النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب: الحدود (٥) - باب: من اعترف على نفسه بالزنى ٤٣٩٦ - (١٦) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي. قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ. فَنَادَاهُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ. فَتَنَحَّىَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي زَنَيْتُ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ. حَتَّى ثَنَى ذُلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا ولكنها بعد وضع حملها جاءت بنفسها دون أن يطلبها أحد، على رغم أنها صارت أماً لولد رضيع، وكم يكون خاطرها قد تعلق بهذا المولود؟ وكم تكون عواطف الإشفاق عليه قد عرضت في سبيلها، ولكنها بإيمانها الراسخ، وعقيدتها الجازمة، وعلاقتها القوية بالله ورسوله، قد اجتازت جميع هذه العوائق، وعرضت نفسها لهذه العقوبة التي تقشعر لها الجلود. أفهل كانت الغامدية هذه يستحق التشديد في عقوبتها أكثر من حدها المفروض في كتاب الله تعالى؟ بعد ما ظهر منها من الاستسلام لحكم الله ما لا يتصور من مجرم عادي؟ وإني والله لا أجد نفسي في شك أنه لو كان الرجم تعزيراً، ولو كان رسول الله وَ# يستطيع إلغاءه في حق مجرم لألغاه في حق الغامدية ظها بعد ما ظهر منها ما ظهر من توبتها، وندامتها، واستسلامها لأمر الله سبحانه وتعالى. ٦ - من المعروف المُسَلّم عند الجميع أن الرجم لا يجب إلا بشهادة أربع من الرجال العدول. وهذا دليل على كونه حداً، لأن التعزير لا يجب له نصاب من الشهادة أقوى من النصاب العادي. وفي هذا القدر كفاية ومقنع لطالب حق إن شاء الله تعالى. هل الحبل كاف في إثبات الزنا؟ قوله: (أو كان الحبل) يعني أن يظهر الحمل على امرأة غير ذات زوج، وبه استدل مالك رحمه الله تعالى على أن الزنا يثبت بظهور حمل غير متزوجة بمن يلحق به الولد، بأن لا تكون متزوجة أصلاً أو متزوجة بصبي أو مجبوب، أو أتت به كاملاً لدون ستة أشهر من دخول زوجها . فإن ادعت الإكراه فعليها أن تقيم دليلاً أو قرينة على صحة قولها، بأن تأتي متعلقة بالمدعي عليه، أو توجد مستغيثة صارخة عند النازلة، فلا تحد حينئذ. هذا ملخص ما في الشرح الصغير للدر دير (٤: ٤٥٤)، والتاج والإكليل للمواق (٦: ٢٩٤). وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى: لا تحد بمجرد ظهور الحمل، (١) أملكت بالبناء للمجهول، أي أملكت أسرها، يعني: طلقت من زوجها، كذا في الفتح الرباني. ٣٨٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ اللّهِ بِهِ. فَقَالَ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟)) قَالَ: لاَ . قَالَّ: ((فَهَلْ أَخْصَنْتَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((اذْهَبُوا بِهِ فَارْ جُمُوهُ)) . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ. فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ. فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ. حتى تعترف بالزنا، أو يشهد أربعة شهود. فأما مالك رحمه الله تعالى فاستدل بقول عمر به هذا، وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي ربه، قال: ((يا أيها الناس! إن الزنا زناآن: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود، وزنا العلانية أن يظهر الحبل، أو الاعتراف)). واستدل أيضاً بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٤٩، رقم: ١٣٤٤٣) عن قتادة قال: ((رُفع إلى عمر امرأة ولدت لستة أشهر، فسأل عنها أصحاب النبي وَّر، فقال علي: ألا ترى أنه يقول: ((وحمله وفصاله ثلاثون شهراً إلخ)) ووجه الاستدلال أن عمر وعلياً ظًّا إنما أمسكا عن الرجم لكون أقل مدة الحمل ستة أشهر، ولو لم تكن ذلك أقل مدة الحمل رجماها، كما ورد في رواية الأسود الديلي عند عبد الرزاق: فأراد عمر أن يرجمها)). وأما الجمهور فاستدلوا بأن كلا من عمر وعلي ◌ّ ثبت عنه أنه لم يرجم بمجرد ظهور الحمل، ونجد فيه روايات آتية : ١ - عن طارق بن شهاب، قال: ((بلغ عمر أن امرأة متعبدة حملت، فقال عمر: أراها قامت من الليل تصل، فخشعت، فسجدت، فأتاها غاو من الغواة، فتحشمها، فأتته، فحدثته بذلك سواء، فخلى سبيلها)) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٤٠٧، رقم: ١٣٦٦٤)، باب البكر والثيب تستكرهان، أخرجه من طريق الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق. ٢ - عن إبراهيم، قال: ((بلغ عمر عن امرأة أنها حامل، فأمر بها أن تحرس حتى تضع، فوضعت ماء أسود، فقال عمر: ((لمة شيطان)) أخرجه عبد الرزاق، (رقم: ١٣٦٦٥). ٣ - عن عبد الله بن أبي أمية: ((أن امرأة توفي زوجها، فعرض لها رجل بالخطبة، حتى إذا خلت إلى زوجها، فمكثت أربعة أشهر، ونصف شهر، ثم وضعت، فقال الرجل: ما هذا؟ فقالت: هو منك، فقال: لا والله، ما هو مني، فبلغ شأنهما عمر بن الخطاب، فأرسل إلى المرأة، فسألها، فقالت: هو والله ولده، فسأل عن المرأة، فلم يخبر عنها إلا خيراً، فأسقط في يدي عمر، ثم أرسل إلى نساء من نساء أهل الجاهلية، فجمعهن، فسألهن عن شأنها، وأخبرهن خبرها، فقالت لها امرأة منهن: أكنت تحيضين؟ قالت: نعم، قالت: أنا أخبرك خبر هذه المرأة! حملت من زوجها الأول، وكانت تهريق عليه، فحش ولدها على الإهراقة، حتى إذا تزوجت، وأصابه الماء من زوجها، انتعش وتحرك، وانقطع عنه الدم، فهذا حين ولدت لتمام تسعة أشهر. ٣٨٣ كتاب: الحدود وَرَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٣٩٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ أَيْضاً، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا ذَكَرَ عُقَيْلٌ. ٤٣٩٨ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْج. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، نَحْوَ رِوَايَةٍ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. ٤٣٩٩ - (١٧) وحدّثني أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَّةً. قَالَ: رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَی النَّبِيِّ وَِّ. رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ. لَيْسَ عَلَيْهِ رِداءٌ. فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى. فقالت النساء: صدقت، هذا شأنه ففرق عمر بينهما، وقال: إني لم أفرق بينكما سخطة عليكما، وقد سألت عنكما فلم يبلغني إلا خير، ولكني أردت أن تحتاط النساء، فلا يعجلن بالنكاح)). أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٥٢، رقم: ١٣٤٥٠) باب التي تضع لستة أشهر وهذا لفظه، وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه (٧: ٤٢٢) في كتاب العدد، باب الحيض على الحمل، وزاد فيه أن المرأة سألتها: ((متى عهدك بزوجك؟ قالت: قبل أن يموت)) وذكرت في الأخير: ((فهي حين ولدت ولدته، لتمام ستة أشهر)) وأشار إليه البخاري في التاريخ الكبير (٥: ١٢٩) في ترجمة عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية. وحاصل ما قالت المرأة أنها حملت من زوجها الأول قبيل وفاته، فيبس ولدها لجريان دمها، حتى مضت عليه أربعة أشهر وعشر، فلما تزوجت الرجل الثاني تحرك الولد مرة أخرى، فجاءت بها بعد نكاحها بأربعة أشهر ونصف فصارت المدة تسعة أشهر تقريباً . وعلى كل، فلم يرجمها سيدنا عمر بن الخطاب رضيبه بمجرد ظهور الحمل، أو وضعه قبل تمام ستة أشهر من التزوج بالثاني، واعتمد على هذا الاحتمال الشاذ الذي لا يكاد يقع إلا نادراً. فهو دليل قاطع على أن مجرد ظهور الحمل لا يثبت الزنا عنده نظـ وأما استقرار الحمل في حالة الحيض، فإنه ممكن على كونه نادراً، واستدل عليه البيهقي رحمه الله تعالى بما أخرجه في سننه (٧: ٤٢٢) عن عائشة رضيّا قالت: ((كنت قاعدة أغزل، والنبي ◌َّلا يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نوراً، فبهت، فنظر إليَّ ٣٨٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَلَعَلَّكَ؟)) قَالَ: لاَ. وَاللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ زَنَى الأَخِرُ. قَالَ: فَرَجَمَهُ. ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ((أَلاَ كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَلَفَ أَحَدُهُمْ لَهُ نَبِيبٌ كُنَبِيبِ التَّيْسِ يَمْنَحُ أَحَدُهُمُ الْكُثْبَةَ. أَمَا وَاللَّهِ، رسول الله ◌َله، فقال: مالك يا عائشة بُهِتُّ؟ قلت: جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نوراً، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كبيرة؟ قالت: قلت: يقول: وفساد مرضعة، وداء مغيل ومبرأ من كل غير حيضة برقت كبرق العارض المتهلل فإذا نظرت إلى أسرة وجهه قالت: فقام إليَّ النبي ◌َّر: وقبل بين عيني، وقال: جزاك الله ياعائشة عني خيراً، ما سررت مني کسروري منك)). قال البيهقي بعد رواية هذا الحديث: ((ففي هذا كالدلالة على أن ابتداء الحمل قد يكون في حالة الحيض، والنبي (َّ لم ينكر)) يعني: لم ينكر على ما تمثلت به عائشة من الشعر الأول لأبي كبير الهذلي، فإنه ذكر فيه أن بعض الناس يولدون على بقايا الحيض. ٤ - عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف: ((أن رجلاً مقعداً كان عند جدار سعد، فأصاب امرأة حبل، فرميت به، فسئل، فاعترف فأمر رسول الله بَ له به، فجلد بإثكال النخل)) أخرجه الشافعي في مسنده (ص: ٣٦٢). وأخرجه ابن النجار عن سهل بن سعد، قال: ((إن وليدة في عهد النبي وَل حملت من الزنا، فسئلت: من أحبلك؟ فقالت؟ أحبلني المقعد، فسئل عن ذلك، فاعترف)) كذا في كنز العمال ٣: ٨٩، فقد رأيت أن النبي ولو لم يحدها بمجرد ظهور الحمل بها، حتی سألها . ٥ - عن أبي يزيد: ((أن رجلاً تزوج امرأة ولها ابنة من غيره، وله ابن من غيرها، ففجر الغلام بالجارية فظهر بها حبل، فلما قدم عمر إلى مكة رفع ذلك إليه، فسألهما، فاعترفا، فجلده عمر الحد، وأخر المرأة حتى وضعت، ثم جلدها، وفرض أن يجمع بينهما، فأبى الغلام)) أخرجه الشافعي. ٦ - عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: ((توفي عبد الرحمن بن حاطب، وأعتق من صلى من رقيقه وصام، وكانت له نويبة قد صلت وصامت، وهي أعجمية لم تفقه، فأرسل إليها عمر، فسألها، فقال حبلت؟ فقالت: نعم! من مرعوش بدرهمين)) أخرجه الشافعي وعبد الرزاق، والبيهقي، كما في كنز العمال (٣: ٨٧). ودل الحديثان على أن عمر ربه لم يحد المراة بمجرد ظهور الحمل، حتى سألها، ولو كان مجرد ظهور الحمل كافياً في ثبوت الزنا لم تكن هناك حاجة إلى السؤال. ٧ - عن الشعبي: ((أن علياً ظبه أتى بامرأة من همدان، بنت حبلى، يقال لها شراحة قد ٣٨٥ كتاب: الحدود إِنْ يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدِهِمْ لأُنَكِّلَنَّهُ عَنْهُ)). ٤٤٠٠ - (١٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةً يَقُولُ: أَّتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِرَجُلِ قَصِيرٍ، أَشْعَثَ، ذِي عَضَلاَتٍ، عَلَيْهِ إِزَارٌ وَقَدْ زَنَى. فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَقَالَ رَّسُولُ اللَّهِ وََّ: ((كُلَّمَا نَفَرْنَا غَازِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، تَخَلَّفَ أَحَدُكُمْ يَنِبُّ نَبِيبَ التَّيْسِ. يَمْنَحُ إِحْدَاهُنَّ الْكُثْبَةَ. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُمْكِنِّي مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِلاَّ جَعَلْتُهُ نَكَالاً)) (أَوْ نَكَّلْتُهُ). قَالَ: فَحَدَّثْتُهُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ رَدَّهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. ٤٤٠١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ. وَوَافَقَهُ شَبَابَةُ عَلَى قَوْلِهِ: فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ. وَفِي حَدِيثٍ أَبِي عَامِرٍ: فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًاً. زنت، فقال لها علي: لعل الرجل استكرهك؟ قالت: لا، قال: فلعل الرجل قد وقع عليك وأنت راقدة؟ قالت: لا، قال: فلعل لك زوجاً من عدونا هؤلاء، وأنت تكتمينه، قالت: لا، فحبسها، حتى إذا وضعت جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة إلخ)) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣٢٦، رقم: ١٣٣٥٠)، والبيهقي (٨: ٢٢٠). فقد رأيت أن علياً عظته لم يرجمها بمجرد ظهور الحمل حتى اعترفت، وأنكرت جميع الاحتمالات الممكنة في هذا الشأن. وقد استدل ابن قدامة في المغني، وشيخنا العثماني رحمه الله في إعلاء السنن (١١ : ٦٦٦) على مذهب الجمهور بما أخرجه سعيد بن منصور عن هاشم: ((أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب، ليس لها زوج، وقد حملت، فسألها عمر، فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع عَليَّ رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد))، ولكنه لا ينتهض حجة على المالكية، لأنهم يقولون: ((أما دعواها الوطأ بشبهة، أو غلط، وهي نائمة، فتقبل، لأن هذا يقع كثيراً)) كذا في حاشية الصاوي على الدردير (٤: ٤٥٥). فأما قول عمر ربه في حديث الباب: ((أو كانالحبل)) فأجاب عنه الطحاوي رحمه الله تعالى بأن المستفاد من قول عمر ر له: ((الرجم حق على من زنى إلخ)) أن الحبل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم، وهو كذلك، ولكن لا بد من ثبوت كونه من زنا، ولا ترجم بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه، لأن عمر لما أتى بالمرأة الحبلى، وقالوا: إنها زنت، وهي تبكي، فسألها ما يبكيك؟ فأخبرت أن رجلاً ركبها وهي نائمة، فدرأ عنها الحد بذلك)). ٣٨٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٤٠٢ - (١٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ). قَالاً: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكِ: ((أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟)) قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: ((بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فُلاَنٍ)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . ٤٤٠٣ - (٢٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَسْلَمَ يُقَالُ لَهُ مَاعِزُ بْنُ مَالِكِ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ فَاحِشَةً. فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَرَدَّه النَّبِيُّ ◌َهِ مِرَاراً. قَالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَوْمَهُ؟ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ بِهِ بَأُساً. إِلاَّ أَنَّهُ أَصَابَ شَيْئاً، يَرَى أَنَّهُ لاَ يُخْرِجُهُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ وتعقبه الحافظ في الفتح (١٢: ١٥٥) بأنه: ((لا يخفى تكلفه، فإن عمر رضيالله قابل الحبل بالاعتراف، وقسيم الشيء لا يكون قسمه)). ولكن أجاب عنه شيخنا في إعلاء السنن (١١ : ٦٦٨) بأن (أو) قد يكون بمعنى الواو لمطلق الجمع، دون التقسيم، كما في القاموس. قال العبد الضعيف الله عنه: لا شك أن ظاهر قول عمر ظله هذا يؤيد المالكية، ولكنه يعارضه ما ذكرنا من الآثار الكثيرة، التي تدل على أن مجرد ظهور الحمل لا يكفي في ثبوت الزنا، فلما تعارضت الآثار وقعت الشبهة، وإن الحدود تندرىء بمثل هذه الشبهات، فلا سبيل إلى إثباتها بمجرد ظهور الحمل، حتى يسانده الاعتراف أو البينة. وأما قول علي رظُه: (الزنا زناآن إلخ) فالمَخْلَصُ منه سهل، أما أولاً، فلأنه لم يتعرض فيه للحد، وإنما ذكر قسمين للزنا، فلا يستلزم أن يثبت الحد بمجرد ظهور الحبل، وإنما المراد أن ثبوت الزنا إن كان بالبينة فقط، دون أن يكون معها حمل، فليس ذلك بزنا العلانية، لأن البينة وإن كانت حجة ولكن احتمال الخطأ فيها موجود، بخلاف ما إذا ظهر الحبل بالزانية، واقترن بالبينة، فإنه زنى ظاهر، وكذلك إن اعترفت. وأما ثانياً، فقد ذكرنا أن علياً ظُله لم يرجم شراحة الهمدانية بمجرد ظهور الحمل بها، وإنما لقنها ما يخرجها عن وجوب الحد عليها، فلما اعترفت رجمها، فتبين أنه لا يقول بأن ظهور الحبل كاف لثبوت الزنا، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. (٥) - باب: من اعترف على نفسه بالزنا ١٦ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المحاربين، باب سؤال الإمام المقر: هل أحصنت؟ (رقم: ٦٨٢٥)، وباب لا يرجم المجنون والمجنونة، (رقم: ٦٨١٥)، وفي الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، والكره، والسكران، (رقم: ٥٢٧٠)، وفي الأحكام، باب من حكم في المسجد، حتى أتى على حد أمر أن يخرج من المسجد، فيقام، ٣٨٧ كتاب: الحدود يُقَامَ فِيهِ الْحَدُّ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ وَلِّ. فَأَمَرَنَا أَنْ نَرْجُمَهُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ. قَالَ: فَمَا أَوْثَقْنَاهُ وَلاَ حَفَرْنَا لَهُ. قَالَ: فَرَمَيْنَاهُ بِالْعَظْم وَالْمَدَرِ وَالْخَزَفِ. قَالَ: فَاشْتَّ وَاشْتَدَدْنَا خَلْفَهُ. حَتَّى أَتَى عُرْضَ الْحَرَّةِ. فَانْتَصَبَ لَنَا. فَرَمَّيْنَاهُ بِجَلاَ مِيدِ الْحَرَّةِ (يَعْنِي (رقم: ٧١٦٧)، وأخرجه الترمذي في الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، رقم ١٤٢٨، وأبو داود ي الحدود، باب رجم ماعز بن مالك (رقم: ٤٤٢٨)، وابن ماجه في الحدود، باب الرجم، (رقم: ٢٥٥٤). قوله: (أتى رجل من المسلمين) يعني ماعز بن مالك الأسلمي، رظُبه، وكان من قصته ما أخرجه أحمد في مسنده (٥: ٢١٧) عن نعيم بن هزال: ((أن هزالاً كان استأجر ماعز ابن مالك، وكانت له جارية يقال لها فاطمة، قد أملكت(١)، وكانت ترعى غنماً لهم، وإن ماعزاً وقع عليها، فأخبر هزالاً، فخدعه، فقال: انطلق إلى النبي وَلّ فأخبره عسى أن ينزل فيك قرآن إلخ)) وسنده جيد، كما في الفتح الرباني (١٦: ٨٧). وأخرج ابن سعد في طبقاته (٤: ٣٢٤) من طريق الواقدي، عن هزال، قال: ((كان أبو ماعز قد أوصى إليَّ بابنه ماعز. وكان في حجري أكفله بأحسن ما يكفل به أحد أحداً، فجاءني يوماً، فقال لي: إني كنت أطالب مهيرة امرأة كنت أعرفها، حتى نلت منها الآن ما كنت أريد، ثم ندمت على ما أتيت، فما رأيك؟ فأمره أن يأتي رسول الله وَّ، فيخبره إلخ)). قوله: (حتى ثنى ذلك عليه) ثنى، بالثاء والنون الخفيفة، من باب رمي يعني: كرر. قوله: (أربع مرات) به استدل الحنفية والحنابلة على أن الإقرار بالزنا لا يوجب الحد، حتى يكرره المقر أربع مرات، وهو قول الحكم، وابن أبي ليلى. وقال الشافعي ومالك رحمهما الله: يحد بإقراره مرة واحدة، وهو قول الحسن، وحماد، وأبي ثور، وابن المنذر، كما في المغني لابن قادمة، (١٠: ١٦٥)، واستدلوا بحديث العسيف الآتي بعد قصة ماعز والغامدية، حيث قال فيها رسول الله وَليون: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)) حيث لم يقيد الاعتراف بأربع مرات. وكذلك قال عمر تظ له في خطبته الماضية في الباب السابق: ((أو كان الحبل، أو الاعتراف)) ولم يقيده بأربع مرات. وللحنفية والحنابلة حديث الباب، فإن النبي وَ ل أعرض عن ماعز رُه بعد إقراره في أول مرة، ولو وجب الحد بمرة واحدة لم يعرض عنه رسول الله وَلقول، لأنه لا يجوز ترك حد وجب الله تعالی . ثم قد أخرج أحمد في مسنده (١: ٨) قصة ماعز من رواية أبي بكر الصديق رضي الله قال: (كنت عند النبي ◌َ﴿ جالساً، فجاء ماعز بن مالك، فاعترف عنده مرة، فرده، ثم جاءه فاعترف عنده الثانية، فرده، ثم جاءه فاعترف الثالثة، فرده، فقلت له: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك، ٣٨٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْحِجَارَةَ). حَتَّى سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ خَطِيباً مِنَ الْعَشِيِّ فَقَالَ: ((أَوَ كُلَّمَا انْطَلَقْنَا غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيَالِنَا. لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيْسِ، عَلَيَّ أَنْ لاَ أُوتَى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذُلِكَ إِلَّ نََّّلْتُ بِهِ)). قَالَ: فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلاَ سَبَّهُ. ٤٤٠٤ - (٢١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا دَاوُدُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ مَعْنَاهُ. وَقَالَ فِي الْخَّدِيثِ: فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َهَ مِنَ الْعَشِيِّ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ، إِذَا غَزَوْنَا، يَتَخَلَّفُ أَحَدُهُمْ عَنَّ. لَهُ نَبِيبٌ كَنَّبِيبِ التَّيْسِ)). وَلَمْ يَقُلْ: ((فِ عِيَالِنَا)). ٤٤٠٥ - (٠٠٠) وحدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةً. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاَهُمَا عَنْ دَاوُدَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، بَعْضَ هُذَا الْحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ سُفْيَانَ: فَاعْتَرَفَ بِالزِّنَى ثَلاَثَ مرّاتٍ . ٤٤٠٦ - (٢٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى (وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ الْمُحَارِبِيُّ)، عَنْ غَيْلاَنَ (وَهُوَ ابْنُ جَامِعِ الْمُحَارِبِيُّ)، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، قال: فاعترف الرابعة. فحبسه، ثم سأل عنه، فقالوا: ما نعلم إلا خيراً، قال: فأمر برجمه)) وفي إسناده جابر الجعفي، ولكن ذكر ابن قدامة في المغني (١٠: ١٦٦) قول الصديق ظلُبه من رواية أبي برزة الأسلمي أيضاً، ولم أجده بهذا اللفظ في كتب الحديث. وحديث أبي برزة في رجم ماعز أخرجه أحمد في مسنده (٤: ٤٢٣)، وليس فيه قول أبي برزة هذا، ولكن نقل ابن قدامة مما یوثق به . فقول أبي بكر الصديق رضيبه (إن اعترفت الرابعة رجمك) دليل ظاهر للحنفية والحنابلة من و جھین : الأول: أنه قد علم هذا من حكم النبي ◌َّ ر، ولو لا ذلك ما تجاسر على مثل هذا القول بين يديه . والثاني: أن النبي وَلّ أقره على ذلك، ولم ينكره. وأما حديث العسيف وخطبة عمر ثًا فقد وقع فيه لفظ الاعتراف مجملاً، وحديث ماعز يفسره، ولا تعارض بين المجمل والمفسر. قوله: (فرجمناه بالمصلى) يعني: مصلى الجنائز، كما في شرح الأبي (٤: ٤٥٠). قوله: (فلما أذلقته الحجارة) يعني: أقلقته، الإذلاق: الإقلاق، والذلق بالتحريك: القلق، ٣٨٩ كتاب: الحدود عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ وَّرِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي. فَقَالَ: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ)) قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، طَهِّرْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَهُ: ((وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ) قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي. فَقَّالَ النّبِيُّ وَ مِثْلَ ذُلِكَ. حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟)) فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى. فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَبِهِ جُنُونٌ؟)) فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ. فَقَالَ: ((أَشَرِبَ خَمْراً؟)) فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ : وقال في النهاية: أذلقته: بلغت منه الجهد حتى قلق، يقال: أذلقه الشيء: أجهده، وقال النووي: معنى أذلقته الحجارة: أصابته بحدها، ومنه انذلق: صار له حد يقطع. وراجع فتح الباري (١٢ : ٢٤٠). (٠٠٠) - قوله: (عبد الرحمن بن خالد بن مسافر) والي مصر من (سنة: ١١٨ هـ إلى ١١٩ هـ)، وكان جده شهد فتح بيت المقدس مع عمر، وهو صالح ثَبْتُ في الحديث، وقيل اسم جده ثابت بن مسافر، روى عنه الشيخان، وراجع التهذيب (٦: ١٦٥). (٠٠٠) - قوله: (الدارمي) بكسر الراء، نسبة إلى بني دارم بن مالك، كما في الأنساب للسمعاني (٥: ٢٧٨)، وقد مَرَّ ترجمته. قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع، (رقم: ١٤٢٩)، وأبو داود في الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، (رقم : ٤٤٢٠ و٤٤٣٠). ١٧ - (١٦٩٢) - قوله: (الجحدري) بفتح الجيم والدال، نسبة إلى أحد أجداده جحدر، وراجع الأنساب للسمعاني (٣: ٢٠٦). قوله: (عن جابر بن سمرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، (رقم: ٤٤٢٢). قوله: (أعضل) أي مشتد الخلق، وقال ابن الأثير في جامع الأصول (٣: ٥٣١): ((رجل أعضل، وعضيل: كثير اللحم)) وقال الحافظ في الفتح (١٢: ١٢٢): ((وفي لفظ: ذو عضلات، بفتح المهملة، ثم المعجمة، قال أبو عبيدة: العضلة ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق. وقال الأصمعي: كل عصبة مع لحم فهي عضلة. وقال ابن القطاع: العضلة لحم الساق والذراع، وكل لحمة مستديرة في البدن. والأعضل: الشديد الخلق، ومنه: أعضل الأمر: إذا اشتد. لكن دلت الرواية الأخرى على أن المراد به هنا كثير العضلات)». قوله: (فلعلك) خبره محذوف، يعني: لعلك قبلت؟ أو غمزت؟ كما هو مصرح في روايات ٣٩٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((أَزَنَيْتَ؟)) فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ: قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ. لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةُ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزِ؛ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ وَّـ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ. ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَلَبِثُوا بِذُلِكَ يَوْمَيْنٍ أَوْ ثَلاثَةً. ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ وَهُمْ جُلُوسٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكِ)). قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ)) . قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! طَهِّرْنِي. فَقَالَ: ((وَيْحَكِ! ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ)) فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدْدَنِي كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ. قَالَ: ((وَمَا ذَاكِ؟)) قالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَىْ. فَقَالَ: ((آنْتِ؟)) قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهَا: ((حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ)). قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ. قَالَ: فَأَتَى النَّبِيِّ نَّهِ فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ. فَقَالَ: ((إِذَا لاَ نَرْجِمَهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيراً لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ)) فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ. يَا نَبِيَّ اللَّه. قَالَ: فَرَجَمَهَا. أخرى، فاقتصر في هذه الرواية على ((لعلك)) اختصاراً، وتنبيهاً، واكتفاءً بدلالة الكلام والحال. وفيه استحباب تلقين المقر بحد الزنا والسرقة وغيرهما من حدود الله تعالى. وأنه يقبل رجوعه عن ذلك، لأنه الحدود مبنية على المساهلة والدرء، بخلاف حقوق الآدميين، وحقوق الله تعالى المالية، كالزكاة والكفارة وغيرهما، لا يجوز التلقين فيها، ولو رجع لم يقبل رجوعه. كذا في شرح النووي رحمه الله. وفيه أنه الكلام المحتمل يقبل فيه تفسير القائل، كذا في شرح الأبي. قوله: (قد زنى الأخر) بفتح الهمزة المقصورة. وكسر الخاء، ومعناه: الأرذل، والأ بعد والأدنى، وقيل: اللثيم، وقيل الشقي، وكله متقارب، ومراده نفسه، فحقرها وعابها، لاسيما وقد فعل هذه الفاحشة. وقيل: إنها كناية يكني بها عن نفسه وعن غيره إذا أخبر عنه بما ستقبح. کذا في شرح النووي. قوله: (خلف أحدهم) يعني: تخلف عن الجهاد، ويقال: خلف فلان فلاناً: إذا أقام بعده، كذا في جامع الأصول (٣: ٥٣١). قوله: (له نبيب كنبيب التيس) النبيب: صوت التيس عند السفاد، ونب التيس ينب، بكسر النون في المضارع، نباً، ونبيباً ونباباً، ونبنب: صاح عند الهياج، وقال عمر لوفد أهل الكوفة حين شكوا سعداً رَظُه: ((ليكلمني بعضكم، ولا تنبوا عندي نبيب التيوس)) أي: تصيحوا. ونبنب الرجل: إذا هذى عند الجماع. كذا في لسان العرب لابن منظور (٢: ٢٤١ و٢٤٢). والتيس: فحل من الغنم. والمراد أن بعض الناس يظهرون شهوتهم على النساء المغيبات ٣٩١ كتاب: الحدود ٤٤٠٧ - (٢٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ (وَتَقَارَبَا فِي لَّفْظِ الْحَدِيثِ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا بُشَيْرُ بْنُ الْمُهَاجِرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكِ الأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَردَّهُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ. فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ. فَأَرْسَلَ بعد ما خرج رجالهن إلى الغزو ولعل بعض المنافقين كانوا يفعلون ذلك. قوله: (يمنح أحدهم الكثبة) الكثبة من الماء، واللبن: القليل منه، وقيل: هي مثل الجرعة تبقى في الإناء، وقيل: قدر حلبة. وقال أبو زيد: ملء القدح من اللبن، وأكثب الرجل: سقاه كثبة من لبن، وكل طائفة من طعام، أو تمر، أو تراب، أو نحو ذلك، فهو كثبة، بعد أن يكون قليلاً. وكثب الشيء يكثبه (من باب ضرب) كثباً، (بسكون الثاء): جمعه من قرب، وصبه. فكل مجتمع من طعام، أو غيره، بعد أن يكون قليلاً، فهو كثبة. وراجع لسان العرب (٢ : ١٩٦ و ١٩٧). والمراد: أن ذلك الرجل الذي يظهر الشهوة على النساء المغيبات يخدعهن بإعطاء كثبة، ليفوز بما يريد منهن. فقوله (أحدهم) فاعل يمنح، ومفعوله الأول محذوف، يعني النساء، وفي الرواية الآتية: (يمنح إحداهن) فذكر المفعول، وأضمر الفاعل. قوله: (إن يمكني) يعني: إن أعطاني الله القدرة على أحدهم، لأعاقبنه عن الله تعالى، حتى یصیر نكالاً لئن بین یدیه ومن خلفه . وبهذه الخطبة اغتر بعض المعاصرين، وقالوا: إن ماعزاً ظهبه كان يفعل ذلك، ولذلك ذكره النبي وَل بعد رجمه. والحق أنه ليس في هذه الخطبة ما يدل على أن ماعزاً رظلله كان يرتكب مثل هذا الفعل. وإنما ذكره النبي وَلقر بعد رجم ماعز ليعتبر هؤلاء المفسدون بعقوبة ماعز، وينتبهوا بأنه يمكن معاقبتهم أيضاً بمثل هذه العقوبة. وأما ماعز ◌َّته، فسيأتي عند المصنف أن أهل قبيلته شهدوا له بقولهم: ((ما نعلمه إلا وفي العُقَّل، من صالحينا)) ولقد شهد له النبي وَّر بقوله: ((إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها)) كما أخرجه أبو داود، فكيف يصح فيه أنه كان معتاداً بمثل هذه الفاحشة، والعياذ بالله منه. وأما صدور الإثم فکان اتفاقیاً، ولم يكن متعوداً بذلك، کما يدل عليه اعترافه وندمه قته . (٠٠٠) - قوله: (العقدي) بفتح العين والقاف، نسبة إلى بطن من بجيلة، كما في الأنساب للسمعاني (٩: ٣٣٤) واسمه، عبد الملك بن عمرو. ١٩ - (١٦٩٣) - قوله: (عن ابن عباس) حديث ابن عباس في قصة ماعز، أخرجه أيضاً البخاري في المحاربين، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست، أو غمزت، والترمذي في ٣٩٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: ((أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْساً تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئاً؟)) فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلاَّ وَفِيَّ الْعَقْلِ. مِنْ صَالِحِينَا. فِيمَا نُرَىُ. فَأَتَاهُ الثَّالِئَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضَاً فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ؛ أَنَّهُ لَ بَأْسَ بِهِ وَلاَ بِعَقْلِهِ. فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةٌ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. قَالَ: فَجَاءَتِ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَإِنَّهُ رَدَّهَا . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ تَرُدُّنِي؟ لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي. الحدود، باب ما جاء في التلقين في الحد، (رقم: ١٤٢٧)، وأبو داود في باب رجم ماعز، (رقم: ٤٤٢١، ٤٤٢٦، ٤٤٢٧). قوله: (أحق ما بلغني عنك؟) قال النووي: هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور في باقي الروايات أنه أتى النبي ◌ّله، فقال: طهرني. قال العلماء: لا تناقض بين الروايات، فيكون قد جيء به إلى النبي ◌َ ◌ّر من غير استدعاء من النبي وَّر، وقد جاء في غير مسلم أن قومه أرسلو إلى النبي ◌َّ﴾ وقال النبي وسطقل للذي أرسله: لو سترته بثوبك يا هزال، لكان خيراً لك. وكان ماعز عند هزال، فقال النبي ◌ّ﴿ لماعز بعد أن ذكر له الذين حضروا معه ما جرى له: أحق ما بلغني عنك)». ٢٠ - (١٦٩٤) - قوله: (حدثنا داود) الظاهر أنه داود بن أبي هند، والراوي عنه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، والله أعلم. قوله: (عن أبي نضرة) اسمه منذر بن مالك بن قطعة. العبدي البصري، من ثقات التابعين، وقد مَرَّ في بيع البعيد واستثناء ركوبه. قوله: (عن أبي سعيد) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في باب رجم ماعز، (رقم: ٤٤٣١ و ٤٤٣٢). قوله: (فرده النبي ◌َّ - مراراً) قد رأيت أن الروايات مختلفة في عدد ذلك فروي فيما سبق أنه فعلَّ* رده مرتين، وروي في بعضها أنه رده ثلاثاً، وقد تكلف الحافظ في الفتح (١٢: ٢٣)، للجمع بينها، والظاهر أنه اختلاف الرواة الذي لا يقدح في أصل الحديث، وتقدم مراراً أن الرواة ربما لا يعتنون بتفاصيل القصة وحواشيها، والصحيح أنه ◌ٍّ* رده ثلاث مرات، حتى إذا اعترف الرابعة سأله عن كيفية الزنا، فلما بينها رجمه، والله سبحانه أعلم. قوله: (فرميناه بالعظم، والمدر، والخزف) المدر، بفتح الميم، وسكون الدال: حجر الطين المجتمع الصلب، واحدته مدرة، كما في مجمع البحار. والخزف: قطع الفخار المنكسر. وقال النووي: ((هذا دليل لما اتفق عليه العلماء أن الرجم يحصل بالحجر، أو المدر، أو العظام، أو الخزف، أو الخشب، وغير ذلك مما يحصل به القتل، ولا تعين الأحجار، وقد قدمنا أن قوله تعالى: (ثم رجما بالحجارة) ليس هو للاشتراط. ٣٩٣ كتاب: الحدود كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزاً. فَوَاللَّهِ، إِنِّي لَحُبْلَى. قَالَ: ((إِمَّا لاَ، فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي)) فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ. قَالَتْ: هُذَا قَدْ وَلَذْتُهُ. قَالَ: ((اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ)). فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ. فَقَالَتْ: هُذَا، يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ فَطَمْتُهُ، وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ. فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا. وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا. فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ. فَرَمَى رَأْسَهَا. فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ . فَسَبَّهَا. فَسَمِعَ نَبِيُّ اللّهِ تَّهِ سَبَّهُ إِيَّهَا. فَقَالُ: ((مَهْلاً يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةٌ، لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ)). وهل يجوز إطلاق الرصاص في الرجم لم أجده صريحاً في كتب الفقهاء، والظاهر أن لا يجوز في بداية الرجم، لأن المقصود في الرجم أن لا يتعجل موت المرجوم ليكثر ألمه وليجد مهلة في الرجوع إن شاء أثناء الرجم، فإنه أطلق الرصاص في بداية الرجم فات هذا المقصود. فالمشروع أن يبدأ في رجمه بالحجارة وما شاكلها مما لا يتعجل بها موته. ولكن يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه، أنه لو شرع الناس في الرجم بالحجارة، ورموه بها قدراً يعتد به، ثم تعسر موته، فلو أطلق عليه الرصاص في الأخير، ينبغي أن يجوز، وذلك لأن ماعز رَظُبه رمي في البداية بحجارة صغار، ثم رموه بجلاميد الحرة، كما سيأتي في هذا الحديث، والجلاميد: جمع جلمود، وهو الحجر العظيم. وجاء في رواية هزال ربه عند أبي داود (رقم: ٤٤١٩) في آخر قصة ماعز: ((فلقيه عبد الله بن أنيس. وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير، فرماه به، فقتله)). ووقع في قصة الغامدية من رواية أنس بن مالك به أن النبي وَلّ: ((أمر رجلاً. فقال: انطلق إلى حجر عظيم فائتها من خلفها، فارمها، فاشدخها)) رواه الطبراني في الأوسط، كما في مجمع الزوائد (٦، ٢٦٨)، وقال الهيثمي: ((وفيه من لم أعرفه)). فهذه الروايات تدل على أنه لو تعسر على المرجوم الموت بعد ما شرع الناس في رجمه بالحجارة الصغار، جاز أن يرمى بما يتعجل به موته. فالذي يظهر أنه ينبغي أن يجوز استعمال الرصاص في مثل هذه الحالة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (عرض الحرة) العرض بضم العين: الجانب. والحرة أرض ذات حجارة سوداء، معروفة بالمدينة المنورة، وهما حرتان في جانبي المدينة. قوله: (بجلاميد) جمع جلمد، وجلمود، وهو الحجر الكبير، يقول امرؤ القيس في وصف فرس : مكر، مفر، مقبل، مدير معا كجلمود صخر حطه السيل من علُ ٣٩٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ. ٤٤٠٨ _ (٢٤) حدّثني أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ (يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ) حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُوِ قِلاَبَةَ؛ أَنَّ أَبَا الْمُهَلَّبِ حَدَّثَهُ، عَنْ عِمْرًانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةً أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ بِ ◌ّهِ، وَهِيَ حُبْلَى مِنَ ٢٢ - (١٦٩٥) - قوله: (يحيى بن يعلى) المحاربي الكوفي، أخرج له الجماعة إلا الترمذي، وثقه أبو حاتم وابن حبان، وقال مطين: مات سنة ست عشرة ومائتين، كما في التهذيب (١١: ٣٠٣) والمحاربي، بضم الميم، وكسر الراء، نسبة إلى الجد. وإلى قبيلة محارب، كما في الأنساب للسمعاني (١٢: ١٠٢). قوله: (عن غيلان) بن جامع بن أشعث، أبي عبد اللّه الكوفي المحاربي ولي قضاء الكوفة، قتلته المسودة أول ما جاؤوا بين واسط والكوفة، (سنة: ١٣٢هـ)، وثقه ابن معين، وابن المديني، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود وغيرهم، كما في التهذيب (٨: ٢٥٣). ثم قال النووي: ((هكذا في النسخ: عن يحيى بن يعلى، عن غيلان. قال القاضي والصواب ما وقع في نسخة الدمشقي: عن يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، فزاد في الإسناد: (عن أبيه). وكذا أخرجه أبو داود في كتاب السنن، والنسائي من حديث يحيى بن يعلى، عن أبيه، عن غيلان، وهو الصواب. وقد نبه عبد الغني على الساقط من هذا الإسناد في نسخة أبي العلاء بن ماهان. ووقع في كتاب الزكاة من السنن لأبي داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن يعلى، حدثنا أبي، حدثنا غيلان، عن جعفر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْثِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٣٤] الآية إلخ فهذا السند يشهد بصحة ما تقدم. قال البخاري في تاريخه: يحيى بن يعلى سمع أباهُ وزائدة بن قدامة. هذا آخر كلام القاضي، وهو صحيح كما قال، ولم يذكر سماعاً ليحيى بن يعلى هذا من غيلان، بل قالوا: سمع أباه، وزائدة)). قوله: (عن أبيه) يعني بريدة بن الحصيب الأسلمي رضيُه، ويقال: إن اسمه عامر، وبريدة لقبه. أسلم حين مَرَّ به النبي ◌َّر مهاجراً بالغميم، وأقام في موضعه حتى مضت بدر وأحد، ثم قدم بعد ذلك. وقيل: أسلم بعد منصرف النبي وَلّ من بدر، وسكن البصرة لما فتحت، وفي الصحيحين عنه أنه غزا مع رسول الله وَلقر ست عشرة غزوة، وكان غزا خراسان في زمن عثمان، ثم تحول إلى مرو، فسكنها إلى أن مات في خلافه يزيد ابن معاوية سنة ثلاث وستين، كذا في الإصابة (١: ١٥٠، رقم: ٦٣٢). وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في باب رجم ماعز، وباب المرأة التي أمر النبي وَيِّ برجمها من جهينة، (رقم: ٤٤٣٣ و٤٤٣٤ و٤٤٤١). ٣٩٥ كتاب: الحدود الزِّنَى. فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدَّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَدَعَا نَبِيُّ اللّهِ وَّهِ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْهَا. فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِي بِهَا)) فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ وَ. فَشُكْتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ. ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا؟ يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَقَدْ زَنَتْ. قوله: (فاستنكهه) يعني: شم فمه، هل يوجد منه رائحة الخمر. ودل هذا الحديث على أن إقرار السكران بالزنا لا يعتبر، وهو قول الجمهور، ومنهم الحنفية، إلا أنهم قيدوا ذلك بالحدود التي يعمل فيها الرجوع عن الإقرار كالزنا وشرب الخمر، وأما في ما هو حق العبد كالقذف، وسائر الحقوق المالية، فيعمل فيها إقرار السكران إذا كان السكر بطريق محظور، وإن كان بطريق مباح، كشرب الدواء عند الضرورة، فلا يعمل الإقرار في شيء من الحقوق المالية، ولا في الحقوق الجنائية. هذا ملحض ما في كتاب الإقرار من رد المحتار (٤: ٦٢١). وكذلك الحنابلة لا يعتبرون بإقرار السكران بالزنا، كما في المغني لابن قدامة (١٠ : ١٧١)، وهو المفهوم من كتب المالكية أيضاً، كشرح الأبي (٤: ٤٥٤). وأما الشافعية فقال النووي رحمه الله تعالى: ((مذهبنا الصحيح المشهور صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه، والسؤال عن شربة الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكران لم يقم عليه الحد)) لعل مراده أن إقرار السكران بالزنا موجب للحد عندهم، غير أنه لا يقام عليه الحد في حالة السكر، وراجعت عدة كتب من فقه الشافعية كتحفة المحتاج، وحاشيته للشيرواني، ونهاية المحتاج، وحاشية الباجوري، وحاشية البجيرمي على الخطيب وغيرها، فلم أجد حكم الإقرار بالزنا صريحاً، لا في كتاب الحدود، ولا في كتاب الإقرار، غير أنهم يذكرون في كتاب الإقرار أن إقرار السكران المتعدي معتبر خلافه تغليظاً، ولا يستثنون منه شيئاً. راجع مثلاً البجيرمي (٣: ١٢٠). والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (قال: فرجمها) ظاهره يخالف الرواية الآتية أنها لما ولدت جاءت بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي، في يده كسرة خبزة، فقالت: يا نبي الله! هذا قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فرجموها . قال النووي: ((فهاتان الرويتان ظاهرهما الاختلاف، فإن الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد فطامه وأكله الخبز، والأولى ظاهرها أنه رجمها عقب الولادة، ويجب تأويل الأولى وحملها على وفق الثانية، لأنها قضية واحدة، والروايتان صريحتان، والثانية منهما صريحة لا يمكن تأويلها، والأولى ليست صريحة، فيتعين تأويل الأولى، ويكون قوله في الرواية الأولى: (قام رجل من الأنصار، فقال: إليَّ رضاعه) إنما قاله بعد الفطام. وأراد بالرضاعة كفالته وتربيته، وسماه رضاعاً مجازاً». ٣٩٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَالَ: (لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ. وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟)). وقال العبد الضعيف عفا الله عنه: في الرواية الثانية عدة أوهام أخرى كما سيأتي، ونسبوها إلى بشير بن مهاجر، فيحتمل أيضاً أن تكون الرواية الأولى صحيحة، وأما الرواية الثانية، فيحتمل أن يكون هذا من جملة أوهامه الأخرى، والله أعلم. ٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (فلما كان من الغد، أتاه) ظاهره أنه كان بين اعترافي ماعز ظ فصل يوم، وهذا معارض لسائر الروايات الأخرى التي تدل على أنه اعترف أربع مرات في نفس ذلك المجلس، وجمع الحافظ بين الروايات بقوله: ((أما رواية مرتين فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر، فاقتصر الراوي (يعني: راوي المرتين) على أحدهما؛ أو مراده: اعترف مرتين في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود عن ابن عباس: (جاء ماعز بن مالك إلى النبي ون *، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده ثم جاء وأما رواية الثلاث فكأن المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها، وأما الرابعة فإنه لم يرده، بل استثبت فيه، وسأل عن عقله. لكن وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داود ما يدل على أن الاستثبات فيه إنما وقع بعد الرابعة، ولفظه: (فأقبل في الخامسة، فقال: تدري ما الزنى؟) إلى آخره. والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات. لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه السؤال وقع بعدها)) كذا في فتح الباري (١٢: ١٢٣). ولكن لا يخفى ما في هذا الجمع من تكلف. وذهب بعض العلماء إلى أن بشير بن مهاجر قد وهم في هذا الحديث قال ابن القيم رحمه الله في تهذيب السنن (٦: ٢٥١): ((وهذا الحديث فيه أمران، سائر طرق حديث مالك تدل على خلافهما: أحدهما: أن الإقرار منه، وترديد النبي 18 كان في مجالس متعددة، وسائر الأحاديث تدل على أن ذلك كان في مجلس واحد، والثاني: ذكر الحفر فيه، والصحيح في حديثه: أنه لم يحفر له، والحفر وهم، ويدل عليه أنه هرب، وتبعوه. وهذا - والله أعلم - من سوء حفظ بشير بن مهاجر، وقد تقدم قول الإمام أحمد: إن ترديده كان في مجلس واحد، إلا ذلك الشيخ ابن مهاجر)). وبشير بن مهاجر هذا لم يخرج له البخاري، وقال فيه الإمام أحمد: ((منكر الحديث: قد اعتبرت أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب)). وقال أبو حاتم: ((يكتب حديثه، ولا يحتج به))، وقال البخاري: ((يخالف في بعض حديثه))، وقال ابن عدي: ((وروى ما لا يتابع عليه. وهو ممن يكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف))، وقال ابن حبان في الثقات: ((دلس عن أنس، ولم يره، وكان يخطىء كثيراً)، وقال العقيلي: ((مرجىء متهم متكلم فيه)) وقال الساجي: ((منكر الحديث عنده)). ووثقه ابن معين، والعجلي، وقال النسائي: ((ليس به بأس)) وراجع التهذيب (١: ٤٦٨). فحديث مثله لا يستبعد فيه الأوهام عند مخالفته الثقات. ٣٩٧ كتاب: الحدود ٤٤٠٩ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنَا أَبَانٌ الْعَظَّارُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٤١٠ - (٢٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهنِيٌّ؛ أَنَّهُمَا قَالاَ: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَغْرَابِ أَتَّىَّ رَسُولَ اللّهِ وَّلـ قوله: (فلما كان الرابعة حفر له حفرة) هذا هو الأمر الثاني الذي نسب فيه ابن القيم الوهم إلى بشير بن مهاجر، فإن سائر الروايات الأخرى تدل على أنه لم يحفر لماعز حفرة. وقال النووي: ((قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد ظنّه في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما (لا للرجل ولا للمرأة) وقال قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما، وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة، لا من يرجم بالإقرار. وأما أصحابنا (الشافعية) فقالوا: لا يحفر للرجل، سواء ثبت زناه بالبينة، أم بالإقرار، وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا: أحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها ليكون أستر لها. والثاني: لا يستحب، ولا يكره، بل هو إلى خيرة الإمام. والثالث وهو الأصح: إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت)). ((فمن قال بالحر لهما احتج بأنه حفر الغامدية، وكذا لماعز في رواية، ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له: أن المراد حفيرة عظيمة. أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة. وأما من قال: لا يحفر، فاحتج برواية من روى: فما أوثقناه ولا حفرنا له)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الأصح المشهور في الروايات أنه لم يحفر لما عز، وحفر الغامدية، وما وقع في رواية بشير بن مهاجر من الحفر لماعز، قد ذكرنا عن ابن القيم أنه وهم. فدل الحديثان على أنه يحفر للمرأة، ولا يحفر للرجل، وهو المذهب المختار عند الحنفية، وأما ما حكاه النووي من مذهب أبي حنيفة أنه لا يحفر لهما، أو بحفر لهما في رواية، فعامة كتب الحنفية مخالفة له، وقد صرحوا بأنه لا يجوز الحفر للرجل، ويحفر للمرأة راجع رد المحتار لابن عابدين (٣: ١٦١). قوله: (فجاءت الغامدية) بكسر الميم والدال، نسبة إلى غامد، وهو بطن من الأزد، وذكر الخطيب البغدادي في كتابه (الأسماء المبهمة) (ص: ٣٦٠، رقم: ١٧٧) أن اسمها سبيعة، وأخرج ذلك بسنده عن عائشة، وقيل: إنها ابنة فرج، وأخرجه الخطيب أيضاً عن عبد الله بن جراد، والله سبحانه أعلم. قوله: (فلما كان الغد) إلخ: ظاهره أنها اعترفت المرة الثانية بعد يوم، وظاهر الروايات الأخرى أنها اعترفت المرات جميعاً في نفس المجلس الأول. وقد ذكرنا أن رواية بشير بن ٣٩٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ، وَهُوَ مهاجر هذه مرجوحة في عدة أمور بالنظر إلى الروايات الأخرى، فالظاهر أن الروايات الأخرى هي الراجحة. والله سبحانه أعلم. قوله: (كما رددت ماعزاً) هذا يدل على أن قصة الغامدية متأخرة عن قصة ماعز ظـ قوله: (إما لا، فاذهبي حتى تلدي) قال القاضي: ((معناه: إن لم تفعل كذا فافعل كذا، أي: إذا أبيت أن تستري على نفسك، وترجعي عن قولك فاذهبي حتى تلدي، فترجعي)) كذا في شرح الأبي. قوله: (في يده كسرة خبز) تقدم في الرواية الماضية خلافه، وقدمنا وجه المجمع والترجيح هناك. قوله: (فحفر لها إلى صدرها) فيه دليل على أن الحفر للمرأة سنة. قوله: (فيقبل خالد بن الوليد) مضارع بمعنى الماضي للدلالة على أن الواقعة حاضرة في ذهن المتكلم كأنها تقع الآن، ومثل ذلك كثير في كلام العرب، وفيه دليل على أن قصة الغامدية وقعت بعد شهر صفر من سنة ثمان، وذلك لأن خالد بن الوليد تظلهله إنما جاء إلى المدينة مسلماً في أول يوم من صفر، سنة ثمان، كما في طبقات ابن سعد (٤: ٢٥٢) فثبت بهذا الحديث أن قصة الغامدية وقعت بعد نزول سورة النور، فإنها نزلت في السنة الخامسة من الهجرة، وقدمنا تحقيق ذلك أول الباب. قوله: (لو تابها صاحب مكس) فتح الميم، والمكس دراهم كانت تؤخذ من بايعي السلع في الجاهلية، والفاعل: الماكس، كذا في جمهرة اللغة لابن دريد (٣: ٤٦). وقال ابن الأعرابي: المكس دراهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه كما في لسان العرب لابن منظور (٨: ١٠٥). وأصل المكس: النقص، فكأن الماكس إذا أخذ درهماً، انتقص من ثمن السلعة. قال النووي رحمه الله: «فيه أن المكس من أقبح المعاصي والذنوب الموبقات، وذلك لكثرة مطالبات الناس له، وظلاماتهم عنده، وتكرر ذلك منه، وانتهاكه للناس، وأخذ أموالهم بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. وفيه أن توبة الزاني لا تسقط عنه حد الزنا)). قوله: (فصلى عليها) بفتح الصاد مبنياً للمعروف عند أكثر الرواة، كما حققه القاضي عياض، ورواه الطبري بضم الصاد مبنياً للمجهول، وبه استدل مالك وأحمد، فيما حكى عنهما النووي على أنه يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلي على المرجوم، ولا يكره ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله كما في شرح النووي ورد المحتار (٤: ٢٠١ و٢٠٢). فقد ثبت في عدة روايات أن النبي وَل صلى على الغامدية، وما أولوه به من أن المراد أمره بالصلاة، أو الدعاء لها ، فبعيد جداً . ٣٩٩ كتاب: الحدود أَفْقَهُ مِنْهُ: نَعَمْ. فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأَتْذَنْ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((قُلْ)) قَالَ: إِنَّ ابْنِ کَانَ عَسِيفاً ٢٤ - (١٦٩٦) - قوله: (المسمعي) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية، نسبة إلى المسامعة، وهي محلة بالبصرة، نزلها المسمعيون، فنسبت المحلة إليهم، والمسامعة، بفتح الميم الأولى وكسر الثانية، والنسبة إليها بكسر الميم الأولى وفتح الثانية، كما ذكره السمعاني في الأنساب (١٢: ٢٦٣)، وقال: هكذا سمعنا مشايخنا يقولون))، وقد مر بعض ترجمته قبيل كتاب القسامة والديات. قوله: (عن عمران بن حصين) هذا الحديث أخرجه الترمذي، (رقم: ١٤٣٥) في الحدود، باب تربص الرجم بالحبلي حتى تضع، وأبو داود، (رقم: ٤٤٤٠ و٤٤٤١) في الحدود، باب المرأة التي أمر رسول الله وَل برجمها من جهينة، والنسائي في الجنائز، باب الصلاة على المرجوم، وابن ماجه، (رقم: ٢٥٥٥) في الحدود، باب الرجم. قوله: (إن امرأة من جهينة) اختلف العلماء هل هذه المرأة هي الغامدية التي سبق ذكرها في الأحاديث الماضية، أو هي غيرها؟ فالذي يظهر من صنيع أبي داود رحمه الله أنها هي الغامدية، لأنه ترجم على أحاديث الغامدية بقوله: باب المرأة التي أمر رسول الله وَلقر برجمها من جهينة، ثم أتى فيه بأحاديث الجهينة والغامدية جميعاً، وقال: ((قال الغساني جهينة وغامد وبارق واحد)) وبه صرح الشيخ السهار نفوري في بذل المجهود (٥: ١٣٥) حيث قال ((هي المرأة التي تقدم ذكرها في الحديث المتقدم، وغامد بطن من جهينة)). ولكن يظهر من كلام الحافظ في باب رجم الحبلى من فتح الباري (١٢: ١٤٦) أنه مائل إلى تعدد المرأتين، حيث يقول: ((وجمع بين حديثي عمران وبريدة أن الجهنية كان لولدها من يرضعه، بخلاف الغامدية)). والظاهر هو القول الأول، لأن قصة الحديثين واحدة، وأما ما ذكره الحافظ من الاختلاف في حديثي عمران وبريدة، فيمكن الجمع بينهما بأن بريدة ذكر الإرضاع، ولم يذكره عمران بن حصين اختصاراً، أو بأن ذكر الإرضاع في حديث بريدة إنما جاء من طريق بشير بن مهاجر، وقدمنا أنه ضعيف، فيحتمل أن يكون قد وهم في ذكر الإرضاع، والله سبحانه أعلم. قوله: (فقال: أحسن إليها) قال النووي: هذا الإحسان له سببان: أحدهما الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيراً لهم من ذلك. والثاني: أمر به رحمة لها، إذ قد تابت، وحرض على الإحسان إليها لما في نفوس (١) كذا في فتح الباري، ولعله في السنن الكبرى للنسائي، فإني لم أجده في الصغرى. ٤٠٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَلَى هُذَا. فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ. وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ. فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ. فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي؛ أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هُذَا الرَّجْمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ. الناس من النفرة من مثلها)). قوله: (فشكت عليها ثيابها) بضم الشين على البناء للمجهول، والشك: اللزوم واللصوق، وشك عليه الثوب: أي: جمع وزر بشوكة، أو خلالة، أو أرسل عليه. كذا في تاج العروس (٧: ١٥١)، وقال ابن منظور في لسان العرب (١٢: ٣٣٨): ((وفي حديث الغامدية أنه أمر بها فشكت عليها ثيابها. أي: جمعت عليها ولفت، لئلا تنكشف، كأنها نظمت، وزرت عليها بشوكة أو خلال. وقيل: معناه: أرسلت عليها ثيابها)). وقال النووي: ((هكذا هو في معظم النسخ: (فنكت) وفي بعضها: (فشدت) بالدال بدل الكاف، وهو معنى الأول. وفي هذا استحباب جمع أثوابها عليها، وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها. واتفق العلماء على أنها لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجم فجمهورهم على أنه يرجم قائماً. وقال مالك: قاعداً، وقال غيره: يخير الإمام بينهما)). قوله: (ثم أمر بها، فرجمت) استدل به النووي رحمه الله على مذهب الشافعية والمالكية في أن الإمام لا يلزمه حضور الرجم، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، رحمهما الله، فإن مذهبهم أن الرجم إذا ثبت بالشهود كلف الشهود بالبداءة في الرجم، وإن ثبت بالإقرار بدأ به الإمام. قال النووي: ((وحجة الشافعي أن النبي وتقل لم يحضر أحداً ممن رجم، والله أعلم)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن حديث الباب ليس فيه، ولا في الروايات الأخرى، ما يدل صريحاً على أنه وَ﴿ لم يحضر رجم الغامدية، وقد أخرج أبو داود عن أبي بكرة تظله قصة الغامدية، وزاد في رواية (رقم ٤٤٤٤): ((ثم رماها بحصاة مثل الحمصة)) ولكن في إسناده شيخاً لم يسمَ. وذكر الزيلعي في نصب الراية (٣: ٣٢٠) أنه أخرجه أيضاً النسائي، والبزار، والطبراني، وقال البزار: ((ولا نعلم أحداً سمى هذا الشيخ، وتراجع ألفاظهم)) وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة النسائي، ولم يعله بغير الإنقطاع. ثم ثبت عن علي ته بداءة الإمام في غير ما رواية: ١ - أخرج البيهقي في سننه ٨: ٢٢٠ عن الشعبي في قصة رجم شراحة أن علياً تظ له قال عند رجمها: ((أيما امرأة نعى عليها ولدها، أو كان اعتراف، فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن نعاها الشهود فالشهود أول من يرجم، ثم الإمام، ثم الناس». (١) كذا في فتح الباري، ولعله في السنن الكبرى للنسائي، فإني لم أجده في الصغرى.