النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
كتاب : الحدود
٤٣٧٧ - (٣) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى
(وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ وَأَحْمَدَ) (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ).
أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَمْرَةَ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تُحَدِّثُ؛
أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لاَ تُقْطَعُ الْيَّدُ إِلاَّ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَهُ)) .
٤٣٧٨ - (٤) حدّثني بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَّا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا سَمِعَتٍ
الشَِّيَّ وَّهُ يَقُولُ: ((لاَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً».
٤٣٧٩ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَإِسْحَاقُ بْنُ
مَنْصُورٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَقَدِيِّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، مِنْ وَلَدِ الْمِسْوَرِ بْنِ
مَخْرَمَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٤٣٨٠ - (٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ
٣ - (٠٠٠) - قوله: (أخبرني مخرمة) بفتح الميم، وسكون الخاء، وفتح الراء، وهو ابن
بكير، كان الإمام مالك يروي عنه بقوله: ((حدثني الثقة))، ووثقه أيضاً علي بن المديني، وابن
حبان، وأحمد بن صالح، ولكن ذكر أكثر العلماء أنه لم يسمع من أبيه، وإنما وقع له کتاب منه،
كذا ذكر يحيى بن معين، وابن المديني، وغيرهما، واستثنى أبو داود حديثاً واحداً، حديث
الوتر. وراجع تهذيب الكمال للمزي (٧: ٦٥٦). وأبوه بكير بن عبد الله ابن الأشج قد مر
ترجمته في باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة.
٤ - (٠٠٠) - قوله: (يزيد بن عبد الله بن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد
الليثي، المدني، من صغار التابعين قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، توفي (سنة: ١٣٩هـ)،
وراجع التهذيب (١١: ٣٤٠).
قوله: (عن أبي بكر بن محمد) يعني: ابن عمرو بن حزم القاضي، الذي ولاه عمر بن
عبد العزيز، وكتب إليه أن يدون الحديث، وتقول امرأته: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ
أربعين سنة بالليل)) وقالوا لعمر بن عبد العزيز: ((استعملت أبا بكر بن حزم، غرك بصلاته، فقال:
إذا لم يغرني المصلون فمن يغرني؟)) وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه، وثقه الجميع،
وأخرج له الجماعة، توفي (سنة: ١١٧ هـ)، كذا في التهذيب (١٢: ٣٨).
قوله: (أبي عامر العقدي) بفتح العين والقاف، نسبة إلى بطن من بجيلة، قبيلة من اليمن
كذا في الأنساب للسمعاني (٩: ٣٤)، واسمه عبد الملك بن عمرو القيسي، من رواة الجماعة،
وثقه الجميع، مات (سنة: ٢٠٤ هـ)، وراجع التهذيب (٦: ٤١٠).

٣٤٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الرُّؤَاسِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ فِي
عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ، حَجَفَةٍ أَوْ تُرْسٍ. وَكِلاَهُمَا ذُو ثَمَنٍ.
٤٣٨١ - (٠٠٠) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَحُمَيْدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. كُلُهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ
نُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الرُّؤَاسِيِّ. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَأَبِي أُسَامَةَ: وَهُوَ
يَوْمَئِذٍ ذُو ثَمَنٍ .
٤٣٨٢ - (٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَّرِ قَطَعَ سَارِقاً فِي مِجَنٌّ قِيمَتُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ .
٤٣٨٣ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ رُمْح عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا
أَبِي. ح وَحَدَّثُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح
٥ - (١٦٨٥) - قوله: (الرؤاسي) ضبطه السمعاني في الأنساب (٦: ١٨٠) بضم الراء،
وتخفيف الواو، وجعله العلامة طاهر في المغني بضم الراء، والهمزة، منسوب إلى بني رؤاس،
وحميد هذا ثقة كثير الحديث، قال ابن أبي شيبة: قل من رأيت مثله. وروي عن سفيان بن
عيينة، قال: ((قدم حميد الرؤاسي من سفر، فرأى أمه تصلي، فلما رآها قائمة تصلي، قام، فلما
فطنت طولت الصلاة. لتؤجر)) رواه ابن حبان في الثقات (٦: ١٩٤).
قوله: (حجفة، أو ترس) الحجفة (بتقديم الحاء على الجيم، وفتحهما) والترس، والمجن،
كلها بمعنى، وهو الدرقة.
(٠٠٠) - قوله: (عبد الرحيم بن سليمان) الكناني، وقيل: الطائي أبو علي المروزي
الأشل، سكن الكوفة. وثقه ابن معين، وأبو داود، وقال العجلي: ثقة متعبد كثير الحديث. وقال
عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق ليس بحجة. كذا في التهذيب (٦: ٣٠٦).
٦ - (١٦٨٦) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في الحدود، باب قول الله تعالى:
﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ إلخ، ومالك في الحدود، باب ما يجب فيه القطع، والترمذي، (رقم:
١٤٤٦) في الحدود، باب في كم تقطع يد السارق، وأبو داود (رقم: ٤٣٨٥) في الحدود، باب
ما يقطع فيه السارق، والنسائي في السارق، باب القدر الذي إذا سرقه السارق قطعت يده، وابن
ماجه، (رقم: ٢٥٨٤) باب حد السارق.
(٠٠٠) - قوله: (علي بن مسهر) بضم الميم، وسكون السين، وكسر الهاء، وهو القرشي

٣٤٣
كتاب : الحدود
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُوِ الرَّبِيعِ وَأَبُوِ
كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ
عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَإِسْمَاعِيلٌ بْنِ أُميَّةَ. ح وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْم. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ
وَعُبَيْدِ اللَّهِ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ. حِ وَحَدَّثَنِي أَبُوَ الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ
حَنْظَلَةُ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ اللَّيْئِيِّ.
كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ، بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكٍ. غَيْرَ أَنَّ
بَعْضَهُمْ قَالَ: قِيمَتُهُ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: ثَمَنُهُ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ .
٤٣٨٤ - (٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (لَعَنَ اللَّهُ
الحافظ، قاضي الموصل، ثقة عند الجميع، مشهور من رواة الجماعة، وروي عن يحيى بن معين
أنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فدس القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيباً، فكحله،
فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى، وكان يحدث بعد ذلك من حفظه، وراجع التهذيب (٧:
٣٨٤) .
قوله: (السختياني) بفتح السين، وسكون الخاء، وكسر التاء، كما في الأنساب (٧ : ٩٦)
وقد مَرَّ ترجمته في باب الوصية بالثلث.
قوله: (الجمحي) بضم الجيم، وفتح الميم، وكسر الحاء، كذا ضبطه السمعاني في
الأنساب (٣: ٣٢٦) وحنظلة بن سفيان هذا ثقة من رواة الجماعة، كان وكيع إذا أتى على حديثه
قال: حدثنا حنظلة بن أبي سفيان، وكان ثقة ثقة. مات (سنة: ١٥١ هـ) كذا في تهذيب الكمال
للمزي (٢ : ١٧٢).
قوله: (ثمنه ثلاثة دراهم) فيه حجة للأئمة الثلاثة في تقدير النصاب بثلاثة دراهم، أو ربع
دينار، وقد عارضته الأحاديث والآثار التي ذكرناها في دلائل الحنفية، والعمل عند التعارض بما
هو أدرأ للحد. والذي يظهر أن نصاب السرقة في عهد رسول الله وَّير كان يقدر بثمن المجن، ثم
اختلفت أقوال الصحابة في تقويمه، ومن أجل هذا نشأ الاختلاف، والله أعلم.
٧ - (١٦٨٧) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في الحدود، باب قول الله تعالى:
﴿وَالشَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَهُوَاْ أَيْدِيَهُمَا﴾، وباب لعن السارق إذا لم يسم، والنسائي في السارق،
باب تعظيم السرقة، وابن ماجه، (رقم: ٢٥٨٣)، في الحدود، باب حد الساق.

٣٤٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
السَّارِقَ. يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ. وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ)) .
قوله: (لعن الله السارق) قال النووي: ((هذا دليل لجواز لعن غير المعين من العصاة، لأنه
لعن للجنس، لا لمعين، ولعن الجنس جائز)) وقد اختلف العلماء في جواز لعن المعين ممن
ارتكب فسقاً، فمنعه بعضهم مطلقاً، وأجازه الآخرون مطلقاً، وفرق بعضهم بين من أقيم عليه
الحد، فلا يجوز لعنه، ومن لم يقم عليه، فيجوز. وراجع لتفصيله فتح الباري (١٢ : ٧٦) باب
ما يكره من لعن شارب الخمر، والمشهور عند الحنفية المنع من لعن المعين مطلقاً إذا لم يعلم
موته على الكفر، وإن كان فاسقاً متهوراً، كما صرح به ابن عابدين في رد المحتار، باب الرجعة
(٢: ٧٤٤)، واستشكله في الأخير بمشروعية اللعان والمباهلة، ولعلهما في محلهما مستثنيان من
هذا العموم، والله سبحانه أعلم. وسيأتي بعض الكلام على هذا في البر والصلة إن شاء الله
تعالی .
قوله: (يسرق البيضة، فتقطع يده) احتج به الظاهرية والخوارج على أن حد السرقة ليس له
نصاب معين. لكون بيضة الدجاج، والحبل، لا يبلغان قيمة النصاب، واعتذر عنه الجمهور
بوجوه :
١ - أَوَّلَهُ الأعمش بأن البيضة المرادة ههنا هي بيضة الحديد التي تجعل على الرأس في
الحرب، والحبل هو حبل يشد به السفن، فالأول يبلغ ربع دينار. والثاني أكثر منه.
ولكن رده أكثر العلماء لكونه تأويلاً بعيداً. قال ابن بطال: ((فهذا تأويل بعيد لا يجوز عند
من يعرف صحيح كلام العرب، لأن كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة، وهذا ليس موضع
تكثير لما سرقه السارق. وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبح الله فلاناً، عرض نفسه
للضرب في عقد جوهر، وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن
يقال: لعنه الله، تعرض لقطع اليد في حبل رث، أو في كبة شعر، أو رداء خلق)) كذا في عمدة
القاري (١١ : ١٣٢).
٢ - حمله ابن بطال على أنه ◌َّ قال ذلك عقيب نزول الآية على ظاهرها، قبل أن يتعين
النصاب بالوحي، ثم أعلمه الله تعالى النصاب. وراجع فتح الباري (١٢: ٨٢).
٣ - قال الخطابي: ((إن ذلك من باب التدريج، لأنه إذا استمر ذلك به لم يأمن أن يؤديه
ذلك إلى سرقة ما فوقها، حتى يبلغ فيه القطع فتقطع يده، فليحذر هذا الفعل، وليتركه قبل أن
تمكنه العادة، ويموت عليها، ليسلم من سوء عاقبته)) كذا في عمدة القاري (١١: ١٣٢)، وبمثله
حكى الحافظ في الفتح عن القاضي عياض، وعليه مشى الأبي في شرحه (٤: ٤٤٣).
٤ - قال المأزري: ((وحمله بعضهم على المبالغة في التنبيه على عظم ما خسر، وحقر ما
حصل، وأراد من جنس البيضة والحبل ما يبلغ النصاب)) وقال القرطبي: ((ونظير حمله على

٣٤٥
كتاب: الحدود
٤٣٨٥ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. كُلُّهُمْ
عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: ((إِنْ سَرَقَ حَبْلاً،
وَإِنْ سَرَقَ بَيْضَةً)).
(٢) - باب: قطع السارق الشريف وغيره،
والنهي عن الشفاعة في الحدود
٤٣٨٦ - (٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح.
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرَّأَةِ
الْمَخْزُومِيَّةِ
المبالغة ما حمل عليه قوله بخطة: ((من بنى الله مسجداً ولو كمفحص قطاة))، فإن أحداً لم يقل فيه
إلا أنه أراد المبالغة في ذلك، وإلا فمن المعلوم أن مفحص القطاة، وهو قدر ما يحصن به
بيضها، لا يتصور أن يكون مسجداً، ومنه: ((تصدقن ولو بظلف محرق))، وهو مما لا يُتَصَّدّقُ به،
ومثله كثير في كلامهم)) حكاه العيني في العمدة.
(٢) - باب: قطع السارق الشريف وغيره
٨ - (١٦٨٨) - قوله: (عن عائشة) أخرجه البخاري في الحدود، باب إقامة الحد على
الشريف والوضيع، (رقم: ٦٧٨٧)، وباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان،
(رقم: ٦٧٨٨)، وباب توبة السارق، (رقم: ٦٨٠٠)، وفي الشهادات، باب شهادة القاذف،
والسارق، والزاني، (رقم: ٢٦٤٨)، وفي الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، (رقم:
٣٤٧٥)، وفي فضائل أصحاب النبي ◌ََّ، باب ذكر أسامة بن زيد، (رقم: ٣٧٣٢ و٣٧٣٣)،
وفي المغازي، باب مقام النبي ◌َّر، بمكة زمن الفتح، (رقم: ٤٣٠٤)، والترمذي في الحدود،
باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود، (رقم: ١٤٣٠)، وأبو داود في باب في الحد يشفع
فيه، (رقم: ٤٣٧٣ و٤٣٧٤)، والنسائي في السارق، باب ما يكون حرزاً، وما لا يكون، وابن
ماجه في باب الشفاعة في الحدود، (رقم: ٢٥٤٧).
قوله: (أهمهم) أي: أجلب عليهم هماً، أو صيرهم ذوي هَمٍّ بسبب ما وقع منها، يقال:
أهمني الأمر: أي: أقلقني. وقال الحافظ في الفتح (١٢: ٨٨): ((وسبب إعظامهم ذلك خشية أن
تقطع يدها، لعلمهم أن النبي ◌َّ لا يرخص في الحدود، وكان قطع السارق معلوماً عندهم قبل
الإسلام، ونزل القرآن بقطع السارق، فاستمر الحال فيه. وقد عقد ابن الكلبي باباً لمن قطع في
الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة، فقطعوا في عهد عبد المطلب جد
النبي مَ لِ)).

٣٤٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الَّتِي سَرَقَتْ. فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلَّ
قوله: (المرأة المخزومية) الصحيح أن اسمها فاطمة بنت الأسود، وهي بنت أخ لأبي
سلمة الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة رضيؤها قبل أن يتزوجها النبي وَطّر. كذا حقق ابن
سعد في الطبقات (٨: ٢٦٣) في ترجمتها، وبه أخذ الحافظ في الفتح، وذكر أن أباها قتل يوم
بدر كافراً، ووهم من زعم أن له صحبة.
وزعم بعض الناس أنها أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنت عم فاطمة
المذكورة، واحتجوا بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٠: ٢٠٣، رقم: ١٨٨٣٢) عن ابن
جريج، قال: ((وأخبرني بشر بن تيم أنها أم عمرو ابنة سفيان بن عبد الأسد، قال: لا أجد
غيرها، يقول: لا أعرف هذا النسب إلا فيها)). وهذا على كونه معضلاً، غير جازم، والظاهر أنه
ظن منه، وليس علماً، كما يدل عليه قوله الأخير.
والحق أن أم عمرو قصتها أخرى، مغايرة لقصة فاطمة بنت الأسود، وقد ذكرها ابن سعد
في طبقاته (٨: ٢٦٣): ((أنها خرجت من اليل، وذلك في حجة الوداع، فوقفت بركب نزول،
فأخذت عيبة لهم، فأخذها القوم، فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبي بَّ فعادت بحقوي أم
سلمة بنت أبي مية زوج النبي ◌َّر، فأمر بها، فافتكت يداها من حقويها، وقال: والله لو كانت
فاطمة بنت محمد لقطعتها، ثم أمر بها، فقطعت يدها، فخرجت تقطر يدها دماً، حتى دخلت
على امرأة أسيد بن حضير أخي بني عبد الأشهل. فعرفتها، فآوتها إليها، وصنعت لها طعاماً
سخناً فأقبل أسيد بن حضير من عند النبي ◌َّار، فنادى امرأته قبل أن يدخل البيت. يا فلانة! هل
علمت ما لقيت أم عمرو بنت سفيان؟ قالت: ها هي هذه عندي، فرجع أسيد أدراجه، فأخبر
النبي ◌َّله، فقال: رحمتها رحمك الله، فلما رجعت إلى أبيها، قال: اذهبوا بها إلى بني
عبد العزى، فإنها أشبهتهم، فزعموا أن حويطب بن عبد العزى قبضها إليه، وهو خالها)).
ثم ذكر ابن سعد أن في أم عمرو هذه قال الحسين بن الوليد:
سراقة لحقائب الركبان
رب ابنة لأبي سليمى جعدة
حتى أقرت غير ذات بنان
باتت تحوس عيابهم بيمينها
ومما يدل عى تغاير قصة أم عمرو، وقصة فاطمة بنت الأسود، أن قصة فاطمة وقعت في
غزوة الفتح، كما سيأتي في الرواية الآتية عند المصنف، وقصة أم عمرو وقعت في حجة الوداع،
كما هو مصرح في رواية ابن سعد المذكورة.
قوله: (التي سرقت) وقد أخرج ابن ماجه (رقم: ٢٥٤٨) عن مسعود بن الأسود أنها
سرقت قطيفة من بيت رسول الله وَالر، وإسناده حسن. ويعارضه ما أخرجه ابن سعد في طبقاته
أنها سرقت حلياً، وجمع بينهما الحافظ في الفتح باحتمال أن تكون الحلي في القطيفة، فمن ذكر
القطيفة أرادها بما فيها .

٣٤٧
كتاب: الحدود
أُسَامَةُ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ
حُدُودِ اللَّهِ؟)). ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا
سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ، تَرَكُوهُ. وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَايْمُ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ
فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)).
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ رُمْحِ: ((إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)).
٤٣٨٧ - (٩) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ). قَالاَ: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّرِ؛ أَنَّ قُرَيْشاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَِّ.
فِي غَزْوَةِ الْفَتْحَ. فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِىءُ عَلَيْهِ إِلاَّ
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ بِ هِ؟ فَأَتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ. فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ
قوله: (من يكلم فيها) إلخ: وقد ورد في حديث مسعود بن الأسود عند ابن ماجه: ((فجئنا
إلى النبي 18َّ تكلمه، وقلنا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال رسول الله وَيليه: ((تطهر خير لها))،
فلما سمعنا لين قول رسول الله ◌َ﴿ أتينا أسامة، فقلنا: كلم رسول الله (مَلآ)).
ولهذا الحديث شاهد عند أحمد في مسنده (٢: ١٨٧) عن عبد الله بن عمرو، وفيه: ((أن
امرأة سرقت على عهد رسول الله وَطير .. قال قومها: نحن نفديها)) فكأنهم زعموا أن الفداء يغني
عن الحد.
قوله: (حب رسول الله ◌َ لا) بكسر الحاء، بمعنى المحبوب، مثل قسم بمعنى مقسوم، وفي
ذلك تلميح بقول النبي ◌ُّر: ((اللهم إني أحبه، فأحبه)) كذا في فتح الباري.
قوله: (إنما أهلك الذين قبلكم) الظاهر أن المراد به بنو إسرائيل، وقد وقع التصريح بذلك
في رواية سفيان عند النسائي: ((إنما هلك بنو إسرائيل)). وقد حكى الحافظ عن ابن دقيق العيد أن
هذا الحصر مخصوص، يعني إضافي، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك،
فلا ينحصر ذلك في حد السرقة، ثم أيده الحافظ بما أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة عن
عائشة مرفوعاً: ((أنهم عطلوا الحدود عن الأغنياء، وأقاموها على الضعفاء)).
قوله: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت) هذا على سبيل فرض المحال، ولهذا زاد ابن
ماجه (٢: ٨٥١) في آخر هذا الحديث عن شيخه محمد بن رمح، قال: ((سمعت الليث بن سعد
يقول، قد أعاذها الله عز وجل أن تسرق. وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا)).
وفيه فضيلة ظاهرة لفاطمة ضيها، لأن المعتاد في مثل هذا أن يذكر من هو أحب إلى القائل
من غيره. ثم فيه حسن المماثلة أيضاً لموافقة اسم السارقة اسمها ريثنا، فناسب أن يضرب المثل

٣٤٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
زَيْدٍ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ. فَقَالَ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟)) فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ:
اسْتَغْفِرْ لِي. يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ فَاخْتَطَبَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ
بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ
الشّرِيفُ، تَرَكُوهُ. وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ، أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَإِنِّي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)) ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ
يَدُهَا .
قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابِ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ.
وَتَزَوَّجَتْ. وَكَانَتْ تَأْتِيْنِي بَعْدَ ذُلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه .
بها فلا يدل الحديث على أفضليتها على عائشة ها. كما حققه الحافظ في الفتح.
٩ - (٠٠٠) - قوله: (أتشفع في حد من حدود الله؟) استدل به العلماء على أن الشفاعة في
الحدود غير جائزة، وقيده أكثرهم بما إذا رفعت القضية إلى السلطان، فأما قبل رفعها إلى
السلطان فلا بأس بالشفاعة، واستدلوا على ذلك بمرسل لحبيب بن أبي ثابت، وفيه أن
رسول الله 8* قال لأسامة: ((لا تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إليَّ فليس لها مترك)) ذكره
الحافظ في الفتح (١٢: ٨٧). وله شاهد عند أبي داود والحاكم من حديث عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جده، رفعه: ((تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)).
وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذى الناس، ومن لم يعرف، فقال:
لا يشفع للأول مطلقاً، سواء بلغ الإمام أو لا، وأما من لم يعرف بذلك فلا بأس أن يشفع له ما
لم يبلغ الإمام.
وتمسك بحديث الباب من أوجب إقامة الحد على القاذف إذا بل الإمام، ولو عفا
المقذوف، وهو قول الحنفية، والثوري، والأوزاعي. وقال مالك، والشافعي، وأبو يوسف:
يجوز العفو مطلقاً، ويدرأ بذلك الحد، لأن الإمام لو وجده بعد عفو المقذوف لجاز أن يقيم
البينة بصدق القاذف، فكانت تلك شبهة قوية. كذا في فتح الباري.
قوله: (فحسنت توبتها بعد) وأخرج الإسماعيلي وأبو عوانة عن القاسم بن محمد، عن
عائشة، قالت: ((فنكحت تلك المرأة رجلاً من بني سليم، وتابت، وكانت حسنة التلبس، وكانت
تأتيني، فأرفع حاجتها)) ووقع في آخر حديث مسعود بن الحكم عند الحاكم: ((قال ابن إسحاق:
وحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن النبي ◌َّ كان بعد ذلك يرحمها، ويصلها)).
وأخرج أحمد في مسنده (٢: ١٧٧) عن عبد الله بن عمرو أنها قالت بعد قطع يدها: ((هل
لي من توبة يا رسول الله وَر؟ قال: نعم، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله

٣٤٩
كتاب: الحدود
٤٣٨٨ - (١٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ.
عز وجل في سورة المائدة: ﴿فَنَ تَابَ مِنْ بَعْدٍ ظُلْمِهِ، وَأَصْلَحَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣٩] إلى آخر
الآية)).
١٠ - (٠٠٠) - قوله: (تستعير المتاع وتجحده) ظاهره أن جحد العارية كان السبب في قطع
يدها، وهو مخالف لما مر من الروايات أنها سرقت. وقد اضربت أقوال العلماء في رفع هذا
التعارض :
١ - فمنهم من حمل التعارض على اختلاف الواقعتين لامرأتين مختلفتين، وذهب إلى أن
جحد العارية موجب للقطع أيضاً، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، وانتصر له ابن حزم من
الظاهرية، وبه قال أحمد في رواية جعلها الحافظ أشهر الروايتين عنه، ولكن صحح ابن قدامة
في المغني (١٠: ٢٤٠) أنه لا يوجب القطع عند أحمد، كرأي الجمهور.
وظاهر أن حمل الروايتين على الواقعتين بعيد جداً، لأنه يستبعد من مثل أسامة تظ له أن
يشفع في الحدود مرة ثانية بعد سماعه الإنكار الشديد من رسول الله وَ له .
٢ - وجمع بينهما ابن القيم بأن المراد من السرقة في الروايات الماضية نفس جحد
العارية، ولكن رده الحافظ في الفتح (١٢: ٩٢) بأنه لا يخفى بعده، ولعله يريد أن اسم السرقة
لا يحتمل جحد العارية في اللغة.
٣ - ومنهم من رجح رواية السرقة على رواية جحد العارية، فإن رواية جحد العارية تفرد
بها معمر من بين تلامذة الزهري، وإنه شذوذ منه، وإلى ذلك جنح النووي، وابن المنذر،
والمحب الطبري، والقرطبي، ولكنه منقوض بأن معمراً لم يتفرد بذلك، بل تابعه شعيب ابن أبي
حمزة عند النسائي، ويونس عند أبي داود، ولا يخفى أن معمراً، ويونس، وشعيب بن أبي حمزة
من أثبت تلامذة الزهري. ولذلك حقق الحافظ في الفتح (١٢: ٩١) أن الترجيح لا يمكن بالنسبة
إلى الرواة عن الزهري، ولا ترجيح لرواية السرقة إلا بأنها مخرجة في الصحيحين جميعاً، ورواية
جحد العارية قد انفرد بها مسلم، ولم يخرجها البخاري. وإن مجرد هذا الوجه لا يكفي في
الترجيح.
٤ - وجمع بعض العلماء بين الروايتين أن المرأة جمعت بين السرقة، وجحد العارية،
ولكنها قطعت من أجل السرقة، دون جحد العارية، وإنما ذكر جحد العارية تعريفاً لها، بأنها هي
التي كانت تستعير المتاع وتجحده وليس المراد أن سبب القطع ذلك. وإن هذا الوجه قد اختاره
المأزري، والنووي، والخطابي، والمنذري، والبيهقي، والقرطبي، وغيرهم.
وأيده القرطبي بما ورد في آخر الحديث: ((لو أن فاطمة سرقت))، فإن فيه دلالة قاطعة على

٣٥٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَأَمَرَ النَّبِيُّ وَِّ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهَا. فَأَتَىْ أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ. فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ.
٤٣٨٩ - (١١) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ. حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأَتِيَ بِهَا النَِّيُّ وََّ. فَعَاذَتْ
بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَّرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((وَاللَّهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))
فَقُطِعَتْ.
أن المرأة قطعت بسبب السرقة، واستدل أيضاً بما أخرجه الأربعة عن جابر مرفوعاً: ((ليس على
خائن، ولا مختلس، ولا منتهب قطع)) وسنده قوي صححه الترمذي.
وإن هذا الوجه الرابع هو أقرب الوجوه عند هذا العبد الضعيف، لأن روايات جحد العارية
مروية عن الثقات، ولها شاهد من حديث ابن عمر عند النسائي وغيره، والله سبحانه وتعالى
أعلم.
١١ - (١٦٨٩) - قوله: (سلمة بن شبيب) سلمة: بفتح اللام، وشبيب: بفتح الشين، وكسر
الباء، كما في المغني، وهو النيسابوري، نزيل مكة، قال أبو نعيم: أحد الثقات، حدث عنه
الأئمة والقدماء، وقال الحاكم: هو محدث أهل مكة، والمتفق على إتقانه وصدقه، مات (سنة:
٢٤٦ هـ) في أكله فالوذج. كذا في التهذيب (٤: ١٤٦).
قوله: (الحسن بن أعين) بفتح الياء، قد مَرَّ في باب بيع الطعام مثلاً بمثل.
قوله: (حدثنا معقل) يعني: ابن عبيد اللّه الجزري، مَرَّ في باب بيع الطعام مثلاً بمثل.
قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود تعليقاً عن أبي الزبير في آخر حديث
(٤٣٧٤)، والنسائي في قطع السارق، باب ما يكون حرزاً، وما لا يكون.
قوله: (امرأة من بني مخزوم سرقت) الظاهر أنها أم عمرو، وقصتها مغايرة لقصة فاطمة
بنت الأسود، وقد ذكرناها بتمامها عن ابن سعد في شرح أول حديث عائشة شؤثنا .
قوله: (فعاذت بأم سلمة) وفي رواية أبي داود: ((فعاذت بزينب بنت رسول الله وَّ)) وذكر
ابن الأثير في جامع الأصول (٣: ٥٨١) عن أبي داود: ((فعاذت بزينب زوج رسول الله وَل9)) ولم
أجده في النسخ المطبوعة. وجمع المنذري في تلخيصه لأبي داود (٦: ٢١١) بينها بأنه يحتمل
أن تكون عاذت بهما، فذكر مرة إحداهما، وذكر مرة الأخرى، وفيه من البعد ما ترى، على أن
زينب بنت رسول الله لو كانت توفيت قبل هذه القصة، لأن قصة أم عمرو وقعت في حجة
الوداع، وقصة فاطمة في غزوة الفتح كما أسلفنا، وإن زينب بنت رسول الله و * توفيت قبل كلتا
الواقعتين، لأنها توفيت في جمادى الأولى من السنة الثامنة، ووقعت غزوة الفتح في رمضان تلك
السنة، كما حققه الحافظ في الفتح (١٢ : ٩٤).

٣٥١
كتاب: الحدود
(٣) - باب: حدّ الزنى
٤٣٩٠ - (١٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ
الْحَسَنِ، عَنْ حِظَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي. قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً. الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ
وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالنَّيْبُ بِالنَّيْبِ،
ويحتمل أن يكون المراد زينب ربيبة رسول الله وَّ، وهي بنت أم سلمة، وأطلق عليها
لفظ: ((بنت النبي وَّ)) لكونها في حجره. ويؤيده ما أخرجه أحمد في مسنده ٣: ٣٩٥ من طريق
ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، وفيه: ((فعاذت بربيب النبي وَّ))، ووقع في مصنف
عبد الرزاق (١٠: ٢٠٢، رقم: ١٨٨٣١) في هذه القصة: ((فجاء عمر بن أبي سلمة، فقال
للنبي وَّ: إنها عمتي)) وكان عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ◌َّر. فيمكن الجمع بين الروايات على
هذا بأنها عاذت بأم سلمة وأولادها، لقرابتها بهم، فذكر بعض الرواة أم سلمة فقط، وذكر
بعضهم زينب ربيبة رسول الله وَّل﴿، وذكر آخرون عمر بن أبي سلمة، والله سبحانه أعلم.
(٣) - باب: حد الزنا
١٢ - (١٦٩٠) - قوله: (عن عبادة بن الصامت) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في
الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، (رقم: ١٤٣٤)، وأبو داود في الحدود، باب في
الرجم، (رقم: ٤٤١٥ و٤٤١٦)، وابن ماجه في الحدود، باب حد الزنا، (رقم: ٢٥٥٠).
قوله: (خذوا عني) يعني: اسمعوا مني حكم الزنا.
قوله: (قد جعل الله لهن سبيلا) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَأَلَّتِ يَأْتِينَ اُلْفَحِشَةَ مِن
نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُنَ فِىِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ
اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [سورة النساء، الآية: ١٥] فكان حكم الآية أن تحبس الزانية إلى الموت، أو ينزل الله
فيها حكماً آخر، وهو المراد بالسبيل. فبين رسول الله ولو أن ذلك الحكم الجديد قد نزل، هو
أن البكر بالبكر جلد مائة إلخ.
قوله: (البكر بالبكر) قال النووي: ((ليس هو على سبيل الاشتراط، بل حد البكر الجلد
والتغريب، سواء زنى ببكر، أم بثيب، وحد الثيب الرجم، سواء زنى بثيب، أم ببكر، فهو شبيه
بالتقييد الذي يخرج على الغالب)).
قوله: (ونفي سنة) استدل به الشافعية والحنابلة على أن النفي والتغريب من جملة حد
الزاني البكر، وفي المسألة ثلاثة مذاهب:
١ - حد الزاني البكر مجموع الجلد والتغريب مطلقاً، وهو قول الشافعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبي ثور، وابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، وعطاء، وطاوس رحمهم الله تعالى.

:
٣٥٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢ - يغرب الرجل دون المرأة، لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، وهو قول مالك،
والأوزاعي.
٣ - ليس التغريب جزءاً من حد الزنا، وإنما هو تعزير يخير فيه الحاكم، إن رأى فيه
مصلحة غربه، وإلا فلا. وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، هذا ملخص ما في
المغني لابن قدامة (١٠: ١٣٣).
استدل الحنفية على مذهبهم بدلائل آتية:
١ - قوله تعالى: ﴿الَِّيَةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَجِدٍ مِنْهُمَا﴾ [سورة النور، الآية: ٢] يدل على أن الجلد
كل جزاء الزاني، فلا يزاد عليه شيء بأخبار الآحاد: وهذا بخلاف الرجم، فإنه ثبت بالأحاديث
المتواترة كما سيأتي في موضعه.
واعترض عليه الشوكاني في نيل الأوطار (٧: ٥) بأن أحاديث التغريب قد جاوزت حد
الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائداً على القرآن. وأجاب عنه الحنفية بوجهين:
الأول: أن أحاديث التغريب رواها ثلاثة من الصحابة فقط، وهم: عبادة بن الصامت،
وأبو هريرة، وزيد بن خالد، رضي الله عنهم. وما رواه الثلاثة فقط: لا يخرج عن كونه خبر
الآحاد.
والثاني: لو سلم شهرة أحاديث التغريب، فإن غاية ما يثبت منها أن النبي ◌َّ غرب
الزاني، أو أمر بتغريبه، ولا يثبت منها أنه وَّر فعل ذلك حداً، بل يحتمل أن يكون تعزيراً فلا يتم
الاستدلال بها على كونه حداً .
٢ - عن إبراهيم النخعي، قال: قال عبد الله بن مسعود في البكر تزني بالبكر. قال:
يجلدان مائة، وينفيان سنة، قال: وقال علي ظه: احبسهما من الفتنة أن ينفيا، أخرجه
عبد الرزاق (٧: ٣١٢ و٣١٥، رقم: ١٣٣١٣ و١٣٣٢٧) من طريق أبي حنيفة رحمه الله.
وأخرجه محمد في كتب الآثار، (ص: ١٠٧) من طريق أبي حنيفة، عن حماد، عن
إبراهيم، ولفظه («نفيهما من الفتنة، وإن إبراهيم النخعي، وإن لم يدركهما، ولكن مراسيله
صحيحة كما مَرَّ غير مرة.
وهذا ظاهر في أن علياً ظلبه كان لا يقول بالنفي، ولو كان ذلك حداً لم ينكره، وأغرب
ابن حزم في المحلى (١١: ٢٣٢). حيث فسر قول علي له بأن جزاءهما أن ينفيا. وحمل
الفتنة على معنى الجزاء والبلاء. وفيه من البعد البائن ما يغني عن الرد عليه.
٣ - عن ابن عباس ﴿ًّا. قال: ((من زنى جَلِدَ وأرسل)) أخرجه ابن حزم في المحلى (١١ :
٢٣٢)، ولم يعله بشيء.

٣٥٣
كتاب: الحدود
٤ - عن سهل بن سعد، عن النبي وَل ◌َو: ((أن رجلاً أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها،
فبعث رسول الله ◌َله إلى المرأة، فسألها عن ذلك. فأنكرت أن تكون زنت، فجلده الحد،
وتركها)) أخرجه أبو داود. (رقم: ٤٤٦٦) في باب إذا أقر الرجل بالزنا، ولم تقر المرأة من كتاب
الحدود.
٥ - عن ابن عباس: ((أن رجلاً من بكر بن ليث أتى النبي وَلّ. فأقر أنه زنى بامرأة أربع
مرات، فجلده مائة. وكان بكراً، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب والله يا رسول الله،
فجلده حد الفرية ثمانين)) أخرجه أبو داود، (رقم: ٤٤٦٧).
٦ - عن أبي هريرة. وزيد بن خالد طه، قالا: سئل النبي ◌َّر عن الأمة إذا زنت؛ ولم
تحصن؟ قال: إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو
بضفير)) أخرجه البخاري في المحاربين، وسيأتي عند المصنف في باب رجم اليهود. وفي رواية
عن أبي هريرة وحده: ((فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها)).
فهذه ثلاثة أحاديث ذكر فيها أن حد البكر هو الجلد، وليس فيها أدنى ما يشير إلى النفي أو
التغريب، ولو كان التغريب من الحد لذكر مع الجلد سواء بسواء. ولو كان التغريب من الحد لما
أَمَرَ مَوْلَى الأَمَةِ الزانية ببيعها، لأن المشتري لا يتمكن من تسلمها بعد تغريبها .
٧ - عن أبي هريرة ◌َُّله: ((أن رسول الله وَل قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام، وإقامة
الحد عليه)) أخرجه البخاري، (رقم: ٦٨٣٣)، باب البكران يجلدان وينفيان.
قد أفرد أبو هريرة ربه ذكر النفي في هذا الحديث عن إقامة الحد، والعطف يقتضي
التغاير، فهذا دليل صريح في أن النفي ليس من الحد، وإنما هو تعزير.
٨ - عن ابن المسيب قال: ((غرب عمر رُبه ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى خيبر،
فلحق بهرقل، فتنصر، فقال عمر: لأ أغرب بعده مسلماً)) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه .
وإن قول عمر رَلُله: ((لا أغرب بعده مسلماً)) عام في كل مسلم، زان، أو غيره. فإن كان
التغريب حداً لم يتركه عمر ربه، فتبين أنه تعزير، والحاكم فيه مختار.
وما أحسن ما قال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن (٣: ٢٥٧).
((فرأى النبي ◌َّر في ذلك الوقت نفي البكر، لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى
ردعهم بالنفي بعد الجلد، كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنه أبلغ في الزجر،
وأحرى بقطع العادة، وأيضاً، فإن الحدود معلومة المقادير والنهايات، ولذلك سميت حدوداً لا
تجوز الزيادة عليها، ولا النقصان منها، فلم يذكر النبي وَليه للنفي مكاناً معلوماً، ولا مقداراً من
المسافة والبعد، علمنا أنه ليس بحد، وأنه موكول إلى اجتهاد الإمام كالتعزير، ولو كان حداً

٣٥٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ)).
٤٣٩١ - (٠٠٠) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
مِثْلَهُ.
لذكر النبي ◌َّ﴾ مسافة الموضع الذي ينفي إليه، كما ذكر توقيت السنة لمدة النفي)). والله سبحانه
وتعالى أعلم.
قوله: (جلد مائة والرجم) استدل به الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، وداود
الظاهري، وابن المنذر، على أن الزاني الثيب يستحق الجلد مع الرجم، فيجمع له بين الأمرين،
وهو المختار في مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وراجع المغني لابن قدامة (١٣ :
١٢٠)، وفتح الباري (١٢: ١١٩)، وشرح النووي.
والجمهور على أنه يرجم فقط. ولا يجلد لأن النبي وَّل اقتصر على الرجم في قصة ماعز.
والغامدية، والعسيف، كما سيأتي وأجاب النووي من قبل الجمهور عن حديث عبادة بأنه
منسوخ، لأن حديث عبادة ربه أول ما نزل بعد حكم سورة النساء، وإن قصص ماعز،
والغامدية. والعسيف كلها متأخرة عنه، كما سيأتي الدليل عليه في تحقيق الرجم إن شاء الله
تعالى. وبهذا أجاب الحافظ أيضاً في فتح الباري.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: يشكل على هذا الجواب ما رواه عامر الشعبي أن
علياً رظ له جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس. ورجمها يوم الجمعة، وقال: ((جلدتها بكتاب
الله، ورجمتها بسنة رسول الله وَليو)) أخرجه البخاري، والنسائي، والدارقطني كما في فتح الباري
(١٢: ١١٩)، ولو كان الجمع بين الجلد والرجم منسوخاً لما جمع علي رضي الله بينهما. والقول
بأنه لم يعلم بالنسخ بعيد جداً .
فالأصح عند هذا العبد الضعيف عفا الله عنه ما اختاره الإمام الشيخ ولي الله الدهلوي
رحمه الله في المسوى، شرح الموطأ (٢: ١٣٥)، حيث قال: ((الظاهر عندي أنه يجوز للإمام أن
يجمع بين الرجم والجلد، ويستحب له أن يقتصر على الرجم، لاقتصار النبي ◌َّ على الرجم،
كما يجوز المسافر أن يتم الصلاة في السفر، ويستحب له أن يقصر عند الشافعي، والحكمة في
ذلك أن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فأصل الزجر المطلوب حاصل به، والجلد زيادة عقوبة
رخص في تركها، فهذا هو وجه الاقتصار على الرجم عندي)).
وحاصله أن القرآن الكريم قدر للزاني مائة جلدة، سواء كان محصناً أو غيره ثم جاءت
السنة برجم المحصن زيادة على الجلد، لا نسخاً له، والأصل أن الجاني متى استوجب
عقوبتين، فإنه يجوز إدغام الأدنى في الأعلى، ولا سيما إذا كانت إحداهما تأتي على نفسه، فإنه
يجوز أن تسقط عقوبة ما دون النفس بها. وعملاً بهذا الأصل اقتصر النبي ◌ّر على الرجم في

٣٥٥
كتاب: الحدود
٤٣٩٢ - (١٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى. قَالَ
ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ حِظَّانَ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ وَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كُرِبَ
لِذْلِكَ وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهُهُ. قَالَ: فَأُنَزِلَ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ. فَلُقِيَ كَذْلِكَ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ:
((خُذُوا عَنِّي. فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً. النَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ. النَّيْبُ جَلْدُ مِائَةٍ. ثُمَّ
رَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ. وَالْبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ)».
٤٣٩٣ - (١٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي. كِلاَهُمَا عَنْ
قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: ((الْبِكْرُ يُجْلَدُ وَيُنْفَىَّ. وَالثَّيْبُ يُجْلَدُ وَيُرْجَمُ)) لاَ
يَذْكُرَانٍ : سَنَةً وَلاَ مِائَةً.
قصة ماعز، والغامدية، والعسيف ظه، لا لأنهم لم يستوجبوا الجلد. وأما علي رظُه فقد عمل
في قصة شراحة بالأصل، فجمع بين كلتا العقوبتين لرأي بدا له، والله سبحانه وتعالى أعلم.
١٣ - (٠٠٠) - قوله: (عن حطان بن عبد الله) بكسر الحاء، وتشديد الطاء، من ثقات
التابعين، كان قليل الحديث. وقال أبو عمرو الداني: كان مقرئاً، قرأ عليه الحسن البصري، كذا
في التهذيب (٢: ٣٩٦)، وذكره ابن الجزري في غاية النهاية (ص: ٢٥٣) وقال: إنه قرأ على
أبي موسى الأشعري عرضاً.
قوله: (الرقاشي) بفتح الراء، والقاف المخففة، نسبة إلى امرأة اسمها رقاش كثرت
أولادها، حتى صاروا قبيلة، وهي من قيس عيلان. كذا في الأنساب للسمعاني (٦: ١٤٩).
قوله: (كرب لذلك) بضم الكاف، وكسر الراء، على البناء للمجهول، يعني: أصابه کرب
لشدة تلك الحالة.
قوله: (وتربد له وجهه) قال النووي: ((أي: علته غبرة، والربد تغير البياض إلى السواد.
وإنما حصل له ذلك لعظم موقع الوحي. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (
المزمل، الآية: ٥].
(٥) ﴾ [سورة
قوله: (فلقي كذلك) الظاهر أنه بفتح اللام مبنياً للمعروف، والمراد أنه وَّ لقي تلك الشدة
التي كان يلقاها عند نزول الوحي. وشكله البعض في بعض النسخ بضم اللام، مبنياً للمجهول،
وهو محتمل أيضاً، والمراد حينئذ أن تلك الشدة لقيته وَ طلقة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فلما سرى عنه) يعني: كشف عنه، والتسرية تستعمل بمعنى انكشاف الغشي،
وانتهاء الشدة، وانقشاع السحب.

٣٥٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤) - باب: رجم الثيب في الزنى
٤٣٩٤ - (١٥) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِيِ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: قَالَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ:
إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّداً وَّهَ بِالْحَقِّ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ.
(٤) - باب: رجم الثيب
١٥ - (١٦٩١) - قوله: (سمع عبد الله بن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الحدود، باب رجم الحبلى في الزنا، (رقم: ٦٨٣٠)، وباب الاعتراف في الزنا، (رقم:
٦٨٢٩)، وفي المظالم، باب ما جاء في السقائف، (رقم: ٢٤٦٢)، وفي فضائل أصحاب
النبي ◌َّ*، باب مقدم النبي ◌َّر وأصحابه المدينة، (رقم: ٣٩٢٨)، وفي المغازي، باب شهود
الملائكة بدراً، (رقم: ٤٠٢١)، وفي الاعتصام، باب ما ذكر النبي ◌َّة، وحض على اتفاق أهل
العلم، (رقم: ٧٣٢٣)، ومالك في الحدود، باب ما جاء في الرجم، والترمذي في الحدود،
باب ما جاء في تحقيق الرجم، (رقم: ١٤٣١)، وأبو داود في الحدود، باب في الرجم، (رقم:
٤٤١٨)، وابن ماجه في الحدود، باب الرجم، (رقم: ٨٥٣)، والدارمي في الحدود، باب حد
المحصنين (٢: ١٧٩)، وأحمد في مسنده (١: ٢٣ و٢٩ و٣٦ و٤٠ و٤٣ و ٤٧ و٥٠ و٥٥).
قوله: (وهو جالس على منبر رسول الله وَ*) ظاهره أنه رهله خطب هذه الخطبة جالساً،
ولكنه غير مراد، وإنما المراد بالجلوس الاستقرار، قال (الأبي: ((أي: وقف مستقراً على المنبر،
لأن الأصل في الخطبة أن يكون قائماً)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد وقع ذلك صريحاً في رواية صالح بن كيسان عند
البخاري في باب رجم الحبلى من الزنا، ولفظه: ((فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون
قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال إلخ)). وهذه الرواية راجحة لكونها مفسرة، وموافقة
للأصل، فتحمل رواية الباب عليها .
قوله: (إن الله بعث محمداً (َ (*) إلخ: وقصة هذه الخطبة قد أخرجها البخاري من طريق
صالح بن كسيل مفصلة في باب رجم الحبلي من الزنا، ووقع في أولها :
((عن ابن عباس، قال. كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف،
فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلى
عبد الرحمن، فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في
فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتةً، فتمت.
فغضب عمر. ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون

٣٥٧
كتاب : الحدود
فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا. فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ وَرَجَمْنَا
أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت. يا أمير المؤمنين! لا تفعل، فإن الموسم يجمع
رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذي يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن
تقوم، فتقول مقالة يطيرها منك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل
حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه، وأشراف الناس، فتقول ما
قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله - إن شاء
الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة)).
((قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح
حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر، فجلست
حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب. فلما رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن
زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف فأنكر عَلَيَّ وقال: ما عسيت
أن يقول ما لم يقل قبله! فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما
هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي
أجلي، فمن عقلها، ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشى أن لا يعقلها فلا
أحل لأحد أن يكذب عَلَيَّ. إن الله بعث محمداً وَّر بالحق. وأنزل عليه الكتاب إلخ)).
وحاصل هذه القصة أن سيدنا عمر ظبه كان يريد أن يتكلم في أمر الخلافة، ولكن ذكر
قبل ذلك أموراً كان يخشى أن يخطئ فيها فهم بعض الناس، ومنها الرجم.
ثم كانت هذه الخطبة في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، لأن تلك السنة حج عمر نظر
آخر حجته، وقد أخرج مالك في موطئه عن سعيد بن المسيب مرسلاً: أن عمر لما صدر من
الحج دعا الله أن يقبضه إليه غير مضيع ولا مفرط، وقال في آخر القصة: ((فما انسلخ ذو الحجة
رضى عنه.
حتى قتل عمر)). فظهر أن هذه الخطبة من آخر خطبه
قوله: (فكان مما أنزل عليه آية الرجم) وقد وقعت عبارة الآية في رواية الإسماعيلي
والنسائي، والحاكم، وغيره: ((الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) وأخرجه مالك في
موطئه عن سعيد بن المسيب مرسلاً، ولفظه: ((أن عمر بن الخطاب قال: إياكم أن تهلكوا من آية
الرجم، أن يقول قائل: إنا لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله وَّل ورجمنا،
والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله تعالى لكتبتها: الشيخ
والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة، فإذا قد قرأناها)).
ولكن زيادة عبارة الآية في رواية ابن عباس غير محفوظة، قال الحافظ في الفتح (٢:
١٤٣): ((ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمداً، فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور،
عن سفيان، كرواية جعفر (يعني الفريابي عند الإسماعيلي بزيادة لفظ الآية)، ثم قال: (لا أعلم

٣٥٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أحداً ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة، غير سفيان، وينبغي أن يكون وَهِمَ في ذلك) قلت:
(القائل الحافظ) وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن
كيسان، وعقيل، وغيرهم من الحفاظ عن الزهري، فلم يذكروها)».
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: المشهور فيما بين الناس أن آية الرجم نسخت تلاوتها
وبقي حكمها، ولكن الذي يظهر بعد تتبع الروايات في هذا الباب أنها لم تكن قرآنا قط، وإنما
كانت آية من آيات التوراة أو أحد كتب بني إسرائيل، ولما أقر الله تعالى حكمها لهذه الأمة أطلق
عليها لفظ النزول مجازاً، وليس المراد أنها نزلت كآية للقرآن، وإنما المراد أنه نزل الحكم بإقرار
حکمھا .
أما كونها آية من آيات التوراة فيدل عليه ما أخرجه ابن جرير في تفسير المائدة (٦: ١٥١)
عن جابر بن زيد من قصة رجم اليهود، أن النبي ◌َّر أخبر بأن أعلم اليهود عبد الله بن صوريا
الأعور، فدعاه، فقال: ((أنت أعلمهم بالتوراة؟ قال: كذلك تزعم يهود، فقال له النبي وَلير:
أنشدك بالله، وبالتوراة التي أنزلها على موسى يوم طور سيناء، ما تجد في التوراة في الزانيين؟
فقال: يا أبا القاسم! يرجمون الدنية. ويحملون الشريف على بعير، ويحممون وجهه، ويجعلون
وجهه من قبل ذنب البعير، ويرجمون الدني إذا زنى بالشريفة، ويفعلون بها هي ذلك، فقال له
النبي ◌َّم: ((أنشدك بالله وبالتوراة التي أنزلها على موسى يوم طور سيناء، ما تجدون في التوراة)»؟
فجعل يروغ والنبي وَّرِ ينشده الله، وبالتوراة التي أنزلها على موسى يوم طور سيناء، حتى قال:
يا أبا القاسم! الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، فقال رسول الله وؤلير: فهو ذاك إلخ)).
فهذه الرواية صريحة في أن هذه الآية قرأها عبد الله بن صوريا اليهودي كآية من التوراة،
وصدقه النبي ◌َّر على ذلك، وأقر حكمها. ولئن كانت هذه العبارة غير موجودة في التوراة التي
توجد اليوم، فإن ذلك لا يكذب رواية ابن جرير هذه، أما أولاً، فلأن تحريف اليهود في كتبهم
غني عن كل بيان، وأما ثانياً، فلأن التوراة على كل واحدة منها، فيحتمل أن تكون هذه العبارة
في كتاب آخر غير التوراة، أطلق عليه لفظ التوراة توسعاً على عادة العرب.
وأما كون هذه الآية لم تكن من القرآن، فتدل على ذلك دلائل :
١ - أخرج الطبراني عن العجماء، قالت: سمعت رسول الله والله يقول: ((الشيخ والشيخة
إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة)) ذكره الحافظ في التلخيص (٤: ٥١)، والإصابة
(٤: ٣٥٢) وسكت عليه، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٦: ٢٦٥)، وقال: ((رجاله رجال
الصحيح غير أنه وقع في النسخة المطبوعة ببيروت من مجمع الزوائد: ((فاجلدوهما)» مكان
((فارجموهما)) والظاهر أنه خطأ من أحد النساخ. فذكرت العجماء يتا هذه العبارة كقول
للنبي وَّر، لا كآية من القرآن.

٣٥٩
كتاب: الحدود
٢ - أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٨: ٢١١) عن ابن أخي كثير بن الصلت، قال: (كنا
عند مروان وفينا زيد بن ثابت، قال زيد: كنا نقرأ: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة،
قال: فقال مروان: أفلا نجعله في المصحف؟ قال: لا، ألا ترى الشابين الثيبين يرجمان، قال:
وقال: ذكروا ذلك وفينا عمر بن الخطاب به، قال: أنا أشفيكم من ذاك، قال: قلنا: كيف؟
قال: آتي النبي ◌َ، فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر الرجم أقول: يا رسول الله أَكتبني آية الرجم،
قال: فأتيته، فذكرته، قال: فذكر آية الرجم، قال: فقال يا رسول الله! أكتبني آية الرجم، قال:
لا أستطيع ذلك)).
٣ - أخرج الحاكم في المستدرك (٤: ٣٦٠) عن كثير بن الصلت، قال: ((كان ابن العاص
وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف، فمرا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله وَ له يقول:
(«الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة))، فقال عمرو: لما نزلت أتيت النبي ◌ّقول، فقلت:
أكتبها، فكأنه كره ذلك. فقال له عمرو: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى وقد أحصن جلد ورجم،
وإذا لم يحصن جلد، وأن الثيب إذا زنى وقد أحصن رجم)) صححه الحاكم وأقره الذهبي.
وإن هاتين الروايتين تدلان على أن النبي ولو لم يأذن بكتابة هذه العبارة كجزء من القرآن
منذ أول يوم، ولا كتبت هذه الآية في المصاحف قط.
ثم بين سيدنا زيد بن ثابت في رواية البيهقي، وعمرو بن العاص ظُله في رواية الحاكم أن
وجه عدم كتابته كون ظاهره غير مراد، (فإن الشيخ إذا كان بكراً لا يرجم، والشاب إذا كان محصناً
يرجم)، ولكن هذا الوجه غير كاف لعدم كتابته في المصحف لو كان جزء من القرآن، لأن كثيراً
من الآيات القرآنية مصروفة عن ظاهرها، ولكنها مكتوبة في المصاحف، فالظاهر أن هذه العبارة
كانت من التوراة، ولما أقر حكمها في شريعتنا عبر عنه بعضهم بالنزول، وأراد بعض الصحابة أن
يكتبوها في المصحف تفسيراً لآية النور، لا كقرآن، فكره ذلك رسول الله ولم خشية التباس القرآن
بما ليس منه، ولأن ظاهره غير مراد، فربما يتوهم منه أن أمر الرجم يدور على الشيخوخة، دون
الإحصان، فذكر زيد ابن ثابت وعمرو بن العاص ◌ّ هذا الوجه الثاني فحسب.
وأما قول سيدنا عمر رضيبه في رواية الموطأ: ((لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب
في كتاب الله تعالى لكتبتها)) فليس مراده أن يكتبها في المصحف كجزء من القرآن، وإنما مراده
أن يكتبها ممتازة عن القرآن كتفسير له، ويدل على ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده (١ : ٢٣)
((لولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب الله عز وجل ما ليس منه، لكتبته في ناحية من
المصحف))(١).
(١) في إسناده على زيد بن جدعان، وهو متكلم فيه، ضعفه غير واحد، ولكنه من رجال مسلم والأربعة، =

٣٦٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بَعْدَهُ. فَأَخْشَى، إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
فاتضح أن الذي هم به سيدنا عمر ربه، إنما هو كتابة هذه العبارة في ناحية من المصحف
كحاشيته، لا أن يزيدها في متن القرآن، وثابت أن بعض الصحابة ﴿يّ كاتبوا في حواشي
مصاحفهم عبارات تفسيرية للقرآن، فلم يكن همه ربه زيادة على ذلك، ثم لم يعمل بهذا الهم
أيضاً، خشية التباسها بالقرآن، أو خشية أن يتهم بالزيادة فيه. ولا يدل ذلك على أنه حظه كان
يزعمها جزءاً من القرآن الكريم.
هذا ما ظهر لي في هذا الباب بعد تتبع الروايات، ولا أبرئ نفسي من الخطأ، والعلم عند
الله الحكيم الخبير .
قوله: (ما نجد الرجم في كتاب الله) يعني صريحاً، وإلا فقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن
الرجم هو المراد بآيات سورة المائدة: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِمُونَكَ وَعِندَهُ التَّوْرَنَةُ فِيَهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَّلَّوْنَ
﴿ إِنَّ أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ
مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِلْمُؤْمِنِينَ
أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِن كِنَبِ الَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءً فَلَا تَخْشَوا
النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِثَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ﴾ [سورة المائدة، الآية:
٣٤ و ٤٤].
وسيأتي عند المصنف أن هذه الآيات نزلت في قصة رجم اليهوديين، وتفصيل هذه القصة
ما أخرجه الحميدي في مسنده (٢: ٥٤١ و٥٤٢، رقم: ١٢٩٤)، ونصه:
((عن جابر بن عبد الله، قال زنا رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى أناس من اليهود
بالمدينة أن سلوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه
عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: أرسلوا إليَّ أعلم رجلين فيكم، فجاؤوا برجل أعور، يقال له: ابن
صوريا، وآخر، فقال لهما النبي ◌َّار: ((أنتما أعلم من قبلكما؟)) فقالا: قد نحانا قومنا لذلك،
فقال النبي ◌ّير: ((أَليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟)) قالا: بلى، فقال النبي ◌َّر: ((فأنشدكم
بالذي فلق البحر لبني إسرائيل. وظلل عليكم الغمام وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن
والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة من شأن الرجم؟ « فقال أحدهما للآخر: ما
نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والقبل زنية، فإذا شهد أربعة
وأخرج عنه البخاري في الأدب المفرد، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث وقال الترمذي: صدوق
=
إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره، وقال الساجي: كان من أهل الصدق، ويحتمل لرواية الجلة عنه،
وليس يجري مجرى من أجمع على ثبته، كذا في تهذيب التهذيب ٧/ ٣٢٣ و٣٢٤. وأكثر ما نقموا عليه
تشيعه، والظاهر من تشيعه أنه لا يبرىء سيدنا عمر رضي الله عنه بتغير لفظ من كلامه، والله سبحانه أعلم،
وباقي رجال هذا الحدیث ثقات مشهورون.