النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب: الإمارة
(٨) - باب: وجوب طاعة الأمراء
في غير معصية، وتحريمها في المعصية
٤٧٢٣ - (٣١) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ الَهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِ آلْأَِّ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسٍ بْنِ عَدِيِّ السَّهْمِيِّ. بَعَثَهُ
النَّبِيُّ ◌َِّ فِي سَرِيَّةٍ. أَخْبَرَنِهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(٨) - باب: وجوب طاعة الأمراء في غير معصية إلخ
٣١ - (١٨٣٤) - قوله: (قال ابن جريج) وأسنده إلى ابن عبّاس في آخر الحديث. وحديث
ابن عباس هذا: أخرجه البخاري في تفسير سورة النساء، باب ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ [النساء:
٥٩] إلخ، (رقم: ٤٥٨٤)، وأبو داود في الجهاد، باب في الطاعة، (رقم: ٢٦٢٤)، والترمذي
في الجهاد، باب ما جاء في الرجل يبعث وحده سريّة، (رقم: ٧١٢٣)، والنسائي في البيعة،
باب قوله تعالى: ﴿وَأُوْلِ الْأَمِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، (رقم: ٤١٩٤).
قوله: (في عبد الله بن حذافة) وهو أبو حذافة أو أبو حذيفة، وهو الذي وجّهه عمر رَُّه في
جيش إلى الروم، فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصّر، أشركك في ملكي، فأبى، فأمر به فصلب
وأمر برميه بالسهام، فلم يجزع، فأنزل، وأمر بقدر فصب فيها الماء وأغلى عليه وأمر بإلقاء أسير
فيها، فإذا عظامه تلوح، فأمر بإلقائه إن لم يتنصر، فلما ذهبوا به بكى، قال: ردوه، فقال: لم
بكيت؟ قال: تمنيت أن لي مائة نفس تلقى هكذا في الله. فعجب، فقال: قبّل رأسي وأنا أخلّي
عنك، فقال: وعن جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم، فقبّل رأسه، فخلى بينهم، فقدم بهم على
عمر، فقام عمر، فقبّل رأسه. أخرجه البيهقي وابن عساكر وغيره، وراجع الإصابة (٢: ٢٨٨).
قوله: (في سريّة) إشارة إلى ما رواه عليّ عند المصنف في هذا الباب وعند البخاري وغيره
أن النبيّ وَ﴿ أمّر عبد الله بن حذافة على سريّة، فأمرهم أن يوقدوا ناراً فيدخلوها، فهمّوا أن
يفعلوا، ثم كفّوا، فبلغ رسول الله وَّ، فقال: إنما الطاعة في المعروف.
واستشكل الداودي أن تكون آية الإطاعة نزلت في هذه القصّة، لأنّ الآية تأمر بإطاعة
الأمير، وحاصل القصّة أن الصحابة أقرّوا على مخالفة أميرهم. وأجاب عنه الحافظ في الفتح
(٨: ٢٥٤) بأن المقصود من الآية ههنا قوله تعالى: ﴿فَإِن تَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة
النساء، آية: ٥٩] لأن الصحابة تنازعوا في امتثال ما أمرهم به عبد الله بن حذافة، وسببه أن الذين
همّوا أن يطيعوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار،
فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الرد إلى الله وإلى رسوله،
أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنّة.

٢٦٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٧٢٤ - (٣٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْحِزَامِيُّ
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهَ وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَىَ اللَّهَ. وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي. وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ
عَصَانِي)).
٤٧٢٥ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهذَا
الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: (وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي)).
٤٧٢٦ - (٣٣) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابِ. أَخْبَرَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنَ
رَسُولِ اللهِّوَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللّهَ. وَمَنْ
أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي. وَمَنْ عَصَىْ أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)).
وقد روى الطبري في تفسيره (٥: ١٤٨) أن الآية نزلت في قصّة جرت بين خالد بن الوليد
وعمّار بن ياسر ◌ّ، - والله أعلم - .
ثم إن المراد من ((أولي الأمر)) في الآية الأمراء، وهو أرجح الأقوال في تفسير الآية،
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد العلماء، وبعضهم إلى أن المراد الصحابة، وآخرون إلى
أنهم أبو بكر وعمر ها خاصة، وراجع تفسير ابن جرير لتفصيل هذه الأقوال.
٣٢ - (١٨٣٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأحكام، باب
قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٥٩]، (رقم: ٧١٣٧)، وفي
الجهاد، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي به، (رقم: ٢٩٥٧)، وأخرجه النسائي في البيعة، باب
الترغيب في طاعة الإمام، (رقم: ٤١٩٣)، وابن ماجه في المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله وَل
(رقم: ٣)، وفي الجهاد، باب طاعة الإمام، (رقم: ٢٨٨٩).
قوله: (من أطاعني فقد أطاع الله) هذه الجملة مقتبسة من قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ
أَطَاعَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء، آية: ٨٠] أي: لأني لا آمر إلا بما أمر الله به، فمن فعل ما آمره به فإنما
أطاع من أمرني أن آمره، ويحتمل أن يكون المعنى: لأن الله أمر بطاعتي، فمن أطاعني فقد أطاع
أمر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك.
قوله: (ومن أطاع أميري فقد أطاعني) وفي الرواية السابقة: ((ومن يطع الأمير)) ويمكن ردّ
اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحق وكان عادلاً، فهو أمير الشارع، لأنه تولى بأمره
وشريعته. وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود
الحديث. وأما الحكم فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كذا في فتح الباري
(١٣ : ١١٢).

٢٦٣
كتاب: الإمارة
٤٧٢٧ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْج، عَنْ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةً بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا
هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ بِمِثْلِهِ. سَوَاءٌ.
٤٧٢٨ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ
عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ. قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ. قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُول اللّهِ وَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ. سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ. سَمِعَ
أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َِّ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
٤٧٢٩ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ ◌َِّهَ بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
٤٧٣٠ - (٣٤) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ؛ أَنَّ أَبَا يُونُسَ،
مَوْلَىْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَلِه. ◌ِذْلِكَ. وَقَالَ:
(مَنْ أَطَاعَ الأَمِيرَ)) وَلَمْ يَقُلْ: ((أَمِيرِي)). وَكَذْلِكَ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
٤٧٣١ - (٣٥) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ.
قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: «عَلَيْكَ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ. فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ.
وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ. وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ)).
٤٧٣٢ - (٣٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو
كُرَيْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ،
٣٥ - (١٨٣٦) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه أيضاً النسائي في البيعة، باب البيعة على
الأثرة، (رقم: ٤١٥٥).
قوله: (ومنشطك ومكرهك) ظرفان، أو مصدران ميميان من النشاط والكراهة، والمراد
وجوب السمع والطاعة في كل ما يأمر به الأمير، رضيه المأمور أو سخطه، ما لم يكن معصية.
قوله: (وأثرةٍ عليك) بفتح الهمزة والثاء، وقيل: بضم الهمزة، وقيل: بكسرها وسكون الثاء
في الحالتين، وهي أن يؤثر غيرٍك عليك في العطايا والهبات ونحوها. والمراد: أن السّمع
والطاعة في غير المعصية لا يسقطان بعذر أن الأمير لا يعدل مع المأمور، ويفضل فيها البعض
على البعض.

٢٦٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ أَبِي ذَرِّ. قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ. وَإِنْ كَانَ عَبْدَاً مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ.
٤٧٣٣ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، بِهُذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالاً
فِي الْحَدِيثِ: عَبْداً حَبَشِيًّا مُجَدَّعَ الأَظْرَافِ.
٤٧٣٤ - (٠٠٠) وحدّثناه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي
عِمْرَانَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: عَبْداً مُجدَّعَ الأَظْرَافِ.
٤٧٣٥ - (٣٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ وَّهِ يَخْطبُ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ. وَهُوَ يَقُوَّلُ: ((وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا)).
٤٧٣٦ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((عَبْدَاً حَبَشِيًّا)).
٣٦ - (١٨٣٧) - قوله: (عن أبي ذرّ) مرّ هذا الحديث في كتاب الصّلاة، باب كراهة تأخير
الصلاة عن وقتها المختار، وأخرجه ابن ماجه في الجهاد، باب طاعة الإمام، (رقم: ٢٨٩٢).
قوله: (عبداً مجدّع الأطراف) يعني: مقطوعها، والمراد أخسّ العبيد الذي هو دنيء
النسب.
٣٧ - (١٨٣٨) - قوله: (يحيى بن حصين) بضم الحاء الأحمسي البجلي، وثقه ابن معين
والنسائي والعجلي وابن حبان، كما في التهذيب.
قوله: (سمعت جدّتي) هي أم الحصين الأحمسيّة رَؤُهَا، شهدت حجة الوداع، وروت فيها
أحادیث.
وحديثها هذا أخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء في طاعة الأمير، (رقم: ١٧٠٦)،
والنسائي في البيعة، باب الحض على طاعة الإمام، (رقم: ٤١٩٢)، وابن ماجه في الجهاد،
باب طاعة الأمير، (رقم: ٢٨٩١).
قوله: (يخطب في حجة الوداع) وأخرج ابن مندة من طريق أبي نعيم، عن يونس بن أبي
إسحاق، عن العيزار بن حريث، قال: سمعت الأحمسية، يعني أم الحصين، تقول: رأيت على
رسول الله و له برداً قد التحف به من تحت إبطه يقول: يا أيها الناس! اتقوا الله، وإن أمّر عليكم
عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله تعالى. نقله الحافظ في الإصابة
(٤ : ٤٢٤) في ترجمة أم الحصين.

٢٦٥
كتاب: الإمارة
٤٧٣٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ
شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((عَبْدَاً حَبَشِيًّا مُجَدَّعاً)).
٤٧٣٨ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
بِهُذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((حَبَشِيًّا مُجَدَّعاً)). وَزَادَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ بِمِنَّى، أَوْ
بِعَرَفَاتٍ.
٤٧٣٩ - (٠٠٠) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَغْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْنِ. قَالَ: سَمِعْتُهَا
تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ حَجَّةَ الْوَدَاعْ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ قَوْلاً كَثِيراً .
ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ (خَسِبْتُهَا قَالَتْ) أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ.
فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا)).
٤٧٤٠ - (٣٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنٍ
ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ وََّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ. فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ.
إِلاَّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ. فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلاَ سَمْعَ وَلاَ طَاعَةَ)).
٤٧٤١ - (٠٠٠) وحدّثناه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى
(وَهُوَ الْقَطَّانُ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كِلاَهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ .
٤٧٤٢ - (٣٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). قَالاً:
٣٨ - (١٨٣٩) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب
السمع والطاعة للإمام، (رقم: ٢٩٥٥)، وفي الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن
معصية، (رقم: ٧١٤٤)، وأخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق، (رقم: ١٧٠٧)، وأبو داود في الجهاد، باب في الطاعة، (رقم: ٢٦٢٦)، والنسائي في
البيعة، باب جزاء من أمر بمعصية، (رقم: ٤٢٠٦)، وابن ماجه في الجهاد، باب لا طاعة في
معصية، (رقم: ٢٨٩٤).
قوله: (إلا أن يُؤمَر بمعصية) هذا يقيد ما أطلق في الأحاديث الماضية من الأمر بالسمع
والطاعة ولو لحبشي.
قوله: (فلا سمع ولا طاعة) أي: لا يجب ذلك، بل يحرم على من كان قادراً على
الامتناع، فإن أكره جرت عليه أحكام الإكراه المبسوطة في الفقه.

٢٦٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدٍ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلّهِ بَعَثَ جَيْشاً
٣٩ - (١٨٤٠) - قوله: (عن زبيد) بضم الزاء مصغراً، وهو ابن الحارث بن عبد الكريم
اليامي، ويقال: الأيامي، الكوفي، قال ليث عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة فيهم
زبيد. وقال ابن شبرمة: كان يصلي الليل كله، وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان
علويّاً، وقال سعيد بن جبير: لو خيرت عبداً ألقى الله في مسلاخه اخترت زبيداً اليامي، مات ما
بين (سنة: ١٢٢ و١٢٤ هـ). كذا في التهذيب.
قوله: (عن سعد بن عبيدة) السّلمي أبو ضمرة الكوفي، ختن أبي عبد الرحمن السلمي،
قال أبو حاتم: كان يرى رأي الخوارج ثم تركه، يكتب حديثه، ووثقه ابن سعد والعجلي وابن
حبان، كما في التهذيب (٣: ٤٧٨).
قوله: (عن أبي عبد الرحمن) يعني السُّلمي (بضم السين وفتح اللام)، واسمه عبد الله بن
حبيب، وهو من أشهر قرّاء التابعين، أقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة، شهد مع
عليّ ◌َُّله صفّين، ثم صار عثمانياً ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك، وكان من أصحاب
ابن مسعود. قال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة. كما في التهذيب، وكان أعمى، ولد في
حياة النبيّ وَلغيره، ولأبيه صحبة. وروى حماد بن زيد وغيره عن عطاء بن السائب أن أبا
عبد الرحمن السلمي قال: أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم
يجاوزوهن إلى العشر الآخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وأنه سيرث
القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز ههنا، ووضع يده على
حلقه. كذا في غاية النهاية لابن الجزري (١: ٤١٣).
قوله: (عن عليّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب سرية عبد الله بن حذافة
السهميّ، (رقم: ٤٣٤٠)، وفي الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية،
(رقم: ٧١٤٥)، وفي أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق إلخ،
(رقم: ٧٢٥٧). وأخرجه النسائي في البيعة، باب جزاء من أمر بمعصية فأطاع، (رقم: ٤٢٠٥)،
وأبو داود في الجهاد، باب في الطاعة، (رقم: ٥٦٢٥).
قوله: (بعث جيشاً) وكان سبب ذلك على ما ذكره ابن سعد أنه بلغ النبيّ وَّر أن ناساً من
الحبشة تراآهم أهل جدّة، فبعث إليهم علقمة بن مجزز في ربيع الآخر في سنة تسع في ثلاثمائة،
فانتهى إلى جزيرة في البحر، فلما خاض البحر إليهم هربوا، فلما رجع تعجل بعض القوم إلى
أهلهم، فأمّر عبد الله بن حذافة على من تعجل. وذكر ابن إسحاق أن سبب هذه القصّة أن
وقاص بن مجزز كان قتل يوم ذي قرد، فأراد علقمة بن مجزز أن يأخذ بثأره، فأرسله
رسول الله ◌َ في هذه السرية. وراجع فتح الباري (٨: ٥٩).

٢٦٧
كتاب: الإمارة
وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً. فَأَوْقَدَ نَاراً. وَقَالَ: ادْخُلُوهَا. فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا. وَقَالَ
الآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ فَقَالَ، لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ
يَدْخُلُوهَا: (لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) وَقَالَ لِلْآخَرِينَ قَوْلاً حَسَناً. وَقَالَ:
((لاَ طَاعَةً فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوَفِ)).
٤٧٤٣ - (٤٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو سَعِيدٍ
الأَشَجُّ. وَتَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ. قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ،
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَ سَرِيَّةً. وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلاً
مِنَ الأَنْصَارِ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا. فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ. فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي
قوله: (وأمّر عليهم رجلاً) هو عبد الله بن حذافة السهميّ ظُه. وتفصيل القصة ما أخرجه
ابن ماجه في أبواب الجهاد، باب لا طاعة في معصية (رقم: ٢٨٩٣) عن أبي سعيد
الخدريّ ◌َظُه: ((أن رسول الله وَّو بعث علقمة بن مُجزِّز على بعث وأنا فيهم، فلما انتهى إلى
رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق، استأذنته طائفة من الجيش، فأذن لهم، وأمّر عليهم عبد الله بن
حذافة بن قيس السّهميّ، فكنت فيمن غزا معه، فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم ناراً
ليصطلوا، أو ليصطنعوا عليها صنيعاً. فقال عبد الله - وكانت فيه دعابة - : أليس لي عليكم
السّمع والطاعة؟ قالوا: بلى. قال: فما أنا آمركم بشيء إلا صنعتموه؟ قالوا: نعم، قال: فإنّي
أعزم عليكم إلّ تواثبتم في هذه النّار. فقام ناس فتحجّزوا، فلمّا ظنّ أنهم واثبون، قال: أمسكوا
على أنفسكم، فإنما كنت أمزح معكم. فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبيّ وَيهر، فقال رسول الله ويليه :
من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه.
قوله: (إنّا قد فررنا منها) يعني: أنّنا إنما أسلمنا فراراً من عذاب النار، فكيف ندخلها
باختيار منّا؟
قوله: (لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة) قال النووي كثّفُهُ: ((هذا مما
علمه 18 بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبين للرواية المطلقة بأنهم لا يخرجون منها لو
دخلوها)) وذلك لأن دخول الرجل النار باختيار منه حرام، لأنه قتل للنفس بغير حقّ .
قوله: (رجلاً من الأنصار) هذه الرواية مخالفة لحديث أبي سعيد الخدريّ ظُه الذي نقلناه
عن ابن ماجه آنفاً في أمور: الأول: أن هذه الرواية صرحت بكون الأمير من الأنصار، وجزم
الراوي في حديث أبي سعيد بأنه عبد الله بن حذافة وهو قرشيّ. والثاني: أن رواية الباب وجّهت
أمره بدخول النار بأنهم أغضبوه في أمر من الأمور، ومرّ في حديث أبي سعيد أنه فعل ذلك على
وجه المزاح والدعابة. والثالث: أنه وقع في رواية الباب أنه أمرهم بجمع الحطب وإيقاد النّار
ليأمرهم بدخول النار، وذكر في حديث أبي سعيد أن القوم أوقدوا النار بأنفسهم ليصطلوا، أو

٢٦٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَطَباً. فَجَمَعُوا لَهُ. ثُمَّ قَالَ: أَوْقِدُوا نَاراً. فَأَوْقَدُوا. ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَُّ
أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَادْخُلُوهَا. قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ مِنَ النَّارِ. فَكَانُوا كَذْلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ. وَطُفِئَتِ
النَّارُ. فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذُلِكَ لِلنَِّيِّ وَِّ فَقَالَ: ((لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا. إِنَّمَا الطَّاعَةُ
فِي الْمَعْرُوفِ)).
ليصطنعوا عليها صنيعاً. والرابع: أنه يظهر من رواية الباب أن رسول الله و لل أمّر هذا الأمير
الذي أمر بدخول النار منذ بداية خروجهم، وقد وقع في حديث أبي سعيد أن الذي أمّره
رسول الله وَلقر هو علقمة بن مجزّز، ثم أمّر هو عبد الله بن حذافة على طائفة من الجيش.
ونظراً إلى هذا الاختلاف في الحديثين مال الحافظ في الفتح (٨: ٥٩) إلى تعدد القصتين،
فكأن قصة الباب لم تقع لعبد الله بن حذافة، وإنما وقعت لرجل آخر من الأنصار، والذي وقع
لعبد الله بن حذافة هو ما رواه أبو سعيد الخدري، وإليه جنح ابن القيّم أيضاً .
ولكن ذهب ابن الجوزي كثّفُ إلى أن قوله: ((من الأنصار)) وهم من بعض الرواة، ويؤيده
حديث ابن جريج في أول الباب أن قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ
مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٥٩] نزل في عبد الله بن حذافة ظُه. وقد مرّ غير مرّة أن الرواة الثقات
ربّما يعتنون بأصل القصّة، ولا يهتمّون بجزئياتها الجانبية، فيقع منهم أوهام في بيانها، والحمل
على التعدّد أبعد من حمل بعض الجزئيات على وهم بعض الرواة، لأنّ القصّة الأساسية في
الحديثين واحدة والله سبحانه أعلم.
قوله: (إنّما الطّاعة في المعروف) قد ثبت بأحاديث الباب مبدءان عظيمان من مبادىء
السّياسة الإسلاميّة، استعملها الفقهاء في كثير من المسائل:
الأوّل: مبدأ طاعة الأمير، وأن المسلم يجب عليه أن يطيع أميره في الأمور المباحة، فإن
أمر الأمير بفعل مباح، وجبت مباشرته، وإن نهى عن أمر مباح، حرّم ارتكابه، لأنّ الله سبحانه
وتعالى قال: ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء، آية: ٥٩] فلو كان المراد من
إطاعة أولي الأمر إطاعتهم في الواجبات الشرعيّة فحسب، لما كان هناك داع لاستقلالهم بالذكر
في هذه الآية، لأن إطاعتهم في الواجبات الشرعيّة ليست إطاعة لأولي الأمر، وإنّما هو إطاعة الله
ورسوله. فلمّا أفردهم الله سبحانه بالذكر ظهر أن المراد إطاعتهم في الأمور المباحة.
ومن هنا صرّح الفقهاء بأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة. قال ابن عابدين في باب
الاستسقاء من رد المحتار (١: ٧٩٢): ((إذا أمر الإمام بالصيام في غير الأيام المنهيّة وجب، لما
قدمناه في باب العيدين من أن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة)). وحكى ابنه العلامة علاء
الدين عن البيري: ((إن الحاكم لو أمر أهل بلدة بصيام أيام بسبب الغلاء أو الوباء وجب امتثال
أمره)) راجع له قرة عيون الأخيار (٢: ٥٤).

٢٦٩
كتاب: الإمارة
٤٧٤٤ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
ولكن هذه الطاعة كما أنها مشروطة بكون أمر الحاكم غير معصية، فإنها مشروطة أيضاً
يكون الأمر صادراً عن مصلحة لا عن هوى أو ظلم، لأن الحاكم لا يطاع لذاته، وإنّما يطاع من
حيث أنه متولّ لمصالح العامّة، فإن أمر بشيء اتباعاً لهوى نفسه دون نظر إلى مصالح المسلمين،
فإنه أمر صدر من ذاته وشخصه، لا من حيث كونه حاكماً، فلا يقع بمثابة أوامره من حيث كونه
حاكماً، ولذلك قال الفقهاء: ((تصرف الإمام على الرعيّة منوط بالمصلحة)) وقد فصّل ابن نجيم
هذه القاعدة في الأشباه والنظائر (١: ١٥٧).
وتفريعاً على هذا المبدأ، قرر الفقهاء أن حكم الحاكم رافع للخلاف في الأمور المجتهد
فيها، فمتى صادف أمره فصلاً مجتهداً فيه نفذ ووجب اتباعه، ولو كان الرجل لا يرى رأيه في
تلك المسألة، ولذلك لما أمر هارون الرشيد أبا يوسف ومحمداً أن يكبّرا في العيدين بتكبير
جدّه، امتثلا بأمره، مع أنهما لا يريان التكبيرات الزوائد على الستّ، حكاه ابن عابدين في باب
العيدين من رد المحتار (١: ٧٨٠).
وذكر السرخسي في شرح السّير الكبير (٢: ١٣٢ و١٣٨) أن المختلف فيه بإمضاء الإمام
يصير كالمتفق عليه، ولذلك إذا أمضى القاضي بيعاً فاسداً صح البيع. وذكر ابن قدامة في المغني
(٢: ٥٨٧) أن فعل الإمام كحكم الحاكم في نفاذه في الأمور المجتهد فيها .
وإن اختلفت الآراء في أن أمر الحاكم مبني على المصلحة أو لا، فإن رأي الحاكم قاض
على رأي غيره، ولذلك صرح في شرح السير الكبير (١: ١١٢) أن الأمير إذا أمرهم بشيء لا
يدرون أينتفعون به أم لا؟ فعليهم أن يطيعوه، لأن فرضية الطاعة ثابتة بنص مقطوع به .
وأمّا المبدأ الثاني: فهو أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا يطاع أمير ولا إمام
إن أمر بما هو معصية. وإن هذا المبدأ لو عمل به في بلاد المسلمين اليوم لأغنى عن كثير من
الإضرابات والاضطرابات الجارية في كثير من البلدان، ولاضطرّت به الحكومات على تطبيق
الشريعة الإسلاميّة في جميع نواحي الحياة. فلو امتنع القضاة عن إصدار حكم لا يوافق شرع الله،
وامتنع الموظّفون من امتثال الأوامر المصادمة لأوامر الله، وامتنع أصحاب البنوك من التمويل
على أساس الربا المحرم شرعاً، وامتنع العامّة من إيداع أموالهم في البنوك الربوية، وامتنع كل
مسلم عن الخضوع للأحكام المصادمة للشريعة الغرّاء، لاضطرّت الحكومات إلى إلغاء القوانين
الوضعيّة الّتي لا توافق الشريعة الإسلاميّة.
وهذا هو الطريق المشروع للضغط على الحكومات في سبيل إقامة شرع الله وتطبيق
أحكامه، وأمّا ما تعلمه الناس من الغرب من وسائل الضغط على الحكومات، كالإضرابات،
والمظاهرات، وسدّ الشوارع، وسفك الدماء، وتخريب العمران، فليس من الإسلام شيء.

٢٧٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٧٤٥ - (٤١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.
قَالَ: بَايَغْنَا رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ. وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ.
وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنا. وَعَلى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقُّ أَيْنَمَا كُنَّا. لاَ
نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لآئِمِ.
٤٧٤٦ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنَ إِذْرِيسَ) حَدَّثَنَا
ابْنُ عَجْلاَنَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ.
٤٧٤٧ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ
يَزِيدَ (وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ)، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ. حَدَّثَنِي أَبِي
قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَِّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِذْرِیسَ.
٤٧٤٨ - (٤٢) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ وَهْبٍ بْنِ مُسْلِم. حَدَّثَنَا عَمِّي،
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنِي بُكَيْرُ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَقُلُّنَا: حَدِّثْنَا،
٤١ - (١٧٠٩) - قوله: (عن جدّه) يعني: عبادة بن الصامت رُبه، وهذا الحديث أخرجه
البخاري في الفتن، باب قول النبيّ وَلير: سترون بعدي أموراً تنكرونها، (رقم: ٧٠٥٥ و٧٠٥٦)،
وفي الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، (رقم: ٧١٩٩ و٧٢٠٠)، وأخرجه النسائي في
البيعة، باب البيعة على السمع والطاعة، (رقم: ٤١٤٩ و٤١٥٠): وباب البيعة على أن لا ننازع
الأمر أهله، (رقم: ٤١٥١)، وباب البيعة على القول بالحقّ، (رقم: ٤١٥٢)، وباب البيعة على
القول بالعدل، (رقم: ٤١٥٣)، وباب البيعة على الأثرة، (رقم: ٤١٥٤). وأخرجه ابن ماجه في
الجهاد، باب البيعة (رقم: ٢٨٩٦).
قوله: (وعلى أثرة علينا) بفتح الهمزة والثاء كما مرّ في أوائل هذا الباب، والمراد أننا
بايعنا على السمع والطاعة للأمير وإن آثر غيرنا علينا في العطايا والهبات والمناصب وغيرها .
٤٢ - ( ... ) - قوله: (عن جنادة بن أبي أميّة) الأزديّ، عدّه ابن يونس وغيره من
الصحابة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: ((قيل: إن له صحبة وليس ذلك بصحيح))
والأكثرون على أنه تابعيّ، كما في التهذيب (٢: ١١٦)، وذكر الحافظ في الإصابة (١: ٢٤٧)
أنّهما اثنان: أحدهما: جنادة بن أبي أميّة الأزديّ الصحابيّ الذي ثبت سماعه من النبيّ وَّ في
رواية أحمد والنسائي والبغوي، وثانيهما: جنادة بن أبي أميّة الذي اسم أبيه كبير، وهو مخضرم،

٢٧١
كتاب: الإمارة
أَضْلَحَكَ اللَّهُ، بِحَدِيثٍ يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّمَ فَقَالَ: دَعَانًا
رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ فَبَايَعْنَاهُ. فَكَانَ فَيَمَا أَخَذَ عَلَيْنَا، أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا
وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا. وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ. قَّالَ: ((إِلَّ أَنْ تَرَوْا كُفْراً
بَوَاحاً. عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ)) .
وهو المراد في حديث الباب، وهو الذي قال فيه العجلي: تابعي ثقة من كبار التابعين، - والله
أعلم ..
قوله: (وأن لا ننازع الأمر أهله) أي: لا ننازع الأمير في إمارته، وزاد أحمد من طريق
عمير بن هانىء عن جنادة: ((وإن رأيت أن لك في الأمر حقّاً فلا تعمل بذلك الظنّ، بل اسمع
وأطع، إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة)) وزاد في رواية حبان أبي النضر عند ابن حبان
وأحمد: ((وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك)) كما في فتح الباري (١٣: ٨).
قوله: (إلّ أن تروا كفراً بواحاً) بفتح الباء والواو، يعني: ظاهراً بادياً، من قولهم: باح
بالشيء به بَوْحاً وبواحاً: إذا أذاعه وأظهره، ووقع في بعض الروايات: ((براحاً)) بالراء بدل الواو،
وهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح: الأرض الفقراء التي لا أنيس فيها ولا بناء. وقيل:
البراح: البيان، يقال: برح الخفاء، إذا ظهر. ووقع عند الطبراني في هذا الحديث: ((كفراً
صراحاً)) بصاد مضمومة ثم راء. هذا ملخص ما في فتح الباري (١٣: ٨).
مسألة الخروج على أئمة الجور:
وبهذا الحديث استدل جمهور العلماء على أنه لا يجوز الخروج على السلطان الجائر أو
الفاسق إلاّ أن يظهر منه كفر صريح. قال الحافظ في الفتح (١٣: ٧): ((قال ابن بطال: في
الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار. وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة
السّلطان المتغلّب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء
وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من
السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها)).
وربما يفهم منه بعض الناس أن الإمام الجائر لا يجوز الخروج عليه في حال من الأحوال
ما دام متسمّياً باسم الإسلام. وليس الأمر على هذا الإطلاق، ولا سيّما على مذهب الإمام أبي
حنيفة تخلّفُ تعالى، يقول الإمام أبو بكر الجصّاص تظلُّ في أحكام القرآن (١ : ٧٠) تحت قوله
تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة، آية: ١٢٤]: ((وكان مذهبه (يعني: أبا حنيفة) مشهوراً
في قتال الظلمة، وأئمة الجور، ولذلك قال الأوزاعي: ((احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى
جاءنا بالسيف)) يعني: قتال الظلمة، فلم نحتمله .... وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي
حمله المال إليه، وفتياه الناس سرّاً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد
وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن)) .

٢٧٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أما الذي أشار إليه الجصّاص من قضية زيد بن علي، فما ذكره أصحاب التواريخ أن زيد بن
عليّ لما خرج على بني أميّة أيّده الإمام أبو حنيفة بماله، وقد أخرج الموفق بسنده: ((كان زيد بن
عليّ أرسل إلى أبي حنيفة يدعوه إلى نفسه، فقال أبو حنيفة لرسوله: لو علمت أن الناس لا
يخذلونه ويقومون معه قيام صدق، لكنت أتبعه وأجاهد معه من خالفه، لأنه إمام حقّ، ولكني
أخاف أن يخذلوه كما خذلوا أباه، لكني أعينه بمالي فيتقوى به على من خالفه، وقال لرسوله:
((ابسط عذري عنده، وبعث إليه بعشرة آلاف درهم)) ثم قال الموفق: ((وفي غير هذه الرواية اعتذر
بمرض يعتريه في الأيّام حتى تخلف عنه، وفي رواية أخرى: سئل عن الجهاد معه، فقال:
خروجه يضاهي خروج رسول الله وَّله يوم بدر، فقيل له: فلم تخلفت عنه؟ قال: لأجل ودائع
كانت عندي للناس عرضتها على ابن أبي ليلى، فما قبلها، فخفت أن أقتل مجهلاً للودائع، وكان
يبكي كلما ذكر مقتله)) راجع مناقب الإمام الأعظم للموفق المكي (١: ٢٦٠ و٢٦١).
وأما قصته مع محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم بن عبد الله، فإنهما خرجا على المنصور،
وذكر المكي في المناقب (٢: ٨٤) أن أبا حنيفة كان يحض الناس على إبراهيم ويأمرهم باتباعه،
وذكر قبل ذلك أنه كان يفضل الغزوة معه على خمسين حجة، وذكر الكردري في مناقبه (٢: ٢٢)
أن الإمام أبا حنيفة منع الحسن بن قحطبة أحد قواد المنصور من الخروج إلى إبراهيم بن عبد الله،
ويقال: إن المنصور سمّ أبا حنيفة من أجل هذا، حتى توفي تَُّهُ.
وكذلك قصة سيدنا الحسين بن عليّ ظُه مع يزيد بن معاوية معروفة، وخرجت جماعة من
المتقين على الحجاج بن يوسف.
فالذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه بعد مراجعة النّصوص الشرعية وكلام الفقهاء
والمحدثين في هذا الباب - والله أعلم - أن فسق الإمام على قسمين: الأول: ما كان مقتصراً على
نفسه، فهذا لا يبيح الخروج عليه، وعليه يحمل قول من قال: إن الإمام الفاسق أو الجائر لا
يجوز الخروج عليه. والثاني: ما كان متعدياً وذلك بترويج مظاهر الكفر وإقامة شعائره، وتحكيم
قوانينه، واستخفاف أحكام الدين والامتناع من تحكيم شرع الله مع القدرة على ذلك لاستقباحه،
وتفضيل شرع غير الله عليه. فهذا ما يلحق بالكفر البواح، ويجوز حينئذ الخروج بشروطه .
وأحسن ما رأيت في هذا الموضوع كلام نفيس لشيخ مشايخنا حكيم الأمة أشرف على
التهانويّ كََّثُ في رسالته ((جزل الكلام في عزل الإمام)» وإنها مطبوعة في المجلد الخامس من
إمداد الفتاوى (ص: ١١٩ إلى ١٣١).
وإن خلاصة ما ذكره تَغَفُ في تلك الرسالة أن الأمور المخلّة بالإمامة على سبعة أقسام:
القسم الأول: أن يعزل الإمام نفسه بلا سبب، وهذا فيه خلاف، كما في شرح المقاصد
(٢: ٢٨٢).

٢٧٣
كتاب: الإمارة
والقسم الثاني: أن يطرأ عليه ما يمنعه من أداء وظائف الإمام، كالجنون، أو العمى، أو
الصمم أو البكم، أو صيرورته أسيراً لا يرجى خلاصه. وهذا ما ينحل به عقد الإمامة، فينعزل
الإمام في هذه الصّور جميعاً .
والقسم الثالث: أن يطرأ عليه الكفر، سواء كان كفر تكذيب وجحود، أو كفر عناد
ومخالفة، أو كفر استخفاف أو استقباح لأمور الدين.
وفي هذه الصورة ينعزل الإمام، وينحل عقد الإمامة. فإن أصرّ على بقائه إماماً، وجب
على المسلمين عزله بشرط القدرة. ولكن يشترط في ذلك أن يكون الكفر متفقاً عليه، بدليل
قوله تعللا (في حديث الباب) ((إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)) وكما يشترط
قطعية الكفر، يشترط أيضاً أن يكون صدوره منه قطعيّاً كرؤية العين، ولا يكتفى في ذلك
بالروايات الظنّية، بدليل قوله ظلّلها: ((إلاّ أن تروا)) والمراد به رؤية العين بدليل تعديته إلى مفعول
واحد .
ثم قد تختلف الآراء في كون الصّادر من السّلطان كفراً، أو في دلالته على الكفر، أو في
ثبوته بالقرائن الحالية والمقالية، أو في قطعية الكفر الصادر منه. فكلّ من عمل عند وقوع مثل
هذا الخلاف برأيه الذي يراه فيما بينه وبين الله، يعتبر مجتهداً معذوراً، فلا يجوز تفويق سهام
الملامة إليه .
على أن وجوب الخروج في هذه الصورة مشروط بشرط القدرة، وبأن لا تحدث به مضرّة
أكبر من مضرّة بقاء مثل هذا الإمام. يقول الشريف الجرجاني في شرح المواقف ٨: ٣٥٣ :
((وللأمة خلع الإمام وعزله بسبب يوجبه، مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين،
وانتكاس أمور الدين، .... وإن أدى خلعه إلى فتنة احتمل أدنى المضرتين)).
فيمكن أيضاً أن يقع الخلاف في تعيين أدنى المضرتين، فكلّ يعمل بما يراه فيما بينه
وبين الله. فلا يجوز لواحد أن يلوم الآخر. وعلى مثل هذه الأمور الاجتهادية يحمل اختلاف
الصحابة والتابعين ومن بعدهم في الخروج على بعض الأئمة في زمنهم.
القسم الرابع: أن يرتكب السلطان فسقاً مقتصراً على نفسه، كالزنا، وشرب الخمر وما إلى
ذلك. وحكمه أنه لا ينعزل به بنفسه، ولكنه يستحق العزل، فعلى الأمّة أن تعزله إلا أن تترتب
على العزل فتنة. قال في الدر المختار، باب الإمامة: ((يكره تقليد الفاسق ويعزل به إلا لفتنة))
وقال ابن عابدين تحته: ((قوله: ويعزل به، أي: بالفسق لو طرأ عليه، المراد أنه يستحق العزل
كما علمت آنفاً، ولذا لم يقل ينعزل)). وقال ابن الهمام في المسايرة: ((وإذا قلد عدلاً ثم جار
وفسق لا ينعزل، ولكن يستحق العزل، إن لم يستلزم فتنة)).

٢٧٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وحاصله أنه لا يجوز الخروج عليه في هذه الصورة بما فيه سفك الدماء وإثارة الفتنة، ولو
خرج عليه جماعة من المسلمين حلّ لنا قتالهم، ومن دعاه الإمام إلى ذلك افترض عليه إجابته،
لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية فرض، بشرط أن يكون قادراً على ذلك، وإلا لزم بيته، كما
في الدر المختار (٣: ٣٤).
والقسم الخامس: أن يرتكب فسقاً يتعدى أثره إلى أموال غيره بأن يظلم الناس في
أموالهم، ولكن يتأول في ذلك بما فيه شبهة الجواز، مثل أن يحمّل الناس الجبايات متأوّلاً فيها
بمصالح العامة. وحكمه أنه لا ينعزل به، وتجب إطاعته، ولا يجوز به الخروج عليه. كما سيأتي
في عبارة ابن عابدين.
والقسم السّادس: أن يظلم الناس في أموالهم، وليس له في ذلك تأويل، ولا شبهة جواز.
وحكمه أنه يجوز للمظلوم أن يدفع عنه الظلم، ولو بقتال ويجوز الصبر أيضاً بل يؤجر عليه، وإن
هذا القتال ليس للخروج عليه، بل للدفاع عن المال، فلو أمسك الإمام عن الظلم وجب الإمساك
عن القتال. قال ابن عابدين ناقلاً عن فتح القدير: ((ويجب على كل من أطاق الدفع أن يقاتل مع
الإمام إلّ إن أبدوا ما يجوّز لهم القتال، كأن ظلمهم، أو ظلم غيرهم ظلماً لا شبهة فيه، ....
بخلاف ما إذا كان الحال مشتبهاً أنه ظلم، مثل تحميل بعض الجبايات التي للإمام أخذها
وإلحاق الضرر بها لدفع ضرر أعم منه)).
وهذا حكم المظلوم الذي يقاتل دفعاً للظلم عن نفسه. أما غيره فهل يجوز له أن ينصر هذا
المظلوم ضد الإمام؟ اختلفت فيه عبارات القوم، فذكر في فتح القدير أنه يجب على غير المظلوم
أن يعين هذا المظلوم المقاتل حتى ينصفه الإمام ويرجع عن جوره، وذكر في جامع الفصولين
والمبتغي والسراج أنه لا ينبغي للناس معاونة السلطان ولا معاونتهم. ووفق ابن عابدين بين
القولين بأن وجوب إعانتهم إذا أمكن امتناعه عن بغيه، وإلا فلا. راجع رد المحتار، باب البغاة
(٣: ٣٤١).
وأما كون الصّبر أولى في هذه الحالة، فلما سيأتي عند المصنف من حديث حذيفة بن
اليمان ﴿ّ أخبر فيه عن أئمة الجور، وفيه: «قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟
قال: تسمع وتطيع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع)). فالمراد من قوله ظلَّلا:
((فاسمع وأطع)) نهيه عن الخروج. وأمّا القتال لدفع الظّلم فجوازه مبنيّ على الأحاديث التي تبيح
القتال عن النفس وعن المال، وبما أن هذا القتال يشابه الخروج صورة، فتركه أولى استبراء
للدین.
والقسم السّابع: أن يرتكب فسقاً متعدياً إلى دين الناس، فيكرههم على المعاصي، وحكمه
حكم الإكراه المبسوط في محلّه، ويدخل هذا الإكراه في بعض الأحوال في الكفر حقيقة أو

٢٧٥
كتاب: الإمارة
(٩) - باب: الإمام جُنَّه يُقاتَلُ به مِنْ وَرَائِهِ ویُتَّقی به
٤٧٤٩ - (٤٣) حدّثنا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ.
حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. قَالَ: ((إِنَّمَا
الإِمَامُ جُنَّةٌ. يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ. وَيُتَّقَى بِهِ. فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ، كَانَ لَهُ
حكماً، وذلك بأن يصرّ على تطبيق القوانين المصادمة للشريعة الإسلاميّة، إمّا تفضيلاً لها على
شرع الله، وذلك كفر صريح، أو توانياً وتكاسلاً عن تطبيق شريعة الله، بما يغلب منه الظنّ أن
العمل المستمرّ على خلاف الشريعة يحدث استخفافاً لها في القلوب، فإن مثل هذا التواني
والتكاسل، وإن لم يكن كفراً صريحاً بحيث يكفّر به مرتكبه، ولكنه في حكم الكفر. بدليل ما
ذكره الفقهاء من أنه لو ترك أهل بلدة الأذان حلّ قتالهم، لأنه من أعلام الدين، وفي تركه
استخفاف ظاهر به، راجع باب الأذان من رد المحتار (١: ٣٨٤).
وحينئذ يلحق هذا القسم السّابع بالقسم الثالث، وهو الكفر البواح، فيجوز الخروج على
التفصيل الذي سبق في حکمه.
ثمّ إن وجوب الخروج في القسم الثالث والسّابع مشروط بالقدرة والمنعة، وجواز الخروج
فيهما مشروط بأن يرجى عقد الإمامة لرجل صالح توجد فيه شروط الإمامة، أمّا إذا صار الأمر
من جائر إلى جائر، أو استلزم ذلك مضرّة أكبر، مثل استيلاء الكفّار على المسلمين، فلا يجوز
الخروج في هاتين الصورتين أيضاً .
وما روي في خروج سيدنا الحسين بن عليّ رضيًّا على يزيد بن معاوية، وتأييد الإمام أبي
حنيفة زيد بن عليّ، ومحمّد النفس الزكية، وإبراهيم بن عبد الله في خروجهم على أئمة زمنهم
محمول على القسم الثالث أو السّادس أو السّابع. وقد ذكرنا أنّ الآراء يمكن أن تختلف في
تعيين ما يبيح الخروج، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(٩) - باب: الإمام جُنّة يقاتل من ورائه ويتقى به
٤٣ - (١٨٤١) - قوله: (حدثني ورقاء) يعني: ابن عمر بن كليب اليشكري، تقدم في
(ص: ٥٦١).
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب يقاتل من وراء
الإمام، (رقم: ٢٩٥٧)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الإمام يستجنّ به في العهود،
(رقم: ٢٧٥٧)، وأخرجه النسائي في البيعة، باب ذكر ما يجب للإمام وما يجب عليه،
(رقم: ٤١٩٦).
قوله: (يقاتل من ورائه) بفتح التاء على البناء للمجهول، قال الحافظ في الفتح: ((والمراد

٢٧٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِذَلِكَ أَجْرٌ. وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ، كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ».
(١٠) - باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول
٤٧٥٠ - (٤٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
فُرَاتٍ الْقَزَّازِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ. قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ. قَالَ: ((كَانَتْ بَنُوَ إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ. كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيِّ خَلَفَهُ نَبِيٍّ. وَإِنَّهُ لَ
به المقاتلة للدفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قُدّامة، و ((وراء)» يطلق على
المعنيين)) وفي هذا التفسير نظر، لأنه إن كان المراد من القتال ما يدفع به عن الإمام فلا يتضح
حينئذ معنى كون الإمام جُنّة، فالصحيح ما قال النووي تَّفُهُ: («الإمام جُنّة، أي: كالستر لأنه يمنع
العدوّ من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمى بيضة الإسلام، ويتقيه الناس
ويخافون سطوته، ومعنى ((يقاتل من ورائه)) أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل
الفساد والظلم مطلقاً».
قوله: (وإن يأمر بغيره كان عليه منه) يعني: إن يأمر بغير العدل كان عليه وزر بسبب ذلك،
ولعلّ فيه إشارة إلى ترك الخروج عليه، كأنه قال: لا تخرجوا عليه، فإنه سيؤثم بترك العدل في
الآخرة، - والله أعلم - .
(١٠) - باب: وجوب الوفاء ببيعة الخليفة، الأول فالأول
٤٤ - (١٨٤٢) - قوله: (عن فرات القزّاز) بضمّ الفاء وتخفيف الراء، هو فرات بن أبي
عبد الرحمن القزّاز التميمي البصري، سكن الكوفة، وثقه سفيان وابن معين والنسائي والعجلي،
وهو من رواة الجماعة، راجع التهذيب (٨: ٢٥٨).
قوله: (قاعدت أبا هريرة) أي: جالسته، وحديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري في
الأنبياء، باب ما ذكره عن بني إسرائيل، (رقم: ٣٤٥٥)، وابن ماجه في الجهاد، باب الوفاء
بالبيعة، (رقم: ٢٩٠١).
قوله: (تسوسهم الأنبياء) أي: يتولّون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية،
والسّياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. كذا في شرح النووي.
وقال الحافظ في الفتح (٦: ٤٩٧): ((أي: أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله نبيّاً يقيم
لهم أمرهم، ويزيل ما غيّروا من أحكام التوراة) ويبدو أن الحافظ حمل سياسة الأنبياء على
إصلاح أمور دينهم، وحملها النووي على السّياسة المعروفة التي تجمع بين أمور الدين والدنيا،
والراجح ما ذهب إليه النووي كّثُ، كما يظهر من كلمة ((السّياسة)) ومقابلة سياسة أنبياء بني
إسرائيل بسياسة الخلفاء من هذه الأمّة، والله سبحانه أعلم.

٢٧٧
كتاب: الإمارة
نَبِيَّ بَعْدِي. وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ)) قَالُوا: فَمَا تَأْمُرْنَا؟ قَالَ: ((فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ.
وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ. فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّ اسْتَرْعَاهُمْ)).
٤٧٥١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ. قَالاً:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ، عَنْ أَبِهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٧٥٢ - (٤٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ وَوَكِيعٌ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالَاً: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ،
قوله: (وإنّه لا نبيّ بعدي) أي: فيفعل ما كان يفعله أنبياء بني إسرائيل. وهذا من أصرح
الأدلة على أن النبوة قد انتهت بعد النبيّ وَّر، ونفي جنس النبوة بعده وَّل يعمّ كل نوع من أنواع
النبوة، سواء كانت بشريعة جديدة أو لا، وقد أجمعت الأمّة على أن من ادعى النبوة بعده وَّ فإنه
كافر كذاب.
قوله: (فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل) ((فُوا)) فعل أمر من الوفاء، والمعنى أنه إذا بويع الخليفة بعد
خليفة، فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه
طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين، أو بلد، أو
أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره. قال النووي: ((هذا هو الصواب الذي عليه
أصحابنا وجماهير العلماء. وقيل: تكون لمن عقدت له في بلد الإمام، وقيل: يقرع بينهم،
وهذان فاسدان. واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت
دار الإسلام أم لا. وقال إمام الحرمين في كتابه ((الإرشاد)): ((قال أصحابنا: لا يجوز عقدها
لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد، وهذا مجمع عليه. قال:
فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه محال. قال: وهو خارج من
القواطع. وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد إمام
الحرمين، وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث، - والله
أعلم - .
قوله: (فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم) فيه إشارة إلى أن كلّ مسلم يجب أن يهتمّ بأداء ما
عليه من الحقوق، دون أن يُهمل واجبه، ويتصدّى للآخرين، في أداء ما عليهم. فيجب على
الشّعب أن يهتمّوا بأداء ما عليهم من حقّ أميرهم، ويجب على الأمير أن يهتمّ بما عليه من
حقوقهم، لا أن يطالب كل أحد الآخر بماله عليه من الحقّ، ويغفل عمّا يجب عليه من حق
الآخر. وهكذا يؤكد الإسلام على أداء الواجب قبل مطالبة الحقوق، فلو أدّى كلّ أحد واجبه
سلمت حقوق الجميع.

.٠
٢٧٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّهَاَ سَتَكُونُ
بَعْدِي أَثَّرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَذْرَكَ مِنَّا ذُلِكَ؟ قَالَ:
(تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ. وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ)).
٤٧٥٣ - (٤٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا.
وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ
الْكَعْبَةِ. قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلُّ الْكَعْبَةِ.
وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. فَأَتَيْتُهُمْ. فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ فِي سَفَرٍ .
فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً. فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ. وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ. إِذْ نَادَى
٤٥ - (١٨٤٣) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود راه، وحديثه هذا أخرجه
البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (رقم: ٣٦٠٣)، وفي الفتن، باب
قوله الثلا: ستكون بعدي أمور تنكرونها، (رقم: ٧٠٥٢)، وأخرجه الترمذي في الفتن، ما جاء
في باب الأثرة، (رقم: ٢٢٨٥).
قوله: (ستكون بعدي أثرة) بفتح الهمزة والثاء على الراجح كما مر في أوائل باب وجوب
طاعة الأمراء، والمراد منها هنا: استئثار الأمراء بأموال بيت المال.
قوله: (وتسألون الله الذي لكم) بأن يلهمهم إنصافكم أو يبدلكم خيراً منهم، قاله الحافظ
في الفتح (١٣: ٦): قال النووي كثّفُ: ((وفيه الحثّ على السمع والطاعة وإن كان المتولي ظالماً
عسوفاً، فيعطى حقه من الطاعة ولا يخرج عليه ولا يخلع، بل يتضرّع إلى الله تعالى في كشف
أذاه ودفع شرّه وإصلاحه)).
٤٦ - (١٨٤٤) - قوله: (عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة) العائذي، أو الصائدي من
تابعي أهل الكوفة، ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه العجليّ، وليس له في الكتب إلا هذا
الحديث الواحد، وراجع التهذيب (٦: ٢٢٠).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً النسائي في البيعة، باب ذكر ما على من بايع الإمام وأعطاه
صفقة يده وثمرة قلبه، (رقم: ٤١٩٦)، وابن ماجه في الفتن، باب ما يكون من الفتن،
(رقم: ٤٠٠٤).
قوله: (یصلح خباءه) يعني : خیمته .
قوله: (ومنّا من ينتضل) يعني: يرامي بالسّهام، والمناضلة: المراماة بالسهام.
قوله: (ومنّا من هو في جشرة) بفتح الجيم والشّين، وهي الدواب التي ترعى في مكانها

٢٧٩
كتاب: الإمارة
مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ وَهِ: الصَّلاَةَ جَامِعَةً. فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ
نَّبِيِّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ
لَهُمْ. وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هُذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا. وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا .
وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً. وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي. ثُمَّ تَنْكَشِفُ.
وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ هُذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ،
ولا ترجع إلى أهلها بالليل، وقال أبو عبيد: الجشر: القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى،
ويبيتون مكانهم لا يأوون البيوت. وجشر الدوابّ يجشرها (كنصر) جشراً (بسكون الشين) أن
يخرج الرجل بدوابه ويرعاها أمام بيته، كما في تاج العروس للزبيدي (٣: ٠٠ و٠١).
قوله: (الصّلاة جامعة) هو بنصب ((الصلاة)) على الإغراء، وبنصب ((جامعة)) على الحال.
واستدل به بعض العلماء على جواز التثويب بعد الأذان، وأجاب عنه المانعون بأن الصلاة ههنا
بمعناها اللغوي، وهي الدعوة، قال الأبّي: ((وهو كلام جرى العرف فيه في نداء القوم لأمر
مهمّ)). ويمكن أيضاً أن يكون هذا قبل مشروعية الأذان، وقد ثبت أن المسلمين قبل نزول الأذان
كانوا ينادون ((الصلاة جامعة)).
قوله: (جعل عافيتها في أولها) قال السنوسي: ((هذه معجزة ظاهرة، لأنه كذلك وقع، وهو
بيّن من حال الصدر الأول، فإن العافية واجتماع الكلمة وسلامة الحال واستقامة الطريق كان من
خلافة أبي بكر إلى زمن عثمان ها. قلت: وقد نقل الأبّي هنا كلاماً في عثمان رُه لا يحل له
أن يفوه به ولا أن يكتبه ... لأنه باطل بلا شكّ)).
قوله: (فتنة يرقّق بعضها بعضاً) هو من الترقيق (بقافين)، والمراد أن الثّانية منها تكون أشدّ
من الأولى، فتجعل الأولى خفيفة بالنظر إلى الثانية. بمثله فسّره النووي، وقال القاضي عياض:
((أي: يسبّب بعضها بعضاً ويثير إليه كأنّ المراد أن بعضها يحسّ البعض الآخر ويسوّلها للإنسان
حتى يقع فيها كما قيل: عن صبوح يرقق. وقد يكون معناها: يدور بعضها فوق بعض، ويجيء
ويذهب، كما قيل: سحاب رقراق. ورويناه في الخشنى بالدال المهملة الساكنة وبالفاء بعدها
(يعني يُدَفِّق) أي: يسوق ويدفع، كذا في شرح الأبّي)). وذكر النووي كَُّ وجهاً آخر، وهو
((يرفق)) بفتح الياء وضم الفاء، ووقع عند النسائي: ((يُدَقِّقُ)) بالدال وقافين، وهو بمعنى ((يرقّق))
يعني: تجعل الثانية الأولى دقيقة، - والله أعلم - .
قوله: (فيقول المؤمن: هذه هذه) يعني: هذه مهلكتي، هذه مهلكتي، ووقع ذلك صريحاً
في رواية النسائي، ولفظه: ((فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء، فيقول: هذه
مهلکتي، ثم تنكشف)).
قوله: (أن يزحزح) يعني: يبعد.

٢٨٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَّى إِلَيْهِ.
وَمَنْ بَايَعَ إِمَاماً، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةً قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ. فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ
فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ)). فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ! آنْتَ سَمِعْتَ هُذَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَيْرَ؟ فَأَهْوَىُ إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ. وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي. فَقُلْتُ لَهُ:
هُذَا ابْنُ عَمْكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ. وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا. وَاللَّهُ يَقُولُ:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِلْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَاضِ
مِّنْكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]. قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ:
أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ. وَأَعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
قوله: (فلتأته منيّته) وفي رواية النسائي: ((موتته)) وكلاهما بمعنى.
قوله: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) وفي رواية النسائي: ((وليأت إلى الناس
ما يحبّ إن يؤتى إليه)) وفي رواية ابن ماجه: ((وليأت إلى الناس الذي يحبّ أن يأتوا إليه)) والمراد
أن يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه، ولا يفعل بالناس إلا ما يحبّ أن يفعلوه بنفسه.
قوله: (فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه) يعني: بايعه بيده وأحبّه بقلبه.
قوله: (فاضربوا عنق الآخر) معناه: ادفعوا الثاني، فإنه خارج على الإمام، فإن لم يندفع
إلا بحرب وقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله، ولا ضمان فيه لأنه ظالم متعد
في قتاله. كذا في شرح النووي.
قوله: (هذا ابن عمك معاوية) إلخ: قال النووي: ((المقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما
سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن
الثاني يقتل، فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليّاً ◌ًّا، وكانت قد سبقت بيعة
عليّ، فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب عليّ ومنازعته ومقاتلته إيّاه من أكل
المال بالباطل، ومن قتل النفس، لأنه قتال بغير حقّ، فلا يستحقّ أحد مالاً في مقاتلته)).
فاتضح بتفسير النوويّ تَّثُ أنه ليس مراد القائل أن معاوية رضيبه كان يخون في بيت المال،
والعياذ بالله، أو يقتل النّاس بغير حقّ ولا اجتهاد، كما زعم بعضهم، فإنه لم يثبت ذلك عنه
بطريق موثوق به، وهو من فضلاء الصحابة ظه، - والله أعلم - .
قوله: (أطعه في طاعة الله) قال النووي: «فيه دليل لوجوب طاعة المتولين للإمامة بالقهر
من غير إجماع ولا عهد)) واستشكله الأبي بأن عليّا رَبُله انعقدت له الخلافة قبل معاوية، فيصدق
عليه قوله ظلَّل *: ((فإن جاء آخر ينازعه)) فيكف تجب إطاعته؟ وإنما تجب إطاعة المتغلّب إذا لم
يكن هناك إمام. ولعل مراد النووي تغّثُ أنه باجتهاده ظلبه تغلّب بعد التحكيم على الشّام، فكان
حكمه حكم المتغلّب في حقّ أهل الشّام. ويمكن أيضاً أن يكون هذا الكلام صدر من