النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ كتاب: الأقضية رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ. لاَ يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَّةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ. إِلَّ مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرٍ عِلْمِهِ. فَهَل عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ)). الله)، فقال العلامة إبراهيم الطرابلسي الحنفي (المتوفي سنة: ٩٢٢ هـ) في البرهان، شرح مواهب الرحمن (٢: ٧٨٥ مخطوطة بدار العلوم كراتشي): ((وقصراه (يعني: أبا يوسف ومحمد) على الظاهر، كما في الأملاك المرسلة، وعليه الفتوى))، وقال في آخر كلامه على هذه المسألة (ص: ٧٨٧): ((وإنما كانت الفتوى على قولهما لظهور أدلتهما بالنسبة إلى دليله، وإن بالغ صاحب المبسوط في توجيهه في كتاب الرجوع عن الشهادة، وتبعه في ذلك بعض شراح الهداية)). ويقول صاحب البرهان أفتى في الشرنبلالية، كما في الدر المختار. لكن قال ابن الهمام رحمه الله في فتح القدير (٢: ٣٩٠): «وقول أبي حنيفة أَوْجَه»، وقال ابن عابدين رحمه الله في رد المحتار (٤: ٤٦٢ و٤٦٣): ((وقد حقق العلامة قاسم في رسالته قول الإمام بما لا مزيد عليه، ثم أورد عليه إشكالاً، وأجاب عنه، وعليه المتون)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ما ذكره السرخسي رحمه الله من دليل أبي حنيفة رحمه الله قوي جداً، فإن طبيعة العقود والفسوخ تقتضي أن تعتمد القضاء ظاهراً وباطناً مهما أمكن ذلك، لأن في التفريق بين الظاهر والباطن بعد القضاء مشاكل عملية يختل بها النظام، وتتعقد بها المسائل. والمعهود في أحكام الشريعة أنها تفرق بين صحة العقد وبين جواز الطريق الموصل إليه، فربما يكون الطريق حراماً، ولكن العقد الذي عقد بذلك الطريق الحرام يحكم عليه بالصحة، وهذا مثل البائع الذي أنفق سلعته باليمين الكاذبة، فإن اليمين الكاذبة حرام قطعاً، وإن بيع السلعة بالأيمان الكاذبة قد ورد عليه الوعيد الشديد في الحديث. وإن هذا البائع يأثم بذلك إثماً عظيماً ولكن العقد الذي يعقد بذلك يحكم عليه بالصحة، فملك به المشتري المبيع، والبائع الثمن ظاهراً وباطناً . ومثل ذلك رجل رغب امرأة في نكاحه ببيان أوصاف لنفسه لا توجد فيه في نفس الأمر، وحلف على ذلك بما جعل المرأة تستيقن بها، فإنه قد استعمل طريقاً غير مشروع، فيه إثم كبير، ولم تعقد المرأة النكاح معه إلا وثوقاً بهذه الأيمان الكاذبة، ولكن العقد الذي عقد بذلك الطريق الحرام يكون صحيحاً في الظاهر والباطن، بمعنى أن المرأة تصير زوجته، قضاء وديانة. فكذلك إن الرجل الذي يقيم على النكاح شاهدي زور، فإنه يرتكب حراماً لا شبهة في حرمته، ويأثم بذلك إثماً عظيماً، ولكن القاضي إذا حكم بالنكاح بعد بذل كل ما في وسعه من جهد في البلوغ إلى حقيقة الأمر، فإن قضاءه الذي لم يشرعه الله إلا لحسم النزاعات يقوم مقام العقد في حقهما، ويعتبر ذلك العقد صحيحاً في الظاهر والباطن، ولولا ذلك لما وسع للمرأة أن تمكنه من وطئها، فإنها تعلم بيقين أن دعواه كاذبة، وفي جانب آخر منه لو فرت احترازاً عن ٥٠٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٤٥٣ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. كِلاَهُمَا عَنْ الحرام جبرها القاضي على مطاوعته، فتبقى في معضلة ليس لها خلاص من ذلك. ثم لو وطئها الرجل كرهاً، ولم ينفذ القضاء في الباطن، صار ذلك زنا، وإن أولادهما لا يثبت نسبهم في الباطن، مع أنه يثبت في الظاهر، فيرثونهما في الظاهر، ولا يرثونهما في الباطن، ولو نكحت المرأة في هذه الحالة رجلاً آخر، صح هذا النكاح الثاني في الباطن، ولم يصح في الظاهر، وقس على ذلك المسائل العملية الأخرى، التي لا نهاية لها . وقد أمكن حسم هذه المسائل العملية في مجلس القاضي، فإن القاضي له ولاية عامة اعتبرها الشارع في إنشاء كثير من العقود وفسخها، فله ولاية إنكاح الصغير، وله ولاية فسخ نكاح الزوجين لعدة أسباب. فإن كان الأمر المتخاصم فيه يقبل إنشاء عقد. أو فسخ، فالمخلص الوحيد من هذه المشاكل العملية أن يجعل القاضي مُنشئاً لتلك العقود والفسوخ بولايته العامة عن طريق الاقتضاء. وليس معنى ذلك أن المدعي الذي ارتكب الحرام في الدعوى الكاذبة، وإقامة شهادة الزور، يصونه القاضي عن عذاب الآخرة، فإنه يستوجب العذاب في الآخرة، لارتكاب هذه المحرمات الشنيعة، واختيار الطرق الممنوعة لعقد صحيح. ثم الذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه، أن ما يقوله الإمام أبو حنيفة رحمه الله في مثل هذه الحالة من حل الوطأ لذلك الرجل، فإنما يريد به حل المحل، لا أن يطيب له ذلك الفعل، فينبغي أن يجب عليه فسخ ذلك العقد وعقده من جديد بطريق مشروع، وذلك لأن العقد متى عقد بطريق محظور، فإن ذلك الطريق المحظور يورث فيه خبثاً يكره معه الانتفاع بمحل العقد، وإن كان المحل قد صار مملوكاً له، فيجب عليه فسخه، كما في البيع الفاسد، فإن الرجل إذا اشترى جارية شراء فاسداً، صارت الجارية مملوكة له، ولكنه يكره له وطأها، كما ذكره البابرني في العناية (٤: ٢٣٢) عن شمس الأئمة الحلواني، وعن شرح الطحاوي. وكذلك المنكوحة ربما يكون بضعها مملوكاً للرجل، ولكنه لا يحل له وطؤها، فيحل المحل ولا يحل الانتفاع، كما في النكاح في حالة الإحرام، فلو وطئها أثم، ولكن يثبت به نسب الولد وينبغي للمرأة أن تمنعه من الوطأ في مثل هذه الحالة لئلا تكون معينة في المعصية، فإن لم يمتنع فالإثم على الزوج، ولا تعتبر مزنية، لحل محلها له. فالظاهر أن معنى نفاذ القضاء باطناً في مسألتنا أن المرأة تصير زوجة للرجل، لبضعها مملوكاً له، حتى يثبت النسب بالوطء في تلك الحالة، ولا تعتبر المرأة مزنية، ولكن الرجل يكره له أن يصيبها لما ارتكب من إقامة شهادة الزور، فيجب عليه أن يطلقها، ثم يعقد النكاح من جديد بطريق مشروع. فإن الخبث عند الحنفية على ثلاثة أنواع: خبث الكسب، وخبث السبب، وخبث البدل، وقد ذكر شيخ مشايخنا الأنور رحمه الله في كتاب الجهاد من العرف الشذي (باب ٥٠٣ كتاب: الأقضية عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَوَكِيع. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح لا تفادى جيفة الأسير ص: ٤٤١) أن المسلم إذا باع الخمر والخنزير في دار الحرب، وأخذ ثمنها فليس هناك خبث في السبب ولا في البدل ولكن يوجد هناك خبث في الكسب، فإن تعاطي الخمر والخنزير حرام على المسلم. فكذلك في مسألتنا لا يوجد الخبث في السبب، لأن سبب الحِلّ هو القضاء، وهو سبب مشروع، ولكن الخبث متمكن في الكسب، يعني: في الطريق الذي أدى إلى ذلك السبب، ولا يرتفع ذلك الخبث إلا بعقد مستأنف على الطريق المشروع. ولم أر هذا صريحاً في شيء من كتب الحنفية، ولكنه مقتضى قواعدهم. ثم رأيت أن شيخ مشايخنا الأنور رحمه الله قد أشار إلى مثل هذا في العرف الشذي أماليه على جامع الترمذي (ص: ٤٠٦) في مسألة نفاذ القضاء باطناً، فقال: ((وقد يدور بالبال أنه مع الحل باطناً من النار، لا في الكذب ابتداء فقط، بل مستمراً، ونظيره ما ذكره في رد المحتار في نكاح الرقيق فيما وطيء جارية ابنه، وادعى الولد)). قلت: أشار به الشيخ رحمه الله إلى مسألة ذكرها ابن عابدين في رد المحتار (٢: ٤١٤) أن من وطيء جارية ابنه، فعلقت منه، وولدت، فادعاه الأب ثبت نسبه منه، وصارت أم ولد له، وعليه قيمتها. واتفق الشافعية والحنفية في هذه المسألة أن ملك الأب على الجارية يثبت اقتضاء ضرورة إثبات النسب، ثم إن هذا الملك الثابت بطريق الاقضاء يثبت عند الشافعية قبيل العلوق وعند الحنفية قبيل الإيلاج، فيريد الشيخ رحمه الله تعالى أن الجارية وإن صارت أم ولد للأب ضرورة، فإن ذلك لا يستلزم أن يكون هذا الفعل حلالاً . وإنما يأثم الأب بارتكاب طريق حرام، ويبقى هذا الخبث مستمراً. فكذلك الذي أقام شهادة زور، فقضي له بالشيء فإنه قد ملك ذلك الشيء، ولكن الخبث فيه مستمر. وأضف إلى ذلك أن الخبث إن كان مستمراً، فلا يطيب للرجل الانتفاع بالمرأة. حتى يزيل ذلك الخبث بطريق مشروع، وهو العقد المستأنف. ويؤيده أن الرجل الذي قضى له علي رظّ ◌ُله في القصة التي استدل بها الإمام أبو حنيفة، قد تزوج المرأة بعد هذا القضاء وقد صرح به عمرو بن المقدام، فيما روى عنه الخصاف رحمه الله في أدب القضاء (مع شرحه للصدر الشهيد ٣: ١٧٦) ولفظه: ((فقال (أي: علي): قد زوجك الشاهدان، وقضى عليها بالنكاح، قال عمرو: فتزوجها الرجل بعد ذلك)). وأما علي ظه، فقد امتنع عن التزويج المستأنف، لأنه كان قاضياً، وقد قضى بالنكاح حسب الشهادة، فإقدامه على التزويج ربما كان يوهم أنه لم يقض في تلك المسألة بحق، ثم أراد أن تعلم المرأة مسألة نفاذ القضاء في الباطن، وأنها صارت زوجته ولا تكون مزنية بوطئها . ٥٠٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أبي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ (يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ). كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. ٤٤٥٤ - (٨) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ. فَقَالَتْ: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ! وَاللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ حِبَاءِ تنبيه فى القضاء بالنكول وباليمين: قد ذكرنا أن القضاء ينفذ في الباطن عند أبي حنيفة إذا كان بشهود، أو بنكول، وقد صرح ابن عابدين بأن حكم القضاء بالنكول حكم القضاء بالشهود، راجع رد المحتار (٤: ٤٦٢) طبع استانبول . وأما القضاء باليمين، فلا ينفذ في الباطن، وصورته: امرأة ادعت أن زوجها أبانها بثلاث، فأنكر، فحلفه القاضي، فحلف، والمرأة تعلم أن الأمر كما قالت، لا يسعها المقام معه، ولا أن تأخذ من ميراثه شيئاً. قال ابن عابدين في رد المحتار (٤: ٤٦٣): ((وهذا لا يشكل إذا كان ثلاثاً، لبطلان المحلية للإنشاء، قبل زوج آخر، وفيما دون الثلاث مشكل، لأنه يقبل الإنشاء. وأجيب بأنه إنما يثبت إذا قضى القاضي بالنكاح، وهذا لم يقض به، لاعترافهما به، وإنما ادعت الفرقة. زيلعي)). تنبيه آخر في اشتراط الشهود عند القضاء: ثم لما كان قضاء القاضي إنشاء عند الحنفية، اشترط له بعضهم ما يشترط لإنشاء ذلك العقد، كالشهود للنكاح. فقالوا: إنما ينفذ قضاء النكاح في الباطن إذا كان القضاء بمحضر من شاهدين، وإلا فلا ينفذ، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، حيث قال في المبسوط (١٦ : ١٨٢): ((فكذلك الشهادة شرط، إلا أن مجلس القضاء لا يخلو من شاهدين، فلهذا لم يذكر الشهادة، فأما الولي ليس بشرط عندنا، ولا حاجة إلى ذكر المهر)). ولكن أكثر المشايخ الحنفية إلى أنه لا يجب حضور الشاهدين في مجلس القضاء، وجعله ابن الهمام أوجه، وقال: ((إن ثبوته (أي: النكاح) على هذا الوجه يكون ضمنياً، ولا يشترط للضمنيات ما يشترط لها إذا كانت قصديات)) راجع فتح القدير، قبيل باب الأولياء والأكفاء (٢ : ٣٩٠)، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٥ - (٠٠٠) - قوله: (جلبة خصم) بفتح اللام والجيم وفي رواية معمر الآتية: (لجبة خصم) بفتح اللام والجيم قال النووي: ((هما صحيحان)» والجلبة، واللجبة: اختلاط الأصوات، والخصم ههنا الجماعة، وهو من الألفاظ التي تقع على الواحد والجمع)). ٥٠٥ كتاب: الأقضية أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُعِزَّهُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((وَأَيْضاً. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ!)) ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ. فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أَنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ فَقَالَ النِّيُّ ◌َِّ: ((لاَ حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ)). ٤٤٥٥ _ (٩) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ قوله: (فأحسب أنه صادق) قد اتفق الأصوليون على أنه وَلجه لا يقر على خطأ في الأحكام. فالجواب أنه لا تعارض بين الحديث وقاعدة الأصوليين، لأن مراد الأصوليين فيما حكم فيه باجتهاده، فهل يجوز أن يقع فيه خطأ، فيه خلاف، الأكثرون على جوازه، ومنهم من منعه، فالذين جوزوه قالوا: لا يقر على إمضائه، بل يعلمه الله تعالى به، ويتداركه. وأما الذي في الحديث فمعناه إذا حكم بغير اجتهاد، كالبينة واليمين، فهذا إذا وقع منه ما يخالف ظاهره باطنه، لا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح، بناء على ما استقر به التكليف، وهو وجوب العمل بشاهدين مثلاً، فإن كانا شاهدي زور أو نحو ذلك، فالتقصير منهما وممن ساعدهما، وأما الحكم فلا حيلة له في ذلك، ولا عيب عليه بسببه، بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد، فإن هذا الذي حكم به، ليس هو حكم الشرع، والله أعلم. كذا في شرح النووي، والمرقاة لعلي القاري (٧: ٢٥٣). (٤) - باب: قضية هند ٧ - (١٧١٤) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب من أجرى الأمصار على ما يتعارفون بينهم، (رقم: ٢٢١١)، وفي المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، (رقم: ٢٤٦٠)، وفي مناقب الأنصار، باب ذكر هند بنت عتبة. (رقم: ٣٨٢٥)، وفي النفقات، باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها، ونفقة الولد، (رقم: ٥٣٥٩)، وباب إذا لم ينفق الرجل، فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها، وولدها بالمعروف، (رقم: ٥٣٦٤)، وباب وعلى الوارث مثل ذلك، (رقم: ٥٣٧٠)، وفي الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي وَّر، (رقم: ٦٦٤١)، وفي الأحكام، باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون والتهمة، (رقم: ٧١٦١)، وباب القضاء على الغائب (رقم: ٧١٨٠). وأخرجه أيضاً أبو داود في البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده. (رقم: ٣٥٣٢)، والنسائي في القضاة، باب قضاء الحاكم على الغائب إذا عرفه، وابن ماجه في التجارات، باب ما للمرأة من مال زوجها، (رقم: ٢٢٩٣). قوله: (دخلت هند بنت عتبة) وهي والدة معاوية رؤيته، قتل أبوها يوم بدر، وشهدت مع ٥٠٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَبِيعَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّه، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. وَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((وَأَيْضَاً. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ)). ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسْيكٌ. فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ مِنْ أَنْ أُطْعِمَ، مِنَ الَّذِي لَهُ، عِيَالَنَا؟ فَقَالَ لَهَا: ((لاَ. إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ)). زوجها أبي سفيان أُحُداً، وحرضت على قتل حمزة عم النبي ◌َّر، لكونه قتل عمها شيبة، وشرك في قتل أبيها عتبة، فقتله وحشي بن حرب، ثم أسلمت هند يوم الفتح، وكانت من عقلاء النساء. وكانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، ثم طلقها في قصة جرت. ماتت في خلافة عمر، ﴿ّ. كذا في مناقب فتح الباري (٧: ١٤١). وذكر الحافظ في نفقات الفتح (٩: ٥٠٨) عدة روايات تثبت أنها عاشت إلى خلافة معاوية رضيبه، ولكنها مروية عن الواقدي، والله أعلم. والظاهر من عدة روايات أن قصتها هذه وقعت في مكة عند الفتح، راجع لها فتح الباري. قوله: (إن أبا سفيان) اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان سيد قريش بعد وقعة بدر، وسار بهم في أحد، وساق الأحزاب يوم الخندق، ثم أسلم ليلة الفتح. قوله: (رجل شحيح) قال الحافظ في الفتح (٩: ٥٠٨): ((الشح: البخل مع حرص، والشح أعم من البخل، لأن البخل يختص بمنع الملل، والشح بكل شيء. وقيل: الشح لازم كالطبع، والبخل غير لازم)). وقال أبو هلال العسكري في (الفروق في اللغة) (ص: ١٧٠): ((الفرق بين الشح والبخل أن الشح: الحرص على منع الخير، ويقال: زند شحاح، إذا لم يور ناراً، وإن أشح عليه بالقدح، كأنه حريص على منع ذلك. والبخل: منع الحق، فلا يقال لمن يؤدي حقوق الله تعالى: بخیل)). وقال القرطبي: لم ترد هند وصف أبي سفيان بالشح في جميع أحواله، وإنما وصفت حالها معه، وأنه كان تفتر عليها، وعلى أولادها. وهذا لا يستلزم البخل مطلقاً، فإن كثيراً من الرؤساء يفعل ذلك مع أهله، ويؤثر الأجانب استثلافاً لهم)). وقال الأبي: ((فيه أن ذكر الرجل بما فيه عند الحاكم والمفتي ليس بغيبة)). قوله: (وما يكفي بني) قال القاضي عياض: ((فيه صحة تكلم الحاضن في حق محضونه)) حكاه الأبي. قوله: (إلا ما أخذت من ماله) زاد الشافعي في روايته: ((سراً، فهل عليٍّ في ذلك من ٥٠٧ كتاب: الأقضية (٥) - باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه ٤٤٥٦ - (١٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثاً وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًاً. فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً. وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا. وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ شيء)) نقله الحافظ . قوله: (خذي من ماله بالمعروف) قال القرطبي: ((قوله: (خذي) أمر إباحة، بدليل قوله: ((لا حرج)). والمراد بالمعروف: القدر الذي عرف بالعادة أنه الكفاية)) كذا في فتح الباري (٩ : ٥٠٩). ثم اختلف العلماء في جواب النبي ◌َّل﴾، هل كان قضاء، أو إفتاء؟ والصحيح أنه كان إفتاء، ولذلك لم يدع النبي ◌َّ أبا سفيان للسماع منه جوابه، ولئن كان ذلك قضاء لأمكن أبا سفيان للجواب عنه، لأن القضاء لأحد الخصمين بدون سماع كلام الآخر لا يجوز، ولذلك قال القرطبي رحمه الله: ((وهذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظاً، لكنها مقيدة معنى، كأنه قال: إن صح ما ذكرت))، لأن المفتي إنما يجيب دائماً على تقدير صحة السؤال، ولا يدخل في تفتيش صحته، لأن قوله مظهر لحكم الله، وليس ملزماً كالقضاء. مسألة الظفر: استدل الشافعي رحمه الله بحديث الباب على مذهبه في أن الدائن إن ظفر بشيء من مال المديون المماطل جاز له استيفاء دينه من ذلك المال، سواء كان المال من جنس حقه، أو غيره، وتسمى هذه المسألة: مسألة الظفر، والمشهور من مذهب الحنفية أنه يجوز له الأخذ إن كان ما ظفر به من جنس حقه، ولا يجوز إن كان من غير جنسه، غير أن المتأخرين من الحنفية أفتوا في هذه المسألة بمذهب الشافعي، كما سيأتي. وتفصيل المسألة على ما ذكره ابن قدامة في المغني، أن من ظفر بشيء من مال المديون، فإنه لا يخلو من أحوال: ١ - إن كان المديون مقراً بالدين بإذلاله، لم يكن للظافر أن يأخذ مما ظفر به، إلا ما يعطيه المديون برضاه. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. فإن أخذ من ماله شيئاً بغير إذنه لزمه رده إليه، وإن كان قدر حقه، لأنه لا يجوز أن يملك عيناً من أعيان ماله بغير اختياره لغير ضرورة، وإن كان من جنس حقه، لأنه قد يكون للإنسان غرض في العين. ٥٠٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ . ٢ - وإن كان المديون مانعاً للدين لأمر يبيح المنع، كالتأجيل والإعسار، لم يجز أخذ شيء من ماله بغير خلاف، وإن أخذ شيئاً لزمه رده إن كان باقياً، أو عوضه إن كان تالفاً. ٣ - وإن كان المديون مانعاً له بغير حق، وقدر الدائن على استخلاصه بالحاكم لم يجز له الأخذ أيضاً، لأنه قدر على استيفاء حقه بمن يقوم مقامه، وعند الشافعي رحمه الله في هذه الصورة وجهان. ٤ - وإن كان المدين جاحداً، ولا بينة له به، ولا يقدر الدائن على استخلاصه بالحاكم، ولا يجيبه إلى المحاكمة، فهذا موضع خلاف بين الأئمة على الشكل التالي: قال الشافعي رحمه الله تعالى: جاز له أخذ حقه مما ظفر به، سواء كان المال الذي وجده من جنس حقه، أو من خلاف جنسه، وهو رواية عن مالك رحمه الله. وقال أحمد رحمه الله في المشهور عنه: ليس له الأخذ من ذلك المال، بل يرده، ثم يطالبه بدينه، وهو رواية عن مالك رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: يجوز له الأخذ إن كان ما وجده من جنس حقه، ولا يجوز إن كان من غير جنسه. وهو رواية عن مالك رحمه الله. وقد وردت عن مالك في ذلك روايات ثلاثة. كالمذاهب المتقدمة، والمشهور من مذهبه أنه إن لم يكن لغيره عليه دين فله أن يأخذ بقدر حقه، وإن كان عليه دين لم يجز لأنها يتحاصان في ماله إذا أفلس. هذا ملخص ما في المغني لابن قدامة (١٢: ٢٢٩ و٢٣٠). كتاب الدعاوي والبينات. استدل الحنابلة والمالكية على منع الظافر من أخذ حقه مما وجده، بما أخرجه الترمذي في البيوع، (باب: ٣٨، رقم: ١٢٦٤) عن أبي هريرة ر ◌ُه، قال: قال النبي وَلّ: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)). وأخرج أبو داود في البيوع (رقم: ٣٥٣٤) عن يوسف بن ماهك المكي، قال: ((كنت أكتب لفلان نفقة أيتام، كان وليهم، فغالطوه بألف درهم، فأداها إليهم، فأدركت لهم من مالهم مثليها، قال: قلت: اقبض الألف الذي ذهبوا به منك؟ قال: لا ، حدثني أبي: أنه سمع رسول الله وَ لّ يقول: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا نحن من خانك)). فأما حديث يوسف بن ماهك ففيه مجهول، كما صرح به المنذري في تلخيصه، وأما حديث أبي هريرة فقد حسنه الترمذي، ولكن أجاب عنه الخطابي في معالم السنن (٥: ١٨٥) بقوله: ((وهذا الحديث يعد في الظاهر مخالفاً لحديث هند، وليس بينهما في الحقيقة خلاف. وذلك لأن الخائن هو الذي يأخذ ما ليس له أخذه ظلماً وعدواناً، فأما من كان مأذوناً له في أخذ حقه من مال خصمه، واستدراك ظلامته منه، فليس بخائن. وإنما معناه: لا تخن من خانك، بأن ٥٠٩ كتاب: الأقضية تقابله بخيانة مثل خيانته. وهذا لم يخنه، لأنه يقبض حقاً لنفسه، والأول يغتصب حقاً لغيره)). وأما الشافعية فاستدلوا بحديث هند في الباب، وهو صريح في جواز أخذ الحق مما ظفرت به المرأة، من مال الزوج. وأما الحنفية فقالوا في أصل مذهبهم: إن حديث هند محمول على ما إذا كان المال المظفور به من جنى حق الظافر، فأما إذا كان من غير جنسه، فإن أخذه يقتضي بيع دينه بذلك المال، وإنه ليس بمأذون في بيع ماله. ولكن أفتى المتأخرون من الحنفية بقول الشافعية. يقول ابن عابدين في كتاب الحجر من رد المحتار (٥: ١٠٥): ((قال الحموي في شرح الكنز، نقلاً عن العلامة المقدسي، عن جده الأشقر، عن شرح القدوري للأخصب: إن عدم جواز الأخذ من خلاف الجنس كان في زمانهم، المطاوعتهم في الحقوق، والفتوى اليوم على جواز الأخذ عند القدرة من أي مال كان، لا سيما في ديارنا، لمداومتهم العقوق)). وكذلك نقل ابن عابدين في كتاب الحدود (٣: ٢١٩ و٢٢٠) عن القهستاني في مذهب الشافعي: ((وهذا أوسع، فيجوز الأخذ به، وإن لم يكن مذهبنا، فإن الإنسان يعذر في العمل به عند الضرورة، كما في الزاهدي)) ثم نقل عبارة الحموي المذكورة، وإليه يظهر ميلان صاحب الدر المختار حيث قال في الحظر والإباحة: ((ليس لذي الحق أن يأخذ غير جنس حقه، وجوزه الشافعي، وهو الأوسع))، وعاد ابن عابدين رحمه الله تحته (٥: ٣٠٠)، فقال: ((أما اليوم، فالفتوى على الجواز)). فائدة في الظفر بمال بيت المال: قال ابن عابدين رحمه الله في كتاب السير من رد المحتار (٣: ٢٦٥): ونقل في القنية عن الإمام الوبري: أن من له حظ في بيت المال ظفر بما له وجه لبيت المال، فله أن يأخذ ديانة اهـ ونظمه في الوهبانية. وفي البزازية: قال الإمام الحلواني: إذا كان عنده وديعة، فات المودع بلا وارث، له أن يصرف الوديعة إلى نفسه في زماننا، لأنه لو أعطاها لبيت المال لضاعت، لأنهم لا يصرفونه مصارفه، فإذا كان من أهله صرفه إلى نفسه، وإلا صرفه إلى المصرف اهـ، وقدم الشارح هذا في باب العشر من كتاب الزكاة، وظاهره أن من له حظ في بيت المال بكونه فقيراً، أو عالماً، أو نحو ذلك، ووجد ما مرجعه إلى بيت المال من أي بيت من البيوت الأربعة الآتية في آخر الجزية، له أخذه ديانة بطريق الظفر في زماننا، ولا يتقيد أخذه بأن يكون مرجع المأخوذ إلى البيت الذي يستحق منه)). وراجعه للتفصيل، وراجع أيضاً باب العشر من رد المحتار (٢: ٦١). ثم استدل بعض الفقهاء بحديث الباب على جواز أن يقضي القاضي بعلمه، وعلى جواز ٥١٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)). القضاء على الغائب، ولكننا ذكرنا أن جواب النبي وَليو كان على وجه الإفتاء، دون القضاء، فلا علاقة للمسألتين بحديث الباب. ٨ - (٠٠٠) - قوله: (ما كان على ظهر الأرض أهل خباء) الخباء بكسر الخاء وتخفيف الباء، والمد: خيمة من وبر، أو صوف، ثم أطلقت على البيت كيف ما كان. كذا في فتح الباري (٧: ١٤١). وقال العراقي رحمه الله في طرح التثريب (٤: ١٧١): ((وسمي البيت خباء، لأنه يخبىء ما فيه، والخباء في الأصل مصدر، تقول: خبأت الشيء خبأ، وخباء ... قال القرطبي: ووصف هند في هذا الحديث حالها في الكفر وما كانت عليه من بغض رسول الله وَلّر، وبغض أهل بيته، وما آبت إليه حالها لما أسلمت تذكر لنعمة الله عليها بما أنقذها الله منه، وبما أوصلها إليه، وتعظيم لحرمة رسول الله وَلته، ولتنبسط فيما تريد أن تسأل عنه، ولتزول آلام القلوب، لما كان منها يوم أحد في شأن حمزة وغير ذلك)). قوله: (أحب إليَّ) هو بالنصب في أكثر النسخ المشكلة، على أنه خبر (كان) وشكلوه في بعض نسخ البخاري بالرفع، كأنه صفة لقولها: (أهل خباء، والوجهان سائغان، ولم أر من صرح بإعرابه في الرواية . قوله: (من أن يذلهم الله) كذا في سائر النسخ الموجودة عندي، ولعل كلمة (من) ههنا زائدة، أو بيانية. ولا توجد كلمة (من الله) رواية البخاري في المناقب، وفي الأحكام، ولفظها: ((ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا)) وهو أوضح، وأوجه. أما قولها: من أهل خبائك)) فكلمة (من) فيه تفضيلية. قوله: (وأيضاً، والذي نفسي بيده) فسره ابن التين بأن معناه: ((أنا أيضاً بالنسبة إليك مثل ذلك))، ولكنه تعقب من جهة طرفي البغض والحب، فقد كان في المشركين من كان أشد أذى للنبي وَير من هند وأهلها، وكان في المسلمين بعد أن أسلمت من هو أحب إلى النبي ◌َّ منها ومن أهلها . وفسره أكثر العلماء أن المعنى: أنك ستزيدين في المحبة كلما تمكن الإيمان من قلبك، وترجعين عن البغض المذكور حتى لا يبقى له أثر، (فأيضاً) خاص بما يتعلق بها، لا أن المراد بها إني كنت في حقك كما ذكرت في البغض، ثم صرت على خلافه في الحب، كذا في فتح الباري (٧: ١٤١). ٩ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا ابن أخي الزهري) هو محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري، أبو عبد اللّه المدني، وكان ابنا لأخي الزهري المعروف، فربما يذكره المحدثون بابن أخي الزهري، ٥١١ كتاب: الأقضية ٤٤٥٧ - (١١) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثَاً. وَلَمْ يَذْكُرْ: وَلاَ تَفَرَّقُوا . ٤٤٥٨ - (١٢) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَيُّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ. وَوَأْدَ الْبَنَاتِ. ولا يسمونه، وهو صالح كثير الحديث، غير أن العلماء وصفوه برداءة الحفظ، وكثرة الوهم، فيتوقفون فيما يتفرد به عن الزهري، وهو من الطبقة الثانية من أصحاب الزهري، مع أسامة بن زيد، وابن إسحاق، وابن أبي أويس، وفليح، ومع ذلك روى عنه الجماعة، وأخرج له البخاري حديثين، وأخرج عنه مسلم للاستشهاد، وراجع تهذيب (٩: ٢٨٠). قوله: (رجل مسيك) قال النووي: ((أي: شحيح، ويخيل، واختلفوا في ضبطه على وجهين حكاهما القاضي: أحدهما مسيك، بفتح الميم، وتخفيف السين. والثاني: بكسر الميم، وتشديد السين، وهذا الثاني هو الأشهر في روايات المحدثين، والأول أصح عند أهل العربية، وهما جميعاً للمبالغة». قوله: (عيالنا) منصوب على أنه مفعول لقوله: (أطعم)، وقولها: (من الذي له) تعني به (من المال الذي هو ملكه). قال الحافظ في الفتح (٩: ٥٠٩): ((واستدل به على وجوب نفقة الابن على الأب، ولو كان الابن كبيراً، وتعقب بأنها واقعة عين، ولا عموم في الأفعال، فيحتمل أن يكون المراد بقولها (بني) بعضهم، أي: من كان صغيراً أو كبيراً زمناً، لا جميعهم)). قوله: (إلا بالمعروف) قال العراقي في شرح التقريب (٤: ١٧٤): ((فيه اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي. قال النووي: وقال أبو العباس القرطبي: فيه دليل على اعتبار العرف في الأحكام الشرعية، خلافاً للشافعية وغيرهم من المنكرين له لفظاً، الآخذين به عملاً، انتهى. وقوله (لا إلا بالمعروف) ذكر القاضي عياض، والنووي، والقرطبي أن تقديره: (لا حرج) ثم ابتدأ، فقال: لا، إلا بالمعروف، أي: لا تنفقي إلا بالمعروف، أو لا حرج إذا لم تنفقي إلا بالمعروف قلت: (القائل العراقي رحمه الله): ويحتمل أن تقديره: لا تنفقي إلا بالمعروف، والله أعلم)). الفوائد الأخرى المستنبطة من هذا الحديث: ودل الحديث على فوائد أخر غير ما ذكرنا: منها : أنه يجوز سماع كلام الأجنبية عند الحكم والإفتاء عند من يقول: إن صوتها عورة، ويقول: جاز هنا للضرورة، وقال آخرون: إن صوتها ليس عورة. ٥١٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَمَنْعاً وَهَاتٍ. وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًاً: قِيلَ وَقَالَ. وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ. وَإِضَاعَةَ الْمَالِ)). ٤٤٥٩ - (٠٠٠) وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ. وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. ٤٤٦٠ _ (١٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ. حَدَّثَنِي ابْنُ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ. حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّ. فَكَّتَبَ إِلَيْهِ: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًاً: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ)). ٤٤٦١ - (١٤) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سُوقَةَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ وَرَّادٍ. قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ: سَلاَمٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ثَلَاثاً. وَنَهَى عَنْ ثَلاَثٍ: حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ. وَوَأُدَ الْبَنَاتِ. وَلاَ وَهَاتٍ. وَنَهَى عَنْ ثَلاَثٍ: قِيلٍ وَقَالٍ. وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ. وَإِضَاعَةِ الْمَالٍ)). ومنها: أن من نسب إلى نفسه أمراً عليه فيه غضاضة فليقرنه بما يقيم عذره في ذلك، ذكره الحافظ . ومنها: أن للمرأة مدخلاً في القيام على أولادها، وكفالتهم، والإنفاق عليهم. ومنها: أن بعض الفقهاء قد استدلوا بهذا الحديث على وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج، لأن أبا سفيان رئيس قومه، ويبعد أن يمنع زوجته أولاده التققة، فكأنه كان يعطيها قدر كفايتها، وولدها، دون من يخدمهم، فأضافت ذلك إلى نفسها، لأن خادمها داخل في جملتها، ذكره الحافظ في الفتح (٩: ٥٠٩) عن الخطابي. وقال العراقي في شرح التقريب (٤: ١٧٣): ((والمعروف من مذاهب الفقهاء إيجاب نفقة خادم الزوجة، وبه قال الأئمة الأربعة، واعتبر الشافعية والمالكية والحنابلة في إيجاب ذلك أن تكون ممن يخدم مثلها عادة، أو تحتاج إليه لمرض، واعتبر الحنفية أن يكون الزوج موسراً. رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، وصححه صاحب الهداية، وخالف في ذلك محمد بن الحسن)). ٥١٣ كتاب: الأقضية (٦) - باب: بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، فأصاب أو أخطأ ٤٤٦٢ - (١٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ قَالَ: ((إِذَا حَكَّمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانٍ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ، ثُمَّ أَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ)) . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: المراد منه نفقة الخادم المملوك لها إذا أتت به معها، ولا يلزمه استئجار خادم لها، يخدم ذاتها، إلا في حالة المرض، فيجب على الزوج استئجار من يخدمها. أما إذا طالبت بخادم يطبخ لها، فإن كانت ممن لا تخدم، أو لا تقدر فعلى الزوج أن يأتي إليها بمن يكفيها ذلك. وراجع رد المحتار (٢: ٧١١). هذا حكم نفقة الخادم؛ وأما استدلال الخطابي رحمه الله بحديث الباب على هذه المسألة فلا يخلو من بعد. والله أعلم. (٥) - باب: النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة إلخ ١٠ - (١٧١٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً مالك في كتاب الجامع، باب ما جاء في إضاعة المال وذي الوجهين، وأحمد في مسنده (٢: ٣٢٧). قوله: (ولا تفرقوا) وذكر حماد في روايته عن سهيل عند أحمد (٢: ٣٢٧) بدله: (وأن تنصحوا لولاة الأمر) وجمع الأسود بن عامر عن حماد بين الأمرين، فقال: ((وأن تنصحوا لمن ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا))، أخرجه أحمد (٢: ٣٦٠). قوله: (ويكره لكم قيل وقال) ضبطه العلماء بوجهين، أشهرهما: أن اللام مفتوحة فيها من غير تنوين، على أنهما فعلان فكأنه حكاية، يعني: يكره لكم أن تقولوا: قيل، وقال. والثاني: أنهما مصدران منونان، وعليه فينبغي أن يكون (قيلاً، وقالاً) على أنهما اسمان. قال المحب الطبري: ((في قيل وقال ثلاثة أوجه: أحدها أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولاً، وقيلاً، وقالاً. والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام، لأنها تؤول إلى خطأ، وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه. ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان كذا، وقيل كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوص منه، وهو ما يكرهه المحكي عنه. ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين، كقوله: قال فلان كذا، وقال فلان كذا. ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك، بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبت، ولكن يقلد من سمعه، ولا يحتاط له)) كذا في فتح الباري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين (١٠ : ٤٠٧). ٥١٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٤٦٣ - (٠٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَزَادَ فِي عَقِبِ الْحَدِيثِ: قَالَ يَزِيدُ: فَحَدَّثْتُ هذَا الْحَدِيثَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. فَقَالَ: هُكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ٤٤٦٤ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ الدِّمَشْقِيَّ). حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيِْيُّ، بِهِذَا الْحَدِيثِ، مِثْلَ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ. بَالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً. (٧) - باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ٤٤٦٥ - (١٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: كَتَبَ أَبِي، (وَكَتَبْتُ لَهُ)، إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وقال ابن الأثير في جامع الأصول (٥: ٥٥) ((قال أبو عبيد فيه: جعل القال مصدراً، كأنه قال: نهى عن قيل وقول، يقال: قلت قولاً، وقيلاً، وقالاً، وقال غيره: لو كان هذا لقلت الفائدة، لأن الثاني هو الأول. والقيل والقال بمعنى واحد، فأي معنى للنهي عن اللفظين، وهما سواء؟ والأحسن يكون على الحكاية، فيكون النهي عن القول بما لا يصح، وما لا تعلم حقيقته، وأن يقول المرء في حديثه: قيل كذا، وقال قائل كذا، هو نحو الحديث الآخر: (بئس مطية الرجل زعموا)، وهو التحدث بما لا يصح، وشغل الزمان بما لم يتحقق صدقه، وهو المذموم، وأما من حكى ما يصح ويعرف حقيقة، وأسند ذلك إلى معروف بالصدق والثقة، فلا وجه للنهي عنه، ولاذم فيه عند أحد من أهل العلم)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومما يتضمن الحديث كراهته الجدل والمناظرة في أمور لا فائدة في البحث عنها، أو الجدل الذي لا يقصد به إلا إظهار علمه وخبرته، دون تحقيق الحق، وهكذا أكثر المجادلات والمناظرات في عصرنا، حيث لا يقصد المجادلون أن يستسلموا للحق كلما بان لهم، وإنما يقصدون بذلك الترفع على الفريق الآخر، وإظهار أنهم أعلم منه، والعياذ بالله العظيم. وهذا الجدل هو الذي كرهه العلماء، والذي قال فيه الإمام مالك بن أنس رحمه الله: ((المِرَاء يذهب بنور العلم)). وراجع كتاب الآداب الشرعية، والمنح المرعية، للحافظ ابن رجب (١ : ٢٢٧). قوله: (وكثرة السؤال) اختلفوا في المراد به، فقيل: المراد منه سؤال المال، ومن أجل هذا المعنى أخرج البخاري هذا المتن (برواية المغيرة بن شعبة) في كتاب الزكاة وقيل: المراد منه السؤال عن المشكلات والمعضلات، وقيل: هو عام للأمرين جميعاً. وإن هذا الأخير قد رجحه ٥١٥ كتاب: الأقضية وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ: أَنْ لاَ تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنَ وَأَنْتَ غَضْبَانُ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَه يَقُولُ: ((لَ يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنٍ وَهُوَ غَضْبَانُ)). ٤٤٦٦ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌٍ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَةً. الحافظ في الزكاة، وفي الأدب (١٠ : ٤٠٧). ثم الذين فسروه بالسؤال عن المشكلات، اختلفوا في تعيين السؤال المذموم، على الشكل التالي : ١ - المراد منه السؤال عن المسائل التي لا حاجة إليها. ٢ - المراد منه السؤال عن أخبار الناس. ٣ - المقصود منه السؤال عن أحوال تفاصيل معاش صاحبك. كذا ذكر العيني هذه الأقوال في عمدة القاري (١١: ٤٦٨). وقد فسره بعض العلماء بأن المراد منه البحث في المسائل التي لم تقع بعد، وقد ورد في كراهته أحاديث وآثار عقد لها الدارمي رحمه الله باباً في أوائل مسنده، وقد ساقها ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢: ١٤٠)، وذكر الحافظ كثيراً منها في كتاب الاعتصام، وقد مَرَّ منا بعض الكلام على هذه المسألة في أوائل كتاب اللعان، تحت حديث سهل ظه، حيث نقلنا عبارة الخطابي رحمه الله. وأحسن ما رأيت في تفصيل هذه المسألة كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام من فتح الباري، فلا بأس بإيراده بلفظه، وإن كان فيه شيء من التطويل، فإنه كلام متين جداً، يقول رحمه الله تعالى: ٥١٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٨) - باب: نقض الأحكام الباطلة، وردّ محدثات الأمور ٤٤٦٧ - (١٧) حدّثنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَاَلِيُّ . جَمِيعاً عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدِّ). ((والتحقيق في ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين: أحدهما أن يبحث في دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربما كانت فرضاً على من تعين عليه من المجتهدين، ثانيهما: أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع، مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس، بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلاً فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود نظر ته، رفعه: (هلك المتنطعون)، أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان، ربما لا طائل تحته)). ((ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب، ولا السنة، ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جداً، فيصرف فيها زمان كان صرفه في غيرها أولى، لا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بیان ما يكثر وقوعه)). وأشد من ذلك ي كثرة السؤال: البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمثال ذلك. مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث)). ((وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة، وسيأتي مثال ذلك في حديث أبي هريرة رفعه: (لا يزال الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟)). (( ... وقال بعض الشراح: مثال التنطع في السؤال، حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع، بعد أن يفتي بالإذن: أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها، أو لا؟ فيجيب بالجواز، فإن عاد، قال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره، أو كان خلاف الأولى. ولو سكت السائل عن هذا التنطع، لم يزد المفتي على جوابه بالجواز)). ((وإذا تقرر ذلك، فمن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه. ومن توسع في تفريع المسائل وتوليدها، لا سيما فيما يقل ٥١٧ كتاب: الأقضية ٤٤٦٨ - (١٨) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَامِرٍ . قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ لَهُ ثَلاَثَةُ مَسَاكِنَ. فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا. قَالَ: يُجْمَعُ ذُلِكَ كُلُّهُ فِي مَسْكَنٍ وَّاحِدٍ. ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلِ قَالَ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدِّ). وقوعه. أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كرهه السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله محافظاً على ما جاء في تفسيره عن رسول الله وَلقر، وعن أصحابه الذين شاهدوا التنزيل، وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة، وما دلت عليه، كذلك مقتصراً على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد، وينتفع به، وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين ومن بعدهم. حتى حدثت الطائفة الثانية. فعارضتها الطائفة الأولى، وكثر بينهما المراء والجدال، وتولدت البغضاء، وسموا خصوماً، وهم من أهل دين واحد. والواسط هو المعتدل من كل شيء)). ((وإلى ذلك يشير قوله ( 8# في الحديث الماضي: ((فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم))، فإن الاختلاف يجر إلى عدم الانقياد. وهذا كله من حيث تقسيم المشتغلين بالعلم. وأما العمل بما ورد في الكتاب والسنة، والتشاغل به فقد وقع الكلام في أيهما أولى؟ والإنصاف أن يقال: كلما زاد على ما هو في حق المكلف فرض عين، فالناس فيه على قسمين: من وجد في نفسه قوة على الفهم والتحرير، فتشاغله بذلك أولى من إعراضه عنه، وتشاغله بالعبادة لما فيه من النفع المتعدي. ومن وجد في نفسه قصوراً فإقباله على العبادة أولى، لعسر اجتماع الأمرين، فإن الأول لو ترك العلم لأوشك أن يضيع بعض الأحكام بإعراضه، والثاني لو أقبل على العلم، وترك العبادة، فاته الأمران، لعدم حصول الأول له، وإعراضه به عن الثاني، والله الموفق)). انتهى كلام الحافظ في فتح الباري، كتاب الاعتصام (١٣: ٢٦٧ و ٢٦٨). قوله: (وإضاعة المال) لعل مناسبته بما قبله من كثرة السؤال، والقيل والقال: أن الوقت من أعز متاع الإنسان، فلو ضيعه في ما لا فائدة فيه من فضول الكلام، فإنه أشد من إضاعة المال، والله أعلم. ويدخل في إضاعة المال كل إنفاق في غير وجهه المأذون فيه شرعاً، سواء كانت دينية، أو دنيوية. وراجع لتفصيل الإسراف فتح الباري، كتاب الأدب (١٠: ٤٠٨). ١٢ - (٥٩٣) - قوله: (عن وَرَّاد مولى المغيرة بن شعبة) ويقال له كاتب المغيرة أيضاً، وهو ٥١٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٩) - باب: بيان خير الشهود ٤٤٦٩ - (١٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((أَلَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنَّ يُسْأَلَهَا)) . أبو سعيد الثقفي، روى عن المغيرة، ووفد على معاوية، ذكره ابن حبان في الثقات. كذا في التهذيب (١١: ١١٢). قوله: (عن المغيرة بن شعبة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاعتصام، باب ما يكره من كثرة السؤال، (رقم: ٧٢٩٢)، وفي صفة الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، (رقم: ٨٤٤)، وفي الزكاة، باب قول الله تعالى: لا يسألون الناس إلحافاً، (رقم: ١٤٧٧)، وفي الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة، (رقم: ٦٣٣٠)، وفي الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، (رقم: ٦٤٧٣)، وفي القدر، باب لا مانع لما أعطى الله، (رقم: ٦٦١٥)، وفي الأدب، باب عقوق الوالدين، (رقم: ٥٩٧٥)، ولم أجده في غير الصحيحين من الأصول الستة. وأخرجه الدارمي في الرقاق، باب إن الله كره لكم قيل وقال، (رقم: ٢٧٥٤). وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ٢٤٦ و٢٤٩ و٢٥٤). قوله: (إن الله عز وجل حرم عليكم) سيأتي أن المغيرة بن شعبة كتب هذا الحديث إلى معاوية رضيّ بطلب منه، وقد روى الرواة عدة قطعات من هذا الكتاب وأخرج المحدثون مقطعاً في مواضع مختلفة. ولعل أجمع هذه الروايات ما أخرجه أحمد في مسنده (٤: ٢٥٤) من طريق المغيرة بن شبل، ولفظه: ((عن وراد كاتب المغيرة قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إليَّ بما سمعت من رسول الله وَّر، فدعاني المغيرة. قال: فكتبت إليه أني سمعت رسول الله وَل يقول إذا انصرف من الصلاة قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وسمعته ينهى عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وإضاعة المال، وعن وأد البنات. وعقوق الأمهات، ومنع وهات)). قوله: (منعاً وهات) أما (منعاً) فهو مصدر، وأما (هات) فقيل هو اسم فعل بمعنى (أعط)، وقيل: أمر من الإيتاء. فقلبت الهمزة هاء لكثرة الاستعمال والحاصل من النهي منعٍ ما أمر بإعطائه وطلب ما لا يستحق أخذه. ثم هو محتمل أن لا يدخل في النهي ما يكون خطاباً لاثنين كما ينهى الطالب عن طلب ما لا يستحقه. وينهى المطلوب منه عن إعطاء ما لا يستحقه الطالب. لئلا يعينه على الإثم. كذا في فتح الباري (١٠ : ٤٠٦). ٥١٩ كتاب: الأقضية (١٠) - باب: بيان اختلاف المجتهدين ٤٤٧٠ - (٢٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنِي شَبَابَةُ. حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَلَِّ. قَالَ: ((بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (بشيء سمعته من رسول الله (َّ﴾) كذا وقع مطلقاً في أكثر الروايات ولكن ورد في رواية عبدة بن أبي لبابة عند البخاري في القدر: ((كتب معاوية إليَّ المغيرة: اكتب إلى ما سمعت النبي ◌ّ يقول خلف الصلاة)) وذكر الحافظ في الصلاة أن معاوية صوته كان قد سمع هذا الدعاء من النبي ◌ّله، فأراد أن يستثبت، فكتب إلى المغيرة، وهو يومئذ أمير على الكوفة. ويدل على سماعه ما أخرجه مالك في الموطأ عن معاوية أنه كان يقول على المنبر: ((أيها الناس)) إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، لا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ثم يقول: ((سمعته من رسول الله وَلّ على هذه الأعواد)). (٦) - باب: بيان أن أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ١٥ - (١٧١٦) - قوله: (عبد العزيز بن محمد) يعني: الدراوردي. قوله: (عن أبي قيس) يقال: اسمه عبد الرحمن بن ثابت. يقال: إنه رأى أبا بكر الصديق، وكان أحد الفقهاء الموالي الذين أدركهم يزيد بن أبي حبيب، وشهد فتح مصر، واختط بها، ومات سنة أربع وخمسين. وثقه العجلي ويعقوب بن سفيان، وروى عنه الجماعة، كما في التهذيب (١٢ : ٢٠٨). قوله: (عن عمرو بن العاص) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد، فأصاب أو أخطأ، (رقم: ٧٣٥٢)، وأبو داود في الأقضية، باب في القاضي يخطىء، (رقم: ٣٥٧٤). وابن ماجه في الأحكام باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق، (رقم: ٢٣١٤). قوله: (ثم أخطأ، فله أجر) قال النووي رحمه الله: ((أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم؛ فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته؛ وإن أخطأ فله أجر باجتهاده. وفي الحديث محذوف، تقديره: إذا أراد الحاكم فاجتهد. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية، ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في الحديث في السنن: القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار: قاض عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاضٍ قضى على ٥٢٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هُذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ. فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَىُ. فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ. فَأَخْبَرَتَاهُ. فَقَالَ: انْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَىُ: لَاَ. يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَىُ)). قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّه، إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَظُ إِلَّ يَوْمَئِذٍ. مَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَةَ. جهل، فهو في النار)). وقال الخطابي في معالم السنن: ((إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعاً لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطأ، بخلاف المتكلف فيخاف عليه. ثم إنما يؤجر العالم لأن اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا التكلف، فإن الحديث صريح في ثبوت أجر من أخطأ من المجتهدين، وليس ذلك أجراً على الخطأ، وإنما هو أجر على اجتهاده في طلب الحق. وهو عبادة كما ذكر الخطابي نفسه، فالأصح ما أسلفنا عن النووي رحمه الله أنه يؤجر على تقدير الخطأ أيضاً، لا أنه يرفع عنه الإثم فقط. ثم اختلف الأصوليون والمتكلمون: هل كل مجتهد مصيب. أو أنه يخطىء ويصيب، والمسألة مفصلة في كتب العقائد والكلام، وحديث الباب يؤيد المذهب الثاني، وهو اختيار أكثر العلماء، والله أعلم. (٠٠٠) - قوله: (حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة). حديث أبي هريرة هذا أخرجه النسائي في القضاء، باب الإصابة في الحكم، والترمذي في الأحكام باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطىء. (رقم: ١٣٢٦) ولفظه: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران. وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر واحد)». (٧) - باب: كراهة قضاء القاضي وهو غضبان ١٦ - (١٧١٧) - قوله: (كتب أبي) يعني به: أبا بكرة رُّبه، وحديثه هذا أخرجه أيضاً البخاري في الأحكام، باب هل يقضي الحاكم أو يفتي وهو غضبان، (رقم: ٧١٥٨)، والترمذي في الأحكام، باب لا يقضي القاضي وهو غضبان، (رقم: ١٣٣٤)، وأبو داود في الأقضية، باب القاضي يقضي وهو غضبان، (رقم: ٣٥٨٩)، والنسائي في القضاة، باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يجتنبه، وابن ماجه في الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان. قوله: (وكتبت له) قيل: معناه: كتب أبو بكرة بنفسه مرة، وأمر ولده عبد الرحمن أن يكتب