النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ كتاب: الجهاد والسير فَغَزَا. فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ حِينَ صَلاَةِ الْعَصْرِ. أَوْ قَرِيباً مِنْ ذُلِكَ. فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ. اللَّهُمَّ اخْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئاً. فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَجَمَعُوا مَا الجهاد فرض كفاية، أما إذا صار فرض عين بعموم النفير، فيخرج كل أحد، إلا من استثناه الإمام لمصلحة. والله أعلم. قوله: (فأدنى للقرية) بقطع الهمزة المفتوحة، قال القاضي عياض: ((كذا هو بقطع الهمزة رباعياً في كل النسخ، فإما أن يكون تعدية (لدنا) الثلاثي، الذي بمعنى قرب، أي: أدنى جيوشه إليها، أو يكون (أدنى) بمعنى حان، أي: حان، وقرب فتحها، من قولهم: أدنت الناقة: إذا قرب نتاجها، ولكن لم يقولوه في غير الناقة)) حكاه الأبي ثم قال: (هو في البخاري)) (دنا) ثلاثياً على الأصل، ونقل الأصبهاني في شرح المصابيح ما نصه: قال بعضهم: هو في مسلم ((ادّنى)) بألف الوصل، وشدّ الدال، قال: وهو افتعل من الدنو، أصله: ادتنا، فأدغم التاء في الدال، وظاهر كلام من تقدم أن الذي في مسلم إنما هو (أدنى) على وزن (أعطى)، فينظر ذلك في النسخ العتيقة. قوله: (فقال للشمس) وبين الحاكم في روايته عن كعب سبب ذلك، فإنه قال: «إنه وصل إلى القرية وقت عصر يوم الجمعة، فكادت الشمس أن تغرب، ويدخل الليل)) وبهذا يتبين معنى قوله: (وأنا مأمور). قوله: (فحبست عليه) بضم الحاء، وكسر الباء، مبنياً للمجهول، واختلف في كيفية حبس الشمس، فقيل: ردت على أدراجها، وقيل: وقفت، وقيل: بطئت حركتها، وكل ذلك محتمل، والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره، ووقع في ترجمة هارون بن يوسف الرمادي أن ذلك كان في رابع عشر حزيران، وحينئذٍ يكون النهار في غاية الطول. كذا في فتح الباري. ثم إن حبس الشمس كان معجزة ليوشع معللا، وقد روي مثل هذه المعجزة لموسى عليهلا، ولداود، وسليمان عليهما السلام، ولنبينا ◌َّ *. فأما قصة موسى ◌َّو فأخرجها ابن إسحاق في المبتدأ، من طريق يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه: ((أن الله لما أمر موسى بالمسير ببني إسرائيل أمره أن يحمل تابوت يوسف، فلم يدل عليه حتى كاد الفجر أن يطلع، وكان وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا اطلع الفجر، فدعا ربه أن يؤخر الطلوع، حتى فرغ من أمر يوسف، ففعل)). حكاه الحافظ في الفتح (٦: ٢٢١). وأما داود ظلّا، فروي حبس الشمس له في جهاد، وأخرجه الخطيب في (ذم النجوم) والبخاري في المبتدأ عن عليّ، ولكن إسناده ضعيف جداً، كما حققه الحافظ. وأما سليمان ظلّلا، فقد ورد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَ﴾ [سورة ص، آية: ٣٣] أن الضمير للشمس، وكان قد شغل بمعاينة الخيل عن صلاة العصر، فأمر الملائكة ٤٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم غَنِمُوا. فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ. فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ. فَقَالَ: فِيَكُمْ غُلُولٌ. فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَبَايَعُوهُ. فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ. فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ. فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ. فَبَايَعَتْهُ. قَالَ: فَلَصِقَتْ بِيَدِ رَجُلَيْنٍ أَوْ ثَلاَثَّةٍ. فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ. أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ. قَالَ: فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسٍ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: فَوَضَعُوهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ. فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا. ذُلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَىْ ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، فَطَيِّبَهَا لَنَا ». الموكلين بالشمس أن يردوها عليه، فردّوها عليه حتى صلى العصر، أخرجه الثعلبي والبغوي، لكن قال الحافظ: ((وهذا لا يثبت عن ابن عباس، ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله: (ردوها) للخيل)). ويردّه أيضاً ما أخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٢٥) من أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول : ((إن الشّمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس)). فأما حبسه لموسى عظلا فإن صحّ، فإن الحصر إنما وقع في حق يوشع في تأخير الغروب، والذي وقع لموسى معل *: هو تأخير الطلوع، والله أعلم. وأما نبينا وَلثر، فقد أخرج الطحاوي في مشكل الآثار، والطبراني في الكبير، والحاكم، والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس: ((أنهَ * دعا لما نام على ركبة عليّ ظُه، ففاتته صلاة العصر، فردت الشمس حتى صلى عليّ، ثم غربت))، وعدّه ابن الجوزي في الموضوعات، وابن تيمية في كتاب الرد على الروافض، ولكن خطأهما الحافظ في الفتح (٦: ٢٢٢). ولا ينافي حبسها للنبيّ وَِّ ما أخرجه أحمد عن أبي هريرة، لأنه يحتمل أن يكون المراد أنها لم تحبس في من مضى من الأنبياء، إلا ليوشع علا، ولا ينافي أن تحبس لنبيّنا وَله . قوله: (فأقبلت النار لتأكله) وزاد في رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند النسائي وغيره: ((وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها)). قوله: (فيكم الغلول) وزاد في رواية سعيد بن المسيب: ((فقالا: أجل! غللنا)) يعني: سرقنا من الغنيمة . قوله: (فطيّبها لنا) قال الحافظ: ((وفيه إشعار بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل. وفيه اختصاص هذه الأمة بحل الغنيمة، وكان ابتداء ذلك من غزوة بدر، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنَّا غَنِعْتُمْ حَلَلًا لَتِبَأْ﴾ [الأنفال: ٦٩] فأحل الله لهم الغنيمة، وقد ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عباس، وقد قدمت في أوائل فرض الخمس أن أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي خرج فيها عبد الله بن جحش، وذلك قبل بدر لشهرين. ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد أنه ﴿ ﴿ آخر غنيمة تلك السريّة حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم بدر)). ٤٣ كتاب: الجهاد والسّير (١٢) - باب: الأنفال ٤٥٣١ - (٣٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: أَخَذَ أَبِي مِنَ الْخُمْسِ سَيْفاً. فَأَتَى بِهِ النَّبِّ نَّهِ. فَقَالَ: هَبْ لِي هُذَا. فَأَبَىْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِّ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] . (١٢) - باب الأنفال (١٧٤٨) - قوله: (عن أبيه) يعني: سعد بن أبي وقاص ظته، وحديثه هذا أخرجه المصنف مفصلاً في جملة حديث طويل في فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص، وأخرجه أيضاً الترمذي في تفسير سورة الأنفال، (رقم: ٣٠٨٠)، وأبو داود في الجهاد، باب في النفل، (رقم: ٢٧٤٠). قوله: (أخذ أبي) قال النووي تغَّفُهُ: ((هو من تلوين الخطاب، وتقديره: عن مصعب بن سعد أنه حدث من أبيه بحديث، قال فيه: قال أبي: أخذت من الخمس سيفاً)): قوله: (فأبى) يعني: أبى النبيّ وَّر من أن يهبه السّيف، وعلله أكثر العلماء بأن الغنائم لم يكن نزل فيها حكم يومئذٍ، فلمّا نزلت أوائل سورة الأنفال وجعل فيها الخيار لرسول الله وسلم أعطى سعداً ذلك السيف، ويؤيده ما أخرجه أبو داود في هذا الحديث: ((فقال لي النبيّ ◌َّ: إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي، ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك، ثم قرأ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] إلخ)). وذهب أكثر العلماء إلى أن الغنائم جعل أمرها إلى رسول الله وسفر في بداية الأمر، يصرفها كيف شاء، وهو معنى قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة الأنفال، آية: ١]، ثم نسخه قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَِّ خُمُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٤١] إلخ ففرض الخمس، وقسم الباقي بين الغانمین. ويشكل عليه قول سعد في بداية الحديث: ((أخذ أبي من الخمس سيفاً)) فإنه يدل على أن الخمس كان مشروعاً حينئذٍ. وكذلك يشكل عليه ما روي أن النبيّ وَّر قال يوم بدر: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) وكان سعد قد قتل سعيد بن العاص، وأخذ سيفه، فكيف منعه النبيّ وَّر من سلب من قتله؟ وأيضاً، لما كانت الغنائم لم ينزل فيها حكم في أول الغزوة، فكيف جعل رسول الله وَّه السلب للقاتل؟. وأجاب شيخ مشايخنا السهار نفوري كثّفُ عن هذه الشبهات، فقال في بذل المجهود (١٢ : ٣٤٩): ((ويمكن أن يقال في الجواب عنه: إن الغنيمة كانت حراماً على الأمم السابقة، بل كانت النار تأتيها فتأكلها، وكانت هذه علامة القبول. وظن رسول الله صل# أن دينه وشريعته مبناه على ٤٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٥٣٢ - (٣٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). قَالاً: اليسر، والتشديدات التي كانت في الأمم السالفة لم تبق في أمته، فستحل الغنائم لأمته، ثم قد أشير إليه في قوله تعالى: ﴿فَقَائِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكْ وَحَرِّضِ الْؤْمِنِينَ﴾ [سورة النساء، آية: ٨٤]، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٦٥]. فحرض رسول الله ﴿ أصحابه في بدر بقوله: من قتل قتيلاً فله سلبه، على معنى أن يكون له سلبه بحكم الله تعالى إن شاء الله تعالى، وينتظر نزول الحكم بذلك. وسعد بن أبي وقاص حته سأله السيف قبل نزول الحكم في الغنيمة، فمنعه وَّه، ثم نزل حكمه في قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفَالِ﴾ [سورة الأنفال، آية: ١] الآية، بأنه مفوض إلى رأيه ◌َ ﴿، فجعله له، وكذلك كل من قتل قتيلاً أعطاه رسول الله پڼ سلبه له)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا الجواب مبني على صحة ما روي أنه وَل قر أعلن يوم بدر أن من قتل قتيلاً فله سلبه، ولكن اختار الإمام أبو بكر الجصاص تغلُّ في أحكام القرآن (٣: ٤٥) أنه ﴿ إنما أعلن ذلك يوم حنين، واستدل على ذلك بدلائل منها حديث الباب، وكذلك اختار أن الغنائم لم تكن يوم بدر على ما استقرت عليه بعد ذلك من عزل الخمس، وقسمة الباقي بين الغانمين، واستدل على ذلك بقوله: ((ويدل على أن قسمة غنائم بدر إنما كانت على الوجه الذي جعله النبيّ وَ ﴿ قسمتها، لا على قسمتها الآن: أن النبيّ وَّ قسمها بينهم بالسواء، ولم يخرج منها الخمس، ولو كانت مقسومة قسمة الغنائم التي استقرّ عليها الحكم لعزل الخمس لأهله، ولفضل الفارس على الراجل، وقد كان في الجيش فرسان: أحدهما للنبيّ وَّ، والآخر لمقداد، فلما قسم الجميع بينهم بالسوية علمنا أن قوله تعالى: قل ﴿الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة الأنفال، آية ١]، قد اقتضى تفويض أمرها إليه ليعطيها من يرى)). ويشكل على قول الجصّاص تقدّفُ لفظ (الخمس) في أول حديث الباب، ويمكن أن يجاب عنه بأن لفظ الخمس استعمل هنا بمعنى مطلق الغنيمة، والله سبحانه أعلم. قوله: (يسألونك عن الأنفال) اختلف علماء التفسير في المراد بالأنفال على أقوال آتية: ١ - إن المراد من الأنفال مطلق الغنائم، ومقصود الآية أن الأمر فيها مفوض إلى رأي الرسول وي* يصرفها على ما يرى. وعلى هذا، الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه إلخ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٤١] فإنّه فرض عزل الخمس، وقسمة الباقي فيما بين الغانمين، نعم بقي حكم الآية في الخمس فقط، فإن الأمر في صرفه موكول إلى رأي النبيّ و9َّ. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، كما في تفسير ابن کثیر (٢ : ٢٨٢). ٢ - وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن المراد من الأنفال الخمس، والأمر فيه موكول إلى ٤٥ كتاب: الجهاد والسّير حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ. أَصَبْتُ سَيْفاً فَأَتَّى بِهِ النَّبِيَّ نَ. فَقَّالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَقِّلْنِيهِ. فَقَالَ: ((ضَعْهُ)) ثُمَّ قَامَ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّرِ: ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)). ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: نَفْلْنِيهِ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: ((ضَعْهُ)) فَقَامَ. فَقَّالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَفْلْنِيهِ. أَأُجْعَلُ كَمَنْ لاَ غَنَّاءَ لَهُ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ نَّهِ: ((ضَعْهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ)) قَالَ: فَنَزَلَتْ هُذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَسْثَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. رأي النبيّ وَّته، فالآية محكمة منذ أول نزولها، ولم يجعل فيها الأمر إلى النبيّ وَّل في جميع الغنائم، وإنما جعل في حقّ الخمس خاصة. وعلى هذا، لا حاجة إلى القول بالنسخ، ولا إلى التأويل في لفظ (الخمس) في حديث الباب. ٣ - إن المراد من الأنفال الفيء، وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بدون قتال، والأمر فيه موكول إلى النبيّ ◌َّه، يصرفه كيف شاء، وكذلك الأئمة بعده عظلها، وهذا القول مروي عن عطاء بن أبي رباح. ٤ - إن المراد من الأنفال ما يخص به الإمام بعض المجاهدين بطريق الجائزة كقوله: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) وهي خارجة عن قسمة الغنيمة، وموكولة إلى رأي الإمام، وهو قول الحسن، واختاره ابن جرير. وهو عندنا إنما يكون قبل إحراز الغنيمة، وأما بعده فلا يجوز إلا من الخمس، لأنها صارت حقاً للغانمين، كما في أحكام القرآن للجصاص (٣: ٤٥). ٥ - إن المراد من الأنفال أنفال السرايا، وهي ما ينفّله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، مثل أن يبعث سريّة من الجيش الكبير لمهمة جزئية، فينفلها الإمام ربعاً بعد الخمس، أو ربعاً من جميع الغنيمة قبل التخميس، وهو قول الشعبي. وهذا أيضاً إنما يجوز عندنا إذا أعلن الإمام ذلك قبل إحراز الغنيمة. قوله: (نزلت في أربع آيات) لم يذكر هذا إلا واحدة، وذكرها المصنف بعد هذا في كتاب الفضائل، وهي برّ الوالدين، وتحريم الخمر، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُرِ الَّذِينَ﴾ [سورة الأنعام، آية: ٥٢] إلخ وآية الأنفال. ٣٤ - ( ... ) - قوله: (فأتى به النبيّ ◌َ $) عدول من التكلم إلى الغيبة، وفي نسخة: (فأتيت) كما في حاشية محمد ذهني. قوله: (نفّلنيه) يعني: أعطني إياه على طريق النفل. قوله: (أَأُجْعَلْ كمن لا غناء له) بفتح الغين، والمدّ، يعني: كفاية. قال الشيخ محمد ذهني في حاشيته على صحيح مسلم (٥: ١٤٦): ((أي: لا نفع، ولا كفاية له في الحرب، وكان ◌َالقول، كما ذكر في السراج المنير من كتب التفسير، شرط الغناء للتنفيل)). ٤٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٥٣٣ - (٣٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَّهِ سَرِيَّةً، وَأَنَا فِيهِمْ، قِبَلَ نَجْدٍ. فَغَنِمُوا إِلاً كَثِيرَةٌ. فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمُ اثْنَا عَشَرَ بَعِيراً. أَوْ أَحَدَّ عَشَرَ بَعِيراً. وَنُفْلُوا بَعِيراً بَعِيراً . ٤٥٣٤ - (٣٦) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ. وَفِيهِمُ ابْنُ عُمَرَ. وَأَنَّ سُهْمَانَهُمْ بَلَغَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً. وَنُقِلُوا، سِوَىْ ذُلِكَ، بَعِيراً. فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَه ـ ووقع في رواية أبي داود: ((فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يبل بلائي، فبينا أنا إذ جاءني الرسول، فقال: أجب، فظننت أنه نزل فيّ شيء بكلامي، فجئت، فقال لي النبيّ ◌َّ: إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي، ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك، ثم قرأ: يسألونك إلخ)». ثم قال الأبي: ((وإنما كرر السؤال مع منعه له، لأنه فهم أن المنع ليس على التحريم، ولو فهم ذلك لكان الأليق أن لا يكرر السؤال، ويبعد أن يكون وجه تكراره أنه فهم أنه وَّر لم يعلم كونه أغنى لشهرة أمره في الصحابة)). قلت: قد أخرج أحمد في مسنده (١: ١٨٠) عن سعد، قال: ((لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به نبيّ الله ◌َّر، قال: اذهب فاطرحه في القبض (بفتحتين، بمعنى المقبوض من الغنيمة)، قال: فرجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي، وأخذ سلبي)) وهذا - على كونه ضعيف الإسناد، كما حققه أحمد شاكر في تعليقه (٣: ١٥٥٥، رقم: ١٥٥٦) - يبيّن عذراً لسعد رضيُه في إصراره على السؤال، والله أعلم. ٣٥ - (١٧٤٩) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، (رقم: ٣١٣٤)، وفي المغازي، باب السرية قبل نجد، (رقم: ٤٣٣٨)، ومالك في الموطأ، في الجهاد، باب جامع النفل في الغزو، وأبو داود في الجهاد، باب في نفل السرية تخرج من العسكر، (رقم: ٢٧٤١ إلى ٢٧٤٦). ٣٦ - ( ... ) - قوله: (وأنّ سهمانهم بلغت اثني عشر بعيراً) الذي يظهر من مجموع الروايات في هذا الباب أن رسول الله وَلل بعث جيشاً، فخرجت من الجيش سريّة قبل نجد، فأصابوا نعماً، فأعطى أمير السريّة كل واحد من رفاقه بعيراً بعيراً كنفل للسريّة، وأتوا بالباقي إلى الجيش، فقسمت الإبل حينئذٍ على أصحاب الجيش، فأعطي كل واحد منهم اثني عشر بعيراً كسهم له، وأقرّ رسول الله وَّله ما أعطاه أمير السريّة أصحابه، فحصل لكل واحد منهم بعير واحد زائداً على قدر السّهام المقسومة بين سائر الجيش. ٤٧ كتاب: الجهاد والسّير ٤٥٣٥ - (٣٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ. فَخَرَجْتُ فِيهَا. فَأَصَبْنَا إِيلاً وَغَنَماً. فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً، اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً. وَنَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَعِيراً، بَعِيراً . ويظهر هذا من رواية ابن إسحاق عند أبي داود، ولفظها: ((بعث رسول الله وَّر سرية إلى نجد، فخرجت معها، فأصبنا نعماً كثيراً، فنفّلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، ثم قدمنا على رسول الله وَ﴿، فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منّا اثني عشر بعيراً بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله وَّر بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله)). وأخرجه أبو داود قبله من طريق شعيب بن أبي حمزة عن نافع، وفيه: ((بعثنا رسول الله وَله في جيش قبل نجد، وانبعث سرية من الجيش، فكان سِهْمَانُ الجيش اثني عشر بعيراً اثني عشر بعيراً، ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر)). ٣٧ - ( ... ) - قوله: (ونفّلنا رسول الله (وَ ل﴾ بعيراً بعيراً) ظاهره مخالف لرواية أبي داود، فإنها صريحة في أن الذي نفلهم هو أمير السريّة، ويمكن الجمع بينهما أن النبيّ وَّ لما قرّر فعل أمير السرية، نسب التنفيل إليه ويتر، ويؤيده ما ورد في الرواية السابقة من قول ابن عمر: ((فلم يغيّره رسول الله (چ)). ودل الحديث على أن الجيش إذا انفرد منه قطعة، فغنموا شيئاً، كانت الغنيمة للجميع، غير أن تلك القطعة تعطى نفلاً، وقد أخرج أبو داود عن حبيب بن مسلمة الفهريّ يقول: ((شهدت النبيّ وَّه نفّل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة)) وبمثله أخرج الترمذيّ. ومراده أن السرية إذا انفصلت عن الجيش في بداية الغزو، فإنّها تنفّل ربع ما غنمت بعد الخمس، وإن انفصلت في نهاية الغزو، نفّلت بثلث ما غنمت، بعد إخراج الخمس، لأنّ السير للجهاد في نهاية الغزو أشقّ، ٢ فالنفل أكثر. ثم إن الجيش إنما يشارك السريّة في غنيمتها إذا كانوا خارجين إلى بلاد العدوّ، قريباً من السرية، يلحقها عونهم إذا احتاجوا. فأما الجيش القاعد في بلاد الإسلام، فلا يشارك السرية في ما غنمت، وإنما تنفرد السرية بجميعه، هذا ملخص ما في فتح الباري (٦: ٢٤٠). واختلف العلماء في محل النفل: هل هو من أصل الغنيمة، أو من أربعة أخماسها، أو من خمس الخمس؟ وهي ثلاثة أقوال للشافعي، وبكل منها قال جماعة من العلماء، والأصح عند الشافعية أنه من خمس الخمس كما صرح به النووي، والحكم عند الحنفية أن الإمام إن أعلن بالتنفيل قبل إحراز الغنيمة فإنه يعطيه من الأربعة الأخماس وإن لم يعلن به قبل الإحراز، أعطاه من الخمس، كذا في أحكام القرآن للجصاص. ٤٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٥٣٦ - (٠٠٠) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. ٤٥٣٧ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو الرَّبِيع وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعِ أَسْأَلُهُ عَنِ النَّقَلِ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ. حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبَّدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجَ. أَخْبَرَنِي مُوسَى. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَنَّلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُّ زَيْدٍ. كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. ٤٥٣٨ _ (٣٨) وحدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ (وَاللَّفْظُ لِسُرَيْج). قَالاً: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: نَفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ نَفَلاَ سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الْخُمْسِ. فَأَصَابَنِي شَارِفٌ. (وَالشَّارِفُ الْمُسِنُّ الْكَبِيرُ). ٤٥٣٩ - (٣٩) وحدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَهُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. كِلاَهُمَا عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: نَقَّلَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ سَرِيَّةً بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ رَجَاءٍ. ٤٥٤٠ - (٤٠) وحدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. ٣٨ - (١٧٥٠) - قوله: (سريج بن يونس) بالسين المضمومة، في آخره جيم، مصغراً، وهو من رواة الشيخين، ثقة ثبت، وثقه أبو داود، وابن معين وغيره. وقال حامد بن شعيب: سمعت سريجاً يقول: كنت ليلة فوق المشرعة، فسمعت صوت ضفدع، فإذا ضفدع في فم حية، فقلت: سألتك بالله إلّ خليتها، فخلاًّها)) كذا في التهذيب (٣: ٤٥٨). قوله: (حدثنا عبد الله بن رجاء) هو من ثقات أهل البصرة، فانتقل إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها، وسئل عنه أحمد، فَحَسَنَ أمره، وعنه في رواية أخرى: أن عنده مناکیر، ذهبت کتبه، فكان يكتب من حفظه، أخرج عنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وراجع التهذيب (٥: ٢١١). قوله: (نفلاً) بفتح النون والفاء، وحكي إسكان الفاء أيضاً، ذكره النووي. قوله: (فأصابني شارف) وهو الجمل المسنّ. يحتمل أن تكون واقعة هذا الحديث عين واقعة الرواية السابقة، ويحتمل أن تكون غيرها، ويؤيد الأول أن ابن الأثير الجزري جعل كلا الحديثين واحداً، فذكرهما في سياق حديث واحد، راجع جامع الأصول (٢: ٦٨١، رقم ١١٧٩). ٤٩ كتاب: الجهاد والسير قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَدْ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا. لأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً. سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ، وَالْخُمْسُ فِي ذُلِكَ، وَاجِبٌ، كُلِّهِ. (١٣) - باب: استحقاق القاتل سلب القتيل ٤٥٤١ - (٤١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ الأَنْصَارِيِّ. وَكَانَ جَلِيساً لأَبِي قَتَادَةً. قَالَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. ٤٥٤٢ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ. وسَاقَ الْحَدِيثَ. ٤٠ - ( ... ) - قوله: (قد كان ينفّل) جعله ابن الأثير جزء من الحديث السابق أيضاً، وأخرجه البخاري في الجهاد بعد الرواية السابقة (رقم: ٣١٣٥) وأبو داود في نفس باب الرواية السابقة. قوله: (والخمس في ذلك واجب كله) هذه الجملة لم يذكرها البخاري في صحيحه، والظاهر أنه من قول ابن عمر، كذا في بذل المجهود (١٢: ٣٥٨). ودل الحديث على أن النّفل إنما يعطى بعد التخميس، وهو مذهب الحنفية إذا أعلن الإمام ذلك قبل إحراز الغنيمة، كما مرّ. (١٣) - باب إستحقاق القاتل سلب القتيل ٤١ - (١٧٥١) - قوله: (عن عمر بن كثير بن أفلح) يعني: المدني، مولى أبي أيوب الأنصاري وظُبه، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات من أتباع التابعين، فكأنه لم يثبت عنده رؤية أحد من الصحابة، والمعروف أنه روى عن كعب بن مالك، وابن عمر، وسفينة، وأخرج له الشيخان كذا في التهذيب (٧: ٤٩٣). قوله: (عن أبي محمد الأنصاري) اسمه: نافع بن عباس بن الأقرع، يقال له مولى أبي قتادة، كما في الرواية الآتية، ولم يكن مولى له في الواقع، وإنما كان جليساً له، كما في هذه الرواية. ويقال له مولى عقيلة الغفارية، ومولى بني غفار أيضاً، وعَدَّهُ ابن حبان وابن شاهين في الثقات، وقال أحمد: معروف، كذا في التهذيب (١٠ : ٤٠٦). قوله: (واقتصّ الحديث) يعني: الحديث الآتي بعد رواية واحدة، وهذا غريب من عادة مسلم، وراجع شرح النووي. ( ... ) - قوله: (عن أبي قتادة) يعني: الأنصاري السلمي، فارس رسول الله وَل*، اسمه: ٥٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٥٤٣ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحّ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّ عَامَ حُنَيْنٍ. فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَجُلاً مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلاَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاسْتَدَرْتُ إِلَيْهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ. فَضَرَبْتُهُ عَلَىْ حَبْلِ عَاتِهِ. وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ. ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ. فَأَرْسَلَّنِي. فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حارث بن ربعيّ (بكسر الراء)، صحابي معروف، شهد أحداً وما بعدها، مات بالكوفة سنة أربع وخمسين، كما في التهذيب (١٢: ٢٠٤). وحديثه هذا: أخرجه البخاري في المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيِّنٌ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ (رقم: ٤٣٢١ و٤٣٢٢)، وفي البيوع، باب بيع السلاح في الفتنة، (رقم: ٢١٠٠)، وفي الجهاد، باب من لم يخمس الأسلاب، (رقم: ٣١٤٢)، وفي الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم (رقم: ٧١٧٠)، وأخرجه مالك في الموطأ، باب ما جاء في السلب في النفل، وأبو داود في الجهاد، باب السلب يعطى القاتل (٢٧١٧). (٠٠٠) - قوله: (عام حنين) وستأتي قصة غزوة حنين في باب مستقل إن شاء الله تعالى. قوله: (كانت للمسلمين جولة) بفتح الجيم وسكون الواو، أي: حركة فيها اختلاف، والمراد الانهزام والخيفة، وهذا إنما كان في بعض الجيش، وأما رسول الله (ص ليه وطائفة معه، فلم يولوا، والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة سيأتي بيانها في مواضعها . قوله: (قد علا رجلاً من المسلمين) يعني: ظهر عليه، وأشرف على قتله، أو صرعه، وجلس عليه لقتله . قوله: (فضربته) ظاهر هذه الرواية أن ضمير المفعول راجع إلى ذلك الكافر الذي يقاتله، ولكن وقع في رواية الليث عند البخاري في المغازي: ((نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني، وأضرب يده فقطعتها))، فتبين من هذه الرواية أن الضمير في قوله: ((ضربته)) هنا إلى الرجل الثاني الذي كان يختله. كذا في فتح الباري (٨: ٣٧). قوله: (على حبل عاتقه) حبل العاتق: عصبه، والعاتق: موضع الرداء من المنكب، وعرف منه أن قوله في رواية الليث الماضية آنفاً: ((فأضرب يده، فقطعتها)) المراد باليد فيها الذراع والعضد إلى الكتف. قوله: (فلحقت عمر بن الخطاب) وقع لههنا اختصار، وتفصيله في رواية الليث عند ٥١ كتاب: الجهاد والسّير فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ؟ فَقُلْتُ: أَمْرُ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا. وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لَهُ عَلَيْهِ بَيْنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ)) قَالَ: فَقُمْتُ. فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ مِثْلَ ذُلِكَ. فَقَالَ فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ ذُلِكَ، الثَّالِئَةَ. فَقُمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟)) فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَبُ ذُلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي. فَأَرْضِهِ مِنْ حَقِّهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصُّدِّيقُ: لاَهَا اللَّهِ! إِذاً البخاري، ولفظها: ((ثمّ أخذني، فضمّني ضمّاً شديداً حتى تخوفت، ثم برك فتحلّل، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس)). قوله: (فقال: ما للناس؟) يعني: ماذا حدث بهم حيث انهزموا؟. قوله: (فقلت: أمر الله) يعني: إنما حدث ذلك بأمر الله وبقضائه. ووقع في هذه الرواية أن السؤال وقع من عمر بن الخطاب، والجواب من أبي قتادة، ووقع في رواية البخاري في المغازي عكسه، ولفظها: ((فقلت له: ما شأن الناس؟ فقال: أمر الله)). ولعله من تصرف الرواة، ولا سبيل إلى الجزم بصحة إحدى الروايتين، ولا حاجة داعية لذلك. قوله: (من قتل قتيلاً له بينة) سيأتي الكلام على المسألة الفقهية المتعلقة بهذا في آخر شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى. قوله: (من يشهد لي؟) وفي رواية الليث عند البخاري: ((فلم أر أحداً يشهد لي))، وذكر الواقدي أن عبد الله بن أنيس شهد له، فإن كان ضبطه احتمل أن يكون وحده في المرة الثانية، كذا في فتح الباري. قوله: (فقال رجل من القوم) قال الحافظ: ((وذكر الواقدي أن اسمه أسود بن خزاعي، وفيه نظر، لأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السّلب قرشي))، وسيأتي في رواية الليث: ((لا يعطيه أصيبغ من قريش)) قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الذي يظهر من النسخة المطبوعة لمغازي الواقدي (٣: ٩٠٨) أنه لم يسمّ صاحب السّلب أسود بن الخزاعيّ، وإنما ذكر أنه كان شاهداً آخر لأبي قتادة، ولفظه: ((فقام عبد الله بن أنيس فشهد لي، ثم لقيت الأسود بن الخزاعيّ، فشهد لي، وإذا صاحبي الذي أخذ السلب لا ينكر أني قتلته)). قوله: (فأرضه منه) وفي رواية الكشمهيني لصحيح البخاري: ((فأرضه منّي)) والضمير على الأول في قوله: (منه) راجع إلى السلب. والمراد أنّ أحبّ أن يبقى ذلك السلب عندي، فأرضٍ يا رسول الله أبا قتادة، ليتنازل لي عن سلبه . قوله: (لاها الله إذا) قد مر تفسير هذه الجملة في شرح حديث بريرة في كتاب العتق (تكملة ١: ٢٨٥) والحاصل، أن هذا من ألفاظ القسم، كأنه قال: ((لا والله إذن)) فيجعلون الهاء مكان ٥٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لاَ يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((صَدَقَ. فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ)) فَأَعْطَانِي. قَالَ: فَبِعْتُ الدُّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفاً فِي بَنِي سَلِمَةَ. فَإِنَّهُ لِأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ. الواو، وذلك أن العرب تقول في القسم: ((الله! لأفعلن)) بمد الهمزة، وبقصرها، وبحذف حرف الواو فكأنهم عوّضوا عن الهمزة (ها)، فقالوا: (ها الله) لتقارب مخرجيهما. ثم المعروف عند أهل العربية في مثل هذا القسم: ((لاها الله ذا)) على أن اللفظ الأخير اسم إشارة، والمراد: هذا قسمي. ولكن المعروف في روايات الحديث ((لاها الله إذًا)) بالتنوين، وغلّط بعض العلماء، كالخطابي، رواية هؤلاء الرواة، ولكن ردّ عليه الحافظ في الفتح (٨: ٣٧ إلى ٣٩) بما لا مزيد عليه، فراجعه إن شئت. والحاصل أن مراد أبي بكر الصديق ظه: لا والله، إذن لا يعمد رسول الله وَلقر إلخ. قوله: (لا يعمد إلى أسد) إلخ: أي: لا يقصد رسول الله وَلجر إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة يقاتل عن دين الله ورسوله، فيأخذ حقّه، ويعطيكه بغير طيبة من نفسه . وقد ضبطه بعض المحدثين، كالنووي، ((لا نعمد)) و((فنعطيك)) بالنون على صيغة المتكلم وكلاهما صحيح في المعنى. وقد وقع في حديث أنس عند أحمد أن الذي خاطب النبيّ ◌َّ ه بذلك عمر، ولفظه: ((فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسده، ويعطيكها))، ولكن قال الحافظ في الفتح: ((الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر، كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره. ويحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضاً قال ذلك تقوية لقول أبي بكر، والله أعلم)). وفي هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق في إفتائه بحضرة النبيّ وَطّر، وتصديق النبي ظلّ في ذلك، وفيه منقبة ظاهرة لأبي قتادة، فإنه سمّاه أسداً من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله، وصدقه النبيّ ◌َّر، كذا في شرح النووي. قوله: (فابتعت به) ذكر الواقدي في ومغازيه (٣: ٩٠٩) أن الذي اشتراه منه حاطب بن أبي بلتعة، وأن الثمن كان سبع أواقي. قوله: (مخرفاً) بفتح الميم والراء، وقيل: بكسر الراء، أي: بستاناً، سمي به لأنه يخترف منه الثمر، أي: يجتني، وذكر الواقدي أن البستان المذكور كان يقال له الرّديني. قوله: (في بني سلمة) بفتح السين، وكسر اللام، بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة، كما في فتح الباري. : قوله: (تأثلته) أي: أصلته، وأثلة كل شيء: أصله، وقد مرّ في باب الوقف. ٥٣ كتاب: الجهاد والسّير وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَلاَّ لاَ يُعْطِيهِ أُضَيْبِعَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعُ أَسَداً مِنْ أُسُدِ اللهِ. قوله: (أصيبغ) ضبطه بعضهم بالصاد المهملة والغين المعجمة، وهو نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف يقال له: ((الصبغاء))، ذكر ذلك الخطابي، والمراد بيان ضعف صاحب السلب. وضبطه الآخرون بالضاد المعجمة والعين المهملة، وهو تصغير (ضبع) على خلاف القياس، فكأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد، صغر خصمه وشبهه بالضبع، لضعف افتراسه، وما يوصف به من العجز، وقال ابن مالك: يكنى به عن الضعيف. هذا ملخص ما في شرح النووي، وفتح الباري. مسألة السلب للقاتل: احتج الشافعي تلفُ بحديث الباب على أن سلب المقتول من الكفار حق مستحق لقاتله شرعاً، وبه قال الأوزاعي، والليث، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٤٢٦). ثم قال الأوزاعي: إن السلب يخمس كالغنيمة، ثم يعطى للقاتل، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال إسحاق: إن استكثره الإمام خمّسه، وإن استقلّه لم يخمسه، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ظه، وقال الشافعي: لا يخمس السلب أبداً، وإنما يعطاه القاتل بأجمعه، كذا في زاد المعاد (٢: ١٩٦) ثم عند الشافعية في ذلك شروط وتفاصيل راجع لها نهاية المحتاج للرملي (٦: ١٤٢ إلى ١٤٤). وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري، وأحمد في رواية: إن السّلب لا يكون للقاتل إلا بطريق التنفيل من الإمام، على اختلاف بينهم في طريق التنفيل المشروع، فقال أبو حنيفة: إنما يجوز التنفيل إذا شرط الإمام ذلك قبل إحراز الغنيمة، كما أسلفنا عن الجصاص تكلّفُ في الباب السابق، وقال مالك تخلفُ: لا يجوز التنفيل إلا بعد إحراز الغنيمة وانقضاء الحرب، لأن شرط النفل قبل بدء القتال يوجب أن يكون القتال للدنيا، كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٤١٢ و ٤٢٧). وقال ابن القيّم تَثُ في زاد المعاد (٢: ١٩٤) بعد حكاية الخلاف في المسألة: ((ومأخذ النزاع أن النبيّ 18 كان هو الإمام، والحاكم، والمفتي، وهو الرسول، فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة، فيكون شرعاً عاماً إلى يوم القيامة، كقوله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ) .... وقد يقول بمنصب الفتوى كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد شكت إليه شح زوجها، وأنه لا يعطيها ما يكفيها: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)»، فهذه فتيا لا حكم، إذ لم يدع بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، ولاسألها البينة. وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال، فيلزم من الأئمة مراعاة ٥٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَلْتُهُ. ٤٥٤٤ - (٤٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاحِشُونِ، عَنْ ذلك حسب المصلحة التي راعاها النبيّ وَ ليه زماناً، ومكاناً، وحالاً، ومن هنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عنه بَ ﴿ كقوله وَّر: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) هل قاله بمنصب الإمامة؛ فيكون حكمه متعلقاً بالأئمة، أو بمنصب الرسالة والنبوة؟ فيكون شرعاً عاماً)). واستدل الحنفية على أن النبيّ وَّر قاله بمنصب الإمامة بروايات آتية: ١ - عن ابن عباس فيها، قال: ((السلب من النفل، والفرس من النفل، وفي النفل الخمس)) أخرجه أبو عبيد في الأموال (ص: ٣٠٤) وسنده صحيح، والطحاوي في معاني الآثار له (٢: ١٣٣)، كذا في إعلاء السنن (١٢: ٢٧٥)، وراجعه للتفصيل. ٢ - عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال: ((أتيت النبيّ وَّر، وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله! لمن المغنم؟ قال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم، فقلت: فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السّهم يأخذه أحدكم من جنبه، فليس هو بأحق به من أخيه)) أخرجه الطحاوي (٢: ١٣٢)، وسنده صحيح، وأخرجه أبو عبيد في الأموال (ص: ٣٠٥) أطول منه، وقال المحشي: وذكره ابن كثير في تفسيره، وقال: رواه الإمام البيهقي لإسناد صحيح. كذا في إعلاء السنن. ٣ - سيأتي عند المصنف في هذا الباب حديث عوف بن مالك، وفيه أن النبيّ وَّ نهى خالد بن الوليد رضيه في الأخير أن يعطي السلب للحميري، فلو كان السّلب حقاً مستحقاً للقاتل لما منعه منه . ٤ - سيأتي قريباً أن أبا جهل قتله غلامان من الأنصار، ولكن رسول الله * قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح فقط، ونفّل سيفه ابن مسعود ﴿به، كما رواه أبو داود، مع أن ابن مسعود أدرك أبا جهل بعد الإثخان، وكان به رمق، فأجهز عليه، والشافعية في مثل هذا يقضون بالسلب للمثخن، فتبيّن أن كل ذلك كان تنفيلاً، لا حقاً مستحقاً للقاتل شرعاً. ثم إن عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْ أَنَّمَا غَيِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٤١] يدل على أن الغنائم لا يستحق فيها شرعاً إلا الخمس لبيت المال، والأربعة الأخماس للغانمين، وإن زيادة السلب للقاتل زيادة بخبر الواحد على كتاب الله، ولا تجوز عند الحنفية، فيستعمل كل من الآية والحديث على جهته، فنقول: إن السلب ليس حقاً مستحقاً للأبد، وإنما هو نفل من الإمام، والله سبحانه أعلم. ٤٢ - (١٧٥٢) - قوله: (يوسف بن الماجشون) اسمه: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، والماجشون: بفتح الجيم، وقيل: بتثليثها، لقب لأبي سلمة، وهو معرب ((ماكون)) ٥٥ كتاب: الجهاد والسّير صَالِحٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ. نَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي. فَإِذَا أَنَا بَيْنَ غُلاَمَيْنٍ مِنَ الأَنْصَارِ. حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا. تَمَنَّيْتُ لَوْ كُنْتُ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا. فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا. فَقَالَ: يَا عَمِّ، هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ؟ يَا ابْنَ أَخِي! قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا. قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ. فَغَمَزَنِي الآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا. قَالَ: باللغة الفارسية، ومعناه: شبيه القمر، سمي به لحمرة وجنتيه، كذا في المغني (ص: ٢١٩)، وقيل: إنه معرب ((ميير كَون)) يعني: شبه الخمر، قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: إذا سمي الماجشون لأن وجنتيه كانتا حمراوين، فشبه وجنتاه بالخمر، وسئل أحمد بن حنبل: كيف لقب الماجشون؟ فقال: تعلق من الفارسية بكلمة إذا لقي الرجل يقول: ((شوني شوني))، فلقب الماجشون، وقال ابن سعد: سمي بذلك هو وولده، يعرفون جميعاً بالماجشون، وقال غيره: جرى هذا اللقب عليه، وعلى أهل بيته، وبني أخيه. كذا في تهذيب الكمال للمزي (٥: ٤٢٠) ترجمة عبد العزيز الماجشون. ويوسف بن الماجشون هذا ثقة أخرج عنه الجماعة إلا أبا داود، وكان يرخص في السماع، مات (سنة: ٨٤هـ أو ٨٥هـ) كذا في تهذيب التهذيب (١١: ٤٣٠). قوله: (عن عبد الرحمن بن عوف) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب من لم يخمس الأسلاب، (رقم: ٣١٤١)، وفي المغازي، باب شهود الملائكة بدراً، (وهو بعد باب فضل من شهد بدراً) (رقم: ٣٩٨٨)، واختصره جداً في باب قتل أبي جهل، (رقم: ٣٩٦٤). قوله: (حديثه) بالجر صفة للغلامين، و(أسنانهما) مرفوع، لأنه فاعل (حديثه). قوله: (بين أضلع منهما) كذا للأكثر، وهو بفتح الهمزة، وسكون الضاد، وفتح اللام، على وزن أفعل من الضلاعة، وهي القوة، يقال: اضطلع بحمله: أي: قوي عليه، ونهض به، كذا في عمدة القاري (١٥: ٦٦). وضبطه الحافظ في الفتح (٦: ٢٤٨) بضم اللام، وذكر أنه جمع ضلع، ولم أعرف وجهه بيقين، ولعل مراده أني تمنيت لو كنتُ أنا بين أضلاع هذين الغلامين، يعني: كنت نفسهما، وذلك لما رأى من نجدتهما، وغيرتهما على الله ورسوله، والله أعلم، ولكن هذا الوجه بعيد، وما ذكره العيني رحمه الله أقرب، وهو الظاهر من كلام النووي، وابن الأثير في جامع الأصول (٨: ١٩٥). وقد روي في بعض الروايات: ((بين أصلح منهما))، ولكن رجح المحدثون الرواية الأولى. قوله: (لا يفارق سوادي سواده) السواد: الشخص، وأصله أن الشخص يُرى على البعد أسود، يعني: لا يفارق شخصي شخصه، كذا في عمدة القاري. قوله: (حتى يموت الأعجل منّا) أي: الأقرب أجلاً، يعني: أنه يلازمه، ولا يتركه حتى ٥٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ. فَقُلْتُ: أَلاَ تَرَيَانٍ؟ هُذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلاَنِ عَنْهُ. قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ، فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَّيْهِمَا، حَتَّى قَتَلاَهُ. ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى يقع الموت بأحدهما. وإن هذا الكلام يدل على وفور عقل قائله، ونظره في العواقب، واحتياطه عن الاسترسال في إبداء شجاعته، فإن مقتضى الغضب والعاطفية أن يقول: حتى أقتله، لكنه احتاط، فلم يجزم بموت خصمه، لأن العاقبة لا يعرفها أحد، فما أحسنه أدباً، إذ جمع بين الغيرة، والنجدة، والحزم، والصدق، قوله: (فلم أنشب) أي: فلم ألبث. يقال: نشب بعضهم في بعض، أي: دخل وتعلق، ونشب في الشيء: إذا وقع فيما لا مخلص له منه. ولم ينشب أن فعل كذا: أي: لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره، ولا بسواء. كذا في عمدة القاري. قوله: (يزول في الناس) وفي رواية للبخاري في الجهاد: ((يجول في الناس)) ومعناهما واحد، أي: يضطرب في مواضع، ولا يستقر على حال. قوله: (فابتدراه) وفي رواية للبخاري في المغازي: ((فشدّا عليه مثل الصقرين)). قوله: (حتى قتلاه) وقد روى ابن إسحاق قصة قتل أبي جهل عن معاذ بن عمرو بن الجموح نفسه، قال: ((سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (وهي الشجر الملتف، يعني: كان في جمع من الناس يلتفون حوله) فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنّت (بتشديد النون بوزن (أقلّت) يعني: قطعت) قدمه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت يعني: ذهبت إلا بالنواة تصيح من تحت مرضخة النوى (وهي الآلة التي يدق بها النوى للعلف) حين يضرب بها. وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي وإنّي لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها)). ثم قال ابن إسحاق: ((ثم مر بأبي جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق .... فمر عبد الله بن مسعود بأبي جهل حين أمر رسول الله وَ ر أن يلتمس في القتلى .... قال عبد الله بن مسعود: فوجدته بآخر رمق، فعرفته، فوضعت رجلي على عنقه)) كذا في سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيلي (٢: ٧٢). وقصة قتل ابن مسعود إيّاه رواها الواقدي في مغازيه (١: ٨٩) ببسط، فقال: ((ولما وضعت الحرب أوزارها أمر رسول الله ◌َ و أن يلتمس أبو جهل. قال ابن مسعود: فوجدته في آخر رمق، فوضعت رجلي على عنقه، فقلت: الحمد لله الذي أخزاك! قال: إنما أخزى الله عبد ابن أم عبد! لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم، لمن الدائرة؟ (يعني: لمن وقع الفتح؟) قلت: لله ولرسوله. قال ابن مسعود: فأقتلع بيضته عن قفاه، فقلت: إنّي قاتلك يا أبا جهل! قال: لست ٥٧ كتاب: الجهاد والسّير رَسُولِ اللَّهِ ،وَهِ. فَأَخْبَرَاهُ. فَقَالَ: ((أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟)) فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُ. فَقَالَ: ((هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟)) قَالاَ: لاَ. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: ((كِلاَكُمَا قَتَلَهُ)) وَقَضَى بِسَلَبِهِ لِمُعَاذٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. (وَالرَّجُلاَنِ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو ابْنِ الْجَمْوحِ وَمُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ). ٤٥٤٥ - (٤٣) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بأوّل عبد قتل سيّده! أما إن أشدّ ما لقيته اليوم في نفسي لقتلك إيّاي، ألاّ يكون ولي قتلي رجل من الأحلاف أو من المطيّبين! فضربه عبد الله ضربة، ووقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فلما نظر إلى جسده، نظر إلى حصره (جمع الحصير، وهو جنب الجسم) كأنّها السّياط (يعني: كان بجسده آثار ضربات السياط) وأقبل بسلاحه ودرعه وبيضته، فوضعها بين يدي رسول الله وَالآتى، فقال: أبشر يا نبيّ الله بقتل عدو الله أبي جهل! فقال رسول الله وَلّر: أحقاً يا عبد الله! فوالذي نفسي بيده! لهو أحبّ إليّ من حمر النعم، أو كما قال. قال: وذكرت للنبيّ وَّر ما به من الآثار (يعني: آثار ضربات السياط) فقال: ذلك ضرب الملائكة، وقال رسول الله وَالقول: قد أصابه جحش (يعني: قشر الجلد) من دفع دفعته في مأدبة ابن جدعان، فجحشت ركبته، فالتمسوه، فوجدوا ذلك الأثر)). قوله: (فقال كل واحد منهما: أنا قتلت) وصدق كل واحد منهما لاشتراكهما في قتله، المراد من القتل الإثخان، وإلا فقد ثبت أن الذي أجهز عليه في الأخير هو عبد الله بن مسعود رضيبه . قوله: (فنظر في السّيفين) ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما، ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول، ليستدل به على حقيقة كيفية قتلهما، ولذلك سألهما أولاً، هل مستحتما سيفيكما؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين الأمر، فلما رأى السيفين تبين أن المثخن معاذ بن عمرو. قوله: (كلا كما قتله) قال العيني: ((إنما قال ذلك وإن كان أحدهما أثخنه تطييباً لقلب الآخر من حيث أن له مشاركة في القتل)) وهو الظاهر من السياق، ولذلك خصّ معاذاً بالسّلب. وبه يظهر أن ما استدل به الطحاوي على أن السلب ليس حقاً مستحقاً للقاتل، وإلاّ لقسم السلب بينهما، ليس بقويّ، لأن السلب إنما يكون للمثخن، فلما تبين له ولو أن المثخن معاذ بن عمرو خصه بالسلب. نعم! يستدل على ذلك بأنّه وَ ﴿ نفّل ابن مسعود سيف أبي جهل، كما رواه أبو داود وأحمد، مع أنه لم يكن مثخناً، وكان معاذ يستحقه بالإثخان، فلمّا أعطاه ابن مسعود رقپئه، ظهر أن السلب لا يستحقه المثخن كحق شرعي له، وإنما يستحقه على طريق التنفيل، والله أعلم. قوله: (معاذ بن عفراء) اضطربت الروايات في تسميته، فوقع في بعضها ((معاذ»، وفي الأخرى ((معوذ)) وعفراء أمه، واسم أبيه الحارث، وراجع للتفصيل عمدة القاري: (١٥: ٦٧). ٥٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرِّ رَجُلاً مِنَ الْعَدُوِّ. فَأَرَادَ سَلَبَهُ. فَمَنَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. وَكَانَ وَالِياً عَلَيْهِمْ. فَأَتَىْ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ. فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لِخَالِدٍ : ((مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ؟)) قَالَ: اسْتَكْثَرْتُهُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: ((ادْفَعْهُ إِلَيْهِ)) فَمَرَّ خَالِدٌ بِعَوْفٍ فَجَرَّ بِرِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْجَزْتُ لَكَ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ؟ فَسَمِعَهُ ٤٣ - (١٧٥٣) - قوله: (عن عوف بن مالك) أخرجه أيضاً أبو داود في الجهاد، باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى، والفرس ولا سلاح من السلب، (رقم: ٢٧١٩ و٢٧٢٠)، وأحمد في مسنده (٦: ٢٦)، والبغوي في شرح السنة (١١: ١٠٩). وعوف بن مالك هو الأشجعي الغطفاني ﴿ه، أسلم عام خيبر، ونزل حمص، وشهد الفتح، وكان معه راية أشجع، وآخى النبيّ وَّهِ بينه وبين أبي الدرداء، وقد أخرج أبو عبيد في الأموال أن عمر بن الخطاب رؤيته لما قدم الشام غضب عليه في يهودي مشجوج مضروب شكا إليه بأن عوف بن مالك ضربه، فاعتذر إليه عوف بأن ذلك اليهودي كان يسوق بامرأة مسلمة، فدفعها إلى الأرض فغشيها، وشهد على ذلك زوج المرأة وأبوها، فصلب عمر اليهودي، وكان أول مصلوب في الإسلام. راجع الإصابة (٣: ٤٥). قوله: (قتل رجل من حمير) يعني: في غزوة مؤتة. وتفصيل القصة ما أخرجه أبو داود، فلنحكه بلفظه: ((عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مدديّ (يعني: من جاء لمدد العسكر) من أهل اليمن، ليس معه غير سيفه. نحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المدديّ طائفة من جلده، فأعطاه إيّاه، فاتخذه كهيئة الدرق. ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب وسلاح مذهب. فجعل الرومي يفري (يعني يبالغ في النكاية والقتل) بالمسلمين، فقعد له المدديّ خلف صخرة، فمر به الروميّ، فعرقب فرسه فخر، وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه. فلما فتح الله عز وجل للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ منه السلب، قال عوف: فأتيته، فقلت: يا خالد! أما علمت أن رسول الله وَ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى ولكني استكثرته، قلت: لتردنّه إليه، أو لأعرفنكها عند رسول الله وَلقره، فأبى أن يردّ عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول اللّه ◌َاظهر، فقصصت عليه قصة المدديّ وما فعل خالد)» ثم ذكر الحديث. قوله: (استكثرته) يعني: رأيته كثيراً، فرأيت من المصلحة أن لا ينفرد به رجل. قوله: (هل أنجزت لك) إلخ: يعني: هل وفيت لك ما وعدتك به، من شكاية فعلك إلى رسول الله وَالله؟ ٥٩ كتاب: الجهاد والسّير رَسُولُ اللّهِ بِهِ فَاسْتُغْضِبَ. فَقَالَ: ((لاَ تُعْطِهِ. يَا خَالِدُ! لاَ تُعْطِهِ. يَا خَالِدُ! هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؟ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلَهُمْ كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتُرْعِيَ إِلاَ أَوْ غَنَماً فَرَعَاهَا. ثُمَّ تَحَيَّنَ سَقْيَهَا. فَأَوْرَدَهَا حَوْضاً. فَشَرَعَتْ فِيهِ. فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وَتَرَكَتْ كِذْرَهُ. فَصَفْوُهُ لَكُمْ وَكِدْرُهُ عَلَيْهِمْ)) . ٤٥٤٦ - (٤٤) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ. قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةً، فِي غَزْوَةٍ مُؤْتَّةً. وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ بِنَحْوِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لهِ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟ قَالَ: بَلَى. وَلُكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ. قوله: (فاستغضب) بضم التاء، على البناء للمجهول، يعني: حمله ذلك الفعل على الغضب. قوله: (هل أنتم تاركون لي أمرائي) قال القاضي: ((فيه ما يلزم من ترك الطعن على الأمراء، وبرّهم وتوقيهم، وترك التعرض لمساءتهم)) كذا في شرح الأبي (٥: ٦٨). قوله: (فشربت صفوه وتركت كدره) الصَّفو بفتح الصاد: الخالص من الماء، والكدر ما خالطه غيره من التراب وغيره، والمعنى: أن الراعي يحسن بها، ويتحمل متاعب من أجلها، ويسير لها بالماء، ولكنها تسيىء إليه في أنها لا تترك له إلا ماء كدراً. قوله: (فصفوه لكم، وكدره عليهم) يعني: على الأمراء. قال النووي: ((ومعنى الحديث أن الرعية يأخذون صفو الأمور، فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتبتلي الولاة بمقاساة الأمور، وجمع الأموال على وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية، والشفقة عليهم، والذب عنهم، وإنصاف من بعض. ثم متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء، دون الناس)). ٤٤ - ( ... ) - قوله: (في غزوة مؤتة) بضم الميم، والهمزة بعدها، وضبطه بعضهم بغير الهمزة، وهي قرية معروفة في أرض البلقاء من الشام، وتقع الآن في الأردن بقرب من الكرك، وبها كانت تطبع السيوف، وإليها تنسب السيوف المشرفية. وموضع المعركة منها معروف إلى ٥، قد زرتها عام الآن، أمام جامعة مؤتة، بقرب قرية المزار، بها آثار مشاهد الصحابة ١٤٠٦ هـ والحمد لله. قوله: (مدديّ) يعني: رجل من المدد، والذين جاؤوا يمدون جيش مؤتة ويساعدونهم. واستدل الحنفية بالحديث على أن السلب ليس حقاً للقاتل في كل حال، وإلاّ لما منع رسول الله ## خالداً من إعطائه الحميريّ، واعتذر عنه الشافعية بأنه إنما منع السلب منه تعزيراً له على ما صنع من إطالة اللسان على خالد بن الوليد، وراجع لتفصيل الكلام على هذه الناحية من ٦٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٥٤٧ - (٤٥) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي، سَلَمَةُ بْنُ الأَْوَعِ. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ هَوَازِنَ. فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَخَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيهِ الحديث إعلاء السنن (١٢ : ٢٨٢) والله سبحانه أعلم. ٤٥ - (١٧٥٤) - قوله: (عمر بن يونس الحنفي) هو أبو حفص اليمامي الجرشي (بضم الجيم) ثقة من رواة الجماعة، وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن حبان، والبزار وغيرهم، مات (سنة: ٢٠٦هـ) كذا في التهذيب (٧: ٥٠٧). قوله: (عكرمة بن عمّار) هو من محدثي اليمامة كان من التابعين، اختلفت فيه آراء المحدثين، فروي توثيقه عن العجلي، والدارقطني، ويعقوب بن شعبة وغيره وروى أبو حاتم عن ابن معين: كان أمياً وكان حافظاً، واختلفت فيه الروايات عن ابن المديني، وضعفه أحمد بن حنبل إلا في روايته عن إياس، وقد أخرج له البخاري تعليقاً، وراجع التهذيب (٧: ٣٦١ إلى ٣٦٣). وقال الحاكم: أكثر مسلم الاستشهاد به، وضعف البخاري وأحمد وغيره أحاديثه عن يحيى بن أبي كثير، كما في ميزان الاعتدال (٣: ٩١)، وساق ابن عديّ في الكامل (٥: ١٩١٠) أقوال المحدثين فيه، وعدة روايات له، ثم قال: ((وهو مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة)). قوله: (إياس بن سلمة) هو ابن لسلمة بن الأكوع، ثقة كثير الحديث من رواة الجماعة، مات بالمدينة (سنة: ١١٩هـ) كما في التهذيب (١: ٣٨٨). قوله: (سلمة بن الأكوع) أما سلمة فبفتح السين واللام، وأما الأكوع، فبفتح الواو، كما في المغني، وهو في الأصل: سلمة بن عمرو الأكوع، مشهور في الصحابة لشجاعته، وسرعة عدوه، كان يسبق الفرس بعدوه. أول مشاهده الحديبية، وهو من أصحاب الشجرة، نزل المدينة، ثم تحول إلى الربذة بعد قتل عثمان، وتزوج بها، وولد له، حتى كان قبل أن يموت بليال نزل إلى المدينة فمات بها، رواه البخاري، وكان ذلك سنة أربع وسبعين على الصحيح، كذا في الإصابة (٢: ٦٥). وحديثه هذا اختصره البخاري في الجهاد من طريق أبي العميس، باب الحربيّ إذا دخل دار الإسلام بغير أمان، (رقم: ٣٠٥١)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الجاسوس المستأمن، (رقم: ٢٦٥٤)، وابن ماجه في الجهاد، باب المبارزة والسلب، (رقم: ٢٨٣٦) مختصراً . قوله: (هوازن) يعني: في غزوة حنين، وستأتي قصتها في باب مستقل، إن شاء الله. قوله: (نتضحى) أي: نتغدى، وهو الأكل في وقت الضحاء (بفتح الضاد) وهو وقت يمتد به النهار بعد الضحى. كذا في شرح النووي.