النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب: الجهاد والسّير
إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ فَقَالَ: ((مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) فَقَالَ: عِنْدِي، يَا مُحَمَّدُ، خَيْرٌ. إِنْ تَقْتُلْ
تَقْتُلْ ذَا دَم. وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ
رَسُولُ اللَّهِ وَه. حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ. فَقَالَ: ((مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ. إِنْ
تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَم. وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ.
فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ. فَقَالَ: ((مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) فَقَالَ: عِنْدِي مَا
قُلْتُ لَكَ. إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَم. وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ
مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانْطَلَقَ إِلَّى نَخْلِ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ.
فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
الفتح، وقد حسن إسلامه بعد هذه القصة، وذكر ابن إسحاق أنه ثبت على إسلامه لما ارتد أهل
اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين
من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم، فرآها عليه ناس من بني قيس بن
ثعلبة، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه، فقتلوه بظلاله، وراجع الإصابة (١: ٢٠٤).
قوله: (ماذا عندك يا ثمامة) أي: ما الذي استقر في ظنك أن أفعله بك؟ فأجاب بأنه ظن
خيراً، فقال: عندي يا محمد خير، أي: لأنك لست ممن يظلم، بل ممن يعفو ويحسن. كذا في
فتح الباري.
قوله: (إن تقتلني تقتل ذا دم) يعني: تقتل رجلاً لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله
به ثاره لرئاسته وفضيلته. وقيل: معناه: تقتل من عليه دم، وهو مطلوب به، وهو مستحق عليه،
فلا عتب عليك في قتله.
وورد في رواية لأبي داود: ((لا تقتل ذا ذم)) بالذال، أي: ذا ذمة وحرمة، ولكن ضعف
القاضي هذه الرواية لكونها تقلب المعنى، فإن من له حرمة لا يستوجب القتل، وقال النووي:
يمكن تصحيحها على معنى الوجه الأول، والمراد بالذمة الحرمة في قومه. وقال الحافظ في
الفتح: ((وأوجه الجميع الوجه الثاني، لأنه مشاكل لقوله: (وإن تنعم تنعم على شاكر)).
قوله: (ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر) قدم في المرة الأولى القتل على الإنعام،
وعكس الترتيب لههنا، فكأنه رأى في اليوم الأول أمارات الغضب، فقدم القتل، وهو أشق
الأمور عليه، وأشفى لصدر خصمه في زعمه، فلما لم يقع القتل قدم الاستعطاف وطلب الإنعام،
والله أعلم.
قوله: (أطلقوا ثمامة) وفي رواية ابن إسحاق: ((قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك)).
قوله: (فاغتسل، ثم دخل المسجد) وفيه مشروعية الاغتسال عند الإسلام، وهو واجب
عند مالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وواجب عند الشافعي إن كان جنباً في حالة

١٠٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهُ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ
أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلُّهَا إِلَيَّ. وَاللَّهِ، مَا كَانَّ مِنْ دِينِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ
الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ. وَاللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ بَلَدِ أَبْغَضَ إِلَّيَّ مِنْ بَلَدِكَ. فَأَضْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلاَدِ كُلِّهَا
إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ. فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ. وَأَمَرَهُ أَنْ
يَعْتَمِرَ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ فَقَالَ: لاَ. وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. وَلَاَ، وَاللَّهِ، لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ.
٤٥٦٥ - (٦٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنِي
عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ:
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ خَيْلاً لَهُ نَحْوَ أَرْضٍ نَجْدٍ. فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ
الْحَنَفِيُّ. سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ. إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ تَقْتُلْنِي
تَقْتُلْ ذَا دَمٍ.
الكفر، وليس بواجب لمن لم يكن جنباً، ومستحب عند الحنفية، وليس بواجب في حال، لأن
العدد الكثير والجم الغفير أسلموا، فلو أمر كل من أسلم بالغسل لنقل نقلاً متواتراً أو ظاهراً،
كذا في المغني لابن قدامة (١: ٢٠٦).
قوله: (فبشره رسول الله(#) أي: بخيري الدنيا والآخرة، أو بشره بالجنة أو بمحو ذنوبه
وتبعاته السابقة. كذا في فتح الباري.
قوله: (فلما قدم مكة) زاد ابن هشام قال: ((بلغني أنه خرج معتمراً حتى إذا كان ببطن مكة
لبى، فكان أول من دخل مكة يلبي، فأخذته قريش، فقالوا: لقد اجترأت علينا، وأرادوا قتله،
فقال قائل منهم: دعوه فإنكم محتاجون إلى الطعام من اليمامة فتركوه)).
قوله: (لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة) زاد ابن هشام: «ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن
يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى النبيّ وَله: إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي
بينهم وبين الحمل إليهم)) ذكره الحافظ في فتح الباري (٨: ٨٨).
٦٠ - ( ... ) - قوله: (إن تقتلني تقتل ذا دم) والفرق بينه وبين ما قبله زيادة نون الوقاية وياء
المتكلم في هذه الرواية، دون ما قبلها .

١٠٣
كتاب: الجهاد والسّير
(٢٠) - باب: إجلاء اليهود من الحجاز
٤٥٦٦ - (٦١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلـ
فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ)) فَخَرَجْنَا مَعَهُ. حَتَّى جِئْنَاهُمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّ فَنَادَاهُمْ.
فَقَالَ: ((يَا مَعْشَرَ يَهُودَ! أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا)). فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ. يَا أَبَا الْقَاسِم! فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((ذُلِكَ أُرِيدُ. أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا)) فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ. يَا أَبَا الْقَاسِمِ! فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((ذُلِكَ أُرِيدُ)) فَقَالَ لَهُمُ الثَّالِثَةَ. فَقَالَ: ((اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ.
(٢٠) - باب: إجلاء اليهود من الحجاز
٦١ - (١٧٦٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الإكراه، باب بيع
المكره ونحوه، (رقم: ٦٩٤٤)، وفي الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب، (رقم:
٣١٦٧)، وفي الاعتصام، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَنَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]،
(رقم: ٧٣٤٨)، وأخرجه أبو داود في الخراج والأمارة، باب كيف كان إخراج اليهود من
المدينة .
قوله: (انطلقوا إلى يهود) قال الحافظ في الفتح (٦: ٢٧١): ((الظاهر أنهم بقايا من اليهود
تأخروا بالمدينة بعد إجلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام
أبي هريرة وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر .... وسياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي
أنه فهم أن المراد بذلك بنو النضير، ولكن لا يصح ذلك لتقدمه على مجيء أبي هريرة، وأبو
هريرة يقول في هذا الحديث: إنه كان مع النبيّ وَِّ)).
وبهذا استدل السمهوديّ تَثُ في وفاء الوفاء: (١: ٣٠٩) على أن إجلاء من بقي من
طوائف اليهود بالمدينة كان بعد قتل قريظة، ثم ذكر بعد ذلك أن الطوائف الباقية من اليهود إنما
أخرجوا من المدينة بعد السنة السابعة من الهجرة، ولم يزل بيت المدراس باقياً إلى هذه السنة.
ثم ذكر في موضع آخر من وفاء الوفاء (١: ١٦٣) أن يهوداً من بني ناغصة لم يزالوا مقيمين في
شعب بني حرام، حتى نقلهم سيدنا عمر نظره إلى قريب من مسجد الفتح.
قوله: (حتى جئناهم) وفي رواية عبد الله بن يوسف عند البخاري: ((فخرجنا حتى جئنا بيت
المدراس)) وبيت المدراس بكسر الميم: البيت الذي يدرس فيه كتابهم، أو المراد بالمدراس
العالم الذي يدرس كتابهم، والأول أرجح، كما في فتح الباري (٦: ٢٧١).
قوله: (قد بّغت يا أبا القاسم) كلمة مكر ليداففوه بما يوهمه ظاهرها. والمراد أنك قد
قضيت ما عليك من التبليغ، والأمر الآن موكول إلينا .
قوله: (ذلك أريد) يعني: أريد أن تعترفوا بأني بلّغت.

١٠٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هُذِهِ الأَرْضِ فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئاً فَلْيَبِعْهُ. وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّ
الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)).
٤٥٦٧ - (٦٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ:
حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَّنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ يَهُوِدَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُّوا رَسُولَ اللَّهِ وَلِ. فَأَجْلَى
رَسُوَّلُ اللَّهِ بَِّ بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ. حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذُلِكَ. فَقَتَلَ
رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلاَدَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. إِلاَّ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَحِقُوا
بِرَسُولِ اللَّهِ وَلّهِ فَآمَنَهُمْ وَأَسْلَمُوا. وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ
(وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمٍ). وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ. وَكُلَّ يَهُودِيٌّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ.
قوله: (فمن وجد منكم بماله شيئاً) يعني: من وجد منكم ثمناً لماله فليبعه، وقيل: الوجد
هُهنا بمعنى المحبة، والمراد: من أحب منكم ماله وشقّ عليه فراق شيء منه مما يعسر تحويله
فهو مأذون ببيعه.
٦٢ - (١٧٦٦) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب
حديث بني النضير، رقم ٤٠٢٨، وأخرجه أبو داود في الإمارة، باب في خبر بني النضير. (رقم:
٣٠٠٥).
قوله: (فأجلى رسول الله وَ ل﴿ بني النضير) وقد مرت قصة إجلاءهم مبسوطة في باب جواز
قطع أشجار الكفار وتحريقها من هذا الكتاب.
قوله: (حتى حاربت قريظة) وستأتي قصتهم في الباب الآتي إن شاء الله.
قوله: (بني قينقاع) ونون (قينقاع) مثلثة، والأشهر فيها الضم، وكانوا أول من أخرج من
المدينة، وكانوا ممن وادع رسول الله ﴿ على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، فعرض
رسول الله ومسير عليهم الإسلام بعد غزوة بدر، فأبوا، وقالوا: ((إنك لقيت قوماً لا علم لهم
بالحرب، إنّا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس)) ثم أتتهم امرأة من العرب بعروض تجارة
فجلست عند صائغ في سوق بني قينقاع، فجعلوا يطلبون منها أن تكشف وجهها، فعمد الصائغ
إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب
رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فوقع
القتال بين قينقاع وبين المسلمين، فحاصرهم رسول الله وَطفي خمس عشرة ليلة، حتى نزلوا على
حكمه، فشفع لهم عبد الله بن أبي لكونه حليفاً لهم، واستعطف رسول الله وَلاير بأن لا يقتلهم،
فأجلاهم رسول الله وَظهر. هذه خلاصة ما في سيرة ابن هشام مع الروض الأنف (٢: ١٢٠)
و ١٢١.

١٠٥
كتاب: الجهاد والسّير
٤٥٦٨ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي حَفْصُ بْنُ
مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى، بِهِذَا الإِسْنَادِ، هذَا الْحَدِيثَ. وَحَدِيثُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَكْثَرُ وَأَتَّمُّ .
(٢١) - باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
٤٥٦٩ - (٦٣) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنِ ابْنِ
جُرَيْجٍ. حِ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ.
أَخْبَرَنِّي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بَّنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ سَمِّعَ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((لأُخْرِ جَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. حَتَّى لاَ أَدَعَ إِلاَّ
مُسْلِماً)).
٤٥٧٠ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ. ح وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَغْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ (وَهُوَ ابْنُ
عُبَيْدِ اللَّهِ). كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٢٢) - باب: جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال
أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم
٤٥٧١ - (٦٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ
(وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ بْنِ
حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ بْنِ مُعَاذٍ.
(٢١) - باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
٦٣ - (١٧٦٧) - قوله: (أخبرني عمر بن الخطاب) هذا الحديث لم يخرجه من أصحاب
الكتب الستة إلا مسلم تكلّثه .
(٢٢) - باب: جواز قتال من نقض العهد إلخ
٦٤ - (١٧٦٨) - قوله: (أبا أمامة بن سهل بن حنيف) اسمه أسعد، ولد في حياة النبيّ وَّل
وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة، وكني بكنيته، ولكن لم يسمع من النبيّ وَّ شيئاً، وروى
عنه وَّ ر مرسلاً، وعن جمع من الصحابة، كان يعد من أكابر الأنصار وعلمائهم، حنكه النبيّ أَّێے،
وهو ثقة أخرج عنه الجماعة، وراجع التهذيب (١ : ٢٦٤).
قوله: (سمعت أبا سعيد الخدري) حديثه هذا أخرجه البخاري في المغازي، باب مرجع

١٠٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَى سَعْدٍ. فَأَتَاهُ عَلَى حِمَارٍ. فَلَمَّا دَنَا قَرِيباً مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَيْهِ لِلأَنْصَارِ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)) (أَوْ خَيْرِكُمْ). ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هُؤُلاَءِ نَزَلُوا عَلَى
النبيّ ◌َ﴾ من الأحزاب، (رقم: ٤١٢١)، وفي الجهاد، باب إذا نزل العدو على حكم رجل،
(رقم: ٣٠٤٣)، وفي فضائل أصحاب النبيّ وَّير، باب مناقب سعد بن معاذ، (رقم: ٣٨٠٤)،
وفي الاستئذان، باب قول النبيّ وَّر: قوموا إلى سيدكم، (رقم: ٦٢٦٢).
وأخرجه أبو داود في الأدب، باب ما جاء في القيام، (رقم: ٥٢١٥ و٥٢١٦).
قوله: (نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ) وذلك أنهم نقضوا العهد مع رسول الله وَل
وأعانوا عليه الأحزاب من الكفار، فما لبث رسول الله وَليل بعد عودته من غزوة الأحزاب إلاّ وقد
أمر بمحاصرة بني قريظة، كما سيأتي، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ئه.
قوله: (فأرسل رسول الله وَّ﴿ إلى سعد) وكان جريحاً بجرحة أصيب بها في غزوة الأحزاب
كما سيأتي وكان مقيماً بخيمة عند مسجد النبيّ وَّر، كما ذكره الحافظ في مغازي الفتح
(٧: ٤١٢) عن ابن إسحاق.
قوله: (فلما دنا قريباً من المسجد) الظاهر أن المراد به المسجد الذي كان النبيّ وَّرِ أعده
للصلاة فيه في ديار بني قريظة أيام حصارهم.
مسألة القيام للقادم:
قوله: (قوموا إلى سيدكم) به استدل من قال بجواز القيام للقادم. وجملة القول في هذه
المسألة أن القيام على أقسام:
١ - أن يكون السيّد جالساً، ويتمثل له الحاضرون قياماً طوال مجلسه، وهو ممنوع بنص
الحديث لأنه دأب الأعاجم المتكبرين، ولا خلاف في عدم جوازه.
٢ - أن يقوم الناس لقادم يحب أن يقوموا له تكبراً وتعاظماً على القائمين، وهو ممنوع
أيضاً باتفاق العلماء.
٣ - أن يقوم الناس لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه
بسبب ذلك ما يحذر، وهو مكروه.
٤ - أن يقوم الرجل لقادم من سفر فرحاً بقدومه، ليسلم عليه، وهذا مندوب ولا خلاف في
جوازه .
٥ - أن يقوم الرجل لمن حصلت له نعمة، فيهنئه عليها، وهو مندوب أيضاً.
٦ - أن يقوم الرجل لمن أصابته مصيبة فيسلّيه عليها، وهو مندوب أيضاً.
٧ - أن يقوم الرجل لمن دخل عليه على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد منه ذلك.

١٠٧
كتاب: الجهاد والسير.
حُكْمِكَ)) قَالَ: تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ. وَتَسْبِي ذُرْيَّتَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ»
وَرُبَّمَا قَالَ: ((قَضَيْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ)).
وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَرُبَّمَا قَالَ: ((قَضَيْتَ بِحُكْم الْمَلِكِ)).
٤٥٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ
شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَقَدْ حَكُمْتَ فِيهِمْ بِحُكُمٍ
اللَّهِ». وَقَالَ مَرَّةً: ((لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ)).
وهذا القسم السابع موضع خلاف بين العلماء، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم، وللإمام
النووي تَُّ في جوازه رسالة مستقلّة رد عليها ابن الحاج، وقد حكى الحافظ في الفتح
(١١: ٥٠) دلائل النووي وابن الحاج ببسط وتفصيل. ومن كرهه استدل بحديثين:
١ - عن أنس ربه، قال: ((لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله وَّله وكانوا إذا رأوه
لم يقوموا له مما يعلمون من كراهته لذلك)) أخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.
٢ - عن أبي مجلز قال: ((خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر، وجلس
ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله وَّه يقول: من أحب أن يتمثل
له الرجال قياماً فليتبوء مقعده من النار)).
وأجاب المجوزون عن الحديث الأول بأن مجرد ترك النبيّ وَله بعض الأفعال لا يدل على
عدم جوازها، وعن الثاني بأن المرفوع منه محمول على الصورة الأولى من القيام، وأما أمر
معاوية لابن عامر بالجلوس، فاحتياط منه ربه، ليخرج عن كل شائبة من مخالفة هذا الحديث
المرفوع .
واحتج المجوزون بحديث الباب، وبأن رسول الله 98 كان يقوم لفاطمة ينا. وأجاب
المانعون عنها بحمله على الصورة الرابعة أو الخامسة.
وقد أطال الحافظ في استئذان الفتح في هذه المسألة، ولم يحقق رأيه في ذلك، غير أنه
يظهر من كلامه أنه مائل إلى المنع.
وقال شيخنا التهانوي كثّفُ في إعلاء السنن (١٧: ٤٢٩): ((فالحاصل أنه لا دليل فيما ذكر
على كراهة القيام لمجرد الإكرام ... فالأولى أن يقال: إن مثل هذا الإكرام لم يثبت من السلف،
فلو كان داخلاً في عموم نصوص التوقير والإكرام كانوا أحق بالعمل بها ... نعم! لما كان مثل
هذا القيام متعارفاً بين الناس، وفي نزعهم عن عادتهم حرج عظيم، بل قد يفضي إلى الحقد
والعداوة والضرر والإضرار، ومع ذلك هو من المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها العلماء، فلا
ينبغي التشديد فيه والإنكار على فاعله، بل ينبغي أن من غلب في ظنه كراهته يحتاط فيه لنفسه إن
لم يترتب على تركه مفسدة)) وهو عندي أعدل الأقوال في هذا الباب، والله سبحانه أعلم.

١٠٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٥٧٣ - (٦٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ. كِلاَهُمَا
عَنِ ابْنٍ نُمَيْرٍ. قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ. رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَرِقَةِ. رَمَاهُ فِي
الأَكْحَلِ. فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَهِ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ. فَلَمَّا رَجَعَ
رَسُولُ اللّهِ وَّهِ مِنَ الْخَنْدَقِّ وَضَعَ السِّلاَحَ. فَاغْتَسَلَ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ
الْغُبَارِ. فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلاَحَ؟ وَاللَّهِ، مَا وَضَعْنَاهُ. اخْرُجْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
٦٥ - (١٧٦٩) - قوله: (عن عائشة) أخرجه البخاري في المغازي، باب مرجع النبيّ وَّل
من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة، (رقم: ٤١١٧)، وفي الجهاد، باب الغسل بعد الحرب
والغبار، (رقم: ٢٨١٣)، وأخرج أبو داود طرفاً منه في الجنائز، باب في العيادة مراراً، (رقم:
٣١٠١)، وكذلك النسائي في المساجد، باب ضرب الخباء في المساجد، (رقم: ٧١٠).
قوله: (يقال له: ابن العرقة) بفتح العين وكسر الراء، كما في فتح الباري وفي رواية
زكريا بن يحيى عند البخاري في المغازي: ((يقال له: حبان بن العرقة)) والعرقة اسم أمه، وهي
بنت سعيد بن سعد، واسم أبيه قيس كما في الفتح.
قوله: (رماه في الأكحل) بفتح الهمزة، عرق في وسط الذراع يكسر فصده، كذا في جامع
الأصول لابن أثير (٨: ٢٧٥). وقال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: إن في كل عضو منه
شعبة، فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النسا، إذا قطع لم يرقأ الدم. كذا
في فتح الباري (٧: ٤١٣).
قوله: (يعوده من قريب) يعني: أمر رسول الله وَ لتر بإقامته في خيمة في المسجد ليكون قريباً
منه وَ*، فيعوده عن قرب كلما شاء. وقال النووي كثُّ: ((فيه جواز النوم في المسجد، وجواز
مکث المریض فیه وإن كان جريحاً)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن أراد به النووي تخلّفُ إطلاق الجواز ففيه نظر، لأن
أحوال الحرب أحوال غير اعتيادية، فلا يقاس عليها أحوال الأمن والسِّلم، والمذهب عند
الحنفية أن النوم في المسجد إنما يجوز لمسافر، أو معتكف، أو لمن لا أهل له.
قوله: (فأتاه جبريل) ووقع عند الطبراني والبيهقي من طريق القاسم بن محمد عن عائشة،
قالت: ((سلم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله وَلل فزعاً، فقمت في أثره، فإذا بدحية
الكلبي، فقال: هذا جبريل)) وفي حديث علقمة: ((يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة، وذلك لما
رجع من الخندق، قالت: فكأني برسول الله ◌َّ ﴿ يمسح الغبار عن وجه جبريل)) فظهر بهذه الرواية
أنه أتاه في صورة دحية الكلبي، والله أعلم.

١٠٩
كتاب: الجهاد والسّير
(فَأَيْنَ؟)) فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَ. فَنَزَلُوا عَلَى حُكْم رَسُولِ اللَّهِ وَ.
فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّهِ الْحُكْمَ فِيهِمْ إِلَى سَعْدٍ. قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ
تُسْبَى الذُّرِيَّةُ وَالنِّسَاءُ، وَتُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ.
٤٥٧٤ _ (٦٦) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: قَالَ أَبِي:
فَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَّهِ قَالَ: ((لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» .
٤٥٧٥ _ (٦٧) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَام. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ
عَائِشَةَ؛ أَنَّ سَعْداً قَالَ، وَتَحَجَّرَ كَلْمُهُ لِلُبُرْءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ
أَنْ أُجَاهِدَ فِيكَ، مِنْ قَوْمِ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَّرِ وَأَخْرَ جُوهُ. اللَّهُمَّ فَإِنْ کَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ
قُرَيْشِ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي أُجَاهِذَّهُمْ فِيكَ. اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ.
فَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَافْجُرْهَا وَاجْعَلْ مَوْنِي فِيهَا. فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ. فَلَمْ
قوله: (فقاتلهم رسول الله) واستمرت محاصرتهم بضعة وعشرين يوماً، فلما اشتد بهم
الحصار أذعنوا إلى أن ينزلوا على حكم رسول الله وَلقر، فتواثبت الأوس (وكانوا حلفاء لبني
قريظة) فقالوا: يا رسول الله! قد فعلت في موالي الخزرج، (يعني بني قينقاع) ما علمت (من
إجلائهم، دون قتلهم، وذلك بشفاعة من عبد الله بن أبي كما مر) فقال رسول الله وَالثور: أما
ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ، فحكم سعد
بقتل مقاتلتهم، وهم ما بين أربعمائة إلى تسعمائة. هذا ملخص ما في فتح الباري ٨: ٤١٤.
٦٧ - ( ... ) - قوله: (تحجّر كلمه للبرء) الكلم: الجرح، وتحجره: اشتداده حتى يصير
مثل الحجر قويّاً لا وجع به ووقع في رواية لأحمد: ((وكان قد برىء إلا مثل الخُرص)) وهو من
حليّ الأذن.
قوله: (اللهم إنك تعلم) إلخ: ولعلّ سعداً عَظُه كان يرجو بعد ما أصابته يوم الأحزاب أنه
سيستشهد بهذه الجرحة، فلما رآها تقاربت إلى البرء دعا بهذا الدعاء، وحاصل دعاءه أنه إن كان
هناك حرب في المستقبل مع مشركي قريش فأبقني إلى ذلك الحين، لأجاهدهم فيك، وإن لم
يكن هناك حرب معهم، كما هو المظنون بظاهر القرائن، فافجر جرحتي هذه لأموت فيها،
وأستشهد بها .
ثم هذا ليس من تمني الموت المنهي عنه، لأن ذلك فيمن تمناه لضر نزل به، وهذا إنما
تمني انفجارها ليكون شهيداً. قاله النووي.
قوله: (فانفجرت من لبّته) يعني: انفجرت الجرحة، وسبب ذلك ما وقع في مرسل حميد بن
هلال عند ابن سعد ولفظه: ((إنه مرت به عنز وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع الجرح،

١١٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ وَالدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا: يَا أَهْلَ
الْخَيْمَةِ! مَا هُذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ جُرْحُهُ يَغِذَّ دَماً. فَمَاتَ مِنْهَا .
٤٥٧٦ - (٦٨) وحدّثنا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ
هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَانْفَجَرَ مِنْ لَيْلَتِهِ. فَمَا زَالَ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ.
وَزَادَ في الحَدِيثِ قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الشَّاعِرُ:
فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالتَّضِيرُ
أَلاَ يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ
غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُوَ الصَّبُورُ
لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ
وَقِذْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ
تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لاَ شَيْءَ فِيهَا
فانفجر حتى مات)) وهكذا استجيبت دعوته، لما أنه لم يكن بعد الأحزاب حرب مع قريش إلى
فتح مكة. وبهذا ظهر أن ما قاله بعض الشراح من أن سعداً كان مخطئاً في ظنه في وضع
الحرب، وأنه لم يستجب دعاؤه، غير وارد، وراجع للتفصيل فتح الباري.
ثم وقع في هذه الرواية: ((من لبّة)) بفتح اللام وتشديد الباء، بمعنى النحر، ووقع في بعض
الأصول: ((من ليتة)) وهو بكسر اللام وسكون الياء، بمعنى صفحة العنق، وفي بعضها: ((من
ليلته)) وصوّبه القاضي. هذا ملخص ما في شرح النووي.
قوله: (فلم يرعهم) يعني: لم يفجأهم، وضمير الجمع هنا لمن في خيمة بني غفار، وحيث
كانوا في ذهن عائشة ينا أضمرت لهم بدون ذكرهم، ثم بدا لها أن تذكرهم، فجاءت بجملة
معترضة وهي قولها: ((وفي المسجد معه خيمة من بني غفار)).
قوله: (يغذّ دماً) بكسر الغين وتشديد الذال، يعني: يسيل، وفي رواية البخاري: ((يغذو
دماً)) وكذلك وقع في بعض نسخ مسلم أيضاً، ومعناهما واحد.
٦٨ - ( ... ) - قوله: (يقول الشاعر) وذكر ابن إسحاق أن هذه الأبيات لجبل بن جوال
الثعلبيّ وكان حينئذٍ كافراً، وأراد بذلك توبيخ سعد بن معاذ لأنه رئيس الأوس، وكان الأوس
حلفاء لبني قريظة، ومع ذلك حكم فيهم بقتل مقاتلتهم، فيعيّر الأوس بذلك، ويمدح عبد الله بن
أبي، الذي شفع عند رسول الله وَ﴾ لحلفائه من بني قينقاع.
قوله: (فما فعلت) هكذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: ((لما فعلت)) ورجحه القاضي،
وهو أوضح، وهو المعروف في كتب السير، ووقع في سيرة ابن هشام: ((لما لقيت)).
قوله: (غداة تحمّلوا لهو الصبور) يعني: أنّ سعد بن معاذ كان صبوراً على ما أصاب قريظة
والنضير يوم تحملوا. وفيه ذم بما يشبه المدح.
قوله: (تركتم قدركم لا شيء فيها) القدر لههنا مجاز عن النصرة والحلف، وكون القدر

١١١
كتاب: الجهاد والسّير
أَقِيمُوا، فَيْنُقَاعُ، وَلاَ تَسِيرُوا
وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ.
كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانُ الصُّخُورُ
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالاً
(٢٣) - باب: المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين
٤٥٧٧ - (٦٩) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ. حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ
أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: نَادَىُ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ وَ يَوْمَ انْصَرَفَ عَنِ
الأَحْزَابِ: ((أَنْ لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدُ الظَّهْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)) فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ. فَصَلَّوْا
خالياً عدم الناصر والحليف، يخاطب الأوس ويقول: جعلتم أنفسكم خالين عن الحلفاء حيث
رضيتم بقتلهم، مع أن قدر القوم (يعني: الخزرج) حامية لكونهم قد شفعوا لحلفائهم من بني
قينقاع. فمنّ عليهم النبيّ بَّرَ، فبقي لهم حلفاءهم.
قوله: (أبو حباب) هو كنية لعبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي شفع لبني قينقاع عند
النبيّ بَّر، كما مر في الباب السابق.
قوله: (وقد كانوا ببلدتهم ثقالاً) يعني: كان بنو قريظة راسخين بمكانهم لكثرة ما لهم من
القوة والنجدة والمال كما رسخت الصخور بميطان.
قوله: (كما ثقلت بميطان) (ميطان) بفتح الميم وكسرها اسم جبل في ديار بني مزينة.
(٢٣) - باب: المبادرة بالغزو
٦٩ - (١٧٧٠) - قوله: (عن عبد الله) والمراد هنا ابن عمر طيبًا، وحديثه هذا أخرجه
البخاري في المغازي، باب مرجع النبيّ بَّر من الأحزاب، (رقم: ٤١١٩)، وفي صلاة الخوف،
باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماء، (رقم: ٩٤٦).
قوله: (لا يصلّين أحد الظهر) وفي رواية البخاري بنفس هذا الطريق: ((لا يصلينَّ أحد
العصر)) وحمله على الواقعتين بعيد جداً، لكون مخرج الحديث واحداً، لأنه مروي عند الشيخين
بإسناد واحد من مبدأه إلى منتهاه. ورواية مسلم راجحة من حيث أنه لم يذكر في حديث ابن عمر
(صلاة العصر) إلا البخاري، وتابع أبو يعلى وآخرون، ولكن رواية البخاري راجحة من حيث
تأيدها بشواهد أخرى. فقد أخرج الإمام البيهقي كثّفُ في دلائل النبوة (٤: ٧) عن عبد الله بن
كعب بن مالك: ((أن رسول الله وسلّ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة، واغتسل،
واستجمر، فتبدّى له جبريل غلّلا، فقال: عذيرك (١) من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما
وضعناها بعد. قال: فوثب رسول الله وَ ل﴿ فزعاً، فعزم على الناس ألا يصلّوا صلاة العصر حتى
(١) أي هات من يعذرك، فعيل بمعنى فاعل.

١١٢
+
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: لاَ نُصَلِّي إِلاَّ حَيْثُ أَمَرَّنَا رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ، وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ.
قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِداً مِنَ الْفَرِيقَيْنِ.
(٢٤) - باب: ردّ المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر
والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح
٤٥٧٨ - (٧٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ، مِنْ مَكَّةَ،
يأتوا بني قريظة. قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم
الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: إن رسول الله ﴿ عزم علينا أن لا نصلّي حتى نأتي
بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله و ﴿ فليس علينا إثم، وصلّى طائفة من الناس
احتساباً، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلّوها حين جاؤوا بني قريظة
احتساباً. فلم يعنّف رسول الله وَّ واحداً من الفريقين)).
وهذا كله يؤيد رواية البخاري، وقد جزم أصحاب السير كابن إسحاق وموسى بن عقبة
بأنها كانت صلاة العصر. واستظهر الحافظ في الفتح (٨: ٤٠٩) أن عبد الله بن محمد بن أسماء
شيخ البخاري ومسلم في هذا الحديث لما حدث به البخاري حدثه بلفظ البخاري، ولما حدث به
الآخرين حدثه بلفظ مسلم، وهو لفظ جويرية، لأنه قد رواه عن جويرية غير واحد بهذا اللفظ،
بخلاف لفظ البخاري، ولعل حاصله أن جويرية وهم في تعيينه بصلاة الظهر، ثم وهم عبد الله بن
محمد بن أسماء عند ما حدث به البخاري، فروى عن جويرية صلاة العصر، مع أنه روى صلاة
الظهر، وراجع للتفصيل فتح الباري (٨: ٨٠٩) والله سبحانه أعلم.
قوله: (فما عنّف واحداً من الفريقين) لأن الكل كان مجتهداً محتسباً ومستنداً إلى دليل
شرعيّ. فالذين لم يصلوا في الطريق حملوا النهي على حقيقته وجعلوه ناسخاً للنهي عن تأخير
الصلاة في هذه الواقعة بخصوصها، وتمسكوا بجواز التأخير لمن اشتغل بالحرب. وأما الذين
صلّوا في الطريق فحملوا النهي على غير حقيقته، وزعموا أنه كناية عن الحث والاستعجال
والإسراع إلى بني قريظة.
وفيه دليل على جواز الاجتهاد عند عدم النصّ أو عند كونه محتملاً للمعنيين وعلى أن
المجتهدين لا يلام عليهم وإن اختلفت آراؤهم، ما داموا متمسكين بدليل.
(٢٤) - باب: رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم إلخ
٧٠ - (١٧٧١) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الهبة، باب
فضل المنيحة، (رقم: ٢٦٣٠)، وفي فرض الخمس، باب كيف قسم النبيّ وَّ قريظة والنضير،

١١٣
كتاب: الجهاد والسّير
الْمَدِينَةَ قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ. وَكَانَ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالْعَقَارِ. فَقَاسَمَهُمُ
الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارٍ أَمْوَالِهِمْ، كُلَّ عَامٍ. وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَؤُونَةَ.
وَكَانَتْ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، وَهِيَ تُدْعَى أُم سُلَيْمِ، وَكَانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، كَانَ
أَخاً لأَنَسٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسِ رَّسُولَ اللَّهِ وَّهِ عِذَاقاً لَهَا. فَأَعْطَاهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَيْهِ أُمَّ أَيْمَنَ، مَوْلاَتَهُ، أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهْلِمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلٍ
خَيْبَرَ. وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ. رَدَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِنْ
ثِمَارِهِمْ. قَالَ: فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِلَى أُمِّي ◌ِذَاقَهَا. وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ وَّ أَمَّ أَيْمَنَ
مَكَانَهُنَّ مِنْ خَائِطِهِ .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ مِنْ شأْنِ أُمِّ أَيْمَنَ، أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهَا كَانَتْ وَصِيفَةً
لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَكَانَتْ مِنَ الْحَبَشَةِ. فَلَمَّا وَلَدَتْ آَمِنَةُ رَسُولَ اللهِ وَهِ، بَعْدما
تُوُفِّيَ أَبُوهُ، فَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ، حَتَّى كَبِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لهِ. فَأَعْتَقَهَا. ثُمَّ أَنْكَحَهَا
(رقم: ٣١٢٨)، وفي المغازي، باب حديث بني النضير، (رقم: ٤٠٣٠)، وفي باب مرجع
النبيّ ◌َّر من الأحزاب، (رقم: ٤١٢٠).
قوله: (فقاسمهم الأنصار) المراد هنا مقاسمة الثمار، لا مقاسمة أصول الأشجار، لأن
ذلك رده رسول الله ﴿ على الأنصار، وذلك فيما أخرجه البخاري في المزارعة (رقم: ٢٣٢٥)
والشروط (رقم: ٢٧١٩) عن أبي هريرة نظ به، قال: ((قالت الأنصار للنبي وَّ: قسم بيننا وبين
إخواننا النخيل، قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا)).
قوله: (وكانت أم أنس بن مالك) إلخ: ظاهره أنه من كلام الزهري، ولكن بقية السياق
يقتضي أنه من رواية الزهري عن أنس، فيحمل على التجريد. قاله الحافظ في الفتح (٥: ٢٤٤).
قوله: (عذاقاً لها) بكسر العين، جمع عَذْق (بفتح العين وسكون الذال) كحبل وحبال،
والعذق النخلة. وقيل: إنما يقال لها ذلك إذا كان حملها موجوداً، والمراد لههنا إعارة النخلة
بهبة ما يخرج منها من ثمر.
قوله: (فأعطاها رسول الله وَل﴿ أم أيمن) يعني: أعطى أم أيمن النخلات التي وهبتها له أم
أنس.
قوله: (مكانهنّ من حائطه) يعني: أعطى أم أيمن بدل نخلات أم سليم نخلات من حائط
نفسه، وسيأتي وجه ذلك في رواية الآتية.
قوله: (وصيفة) يعني: جارية.

١١٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. ثُمَّ تُؤُفِيَتْ بَعْدَ مَا تُؤُفِيَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ بِخَمْسَةٍ أَشْهُرٍ.
٤٥٧٩ - (٧١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَحَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ. كُلُّهُمْ عَنِ الْمُعْتَمِرِ (وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِي شَيْبَةَ). حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً (وَقَالَ حَامِذَ وَابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى: أَنَّ الرَّجُلَ) كَانَ
يَجْعَلُ لِلنَّبِيِّ وَّرِ النَّخَلاَتِ مِنْ أَرْضِهِ. حَتَّى فُتِحَتْ عَلَيْهِ قُرَيْظَةُ وَالنَّصِيرُ، فَجَعَلَ، بَعْدَ ذُلِكَ،
يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَعْطَاهُ.
قَالَ أَنَسِّ: وَإِنَّ أَهْلِي أَمَرُونِي أَنَّ آتِيَ النَّبِيَّ وَِّ فَأَسْأَلَهُ مَا كَانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ أَوْ بَعْضَهُ.
وَكَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَهِ قَدْ أَعْطَاهُ أُمَّ أَيْمَنَ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ فَأَعْطَانِيهِنَّ. فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ
فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ فِي عُنُقِي وَقَالَتْ: وَاللَّهِ! لاَ يُعْطِنَكَهُنَّ وَقَدْ أَعْطَانِيهِنَّ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَرَ:
(يَا أُمَّ أَيْمَنَ! اتْرُكِيهِ وَلَكِ كَذَا وَكَذَا)) .. وَتَقُولُ: كَلاَّ. وَالَّذِي لاَ إِلْهَ إِلاَّ هُوَ! فَجَعَلَ يَقُولُ كَذَا
حَتَّى أَعْطَاهَا عَشْرَةَ أَمْثَالِهِ، أَوْ قَرِيباً مِنْ عَشْرَةِ أَمْثَالِهِ.
٧١ - ( ... ) - قوله: (حامد بن عمر البكراوي) هذه نسبة إلى أبي بكرة الثقفي نظره، وهو
من أولاده، كما في الأنساب للسمعاني (٢: ٢٩٤)، وكان قاضي كرمان، نزل نيسابور، وهو ثقة
أخرج عنه الشيخان، كما في التهذيب (٣: ١٦٩).
قوله: (عن أنس) هذه الرواية أخرجها البخاري في المغازي، باب مرجع النبيّ وَّر من
الأحزاب، (رقم: ٤١٢٠).
قوله: (فجعل بعد ذلك يرةّ عليه) إلخ: يعني: لما استغنى رسول الله وَله بما ناله من قريظة
والنضير، شرع برد ما أعطاه رجال من الأنصار.
قوله: (وإن أهلي أمروني) إلخ: يعني: أمروني بأن أستردّ من النبيّ وَلّ ما أعطوه من
عذاق، ولعلهم بادروا إلى استرداده من النبيّ وَّه حرصاً في التبرك بما استعمله رسول الله وَلّ
وإلاّ فهم أكثر الناس إيثاراً للنبيّ وَّر على أنفسهم وأموالهم.
قوله: (وقالت: والله لا يعطيكهنّ) قال النووي: ((إنما فعلت هذا لأنها ظنت أنها كانت هبة
مؤبدة، وتمليكاً لأصل الرقبة، وأراد النبيّ وَله استطابة قلبها في استرداد ذلك، فما زال يزيدها
في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه وَّ﴿ وإكرام لها لما لها من حق الحضانة)).

١١٥
كتاب: الجهاد والسّير
(٢٥) - باب: جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب
٤٥٨٠ - (٧٢) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ). حَدَّثَنَا
حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: أَصَبْتُ جِرَاباً مِنْ شَحْمِ، يَوْمَ خَيْبَرَ .
قَالَ: فَالْتَزَمْتُهُ. فَقُلْتُ: لاَ أُعْطِي الْيَّوْمَ أَحَداً مِنْ هُذَا شَيْئاً. قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مُتَبَسِّماً.
٤٥٨١ - (٧٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رُمِيَ إِلَيْنَا جِرَابٌ فِيهِ طَعَامٌ
(٢٥) - باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب
٧٣ - ( ... ) - قوله: (سمعت عبد الله بن مغفل) أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما
يصيب من الطعام في أرض الحرب، (رقم: ٣١٥٣)، وفي المغازي، باب غزوة خيبر، (رقم:
٤٢١٤)، وفي الذبائح والصيد، باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم،
(رقم: ٥٥٠٨). وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في إباحة الطعام في أرض العدو، (رقم:
٢٧٠٢)، والنسائي في الضحايا، باب ذبائح اليهود، (رقم: ٤٤٤٠).
قوله: (رمى إلينا جراب) وفي رواية البخاري في المغازي: ((كنّا محاصري خيبر، فرمى
إنسان بجراب)) والجراب: الأفصح فيه كسر الجيم، وهو وعاء من جلد.
قوله: (من شحم) فيه جواز أكل شحوم ذبائح اليهود، وإن كانت شحومها محرمة عليهم،
وهو مذهب مالك والشافعي وجماهير العلماء، وقال مالك: هي مكروهة، وقال بعض المالكية
والحنابلة: هي محرمة، وحجة الجمهور قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُ﴾ [سورة
المائدة، آية: ٥]، ولم يستثن منها شيئاً، ولا لحماً ولا شحماً ولا غيره، وحديث الباب قد أقرّ هذا
العموم.
قوله: (متبسّماً) وزاد أبو داود الطيالسي في آخره: ((فقال: هو لك))، وبه استدل جمهور
الفقهاء على إباحة أكل طعام الغنيمة في دار الحرب. قال القاضي: أجمع العلماء على جواز
أكل طعام الحربيين ما دام المسلمون في دار الحرب، فيأكلون منه قدر حاجاتهم، ويجوز بإذن
الإمام وبغير إذنه، ولم يشترط أحد من العلماء استئذانه إلا الزهري، وجمهورهم على أنه لا
يجوز أن يخرج معه منه شيئاً إلى عمارة دار الإسلام، فإن أخرجه لزمه رده إلى المغنم، وقال
الأوزاعي: لا يلزمه. وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع شيء منه في دار الحرب ولا غيرها، فإن
بيع شيء منه لغير الغانمين كان بدله غنيمته. ويجوز أن يركب دوابهم ويلبس ثيابهم ويستعمل
سلاحهم في دار الحرب بالإجماع، ولا يفتقر إلى إذن الإمام، وشرط الأوزاعي إذنه، وخالف
الباقين. كذا في شرح النووي.

١١٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَشَحْمٌ، يَوْمَ خَيْبَرَ. فَوَثَبْتُ لِآخُذَهُ. قَالَ: فَالْتَفَتُّ. فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ. فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ.
٤٥٨٢ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهِذَا
الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: جِرَابٌ مِنْ شَخْمٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الطَّعَامَ.
(٢٦) - باب: كتاب النبيّ ◌َّ﴾ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام
٤٥٨٣ - (٧٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ) (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ وَابْنُ أَبِي ◌ُعُمَرَ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ :
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ. قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي
وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ، إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ إِلَى
هِرَقْلَ. يَعْنِي عَظِيمَ الرُّومِ. قَالَ:
قوله: (فاستحييت منه) لعله استحيا من أجل مبادرته إلى الطعام، مما يدل على حرصه
عليه. والله أعلم.
(٢٦) - باب: كتب النبيّ ◌َّ إلى هرقل إلخ
٧٤ - (١٧٧٣) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب
حديث أبي سفيان عند هرقل، (رقم: ٧) وفي الإيمان، باب بلا ترجمة، (رقم: ٥١)، وفي
الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، (رقم: ٢٦٨١)، وفي الجهاد، باب قول الله عز وجل:
قُل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، (رقم: ٢٨٠٤)، وباب دعاء النبيّ ◌َّ الناس إلى
الإسلام والنبوة، (رقم: ٢٩٤١)، وباب قول النبيّ وَطاهر: نصرت بالرعب مسيرة شهر، (رقم:
٢٩٧٨)، وفي الجزية والموادعة، باب فضل الوفاء بالعهد، (رقم: ٣١٧٤)، وفي التفسير، سورة
آل عمران، باب قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلخ، (رقم: ٤٥٥٣)، وفي
الأدب، باب صلة المرأة أمها ولها زوج، (رقم: ٥٩٨٠)، وفي الاستئذان، باب كيف يكتب إلى
أهل الكتاب (رقم: ٦٢٦٠)، وفي الأحكام، باب ترجمة الحكام، وهل يجوز ترجمان واحد؟
(رقم: ٧١٩٦)، وفي التوحيد، باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية
وغيرها، (رقم: ٧٥٤١)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب كيف يكتب إلى ذمي؟ (رقم:
٥١٣٦)، والترمذي في الاستئذان، باب ما جاء كيف يكتب إلى أهل الشرك، (رقم: ٢٧١٧).
قوله: (في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله ﴿) يعني: به الهدنة الواقعة بعد صلح
الحديبية .
قوله: (إلى هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف على المشهور، وحكى جماعة

١١٧
كتاب: الجهاد والسّير
وَكَانَ دَحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ. فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَىُ. فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَىْ إِلَىْ هِرَقْلَ. فَقَالَ
هِرَقْلُ: هَلْ هُهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْم هُذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَدُعِيتُ
فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ. فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَباً مِنْ هُذَا
الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ. وَأَجْلَسُوا
أَصْحَابِي خَلْفِي. ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هُذَا عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ
أَنَّهُ نَبِيٍّ. فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللَّهِ! لَوْلاَ مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ
إسكان الراء وكسر القاف كخندف، منهم الجوهري، وهو اسم علم لملك الروم لقبه قيصر، ملك
إحدى وثلاثين سنة وفي ملكه توفي النبيّ ◌َّ ه وهو أول من ضرب الدينار وأحدث البيعة، كذا في
عمدة القاري (١ : ٩٣).
قوله: (وكان دحية الكلبي) بكسر الدال على الأرجح، وهو ابن خليفة بن فروة، صحابي
مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل: أحد، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان
ينزل جبريل ظلّل في صورته كما تقدم في قصة غزوة بني قريظة، وقد شهد اليرموك، وقد نزل
دمشق وسكن المزة، وعاش إلى خلافة معاوية رضي الله. كذا في الإصابة (١: ٤٦٣ و٤٦٤).
قوله: (فدفعه إلى عظيم بصرى) يعني: إلى سيّدها وأميرها، وبُصرى، بضم الباء، بلدة
بالشام.
قوله: (فدعيت في نفر من قريش) ووقع في مصنف ابن أبي شيبة، وكتاب الأموال لأبي
عبيد مرسلاً أنه كان فيهم المغيرة بن شعبة رضيته، واستشكله الحافظ في الفتح (١: ٣٣) بأنه كان
حين ذاك مسلماً، ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أن يكون حينئذٍ رجع إلى قيصر، ثم قدم المدينة
مسلماً .
قوله: (فدخلنا على هرقل) وفي رواية البخاري في بدء الوحي: ((فأتوه وهم بإيلياء)) وإيلياء
اسم لبيت المقدس، ووقع عند المصنف في رواية آتية، وعند البخاري أيضاً في الجهاد: ((أن
هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكراً لله)).
قوله: (ثم دعا بترجمانه) بفتح التاء وضم الجيم، وهو الأرجح عند النووي، ويجوز فتح
التاء والجيم فيما حكاه الجوهري، وقيل: بضمهما. وهو المعبر عن لغة بلغة.
قوله: (فإن كذبني) بتخفيف الذال، يعني: إن كذب في جواب أحد أسألتي.
قوله: (لولا مخافة أن يؤثر عليّ) أي: ينقل عنّي. وقال الحافظ في الفتح (١: ٣٥): ((وفيه
دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق، أو بالعرف. وفي قوله:
(يأثروا) دون قوله: (يكذبوا) دليل على أنه كان واثقاً منهم بعدم التكذيب أن لو كذب،
لاشتراكهم معه في عداوة النبيّ ◌َ و لكنه ترك ذلك استحياء وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن

١١٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْكَذِبُ لَكَذَبْتُ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ. كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو
حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ
يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: وَمَنْ يَتَبِعُهُ؟ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ
ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ قُلْتُ: لاَ. بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ
مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ، بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، سَخْطَةٌ لَهُ؟ قَالَ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّهُ؟ قَالَ قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالاً . يُصِيبُ
مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لاَ. وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَذْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ
فیھا .
يرجعوا، فيصير عند سامعي ذلك كذاباً، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: «فوالله
لو قد كذبت ما ردّوا عليّ، ولكني كنت امرأ سيداً أتكرم عن الكذب، وعملت أن أيسر ما في
ذلك إن أنا كذبته أن يحفظوا ذلك عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه)».
قوله: (أشراف الناس) قال العيني في عمدة القاري (١: ٩٩): ((أي: كبارهم وأهل
الإحسان، وقال بعضهم (وهو الحافظ في الفتح): المراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر
منهم، لا كل شريف، حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر ﴿ه وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا
السؤال. قلت: هذا على الغالب، وإلا فقد سبق إلى أتباعه أكابر أشراف زمنه، كالصديق
والفاروق وحمزة وغيرهم، وهم أيضاً كانوا أهل النخوة)).
قوله: (سخطة له) بفتح السين، وأما السخط بغير التاء فيجوز في سينها الضم والفتح، غير
أن الضم تسكن معه الخاء، والفتح تفتح معه. والمراد الكراهية.
قوله: (تكون الحرب بيننا وبينه سجالاً) بكسر السين، أي: نوباً، فيغلبون علينا مرة،
ونغلب عليهم أخرى. قال ابن منظور في لسان العرب (١٣: ٣٤٦): ((السَّجل (بفتح السين)
الدلو الملأى .... وأسجله: أعطاه سجلاً أو سجلين. وقالوا: الحروب سجال، أي: سجل
منها على هؤلاء، وآخر على هؤلاء، والمساجلة مأخوذة من السجل. وفي حديث أبي
سفيان ... (الحرب بيننا سجال) معناه أنا ندال عليه مرة، ويدال علينا أخرى، وأصله أن
المستقيين بسجلين من البئر يكون لكل واحد منهما سجل، أي: دلو ملأى ماء)).
وأشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر، وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو
سفيان يوم أحد بقوله: ((يوم بيوم بدر، والحرب سجال)) ... ووقع في مرسل عروة: ((قال أبو
سفيان: غلبنا مرة يوم بدر وأنا غائب، ثم غزوتهم في بيوتهم ببقر البطون وجدع الآذان)) وأشار
بذلك إلى يوم أحد. كذا في فتح الباري (١: ٣٦).

١١٩
كتاب: الجهاد والسّير
قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئاً غَيْرَ هُذِهِ.
قَالَ: فَهَلْ قَالَ هُذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي
سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذو حَسَبٍ. وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا .
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ:
رَجُلٌ يَظْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ
ضُعَفَاؤُهُمْ. وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمْونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟
فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى
اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهُ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لا .
وَكَذْلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ
قوله: (ما أمكنني من كلمة) يعني: ما سألني سؤالاً أستطيع أن أجيب عنه بشيء من تنقيص
رسول الله ◌َّ، إلا في هذا السؤال، فإني استطعت في جوابه أن أقول فيه شيئاً، وذلك لأن
التنقيص أمر نسبي، فإن من يقطع بعدم غدره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة،
وقد كان رسول الله وَّر معروفاً عندهم بأنه لا يغدر، ولما كان أمر المستقبل مغيباً أمن أبو سفيان
أن ينسب في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده بالتردد.
ولكن هرقل لم يعرّج على هذا القدر منه، وقد صرح ابن إسحاق في روايته عن الزهري
بذلك حيث قال: ((قال: فوالله ما التفت إليها مني)) ذكرها الحافظ في الفتح (١: ٣٦).
قوله: (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) قال الحافظ: ((الظاهر أن إخبار هرقل
بذلك بالجزم كان عن العلم بالمقرر عنده في الكتب السالفة)). وقال القاضي عياض: ((فيه دليل
على أن ذوي الأحساب أولى بالتقدم في أمور المسلمين ومهماتهم الدينية والدنيوية، ولذلك
جعلت الخلافة على قول دهماء المسلمين وصحيح الآثار في قريش، لأن ذوي الأحساب أحوط
على عدم تدنيس أحسابهم بما لا يليق)) كذا في شرح الأبي (٥: ١٠٠ و١٠١).
قوله: (وهم أتباع الرسل) معناه أن أتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة، لا أهل
الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغياً وحسداً، كأبي جهل وأشياعه.
قوله: (إذا خالط بشاشة القلوب) كذا روي بنصب (بشاشة) مضافاً إلى القلوب، يعني: إذا
خالط الإيمان انشراح الصدر لم يرده شيء. وروي: ((إذا خالط بشاشته القلوب)) برفع (بشاشة)
على كونه فاعلاً للمخالطة، مضافاً إلى الضمير العائد إلى الإيمان، ونصب (القلوب). ورجح
القاضي هذه الرواية، وقال: أصل البشاشة اللطف بالرجل وتأنيسه، يقال: بشّ به، وبشبش،
كذا في شرح الأبي. وقال ابن الأعرابي: ((هو فرح الصدر بالصديق)) وقال ابن دريد: ((بشّه: إذا
ضحك إليه ولقيه لقاء جميلاً)) كذا في عمدة القاري.

١٢٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ. وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ
قَاتَلْتُمُوهُ. فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً. يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ
تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ. وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ
تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ هُذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَقُلْتُ: لَوْ قَالَ هُذَا الْقَوْلَ
أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ انْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَأْمُرُنَا
بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ نَبِيٍّ. وَقَدْ كُنْتُ
أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ. وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لِأَحْبَيْتُ لِقَاءَهُ. وَلَوْ
وزاد البخاري في الإيمان: ((لا يسخطه أحد))، وزاد ابن السكن في معجم الصحابة:
(يزداد به عجباً وفرحاً)) وفي رواية ابن إسحاق: ((وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلباً فتخرج
منه)) كذا في فتح الباري.
قوله: (إن يكن ما تقول فيه حقّاً) إلخ: قال العيني في العمدة (١: ١٤٤): ((قيل: هذه
الأشياء التي سألها هرقل ليست بقاطعة على النبوة، وإنما القاطع المعجزة الخارقة للعادة، فكيف
قال: وكنت أعلم أنه خارج بالتأكيدات والجزم؟ وأجيب بأنه كان عنده علم بكونها علامات هذا
النبي عليّلا، كان ذلك كله نعتاً للنبيّ فعلا، مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل)).
قوله: (فإنه نبيّ) هل تعتبر هذه الجملة من هرقل تصديقاً منه للنبيّ وَّ وإيماناً به؟ ويحكم
بكونه مؤمناً؟ اختلفت فيه أنظار العلماء. فمنهم من حكم بكونه مؤمناً، لأنه صدق النبيّ بَ له وأقر
بذلك، غير أنه لم يعمل بمقتضاه خوفاً من قومه. وقال آخرون: لا يحكم بإيمانه، لأنه قال في
آخر هذه القصة: ((إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم)» كما هو مصرح في رواية
البخاري.
وقال العيني تَُّ في عمدة القاري: ((ومما يقال: إن هرقل آثر ملكه على الإيمان، وتمادى
على الضلال، إنه حارب المسلمين فى غزوة مؤتة سنة ثمان بعد هذه القصة .... وكذا روى ابن
حبان في صحيحه عن أنس به: أن النبيّ ◌َلل كتب إليه أيضاً من تبوك يدعوه، وأنه قارب
الإجابة ولم يجب، فدل ظاهراً على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر
الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه، وخوفاً من أن يقتله قومه. لكن في مسند أحمد أنه
كتب من تبوك إلى النبيّ وَّر أني مسلم، فقال النبيّ يَّير: كذب، بل هو على نصرانيته .....
والله أعلم بحقيقة الأمر)).
قوله: (لأحببت لقاءه) وفي رواية البخاري: ((لتجشمت لقاءه)) أي: تكلفت الوصول إليه
وهذا يدل على أنه كان يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبيّ وَّة، وللطبراني من طريق
ضعيف عن عبد الله بن شداد، عن دحية في هذه القصة مختصراً: ((فقال قيصر: أعرف أنه كذلك