النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب: الأقضية
التفسير، عن ابن أبي ملكية: ((أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت، أو في الحجرة، فخرجت
إحداهما، وقد أنفذ بإشفي في كفها(١)، فادعت على الأخرى، فرفع إلى ابن عباس، فقال ابن
عباس: قال رسول الله وَّلقول: (لو يعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم)). ذَكّرُوهَا بالله،
واقرأوا عليها: ﴿أَنْ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، فذكروها، فاعترفت، فقال ابن عباس: قال
النبي ◌َّر: اليمين على المدعي عليه)).
وأخرج البيهقي في سننه (١٠: ٢٥٢) عن ابن أبي مليكة، قال: ((كنت قاضياً لابن الزبير
على الطائف)) ثم ذكر قصة المرأتين، ثم قال: ((فكتبت إلى ابن عباس، فكتب إليَّ أن
رسول الله ◌َو قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة
على المدعي، واليمين على من أنكر)). وقد حسن الحافظ إسناده في فتح الباري (٥: ٢٨٣).
قوله: (لو يعطى الناس) الفعل هنا مبني للمجهول، ومفعوله الثاني محذوف. والمراد أنه
لو أعطي الناس ما يدعونه بمجرد دعواهم إلخ.
قوله: (بدعواهم) قال الأبي في شرحه (٥: ٤): والدعوى قول لو سُلِّمْ أوجب لقائله حقاً.
قوله: (لا دعى ناس دماء رجال) إلخ قال المأزري: لا شك في هذا، إذ لو كان القول
قول المدعي استبيحت الأموال والدماء، ولم يقدر أحد على صون ماله ودمه، وأما المدعون
فيمكن صون أموالهم بالبينة.
وفيه حجة لمن يرى أن مجرد قول الميت: قتلني فلان، لا يكفي في إثبات القصاص على
ذلك الفلان، وهو قول الجمهور. وقال مالك: قوله ذلك لوث، فتثبت به القسامة، ويجب
القصاص على أساس القسامة، لا على أساس مجرد دعوى المقتول، كما بسطنا مذهبه في أول
كتاب القسامة والدیات.
هل تشترط الخلطة في توجيه اليمين؟
قوله: (ولكن اليمين على المدعى عليه) به استدل الجمهور على أن اليمين واجبة على
المدعى عليه في كل حال، إذا لم تكن عند المدعي بينة. وقال مالك رحمه الله: لا تجب اليمين
على المدعى عليه بمجرد الدعوى، إلا أن تكون بينهما مخالطة، لئلا يبتذل السفهاء أهل الفضل
بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة دفعاً لهذه المفسدة. ثم اختلفوا في تفسير
الخلطة، فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته، أبشاهد أو بشاهدين، وقيل: تكفي الشبهة، وقيل:
هي أن تليق به الدعوى بمثلها على مثله، وقيل: أن يليق به أن يعامله بمثلها، كذا في شرح
النووي.
وقال ابن عبد البر رحمه الله في الكافي (٢: ٩٢١): ((والمعمول به عندنا أن من عرف

٤٨٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بمعاملة الناس مثل التجار، بعضهم لبعض، ومن نصب نفسه للشراء والبيع، وباشر ذلك، ولم
ينكر منه، فاليمين عليه لمن ادعى معاملته ومداينته فيما يمكن. ومن كان بخلاف هذه المنزلة،
مثل المرأة المستورة المحتجبة، والرجل المستور والمقبض عن مداخلة المدعى عليه،
وملامسته، فلا تجب اليمين عليه إلا بالخلطة)).
وحاصله أن المدعي إن كان معروفاً بالمعاملة مع المدعى عليه توجه اليمين إلى المدعى
عليه مطلقاً، وإن لم يعرف بذلك لم يتوجه إلا بثبوت قرائن تشهد للمدعي، كالشاهد الواحد،
ولو كانت امرأة، أو القرائن الأخرى، وراجع أيضاً حاشية الحطاب (٦: ١٢٧).
وقد ذكره المالكية أن اشتراط الخلطة لتوجه اليمين مما اتفق عليه السبعة من فقهاء المدينة،
وأخرج ابن عبد البر في الكافي (٢: ٩٢٢) بسنده عن أبي الزناد، قال: ((كان عمر بن عبد العزيز
يقول: والله لا يعطى اليمين كل من طلبها، ولا نوجبها إلا بشبهة نحو ما نوجب به المال)) وقال
أبو الزناد: يريد بذلك المخالطة، واللطخ والشبهة. وأخرجه مالك في موطئه (ص: ٣٠٣) عن
جميل المؤذن: ((أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز، وهو يقضي بين الناس، فإذا جاءه الرجل
يدعي على الرجل حقاً نظر، فإن كانت بينهما مخالطة، أو ملابسة، أحلف الذي ادعى عليه، وإن
لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه)).
قال النووي رحمه الله تعالى: ((ودليل الجمهور حديث الباب، ولا أصل لاشتراط الخلطة
في كتاب، ولا سنة، ولا إجماع)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: يمكن للمالكية أن يعتذروا عن حديث الباب بأنه يتحدث
عمن كان مجداً في دعواه، وإن الخلطة إنما تشترط للتأكد من جدية الدعوى، فإذا ثبتت الجدية
توجه اليمين إلى المدعى عليه، وذلك لأن الشريعة لا تحتفل بالهازل المتلاعب بالدعاوى، فإن
دعواه بمنزلة المعلوم، فلم يكن خصمه مدعى عليه في الحقيقة، لكون المدعي غير مجد في
دعواه فلم تتوجه إليه اليمين وبعبارة أخرى، إن الخلطة إنما تشترط عند مالك لصحة الدعوى،
فلا تصح عنده الدعوى إلا بالخلطة، وحيث لم تصح الدعوى لم يكن الخصم مدعى عليه، فلم
تتوجه إليه اليمين. فلم يخالف مالك رحمه الله حديث الباب، لأنه فيمن أصبح مدعى عليه بعد
صحة الدعوى. وهذا يدل على أن للقاضي أن يطالب المدعي عند رفع القضية إليه بما يثبت أنه
مجد في دعواه، وليس هازلاً. فإن ثبت كونه هازلاً لم يكلف المدعى عليه بالحضور. والله
سبحانه أعلم.
مسألة ردّ اليمين على المدّعي
٢ - (٠٠٠) - قوله: (قضى باليمين على المدعى عليه) به استدل أبو حنيفة وأحمد رحمهما

٤٨٣
كتاب: الأقضية
الله على أن اليمين لا تجب إلا على المدعي عليه، فإن حلف برئت ذمته، وإن نكل عن اليمين
قضي عليه للمدعي، ولا ترد اليمين على المدعي، وقال مالك والشافعي رحمهما الله: لا يقضى
على المدعى عليه بمجرد نكوله عن اليمين، وإنما ترد اليمين على المدعي في الأموال عند مالك
وفي جميع الدعاوى عند الشافعي؛ فإن حلف قضي له بما حلف، وإن نكل لم يحكم له بشيء
كما في الكافي لابن عبد البر (٢: ٩٢١)، ومغني المحتاج للشربيني (٤: ٤٧٧) وهو رواية أبي
الخطاب عن أحمد بن حنبل أيضاً، كما في المغني لابن قدامة (١٢ : ١٢٤).
استدل القائلون برد اليمين على المدعي بما أخرجه الدارقطني في سننه (٤: ٢١٣)
والحاكم في مستدركه (٤: ١٠٠) عن ابن عمر ◌ًا، قال: ((إن النبي ◌ُ ◌ّو رد اليمين على طالب
الحق)) ولكن قال الحافظ في تلخيص الحبير (٤: ٢٠٩): ((فيه محمد بن مسروق لا يعرف.
وإسحاق بن الفرات مختلف فيه، ورواه تمام في فوائده من طريق أخرى عن نافع)). وقال الذهبي
في تلخيصه للمستدرك (٤: ١٠٠): ((لا أعرف محمداً، وأخشى أن لا يكون(١) الحديث باطلاً))
وأخرجه البيهقي أيضاً في سننه الكبرى (١٠: ١٨٤)، وقال: ((تفرد به سليمان بن عبد الرحمن
الدمشقي بإسناده هذا، والاعتماد على ما مضى)) فلم يره البيهقي قابلاً للاحتجاج به، وقال
عبد الحق الإشبيلي بعد ذكر هذا الحديث: إسحاق ضعيف قال السليماني: إسحاق بن الفرات
منكر الأحاديث)) حكاه الذهبي في ميزان الاعتدال (١: ١٩٥)، ولكن الظاهر من كلامه أنه يوثق
إسحاق بن الفرات، وإنما ذكر قول عبد الحق حكاية.
وأما محمد بن مسروق، فقال الحافظ في لسان الميزان (٥: ٣٧٩): ((وأما محمد بن
مسروق، فهو كندي ذكره ابن حبان في الثقات(٢)، وقال: كوفي كان على قضاء مصر، روى عن
أبيه والكوفيين، روى عنه سعيد بن أبي مريم، وقد ذكره أبو عمر الكندي في قضاة مصر، فقال
ما ملخصه: محمد بن مسروق بن المرزبان)».
وعلى كل حال، فهذا الحديث لا يقاوم حديث الباب من حيث الإسناد. ثم يعارضه ما
رواه سالم أن أباه (يعني: ابن عمر) باع عبداً له بثمانمائة درهم بالبراء، ثم إن صاحب العبد
خاصم فيه ابن عمر إلى عثمان، فقال عثمان لابن عمر: احلف بالله، لقد بعته وما به من داء،
فأبى ابن عمر من أن يحلف فرد عليه عثمان العبد، أخرجه البيهقي في باب بيع البراءة من سننه
(٥: ٣٢٨) وجعله أصح ما في الباب، ولم يطالب فيه ابن عمر برد اليمين على صاحب الحق،
ولو كانت عنده في ذلك سنة مرفوعة لذكرها في هذه القضية.
ثم عند الحنفية والحنابلة دلائل أخرى:
منها ما أخرجه ابن ماجه في سننه (رقم: ٢٠٣٨، كتاب الطلاق) عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، عن النبي ◌َّ قال: ((إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد

٤٨٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عدل استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر،
وجاز طلاقه)) وقال في الزوائد: هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات، كما في تعليق فؤاد عبد الباقي
على سنن ابن ماجه (١: ٦٥٧).
ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عباس أنه أمر ابن أبي مليكة أن يستحلف
امرأة، فأبت أن تحلف، فألزمها ذلك. ذكره الزيلعي في نصب الراية (٤: ١٠١)، وراجعه لمزيد
الآثار.
مسألة فيما لا يجري فيه الاستحلاف
ثم إن ظاهر الحديث أن اليمين واجب على كل مدعى عليه، ولكن هذا العموم لم يأخذ به
أحد من الفقهاء، فأجمعوا على أنه لا يجري الاستحلاف في الحدود، ثم اختلفوا في بقية
الدعاوي، وجملة الكلام في ذلك أن الحقوق نوعان: حق الله، وحق العبد. فأما حق العبد
الذي هو مال أو المقصود منه المال، فإنه يشرع فيه اليمين بالإجماع، ولا خلاف فيه بين أهل
العلم، كدعوى البيع، والدين، وما إلى ذلك.
وأما حق العبد الذي ليس هو بمال، ولا المقصود منه المال، كالقصاص، وحد القذف،
والنكاح، والرجعة. والفيء في الإيلاء، والرق، والاستيلاد، والنسب، والولاء، فمذهب
مالك، وأبي حنيفة، أنه لا يجري الاستحلاف في هذه الأشياء، وهو رواية عن أحمد، وقال
الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله: يجري الاستحلاف في كل حق يجوز به الإقرار
فيجري الاستحلاف في هذا القسم أيضاً .
ومبنى الخلاف خلافهم في حقيقة النكول عن اليمين. فعند الشافعي والصاحبين هو إقرار،
فيجري في سائر حقوق العباد التي يجري فيها الإقرار. وعند أبي حنيفة ومالك رحمهما الله هو
بذل للمدعي به من طرف المدعى عليه، فلا يجري إلا فيما يجري فيه البذل، وحيث أن البذل لا
يجري في هذه الأمور، فإن النكول لا يؤثر فيه، فلا فائدة في الاستحلاف، وراجع فتح القدير
(٦: ١٦٢)، والمغني لابن قدامة (١٢: ١٦٢). ثم أفتى المتأخرون من علماء الحنفية بقول
الصاحبين في أن المدعى عليه يستحلف في جميع القضايا سوى الحدود، قال في رد المحتار
(٤: ٥٨٨): ((والحاصل أن المفتى به التحليف في الكل، إلا في الحدود، ومنها حد قذف
ولعان)). ومثله في فتاوى قاضي خان (٣: ٥٠٨) حيث قال: ((والفتوى على قولهما فيه لعموم
البلوي)) .
مسالة يمين الاستظهار:
ثم دل الحديث على مذهب الجمهور في عدم وجوب يمين الاستظهار، وهو أن المدعي

٤٨٥
كتاب: الأقضية
إذا أثبت ما يدعيه ببينة، فللحاكم أن يستحلفه أن بينته شهدت بحق. وإليه ذهب شريح، وإبراهيم
النخعي، والأوزاعي، والحسن بن حي، وقد روى ابن أبي ليلى عن الحكم، عن الحسن: أن
علياً رَله استحلف عبد الله بن الحر مع بينة. وذهب مالك، والكوفيون، والشافعي، وأحمد إلى
أنه لا يمين عليه. وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم أوجب ذلك، والحجة للجمهور أنه وله
أوجب اليمين على المدعى عليه. دون المدعي، وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَوْ
يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾ [سورة النور، الآية: ٤] فأبرأه الله تعالى من الجلد بإقامة أربعة شهداء من غير يمين.
كذا في عمدة القاري (٦: ٣٧٧) باب اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود.
(٢) - باب: وجوب الحكم بشاهد ويمين
٣ - (١٧١٢) - قوله: (حدثني سيف بن سليمان) المخزومي، مولاهم أبو سليمان المكي
أخرج عنه الجماعة إلا الترمذي، قال الساجي: أجمعوا على أنه صدوق ثقة. غير أنه اتهم
بالقدر، توفي ما بين (١٥٠ هـ و١٥٦ هـ). وراجع تهذيب التهذيب (٤: ٢٩٤)، ومن أجل اتهامه
بالقدر ذكره الذهبي في الضعفاء (١: ٢٩١)، ثم صرح بأنه ثقة إلا أنه رمي بالقدر.
قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الأقضية باب القضاء باليمين
والشاهد، (رقم: ٣٦٠٧)، وابن ماجه في الأحكام، باب القضاء بالشاهد واليمين، (رقم:
٢٣٧٠).
قوله: (قضى بيمين وشاهد) استدل به الأئمة الحجازيون على جواز القضاء بالشاهد الواحد
مع يمين الطالب، وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ظه. وهو قول الفقهاء
السبعة، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وشريح، وإياس، وعبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، وربيعة، وابن أبي ليلى، وأبي الزناد، ومالك، والشافعي،
وأحمد رحمهم الله، كما في المغني لابن قدامة (١٢: ١٠).
وقال الحنفية. لا يقضى بشاهد ويمين، وإنما الواجب شاهدان، أو رجل وامرأتان، وهو
قول الشعبي، والنخعي. والأوزاعي رحمهم الله، كما في المغني، وقول الزهري، وعطاء،
والحكم بن عتيبة. وابن شبرمة، والليث بن سعد، ويحيى الأندلسي رحمهم الله، كما في التمهيد
لابن عبد البر (٢: ١٥٤)، وحكي ذلك عن القعنبي أيضاً كما في اللباب للمنبيحي (٢: ٦٨٨).
استدلال الحنفية بالآية.
واستدل الحنفية بقوله تعالى ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢].
قال الأمام أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن (١: ٥١٤): ((قوله تعالى:

٤٨٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ﴾ .... إلخ. يوجب بطلان القول بالشاهد واليمين، وذلك لأن قوله: (واستشهدوا)
يتضمن الإشهاد على عقود المداينات التي ابتدأ في الخطاب بذكرها، ويتضمن إقامتها عند
الحاكم، ولزوم الحاكم الأخذ بها، لاحتمال اللفظ للحالين، ولأن الإشهاد على العقد إنما
الغرض فيه إثباته عند التجاحد، فقد تضمن لا محالة استشهاد الشاهدين، أو الرجل والمرأتين
على العقد عند الحاكم، وإلزامه الحكم به. وإذا كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب، لأنه
أمر، وأوامر الله على الوجوب. فقد ألزم الله الحاكم الحكم بالعدد المذكور ... وفي تجويز أقل
منه مخالفةُ الكتاب، كما لو أجاز مجيز أن يكون حد القذف سبعين، أو حد الزنا تسعين، كان
مخالفاً للآية)).
((وأيضاً، قد انتظمت الآية شيئين من أمر الشهود: أحدهما العدد، والآخر الصفة، وهي
أن يكونوا أحراراً مرضيين، لقوله تعالى: ﴿مِن رِجَالِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ﴾، فلما لم يجز إسقاط الصفة المشروطة لهم، والاقتصار على ما دونها، لم يجز إسقاط
العدد، إذ كانت الآية مقتضية لاستيفاء الأمرين في تنفيذ الحكم بها، وهو العدد والعدالة
والرضا، فغير جائز إسقاط واحد منهما، والعدد أولى بالاعتبار من العدالة والرضا، لأن العدد
معلوم من جهة اليقين، والعدالة إنما نثبتها من طريق الظاهر، لا من طريق الحقيقة)).
(( .... ويدل على بطلان الشاهد واليمين قول الله تعالى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ وقد
علمنا أن الشاهد الواحد غير مقبول، ولا مراد بالآية، ويمين الطالب لا يجوز أن يقع عليها اسم
الشاهد، ولا يجوز أن يكون رضي فيما يدعيه لنفسه، فالحكم بشاهد واحد ويمينه مخالف للآية
من هذه الوجوه)).
وأخرج البخاري تعليقاً عن ابن شبرمة، قال: ((كلمني أبو الزناد في شهادة الشاهد ويمين
المدعي، فقلت: قال الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرَى﴾، قلت: إذا كان
يكتفى بشهادة شاهد ويمين المدعي، فما تحتاج أن تذكر إحداهما الأخرى، ما كان يصنع بذكر
هذه الأخرى؟)) علقه البخاري في الشهادات، باب اليمين على المدعى عليه في الأموال
والحدود.
وأورد ابن قدامة في المغني (١٢: ١١)، وابن القيم في إعلام الموقعين (١: ٣٢) على
الاستدلال بالآية بأنها واردة في التحمل، دون الأداء، وإنما النزاع في الأداء، دون التحمل.
وأجاب عنه شيخنا العثماني رحمه الله في إعلاء السنن (١٥: ٣٧٧) بقوله: ((والجواب: أنا
أجمعنا نحن وأنتم على أن حال الأداء أقوى من حال التحمل، بدليل كون الكافر، والعبد
والصبي أهلاً للتحمل دون الأداء، كما مر في باب الشهادات. فإذا كان العدد شرطاً عند

٤٨٧
كتاب: الأقضية
التحمل، وهو أدنى، فلأن يكون شرطاً عند الأداء، وهو أقوى، أولى وهذا من باب دلالة
النص، لا من باب القياس، كم عرف في الأصول. وأيضاً فيلزمكم أن لا تقضوا باليمين
والشاهد إلا لمن كان استشهد عند التحمل شهيدين أو رجلاً وامرأتين، وأنتم لا تلتزمونه، فلم
تكن الآية واردة عندكم في شيء، لا في التحمل، ولا في الأداء. وفيه إبطال حكم النص
رأساً)).
(( .... وأيضاً، فلا يخفى أن الغرض من الإشهاد على العقد إنما هو إثباته عند التجاحد.
فقد تضمن لا محالة استشهاد الشاهدين، أو الرجل والمرأتين على العقد عند الحاكم، وإلزامه
الحكم به. وإذا كان كذلك فظاهر اللفظ يقتضي الإيجاب، لأنه أمر، فقد ألزم الله الحاكم الحكم
بالعدد المذكور، لقيام الإجماع على كون الأمر للوجوب ههنا)).
(( .... وأيضاً، فلو كانت الآية واردة في التحمل دون الأداء، لزم رد شهادة مسلم، أو
حر، أو بالغ، أو عدل كان كافراً عند التحمل، أو عبداً، أو صبياً، أو غير عدل، ثم أسلم، أو
عتق، أو بلغ، أو صار عدلاً وقت الأداء، لكون الإسلام والحرية والبلوغ والعدالة شرطاً في
الاستشهاد لقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾ (أي: الأحرار ابالغين المسلمين بدليل
الخطاب كما مر في باب الشهادات) ولقوله: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾، وقد حملتموه على
التحمل، فلا بد من اشتراط كل ذلك عنده، وهو خلاف الإجماع، لأن شهادة هؤلاء المذكورين
مقبولة إجماعاً كما تقدم، فبطل حملكم الآية على التحمل فقط)).
(( .... وأيضاً فقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾ [سورة البقرة،
الآية: ٢٨٢] يدل على كون الآية واردة في الشهادة - أي: أدائها ــ دون الاستشهاد والتحمل فقط،
لأن الشهادة غير التحمل، ولأن نفي أسباب التهمة والريب ونحوه إنما يحتاج إليه عند الأداء
والتجاحد، كما لا يخفى)).
استدلال الحنفية بالسنة:
واستدل الحنفية من الأحاديث بما يأتي :
١ - عن الأشعث بن قيس، قال: ((كان بيني وبين رجل أرض باليمن فخاصمته إلى
رسول الله ﴾، فقال: شاهداك أو يمينه، قلت: إذن يحلف ولا يبالي، فقال علا: من حلف
علي يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان إلخ)) أخرجه البخاري في
الشهادات (رقم: ٢٦٧٠) باب اليمين على المدعى عليه.
والحديث صريح في أن الواجب على المدعي الشاهدان، فإن لم يتيسر له الشاهدان توجه
اليمين إلى المدعي. وأجاب عنه بعض الشافعية بأن المراد من قوله ظلَّلا ((شاهداك)) البينة، سواء

٤٨٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
كانت رجلين، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً ويمين الطالب. ورده الحافظ العيني رحمه الله تعالى
في عمدة القاري (٦: ٣٨٤) بقوله: «هذا تأويل غير صحيح، فسبحان الله! كيف يدل قوله:
(شاهداك) على رجل ويمين الطالب؟ وأي دلالة هذه من أنواع الدلالات؟ واللفظ صريح، فمن
أين يأتي هذا التأويل البعيد؟ وقد فسر (شاهداك) بالبينة، والبينة قد عرفت بالنص أنها رجلان أو
رجل وامرأتان، ليس إلا، وتخصيص لفظ الشاهدين لكونهما أكثر وأغلب)).
٢ - حديث ابن عباس في الباب الماضي، فإنه الصريح في حصر اليمين على المدعي
عليه، وأخرجه البيهقي في سننه (١٠: ٢٥٢) بلفظ: ((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجال
أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) وحسن الحافظ إسناده في
الفتح (٥: ٢٨٣).
٣ - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ◌ًا: أن النبي ◌َّله قال في خطبته: ((البينة على
المدعي، واليمين على المدعى عليه)) أخرجه الترمذي في الأحكام (رقم: ١٣٤١) وتكلم في
إسناده بسبب محمد بن عبيد اللّه العرزمي، وأجمع العلماء على ضعفه كما في التهذيب (٩:
٣٢٤)، ولكن حديثه هذا يشهد له حديث ابن عباس المار.
٤ - عن ابن عمر ﴿يا، رفعه: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)) أخرجه
الطبراني من رواية سفيان، عن نافع، عن ابن عمر، وأخرجه الإسماعيلي من رواية ابن جريج
بلفظ: ((ولكن البينة على الطالب واليمين على المطلوب)) ذكره الحافظ في الفتح (٥: ٢٨٢)
وسكت عليه، مما يدل على أنه مقبول عنده.
٥ - قد ورد في كتاب سيدنا عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ◌ًّا: ((البينة على
من ادعى، واليمين على من أنكر)) أخرجه الدارقطني (٤: ٢٠٦) عن سعيد بن أبي بردة. وقدمنا
في مقدمة كتاب القضاء أن هذا الكتاب تلقاه العلماء بالقبول، وجعلوه عمدة في أحكام القضاء.
وإن هذه الأحاديث بأجمعها تدل على أن وظيفة المدعي إحضار البينة، ووظيفة المدعى
عليه اليمين، وهذه قسمة تنافي الشركة،
٦ - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٧: ٢٩٨) عن الزهري، قال: ((هي بدعة، (يعني
اليمين مع الشاهد، وأول من قضى بها معاوية)) ذكره المارديني في الجوهر النقي (١٠: ١٧٥)،
وقال: ((وهذا السند على شرط مسلم)).
وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، قال: «سألت الزهري عن اليمين مع الشاهد،
فقال: هذا شيء أحدثه الناس، لا بد من شاهدين)) ذكره المارديني أيضاً. وأخرجه الطحاوي في
شرح معاني الآثار (٢: ٢٨٣) بلفظ: ((أن معاوية أول من قضى باليمين مع الشاهد، وكان الأمر
على غير ذلك.

٤٨٩
كتاب: الأقضية
٧ - وأخرج عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر: ((أن العباس بن
عبد المطلب قال لعمر بن الخطاب: إن رسول الله ويقول أقطع لي البحرين. فقال له عمر: شهودك
من؟ قال: المغيرة بن شعبة. قال: ومن معه؟ قال: ليس معه أحد. قال عمر: فلا آذن. فأبى
عمر أن يأخذ باليمين مع الشاهد. فقال له العباس شيئاً، فقال عمر لابن عباس: يا عبد الله! خذ
بيد أبيك، فأقمه)) كذا في كنز العمال (٢: ٣٠٨)، وسنده صحيح مع إرساله.
٨ - قال الجصاص في أحكام القرآن (١: ٥١٧): ((روى الليث بن سعد عن زريق بن حكيم
أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله، إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد ويمين
صاحب الحق، فكتب إليه عمر: إنا قد كنا نقضي كذلك، وإنا وجدنا الناس على غير ذلك، فلا
تقضين إلا بشهادة رجلين، أو برجل وامرأتين)) ولم أجد إسناد هذا الأثر في شيء من كتب
الحديث، غير أن الإمام الجصاص رحمه الله متثبت في النقل.
وهذا يدل على أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجع عن القضاء بشاهد ويمين.
٩ - ويمكن أن يستدل لمذهب الحنفية أيضاً بما رواه النسائي (٢: ٢٢٣) وأبو داود (٣ :
٣٠٨، رقم: ٣٦٠٧) واللفظ له، عن عمارة بن خزيمة: أن عمه حدثه، وهو من أصحاب
النبي ◌َّ: ((أن النبي وَّل ابتاع فرساً من أعرابي، فاستتبعه النبي ◌َّ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع
رسول الله ◌َّ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس،
ولا يشعرون أن النبي ◌ّ﴿ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله وَله، فقال: إن كنت مبتاعاً هذا
الفرس، وإلا بعته، فقال النبي ﴿ حين سمع نداء الأعرابي، فقال؟ أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال
الأعرابي: لا، والله ما بعتكه، فقال النبي بَّطاهر: بلى، قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم
شهيداً، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي وَّ على خزيمة، فقال: بم
تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله وَ ر! فجعل رسول الله رَله شهادة خزيمة بشهادة رجلين)).
ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن قبول شهادة خزيمة وحده كان خاصاً به ظبه، وقد عدّ
من مناقبه وفضائله، وكان يدعى ذا الشهادتين، كما في مصنف عبد الرزاق (٨: ٣٦٧، رقم:
١٥٥٦٨)، ولو كان الشاهد الواحد يكفي مع يمين الطالب لم تكن لخزيمة بن ثابت خصوصية في
ذلك.
أدلة الأئمة الثلاثة:
وأما الأئمة الثلاثة والجمهور القائلون باعتبار شهادة واحدة مع يمين الطالب، فاستدلوا
بحديث الباب، وإن هذا المعنى قد روي عن جمع من الصحابة بطرق كثيرة استوعبها البيهقي في
سننه (١٠: ١٦٩)، والحافظ ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد (٢: ١٣٤ إلى ١٥٣). ونذكر

٤٩٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ههنا أهم ما يروى في هذا الباب:
١ - حديث ابن عباس في الباب، وهو أجود الأحاديث إسناداً في هذا المعنى، ولكن أعله
بعض الحنفية بوجهين :
الأول: أن عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس، ذكر الزيلعي في نصب الراية (٤ :
٩٧) قول الترمذي في علله الكبير: ((وسألت محمداً (يعني: البخاري) عن هذا الحديث، فقال:
إن عمرو بن دينار لم يسمعه من ابن عباس)) وذكر قول ابن القطان: وهذا الحديث، وإن كان
مسلم قد أخرجه في صحيحه عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، فهو يرضى
بالانقطاع في موضعين، قال الترمذي: قال البخاري: عمرو بن دينار لم يسمع من ابن عباس هذا
الحديث)). وجاء في تاريخ يحيى بن معين (٣: ٢٣٠، رقم: ١٠٧٦): ((قال يحيى: حديث ابن
عباس: إن النبي ( 98 قضى بشاهد ويمين، ليس هو بمحفوظ)) وحكاه الحافظ أيضاً في التلخيص
(٤ : ٢٠٥).
وأجاب عنه الحاكم، كما حكى عنه الحافظ في التلخيص، بأن عمرو بن دينار قد سمع من
ابن عباس عدة أحاديث، وسمع من جماعة من أصحابه، فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثاً،
وسمعه من بعض أصحابه عنه.
والثاني: ما أعله به الطحاوي من أنه لا يعلم قيساً يحدث عن عمرو بن دينار بشيء
وأجاب عنه البيهقي في الخلافيات بأن قيساً سمع من عمرو، واستدل على ذلك برواية وهب ابن
جرير، عن أبيه، قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن
ابن عباس، فذكر حديث المحرم الذي وقصته ناقته. وليس ما استدل به البيهقي صريحاً في
سماع قيس، عن عمرو، لأن جريراً إنما قال: ((سمعت قيساً يحدث عن عمرو ولا يستلزم أن
يكون قيس سمع ذلك من عمرو، كما حققه المارديني رحمه الله في الجوهر النقي (١٠: ١٦٨).
ولكن قال ابن القيم في تهذيب السنن (٥: ٢٢٩) وهو يرد على الطحاوي، ((وهذه علة
باطلة، لأن قيساً ثقة ثبت، غير معروف بتدليس، وقيس وعمرو مكيان في زمان واحد، وإن كان
عمرو أسن وأقدم وفاة منه، وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد وهما أكبر سناً، وأقدم موتاً من
عمرو بن دينار. وقد روى عن عمرو من هو في قرن قيس، وهو أيوب السختياني ..... وقد
تابع قيس محمد بن مسلم الطائي، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، ذكره النسائي وأبو
داود)» .
فعلى هذا يكون الحديث متصلاً حسب مذهب الإمام مسلم في إمكان السماع واللقاء، وإن
لم يكن متصلاً حسب مذهب البخاري.

٤٩١
كتاب: الأقضية
(٣) - باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة
٤٤٤٨ - (٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ
((إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ. وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ. فَأَقْضِي لَهُ عَلَى
٢ - حديث أبي هريرة رضيله: ((أن النبي (َّ﴿ قضى باليمين والشاهد))، أخرجه أبو داود،
والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب.
وقد ذكر أبو داود في سننه (رقم: ٣٦١٠) أنه رواه ربيعة، عن سهيل بن أبي صالح، فنسيه
سهيل، فكان يحدث بعد ذلك بقوله: ((أخبرني ربيعة: وهو عندي ثقة، أنه حدثته إياه، لا أحفظه))
وقال الدراوردي: ((قد كان أصابت سهيلاً علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان
سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه)).
وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٢: ١٤١): ((وقد عرض ذلك بجماعة من العلماء
نسوا ما حدثوا به، ثم رووه عمن رواه عنهم، عن أنفسهم. ولو تقصينا ذلك وذكرناه خرجنا عن
حد ما قصدنا له .... ونسيان سهيل وغيره له لا يقدح في شيء منها، لأن العدل إذا روى خبراً
عن عدل مثله حتى يتصل لم يضر الحديث أن ينساه أحدهم، لأن الحجة حفظ من حفظ، وليس
النسيان بحجة)) .
لكن قال ابن أبي حاتم في علل الحديث (١: ٤٦٣) ((قيل لأبي: يصح حديث أبي هريرة
عن النبي ◌َّ في اليمين مع الشاهد؟ فوقف وقفة، فقال: ترى الدراوردي ما يقول؟ يعني قوله:
قلت لسهيل، فلم يعرفه. قلت: فليس نسيان سهيل دافعاً لما حكى عنه ربيعة، وربيعة ثقة.
والرجل يحدث بالحديث وينسى. قال: أجل، هكذا هو. ولكن لم نر أن يتبعه متابع على
روايته، وقد روى عن سهيل جماعة كثيرة ليس عند أحد منهم هذا الحديث. قلت: إنه يقول بخبر
الواحد؟ قال: أجل، غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلاً عن أبي هريرة أعتبر به. وهذا أصل
من الأصول، لم يتابع عليه ربيعة)).
وذكر ابن القيم في تهذيب السنن (٥: ٢٢٦) متابعاً لحديث أبي صالح، فقال: ((فقد رواه
أبو الزناد عن الأعراج، عنه، ومن هذه الطريق أخرجه النسائي)) (قلت: لم أجده في المجتبى،
فلعله في السنن الكبرى للنسائي). وأورد عليه ابن التركماني في الجوهر النقي (١٠: ١٦٩) بأنه
مروي من حديث مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعراج عن أبي هريرة، ومغيرة
قال فيه ابن معين: ليس بشيء، ذكره صاحب الميزان، وذكر حديثه هذا، ثم قال ابن عدي.
مغيرة ینفرد بأحاديث.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ذكر ابن عدي في الكامل (٦: ٢٣٥٤) عدة أحاديث له

٤٩٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ. فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً، فَلاَ يَأْخُذْهُ. فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً
مِنَ النَّارِ)).
عن أبي الزناد، وقال فيها: ((وبهذا الإسناد أحاديث عداد صالحة مستقيمة)) ثم ساق عدة
أحاديث، منها حديث القضاء بشاهد ويمين، وقال في الأخير: ((والمغيرة بن عبد الرحمن غير ما
ذكرت من الحديث، وعامة رواياته عن أبي الزناد من هذه النسخة، عن أبي الزناد عنه شيء كثير
يوافقه عليه الثقات عليها عن أبي الزناد، ومنه ما لا يوافق عليه)). فظاهر هذا الكلام أن ابن عدي
لا يقدح في روايته عن أبي الزناد لهذا الحديث.
ثم إن الغيرة من رواة الجماعة، قال أبو داود. لا بأس به، وقال أحمد: ليس بحديثه بأس،
وقال أبو زرعة: هو أحب إلي من ابن الزناد وشعيب، يعني في ابن أبي الزناد كما في تهذيب
التهذيب (١٠: ٢٢٦). فحديث مثله ينبغي أن يكون مقبولاً. ولا سيما للمتابعة.
حديث جعفر بن محمد، عن أبيه: أخرجه مالك في موطأه: ((أن رسول الله بَل﴿ قضى
باليمين مع الشاهد)) وهو مرسل، وقد أخرجه البيهقي في سننه (١٠: ١٧٠) مسنداً عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن جابر رَُّله. وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢: ١٣٥): ((وقد أسنده عن
جعفر بن محمد جماعة حفاظ، وزيادة الحافظ مقبولة. فمن أسنده عبيد الله بن عمر،
وعبد الوهاب الثقفي، ومحمد بن عبد الرحمن بن رداد المدني، ويحيى بن سليم، وإبراهيم بن
أبي حية)) ثم ساق أحاديثهم. ووقع في رواية إبراهيم بن أبي حية: ((جاء جبريل إلى النبي ◌َّ،
فأمره أن يقضي باليمين مع الشاهد)) وأخرجه البيهقي أيضاً بهذا اللفظ. وقال الهيثمي في
الزوائد: ((فيه إبراهيم بن أبي حية، وهو متروك)).
٤ - حديث بلال بن الحارث: ((أن النبي ◌َّ﴿ قضى باليمين مع الشاهد)) أخرجه الطبراني في
المعجم الكبير (١: ٣٧٠، رقم: ١١٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤: ٢٠٢): ((رجاله
ثقات)) .
٥ - حديث الزبيب العنبري، قال: ((بعث نبي الله ◌َفي جيشاً إلى بني العنبر، فأخذوهم بركبة
من ناحية الطائف، فاستاقوهم إلى نبي الله وَّر، فركبت، فسبقتهم إلى النبي ◌َّ، فقلت: السلام
عليك يا نبي الله! ورحمة الله وبركاته، أتانا جندك، فأخذونا، وقد كنا أسلمنا، وحضرمنا آذان
النعم. فلما قدم بنو العنبر، قال لي نبي الله وَلير: هل لكم بينة على أنكم أسلمتم قبل أن تؤخذوا
في هذه الأيام؟ قلت: نعم، قال: من بينتك؟ قلت: سمرة، رجل بني العنبر، ورجل آخر سماه
له. فشهد الرجل، وأبى سمرة أن يشهد، فقال نبي الله وَلتر: قد أبى أن يشهد لك، فتحلف مع
شاهدك الآخر؟ قلت: نعم، فاستحلفني، فحلفت بالله: لقد أسلمنا يوم كذا وكذا، وحضرمنا
آذان النعم، فقال نبي الله بَّر: اذهبوا، فقاسموهم أنصاف الأموال، ولا تمسوا ذراريهم، لولا
أن الله لا يحب ضلالة العمل ما رزيناكم عقالاً إلخ)) أخرجه أبو داود في سننه (٣: ٣٠٩، رقم:

٤٩٣
كتاب: الأقضية
٤٤٤٩ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. ◌ِلاَهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ ، مِثْلَهُ.
٣٦١٢)، وسكت عليه. وقال المنذري في تلخيصه (٥: ٢٣٠) ((قال الخطابي: إسناده ليس
بذلك، وقال أبو عمر النميري: إنه حديث حسن)) قلت: والمراد من أبي عمر النميري ابن
عبد البر رحمه الله.
فهذه خمسة أحاديث صالحة للاستدلال،،وما تكلم فيها بعض الحنفية لا يخرجها من كونها
صالحة للاحتجاج. كما حققنا عند الكلام على كل حديث. وإن القضاء بالشاهد واليمين مروي
أيضاً مرفوعاً في أحاديث سعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد
الخدري. ولكن أسانيدها لا تخلو من ضعف. وقد ادعى الحافظ في الفتح أنه مروي عن نحو
عشرين من الصحابة، ولكن حقق شيخنا العثماني رحمه الله تعالى في إعلاء السنن (١٥: ٣٧٣)
أنهم قد بلغوا طرقه هذا العدد بجعلهم الحديث الواحد عدة أحاديث، فراجعه إن شئت.
وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بطرق ثلاثة:
١ - تكلم بعضهم في أسانيد هذه الأحاديث، وادعوا أنها غير صالحة للاحتجاج بها،
واستدلوا على ذلك بقول الزهري عند بن أبي شيبة: ((هي بدعة، وأول من قضى بها معاوية)).
قالوا: إن الزهري من أعلم الناس بأحاديث رسول الله وَلقر، وأقضية الخلفاء الراشدين، فلو كان
هناك حديث مرفوع صحيح لما جعل القضاء به بدعة.
ولكن هذا الجواب غير سائغ عند الإنصاف. أما ثبوت الأحاديث الخمسة التي ذكرناها من
جهة الإسناد، فقد فرغنا عنه، والصحيح أنها صالحة للاستدلال. وأما قول الزهري رحمه الله،
فإن المثبت مقدم على النافي، فلا يطعن به في أحاديث من أثبت القضاء بالشاهد واليمين، ولا
سيما وقد ورد عنه خلافه أيضاً: أنه أول ما ولى القضاء حكم بشاهد ويمين، كما حكى عنه ابن
عبد البر في التمهيد (٢: ١٥٤). وأخرجه البيهقي في سننه (١٠: ١٧٥).
٢ - والطريق الثاني للحنفية في الاعتذار عن هذه الأحاديث أنهم يحملونها على الصلح، لا
على القضاء في الحقوق، أو على القضاء في المسائل التي يقبل فيها شاهد واحد، مثل أمان
الأسير.
ولا شك أن هذا التأويل مخالف للظاهر، فإنه لم يقيد أحد من الرواة القضاء بالصلح، أو
بمسألة أمان الأسير، وإن ألفاظ الحديث عامة.
٣ - والطريق الثالث: أن هذه الأحاديث أخبار آحاد فلا تجوز بها الزيادة على كتاب الله
تعالى. وقد قوى الشيخ عبد الحي اللكنوي رحمه الله هذا الوجه على طريق الحنفية، حتى قال
في التعليق الممجد (ص: ٣٦٣): ((منها أن أخبار الآحاد إذا ثبتت زيادة على القرآن والأحاديث

٤٩٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المشهورة لا تعتبر بها، فإن الزيادة نسخ، وخبر الواحد لا ينسخها، وهذه قاعدة مبرهنة في
أصول الحنفية، غير مسلمة عند غيرهم، فإن ثبتت تلك القاعدة بما لا مرد له ثبت المرام، وإلا
فالكلام موضع نظر وبحث».
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا الجواب متوقف على كون أحاديث القضاء بشاهد
ويمين أخبار آحاد، ولي فيه نظر، لأن الذي يبدو أن هذه الأحاديث يصدق عليها تعريف
المشهور على طريق المحدثين والأصوليين كليهما .
أما على طريق المحدثين، فإنهم يعرفون المشهور بما رواه في كل قرن ثلاثة فأكثر ما لم
يبلغ حد التواتر، كما في فتح المغيث للسخاوي (٣: ٣٢) وتدريب الراوي للسيوطي (٢ :
١٨١)، وقال شيخنا العلامة العثماني رحمه الله في مقدمة هذا الكتاب (أعني: مقدمة فتح
الملهم) (ص: ١٣): ((خبر الآحاد إن كانت رواته في كل طبقة ثلاثة فأكثر يسمى مشهوراً، وإن
كانت رواته في بعض الطبقات اثنين، ولم تنقص في سائرها عن ذلك يسمى عزيزاً، وهذا هو
المختار عند الحافظ ابن حجر رحمه الله من المحققين في تعريفهما)).
وقد عرفت أن الأحاديث الصالحة للاستدلال في هذا الباب خمسة، فصارت مشهورة بهذا
التعريف .
وأما على اصطلاح الأصوليين من الحنفية، فقد عرفه الإمام البزدوي رحمه الله في أصوله
(ص: ١٥٢) بأن ((المشهور ما كان من الآحاد في الأصل: ثم انتشر، فصار ينقله قوم لا يتوهم
تواطؤهم على الكذب وهم القرن الثاني بعد الصحابة (﴿ه، ومن بعدهم)) وعرفه ابن الهمام في
التحرير (مع شرح ابن أمير الحاج) (٢: ٢٣٥) بقوله: ما كان آحاد الأصل متواتراً في القرن
الثاني والثالث وعرفه السرخسي في أصوله (١: ٢٩٢) بقوله: ((كل حديث نقله عن رسول الله وَليقول
عدد يتوهم اجتماعهم على الكذب، ولكن تلقته العلماء بالقبول والعمل به)).
وقد تتبعت روايات القضاء بشاهد ويمين، فوجدتها ينقلها أو يعمل بها أكثر من عشرين
تابعياً، منهم عمرو بن دينار، ومحمد الباقر، وأبو صالح، وعبد الرحمن الأعرج، وسعيد
المقبري، وشرحبيل بن معين، وإسماعيل بن عمرو بن قيس والحارث بن بلال، وابن البيلماني،
وشريح، وإياس، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله،
وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعبيد اللّه بن عبد الله، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وعلي
بن حسين، والحسن البصري، وأبو الزناد، ويحيى بن يعمر، وربيعة، وروي القضاء بذلك عن
الخلفاء الأربعة الراشدين وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر رضيه بأسانيد ضعيفة، واختلفت فيه
الروايات عن عروة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز رحمهما الله تعالى.

٤٩٥
كتاب: الأقضية
والظاهر أن هذا العدد الكبير من التابعين يجعل الحديث مشهوراً على اصطلاح الفقهاء
الحنفية أيضاً .
فالذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله تعالى عنه: أن نصاب الشهادة في الأصل هو ما
ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة بقوله: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ
فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨٢]. ولكن ربما تحدث أعذار لا
يتيسر بها هذا النصاب، ولعل رسول الله ﴿ قضى بالشاهد الواحد مع اليمين في مثل هذه
الأعذار.
ويؤيده ما أخرجه البيهقي في سننه (١٠: ١٧٥) عن عطاء رحمه الله أنه قال: ((لا رجعة
(؟) إلا بشاهدين، إلا أن يكون عذر، فيأتي بشاهد، ويحلف مع شاهده)) وأعله المارديني بمسلم
بن خالد الزنجي، ولكنه على ضعفه أستاذ للشافعي ووثقه عثمان الدارمي، ويحيى، كما في
الميزان ولم يخالف أحداً في رواية مذهب عطاء، ونظير هذا ما ذهب إليه الجمهور، ومنهم
الحنفية، أن شهادة النساء وحدهن تقبل في الولادة، وفيما لا يطلع عليه إلا النساء، فعدلوا من
النصاب الأصلي إلى ذلك لعذر واضح مقبول.
والخلاصة أن أحاديث القضاء بالشاهد واليمين لا مجال لإنكار ثبوتها، وآية سورة البقرة
صريحة في تعيين نصاب الشهادة. فتحمل الأحاديث على أحوال العذر التي لا يمكن فيها
الحصول على هذا النصاب، ويزاد بها على كتاب الله تعالى بهذا القدر فقط، لكون الأحاديث
في هذا الباب مشهورة، أو لأن حالة العذر حكم مستقل بنفسه مسكوت عنه في القرآن الكريم،
والزيادة في الأمور التي سكت عنها القرآن الكريم ممكنة بأخبار الآحاد أيضاً، كما صرح به
العيني في عمدة القاري (٦: ٣٨٠) حيث قال: ((إن الزائد على النص إذا كان حكماً مستقلاً
بنفسه لا يضر ذلك، فلا يسمى نسخاً، لأنه لا يغير ولا يبدل)) وأوضحه شيخنا العثماني في إعلاء
السنن (١٥: ٣٧٠) بقوله: ((فالزيادة التي منعوها بخبر الواحد إنما هي الزيادة التي تدفع معنى
اللفظ، لا الزيادة بمعنى ما ذكر، ما لم يتعرض له النص، لا نفياً، ولا إثباتاً، فالزائد على النص
إذا كان حكماً مستقلاً بنفسه، مسكوتاً عنه في النص لا يضر)). والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب.
(٣) - باب: بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن
٤ - (١٧١٣) - قوله: (عن أم سلمة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشهادات، باب من
أقام البينة بعد اليمين، (رقم: ٢٦٨٠) وفي المظالم، باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه،
(رقم: ٢٤٥٨)، وفي الحيل، باب إذا غصب جاريته، فزعم أنها ماتت، فقضى بقيمة الجارية

٤٩٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الميتة، ثم وجد صاحبها، فهي له، (رقم: ٦٩٦٧)، وفي الأحكام، باب موعظة الإمام
الخصوم، (رقم: ٧١٦٩)، وباب من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه (رقم: ٧١٨١)، وباب
القضاء في كثير المال وقليله، (رقم: ٧١٨٥)، وأخرجه مالك في الأقضية، باب الترغيب في
القضاء بالحق، وأبو داود في الأقضية، باب في قضاء القاضي إذاً أخطأ، (رقم: ٣٥٨٣
و٣٥٨٤)، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في التشديد على من يقضى له، (رقم: ١٣٣٩)،
والنسائي في القضاة، باب الحكم بالظاهر، وابن ماجة في الأحكام، باب قضية الحاكم لا تحل
حراماً، ولا تحرم حلالاً، (رقم: ٢٣١٧ و٢٣١٨).
قوله: (قال رسول الله ( *) وقد ورد سبب هذا القول في رواية يونس الآتية أنه وقلو سمع
جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم، فقال: ((إنما أنا بشر إلخ)). ووقع في رواية عبد الله بن
رافع عند أبي داود: ((أتى رسول الله و له رجلان يختصمان في مواريث لهما، لم تكن لهما بينة
إلا دعواهما)).
قوله: (أن يكون ألحن بحجته) يعني: أبلغ بحجته، وقد صرح به في رواية يونس الآتية،
وهو مشتق من اللحن بفتح الحاء بمعنى الفطنة. وذكر ابن منظور في لسان العرب ١٧ : ٢٦٥ ما
ملخصه: أن للحن ستة معان: الخطأ في الإعراب واللغة، والغناء، والفطنة، والتعريض،
والفحوى. فاللحن الذي هو الخطأ في الإعراب بسكون الحاء، واللحن بمعنى اللغة بفتحها،
ومنه حديث عمر رظُه: تعلموا الفرائض، والسنة، واللحن)) يعني اللغة واللحن بمعنى الغناء
بسكون الحاء، واللحن بمعنى الفطنة بسكون الحاء وفتحها جميعاً، والفتح أشهر، يقال: لحنت
لحناً (من باب سمع): إذا فهمته وفطنته، فلحن هو عني، أي: فهم وفطن، ومنه قوله وَليقول: ((لعل
بعضكم أن يكون ألحن بحجته)) أي: أفطن لها، وأحسن تصرفاً، وأما اللحن بمعنى التعريض
فبسكون الحاء، ومنه قوله وَّله، وقد بعث قوماً ليخبروه خبر قريش: ((الحنوا لي لحناً)) يعني:
أشيروا إليَّ، ولا تفصحوا.
وأما اللحن بمعنى (الفحوى) فهو ساكن الحاء أيضاً، ومنه قوله تعالى: ((ولتعرفنهم في
لحن القول)) أي: في فحواه.
فالخلاصة أن اللحن ههنا بمعنى الفطنة، قال الحافظ في الفتح (١٢: ٣٣٩): ((والمراد أنه
إذا كان أفطن كان قادراً على أن يكون أبلغ في حجته من الآخر)).
وقال بعضهم: اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه، إذا مال
عن صحيح المنطق، فالمراد من الألحن بحجته: من يعدل بها عن الجهة المستقيمة تلعباً بالقول،
أي: أنهض بها، وأحسن تصرفاً. والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٩٧
كتاب: الأقضية
قوله: (على نحو مما أسمع منه) يعني تحكيماً لظاهر الحجة، دون أن أعرف حقيقة الأمر
في نفسها، ووقع في رواية عبد اللّه بن رافع عند أبي داود: ((إني إنما أقضي بينكم برأي فيما لم
ينزل علي فيه)).
قوله: (فمن قطعت له من حق أخيه) يقال: قطع له شيئاً: إذا أعطاه إياه مقتطعاً من طائفة،
قال ابن منظور في لسان العرب (١٠: ١٥٣): ((القطعة من الشيء: الطائفة منه، واقتطع طائفة
من الشيء: أخذه)). والمراد من ((أخيه)) هنا الخصم، واختار ◌ّ ر له كلمة ((الأخ)) دون الخصم،
استمالة لعواطف الأخوة الدينية، أو الإنسانية نحوه لئلا يتجاسر على غصب حقه.
قوله: (فلا يأخذه) به استدل الأئمة الثلاثة على أن قضاء القاضي إنما ينفذ في الظاهر،
ولا ينفذ في الباطن، فلا يحل لمن أثبت دعواه بشهادة زور أن ينتفع بما قضي له به. وقال أبو
حنيفة رحمه الله. ينفذ القضاء ظاهراً، وباطناً، في العقود والفسوخ، فيثبت العقد بالقضاء، وإن
لم يكن ثابتاً في نفس الأمر قبل ذلك، كمن ادعى على امرأة أنه نكحها، وأقام على ذلك بينة،
وقضى بها القاضي، صارت المرأة زوجة له، سواء كانت البينة كاذبة، فيحل له وطؤها بعد
ذلك، كأن القاضي أنشأ بينهما نكاحاً، ولكنه يأثم إثماً شديداً للكذب في الدعوى، وإقامة شهادة
الزور. ولكن لذلك عنده شروط :
الأول: أن تكون الدعوى دعوى عقد، أو فسخه، لا دعوى الأملاك المرسلة، يعني: إذا
كانت الدعوى لمجرد ملك شيء، دون ذكر سبب الملك، فإن قضاء القاضي لا ينفذ إلا في
الظاهر، فلا يحل للمقضي له أن ينتفع به فيما بينه وبين الله تعالى.
والثاني: أن يكون دعوى الملك بسبب يمكن إنشاؤه، كالبيع، والنكاح، فأماً إذا كان
بسبب لا يمكن إنشاؤه، كالإرث، فإنه لا ينفذ فيه القضاء إلا ظاهراً، ولا يحل للمقضي له
الانتفاع به ديانة .
والثالث: أن يكون محل القضاء قابلاً لتملكه، فلو لم يكن المحل قابلاً لذلك، لم ينفذ
القضاء في الباطن، كما إذا ادعى على امرأة محرمة عليه أنها زوجته، وأثبت ذلك بشهادة الزور،
وهو يعلم أنها محرمة عليه، بكونها منكوحة الغير، أو معتدته، أو بكونها مرتدة، فإنه لا ينفذ
باطناً، لأنه وإن كان الملك بسبب، لكن لا يمكن إنشاؤه، كما في رد المحتار (٥: ٤٦٣).
الرابع: أن لا يعلم القاضي بكذب الشهود، فلو علم ذلك وقضى فإنه لا ينفذ في الظاهر،
فضلاً عن الباطن.
والخامس: أن يكون القضاء بشهود أو بالنكول، لا باليمين.
والسادس: أن يكون الشاهدان أهلاً للشهادة، فإن كانا عبدين، أو محدودين في قذف لم

٤٩٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ينفذ القضاء في الباطن، لأن هذه الأوصاف في الشهود يمكن التحقق منها، بخلاف كذبهم، فإنه
أمر باطن لا سبيل إلى القطع بذلك.
هذه ملخص ما في الدر المختار، وحاشيته لابن عابدين (٥: ٤٦٢ و٤٦٣). والصحيح أن
محمداً رحمه الله مع أبي حنيفة في هذه المسألة، وخالفهما أبو يوسف وزفر، فإنهما مع
الجمهور .
واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله بما روي عن عمرو بن المقدام. عن أبيه: ((أن رجلاً
من الحي خطب امرأة، وهو دونها في الحسب، فأبت أن تزوجه، فادعى أنه تزوجها وأقام
شاهدين عند علي رضيته، فقالت: إني لم أتزوجه، قال: قد زوجك الشاهدان، فأمضى عليهما
النكاح)) ذكره الجصاص في أحكام القرآن (١: ٢٥٣) عن أبي يوسف، عن عمرو بن المقدام.
وذكره الإمام محمد رحمه الله في الأصل، قال: بلغنا عن علي كرم الله وجهه أن رجلاً
أقام عنده بينة على امرأة أنه تزوجها، فأنكرت، فقضى له بالبينة، فقالت: إنه لم يتزوجني، فأما
إذا قضيت عليَّ فجدد نكاحي، فقال: لا أجدد نكاحك، الشاهدان زوجاك)) وقال محمد رحمه
الله بعد روايته: ((وبهذا نأخذ)) حكاه ابن عابدين (٥: ٤٦٢) نقلاً عن رسالة القاسم بن قطلوبغا
المؤلفة في هذه المسألة.
واعترض عليه الحافظ في الفتح (١٣: ١٧٦) بأن هذا الأمر لا يثبت. وأجاب عنه شيخنا
العثماني في إعلاء السنن (١٥: ١١٠) بأن قول محمد في الأصل: ((بلغنا عن علي)) ثم قوله:
((وبهذا نأخذ)) دليل على ثبوت الرواية عنده بوجه يحتج به، وبأن أبا حنيفة رحمه الله أدرك زمن
الصحابة. ورأى أصحاب علي، وابن مسعود ظه، فلا يكون قول متأخر حجة عليه، وإنما
يكون احتجاجه بهذا الأثر حجة على كل متأخر. وأما المقداد بن عمرو الذي روى عنه أبو
يوسف، فإنه وإن رمي بالرفض، ولكن قال فيه أبو داود: ((ليس أحاديثه أحاديث الشيعة، وإن
أحاديثه مستقيمة، وليس في حديثه نكارة)) وزاد في رواية ابن الأعرابي: ((ولكنه كان صدوقاً في
الحدیث)) .
وأثر علي رضيُبه هذا صريح في نفاذ القضاء باطناً، لأنه لا معنى لتزويج الشاهدين إياها إلا
أن القاضي أنشأ بينهما نكاحاً بشهادة الشاهدين.
واستدل الجصاص رحمه الله أيضاً بما أخرجه أبو يوسف رحمه الله، قال: ((كتب إليَّ شعبةٌ
بن الحجاج، يرويه عن زيد: أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته بزور، ففرق القاضي
بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين، قال الشعبي: ذلك جائز)) راجع أحكام القرآن للجصاص (١:
٢٥٣)، وذكره السمناني أيضاً في روضة القضاة (١: ٣٢١ و٣٢٢) والصدر الشهيد في شرحه

٤٩٩
كتاب: الأقضية
٤٤٥٠ - (٥) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ
النَّبِّ وََّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلهَ سَمِعَ جَلَبَةً خَصْمٍ بِبَابٍ حُجْرَتِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ. وَإِنَّهُ يأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ،
الأدب القاضي للخصاف (٣: ١٧٦)، كلاهما عن أبي يوسف رحمه الله، ولعل أبا يوسف رحمه
الله أخرجه في كتاب (أدب القضاء) له، ولم يطبع بعد .
فظهر بهذا أن الشعبي رحمه الله ممن ينفذ القضاء في الباطن، كما ينفذه في الظاهر.
وقال السرخسي رحمه الله في المبسوط (١٦: ١٨٢): ((والمعنى فيه أنه قضى بأمر الله
تعالى فيما له فيه ولاية الإنشاء، وقضاؤه بأمر الله تعالى يكون نافذاً حقيقة، لاستحالة القول بأن
يأمر الله تعالى بالقضاء، ثم لا ينفذ ذلك القضاء منه. وبيان الوصف أنه لما تفحص عن أحوال
الشهود، وزكوا عنده سراً علانية، وجب عليه القضاء بشهادتهم، حتى لو امتنع من ذلك يأثم،
ويخرج، ويعزل، ويعزر، فعرفنا أنه صار مأموراً بالقضاء ... لأن ما وراء هذا ساقط عنه باعتبار
أنه ليس في وسعه. ثم إنما يتوجه عليه الأمر بحسب الإمكان، والمأمور به أن يجعلها بقضائه
زوجته، فلذلك طريقان: إظهار نكاح إن كان، وإنشاء عقدٍ بينهما، فإذا لم يصدق بينهما إظهاره
بالقضاء فيتعين الإنشاء، إذ ليس هنا طريق آخر، فيثبت له ولاية الإنشاء بهذا النوع من الدليل
الشرعي، ويجعل إنشاؤه كإنشاء الخصمين، فيثبت الحل به بينهما حقيقة، بل قضاؤه أولى وأقوى
من إنشاء الخصمين عن اتفاق. ألا ترى أن في المجتهدات صفة اللزوم يثبت بإنشاء القاضي،
ولا يثبت بإنشاء الخصمين فعرفنا أن قضاءه أقوى من إنشاء الخصمين)).
(( .. ويجب هذا لتحقيق حكمة بالغة، وهو أن لا يجتمع رجلان على امرأة واحدة،
أحدهما بنكاح ظاهر له، والآخر بنكاح باطن له، ففي ذلك من القبح ما لا يخفى، والدين
مصون عن مثل هذا القبح، ولا يكون القاضي بقضائه مُمَكِّناً من الزنا، ففيه من الفساد ما لا
يخفى. وإذا كان يثبت له ولاية إنشاء التفريق بين المتلاعنين وبين امرأته، لنفيها به عن الزنا،
ويثبت له ولاية تزويج الصغير والصغيرة لمعنى النظر لهما، فلأن يثبت له ولاية انعقاد العقد هنا
لينفيها به عن الزنا، ويصون قضاءَه به عن التمكين من الزنا، أولى)).
انتهى كلام السرخسي رحمه الله، وقد أتى به في كتاب الرجوع عن الشهادة، وهو كلام
متين جداً .
واستدل الجصاص رحمه الله أيضاً بأثر لابن عمر في البيع بالبراءة وبحديث المتلاعنين
وشيخنا العثماني رحمه الله في إعلاء السنن (١٥: ١١٣) بأثر عمر ربه في امرأة المفقود، ولكن
الاستدلال بهذه الأحاديث غير واضح، بل فيه نظر من أوجه متعددة، فلذلك لا أذكره.

٥٠٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَقْضِي لَهُ. فَمَنْ قَضَيْتُ لَّهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ. فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا)).
٤٤٥١ - (٦) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ
الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ يُونُسَ.
وَفِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ: قَالَتْ: سَمِعَ النَِّّ ◌َِّ لَجَبَةَ خَصْمٍ بِبَابٍ أُمُّ سَلَمَةَ.
(٤) - باب: قضية هند
٤٤٥٢ - (٧) حدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَام بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُثْبَةَ، امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ، عَلَى
وأما حديث الباب فليس فيه حجة على الحنفية، لأنه لا يمس بموضع النزاع، إذ هو وارد
في الأملاك المرسلة، وقد وقع التصريح بذلك في رواية ابن المبارك عند أبي داود (رقم:
٣٥٨٤). حيث قال: ((أتى رجلان يختصمان في مواريث لهما لم تكن لهما بينة إلا دعواهما))
وفي رواية عيسى عنده: ((يختصمان في مواريث وأشياء قد درست))، وسكت عنهما أبو داود،
والمنذري في تلخيصه، والحافظ في الفتح.
فتبين أن حديث الباب لا يتعلق بموضع النزاع لوجوه:
١ - إن الخصومة كانت في المواريث، وقد ذكرنا أن المواريث في حكم الأملاك المرسلة
عند الحنفية، لأنها لا تقبل الإنشاء.
٢ - لم تكن هناك بينة لأحد، كما هو مصرح في رواية ابن المبارك، وقد ذكرنا أن مذهب
الحنفية مختص بالقضاء بالشهود، أو بالنكول. ولا يعم القضاء باليمين.
٣ - والذي يظهر أن النبي وَّهو حكم في هذه القضية على وجه التحكيم، دون القضاء، فإن
اللحن بالحجة لا يؤثر في القضاء بالشهود، وإنما يتأتى ذلك في التحكيم على وجه المصالحة،
حيث يقضي الحكم بشهادة الوجدان بعد سماع حجة الخصمين. أشار إليه شيخ مشايخنا الأنور
رحمه الله في فيض الباري (٤: ٤٨٦)، وتلميذه رحمه الله في البدر الساري (٤: ٤٨٧).
٤ - إن الحديث مسوق لردع الناس عن إقامة شهادة الزور للقبض على أموال الناس،
فالوعيد إنما يتوجه إلى هذا الفعل الشنيع، ولا شك أن هذا الفعل حرام عند الحنفية أيضاً،
وموجب للوبال الشديد، وكذلك الانتفاع به لا يطيب له، كما سنذكر إن شاء الله وإنما الكلام في
إباحة المحل بعد القضاء، وليس الحديث مسوقاً لبيان حكمه، يقول ابن الهمام في فتح القدير
(٢: ٣٩٠): ((وإثباتها بالطريق الباطل إثم يا له من إثم، غير أن الوطأ بعد ذلك في حل)).
ثم إن بعض الحنفية أفتوا في هذه المسألة بمذهب الجمهور، (ومنهم أبو يوسف رحمه