النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَسُمِرَ أَعْيُنُهُمْ. ثُمَّ نُبِذُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى مَاتُوا. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ فِي رِوَايَتِهِ: وَاظَّرَدُوا النَّعَمَ. وَقَالَ: وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ. ٤٣٣١ - (١١) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، مَوْلَى أَبِي قِلاَبَةَ. قَالَ: قَالَ أَبُو قِلاَّبَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لهِ قَوْمٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ. فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ. فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِلِقَاحِ. وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا. بِمَعْنَى حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ. قَالَ: وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ وَأَلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ. ١١ - (٠٠٠) - قوله: (يستسقون، فلا يسقون) وقال أنس في رواية ثابت عند البخاري في الطب: ((فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه، حتى يموت))، ولأبي عوانة من هذا الوجه: (بعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة)) ذكره الحافظ في الفتح (١: ٣٤٠). واستشكله العلماء بإجماع المسلمين على أن من وجب عليه القتل لا يمنع الماء، لئلا يجتمع له عذابان، وأجابوا عنه بوجوه: ١ - قال القاضي عياض رحمه الله: ((ليس في الحديث أنه (*) أمر بذلك)) كذا في شرح الأبي (٤: ٤١١) واعترض عليه الحافظان العيني والعسقلاني رحمهما الله بأنه وس فراطلع بذلك، وسكوته كاف في ثبوت الحكم، راجع عمدة القاري (١: ٩٢١)، وفتح الباري (١ : ٣٤١). ٢ - قال النووي رحمه الله: ((قد ذكر في هذا الحديث الصحيح أنهم قتلوا السرعاة، وارتدوا عن الإسلام، وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقي الماء، ولا غيره وقد قال أصحابنا لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش، ويتيمم، ولو كان ذمياً أو بهيمة وجب سقيه، ولم يجز الوضوء به حينئذ)). ٣ - قال المنذري في تلخيص أبي داود (٦: ٢٠٤): ((وتركُ سَفْي النبي ◌َّ لهم الماء عقوبة لمَّا جَازَوا سَقْيَ النبي ◌َّر اللبن بالردة والحرابة، أراد أن يعاقبهم على كفر هذا السقي بالإعطاش. وروي عن سعيد بن المسيب - وذكر هذا الحديث - فزعم أن رسول الله بص له قال: عطش الله من عطش آل محمد الليلة، فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته وَار)). وحديث سعيد بن المسيب أخرجه النسائي (٢: ١٦٧)، وفيه: ((واستاقوا اللقاح. فزعموا أن رسول الله وَ﴿ قال: اللهم عَطِّشْ مَنْ عَّشَ آلَ محمد الليلة))، ووجه ذلك أن لبن تلك اللقاح كان يراح به إلى رسول الله وَ*، كل ليلة وطِبْ من لبن، كما أخرجه الواقدي في مغازيه (٢ : ٥٧١)، فلما استاقوا اللقاح لم يأت لبنها إلى بيت النبي ول﴾، وقد بلغه ارتدادهم، وقتلهم الراعي، واستياقهم اللقاح، فدعا عليهم بالعطش. ٢٨٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٣٣٢ - (١٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَادُ بْنُ مُعَاذ. ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ. حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، مَوْلَى أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ. قَالَ: كُنْتُ جَالِساً خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَقَالَ لِلنَّاسِ: مَا تَقُولُونَ فِي الْقَسَامَةِ؟ فَقَالَ عَنْبَسَةُ: قَدْ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ كَذَا وَكَذَا. ٤ - ورَدَّ العلامة الأبي رحمه الله في شرحه (٤: ٤١١) هذه الأجوبة كلها بأن كفرهم نعمة رسول الله ير وتعطيشهم آل النبي ونَ﴾ ذنب عقوبته الأدب، فغايته أنه ترتب عليهم ذنب مع قتل، والمذهب أنه إذا اجتمع مع القتل غيره أنه يقتل فقط، لأن القتل يأتي على غيره. ثم مال الأبي رحمه الله إلى أنه ◌ّي فعل بهم ذلك قصاصاً، لأنهم لم يسقوا راعي رسول الله وَل، حتى مات عطشاً . وأولى هذه الوجوه عندي ما ذكره الأبي رحمه الله، وأنه مخصوص بالعرنيين لما فعلوا براعي رسول الله وَية، والقصاص بالمثل كان جائزاً حينئذ، ولذلك سَمَّر أعينهم، مع ما ورد بعد ذلك من النهي عن المثلة، فليحمل ترك سقيهم على القصاص بالمثل أيضاً، وقد نسخ بعد، كما سيأتي في الباب التالي إن شاء الله، والله سبحانه أعلم. ١٢ - (٠٠٠) - قوله: (ما تقولون في القسامة؟) يعني: هل العمل بالقسامة مشروع أو لا؟ ويحتمل أن يكون أراد: هل يجب بها القصاص أو لا؟ قوله: (فقال عنبسة: قد حدثنا أنس بن مالك) عنبسة هذا: هو ابن سعيد الأموي، أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتل أخاه عمرو بن سعيد يكرمه، وله رواية وأخبار مع الحجاج بن يوسف، ووثقه ابن معين وغيره. كذا في فتح الباري (١٢ : ٢٤١). وإن هذا الحديث قد اختصره الإمام مسلم رحمه الله ههنا اختصاراً ربما يخل بالفهم، وأخرجه البخاري بتمامه من طريق الحجاج الصواف في باب القسامة من كتاب الديات، فنورده بلفظه، ليتبين الأمر على وجهه: قال البخاري: ((حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج ابن أبي عثمان، حدثني أبو رجاء - من آل أبي قلابة -، حدثني أبو قلابة: أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوماً للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين! عندك رؤوس الأجناد وأشراف العرب، أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه، ولم يروه؟ قال: لا، قلت: فوالله ما قتل رسول الله ◌َر أحداً قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه، فقتل، أو ٢٨٣ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات فَقُلْتُ: إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌِّ. قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ بَّرِ قَوْمٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ وَحَجَّاجِ. قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ، قَالَ عَنْبَسَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! قَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: فَقُلْتُ: أَتَثَّهِمُنِّ يَا عَنْبَسَةُ؟ قَالَ: لاَ. هُكَذَا حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ. لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ، يَا أَهْلَ الشَّام! مَا دَامَ فِيكمْ هُذَا أَوْ مِثْلُ هُذَا . رجل زنا بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام. فقال القوم: أو ليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله وَّلقول قطع في السرق، وسمر الأعين، ثم نبذهم في الشمس؟ فقلت: أنا أحدثكم حديث أنس ... )). ((حدثني أنس: أن نفراً من عكل ثمانية قدموا على رسول الله وير، فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض، فسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله وَل و. قال: أفلا تخرجون مع راعينا في إبله، فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا: بلى، فخرجوا، فشربوا من ألبانها وأبوالها، فصحوا فقتلوا راعي رسول الله وَّر، واطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله وَلٍّ، فأرسل في آثارهم، فَأَذْرِكوا، فجيء بهم، فأمر بهم، فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسَمَّر أعينهم، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا. قلت: وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا، وسرقوا)). وحاصل ذلك أن أبا قلابة أنكر أن توجب القسامة القود، واستدل بأن النبي وَّ لم يقتل أحداً إلا بأحد الأمور الثلاثة، فاعترض عليه عنبسة بأنه ظلّا قتل العرنيين بأمر رابع، وهو السرقة، زعما منه بأن قتل العرنيين إنما وقع لسرقتهم، فأجابه أبو قلابة بسرد حديث أنس، وذكر أن العرنيين لم يقتلوا لمحض السرقة، وإنما قتلوا لارتدادهم، وقتلهم راعي رسول الله وَّر، فقتلهم داخل في الأمور الثلاثة. قوله: (قال عنبسة: سبحان الله) وفى رواية البخاري المذكورة: ((والله إن سمعت كاليوم قط)) وإنما أراد بذلك الثناء على أبي قلابة، ولكن زعم أبو قلابة أنه يتهمه في هذا الحديث. قوله: (أتتهمني يا عنبسة؟) وفي رواية البخاري: ((أترد عليَّ حديثي يا عنبسة؟)) كأنه فهم من قوله: (سبحانه الله) أنه یرد علیه حديثه. قوله: (قال: لا، هكذا حدثنا أنس) إلخ: وفي رواية البخاري: ((قال: لا، ولكن جئت بالحديث على وجهه)) والمراد أني لا أتهمك، وإنما حدثني أنس بعين ما حدثت به، ولكني نسيت أن سبب قتل العرنيين لم يكن السرقة فقط. وإنما كان الارتداد، والقتل. ثم قال الحافظ في فتح الباري (١٢: ٢٤٣): ((لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاثة لرد القود بالقسامة، مع أن القود قتل نفس بنفس، وهو أحد الثلاثة، وإنما وقع النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك)). ٢٨٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٣٣٣ - (٠٠٠) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي شُعَيْبِ الْحَرَّانِيُّ. حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ (وَهُوَ ابْنُ بُكَيْرِ الْحَرَّانِيُّ). أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ ثَمَانِيَةُ نَّفَرٍ مِنْ عُكْلٍ. بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: وَلَمْ يَحْسِمُهُمْ. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لعل وجه استدلال أبي قلابة أن قتل النفس لا يثبت إلا بشهادة متكاملة. فلا يلزم أهل القسامة ما يلزمهم إلا لتقصيرهم في النصرة. وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل، لا لأنه ثبت عليهم جريمة القتل، فلو ألزمناهم القود لقتلوا بمجرد تقصيرهم في النصرة وحفظ الموضع، مع أن النبي ◌ّ لم يبح قتل المرء إلا بالأمور الثلاثة، وليس فيها التقصير في النصرة، والله سبحانه أعلم. (٠٠٠) - قوله: (حدثنا الحسن ابن أبي شعيب) هو: الحسن بن أحمد بن عبد اللّه ابن أبي شعيب، سكن بغداد، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يغرب، ووثقه الخطيب، والبزار وغيره، وقال موسى بن هارون: مات (سنة: ٢٥٠هـ) بِسُرُّ مَنْ رَأَى، وقال السرَّاج: مات بالعسكر (سنة: ٢٥٢هـ). كذا في التهذيب (٢: ٢٥٤). قوله: (الحراني) بفتح الحاء، وتشديد الراء، نسبة إلى حران، مدينة بالجزيرة كان بها ومنها جماعة من الفضلاء والعلماء في كل فن، وهي من ديار ربيعة، ولها تاريخ عمله أبو عروبة الحراني، سميت حران بهاران بن تارح، وهو أبو لوط النبي ظلّلا، وهي أول مدينة بنيت بعد بابل. كذا في الأنساب للسمعاني (٤: ١٠٧). قوله: (حدثنا مسكين) هو ابن بكير الحراني، أبو عبد الرحمن الحذاء، قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لا بأس به، ولكن في حديثه خطأ، وقال ابن معين: لا بأس به. وكذا قال أبو حاتم. وزاد: كان صالح الحديث، يحفظ الحديث، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: مات (سنة: ١٩٨ هـ)، ولكن قال أبو أحمد الحاكم: له مناكير كثيرة، كذا في التهذيب (١٠: ١٢١). قوله: (ولم يحسمهم) قال المنذري في تلخيصه لأبي داود (٦: ٢٠٣): الحسم كي العرق بالنار، لينقطع الدم. قيل: لم يحسمهم النبي ◌َّر، لأن قتلهم كان واجباً بالردة، فلا يحسم من تطلب نفسه، فإن حسم نفسه لم يمنع، وأما من وجب عليه قطع يد، فالعلماء مجمعون على أنه لا بد من حسمها، لأنه أقرب إلى البرء، وأبعد من التلف)). واستدل به القاضي عياض رحمه الله على أن المأخوذ في الحرابة لا يحسم، غير أنه إن حسم نفسه لا يمنع، وذلك مبني على مذهب المالكية من أن الإمام له الخيار في القتل أو القطع، ولكن تعقبه الأبي في شرحه (٤: ٤١٢)، بأن القطع قسيم للقتل عند المالكية أيضاً، فإذا ٢٨٥ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والدیات ٤٣٣٤ - (١٣) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهُ نَفَرٌ مِنْ عُرَيْنَةَ. فَأَسْلَمُوا وَبَايَّعُوهُ. وَقَدْ وَقَعَ بِالْمَدِينَةِ الْمُومُ (وَهُوَ الْبِرْسَامُ). ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ. وَزَاد: وَعِنْدَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ. فَأَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِمْ. وَبَعَثَ مَعَهُمْ قَائِفاً يَقْتَصُّ أَثَرَهُمْ . اختار الإمام القطع، دون القتل، صار كقطع السارق، فينبغي أن يحسم، لئلا يؤدي إلى الهلاك، فإنه غير مقصود. ثم اختار الأبي: أن النبي ◌َّه إنما ترك حسمهم قصاصاً، لما فعوا براعي رسول الله ◌َ، والله أعلم. ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا زهير) هو زهير بن معاوية الجعفي، الثقة المشهور، قال شعيب بن حرب: كان زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة، وقال معاذ بن معاذ: والله ما كان سفيان بأثبت من زهير، وقال أحمد: زهير فيما روى عن المشايخ ثبت بخ بخ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بآخرة، كذا في التهذيب (٣: ٣٥٢). قوله: (وقع بالمدينة الموم) بضم الميم، وسكون الواو، وفسره الراوي بالبرسام، بكسر الباء، وهو سرياني معرب، أطلق على اختلال العقل، وعلى ورم الرأس، والصدر، والمراد هنا الأخير، فعند أبي عوانة من رواية هما، عن قتادة، عن أنس في هذه القصة: فعظمت بطونهم. كذا في فتح الباري (١: ٣٣٨). وقال الأبي رحمه الله في إكمال إكمال المعلم (٤: ٤١٢): ((والبرسام لغة يونانية معناها ورم الصدر، وهي مركبة من كلمتين: (بر) و(سام) و(البر) في لغتهم اسم للصدر، و(سام) اسم للورم، ومن لغتهم في تركيب الإضافة تقديم المضاف إليه ... وكذلك (شرسام)، فإن (شر) للرأس، كأنه يقول: كأنه يقول: رأس ورم)). قوله: (وبعث معهم قائفاً) قال الحافظ: ((ولم أقف على اسم هذا القائف، ولا على اسم واحد من العشرين، لكن في مغازي الواقدي: أن السرية كانت عشرين رجلاً ولم يقل؛ من الأنصار، بل سمى جماعة من المهاجرين (وقد سردنا أسماءهم في شرح الرواية الأولى من هذا الباب) ... والواقدي لا يحتج به إذا انفرد، فكيف إذا خالف؟ لكن يحتمل أن يكون من لم يسمه الواقدي من الأنصار، فأطلق الأنصار تغليباً، أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الأعم ... وروى الطبري وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي رظ ◌ُله أن النبي وَّل بعثه في آثارهم، لكن إسناده ضعيف، والمعروف أن جريراً تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة، والله أعلم) كذا في فتح الباري (١: ٣٤٠). ٢٨٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٣٣٥ - (٠٠٠) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ. عَنْ أَنَسٍ. وَفِي حَدِيثٍ هَمَّامٍ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ بَّهُ رَهْظُ مِنْ عُرَيْنَةَ. وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ: مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ . ٤٣٣٦ - (١٤) وحدّثني الْفَضْلُ بْنُ سْلِ الأَعْرَجُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ وَّرِ أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لأَنَّهُمْ سَمَلُواْ أَعْيُنَ الرِّعَاءِ. (٣) - باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات، وقتل الرجل بالمرأة ٤٣٣٧ - (١٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ (٠٠٠) - قوله: (حدثنا همام) هو: همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي (بفتح العين، وسكون الواو) وثقه أكثر المحدثين، وفضله ابن معين على أبي عوانة في قتادة، ولكن قال ابن سعد: كان ثقة ربما غلط في الحديث، وكان يحيى بن سعيد لا يعبأ به. أخرج عنه الجماعة، وحديثه بآخرة أصح ممن سمع منه قديماً، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل، مات (سنة: ٦٤ هـ، أو سنة ٦٣هـ) وراجع التهذيب (١١: ٦٧ إلى ٧٠). (٣) - باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر إلخ ١٥ - (١٦٧٢) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الديات، باب من أقاد بالحجر، (رقم: ٦٨٧٩)، وباب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود، (رقم: ٦٨٧٦)، وباب إذا قتل بحجر أو عصا، (رقم: ٦٨٧٧)، وباب إذا أقر بالقتل مرة قتل به، (رقم: ٦٨٨٤)، وباب قتل الرجل بالمرأة، (رقم: ٦٨٨٥)، وفي الخصومات، باب الإشخاص والخصومة بني المسلم واليهودي، (رقم: ٢٤١٣)، وفي الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور، (رقم: ٥٢٩٥)، وفي الوصايا، باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت، (رقم: ٢٧٤٦)، وأخرجه أبو داود في الديات، باب يقاد من القاتل، وباب القود بغير حديد، (رقم: ٤٥٢٧ و٤٥٢٨ و٤٥٢٩ و٣٥٣٥)، والترمذي في الديات، باب ما جاء فيمن رضخ رأسه بصخرة، (رقم: ١٣٩٤)، والنسائي في القسامة، باب القود من الرجل للمرأة، وابن ماجه في الديات، باب يقتاد من القاتل كما قتل، (رقم: ٢٦٦٥). ٢٨٧ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحِ لَهَا. فَقَتَلَهَا بِحَجَرٍ. قَالَ: فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ. وَبِهَا رَمَقٌ. فَقَالَ لَهَا: ((أَقَتَلَكِ فُلاَّنٌ؟)) فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؛ أَنْ لاَ. ثُمَّ قَالَ لَهَا الثَّانِيَةَ. فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا؛ أَنْ لاَ. ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِئَةَ. فَقَالَتْ: نَعَمْ. وَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا. قوله: (على أوضاح) جمع وضح، بفتحتين، وهو نوع من حلي الفضة، سمي به لبياضه، كذا في مجمع البحار. قوله: (قتلها بحجر) قال الحافظ في الفتح (١٢: ١٩٨): ((ولم أقف على اسمها، لكن في بعض طرقه أنها من الأنصار. ولا تنافي بين قوله: (رض رأسها بين حجرين)، وبين قوله: (رماها بحجر)، وبين قوله (رضخ رأسها)، لأنه يجمع بينها بأنه رماها بحجر، فأصاب رأسها، فسقطت على حجر آخر)). قوله: (وبها رمق) الرمق: بقية الحياة والروح، قاله النووي. قوله: (أقتلكِ فلان؟) حاصله أن النبي ◌َّ ر عد بين يديها أسماء عدة أشخاص ممن يحتمل كونهم قاتلاً لها، فأشارت في الجميع بالنفي، حتى سمى اليهودي، فأشارت بالإثبات. وقال المهلب: ((فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدل على أهل الجنايات، ثم يتلطف بهم، حتى يقروا، ليؤخذوا بإقرارهم)) كذا في الفتح. قوله: (فأشارت برأسها) إلخ: فيه أن الإشارة معتبرة إذا كانت مفهومة. قوله: (فقالت: نعم) قال الحافظ: ((ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح، واستدل بهذا الحديث، ولا دلالة فيه، بل هو قول باطل، لأن اليهودي اعترف، كما وقع التصريح به في بعض طرقه (قلت: وسيأتي في الرواية الثالثة من هذا الباب عند المصنف)، ونازعه بعض المالكية، فقال: لم يقل مالك، ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح، وإنما قالوا: إن قول المحتضر عند موته: فلان قتلني، لوث يوجب القسامة، فيقسم اثنان فصاعداً من عصبته بشرط الذكورية، وقد وافق بعض المالكية الجمهور)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: المُحَقَقْ في مذهب المالكية أن القتل لا يثبت بمجرد دعوى المقتول قبل موته، ولكن يعتبر ذلك لوثاً موجباً للقسامة إذا كان به أثر جرح، فإن أقسم الأولياء بعد ذلك بأن القاتل هو نفس الرجل الذي ادعى عليه المقتول، اقتص منه في العمد، ويسمون ذلك تدمية حمراء، قال الصاوي: ((رأى علماؤنا أن الشخص عند موته لا يتجاسر على الكذب في سفك دم غيره، كيف وهو الوقت الذي يحق فيه الندم، ويقلع فيه الظالم، ومدار الأحكام على غلبة الظن، وأيدوا ذلك بالقسامة وهي أيمان مغلظة احتياطاً في الدماء، ولأن الغالب على القاتل إخفاء القتل عن البينات، فاقتضى الاستحسان ذلك)) راجع حاشيته على شرح الدردير (٤: ٤٠٨). ٢٨٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. وقال العيني في عمدة القاري (١١: ١٩٤): ((قال أبو مسعود: لا أعلم أحداً قال في هذا الحديث: (حتى اعترف)، ولا (حتى أقر) إلا همام بن يحيى، وقال غيره: هذه اللفظة إنما جاءت من رواية قتادة، ولم ينقلها غيره، وهي مما عُدَّ عليه. قلت: ثبتت هذه اللفظة في الصحيحين، فيرد به ما قيل مما ذكرنا، ويرد به أيضاً سؤال من قال: كيف قتل النبي وَّر اليهودي بلا بينة، ولا اعتراف؟ وأجيب عن هذا أيضاً بأن هذا كان في ابتداء الإسلام وكان يقتل القاتل بقول القتيل، وقيل: يمكن أنه قتله لا ببينة، ولا اعتراف، بل بسبب آخر موجب لقتله. وقيل: كان ◌َّ عَلِمَه بالوحي، فلذلك قتله)). قلت: همام وقتادة كلاهما ثقتان، فزيادتهما مقبولة، فلا حاجة إلى الأجوبة الأخرى، والله أعلم. قوله: (فقتله رسول الله ( 9 بين حجرين) فيه دليل على أن الرجل يقتل بالمرأة، وانعقد عليه الإجماع. ثم ههنا مسألتان: الأولى: هل القتل بالمثقل عمد يوجب القصاص، أو لا؟ والثاني: هل يجوز استيفاء القصاص بشيء غير السيف. وفي كلتيهما خلاف الفقهاء، نبينه إن شاء الله تعالى. ١ - مسألة القتل بالمثقل: يشترط أبو حنيفة رحمه الله تعالى في كون القتل عمداً موجباً للقصاص أن يكون بمحدد، كالسيف، والسكين، والسنان، وما في معناه. وأما القتل بغير المحدد، كالحجر والعصا، وإن كانا كبيرين، فليس بعمد موجب للقصاص عنده، وإنما هو شبه العمد، وتجب به الدية. وهو قول الحسن، والشعبي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس أيضاً فيما ذكره ابن قدامة. وقال الأئمة الثلاثة، وأبو يوسف ومحمد، رحمهم الله: إذا كانت آلة القتل مما يغلب على الظن زهوق الروح به عند استعماله فهو عمد موجب للقصاص أيضاً، سواء كانت الآلة غير محددة، كالحجر الكبير، والعصا الكبير. وهو قول النخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، وإسحاق، رحمهم الله، كما في المغني لابن قداسة، مع الشرح الكبير (٩: ٣٢٢ و٣٢٣). استدل الأئمة الثلاثة والجمهور بحديث الباب، فإنه صريح في أن اليهودي قتل الجارية بحجر، وأقادها النبي ټژ منه. واستدلوا أيضاً بحديث أبي هريرة له في الصحيحين، ((ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما يودي، وإما أن يقاد»، وليس فيه تفريق القتل بالمحدد من القتل لغيره. واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله بما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عبد اللّه ٢٨٩ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات ٠. بن عمرو: أن النبي 98َّ قال ((ألا: إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها)) وروى عبد الله بن عمر في خطبة فتح مكة أنه عالَلا قال: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط أو العصا مائة من الإبل)) أخرجه الثلاثة المذكورون، وأحمد، والشافعي، وإسحاق في مسانيدهم، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما. ووجه التمسك به أنه لو لم يفصل بين الصغير والكبير كذا في البناية للعيني (١٠: ١٣). واستدل الإمام أبو حنيفة رحمه الله أيضاً بما أخرجه ابن ماجه (رقم: ٢٦٦٨) في الديات من طريق إبراهيم بن المستمر: ثنا الحر بن مالك العنبري، ثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((لا قود إلا بالسيف)). وذكر الزيلعي في نصب الراية ٤: ٣٤١ عن البزار أنه قال: ((لا نعلم أحداً أسنده بأحسن من هذا الإسناد، ولا نعلم أحداً قال: عن أبي بكرة إلا الحر بن مالك، وكان لا بأس به، وأحسبه أخطأ في هذا الحديث، لأن الناس يروون عن الحسن مرسلاً))(١). ولكن رد عليه الزيلعي بأن الحر بن مالك تابعه الوليد بن صالح عند الدارقطني (٣: ١٠٦، رقم: ٨٢) من الحدود والبيهقي في سنته (٨: ٦٣). وأعله البيهقي بمبارك بن فضالة، ولكنه لم يضعفه مطلقاً إلا النسائي والبيهقي، فكان يحيى القطان يحسن الثناء عليه، وكذلك أثنى عليه يحيى بن معين، وأبو حاتم)) وعفان وغيرهم، وكان أبو حاتم يفضله على الربيع بن صبيح، وقال الذهبي: ((كان من علماء الحديث بالبصرة، روى عنه وكيع، وعفان، وشيبان، وخلق)) ثم نقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: ((ما روي عن الحسن فيحتج به))، وعن المبارك نفسه أنه قال: ((جالست الحسن ثلاث عشرة سنة)) وقال ابن عدي: ((عامة أحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة)) ولكن إنما نقموا عليه التدليس، وراجع ميزان الاعتدال (٣: ٤٣١، و٤٣٢) فحديثه عن الحسن متحمل إن شاء الله تعالی . ثم لا خلاف لأحد أن هذا الحديث ثابت مرسلاً عن الحسن، كما أخرجه الدار قطني (٣ : ١٠٦)، والمرسل حجة عند الجمهور. وأخرج ابن ماجه. والبزار، والدارقطني، والبيهقي هذا اللفظ من رواية النعمان بن بشير أيضاً عن النبي و ﴿ أنه قال: ((لاقود إلا بالسيف))، ولكن أعله الجميع بجابر بن يزيد الجعفي، (١) ولينتبه أن الهيثمي لم يذكر هذا الحديث عن البزار، لا في مجمع الزائد، ولا في كشف الاستار، وإنما ذكر حديث النعمان بن بشير. ثم نقل قول البزار: ((لا نعلمه يروى إلا عن النعمان، ولا رواه عنه إلا أبو عازب، ولا عنه إلا جابر)) راجع كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي ٢: ٢٠٥، ولعل الزيلعي كانت عنده نسخة أخرى من مسند البزار، فنقل عنها، والله أعلم. ٢٩٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ولكنه لم يتفرد به لما أخرجه الدارقطني (٣: ١٠٦) من طريق موسى بن داود، عن الحسن: ((قال: قال رسول الله وَ لو: ((لا قود إلا بالسيف))، قال يونس قلت للحسن: عمن أخذت هذا؟ قال: سمعت النعمان بن بشير يذكر ذلك)). فتبين بهذه الرواية أمور: الأول: أن جابر بن يزيد الجعفي لم يتفرد برواية هذا الحديث، وإنما رواه مبارك عن الحسن أيضاً، والثاني: أن مبارك بن فضالة لم يتفرد بروايته عن الحسن، بل رواه عنه يونس أيضاً، والثالث: أن الحسن البصري سمعه عن النعمان بن بشير وَله. فيمكن أن يكون الحسن البصري سمعه من أبي بكرة، والنعمان بن بشير جميعاً، فربما ذكر: ((عن أبي بكرة)) كما في رواية الحر بن مالك، والوليد بن صالح، وربما ذكر: ((عن النعمان بن بشير)) كما في رواية يونس، وأبي عازب، وتارةً أرسله، كما في رواية موسى بن داود، عن المبارك. ومعلوم أن من عادة كثير من التابعين أنهم إذا سمعوا حديثاً من غير واحد من الصحابة أرسلوه، ولم يذكروا اسم من سمعوا منه، فالذي يظهر أن الحسن البصري رحمه الله أرسل الحديث من هذا الوجه، والله أعلم. ثم إن هذا اللفظ مروي في عدة أحاديث غير حديث النعمان بن بشير، وأبي بكرة، فرواه الدارقطني في سننه (٣: ٨٧، رقم: ٢٠) من الحدود، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله مليون : ((لا قود إلا بالسيف)) وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك. ثم أخرج الدارقطني عن علي، قال: قال رسول الله وَ﴾: ((لا قود إلا بحديدة، ولا قود في النفس وغيرها إلا بحديدة)) وأعله الدارقطني بمعلى بن هلال، ثم أخرج عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله وسلم قال: ((لا قود إلا بسلاح)) وفيه أيضاً أبو معاذ سليمان بن أرقم، وهو متروك. ثم أخرج الدارقطني (٣: ١٠٧، رقم: ٨٩) عن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَّر، قال: ((القود بالسيف، والخطأ على العاقلة)) وفيه جابر الجعفي. فتبين أن الحديث له شواهد من حديث أبي هريرة، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، يه. وإن أسانيدها وإن كانت ضعيفة بانفرادها، ولكن بعضها يقوي بعضاً، وإنها تصلح مؤيدة لحديث أبي بكرة، والنعمان بن بشير، رأيًا. ثم قد وردت في هذا المعنى آثار متعددة: فمنها ما أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث (٢: ٨٩) من طريق أبيه، عن محمد بن أبي غسان النهدي، عن ابن أبي غنية، عن جويبر، عن الضحاك، عن علي نظبه(١)، قال: ((لا قود (١) أما ابن قتيبة فمحدث مشهور، وثقه الخطيب في تاريخ بغداد ١٧٠/١٠ والذهبي في الميزان ٥٠٣/٢، وأما أبوه فمسلم بن قتيبة لم أجد من ترجمه، ولكن ابن قتيبة يكثر عنه في كتبه . ٢٩١ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات إلا بالأسل)) وفسره ابن قتيبة بأن الأسل ههنا كل ما أرَقَّ من الحديد، وأرهف، كالسنان، والسيف، والسكين. ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٩: ٣٥٤) عن إبراهيم النخعي في الرجل يقتل الرجل بالحصى، أو يمثل به، قال: ((إنما القود بالسيف، لم يكن من أمرهم المثلة)). ومنها ما أخرجه عن الشعبي. قال: ((لا قود إلا بحديدة)) (رقم: ٧٧٧٤). وأخرج مثله عن الحسن (رقم : ٧٧٧٦). وظاهر أن مثل ذلك لا يقال عن رأي، ولذلك فهذه الآثار مؤيدة للأحاديث المرفوعة التي قدمناها. فلما تحقق ثبوت الحديث فيفسره أبو حنيفة رحمه الله بأن القصاص لا يجب على القاتل إلا إذا قتل بالحديدة، أو ما في معناه، وأما إذا قتل بالعصا الكبير، أو بمثقل آخر، فليس ذلك بعمد موجب للقتل. ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه الدارقطني وأحمد (٤: ٢٧٢) من حديث النعمان بن بشير، رواية سفيان؛ عن جابر الجعفي، بلفظ: ((كل شيء خطأ إلا السيف، وفي كل خطأ أرش)) وفي رواية زهير وقيس عن جابر: ((كل شيء سوى الحديدة فهو خطأ، وفي كل خطأ أرش)). ويؤيده أيضاً ما ذكره علي المتقي في كنز العمال (٧: ٢٨٤، رقم: ٣١٣٢) عن النعمان مرفوعاً: ((لا عمد إلا بالسيف)) ورمز له بمسند أحمد، ولم أجده في مسندات النعمان بن بشير من النسخة المطبوعة، ولكن نقل صاحب الكنز مما يوثق به، فإن ثبت هذا الحديث كان نصاً في صحة تفسير أبي حنيفة رحمه الله. تنبيه في تحقيق مذهب أبي حنيفة رحمه الله: ثم إن أبا حنيفة رحمه الله إنما لا يوجب القصاص بالقتل بغير المحدد إذا لم يثبت أن القاتل قصد إزهاق الروح. وأما إذا ثبت أنه قصد القتل وإزهاق الروح فإن ذلك عمد موجب للقصاص عنده أيضاً. وهذا مما غفل عنه كثير ممن يعترض على الإمام أبي حنيفة رحمه الله في هذا الباب، مع أن ذلك موجود صريحاً في كتب الحنفية. فقد جاء في رد المختار لابن عابدين (٥ : ٤٦٨) من طبع استانبول، (تحت شبه العمد) ما نصه: ((وفي المعراج عن المجتبى: يشترط عند أبي حنيفة، أي: في شبه العمد أن يقصد التأديب، دون الإتلاف)) وقال العيني رحمه الله في البناية (١٠: ١٢): ((وقال صاحب المجتبى: يشترط عند أبي حنيفة أن يقصد التأديب، دون الإتلاف))، وقال الرافعي في التحرير المختار (٢: ٣٢٢): ((يوافقه ما قاله الزيلعي: وإنما سمي هذا النوع شبه عمد لأن فيه قصد الفعل، لا القتل، فكان عمداً باعتبار نفس الفعل، وخطأ باعتبار القتل. ا. هـ، ويوافقه ما ذكره أيضاً في الاستدلال لمذهب الإمام رحمه الله، وعلى هذا إذا أقر بقصد قتله بما ذكر يقتص منه عنده)) . ٢٩٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقال شيخنا العلامة العثماني التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١٨: ٨٢): ((مما ينبغي أن يعلم أن القتل هو إزهاق الروح بالقصد، ولا دخل فيه لخصوص الآلة، إلا أن القصد أمر مبطن لا يعلم إلا من جهة الدليل، فإن كان الدليل هو إقرار القاتل، بأن أقر بأنه قتله بالقصد، فلا خلاف في أن هذا القتل موجب للقود، بأي آلة كانت، لما علمت أنه لا دخل لخصوص الآلة في وجوب القود، وإنما الموجب له القتل عمداً وإن لم يكن الدليل هو الإقرار؛ بأن أنكر قصد القتل فإن كان الآلة ما لا يقتصد به إلا القتل عادة، كالسلاح وما يجري مجراه كالنار، فهو قتل عمداً موجب للقصاص بلا خلاف أيضاً، وإن كان الآلة بما يقصد به القتل تارة، والتأديب أخرى، كالعصا الكبير، والحجر الكبير، ونحوهما، فقال: أبو يوسف ومحمد: إنه قتل عمداً لأن الآلة من آلات القتل، كالسلاح، فلا يصدق في إنكاره القتل. وقال أبو حنيفة: نعم، هو من آلات القتل، إلا أنه يستعمل في غير القتل أيضاً، بخلاف السلاح، فإنه لا يستعمل إلا في القتل عادة، فليس ههنا ما يكذب دعواه ظاهراً كما كان في السلاح، فيصدق قوله، ولا يجب القصاص لعدم ثبوت التعمد للقتل. نعم إن أقر بأنه قتله قصداً يجب القصاص)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: مقتضى هذا أنه لو ثبت على الرجل القتل بالمثقل بالبينة، ثم شهد شاهدان على أنه أقر بقصد القتل، والرجل ينكر عند القاضي نفس القتل ينبغي أن يجب عليه القصاص عند أبي حنيفة أيضاً، لأنه كما يجوز أن يثبت نفس القتل بالبينة، كذلك يجوز أن يثبت تعمده القتل بالبيئة، فلا ينبغي أن يقيد اعتبار قصد القتل بإقرار التعمد عند القاضي، بل إن ثبت ذلك الإقرار عند القاضي ببينة عادلة، ينبغي أن يكون كافياً لإثبات أن ما فعله القاتل عمد موجب للقصاص، والله سبحانه أعلم. الجواب عن حديث الباب: وأما حديث الباب، فقد أجاب عنه المنتصرون لمذهب أبي حنيفة رحمه الله بوجوه: الأول: أن النبي ◌َّ﴿ إنما قتل اليهودي تعزيراً، وسياسة، لا قصاصاً، ولذلك لم يذكر في شيء من الروايات أنه سَلَّمَ اليهودي إلى أولياء الجارية، أو سألهم هل يعفون، أو يصالحون، أو يقتادون؟ والثاني: أنه لو ثبت كونه قصاصاً، فإنه منسوخ بما ذكرنا من الأحاديث الدالة على أنه لا قود إلا بالسيف. ولكن النسخ لا يثبت إلا بعلم التاريخ، وهو غير معلوم، فهذا الوجه ضعيف عندي . والثالث: ما اختاره شيخنا العثماني رحمه الله في إعلاء السنن (١٨: ٨٦)، وهو عندي أحسن الوجوه، أن قتل اليهودي كان عمداً، لأنه تعمد بقتل الجارية لأخذ حليها خفية. وقد ٢٩٣ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات ذكرنا قريباً أنه لو ثبت أن القاتل قصد الإتلاف فإن فعله عمد، سواء كانت الآلة مثقلة غير محددة. فيمكن أن يكون اليهودي أقر بقصد القتل، وحينئذ لا يسقط القصاص بمجرد كونه الآلة غير محددة، والله أعلم. العمل في عصرنا الحاضر: ثم قد صرح الفقهاء الحنفية أن المحدد يدخل فيه عند أبي حنيفة كل ما كان من الحديد، سواء كان يقطع كالسيف، أو يبضع كمطرقة الحداد، وسواء كان الغالب منه الهلاك أو لا، ولا يشترط الحرج في الحديد في ظاهر الرواية، لأنه وضع للقتل، قال تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأَسُ شَدِيدٌ﴾ [سورة الحديد، الآية: ٢٥]، وكذا يدخل فيه كل ما يشبه الحديد كالصفر، والرصاص، والذهب، والفضة، سواء كان يبضع، أو يرض، حتى لو قتل بالمثقل منها يجب عليه القصاص، كما إذا ضربه بعمود من صفر، أو رصاص، وروى الطحاوي عن الإمام اعتبار الجرح في الحد ونحوه. وصححه الصدر الشهيد، ورجحه فى الهداية وغيرها . وعلى كُلِّ، فالقتل ببندقية الرصاص عمد عند أبي حنيفة رحمه الله. لأنها من جنس الحديد، وتجرح فيقتص به عنده، ولكنها إذا لم تجرح لا يقتص به على رواية الطحاوي كذا أفاده العلامة ابن عابدين رحمه الله في رد المحتار (٥: ٤٦٦) في أوائل كتاب، الجنايات. وينبغي أن يدخل فيها القنابل أيضاً، فإنها لا يقصد بها التأديب لا شيء آخر غير القتل. هذا هو تحقيق مذهب أبي حنيفة رحمه الله في هذا الباب. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أن العمل بمذهب الصاحبين والجمهور أولى في زماننا الذي كثر فيه القتل، وشاع فيه التعدي على المعصومين من قبل المفسدين، واخترعت من أجل ذلك أساليب جديدة لا تحتاج إلى استعمال الحديد. وقد ذكرنا قول شيخنا العثماني التهانوي رحمه الله في تحقيق مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله أن القتل هو إزهاق الروح بالقصد، ولا دخل فيه لخصوص الآلة، وإنما اعتبرنا الآلة حيث لم يعلم القصد وهذا أمر معقول، ولكن لا يلائمه ما حكيناً عن ابن عابدين رحمه الله أن الحديد موجب للقود. ولو لم يغلب منه الهلاك، وغير الحديد لا يوجب القصاص، ولو كان الغالب منه الهلاك. وأما حديث: ((لا قود، إلا بالسيف)) فلم يقيد القصاص بخصوص السيف، وإنما عداه الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى كل سلاح، وحديد، حتى إلى المطرقة، ثم إلى الصفر، والرصاص. بل إلى الذهب والفضة، ولو لم يغلب منه الهلاك، ولو كان مثقلاً. فلو عداه أبو يوسف ومحمد والجمهور إلى كل ما يغلب منه الهلاك، لم يكن ذلك مخلفاً لنص الحديث، وإنما هو اختلاف أنظار في تنقيح مناط الحديث فذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أن المناط كون السيف من الحديد، وذهب الجمهور إلى أن المناط كون الغالب منه الهلاك وكلا المذهبين ٢٩٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مما يحتمله الحديث، فلو عملنا في مثل هذا الأمر الاجتهادي برأي الجمهور، دفعاً لغلبة المتمردين والمفسدين، وصونا للمعصومين عن اعتداء الظلمة الطغاة، كان أحرى بمقاصد الشريعة، ومصالح العباد. وقد صرحوا بأن سقي السم موجب للقصاص خلافاً لظاهر الرواية. وعملوا بهذه الرواية نظراً إلى فساد الزمان، قال الرافعي: ((والعمل على هذه الرواية في زماننا، لأنه سَاعٍ في الأرض بالفساد، فيقتل دفعاً لشره)) راجع التحرير المختار (٢: ٣٢٣) فصل فيما يجب الّقود إلخ، ولا شك أن زماننا أكثر فساداً، فالعمل بقول الجمهور أولى، إن شاء الله تعالى، والله سبحانه أعلم. ٢ - مسألة قصاص النفس بمثل لفعل القاتل: والمسألة الثانية في حديث الباب، هي مسألة طريق استيفاء القصاص. فاستدل بحديث الباب من قال: إن القاتل يقتل بمثل الفعل الذي قَتَل به المقتول، فمن قَتَل الآخر بحجر قُتِلَ بحجر مثله، ومن أَغْرَق إنساناً في الماء، أُغْرِق في الماء، ومن قَتَله بعصاً كبير، قُتِلَ بعصاً كبير مثله، وهذا مذهب الشافعية والمالكية، غير أنهم يقولون: إن القاتل إذا قتل بفعل هو معصية بنفسه، لا يقتل بمثل ذلك الفعل، مثل أن يقتل إنساناً بالسحر، أو بتجريع الخمر، أو بالزنا، أو اللواط، فلا يقتل بمثل فعله، وإنما يعدل إلى السيف، وقيل: من قتل إنساناً باللواط يدخل في دبره خشبة حتى يموت، ومن جرع إنساناً خمراً حتى مات يجرع الماء حتى يموت، كذا في المغني لابن قدامة (٩: ٣٩٠ و٣٩١). وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يستوفى القصاص إلا بالسيف، سواء قتله القاتل بالسيف، أو طريق غيره، وبه قال أحمد في رواية، وهو قول عطاء، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله، كما في الشرح الكبير، لشمس الدين ابن قدامة (٩: ٤٠٠). استدل الشافعية والمالكية بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٍ﴾ [سورة النحل، الآية: ١٢٦]، وقوله تعالى: ﴿أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَىُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٩٤]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَفِئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى، الآية: ٤٠]. واستدلوا أيضاً بحديث الباب، فإن النبي ◌َّ﴿ لم يقتل اليهودي بالسيف، وإنما قتله بالحجر، كما قتل هو الجارية. واستدل الحنفية بنفس الآيات التي استدل بها الشافعية والمالكية. وذلك لأنها تحرم الزيادة على القدر الذي تعدى به المتعدي، ولا يسهل التحرز عنها في الاستيفاء بمثل فعله، وإنما يمكن المماثلة في نفس القتل، لا في خصوص طريقه، لأن من الرجال من يموت بضربة من الحجر، ومنهم من لا يموت بضربات منه، فلو قتل القاتل بضربة، ولم يمت بضربة عند القصاص، يحتاج إلى أكثر من ضربة واحدة، وهي زيادة على فعل القاتل، فلم يكن مثل ما اعتدى عليه. ٢٩٥ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات وقال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن (٣: ٢٣٩): ((من قتل رجلاً برضخ رأسه بالحجر، أو نصبه غرضاً فرماه حتى قتله. أنه يقتل بالسيف، إذ لا يمكن المعاقبة بمثل ما فعله، لأنا لا نحيط علماً بمقدار الضرب، وعدده: ومقدار ألمه، وقد يمكننا المعاقبة بمثله في باب إتلاف نفسه قتلاً بالسيف، فوجب استعمال حكم الآية فيه من هذا الوجه)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويمكن أن يستدل لمذهب أبي حنيفة رحمه الله أيضاً بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٥] فإنه يدل على أن المماثلة في قصاص النفس إنما تكون بإزهاق النفس، لا بخصوص طريق الإزهاق، فلا يلتفت إلى الطريق ما دامت الجناية اعتداء على النفس. وأما قوله تعالى: ﴿وَاُلْجُرُوحَ قِصَاصٌُ﴾ [سورة المائدة، الآية: ٤٥] فإنه فيما كانت الجناية دون النفس، والله أعلم. واستدل الطحاوي والعيني رحمهما الله لأبي حنيفة بحديث: ((لا قود إلا بالسيف))، وقد مر تحقيق إسناده في المسألة الأولى. ولكن يرد عليه أن تفسيره الذي سبق في تلك المسألة مانع من الاستدلال به في هذه المسألة، لأننا قد فسرناه هناك بأن القود لا يجب إلا إذا وقع القتل بالسيف، ومن استدل به في هذه المسألة فسره بأن القود لا يستوفى إلا بالسيف، ومن قواعد الحنفية أن المقتضى لا عموم له، ثم الباء في قوله عليهلا: ((إلا بالسيف)) سببية على التفسير الأولى، وإنها للاستعانة في التفسير الثاني، ومن قواعد الحنفية أنه لا يجوز عموم المشترك، فكيف يصح الاستدلال به في كلتا المسألتين؟ فمن الحنفية من قصر الاستدلال بهذا الحديث على المسألة الأولى فحسب، واستدل في هذه المسألة بالآية على ما ذكرنا، ومنهم من استدل به في المسألتين، وأجاب عن الإيراد المذكور بأن هذا الحديث مروي عن عدة صحابة مما يدل بظاهره على أن النبي ◌ُّر تكلم به في مناسبات مختلفة، فيحتمل أن يكون تكلم به على المعنى الأول مرة، وعلى المعنى الثاني أخرى، فلما تكلم به على المعنى الأول أضاف إليه قوله: ((لكل شيء خطأ إلا السيف))؛ كما في رواية الدارقطني، وأحمد، أو غيره إلى قوله: ((لا عمد إلا بالسيف)) كما ذكرنا عن كنز العمال، ولما تكلم به على المعنى الثاني لم يقل إلا قوله: ((لا قود إلا بالسيف)» وإليه يظهر جنوح شيخنا العثماني التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١٨: ٩٢) باب الرجل يقتل رجلاً كيف يقتل. وأما حديث الباب، فقد أجاب عنه الطحاوي بأنه منسوخ، لأن النبي ◌ّ نهى عن المثلة وصبر البهائم، ولكن هذا الجواب ضعيف، لأن النهي عن المثلة إنما وقع إذا لم يكن المثلة على وجه شرعي، فإن قطع اليد مثلة، ولكنه لما كان واجباً في الشرع حداً للسرقة، وقصاصاً لقطع إليه، لم يشمله النهي. فالصواب أن يقال: إن الحديث إنما يدل على واقعة جزئية لا على أصل كلي، وإنها ليست ٢٩٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٣٣٨ - (٠٠٠) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إِذْرِيسَ: فَرَضَخَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ . ٤٣٣٩ - (١٦) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا. ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ. وَرَضِّخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ. فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَله. بنص على أن الرضخ بين حجرين كان على وجه القصاص، لأنه يحتمل أن يكون نفس القتل على وجه القصاص، واختيار الرضخ على القتل بالسيف كان للتعزير، والسياسة، ليكون أبلغ في ردع الناس عن مثل هذا الفعل، كذا في إعلاء السنن. وذكر العيني في البناية (١٠: ٣٢) أن اليهودي كان مشهوراً بذلك، فأمر النبي ◌ِّر برض رأسه سياسة لكونه ساعياً في الأرض بالفساد. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويستنبط منه أنه إذا وجب القصاص على رجل بطريق شرعي، وكان ذلك الرجل معروفاً بجرائم عديدة، واختار الأولياء استيفاء القصاص، فيجوز للحاكم أن يغلظ في طريق قتله تعزيراً، وسياسة، ليكون نكالاً لمن بين يديه ولمن خلفه، وفي غير هذه الصورة لا يستوفى القصاص إلا بالسيف، والله أعلم. ما يدخل في حكم السيف لاستيفاء القصاص: قال الحصكفي رحمه الله في الدر المختار (٥: ٤٨٤) تحت قول التنوير: لا يقاد إلا بالسيف ما نصه: ((وفي الدرر عن الكافي: المراد بالسيف السلاح. قلت: وبه صرح في حج المضمرات، حيث قال: والتخصيص باسم العدد لا يمنع إلحاق غيره به، ألا ترى أنا ألحقنا الرمح والخنجر بالسيف في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا قود إلا بالسيف)). وهل تعتبر بندقة الرصاص سلاحاً في هذا الباب؟ لم أجده صريحاً في كتب القوم، ولكن ذكر الطحطاوي رحمه الله في حاشيته على الدر المختار (٤: ٢٥٧) أن السلاح: ((ما يقاتل به في الحرب، ويدافع)) وذكر عن المغرب للمطرزي (ص: ٢٣١) ((السلاح ما يعد للحرب من آلة الحديد، والسيف وحده يسمى سلاحاً)) ولا شك أن هذا التعريف صادق على بندقة الرصاص، وقد صرح كل من الطحاوي وابن عابدين رحمهما الله تعالى بأن بندقة الرصاص في معنى السيف والسلاح في وقوع القتل بها عمداً على قول أبي حنيفة رحمه الله، فليكن في معناه أيضاً في استيفاء القصاص بها، ولا سيما إن كان مدار المسألتين على نص واحد، وهو قوله تعظلّا: ((لا قود إلا بالسيف))، ولكن ينبغي أن يقيد تعريف السلاح اليوم بما يقصد به قتل الواحد، فأما ما يقصد به قتل جماعة دفعة واحدة، كالقنابل، فالظاهر أنها لا يقتاد بها، والله سبحانه أعلم. ١٦ - (٠٠٠) - قوله: (في القليب) بفتح القاف، وكسر اللام، بئر لم تطو، كذا في مجمع ٢٩٧ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ. حَتَّى يَمُوتَ. فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ. ٤٣٤٠ - (٠٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٣٤١ - (١٧) وحدّثنا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنٍ. فَسَأَلُوهَا: مَنْ صَنَعَ هُذَا بِكِ؟ فُلاَنٌ؟ فُلاَنٌ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا. فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا. فَأُخِذَ الْيَهُودِيُّ فَأَقَرَّ. فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. البحار. وأضاف إليه بعضهم أنها البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها رب ولا حافر، تكون في البراري، يذكر ويؤنث، وجمعه أقلبة، وقال ابن شميل: إن القليب اسم من أسماء الركي، مطوية، أو غير مطوية، ذات ماء أو غير ذات ماء. كذا في تاج العروس للزبيدي (١: ٤٣٨). قوله: (فأمر به أن يرجم) ليس المراد بالرجم ههنا الرجم المعروف للزاني المحصن، وإنما المراد رضخ رأسه بالحجارة، كما فسرته الروايات الأخرى. ١٧ - (٠٠٠) - قوله: (أن يرض رأسه) الرض، والرضخ: الدق، والكسر، كذا في مجمع البحار. استطراد في قصة أبي حنيفة مع أبي عمرو ابن العلاء: ذكر ابن خلكان في ترجمة الإمام أبي حنيفة من وفيات الأعيان (٢: ١٦٥) أن أبا عمرو ابن العلاء المقرىء النحوي سأل الإمام أبا حنيفة عن القتل بالمثقل: هل يوجب القود أو لا؟ فقال: لا، كما هو مذهبه، فقال له أبو عمرو: ولو قتله بحجر المنجنيق؟ فقال: ولو قتله بأبا قبيس. ومن ثم عابوا عليه بقلة العربية، وأنه نصب (أبا قبيس) في محل الجر. ثم أجاب عنه ابن خلكان بأنه قال ذلك على مذهب من يعرب الأسماء الستة بالألف في جميع الأحوال الثلاثة، وهو مذهب بعض الكوفيين، والإمام من أهل الكوفة، واستشهد له بقول الشاعر: فإن أباها، وأيا أباها قد بلغا في المجد غايتاها قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن إعراب الأسماء الستة بالألف في الأحوال كلها، كاسم المقصور، لغة بني الحارث، كما ذكره ابن يعيش في شرح المفصل (١: ٥٣)، واستشهد بهذا الشعر، وهو من رجز أبي النجم، كما ذكره الجوهري، وأنشد قبله: هي المنى لو أننا نلناها واها لريا، ثم واها، واها بثمن نرضي به أباها ياليت عيناهــالـنـا وفاها قد بلغا في المجد غايتاها إن أباها، وأبا أباها ٢٩٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (شرح شواهد الألفية للعيني، بهامش خزانة الأدب للبغدادي ١ : ١٣٣). هذا الشعر قد ذكره أيضاً ابن هشام في مغني اللبيب (١: ٢٢)، في بحث ((حاشا))، وبمثله وجه قول الشاعر: حـاشـا أبـا ثــوبان؛ إن به ضنا على الملحاة، والشتم وإن وجه إعراب هذه الأسماء بالألف في الأحوال كلها مروي عن سيبويه نفسه، فيقول الرضى في شرح الكافية (١: ٢٧): ((فعن سيبويه أن هذه الأسماء ليست معربة بالحروف، بل بحركات مقدرة على الحروف، فإعرابها كإعراب المقصور))، وقال الصيمري (وهو من نحاة القرن الرابع) في التبصرة والتذكرة (١: ٨٥): ((واعلم أن الواو، والألف، والياء التي تغير هذه الأسماء بهن، لسن إعراباً، وإنما الإعراب مقدر في هذه الحروف، لأن الإعراب إنما يحل في الكلمة بعد تمامها، وهذه الحروف من تمام هذه الأسماء، فالإعراب يجب أن يكون بعدها مقدراً)). فكأن الذي أبقى ألف هذه الأسماء في الأحوال كلها جعل ألفها من تمام الكلمة، وجعل إعرابها مقدراً فيها كإعراب اسم المقصور. ثم إن أبا حنيفة رحمه الله لم يعرف عنه مخالفة جمهور النحاة إلا في هذه القصة، وإن الرجل الفصيح إذا ثبت عنه شيء انفرد به، حمل على اختلاف اللغة، دون أن يعاب عليه ذلك، فما بالك إذا لم ينفرد به، بل شاركه فيه غيره، وينبغي أن يحفظ ما قاله ابن جني في الخصائص (١ : ٣٨٥) : «فإن كان الإنسان فصيحاً في جميع ما عدا ذلك القدر الذي انفرد به، وكان مما أورده مما يقبله القياس، إلا أنه لم يرد به استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان، فإن الأولى في ذلك أن يحسن الظن به، ولا يحمل على فساده)). ((فإن قيل: فمن أين ذلك له؟ وليس مسوغاً أن يرتجل لغة لنفسه؟ قيل: قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عهدها، وعفا رسمها، وتأبدت معالمها ... قال عمر بن الخطاب ظُله: كان الشعر علم القوم، ولم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام، فتشاغلت عنه العرب بالجهاد، وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم كثيره)) ثم ذكر ابن جني عن أبي عمرو ابن العلاء أنه قال: ((ما انتهى ٢٩٩ كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات (٤) - باب: الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، إذا دفعه المصول عليه فأتلف نفسه أو عضوه، لا ضمان عليه ٤٣٤٢ - ١/١٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةً أَوِ ابْنُ أُمَيَّةَ رَجُلاً . إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير)). وإنما أوردت عبارة ابن جني هذه بتمامها لئلا يغفلها طلاب العلم، ولا سيما عند دراسة أقوال الفصحاء التي تبدو مخالفة لسائر النحاة وأهل اللغة، والله أعلم. (٤) - باب: الصائل على نفس الإنسان إلخ ١٨ - (١٦٧٣) - قوله: (عن زرارة) بضم الزاي المعجمة، وهو ابن أوفى العامري الحرشي بفتح الحاء والراء كان من كبار التابعين ببصرة، ولي قضاءها، روى عنه الجماعة، ووثقه النسائي وابن حبان، وكان من العباد، قال أبو حبان القصاب: صلى بنا زرارة الفجر ولما بلغ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّقُورِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَّ عَسِيرٌ﴾ [سورة المدثر، الآية: ٨ و٩] شهق شهقة، فمات، وذلك (سنة: ٩٣ هـ). وراجع التهذيب (٣: ٣٢٢ و٣٢٣). قوله: (عن عمران بن حصين) بضم الحاء مصغراً، وهذا الحديث أخرجه البخاري في الديات، باب إذا عض رجلاً فوقعت ثناياه، (رقم: ٦٨٩٢)، وعلقه في الحج، باب إذا أحرم جاهلاً وعليه قميص، (رقم: ١٨٤٨)، والنسائي في القسامة، باب القود من العضة، والترمذي في الديات، باب ما جاء في القصاص، (رقم: ١٤١٦)، وابن ماجه في الديات، باب من عض رجلاً فنزع يده فنذر ثناياه، (رقم: ٢٦٥٧). قوله: (قاتل يعلى بن منية، أو ابن أمية) هو يعلى بن أمية التميمي الحنظلي، حليف قريش، اسم أبيه أمية بن أبي عبيدة، و(منية) أمه، وقيل: جدته، وبه جزم الدارقطني، وبأنها جدة زبير بن العوام ربه أيضاً، فربما نسب يعلى إلى أبيه، وربما نسب إلى أمه أو جدته، وهو من الصحابة، قد شهد حنيناً، والطائف، وتبوك، واستعمله أبو بكر ربه على حلوان في الردة، ثم عمل لعمر على بعض اليمن، فحمى لنفسه حمى، فعزله، ثم عمل لعثمان على صنعاء اليمن، وكان مع عائشة في وقعة الجمل، ومع علي في الصفين، ويقال: إنه قتل بالصفين، ورده الحافظ برواية عند النسائي تدل على أنه عاش إلى سنة سبع وأربعين، وراجع الإصابة (٤: ٦٣٠) وستأتي قصة هذا الحديث بروايته. قوله: (رجلاً) وهو أجير يعلى بن أمية، كما سيأتي في روايته، وهذا صريح في أن يعلى بن أمية هو الذي قاتل أجيره. ٣٠٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فَمِهِ. قوله: (فعض أحدهما صاحبه) ومراده أن يعلى بن أمية عض أجيره، وإنما أبهم يعلى تسمية العاض احتشاماً من نسبة العض إلى نفسه، ولذلك قال الحافظ في الفتح (١٢: ٢٢٣): ((وفيه أن من وقع له أمر يأنفه، أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنى عن نفسه، بأن يقول: فعل رجل، أو إنسان، أو نحو ذلك كذا وكذا)). هذا هو الصحيح في تسمية العاض، وزعم القرطبي وعياض رحمهما الله أن العاض غير يعلى واستدلا بما سيأتي في رواية عطاء، عن صفوان بن يعلى: ((أن أجيراً ليعلى بن منية عض رجل ذراعه)) فإنه يتبادر منه أن الرجل العاض غير يعلى بن منية، ورجح القرطبي هذا الاحتمال لجلالة يعلى وفضله، واستبعد أن يقع ذلك منه، وتبعه النووي، فقال: ((الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى، لا يعلى، ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتین)). ولكن تعقبهم زين الدين العراقي رحمه الله في شرح الترمذي، كما حكى عنه البدر العيني في العمدة (١١: ٢٠٧) والحافظ في الفتح (١٢: ٢٢٠)، فقال: ((ليس في رواية مسلم، ولا رواية غيره في الكتب الستة، ولا غيرها أن يعلى هو المعضوض، لا صريحاً، ولا إشارة ... فيتعين على هذا أن يعلى هو العاض)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لو تأملنا في مجموع روايات هذه القصة تبين لنا صحة ما قاله العراقي رحمه الله، فقد صرح عمران بن حصين في رواية الباب أن يعلى بن أمية أحد المقاتلين، وصرح في رواية صفوان بن يعلى الآتية أن أجير يعلى هو المعضوض. فتلخص من الروايتين أن يعلى هو العاض. ثم وقع في رواية مجاهد عن يعلى عند النسائي في سننه (٢ : ٢٤٣): ((إن رجلاً من بني تميم قاتل رجلاً فعض يده)) ويعلى بن أمية تميمي، ولم يثبت كون الأجير تميمياً. ووقع في رواية محمد بن مسلم عن صفوان عند النسائي أيضاً: ((أن أباه غزا مع رسول الله وَ﴿ في غزوة تبوك فاستأجر أجيراً، فقاتل رجلاً، فعض الرجل ذراعه)) وهذا صريح في أن العاض خصم الأجير، وهو يعلى، وكذلك أخرج أحمد في مسنده ٤: ٢٢٣ من طريق صفوان بن عبد الله، عن عميه يعلى وسلمة ابني أمية: ((خرجنا مع رسول الله وَّر في غزوة تبوك معنا صاحب لنا، فاقتتل هو ورجل من المسلمين، فعض ذلك الرجل بذراعه)) وهو أصرح في كون خصم الأجير هو العاض، وقد ثبت في غير ما رواية أن خصم الأجير هو يعلى بن أمية نفسه . وأما استبعاد القرطبي أن يقع ذلك من يعلى مع جلالته، فلا معنى له مع ثبوت التصريح به في الخبر الصحيح، وقال الحافظ: ((فيحتمل أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه، فلا استبعاد)». وأما ما ذكره النووي رحمه الله من تعدد القصة، فلا يخفى بعده، لأن الحديث واحد، والسياق واحد، والله سبحانه أعلم.