النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ كتاب: الحدود فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ. وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ، أنهم رأوه يبدئ ويعيد، كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم، فقال النبي وَلّ: ((هو ذاك، فأمر به، فرجم، فنزلت: ﴿فَإِن جَاءُوَ فَأَحَكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٣] إلخ)). فلما كان المراد بقوله تعالى: ((حكم الله)) و((ما أنزل الله)) الرجم، فإنه ثابت بكتاب الله إشارة، وإن لم يكن مذكوراً فيه صراحة. قوله: (وإن الرجم في كتاب الله حق) ذكر الحافظ في الفتح (١٢ : ١٤٨) أن المراد من كتاب الله هاهنا هو قوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [الآية: ١٥] وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت روظته أن النبي ◌َّ فسر السبيل برجم الثيب، وجلد البكر. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويحتمل أيضاً أن يكون عمر رضيته أراد بكتاب الله آيات المائدة التي ذكرناها آنفاً، كما يحتمل أن يكون أطلق لفظ (كتاب الله) على معناه اللغوي، يعني أن الرجم من الفرائض التي كتبها الله على عباده، وأراد به آية التوراة التي أقر حكمها، كما حققناه قريباً، والله سبحانه أعلم. تحقيق وجوب الرجم على المحصن: ثم إن وجوب الرجم على المحصن كلمة إجماع فيما بين المسلمين، ولم يخالف فيه أحد من العلماء الذين يعتد بخلافهم، إلا ما حكي عن بعض الأزارقة من الخوارج، وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. لكن قامت طائفة في زماننا ممن ينكرون حجية السنة، أو يخضعون لكل ما جاء عن أهل الغرب من ضلال، فأنكروا وجوب الرجم كحد شرعي، وتمسكوا بأن الله تعالى لم يذكره في القرآن الكريم صراحة، وإنما المذكور في القرآن جلد الزاني فقط، فلا ينسخ هذا الحكم بأخبار الآحاد. وهذا القول باطل خارق للإجماع، ولم ينشأ إلا من عدم الاطلاع على أصول الاستدلال بالقرآن والسنة. والرد عليه بوجوه: الأول: أن الرجم ثابت بالقرآن الكريم إشارة، وإن لم يكن مذكوراً فيه صراحة كما أسلفنا قريباً . الثاني: قد حققنا في شرح حديث عبادة في الباب السابق أن حكم الرجم ليس نسخاً لحكم الجلد، وإنما هو زيادة عليه في صورة إحصان الزاني، فيجب على المحصن كل من الجلد والرجم غير أن العقوبة الأعلى تقضي على الأدنى بكونها مدغمة فيها، لأن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فتقضي على ما دون النفس. وقد أيدنا هذا القول هناك بدلائل، وبقول الشيخ ولي الله الدهلوي تغذّثُ، فراجعه. وحينئذ فلا حاجة إلى القول بالنسخ أو التخصيص. ٣٦٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الثالث: إن تخصيص العام لا يعد نسخاً عند الجمهور، فيجوز تخصيص حكم القرآن بأخبار الآحاد عندهم. وأما الحنفية فالتخصيص قسم من أقسام النسخ، فلا يجوز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد، ولكنه يجوز عندهم بالأخبار المشهورة والمتواترة، كما تقرر في أصول الفقه . وغاية ما في الباب أن تكون أحاديث الرجم مخصصة لحكم سورة النور، ويجوز هذا التخصيص عند الجمهور بأخبار الآحاد، وعند الحنفية بالأخبار المشهورة والمتواترة وإن أحاديث الرجم متواترة معنى، فيجوز تخصيص حكم الجلد بها بالإجماع بين الجمهور والحنفية. تواتر أحاديث الرجم: وكون أحاديث الرجم متواترة المعنى قد صرح به غير واحد من المحدثين والفقهاء. كابن الهمام في فتح القدير (٥: ١٣)، والآلوسي في روح المعاني (١٠: ٨٩)، والشيخ ولي الله الدهلوي في كتابه المعروف (حجة الله البالغة) (٢: ١٥٨). وتتبعت بنفسي أحاديث الرجم في الكتب المتداولة، فوجدت أنها مروية عن اثنين وخمسين صحابياً، وسيتبين لك ذلك بالجدول الآتي، الذي ذكرت فيه اسم كل صحابي، مع خلاصة ما رواه، والكتاب الذي أخرج فيه حديثه . اسـ - (١ : ٨) وسنن النسائي، كتاب المحاربين، الصحابي أجمعین ٢ - عمر بن الخطاب رجم رسول الله (صل* ٤ - علي بن أبي طالب الرجم بسنة رسول الله صل* صحيح البخاري، باب رجم الكتب المخرج فيها حديثه ٣ - عثمان بن عفان ١ - أبو بكر الصدیق واقعة ماعز مسند أحمد حلة دم الزاني المحصن، ورجمه الدارمي، باب ما پحل به دم مسلم (٢ : ٩٣، رقم: ١٣٠٢)، الحكم في المرتد ٢ : ١٦١ خلاصة ما رواه صحيح البخاري، باب الاعتراف بالزنا وغيره ٣٦٣ كتاب: الحدود ٣٦٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسـ الصحابي أجمعین خلاصة ما رواه الكتب المخرج فيها حديثه ٥ - عائشة أم المؤمنين ١ - حكم الزاني المحصن الرجم ٢ - قصة الغامدية صحيح مسلم، القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، وأبو داود باب الحكم فيمن ارتد (ص: ٥٩٨)، والحاكم (٢ : ٣٦٧) لأسماء المبهمة للخطيب البغدادي (ص: ٣٦١، رقم: ١٧٧) ٦ - عبد اللّه بن مسعود إباحة دم الزاني المحصن البخاري، كتاب الديات، باب النفس بالنفس، ومسلم، كتاب القسامة، ما يباح به دم المسلم ٧ - أبو أمامة ابن سهل ١ - إياحة دم الزاني المحصن ٢ - واقعة ماعز مشكوة المصابيح، كتاب القصاص معزياً إلى الترمذي والنسائي مصنف عبد الرزاق (٧: ٣٢١، رقم: ١٣٣٣٩) ٨ - أنس بن مالك ١ - إباحة دم الىزاني المحصن ٢- رجم رسول الله ولو ٣ - واقعة الغامدية مجمع الزوائد (٦: ٢٦٠) وعزاه إلى الطبراني مجمع الزوائد (٦ : ٢٦٤) والمطالب العالية (٢: ١١٦، رقم: ١٨١٢) عزوا إلى أبي يعلى مجمع الزوائد (٦: ٢٦٨) عزواً إلى الطبراني و(٦: ٢٥٢) عزواً إلى البزار ٩ - جابر بن عبد الله ١ - واقعة ماعز ٢ - واقعة رجم اليهوديين ٣ - واقعة الغامدية ٤ - إباحة دم الزاني الثيب صحيح البخاري، باب رجم المحصن أبو داود، باب رجم اليهوديين، وصحيح مسلم مستدرك الحاكم (٤ : ٣٦٤) ٣٦٥ كتاب: الحدود الصحابي أجمعین خلاصة ما رواه الكتب المخرج فيها حديثه ٥ - رجم رجل لا يعرف اسمه أبو داود، باب الرجم (ص: ٦٠٩) ١٠ - عبد الله بن أبي أوفى ١ - رجم رسول الله الصالح ٢ - واقعة الیهو دیین صحيح البخاري باب رجم المحصن مسند أحمد (٤ : ٣٥٥) ١١ - أبو هريرة ١ - واقعة ماعز ٢ - واقعة العسيف ٣ - واقعة اليهوديين صحيح البخاري، باب لا يرجم المجنون صحيح البخاري، باب الاعتراف بالزنا أبو داود، باب رجم اليهوديين، (ص: ٦١١) ١٢ - عبد الله بن عمر واقعة اليهوديين صحيح البخاري، باب أحكام أهل الذمة (٢: ١٠١١) ١٣ - عبد الله بن عباس ١ - خطبة عمر في الرجم ٢ - واقعة اليهوديين صحيح البخاري، باب الاعتراف بالزنا مستدرك الحاكم (٤ : ٦٥)، ومسند أحمد (١ : ٢٦١) ١٤ - زید بن خالد واقعة العسيف صحيح البخاري، باب الاعتراف بالزنا ١٥ عبادة بن الصامت رجم الزاني الثيب صحيح مسلم، باب حد الزنا ١٦ - جابر بن سمرة ١ - واقعة ماعز ٢ - واقعة اليهوديين صحيح مسلم، باب رجم الثيب مسند أبي داود الطيالسي (ص: ١٠٥، رقم: ٧٧٥) ١٧ - أبو سعيد الخدري واقعة ماعز صحيح مسلم، باب رجم الثيب، وأبو داود، باب الرجم ١٨ - عمران بن حصين ١ - واقعة الغامدية صحيح مسلم، باب رجم الثيب، ٣٦٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسـ الصحابي أجمعین خلاصة ما رواه الكتب المخرج فيها حديثه ٢ - رجم رسول الله ◌َا﴾ مسند أحمد (٤ : ٤٣٧) ١٩ - البراء بن عازب واقعة الیهودیین صحيح مسلم، باب رجم الثيب، وأبو داود، باب الرجم ٢٠ - بريدة بن الحصيب ١ - واقعة ماعز ٢ - واقعة الغامدية صحيح مسلم، باب رجم الثيب، وأبو داود، باب الرجم سنن الدارمي (٢ : ١٠٠)، وأبو داود، باب الرجم ٢١ - نعيم بن هزال واقعة ماعز أبو داود، باب الرجم ٢٢ - نصر بن دهر الأسلمي أيضاً سنن الدارمي (٢ : ٦٨، رقم: ٣٢٣) ٢، ومسند أحمد (٣ : ٤٣١) ٢٣ - معتب بن عمرو الأسلمي أيضاً طبقات ابن سعد (٤: ٣٢٠)، والإصابة (٣: ٤٢٢) ترجمة معتب ٢٤ - أبو الفيل الخزاعي واقعة ماعز الإصابة (٤: ١٥٥)، وعزاه إلى ابن السكن، والكنى والأسماء للدولابي (ص: ٤٨) ٢٥ - عبد الله بن جبير الخزاعي أيضاً أسد الغابة (٥: ٢٧٤)، ترجمة (أبو الفيل) ٢٦ - صحابي لم يسم برواية عبد العزيز بن عبد الله القرشي أيضاً مجمع الزوائد (٦: ٢٦٧)، باب اعتراف الزاني، ومسند أحمد (٤. ٣٦٧ كتاب: الحدود ٣٦٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسـ الصحابي أجمعين خلاصة ما رواه الكتب المخرج فيها حديثه ٢٧ - سهل بن سعد ١ - أيضاً ٢ - رجم رجل لم يسم ٣ - رجم الحبلى من المقعد مسند أحمد (٥ : ٣٣٩)، ومجمع الزوائد (٦: ٣٦٨) سنن الدار قطني ٩٩ (٣ : و ١٦٩) كنز العمال ٨٩) (٣ : وعزاه إلى ابن النجار ٢٨ - أبو ذر الغفاري ١ - واقعة الغامدية ٢ - واقعة ماعز مسند أحمد (٥: ١٧٨) مسند أحمد (٥: ١٠٢) ٢٩ - أبو برزة الأسلمي واقعة ماعز مسند أحمد (٤ : ٤٢٣)، ومجمع الزوائد (٦: ٤٢٣)، ومجمع الزوائد (٦ : ٢٦٨) وعزاه للطبراني ٣٠ - أبو بكرة واقعة الغامدية أبو داود، باب المرأة التي إلخ (ص: ٦١٠) ٣١ - خزيمة بن ثابت أيضاً الإصابة (١ : ٤٢٧)، ترجمة (٢٢٦٣) وعزاه لابن شبه ٣٢ - خزيمة بن معمر الأنصاري أيضاً مجمع الزوائد (٦: ٢٦٥) باب هل تكفر الحدود، وعزاه للطبراني ٣٣ - يزيد بن طلحة التيمي واقعة الغامدية مستدرك الحاكم (٤ : ٣٦٤) ٣٤ - اللجلاج رجم رجل لم يسم أبو داود، باب الرجم (ص: ٦٠٩)، ومسند أحمد (٣: ٤٧٩) ٣٥ - سلمة بن المحبق پرجم الزاني الثيب ٣٦٩ كتاب: الحدود ٣٧٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسـ ٣٦٠) من كفر بالرجم الخ ٣٩ - عمرو بن العاص يضاً ٤٤ - شبل أيضاً ٤٠ - أبي بن كعب أيضاً سنن البيهقي (٨: ٢١١)، ومستدرك الحاكم (٤: ٣٥٩) ٤١ - العجماء أيضاً تلخيص الحبير (٤ : ٥١) حديث (١٧٤٥) وعزاه للطبراني ٤٢ - النعمان بن بشير الرجم بالزنى مع جارية زوجته أبو داود، باب الرجل يزني بجارية امرأته (ص: ٦١٢) ٤٣ - وائل بن حجر قصة التي استكرهت على الزنا جامع الترمذي، باب المرأة التي استكرهت على الزنا الصحابي أجمعین خلاصة ما رواه الكتب المخرج فيها حديثه ٣٦ - قبيصة بن الحریٹ أيضاً مجمع الزوائد (٦: ٢٦٤) باب نزول الحدود ٣٧ - عمار بن یاسر أيضاً مجمع الزوائد (٦: ٢٥٣) باب لا يحل دم امرئ مسلم الخ ٣٨ - زيد بن ثابت أيضاً مستدرك الحاكم (٤: واقعة العسيف سنن الدارمي (٢: ٩٨) باب الاعتراف بالزنا ٤٥ - عبد الله بن الحارث بن الجزء واقعة اليهوديين زوائد (٦: ٢٧١) باب رجم الـ ٣٧١ كتاب: الحدود ٣٧٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسـ الصحابي أجمعين خلاصة ما رواه الكتب المخرج فيها حديثه ٤٦ عبد الرحمن بن عوف خطبة عمر مسند أحمد ٢٩) (١: مــنـدات عمر بن الخطاب ٤٧ - أبو واقد الليثي رجم عمر بالجابية سنن البيهقي (٨: ٢١٥)، باب ما يستدل به على شرائط الإحصان ٤٨ عبد الرحمن بن غنم تأخير رجم الحبلى إلى أن تضع ابن ماجه، آخر حديث من كتاب الديات، (ص: ١٩٣)، وجمع الجوامع للسيوطي (١ : ٤٤٤) وعزاه إلى الطبراني ٤٩ - معاذ بن جبل أيضاً أيضاً ٥٠ - أبو عبيدة ابن الجراح أيضاً أيضاً ٥١ - شداد بن أوس رضي الله تعالى عنهم جمعین يضاً أيضاً ٥٢ - عبد الله بن حراد واقعة الغامدية الأسماء المبهمة للخطيب البغدادي (ص: ٣٦١، ٣٧٣ كتاب: الحدود فهؤلاء اثنان وخمسون صحابياً له أجمعين، قد رووا حكم رجم الزاني الثيب. وهذا بالنسبة إلى تتبعي القاصر، ولا يبعد أن يضاف إلى هذا الجدول أسماء بعد تتبع أبلغ. ولا شك أن هذا العدد أكثر من عدد رواة كثير من الأحاديث التي حكم المحدثون بتواترها، مثل حديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف))، فإنه مروى عن سبعة وعشرين من الصحابة، وحديث: ((نضر الله امرء سمع مقالتي إلخ))، فإنه مروي عن ثرثين من الصحابة، كما في توجيه النظر للجزائري (ص: ٤٩) طبع المدينة، فليس هناك أدنى شبهة في أن أحاديث الرجم متواترة معنى - وقد ذكر السيوطي في النوع الثلاثين من تدريب الراوي (ص: ٣٧٤ و٣٧٥) أن التواتر في القدر المشترك من الوقائع المختلفة يسمى تواتراً معنوياً . ثم قد روينا في حكم الرجم حديثاً تواتر لفظه أيضاً، وهو قوله وسلم: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر)) وقد صرح المحدثون أن هذا الحديث متواتراً لفظاً، لأنه مروي عن أكثر من ثلاثين صحابياً بهذا اللفظ بعينه، وراجع فتح الباري (١٢: ٣٣)، وعمدة القاري (١١: ١١٠)، وتكملة شرح المهذب للمطيعي (١٦ : ٤٠٠). وقد اعترض عليه بعض الناس بأن المراد من لفظ ((الحجر)) في هذا الحديث هو الحرمان والخيبة، دون الرجم، لأن الرجم ليس عقوبة لكل عاهر، وإنما هو عقوبة لعاهر محصن. ولكنا قد حققنا في شرح هذا الحديث في كتاب الرضاع من هذا الكتاب أن النبي ◌َّر استعمل لفظ (الحجر) في هذا الحديث تورية لمعنى الرجم، وإن مثل هذه التورية لا يتكلف فيها بدقائق قانونية، أو قيود منطقية، فلا يخلو الحديث من إشارة واضحة إلى الرجم، ومن ثم أخرج البخاري هذا الحديث في سياق أحاديث رجم الزاني الثيب، وبه يظهر نفوذ رأي الإمام البخاري رحمه الله تعالی. فلما تواتر حكم الرجم لفظاً ومعنى، فلا مانع عند أحد من جعله مخصصاً لحكم سورة النور، حتى عند الإمام أبي حنيفة، ومن وافقه، رحمهم الله تعالى. تاريخ واقعات الرجم: وقد ادعى بعض المستغربين من عصرنا أن واقعات الرجم كانت قل نزول سورة النور، فأحاديث الرجم منسوخة بها، واستدلوا على ذلك بما أخرجه البخاري في باب رجم المحصن عن أبي إسحاق الشيباني: ((سألت عبد اللّه بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله وَّر؟ قال: نعم، قلت: قبل سورة النور، أم بعد؟ قال: لا أدري)) وسيأتي عند المصنف في أواخر باب رجم اليهود. ٣٧٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ولكن هذه الرواية لا تجدي في أمر التاريخ شيئاً؛ لأن حاصلها أن عبد الله بن أبي أو فى رَّه لم يكن يعلم تاريخ واقعات الرجم. والتحقيق أن واقعات الرجم كلها، أو أكثرها على الأقل، قد وقعت بعد نزول سورة النور. لأن سورة النور نزلت في قصة إفك عائشة رضيعليها بعد غزوة بني المصطلق متصلاً، واختلف المؤرخون في تاريخ هذه الغزوة، فيل: إنها وقعت في السنة الثالثة، وقيل: في الخامسة، وقيل: في السادسة، وذكر موسى بن عقبة، وهو من أثبت أهل السير، أنها وقعت في الخامسة قبل غزوة الأحزاب، ورجحه الحافظ في الفتح (٧: ٢٣٢ و٢٣٣) بدلائل متعددة، وبه أخذ العيني في العمدة (٨: ٢٦٦) وذكر أنه قول الواقدي أيضاً. فالراحج إذن، أن سورة النور نزلت في السنة الخامسة من الهجرة، وغاية ما في الباب أن تكون نزلت في السنة السادسة. وإن واقعات الرجم كلها وقعت بعد هذه السنة. وتدل على ذلك دلائل كثيرة : ١ - إن أول واقعات الرجم واقعة اليهوديين، لما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧: ٣١٦، رقم: ٣٣٣٠) عن أبي هريرة، قال: ((أول مرجوم رجمه رسول الله و له من اليهود)» ولما سيأتي عند المصنف أن النبي وسلّ قال بعد رجم اليهوديين: ((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه))، ولما أخرجه أحمد في مسنده (١: ٢٦١) عن ابن عباس أنه قال بعد حكاية قصة اليهوديين: «فكان مما صنع الله عز وجل لرسوله في تحقيق الزنا منهما)). وقد ذكر صاحب السيرة الحلبية (٢: ٣٣٤) أن رجم اليهود وقع في السنة الرابعة، ولكنه لم يأت على ذلك بدليل، وحقق الحافظ في الفتح (١٢: ١٥٢) (باب أحكام أهل الذمة) أنه إنما وقع بعد فتح مكة في السنة الثامنة، واستدل على ذلك بأنه شهده عبد الله بن الحارث بن الجزء زه، لأنه يقول بعد حكاية قصة اليهوديين: ((فكنت فيمن رجمهما)) رواه البزار والطبراني، كما في مجمع الزوائد (٦: ٢٧١). وإن عبد الله بن الحارث إنما قدم المدينة مسلماً مع والده بعد فتح مكة . قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويؤيده أيضاً أن أبا هريرة كان مع النبي وَلقول حين أتاه اليهود في هذه القضية، لما أخرجه ابن جرير في تفسير سورة المائدة (٦: ٣٥) عنه، قال: (كنت جالساً عند رسول الله ﴿ إذا جاء رجل من اليهود إلخ)) وثابت أن أبا هريرة إنما سلم في السنة السابعة، فلا جرم أن رجم اليهود إنما وقع بعد السنة السابعة. ويؤيده أيضاً أن الزانيين كانا من أهل فدك، وإن أهل خيبر هم الذين بعثوا بهذه القضية إلى رسول الله ور كما تقدم في رواية مسند الحميدي، فالظاهر أنهم فعلوا ذلك بعد ما جاءت خيبر تحت حكمه ويقو في السنة السابعة، وما ذكره الحافظ في الفتح (١٢: ١٦٧) عن ابن عربي عن الطبري: ((وكانت خيبر حينئذ حرباً)) لم أجده في تفسير الطبري. وما وجدت له سنداً يعتمد عليه، ٣٧٥ كتاب: الحدود وإنما ذكره بعض المفسرين بدون إسناد، ويعارضه ما ذكره البخاري أنهم كانوا أهل ذمة، ذكره العيني في باب الرجم في البلاط من عمدة القاري (١١: ١٥٣) عن ابن الطلاع. ثم قد أسلفنا عن الحميدي في مسنده (٢: ٥٤١) أن الذين بعثوا بهذه القضية إلى إخوانهم من أهل المدينة قالوا لهم: ((فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه)» وهو يدل على أن عقوبة الزاني في الإسلام بالجلد كانت قد اشتهرت حينئذ. وإن عقوبة الجلد إنما عرفت بسورة النور)) لأن عقوبة الزاني قبل ذلك كانت حبساً، كما هو مذكور في سورة النساء. فالظاهر أن هذه الواقعة كانت بعد نزول سورة النور. وأخيراً، وليس آخراً، إن آيات سورة المائدة التي ذكرناها في أول هذا المبحث قد نزلت في قصة اليهوديين، وإن سورة المائدة من آخر القرآن تنزيلاً. لما رواه السيوطي في الدر المنثور (٢: ٢٥٢) عن حمزة بن حبيب، وعطية بن قيس أن النبي وَّ قال: ((المائدة من آخر القرآن تنزيلاً، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها))، وقد ذكر المفسرون أن المائدة نزلت بعضها في الحديبية، وبعضها في فتح مكية، وبعضها في حجة الوداع، كما في تفسير القرطبي (٦: ٣٠). ويظهر منه أن أقدم ما نزل من المائدة لا يتقدم على الحديبية، وإنها وقعت في السنة السادسة. فغاية ما في الباب أن تكون هذه الآيات نزلت بعد الحديبية، ولما كانت غزوة بني المصطلق متقدمة عليها، فإن سورة النور نزلت قبلها . واعترض بعض الناس على ذلك بأن قصة اليهود تدل على أن اليهود كانوا مقيمين إذ ذاك بالمدينة، وقد وقع إجلاء بني النضير في السنة الثانية، وقتل بني قريظة في السنة الخامسة، فلتكن قصة زنا اليهوديين قبل الخامسة، وقبل سورة النور. ولكن هذا الاستدل غير مستقيم. أما أولاً فلأن غاية ما يثبت منه أن قصة زنا اليهوديين وقعت بعد قتل بني قريظة، ولكنه لا يدل على كونها قبل سورة النور، لأن قتل بني قريظة وقع بعد وقعة الأحزاب متصلاً، وقدمنا عن موسى بن عقبة أن غزوة بني المصطلق التي نزلت فيها سورة النور وقعت قبل غزوة الأحزاب. وأما ثانياً، فلأن اليهود لم يستأصلوا بعد قتل بني قريظة من شأفتهم، وإنما بقي منهم بالمدينة بقايا، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري وغيره أن درع النبي ◌ّلتر كان مرهوناً عند رجل من اليهود عند وفاته ومَلها . ويقول السمهودي في وفاء الوفاء (١: ٣٠٩): ((إن إجلاء من بقي من طوائف اليهود بالمدينة كان بعد قتل قريظة)) ثم ذكر بعد ذلك أن الطوائف الباقية من اليهود إنما أخرجوا من المدينة بعد السنة السابعة من الهجرة، ولم يزل بيت المدارس باقياً إلى هذه السنة. ثم ذكر في موضع آخر من وفاء الوفاء (١ : ١٦٣) أن يهوداً من بني ناغصة لم يزالوا مقيمين في شعب بني ٣٧٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حرام، حتى نقلهم سيدنا عمر نظراُله إلى قريب من مسجد الفتح. فلما ثبت أن رجم اليهوديين أول ما وقع من واقعات الرجم، وأنه وقع بعد السنة السابعة فسائر واقعات الرجم متأخرة عن آية سورة النور، فلا يمكن نسخها بسورة النور. ٢ - وأما واقعة رجم ماعز تَظُه فلم يثبت لي تاريخها في شيء من الروايات الصحيحة. غير أنه أخرج الحاكم في مستدركه ٤: ٣٦١ عن ابن عباس في قصة ماعز: «ثم قال رسول الله وَلؤل لمن كان معه: أبصا حبكم مس؟ قال ابن عباس: فنظرت إلى القوم لأشير عليهم، فلم يلتفت إليَّ منهم أحد ... إلخ)) مما يدل على أن ابن عباس رضيبه كان حاضراً حين جاء ماعز عظاته إلى النبي ◌َّر، وإن ابن عباس إنما جاء المدينة مع أمها في السنة التسعة، كما صرح به الحافظ في الفتح (١٢: ١٠٦)، فيظهر منه أن قصة ماعز كانت في السنة التاسعة أو بعدها، ولكن رواية الحاكم هذه مروية عن حفص بن عمر العدني، وقد ضعفه أكثر المحدثين، ورموه بالأوهام في الأسانيد، والاختلاط في الأسماء، كما في التهذيب (٢: ٤١٠)، ومن ثم تعقب الذهبي تصحيح الحاكم لهذا الحديث، فلا يوثق بهذه الرواية. ولكن رجم اليهوديين كان قبل قصة ماعز له كما أسلفنا، فلا جرم أنها وقعت بعد السنة السابعة، وبعد نزول سورة النور. ٣ - وأما رجم الغامدية فقد ثبت بعدة روايات صحيحة أنه وقع بعد نزول سورة النور، لأنه سيأتي عند المصنف في هذا الباب في حديث بريدة ظنه أن خالد بن الوليد ربه رماه بحجر، وإن خالد بن وليد ظه إنما جاء إلى المدينة مسلماً في السنة الثامنة من الهجرة، كما يقول هو بنفسه في قصة إسلامه: ((قدمنا المدينة على رسول الله وَّ ر أول يوم من صفر. سنة ثمان)) راجع طبقات ابن سعد (٤: ٢٥٢). وما قاله بعض المؤرخين أنه أسلم يوم الحديبية في السنة الخامسة فهو وهم، صرح به الحافظ في الإصابة (١: ٤١٣) وابن الأثير في أسد الغابة (٢: ٩٣). ولعل منشأ الوهم أنه وقع في قلبه الإسلام عند الحديبية، ولكنه لم يتفق له الإسلام إلا في السنة الثامنة، كما حكى هو بنفسه في قصة إسلامه، راجع لها البداية والنهاية (٤: ٢٣٨ إلى ٢٤٠) في واقعات السنة الثامنة، فلعل ذكره الجنوح إلى الإسلام لبس على بعض الرواة تاريخ إسلامه . ثم لو سلم إسلامه بعد الحديبية على سبيل الفرض، فإنه يثبت به على الأقل أن قصة الغامدية وقعت بعد الحديبية، وقدمنا أن سورة النور نزلت في غزوة بني المصطلق، وكانت قبل الحديبية بكثير . ومن هنا صرح غير واحد من المحدثين أن قصة الغامدية وقعت في السنة التاسعة، راجع السيرة الحلبية (٣: ٥٠٢) وأوجز المسالك (٦: ١٣) باب ما جاء في الرجم. ٣٧٧ كتاب: الحدود مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيْنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الاغْتِرَافُ. ٣ - وأما قصة العسيف فقد ثبت بعدة دلائل أنها كانت بعد نزول سورة النور: أما أولاً، فلأن أباه قال للنبي وَلّ: ((إن ابني هذا كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالاً من أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام)) مما يدل على أن عقوبة مائة جلدة للزاني كانت مشروعة حينئذ، ولم تشرع هذه العقوبة إلا بنزول آية الجلدة في سورة النور، وكانت عقوبة الزنا قبل ذلك الحبس في البيوت، وقد صرح بذلك ابن عباس حيث قال: ((كن يحبسن في البيوت، فإذا ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت، حتى نزلت هذه الآية في النور الزانية والزاني إلخ)) أخرجه الطبراني، كما في مجمع الزوائد (٦: ٢٦٣)، فقول أهل العلم هذا من أثبت الشهادات الداخلية على أن هذه القصة كانت بعد سورة النور . وأما ثانياً، فإن قصة العسيف شهدها أبو هريرة رضي الله، حيث قال: ((كنا عند النبي وَّ فقام رجل)) أخرجه البخاري في باب الاعتراف بالزنا وإن أبا هريرة أنما أسلم في السنة السابعة. فثبت، والحمد الله تعالى، أن واقعات الرجم كلها وقعت بعد نزول سورة النور، ثم إن حكم رجم الزاني الثيب لم يثبت بهذه الواقعات فقط، وإنما ثبت بأحاديث قولية كثيرة، مثل حديث عبادة بن الصامت ربه، الذي مر في الباب السابق، وإنه ورد بعد نزول آية النور قطعاً، لأنه أول حديث ذكر حكم الزاني بعد ما كان عقوبته الحبس، وإنه مشتمل على عقوبة مائة جلده، التي لم تثبت إلا بسورة النور. وكذلك قوله تعالَّل *: ((الولد للفراش، وللعاهر الحجر)) قد تكلم به النبي ◌َّر في خطبة حجة الوداع بعد نزول سورة النور بكثير، وقد ذكرنا أنه حديث متواتر. ثم لم يزل الخلفاء الراشدون، وجميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، يعتقدون الرجم كحكم شرعي محكم، ولم يرد عن أحد منهم القول بنسخه، فالقول بنسخ حكم الرجم قول باطل لا دليل عليه . الإجماع على وجوب الرجم: ثم إن حكم الرجم ثابت بالإجماع أيضاً وهو حجة مستقلة، وقد حكى الإجماع على هذه المسألة غير واحد، ونحكي ههنا عبارة كتابين قد وضعا لجمع المسائل المجمع عليها، فحسب، أو لهما كتاب الإجماع لابن المنذر رحمه الله، وهو من رجال القرآن الثالث، حجة في علم مذاهب الفقهاء، يقول فيه (ص: ١٤٢، رقم: ٦٣٢): ((وأجمعوا على أن الحر إذا تزوج حرة تزويجاً صحيحاً، ووطئها في الفرج أنه محصن، يجب عليهما الرجم إذا زنيا))، وثانيهما كتاب مراتب الإجماع، لابن حزم (ص: ١٢٩) يقول فليه: ((واتفقوا أنه إذا زنى كما ذكرنا، وكان قد ٣٧٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تزوج قبل ذاك ... أن عليه الرجم بالحجارة حتى يموت)). وكان حكم رجم الزاني الثيب معروفاً فيما بين المسلمين يعرفه كل أحد، حتى ذكره الشعراء في أشعارهم، وضربوا به المثل لأمر ثابت مُسَلّمٌ عند الجميع، لا شبهة فيه، يقول النابغة الجعدي مضرعنه . كانت فريضة ما تقول، كما كان الزناء فريضة الرجم حكاه ابن منظور في لسان العرب (١٧: ٧٩) مادة ((زنى)) والخطابي في غريب الحديث (١: ٣٥٧)، والنابغة الجعدي هذا من الشعراء المخضرمين، ويقال: أنه وفد على النبي وَّ وأسلم، وأدرك صفين، فشهدها مع علي رَضُْه، ثم سكن الكوفة فسيره معاوية رضيُبه إلى أصبهان، راجع الأعلام للزركلي (٦: ٥٨)، وله ترجمة مبسوطة في الإصابة للحافظ (٣: ٥٠٨). وأراد بعض من لا علم له أن يقدح في هذا الإجماع الثابت بما حكي عن بعض الخوارج أنهم أنكروا الرجم، والحقيقة أن الخوارج اثنتان وعشرون فرقة ذكرها الشهرستاني في الملل والنحل، ولم يذكر إنكار الرجم إلا عن فرقة واحدة تسمى: ((الأزارقة)) الذين كانوا يكفرون علياً، وعثمان، وطلحة، والزبير، وعائشة، وابن عباس ؤه بأسمائهم، وسائر المسلمين حتى أنهم كانوا يكفرون الخوارج الذين سكنوا في ديار المسلمين، ولم يهاجروا إلى الأزارقة، واستباحواد ماء جميع هؤلاء، حتى الصبيان منهم، كما بسطه الشهر ستاني في كتابه ((الملل والنحل)) (١ : ١٨٥، ١٨٦)، وذكر البغدادي في ((الفَرْق بين الفِرَق)) (ص: ٨٣) أنهم كانوا يمتحنون من هاجر إليهم من الخوارج بعرض أسير من الأسراء عندهم، فإن قتل ذلك الأسير صدقوه، وإلا كفروه، وردوه. وإن محاربتهم ضد المسلمين، وإثارة الفتن في العالم الإسلامي أمر معروف في التاريخ، راجع لتفصيله الكامل للمبرد (٣: ١٠٣٨). وظاهر أن الفرقة التي تكفر جميع المسلمين، وتستبيح دماءهم، ولا تستحل الإقامة بين أظهرهم، فإنها قد سدت على نفسها جميع طرق العلم الصحيح، فلا جرم أنها وقعت في ضلالات، كإنكار الرجم، وإنكار وجوب الصلاة على الحيض، وإنكار جميع الصلوات، إلا ركعت واحدة في الصباح، وأخرى في المساء، وجواز الحج في كل شهر كما حكي عنهم، أو عن بعضهم، ابن حزم في الفصل (١: ١٨٩). فيا ترى، هلى يقدح قول مثل هذه الفرقة الضالة المضلة في ثبوت الإجماع؟ الرد على من زعم أن الرجم تعزير: وهناك فرقة أخرى من بعض أهل العصر، تدعي أن الرجم إنما عاقب به النبي ◌َّ بعض ٣٧٩ كتاب: الحدود الزناة تعزيراً، ولم يكن ذلك حداً شرعياً. وإن أُكبر ما استدلوا على ذلك حديث النعمان بن بشير رَُّبه في الرجل الذي يقع على جارية امرأته، قال فيه: ((لأفضين فيها بقضاء رسول الله وَليقول: لئن كانت أحلتها له لأجلدنه مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته)) أخرجه الترمذي في الحدود، (رقم: ١٤٧٥). قالوا: إن رسول الله وَ قضى في هذا الرجل بجلد مائة إن كانت زوجته أحلت الجارية له، وألغى الرجم، مع أنه زان محصن، فظهر أن الرجم لا يجب في جميع صور زنى المحصن، ولو كان حداً لما جاز تغييره إلى الجلد. وهذا استدلال باطل. أما أولاً؛ فلأن الترمذي تكلم على إسناد هذا الحديث، وأما ثانياً؛ فلأنه لو ثبت إسناده فالحق أن هذا الحديث على كون الرجم حداً أدل منه على كونه تعزيراً. وذلك لأن تحليل المرأة جاريتها لزوجها شبهة فنية في المحل، وإن مثل هذه الشبهة يسقط بها الحد دون التعزير، كما أسلفنا في بداية كتاب القسامة. فلو كان الرجم تعزيراً لما سقط بهذه الشبهة. فلما أسقطه النبي وثيقة بها تيقنا أن الرجم حد يسقط بالشبهات. وأما جلد مائة في هذه الصورة. فهو تعزير بعد سقوط الحد الأصلي. ولذلك قال ابن مسعود رقژه: «ليس عليه حد، ولكن يعزر)) ذكره الترمذي تعليقاً. ومن هنا استدل بعض الفقهاء بهذا الحديث على أن التعزير يجوز بمقدار أسواط الحد وبأكثر منها، كما هو مذهب الإمام مالك، والطحاوي رحمهما الله تعالى، ولا يجب أن ينقص من مقدار الحد (راجع تحفة الأحوذي ٢: ٣٣٤، والعرف الشذي ص: ٤٧٤). وسيأتي الكلام على ذلك في باب قدر أسواط التعزير، إن شاء الله تعالى. ثم إن الفرق بين الحد والتعزير أن الأول مقدر من الشرع، لا يجوز لأحد أن يغيره إذا ثبت بشروطه، والثاني مفوض إلى رأي الحاكم والقاضي. فما فعله النبي ◌َّرٍ أو أمر به من حيث الشارع صار حداً، ما فعله من حيث الحاكم أو القاضي صار تعزيراً. وهناك دلائل كثيرة تدل على أن النبي ◌َّه رجم الزناة، وأمر به من حيث الشارع، كتشريع أبدي خالد: ١ - قدمنا أن الله سبحانه وتعالى أشار إلى الرجم في سورة المائدة. وجعله ((حكم الله)) وإن العقوبة المقدرة بحكم الله حد. ٢ - إن رسول الله وَل و أعان عبر مرة أن الرجم حكم الله تعالى مما يدل على أنه ليس حكماً وقتياً، وإنما هو تشريع أبدي خالد: (أ) - فمنها ما سيأتي عند المصنف رحمه الله في قصة اليهودي في حديث البراء بن عازب وَلو أنه وَلّ قال عند الحكم عليها بالرجم: ((اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أما توه)). ٣٨٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٣٩٥ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. (ب) - قد تقدم في حديث عبادة عظاته أنه وَّ* قال: ((خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً)) فنسب حكم الرجم إلى الله سبحانه. (ج) - سيأتي في قصة العسيف أنه وَّ﴾ قال: ((لأقضين بينكما بكتاب الله)) ثم حكم على المرأة بالرجم، فهو دليل على أن الرجم كان حكماً مفروضاً من الله تعالى. ٣ - قد تقدم في باب ما يباح به دم المسلم عن عبد اللّه بن مسعود ربه مرفوعاً: ((لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) وقد ثبت هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة ريه، وقد وقع في حديث عائشة عند الحاكم في المستدرك (٤: ٣٦٧): ((زان محصن فيرجم، ورجل يقتل متعمداً، فَيُقْتَل بِهِ أو يصلب)). ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن النبي وَل و قد قصر فيه إباحة الدم المسلم على ما وجب فيه إعدام الجاني حداً، أو قصاصاً، وإلا فقد ثبت عنه وط و إعدام الجاني على سبيل التعزير في مواقع أخرى غير هذه الثلاث، مثل قتل اللوطي، ومن شرب الرابعة، وغيرهما. فتبين أن الحديث إنما يتحدث عما يجب فيه القتل حداً، أو قصاصاً، ولا يتحدث عن القتل على سبيل التعزيز، والرجم مذكور في جملة هذه الثلاث، فهو دليل على كونه حداً. ٤ - إن خطبة سيدنا عمر بنّي من أوضح الدلائل على كون الرجم حداً. فإنه جعله فريضة الله، وحكم بضلال من ينكره، ولا يقال ذلك في تعزير، لأنه مفوض إلى رأى الحاكم. ٥ - إن من يقول في عصرنا بأن الرجم تعزير، فإنه يريد أن حد الزاني هو الجلد، ولكن إذا رأى الحاكم من الجاني ما يقتضي التشديد أكثر من ذلك رجمه تعزيراً، ومقتضى ذلك أن لا يرجم كل زان محصن، وإنما يرجم من عرف منه ارتكاب الزنا بما يقتضى التشديد في العقوبة. ولكننا نرى في قصة ماعز، والغامدية، أنهما أتيا رسول الله وَ لل تائبين، نادمين على ما تعرف أن إقرارها يؤديها إلى الرجم بالحجارة فعلا، معترفين بجنايتهما، وكانت الغامدية حتى تموت، ولكنها طلبت ذلك خشية من الله سبحانه، ثم أمهلت حت تضع وترضع ولدها، ولم يبعث لها رسول الله وَللر بعثا، ولا سجل اسمها في دفتر أو قنطر، ولا أتبعها أحداً من الشرطة،