، بخلاف قصة حديث جابر هذا، فإنها وقعت في غزوة أحد، كما هو مصرح
في رواية سويد، وفي رواية البخاري، فالظاهر أنهما قصتان متغايرتان، واالله سبحانه أعلم.
قوله: (عن البراء) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب عمل صالح قبل
القتال، (رقم: ٢٨٠٨).
١٤٤ - (١٩٠٠) - قوله: (جاء رجل من بني النّبيت) إلخ: ولفظ البخاري من طريق إسرائيل
عن أبي إسحاق: ((أتى النبيّ وَّ رجل مقنّع بالحديد، فقال: يا رسول الله! أقاتل أو أسلم؟ قال:
أسلم ثمّ قاتل فقتل، فقال رسول الله وَالقر: عمل قليلاً وأجر كثيراً)).
واستظهر الحافظ في الفتح (٦: ٢٥) أن هذا الرجل عمرو بن ثابت بن وقش المعروف
بأصرم بن عبد الأشهل، وأخرج ابن إسحاق في المغازي بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه كان
يقول: ((أخبروني عن رجل دخل الجنة لم يصل صلاة؟)) ثم يقول: ((هو عمرو بن ثابت)). وقصته
على ما رواه ابن إسحاق عن محمود بن لبيد أنه كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد بدا له فأخذ
سيفه حتى أتى القوم، فدخل في عرض الناس فقاتل حتى وقع جزيحاً، فوجده قومه في المعركة،
فقالوا: ما جاء بك؟ أشفقة على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، قاتلت
مع رسول الله وَير حتى أصابني ما أصابني، فقال رسول الله وَله: إنه من أهل الجنة)).
وروى أبو داود والحاكم قصته، وفي آخرها: ((ثم مات فدخل الجنة وما صلى صلاة)) وكان
هذا الرجل من بني عبد الأشهل، ويجمع بينه وبين كونه من بني النبيت بأنه كان له إلى بني النبيت
نسبة مّا، فإنهم إخوان بني عبد الأشهل، - والله أعلم - .

٣٦٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٨٩٢ - (١٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنِ أَبِي النَّصْرِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ. قَالُوا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم.
حَذَّثَنَا سُلَيْمَانُ (وَهُوَ ابْنُ الْمُغِيرَةٍ) عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: بَعَثَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ بُسَيْسَةَ، عَيْناً يَنْظُرُ مَا صَنَعَتْ عِيرُ أَبِي سُفْيَانَ. فَجَاءَ وَمَا فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ
غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ (قَالَ: لاَ أَدْرِي مَا اسْتَثْنَى بَعْضَ نِسَائِهِ) قَالَ: فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ.
قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ فَتَكَلَّمَ. فَقَالَ: ((إِنَّ لَنَا طَلِبَةً. فَمَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِراً فَلْيَرْكَبْ
مَعَنَا)) فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ: ((لاَ. إِلاَّ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ
حَاضِراً)) فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ وَأَضْحَابُهُ. حَتَّى سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ. وَجَاءَ
الْمُشْرِكُونَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لاَ يُقَدْمَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى أَكُونَ أَنَا دُونَهُ)) فَدَنَا
١٤٥ - (١٩٠١) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث لم أجده عند غير مسلم من بين
الأئمة الستة .
قوله: (بسيسة) بضم الباء مصغراً، والمعروف في كتب السيرة (بسبسه)) ببائين، وهو ابن
عمرو من الخزرج من الأنصار، ويقال: حليف لهم. ويجوز أن يكون أحد اللفظين اسماً له
والآخر لقباً .
قوله: (ما صنعت عير أبي سفيان) العير بكسر العين: الدواب التي تحمل الطعام وغيره من
الأمتعة. والمراد العير التي أقبل بها أبو سفيان من الشام وفيها أموال عظيمة لقريش وتجارة من
تجاراتهم، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون، منهم مخرفة بن نوفل، وعمرو بن العاص،
كما في سيرة ابن هشام. والظاهر أن رسول الله وَ لل بعث بسيسة لتفقد أحوال العير قبل أن يخرج
من المدينة المنورة .
قوله: (لا أدري ما استثنى بعض نسائه) ((ما)) ههنا مصدرية، والظاهر أن هذه المقولة
الثابت، والمراد: لا أعرف هل استثنى بعض نسائه أو لا .
قوله: (فحدّثه الحديث) يعني: أن بسيسة أخبر رسول الله وَليه بما رأى من أحوال عير أبي
سفيان وأنه مقبل من الشام.
قوله: (إنّ لنا طلبة) بفتح الطاء وكسر اللام، وهو ما يُطلب، يعني: حاجة مطلوبة، والمراد
الإغارة على العير وفيه استحباب التورية في الحرب وأن لا يبين الإمام جهة خروجه، لئلا يشيع
ذلك فينتبه العدو .
قوله: (في ظهرانهم) بضم الظاء، جمع الظّهر، يعني: أنهم استأذنوه ظلّا للإتيان ببعض
المراكب من علو المدينة.
قوله: (حتى أكون أنا دونه) يعني: قدّامه، والمراد نهي الصحابة من أن يتقدموا على