النص المفهرس
صفحات 1-20
مكتلتر فتح المجرم تأليف مُحمَّد ◌َقَيُ المُتْمَانِى مُراجَعَّة وتَقيقٌ وتكمَة مَحْمُودٌ شَاكِرٌ كتاب الجهاد والسّير - كتاب الإمارة كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان كتاب الأضاحي - كتاب الأشربة الجزء الثالث دَارُ اعْيَاء التراث العَربيّ بَيروت - لبْنان جميع الحقوق محفوظة للناشر جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright @ All rights reserved All rights of this publication are reserved exclusively to DAR EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho- tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or saved on a retrievable system distributed in any form or by any means, without the prior written permission of the publisher. الطبعة الأولى م 2006 . ^ 1426 دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107 هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717 Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache P.O.Box 11|7957 Postal Code 1107 2250 Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717 . مَكَالَتْ فِيخَ الِمُ كتاب: الجهاد والسّير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ كتاب: الجهاد والسّير من هنا ينتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى أحكام السّياسة الشّرعيّة، والعلاقات الدوليّة، وهي باب عظيم من أبواب الدين، وبدأه بالجهاد لكونه ذروة سنام هذا الباب. وأريد قبل الخوض في شرح أحاديثه أن آتي بمقالة وجيزة حول معنى الجهاد، وأغراضه، وأهدافه، وحكمة تشريعه، مع تفنيد ما يثار حوله من شبه، وردّ النظريات المبتدعة الزائغة في شأنه، والله تعالى أسأل أن يسدّد فيه خطاي، ويوفقني لإيضاح ما هو حقّ عنده، على ما يحبه ويرضاه، وهو الملهم للرشاد والصواب. معنى الجهاد ((الجهاد)) مشتق من الجهد، قال القسطلاني في إرشاد الساري (٣١:٥): ((وهو مشتق من الجهد، بفتح الجيم، وهو التعب والمشقة، لما فيه من ارتكابها، أو من الجُهد، بالضم، وهو الطاقة، لأن كل واحد منهما بذل طاقته في دفع صاحبه. وقال ابن منظور في لسان العرب (١٣٥:٣): ((والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللسان، أو ما أطاق من شيء)). وأما في اصطلاح الشرع فقد عرّفه العلماء بتعبيرات مختلفة أكثرها تؤول إلى معنى واحد، يقول القسطلانيّ في إرشاد الساري (٣١:٥): ((قتال الكفار لنصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله))، ويقول الكاسانيّ في بدائع الصنائع (٩٧:٧): ((وفي عرف الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتل في سبيل الله عزّ وجلّ، بالنفس والمال، واللسان، أو غير ذلك». وإذا أردنا أن نلخّص هذه التّعبيرات، وسعنا أن نقول: إن الجهاد لا يختصّ بمباشرة القتل، وإنّما هو كل جهد يبذل في سبيل إعلاء كلمة الله، وكسر شوكة الكفر والكفّار، سواء كان بالسّلاح، أو بالمال، أو بالعمل، أو بالقلم أو باللسان. ولكن كلمة ((الجهاد)) إذا أطلقت فإنّما يراد بها في الغالب جهد يبذل في قتال الكفّار، ولا تطلق على غيره إلاّ بقرينة تدل على ذلك. ٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وكذلك ربّما تطلق هذه الكلمة على مجاهدة النّفس، كما ورد في الحديث: ((المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) أخرجه أحمد، والحاكم، وصححه، ووافق عليه الذهبي. ولكن هذا الإطلاق تجوّز بالنسبة إلى معناه المصطلح المعروف، فلا يصار إليه أيضاً إلا بقرينة. أغراض الجهاد وأهدافه قد ذكر العلماء للجهاد أغراضاً وأهدافاً. جزئية كثيرة نستطيع أن نضيف إليها أغراضاً جزئية أخرى حسب الظروف والأحوال، ولكن الهدف الأساسيّ وراء تشريع الجهاد، حسب ما تدل عليه النصوص الشرعية، هو إعزاز الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وكسر شوكة الكفر. وإن اليهود والنصارى من أهل الغرب قد أثاروا في القرن الماضي شغباً ضدّ أحكام الجهاد، وتفوّهوا بأن الجهاد طريق لإكراه الناس على قبول الإسلام، وإن المسلمين قد نشروا دينهم بالسّيف والسلاح، دون الحجة والبرهان، ومن أجل ذلك هجموا على بلاد الكفّار ليكرهوهم بذباب السّيف على قبول دينهم، ولم تكن عندهم دعوة للإسلام إلاّ بالسيف والقتال. وكلّ هذا جهل، أو تجاهل عن حقيقة الجهاد الشرعيّ، وعلاقته بالدعوة الإسلامية. والواقع أنّ الجهاد لم يشرع لإكراه الناس على قبول الإسلام، ولكنه إنما شرع لإقامة حكم الله في الأرض ولكسر شوكة الكفر والكفّار، التي لم تزل في التاريخ أقوى سبب لشيوع الظلم، والفتنة والفساد، وأكبر مانع عن قبول الحقّ، والإصغاء إلى الدعوة الإسلامية. ولو كان الجهاد هدفه الإكراه على الدين لما شرعت الجزية لإنهاء الحرب، وإن مشروعية الجزية من أوضح الدلائل على أنه ليس إكراهاً على قبول الدين، ولم يرو في شيء من حروب الجهاد - على كثرتها عبر التاريخ - أن أحداً من الكفّار وما يدينون بكلّ رحابة صدر، ثمّ جاءت الدعوة الإسلامية مصحوبة بالحجة والبرهان، وبالسّير الفاضلة، والأخلاق الكريمة، والأعمال الجاذبة، فتسارع الكفّار أكره على قبول الإسلام بعد ما أفتتح المسلمون بلداً من البلاد وإنما ترك الكفار إلى الإسلام بعد اقتناعهم بحقيته، واستيقانهم بحسن تعاليمه، دون أن يكرههم أحد على ذلك. وإنّما شرع الجهاد لتعلو كلمة الله على أرض الله، ويكون لها العزّ والمنعة، وليكسر شوكة الجبّارين الذين يستعبدون عباد الله بأحكامهم، وقوانينهم المنبثقة من آراءهم، ويأبون أن يقام حكم الله تعالى في أرضه، ويشيعون بقوة حكمهم كل ظلم، ومنكر، وفساد. ولكن طائفة من المنتمين إلى الإسلام، المولعين بأفكار الغرب، المغرمين بمبادئه ٧ كتاب: الجهاد والسّير ونظرياته، والمنهزمين دائماً أمام اعتراضاته التي لا تنتهي إلى حدّ، بدل أن تفهم حقيقة الجهاد، وأن الكفار لا يرضون منه أبداً، جعلت تعتذر أمامهم بأعذار انهزامية سخيفة، وصارت تحرّف من أجلها النصوص، فتقول: إن الجهاد لم يشرع إلا للدفاع عن الوطن الإسلاميّ ضدّ عدوّ هاجم عليه، ولا يجوز ابتداء القتال ضدّ دولة كافرة لا تهجم على دار الإسلام. وإن هذا القول قول مبتدع لا أصل له في الكتاب والسنة، ولا عهد به في تاريخ الجهاد، ولا سند له في الفقه الإسلاميّ طوال أربعة عشر قرناً، ولكنه قد انخدع به كثير من الناس في عصرنا، فنريد أن نردّ عليه بشيء من التفصيل، والله سبحانه المستعان. مراحل تشريع الجهاد لا بدّ للوصول إلى حقيقة الجهاد وأحكامه المذكورة في الكتاب والسنّة، من معرفة أن الجهاد قد مرّت عليه منذ بداية الإسلام مراحل في تشريعه، ولم يصل إلى حكمه النهائي إلا بعد زمان. وهي أربع مراحل: فالمرحلة الأولى: هي الصبر على أذى المشركين، مع الاستمرار في دعوتهم إلى دين الحق، ونهى النبيّ وَّير وأصحابه عن القتال. وهذه أول مرحلة للدعوة الإسلامية وقد تكررت هذه الأحكام في القرآن الكريم مدة إقامته بَله بمكة، فقال تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (٩٩) وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِنَ﴾ وقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِنَ وقال رسول الله ور لأصحابه في هذه المدة: ((إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا)) الحديث أخرجه النسائي، والبيهقي (١١:٩) والحاكم في المستدرك (٣٠٧:٢) وقال: على شرط البخاري، وسكت عليه الذهبي. ويقول الإمام القرطبي في تفسيره (٣٨:٣): ((ولم يؤذن للنبي وَّر في القتال مدة إقامته بمكة)). والمرحلة الثانية: إباحة القتال، دون أن يفرض ذلك على المسلمين. وفي هذه المرحلة نزل قوله تعالى في سورة الحج ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ ٣٩ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِعْضٍ لَّهِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ ٤٠ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((وقال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت ٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية)) راجع تفسير ابن كثير (٥ :٤٣). والمرحلة الثالثة: فرض القتال على المسلمين لمن ابتدأهم بالقتال فقط، دون أن يبتدؤوا به ضد أعداءهم. وفي هذه المرحلة نزل قوله تعالى في سورة البقرة: ١٩٠ : ﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْتُعْنَذِينَ ١٩٠) وقوله تعالى في سورة النساء ٩٠ و٩١: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَدِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى ٩٠ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا الْفِئْنَةِ أُنْكِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُّواْ إِلَيْكُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْخُلُهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُهُمَّ وَأُوْلَّكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُأَطَنًا مُبِينًا والمرحلة الرابعة: قتال جميع الكفار على اختلاف أديانهم وأجناسهم ابتداء، وإن لم يبدؤوا بقتال المسلمين حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية، كسراً لشوكة الكفر، وإعزازاً للدين، وإعلاء لكلمة الله. وبدأت هذه المرحلة بعد انقضاء أربعة أشهر من حج العام التاسع الذي ترأسه أبو بكر الصديق ظه، وقد وقع إعلان هذه المرحلة في ذلك الحج بلسان سيدنا علي بن أبي طالب به، وقد ذكره الله سبحانه مفصلاً في سورة التوبة، وفيها يقول تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ آلْأَشْهُرُ اَلْهُمُ فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِّثُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُ وهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ [التوبة: ٥]. رَّحِيمٌ وفي نفس السورة يقول تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَ بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْعُواْ ﴾ [التوبة: ٢٩]. الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ ويقول تعالى في سورة الأنفال: ٣٩٠: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُُّ لِلَّهِ﴾. وإن هذه المراحل في تشريع الجهاد قد ذكرها كثير من علماء السّلف، نذكر من أقوالهم ما يلي: قال الإمام الشافعي كثّفُ: ((وأنزل الله عز وجل فيما يثبته به إذا ضاق من أذاهم: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٨٧) فَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَّكُن مِّنَ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ .٩٩] ففرض عليه إبلاغهم وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِيْنُ السَّجِدِينَ يَّ وعبادته، ولم يفرض عليه قتالهم، وأبان ذلك في غير آية من كتابه .... ثم أذن الله عز وجل لهم بالجهاد .... ثم أذن لهم بأن يبتدؤوا المشركين بقتال، قال عز وجل: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقْتَلُونَ [الحج: ٣٩] الآية. وأباح لهم القتال بمعنى أبانه في ٣٩ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٦ ٩ كتاب: الجهاد والسّير كتابه، فقال: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَمْتَدُوْاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ [البقرة: ١٩٠] ولما مضت لرسول الله ﴿ مدة من هجرته أنعم الله فيها على جماعات باتباعه، حدثت لهم بها مع عون الله عز وجل قوة بالعدد، لم يكن قبلها ففرض الله عز وجل عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة، لا فرضاً، فقال تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٩٦]. راجع أحكام القرآن للشافعي (٢: ٩ إلى ١٩). وقال شمس الأئمة السرخسي تكفللهُ في المبسوط (٢:١٠): ((وقد كان رسول الله ◌َ﴿ مأموراً في الابتداء بالصفح والإعراض عن المشركين، قال الله تعالى: ﴿فَأَصْفَح الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] وقال تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] ثم أمر بالقتال إذا كانت البداية منهم، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾ [الحج: ٣٩] أي أذن لهم في الدفع، وقال تعالى: ﴿فَإِن قَلُوَّكُمْ فَقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وقال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَمَا﴾ [الأنفال: ١٩٣]. ثم أمر بالبداية بالقتال فقال تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُنَ فِئْنَةٌ﴾ [الأنفال: ١٩٣] وقال تعالى: ﴿فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال رسول الله وَّر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها، وحسابهم على الله. فاستقرّ الأمر على فرضية الجهاد مع المشركين وهو فرض قائم إلى قيام الساعة)). ويقول ابن تيمية كَُّ في كتابه ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) (١: ٧٤): ((فمكان النبي ول # في أول الأمر مأموراً أن يجاهد الكفار بلسانه، لا بيده، فيدعوهم ويعظهم، ويجادلهم بالتي هي أحسن ( ... ) وكان مأموراً بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك. ثم لما هاجر إلى المدينة، وصار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم، لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار. فلما فتح الله مكة، وانقطع قتال قريش ملوك العرب، ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام أمره الله تعالى بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة)). وبمثل ذلك قال ابن رشد في بداية المجتهد (٣٧١:١ و٣٧٢) وابن القيم في زاد المعاد (٣: ١٦٠)، وغيرهم من علماء السّلف. هل المراحل الأولى منسوخة أو محكمة؟ ثم اختلفت عبارات العلماء في تحقيق هذه المراحل، فادعى بعضهم أن كل مرحلة جديدة نسخت حكم ما قبلها، فالمراحل الثلاثة الأولى منسوخة اليوم، وإنما الباقية اليوم هي المرحلة الأخيرة، وهي الرابعة فقط. ١٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم يشرح صحيح مسلم وخالفهم آخرون، فقالوا: إن المراحل الأولى ليست منسوخة، وإنّما هي مرتبطة بظروف مخصوصة كلّما عادت عادت أحكامها. ومن مقدمة من قال ذلك: العلامة بدر الدين الزركشي كثّفُ، فإنه قال: إنه ليس في مراحل الجهاد نسخ، بل يعمل بكل مراحلة عند الحالة المشابهة للحالة التي شرعت فيها، يقول الزركشي تّهُ تعالى في كتابه («البرهان في علوم القرآن)) (٤١:٢ و٤٢): ((قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب .... الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلّة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله ونحوه، من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها ثم نسخها إيجاب ذلك. هذا ليس بنسخ في الحقيقة؛ وإنما هو نسأ، كما قال تعالى: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾، فالمنسأ، هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون. وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى. وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت مّا لعلّة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلّة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنّما النسخ الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبداً)). والحقيقة أن هذا الاختلاف لا يرجع إلى فرق عمليّ، وإنما هو اختلاف اصطلاح، فكلّهم يقول: إنّ هذه الأحكام منوطة بظروف مخصوصة، فأحكام الصبر والعفو محكمة في حالة الضعف والعجز، وإباحة القتال في حالة هي فوق الحالة الأولى، ووجوب قتال الدفع في حالة هي فوقها، ووجوب الابتداء عند ما حصل المسلمون على قوّة يقدرون معها على ذلك، ولكن الطائفة الأولى تسميه قسماً من النّسخ، والزركشي تَذُّهُ يسميه إنساء، ولا يرضى بتسميته نسخاً. الفرق بين جهاد الدفع وجهاد الابتداء من حيث الحكم ولما ثبت أن كلا القسمين من جهاد الدفع وجهاد الابتداء مشروع محكم، فإن الحكم الشرعي في كل واحد من القسمين يختلف عن الآخر، من حيث أن جهاد الدفع فرض عين إذا هجم العدو على ثغور المسلمين، في حين أن جهاد الابتداء فرض كفاية على أصح القولين. أما جهاد الدفع، فيقول عنه الإمام الجصّاص كَذَفُ في أحكام القرآن (٣: ١١٤): ١١ كتاب: الجهاد والسّير ((ومعلوم في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدوّ، ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم، وأنفسهم، وذراريهم أن الفرض على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين. وهذا لا خلاف فيه بين الأمة؛ إذ ليس من قول أحد من المسلمين إباحة القعود عنهم، حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبي ذراريهم)). وأما جهاد الابتداء فالجمهور على أنه فرض كفاية بشرط الاستطاعة، إذا قام له بعض المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن يتطوعوا بذلك. وروي عن بعض الصحابة والتابعين أنهم قائلون بكونه فرض عين، كما في فتح الباري (٣٨:٦) وتفسير ابن كثير (٤ : ٩٧) . ويقول الحافظ في باب وجوب النفير من فتح الباري (٣٧:٦ و٣٨): «ثم بعد أن شرع، (أي الجهاد) هل كان فرض عين أو كفاية؟ فولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي .... وقال السهيلي: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي ◌َل ليلة العقبة على أن يؤووا رسول الله وَله، وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان عيناً على الطائفتين كفاية في حق غيرهم. ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك .... والتحقيق أنه كان عيناً على من عيّنه النبي وَّ في حقه ولو لم يخرج. الحال الثاني: بعده وَّر، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلاً عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقاً، فليكن بذلها كذلك. وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ .... والتحقيق أيضاً أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، وإما بيده، وإما بلسانه، وإمّا بماله، وإمّا بقلبه، والله أعلم)). الغرض من جهاد الابتداء إذا تمهد هذا، فإنّ جهاد الابتداء ليس إكراهاً للناس على قبول عقيدة الإسلام، وإنّما هو جهد لإقامة حكم الله في أرضه. وذلك أن الإسلام ليس مجموعة من العقائد والعبادات فقط، شأنَ غيره من الأديان، وإنّما هو حكم الله في جميع شؤون الحياة، ودعوته دوة انقلابيّة، لا إلى العقائد فقط، بل وإلى إقامة العدل الذي شرعه الله لعباده في الأرض، ومن أهدافه إخلاء العالم من الظلم، والجور، والفساد، وإقامة العدل في ١٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الأرض بتحكيم شريعة الله فيها. وإنّ الإسلام غاية ما يتحمّل عن الكفّار أن يبقوا على عقيدتهم إن أصرّوا على ذلك، ولكنه لا يرضى أبداً أن يستعبدوا عباد الله بتحكيم قوانينهم المنبثقة عن آراءهم وأهواءهم الفاسدة، التي تستبيح الظلم والجور، أو تُشيع الخلاعة والفحشاء، أو تفسد طباع النّاس، وتسدّ مسامعهم عن قبول الحق والرشاد. فلذلك جعل الإسلام هـف جهاد الابتداء أحد الأمرين: إمّا أن تعتنق البلاد الكافرة الإسلام، وإمّا أن يؤدوا الجزية، وحينئذ يتركون على عقيدتهم، ولكنهم لا يتركون لينفّذوا في الأرض قوانينهم على عباد الله. وإنّما تكون الأرض تابعة لحكم الله، وأحكام الإسلام، ثمّ يترك الكفّار وما يدينون في حياتهم الانفراديّة، وإنما يؤدون الجزية - وهي مبلغ يسير من المال - لأن الحكومة الإسلامية تقوم بحفظ أنفسهم، وأمواهم، وأعراضهم. وإن هذا الهدف هو الذي بيّنه الله سبحانه وتعالى في قوله جلّ وعلا: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَتَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُُّ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) ٠ ويقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية (١٣: ٥٣٧): ((فقاتلوهم حتى لا يكون شرك، ولا يعبد إلاّ الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة)). وهذا الهدف هو الذي باح به راجيّ بن عامر رَظ ◌ُبه أمام رستم، حين هجم المسلمون على إيران، وسأله رستم: ما جاء بكم؟ فقال: ((الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٣٩:٧). فإن قبل الكفّار إقامة حكام الله على العباد، وخضعوا له بأداء الجزية، فقد حصل مقصود الجهاد. وحينئذ، لا يكرهون على قبول عقيدة الإسلام على حدّ السّيف والسّلاح، وإنما يتركون على عقيدتهم، حتّى يقتنعوا بحقية الإسلام ويرغبوا بأنفسهم إلى اعتناقه بالأعين المفتوحة. وإليه يشير الله سبحانه تعالى حيث يقول: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَنَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ ﴾ [التوبة: ٢٩]. (٢٩ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ أدلّة من قصر الجهاد على الدفع فقط، وتفنيدهم كلّ ما ذكرنا من حقيقة الجهاد، وأحكامه، وأهدافه مستنبط من القرآن والسنّة، ١٣ كتاب: الجهاد والسّير وأقوال السّلف الصالحين، وهو الذي ظلّ المسلمون يعتقدونه في أمر الجهاد ويعملون بمقتضاه طوال ثلاثة عشر قرنا من تاريخهم، وصارت مشروعية الجهاد بأقسامه كلمة إجماع فيما بينهم، لم يختلف فيه اثنان، ولا ظهر فيه رأیان. ولكن ظهر في القرن الرابع عشر رجال أرادوا تطبيق الإسلام على النظريات والأفكار الغربيّة، فحاولوا في كثير من المسائل أن يبتدعوا في الفقه الإسلامي آراء موافقة لأهواء أهل الغرب، ويلقموها في فم النصوص الشوعية كُرهاً، إرضاء للمستعمرين، والمستشرقين، وتناسوا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتّى تَنَّعَ مِلَتُهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الَّهِ هُوَ اَلْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]. فابتدع هؤلاء في أمر الجهاد بدعة لا سلف لهم فيها، وهي أن الجهاد في الإسلام الدفاع فقط، وإن المسلمين لا يجوز لهم أن يغزوا الكفار لأجل إخضاعهم لسلطان الإسلام، وإعلاء كلمة الله على كلمتهم، إلا إذا سبق الكفار بالاعتداء على المسلمين. وأول ما ظهر هذا الرأي المبتدع - فيما نعلم - على أيدي تلاميذ المدرسة العقلية الحديثة، التي من أشهر رجالها المفتي محمد عبده، ورشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني في البلاد العربية، وسر سيّد أحمد خان، وچراغ علي، وأمثالهما في الهند، وقد حذا حذوهم في هذه المسألة الأستاذ شبلي النعماني، صاحب ((سيرة النبي وَليّ)) أيضاً. وقد تأثر بهذا الرأي المبتدع كثير من الكتّاب المعاصرين في البلاد الإسلاميّة، ولكن قام في الوقت نفسه فحول العلماء في كل بلد وقطر، للردّ على هذه النظريّة بأدلة مقنعة، وحجج بيّنة لا محيص من إنكارها . وإن أكبر ما استندوا إليه من هذا الرأي المبتدع: الآيات التي تبيح للمسلمين السّلم والصّلح، أو تأمرهم بالجهاد عند اعتداء الكفار، مع أنّنا قد فصّلنا في تاريخ تشريع الجهاد، أنها آيات مرحليّة تفيد مشروعية الجهاد في حالة مخصوصة، ولا تنفي مشروعيته في حالة أخرى. فمثلاً، إنهم يستدلون بقوله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَفْتَدُوَأَ [البقرة: ١٩٠]، مع أنّنا أسلفنا أن هذه الآية إنّما تفيد إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ مشروعية المرحلة الثالثة في بداية الإسلام حين كانت الدولة الإسلامية في حالة الضعف، فأوجب الله عليهم قتال من قاتلها، دون من لم يبدأها بالقتال، وقد جزم بذك الإمام الشافعيّ تَّقُ في عبارته التي نقلنا عن أحكام القرآن. وقال بعض آخر من المفسّرين: إنها نزلت في النساء والذرية، أي لا تقاتلوا إلّ من ١٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يقاتل، وهم الرجال البالغون. أما النساء، والذرية، والرهبان، فلا يجوز قتالهم، لأنهم ليسوا من أهل القتال. وهنا تفسير قويّ يؤيده نهي النبي وَّر عن قتل النساء والولدان وأصحاب الضّوامع، وراجع أحكام القرآن للجصاص (٢٥٧:١). وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْنَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠] فالاعتداء هنا معناه، كما قال المفسرون، لا تقاتلوا على غير الدين، ولا تقاتلوا إلا من قاتل، وهم الرجال البالغون، دون النساء والذرية والرهبان، فإنه اعتداء، وراجع أحكام القرآن لابن العربي (١ : ١٠٤ و١٠٥). وربما يستدلون بقوله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَعُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ﴾ [الأنفال: ٦١] مع أنه مسوق أيضاً لبيان الحكم في حالة ضعف المسلمين، السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( يقول ابن العربي تقذفُ في أحكام القرآن (٤: ٨٦٤) ((إن كان العدوّ كثيفاً، فإنه يجوز مهاونتهم، كما دلت هذه الآية، فإذا كان المسلمون على عزة وقوّة فلا صلح، قال تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَدْعُوّا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾ [محمد: ٣٥]. وقال الإمام أبو بكر الجصاص تَتُ في أحكام القرآن (٣: ٧٠): ((فالحال التي أمرنا فيها بالمسالمة حال قلّة عدد المسلمين، وكثرة عدوهم، والحال التي أمرنا فيها بقتال المشركين، وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، في حال كثرة المسلمين، وقوتهم على عدوهم. وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾، نهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو)). وهناك طائفة أخرى من المفسّرين، تفسّر السّلم في الآية بالمصالحة على الجزية، يقول القرطبي كثّفُ تعالى: ((وقيل: ليست بمنسوخة، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية، وقد صالح أصحاب رسول الله وَ﴿ في زمن عمر بن الخطاب رضُّه، ومن بعده من الأئمة كثيراً من بلاد العجم على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ماهم فيه، وهم قادرون على استئصالهم)) راجع تفسير القرطبي (٤٠:٨). وقد يستدلون بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَئِلُوكُمْ وَأَلْقَوْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَا جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ عَلَهِمْ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء، آية: ٦٠] مع أن هذه الآية مرحليّة أيضاً، ونزلت في طائفة مخصوصة، فمن المفسّرين من قال: إنها منسوخة نسختها آية البراءة: ﴿فَإِذَا آنسَلَخَ اُلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ إلخ، روي ذلك عن ابن عبّاس ◌ًَّا، كما في تفسير ابن كثير (٥٣٣:١) وروح المعاني (١١١:٥)، ومنهم من قال: إنها محكمة في حقّ أفراد في جيش الكفّار، اعتزلوا عن القتال، قال ابن كثير تغذفهُ: ((أي فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم ١٥ كتاب: الجهاد والسّير كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعبّاس ونحوه، ولهذا نهى النبي وَّل عن قتل العباس، وأمر بأسره)). وبالجملة، فجميع الآيات التي يستدلّ بها هؤلاء متعلقة بظروف مخصوصة في بداية الإسلام، والذي استقر عليه أمر الجهاد ما نزل في سورة التوبة، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا اُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْهُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِّثُُّوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَ بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحْرِّمُونَ مَا حَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (٢٢)﴾ [التوبة: فَدِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ ١٢٣]. فهذه الآيات كلها تأمر المسلمين بالابتداء بقتال الكفّار، فإنَّها لم تذكر سبباً لقتالهم إلّ كفرهم بالله واليوم الآخر، وعدم تحريمهم ما حرّم الله، وما إلى ذلك، ولم تذكر أن سبب قتالهم هو هجومهم على المسملين. وهذه الآيات من آخر ما نزل من القرآن الكريم، فهي محكمة باقية الحكم إلى قيام السّاعة. وعملاً بهذه الأحكام المحكمة قال رسول الله وَّه: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقّها وحسابها على الله)) وهذا اللفظ أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضيُله في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله إلخ. وهذا نصّ محكم صريح في مشروعية جهاد الابتداء، لا یمکن حمله على جهاد الدفع أبداً . فهذه خلاصة ما أردنا إيراده في هذه المسألة، وقد كتب فيها عدّة علماء كتباً مستقلّة، من أراد التفصيل راجعها، ومن أحسن ما ألّف في هذا الموضوع كتابان: الأول: ((أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية)) للدكتور عليّ بن نفيع العلياني، والثاني: ((الشريعة الإسلامية والقانون الدوليّ العامّ)) للدكتور عبد الكريم زيدان، وقد نشرت مقالته هذه في كتابه: ((مجموعة بحوث فقهيّة))، وقد استفدت من كتابيهما كثيراً عند كتابة هذه المقالة، جزاهما الله تعالى خيراً. وفي هذا القدر كفاية للطالبين إن شاء الله تعالى . ١٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١) - باب: جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة ٤٤٩٤ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ. قَالَ: كَتَبْتُ إِلَىْ نَافِعِ أَسْأَلُّهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ؟ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلاَمِ. (١) - باب جواز الإغارة على الكفار إلخ ١ - (١٧٣٠) - قوله: (سليم بن أخضر) إلخ: بضم السين مصغراً، كما في الخلاصة والتقريب، وقد مر في (ص: ٦١١). قوله: (عن ابن عون) يعني: عبد الله بن عون، محدث مشهور، وقد مر في ص ٥٨٤. قوله: (كتبت إلى نافع) وحديثه هذا أخرجه البخاري في العتق، باب من ملك من العرب رقيقاً، فوهب، (رقم: ٢٥٤١)، وأبو داود في الجهاد، باب في دعاء المشركين، (رقم: ٢٦٣٣)، وأحمد في مسنده، (رقم: ٤٨٥٧ و٤٨٧٥ و٥١٢٤). قوله: (عن الدعاء قبل القتال) يعني: هل يجب على المجاهدين أن يدعوا الكفار إلى الإسلام أو الجزية قبل أن يبدؤوهم بالقتال؟ وفيه خلاف مشهور، قال النووي كثّفُهُ: ((في هذه المسألة ثلاثة مذاهب حكاها المازري والقاضي، أحدها: يجب الإنذار مطلقاً، قال مالك وغيره: وهذا ضعيف. والثاني: لا يجب مطلقاً، وهذا أضعف منه، أو باطل، والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا هو الصحيح، وبه قال نافع مولى ابن عمر، والحسن البصري، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، والجمهور. قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف، وحديث قتل أبي الحقيق)). وقال الحافظ في فتح الباري (٦: ١٠٨): ((وهي مسألة خلافية، فذهب طائفة منهم عمر بن عبد العزيز إلى اشتراط الدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وذهب الأكثر إلى أن ذلك كان في بدء الأمر قبل انتشار دعوة الإسلام، فإن وجد من لم تبلغه الدعوة لم يقاتل حتى يدعى، نصّ عليه الشافعيّ. وقال مالك: من قربت داره قوتل بغير دعوة لاشتهار الإسلام، ومن بعدت داره فالدعوة أقطع للشك. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي، أحد كبار التابعين، قال: كنّا ندعو، وندَع. قلت: وهو منزل على الحالين المتقدمين)). قوله: (إنما كان ذلك في أول الإسلام) يعني: حين لم تكن دعوة الإسلام منتشرة، فأمّا بعد انتشار الدعوة فلا يجب الدعاء قبل الجهاد، لكون الكفار بلغتهم الدعوة من قبل، واستدل ١٧ كتاب: الجهاد والسّير قَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ. وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ. فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ وَسَبَى سَبْيَهُمْ وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ. (قَالَ يَحْيَى: أَحْسِبُهُ قَالَ) جُوَيْرِيَةَ. (أَوْ قَالَ: الْبَّةَ) ابْنَةَ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنِي هُذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَكَانَ فِي ذَاكَ الْجَيْشِ. ٤٤٩٥ - (٠٠٠ ) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، ◌ِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: جُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَلَمْ يَشُكَّ. (٢) - باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها ٤٤٩٦ - (٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. قَالَ: أَمْلاَهُ عَلَيْنَا إِمْلاَءً . ٤٤٩٧ - ح (٣) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ على ذلك بقصة بني المصطلق، حيث أغار عليهم رسول الله وير اكتفاء بالدعوة السابقة، ولم يجدّد الدعوة عند القتال. قوله: (على بني المصطلق) بفتح الطاء وكسر اللام، بطن شهير من خزاعة. قوله: (وهم غارَّون) بتشديد الراء، أي: غافلون، يقال: أخذهم على غرّتهم، يعني: على غفلة منهم. قوله: (أو قال البتّة) قال النووي: ((أما قوله: ((البتّة)) فمعناه: أن يحيى بن يحيى، قال: أصاب يومئذٍ بنت الحارث، وأظنّ شيخي سليم بن أخضر سماها في روايته جويرية، أو أعلم ذلك وأجزم به، وأقوله البتّة، وحاصله: أنها جويرية فيما أحفط، إمّا ظناً، وإمّا علماً، وفي الرواية الثانية قال: هي جويرية بنت الحارث بلا شك)). والحاصل أن يحيى بن يحيى جازم في أن شيخه سماها بنت الحارث، وهو متردد في أنه هل سماها جويرية أو لا، فيقول: إنه ذكر البتّة بنت الحارث، وأحسبه أنه سماها جويرية أيضاً، وقد ثبت بروايات أخری أیضاً أنها كانت جویریة بنت الحارث، پا . (٢) - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث إلخ ٣ - ( ... ) - قوله: (وحدثني عبد الله بن هاشم) بن حيان العبدي، أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد الطوسي، ولد بطوس وكان أكثر مقامه بنيسابور. وهو من أفراد مسلم لم يخرج ١٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وََّ، إِذَا أَمَّرَ أَمِيراً عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ، أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً. ثُمَّ قَالَ: ((اغْزُوا بِاسْم اللَّهِ. فِي سَبِيلِ اللّهِ. قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقَتُلُوا وَلِيداً. وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ (أَوْ خِلاَلٍ). فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ. فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. عنه من الأئمة الستة غيره، وقد روى عنه في صحيحه سبعة عشر حديثاً، وثقه يعقوب بن إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث من المتقدمين، وقال الخليلي: ثقة كبير. كذا في التهذيب (٦: ٦٠). قوله: (عن علقمة بن مرثد) بفتح الميم وسكون الراء، وهو الحضرمي، أبو الحارث الكوفي، ثقة من رواة الجماعة. قوله: (عن سليمان بن بريدة، عن أبيه) يعني: بريدة بن الحصيب الأسلميّ رَظُه من مشاهير الصحابة، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد خيبر، وفتح مكة، واستعمله النبيّ وَل على صدقات قومه، وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو، فمات بها (سنة: ٦٣هـ) في خلافة يزيد بن معاوية. كذا في التهذيب (١: ٤٣٢ و٤٣٣). وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الجهاد، باب دعاء المشركين: (رقم: ٢٦١٢ و٢٦١٣)، والترمذي في السير، باب ما جاء في وصيته بَّر في القتال، (رقم: ١٦١٧)، وابن ماجه في الجهاد، باب وصية الإمام، (رقم: ٢٨٥٨). قوله: (أو سريّة) هي قطعة من الجيش، تخرج منه، فتغير، وترجع إليه. قال إبراهيم الحربيّ: هي الخيل، تبلغ أربعمائة ونحوها، قالوا: سميت سريّة لأنها تسري في الليل، ويخفى ذهابها، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، يقال: سرى، وأسرى، إذا ذهب ليلاً. كذا في شرح النووي. قوله: (ولا تغدروا) بكسر الدال، وهو نقض العهد، والغلول: هو الخيانة في الغنيمة أو الفيء وأما قوله: ((لا تمثلوا)) فبضم الثاء، من المثلة، وهو أن تقطع الأعضاء. قوله: (فأيتهنّ ما أجابوك) قال الأبيّ: (((وأيتهنّ)) مبتدأ و(ما) زائدة، والعائد محذوف، تقديره: إليها، وجاز حذفه كقوله: السمن منوان بدرهم)). قوله: (ثمّ ادعهم إلى الإسلام) قال النووي: ((هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم: ثم ادعهم، قال القاضي عياض رَعُله: صواب الرواية: ادعهم، بإسقاط (ثم))، وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد، وفي سنن أبي داود، وغيرهما، لأنه تفسير للخصال الثلاث، وليست غيرها. وقال المازري: ليست (ثمّ) لههنا زائدة، بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ)). ١٩ كتاب: الجهاد والسّير ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ، إِنْ فَعَلُوا ذُلِكَ، فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ. فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ. يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَلاَ يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ. إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ هُمْ أَبَوْا قوله: (ثمّ ادعهم إلى التحوّل من دارهم) قال النووي: ((معنى هذا الحديث أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك، وإلّ فهم كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو، فتجري عليهم أحكام الإسلام، ولا حق لهم في الغنيمة والفيء، وإنما يكون لهم نصيب من الزكاة إن كانوا بصفة استحقاقها)). وقال الأبي: ((والأمر بالتحوّل كان في صدر الإسلام، وعلته ما يذكر، وأما بعد ذلك فقال سحنون: من أجاب إلى الإسلام أو الجزية لم يؤمر بالتحول من محله إن كان تحت حكم الإسلام)». وقال أبو عبيد فيما حكى عنه الأبي: ((الحديث منسوخ، وإن هذا كان حكم كل من لم يهاجر في أنه لا حقّ له في الفيء، ولا في موالاة المهاجرين، ولا موارثته لقوله تعالى: ﴿ وَأَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٧٢]، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ اَلْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله ◌َّ: ((انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونيّة))، وبقوله: ((المؤمنون تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم))، ولهذا قال عمر عظ اته: ((لا أحد إلا وله في هذا المال حق كائناً من كان))، وتأول قوله تعالى: ﴿قََّ أَقَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] الآية، ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ﴾ [الحشر: ٨]، والآية التي بعدها: ﴿وَاُلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ﴾، فرأى الآيتين معطوفتين على التي قبلهما، وأن معنى الفقراء، أي: وأن الفيء لجميع هؤلاء فيه حق، وهذا مذهب مالك في الفيء والخمس)). قلت: وهو مذهب أبي حنيفة كثّفُ، أن الفيء والخمس يصرفان في مصالح جميع المسلمين، الحاضرة والبادية منهم سواء. قال شيخنا العثماني تغذّثُ في إعلاء السنن (١٢: ١٨): ((ولا شك أن الولاية كانت منوطة بالهجرة في أوائل الإسلام، منقطعة عمنٍ لم يهاجر إلى المدينة، قال الله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمَّ يُّهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَّى يُهَاجِرُواْ﴾ [سورة الأنفال، آية: ٧٢]، والفيء والغنيمة إنما هي لأهل الولاية من المسلمين، فكان من أسلم من أهل البادية ولم يهاجر محروماً عن الفيء والغنيمة. ثم لما نسخت الهجرة ولم تبق فريضة على أهل العرب نسخ حكم تعلق الولاية بها، لزوال الحكم بزوال العلة. فالأعراب المقيمون بسواد دار الإسلام من مصارف الفيء أيضاً، وأما المسلمون المقيمون بدار الحرب فلا حق لهم في الفيء أصلاً)). ٢٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ. فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ. فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِّهِ. فَلاَ تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلاَ ذِمَّةَ نَبِّهِ. وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ. فَإِنَّكُمْ، أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ مسألة أخذ الجزية من غير أهل الكتاب: قوله: (فسلهم الجزية) حجة للحنفية والمالكية في جواز أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، لأن الحديث يدل على سؤال الجزية من الكفّار والمشركين عامّة، وليس فيه ذكر أهل الكتاب خاصّة، وقال الشافعيّ وأحمد رحمهما الله: لا تؤخذ الجزية إلاّ من أهل الكتاب أو المجوس. قال الموفق في المغني (١٠: ٣٨٧): ((وجملته أن الكفار ثلاثة أقسام: قسم أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى، ومن اتخذ التوراة والإنجيل، كالسامرة والفرنج ونحوهم، فهؤلاء تقبل منهم الجزية، ويقرّون على دينهم إذا بذلوها، لقوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بَلْيَّوْرِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ بِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ (٣)﴾ [سورة التوبة، آية: ٢٩]، وقسم لهم شبهة كتاب، وهم المجوس، فحكمهم حكم أهل الكتاب في قبول الجزية منهم، وإقرارهم بها، لقول النبيّ وَّر: (سنّوا بهم سنة أهل الكتاب)) ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في هذين القسمين. وقسم لا كتاب لهم، ولا شبهة كتاب، وهم من عدا هذين القسمين من عبدة الأوثان، ومن عبد ما استحسن، وسائر الكفار. فلا تقبل منهم الجزية، ولا يقبل منهم سوى الإسلام. هذا ظاهر المذهب (أي: مذهب أحمد) وهو مذهب الشافعي. وروي عن أحمد أن الجزية تقبل من جميع الكفار، إلا عبدة الأوثان من العرب، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنهم يقرون على دينهم بالاسترقاق، فيقرون ببذل الجزية، كالمجوس. وحكي عن مالك أنها تقبل من جميع الكفار، إلا كفار قريش، لحديث بريدة)» . وحديث الباب حجة للحنفية والمالكية، لكونه عاماً في سائر المشركين والكفار، يقول الإمام أبو بكر الجصاص كثُّ في أحكام القرآن (٣: ٩٣) بعد سرد حديث الباب: ((وذلك عام في سائر المشركين، وخصّصنا منهم مشركي العرب بالآية، وسيرة النبيّ ◌َّ فيهم)). قوله: (فإنكم أن تخفروا ذممكم) إلخ: بضمّ التّاء وكسر الفاء، يعني: تنقضوا عهدكم معه، وهذا نهي تنزيه، أي: لا تجعل لهم ذمّة الله، فإنه قد ينقضها من لا يعرف حقها من الأعراب وسواد الجيش، وإن الإخفار بذمة الله أشدّ من إخفار ذمّة العباد. وقال شمس الأئمة السرخسي كثّفُ في شرح السير الكبير (١: ٣١): ((إنما كره ذلك لا على وجه التحريم، بل للتحرز عن الإخفار عند الحاجة. فكان الأوزاعي يقول: لا يجوز إعطاء ذمة