النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
٠٠
هذا كله إذا اقترنت دعوى الأولياء بلوث، فإن لم يكن هناك لوث لم يحلف الأولياء،
وإنما يحلف المدعى عليه خمسين يميناً، بأنه لم يقتله، فإذا حلف برئت ذمته، ولم يجب للأولياء
شيء. وإن نكل ردت الأيمان إلى الأولياء، فإن حلفوا استحقوا الدية على الوجه المذكور في
اللوث، (فكأن نكول المدعى عليه يصير لوثاً، فتجري عليه أحكام اللوث)، وإن نكلوا برئت ذمة
المدعى عليه، ولم يجب للأولياء شيء.
هذه خلاصة ملتقطة من نهاية المحتاج للرملي (٧: ٣٦٧ إلى ٣٧٣)، وحاشية البجيرمي
على إقناع الخطيب (٤: ١٣٣ إلى ١٣٧)، ومغني المحتاج للشربيني (٤: ١٠٩ إلى ١١٧)،
والسراج الوهاج على متن المنهاج، للغمراوي، (ص: ٥١١ إلى ٥١٣).
ومما ينبغي التنبه له أنه قد ذكر في كثير من كتب الحنفية، كالهداية، ورد المحتار، وبذل
المجهود، وغيرها أن مذهب الشافعي عند عدم اللوث موافق لمذهب الحنفية، وقد رأيت أنه
خطأ ظاهر، فإن لم أجد في كتب الشافعية إيجاب الدية بعد أيمان المدعى عليهم، ولو عند عدم
اللوث، وما ذكرت في مذهبهم مبني على كتبهم المعتبرة، فليكن التعويل عليه.
وأما مذهب المالكية والحنابلة، فيتفق مع مذهب الشافعي رحمه الله في تصوير القسامة إلا
في أمور:
الأول: إذا حلف أولياء المقتول في صورة اللوث فالواجب على المدعى عليه القصاص
في دعوى العمد عند المالكية والحنابلة، في حين أن الشافعي رحمه الله في قوله الجديد المختار
عند الشافعية لا يوجب بها القصاص، وإنما يوجب الدية.
الثاني: المختار عند الحنابلة أن المدعى عليه يحلف عند نكول الأولياء خمسين يميناً في
اللوث، ويميناً واحداً عند عدم اللوث، كما في المغني لابن قدامة (١٠: ٦)، مع أن المختار
عند الشافعية أنهم يحلفون خمسين يميناً، سواء كان هناك لوث أو لا. ويظهر أن مذهب المالكية
موافق للحنابلة في هذا، لأنهم لا قسامة عندهم عند عدم اللوث، كما صرح به مالك في
الموطأ، وهو الظاهر من كلام الحطاب والمواق، راجع مواهب الجليل (٦: ٢٦٩).
والثالث: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين، فالأيمان ترد عند الشافعية إلى المدعي مرة
ثانية، ولا ترد عند المالكية والحنابلة، بل يقول المالكية: إنه يحبس حتى يحلف، أو يقر، أو
يموت، كما في شرح الدردير مع الصاوي (٤: ٤٢١)، ويقول الحنابلة: لا يحبس، بل تجب
الدية على بيت المال في رواية، وعلى المدعى عليه في رواية أخرى صححها ابن قدامة في
المغني (١٠ : ٢٢).
ثم هناك خلاف بين هؤلاء الأئمة الحجازيين في تعيين ما يعتبر لوثاً، وما لا يعتبر، وفي
٢٤٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الجزئيات والتفاصيل الأخرى، غير أن خلافهم في تصوير القسامة ينحصر في الأمور الثلاثة التي
ذكرنا .
وتبين من هذا أنه وإن كان بين الأئمة الأربعة خلاف شديد في جزئيات القسامة وتفاصيلها
ولكن الخلاف الأساسي بين هؤلاء إنما يرجع إلى ثلاثة أمور:
الأول: في صحة دعوى القسامة: فقال الأئمة الحجازيون: لا تسمع الدعوى حتى تكون
على رجل معين، أو رجال معينين، وقال أبو حنيفة: تسمع، وإن كانت على رجال غير معينين
من أهل المحلة .
الثاني: في تحليف الأولياء، فالأيمان تعرض أولاً على أولياء المقتول عند الأئمة الثلاثة
الحجازيين، فإن نكلوا ردت على المدعى عليه. وأما عند الحنفية فلا تعرض الأيمان على أولياء
المقتول، وإنما تعرض على المدعى عليهم.
والثالث: في موجب القسامة، فموجب القسامة عند الحنفية والشافعية دية، وعند المالكية
والحنابلة قصاص في دعوى العمد.
فلنتكلم على دلائل الفريقين في هذه المسائل الثلاثة فحسب، فإنها مسائل أساسية في باب
القيامة. لها صلة قوية بحديث الباب، والله الموفق.
مسألة صحة دعوى القسامة على غير معين:
قد رأيت فيما سبق أن الأئمة الثلاثة الحجازيين يشترطون لصحة الدعوى في القسامة أن
تكون على رجل معين، أو رجال معينين، فيقول ولي القتيل: قتله فلان عمداً أو خطأ، أو شبه
عمد، فإن قال: قتله رجل من أهل هذه المحلة بغير تعيين، لا تسمع دعواه، ولا تجري فيها
القسامة، واستدل عليه ابن قدامة في المغني (١٠: ٥) بأنها دعوى في حق، فلا تسمع على غير
معین، کسائر الدعاوى.
وقال الحنفية: لا يشترط ذلك في دعوى القسامة، فإن وجد رجل قتيلاً في محلة، واتهم
الأولياء أهل تلك المحلة بدون تعيين منهم للقاتل، سمعت دعواهم، وجرت فيها القسامة،
واستدلوا بحديث الباب، لأن الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر ولم يعينوا القاتل، فسمع
رسول الله ◌َي دعواهم، وكذلك فعل سيدنا عمر رَظُه فيما سيأتي في المسألة الآتية من قصته.
وأجاب ابن قدامة عن قصة خيبر بقوله: ((فإن دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله وَّو لم تكن
دعوى التي بين الخصمين المختلف فيها، فإن تلك من شرطها حضور المدعى عليه عندهم، أو
تعذر حضوره عندنا، وقد بين النبي ◌ّير أن الدعوى لا تصح إلا على واحد بقوله: ((تقسمون على
رجل منهم، فيدفع إليكم برمته))، وفي هذا بيان أن الدعوى لا تصح على غير معين)).
٢٤٣
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
ولكن ما ذكره رحمه الله لا ينهض حجة على الحنفية، وذلك لوجهين:
أما أولاً: فلأنه سيأتي في الرواية الآتية: ((فقال رسول الله وَلير: (يقسم خمسون منكم على
رجل منهم، فيدفع برمته؟ قالوا: أَمْرٌ لم نَشْهَدْه كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين
منهم))، وهذا صريح في أن الأنصار قد أفصحوا بأنهم لا يستطيعون تعيين القاتل، ولا الحلف
على كونه قاتلاً. ومع ذلك قضى رسول الله وَلهر بتوجه الأيمان إلى يهود خيبر، وذلك دليل على
أن رسول الله وي سمع دعواهم مع أنهم صرحوا بعدم تعين القاتل. ولو كانت دعواهم غير
مسموعة في مثل تلك الحالة لما وجه الأيمان إلى يهود، لأن تحليف المدعى عليهم فرع لصحة
الدعوى، ولذلك يقول الأئمة الثلاثة: إنه لو لم يعين الأولياء القاتل بطلت الدعوى ولا يحلف
بعد ذلك أحد من الأولياء، ولا المدعى عليهم. فلما وجه رسول الله ﴿ الأيمان إلى يهود، فإن
ذلك دليل لصحة الدعوى.
وأما ثانياً: فلأن الدعوى في القسامة عند الحنفية ليست دعوى القتل، وإنما هي أن فلاناً
المقتول وجد بفناء المدعى عليهم مقتولاً، وهم متهمون بقتله، أو بعلم قاتله، أو بالتقصير في
حفظ الدماء، وإن هذه الدعوى تقام ضد خمسين من أهل المحلة يختارهم الأولياء، فلا تكون
الدعوى مجهولة في الحقيقة، وإنما هي دعوى معلومة ضد أشخاص معلومين، فلا يصح أن
يقال: إنها دعوى على غير معين.
مسألة تحليف الأولياء:
قد ذكرنا فيما قبل أن الأئمة الثلاثة يحلفون الأولياء لإثبات دعواهم، قبل أن يتوجه اليمين
إلى المدعى عليهم، ولا يُحَلِّفُ أبو حنيفة الأولياء في حال من الأحوال، وهو مذهب الشعبي،
والنخعي، والثوري كما في المغني لابن قدامة (١٠: ١٨).
ويستدل الأئمة الثلاثة في ذلك بحديث الباب، فإن رسول الله وَ الر قال: ((أتحلفون خمسين
يميناً؟ فتستحقون صاحبكم)) فعرض الأيمان على الأولياء، وإنما وجهها إلى اليهود بعد ما نكل
الأولياء .
واستدل الحنفية على مذهبهم بوجوه:
١ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٠: ٣٥، رقم: ١٨٢٦٦) من طريق الثوري، عن
مجالد بن سعيد، وسليمان الشيباني، عن الشعبي: ((أن قتيلاً وجد بين وادعة وشاكر، فأمرهم
عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى وادعة أقرب، فأحلفهم عمر خمسين يميناً،
كل رجل منهم: ما قتلت، ولا علمت قاتلاً، ثم أغرمهم الدية)) قال الثوري: ((وأخبرني منصور،
٢٤٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
عن الحكم، عن الحارث بن الأزمع أنه قال: يا أمير المؤمنين! لا أيماننا دفعت عن أموالنا، ولا
أموالنا دفعت عن أيماننا، فقال عمر: كذلك الحق)).
وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه (٨: ١٢٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٩: ٣٨١، رقم:
٧٨٦٢ و٧٨٦٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢: ٩٧ باب القسامة كيف هي؟ والخوارزمي
في جامع المسانيد (٢: ١٨١) من طريق أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي، رحمهم الله
تعالی .
وأخرجه البيهقي في سننه (٨: ١٢٥) عن سعيد بن المسيب في قصة طويلة، وزاد في
آخرها: ((فقال رجل منهم يقال له سنان: يا أمير المؤمنين! أما تجزيني يميني من مالي؟ قال: لا،
إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم)) مما يدل على أن عمر رَظُه كان له في ذلك عهد من النبي وَّر،
ولكن البيهقي أعلَّ هذا الطريق بعمر بن صبح، وهو متروك متهم بالوضع، كما في ميزان
الاعتدال (٣: ٢٠٦)، فلا يصح رفعه إلى النبي ◌َّر سنداً، غير أن الجمع بين الحلف والدية مما
لا يفعل بالرأي المحض، فجز عمر ظُه بذلك بمحضر من الصحابة دليل على أنه كان عنده في
ذلك عهد من النبي ﴾﴾ .
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ٩٧): ((حكم به عمر بن الخطاب ظراته بعد
رسول الله ويقول بحضرة أصحابه، فلم ينكره عليه منهم منكر، ومحال أن يكون عند الأنصار عنهم
من ذلك علم، ولا سيما مثل محيصة، وقد كان حياً يومئذ، وسهل بن أبي حثمة، ولا يخبرونه
به، ويقولون: ليس هكذا قضى رسول الله وَل﴿ لنا على اليهود)).
وأما ما حكى البيهقي عن الشافعي رحمه الله أنه أنكر هذه القصة، وقال: ((إنما رواه
الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث مجهول)) فقد أجاب عنه الحافظ المارديني رحمه الله بما
فيه مقنع، فقال في الجوهر النقي (٨: ١٢٤):
((قلت: لم يذكر أحد فيما علمنا أن الشعبي رواه عن الحارث الأعور غير الشافعي، ولم
يذكر سنده في ذلك، وقد رواه الطحاوي بسنده عن الشعبي عن الحارث الوادعي، وهو ابن
الأزمع، وسيأتي أن مجالداً رواه عن الشعبي كذلك، ورواية أبي إسحاق لهذا الأثر عن الحارث
هذا عن عمر، أمارة على أنه هو الواسطة، لا الحارث الأعور كما زعمه الشافعي، ورواه أيضاً
عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الحكم، عن الحارث بن الأزمع. والحارث هذا
ذكره أبو عمر وغيره في الصحابة، وذكره ابن حبان في الثقات من التابعين)).
ثم قال المارديني: «ثم إن الحارث الأعور، وإن تكلموا فيه، فليس بمجهول كما زعم
الشافعي، بل هو معروف، روى عنه الضحاك، والشعبي، والسبيعي، وغيرهم، وهذا الأثر وإن
٢٤٥
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
كان منقطعاً فقد عضده ما تقدم من الأحاديث. وفي التمهيد: روى مالك عن ابن شهاب، عن
عراك بن مالك، وسليمان بن يسار، عن عمر بن الخطاب بدأ المدعى عليهم بالأيمان في
القسامة، والبيهقي أيضاً ذكر هذا في آخر هذا الباب، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النكول
ورد اليمين من رواية الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أن عمر بدأ
بأيمان المدعي علیھم».
وأما ما روى البيهقي عن ابن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي يقول: ((سافرت خيوان
ووادعة أربع عشرة سفرة، وأنا أسألهم عن حكم عمر بن الخطاب في القتيل، وأنا أحكي لهم ما
روي عنه فيه، فقالوا: هذا شيء ما كان ببلدنا قط)) فأجاب عنه شيخنا التهانوي رحمه الله في
إعلاء السنن (١٨: ٢٦٦) بقوله: ((إن صحت الرواية عن الشافعي فلا يقدح فيما رواه الثقات عن
عمر لأن بين عمرو الشافعي لا تطوى، والروايات إنما تكون محفوظة عند أهل العلم إذا اعتنوا
بحفظها وتبليغها. فما يدريك أنهم كانوا من أهل العلم أباً عن جد من زمن الشافعي إلى عمر بن
الخطاب؟ ولو سلم أنهم كانوا من أهل العلم أبا عن جد، فيحتمل أنهم لم يعتنوا بحفظها ونقلها
إلى من بعدهم، فلا يرد بجهلهم رواية الثقات)).
ثم عارض الشافعي رحمه الله قصة عمر هذه بقصة أخرى أخرجها البيهقي في سننه (٨:
١٢٥) من طريق الشافعي، عن مالك، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، وعراك بن مالك:
((أن رجلاً من بني سعد بن ليث أجرى فرساً. فوطىء على إصبع رجل من جهينة، فنزى منها،
فمات. فقال عمر بن الخطاب رضيبه للذين دعي عليهم: أتحلفون بالله خمسين يميناً: مامات
منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم، فأبوا فقضى عمر بن
الخطاب ◌ُبه بشطر الدية على السعديين)). فإن فيه أن عمر رضيله حَلَّفَ المدعين بعد نكول
الأولياء، مع أن الحنفية لا یقولون به.
وأجاب عنه شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٨: ٢٦٧) بقوله: ((إن تحليف المدعي قد
يكون للاحتجاج على المدعى عليه، وقد يكون لاختبار المدعي أن ما يدعيه هل يدعيه من علم
ويقين، أو من ظن واشتباه؟ ونحن لا ننكر التحليف لهذا الغرض، وإنما ننكره لإلزام الخصم
بحلفه؛ فلا يكون معارضاً لما روى عنه الحارث)).
ثم قال شيخنا رحمه الله: ((ثم قصة السعديين والجهنيين لم تكن من باب القسامة، بل من
باب سائر القضايا، وتحقيق قضائه في هذه القضية أن وطء الفرس كان مُسَلَّمَاً عند الفريقين،
وإنما كان النزاع في أن سبب الموت هو ذلك الوطء أو غيره، فكان الجهنيون يقولون: إن الوطء
ليس سبباً للموت، بل السبب غيره. لأن وطء الإصبع لا يكون مفضياً إلى الموت غالباً، فكان
قول كل منهما ظاهراً من وجه، وغير ظاهر من وجه، فَحَلَّفَ عمر السعديين أولاً، لأنهم
٢٤٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
منكرون، وهم الأصل في الحلف، فلو حلفوا قضى لهم، ولكنهم أبوا، فَحَلَّفَ المدعين ليعلم
أن ما يقولونه يقولون من علم ويقين أم لا؟ فلما أبوا علم أنهم ليسوا على يقين مما يدعون، فلما
علم أنه ليس كل واحد على يقين مما يدعيه، والسبب متردد بين أن يكون قاتلاً، وأن لا يكون،
رأى تنصيف الدية من هذا الوجه. وأما التحليف بخمسين أيماناً (؟) فلم يكن لأن القضية من
باب القسامة، بل لأنه رأى التغليظ للاحتياط في باب الدم. هذا هو وجه قضاء عمر في تلك
القضية. وهو غير مخالف لنا، لأنه كان ذلك اجتهاداً منه في واقعة جزئية لخصوصياتها، ولم
يكن أصلاً كلياً، فاعرف ذلك)).
٢ - واستدل الحنفية أيضاً بالحديث الضابط المعروف: ((البينة على المدعي، واليمين على
من أنكر)) أخرجه البيهقي بهذا اللفظ عن ابن عباس، وسيأتي عند مسلم في الأقضية عنه أن
النبي ◌َّالر قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين
على المدعى عليه)) وأخرجه أيضاً البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿أَن ◌ُلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران، الآية: ٧٧] الآية. وهذا صريح في أن اليمين في الدماء على
المدعى عليه .
وأجاب عنه بعض الشافعية أنه ورد في بعض الروايات استثناء القسامة في هذا الحديث،
فقد أخرج الدارقطني في الأقضية (٤: ٢١٨، رقم: ٥١) والبيهقي في أوائل الدعوى والبينات
(١٠: ٢٥٢) عن أبي هريرة: أن رسول الله وَل قال: ((البينة على من ادعى، واليمين على من
أنكر إلا في القسامة)).
ولكن هذا الحديث ضعيف لضعف مسلم بن خالد الزنجي، ولم يروه غيره، وقال الحافظ
الزيلعي في كتاب الدعوى من نصب الراية (٤: ٩٦): ((قال في التنقيح: ومسلم بن خالد تكلم
فيه غير واحد من الأئمة، وقد اختلف عليه فيه، فقيل عنه هكذا (يعني: أنه رواه عن ابن جريج،
عن عطاء، عن أبي هريرة) وقال بشر بن الحكم وغيره: عنه، عن ابن جريج، عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده به، وقد رواه ابن عدي من الوجهين، وقال: هذان الإسنادان يعرفان
بمسلم بن خالد، عن ابن جريج)).
وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: ((في إسناده لين، كذا في التمهيد؛ وذلك أن
الزنجي ضعيف. كذا قال البيهقي في باب من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل، وقال ابن
المديني: ليس بشيء، وقال أبو زرعة والبخاري: منكر الحديث. وابن جريج لم يسمع من
عمرو، حكاه البيهقي في باب وجوب الفطرة على أهل البادية عن البخاري. والكلام في عمرو
بن شعيب، عن أبيه، عن جده معروف. ومع ضعف الزنجي خالفه عبد الرزاق، وحجاج،
٢٤٧
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
وقتادة، فرووه عن ابن جريج، عن عمرو مرسلاً، ذكره الدارقطني في سننه. واختلف فيه أيضاً
على الزنجي)).
فقد رأيت أن هذا الحديث فيه علل ومغامز لا تقوم معها الحجة فيه، وذكر الذهبي في
الميزان (٤ / ١٠٢ و١٠٣) أقوال المحدثين في مسلم بن خالد الزنجي، فذكر تضعيفه عن
الساجي، والبخاري، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن المديني، وتوثيقه عن عثمان الدارمي، عن
يحيى، واختلفت الروايات عن ابن معين، ثم ساق الذهبي أحاديثه. وفيه هذا الحديث، ثم قال
في آخر الترجمة: ((فهذه الأحاديث وأمثالها ترد بها قوة الرجل، ويضعف)).
٣ - سيأتي عند المصنف من طريق أبي سلمة، وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب
رسول الله ◌َ﴿ من الأنصار: ((أن رسول الله وَلّ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)).
وقد رأيت في أول هذا الباب ما رويناه من طريق البخاري: أن قسامة الجاهلية كانت بتحليف
المدعى عليهم، وقد صرح بذلك أبو طالب في رواية البخاري المذكورة، فقال: ((وإن شئت
حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله)) ووقع في رواية ابن حبيب في المحبر: ((فحكم أن يحلف
خداش في خمسين من بني عامر بن لؤي أنه لبريء من دم عامر، ثم يعقلوه بعد)). كما نقلناه أول
هذا الباب.
فتبين من ذلك أن قسامة الجاهلية كان يبدأ فيها بأيمان المدعي عليهم، ولما ثبت أن
النبي وَلّ أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، فالظاهر أنه أقر تحليف المدعى عليهم.
وإن هذا الدليل قد استدل به ابن التركماني في الجوهر النقي (٨: ١٢٣) أيضاً.
الجواب عن قصة خيبر:
وأما قصة خيبر، التي استدل بها الأئمة الثلاثة، فقد اضطربت الروايات في بيانها، فظاهر
حديث الباب أنه وسلم حَلَّفَ الأنصار قبل تحليف الهيود، ولكن وقع في صحيح البخاري خلاف
ذلك فيما أخرجه البخاري في الديات (رقم: ٦٨٩٨) من طريق سعيد بن عبيد، عن بشير بن
يسار، عن سهل بن أبي حثمة أن الأنصار انطلقوا إلى النبي وَلجر: ((فقالوا يا رسول الله! انطلقنا
إلى خيبر، فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: الكبر، الكبر، فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله؟
قالوا: ما لنا بينة، قال: فيحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله وَالر أن يبطل
دمه، فواده مائة من إبل الصدقة)).
فهذه الرواية صريحة في أن البني 18 لم يحلف الأنصار، وإنما طلب منهم البينة، فلما
أبوا عرض عليهم أيمان اليهود، وهذا لا يخالف الحنفية.
وكذلك أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٩: ٣٧٦) عن سعيد بن المسيب: ((أن القسامة
٢٤٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
.
كانت في الجاهلية، فأقرها النبي ◌َ﴿ في قتيل من الأنصار، وجد في جب اليهود، قال: فبدأ
رسول الله (َلو باليهود، فكلفهم قسامة خمسين إلخ)).
وكذلك أخرج عبد الرزاق في مصنفه (١٠: ٢٧) عن أبي سلمة، وسليمان بن يسار، عن
رجل من أصحاب النبي ◌ّ﴾ من الأنصار: ((أن النبي وَيُ قال اليهود، وبدأ بهم: أيحلف منكم
خمسون؟ قالوا: لا، فقال للأنصار: هل تحلفون؟ إلخ)).
وأخرج عبد الرزاق أيضاً (رقم: ١٨٢٥٥) عن الحسن: ((أن النبي ◌َّ بدأ باليهود، فأبوا أن
يحلفوا، فرد القسامة على الأنصار، فأبوا أن يحلفوا، فجعل النبي (وَلقر العقل على يهود)).
فهذه الروايات تدل على أن النبي وَل و إنما بدأ بحلف اليهود، دون الأنصار. ويمكن أن
يجمع بين هذه الروايات وبين أحاديث الباب بأن النبي وهو طالب الأنصار في مبدأ الأمر بالبينة،
ولم يحلفهم، كما في رواية البخاري، فعبر عنه بعض الرواة بأنه حلفهم، وبين الشهادة والحلف
فرق فني ربما يغمض عن مثله الرواة في تصرفات روايتهم بالمعنى.
وهناك احتمال آخر، قد ذكره بعض الفقهاء الحنفية، وهو أن يكون النبي 18ّ عرض
الأيمان على الأنصار لا بمقتضى القسامة، بل على سبيل التلطف لهم بإتمام الحجة عليهم، فإن
الأنصار كانوا أتوا على يقين بأنهم على حق في مطالبة اليهود بالقصاص، فسألهم النبي وَلّه :
أتحلفون خمسين يميناً؟ تذكيراً لهم بأنهم ليسوا على علم يصح معه الحلف، فكيف يطالبون
اليهود بالقصاص؟ فإن القصاص إنما يجب إذا شهد الشهود بالقتل على يقين منهم بأنهم عاينوا
ذلك. فكان عرض الأيمان عليهم أسلوباً حكيماً يُسَكِّن به جأش الأنصار، لا لأن ذلك مقتضى
القسامة المشروعة .
ويؤيد هذا الاحتمال ما ذكرنا في المسألة الأولى أن الأنصار لم يُعَيِّنوا رجلاً من اليهود
لدعوى القصاص عليه، ولا يحلف في مثله الأولياء عند الأئمة الحجازيين أيضاً، فلا معنى
لتحليفهم عند عدم تعين الدعوى، إلا ما ذكرنا من أنه كان إتماماً للحجة عليهم.
واختار شيخنا التهانوي رحمه الله طريقاً آخر في الاعتذار عن قصة خيبر، فقال في إعلاء
السنن (١٨: ٢٦٤ و٢٦٥): ((والجواب عنه أن الروايات في استحلاف الأنصار مضطربة، فمنها
ما يثبت طلب البينة، ومنها ما يثبت طلب الحلف، ومنها ما يثبت أنه طلب منهم البينة أولاً، وإذا
لم يأتوا بالبينة طلب منهم الحلف، وإذ أبوا عرض عليهم استحلاف اليهود، ومنها ما يثبت أنه
بدأ باليهود بالاستحلاف، فلما أبوا عرض الحلف على المدعين، وهذا اضطراب في نفس
الاستحلاف)».
((ثم وقع في الاضطراب في المقصود من هذا الاستحلاف، هل كان الإيجاب القود لو
٢٤٩
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
حلفوا؟ أو الإيجاب الدية؟ فلما رأى أبو حنيفة هذا الاضطراب رجع إلى الأصول، فرأى أن
حلف المدعي لا يوجب فلساً على المدعى عليه، فيبعد أن يوجب عليه القود أو الدية، ورواة
قصة خيبر لم يحفظوا القصة كما هي، فلا يترك ما أجمعوا عليه بما اختلفوا فيه، واضطربوا
اضطراباً يعلم منه ضرورة أنهم لم يحفظوا القصة على وجهها)).
وبالجملة، فالمسألة مجتهد فيها، والروايات في قصة خيبر مختلفة اختلافاً شديداً، فإما أن
يسقط بها الاستدلال أصلاً، فالمرجع حينئذ إلى آثار الصحابة، والأصول الكلية، والقياس،
وذلك يؤيد الحنفية، وإما أن يجمع بين هذه الروايات ما أمكن، فطريق الجمع ما ذكرنا من أن
المراد بتحليف الأنصار مطالبتهم بالبيئة، وإما أن يصار إلى الترجيح، فالترجيح لما هو موافق
للأصول الكلية، وآثار عمر الثابتة، فيترجح قول الحنفية في كل صورة من هذه الصور الثلاثة.
المسألة الثالثة في موجب القسامة:
قد تبين مما فصلنا من مذاهب الفقهاء في القسامة أن موجب القسامة عند الحنفية والشافعية
الدية، وهو قول معاوية، وابن عباس، والحسن، وإسحاق، والشعبي، والنخعي، والثوري،
رحمهم الله، كما في المغني لابن قدامة (١٠: ١٨ و٢٠). والشرح الكبير (١٠: ٣٩).
وقال المالكية والحنابلة: إن موجب القسامة القصاص إن كانت الدعوى دعوى عمد وروي
ذلك أيضاً عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، (وقد ثبت رجوعه عنه)، وأبي ثور، وابن
المنذر، وهو القول القديم للشافعي، رحمهم الله تعالى.
استدل القائلون بالقصاص بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الباب: «أتحلفون خمسين
يميناً، فتستحقون صاحبكم، أو قاتلكم؟)) واستحقاق القاتل إنما هو لأخذ القصاص، وقد وقع
في رواية الليث الآتية قريباً: ((يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمته)) يعني بحبله
الذي شد به، وهذا إنما يقال في محاورة العرب إذا دفع القاتل إلى أولياء المقتول ليأخذو منه
ثأرهم.
واستدل القائلون بالدية بما سيأتي عند المصنف من رواية أبي ليلى، وفيه: ((فقال
رسول الله ور: إما أن يدوا صاحبكم، وإما يؤذنوا بحرب)).
واستدلوا أيضاً بما ذكرناه في المسألة السابقة من روايات ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، فقد
وقع في رواية ابن أبي شيبة (٩: ٣٧٦) من طريق سعيد بن المسيب: ((فأغرم رسول الله وَّ اليهود
ديته لأنه قُتِلَ بين أظهرهم))، وفي رواية عبد الرزاق (١٠: ٢٧)، من طريق أبي سلمة، وسليمان
بن يسار: ((فجعلها رسول الله ◌َ و دية على اليهود، لأنه وجد بين أظهرهم)) وبمثله أخرجه أبو
داود، وفي رواية عبد الرزاق عن الحسن: ((فجعل النبي ◌َّر العقل على يهود)).
٢٥٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وأما ما استدل به القائلون بالقصاص، فيمكن الجواب عنه على طريق الحنفية بوجوه:
١ - قد ذكرنا أن النبي ولو لم يطالب الأنصار بالحلف، وإنما طالبهم بالبينة، وقد عبر عنه
بعض الرواة بالتحليف، فالمراد من ذلك القول: أنكم لو أتيتم بالبينة على قاتله دفع إليكم القاتل
برمته، فإنما ذكر القصاص موجباً للبينة، لا للقسامة، وهذا المعنى صريح فيما أخرجه النسائي
(٢: ٢٣٧) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: ((أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلاً
على أبواب خيبر، فقال رسول الله وَلتر: أقم شاهدين على من قتله، أدفعه إليكم برمته)) فتبين من
هذا أن النبي ◌ّ إنما رتب القصاص على إقامة الشاهدين، ولم يرتبه على الأيمان.
٢ - قد ذكرنا عن بعض الحنفية أنه لو سُلِّمَ أن النبي ◌َّ عرض الأيمان على الأنصار، فإنه
إنما عرضها عليهم إتماماً للحجة عليهم، وتسكيناً لجأشهم لا بمقتضى القسامة، فالمراد حينئذ
من قوله {وَلير: ((أتحلفون خمسين يميناً فتستحقون صاحبكم)): أنكم ادعيتم القصاص على اليهود
من غير علم منكم بالقاتل، فهل تحلفون على قاتله خمسين يميناً؟ حتى يجوز منكم دعوى
القصاص؟ والاستفهام للإنكار، يعني: أنكم لا تعلمون القاتل علماً يصح به حلفكم عليه، فكيف
تستحقون القصاص؟
٣ - قد ذكرنا عن شيخنا التهانوي رحمه الله تعالى أن الروايات في قصة خيبر مضطربة
متعارضة، والاحتياط في مثل هذه الروايات أن يسقط بها الاستدلال أصلاً، فمرجعنا حينئذ إلى
أثر عمر رَُّّه، وإلى الأصول الكلية، ومقتضى كليهما الدية، دون القصاص. أما أثر عمر فقد
صرح فيه بأنه رُّه أغرم الدية بعد القسامة، كما مَرَّ نصه في مسألة تحليف الأولياء، وأما
الأصول الكلية، فإن الأيمان لا يثبت بها القصاص، ولو أوجبنا القصاص على مذهب الحنفية
في تحليف المدعى عليهم، فإنه حلفهم لا يغني عنهم شيئاً، لأنهم إنما يحلفون: ما قتلناه ولا
علمنا له قاتلاً. فلو لم يسقط القصاص بهذه الأيمان المُغلّظة من المدعى عليه عند عدم البينة،
لكان فيه ظلم شديد على المدعى عليهم، ولا عهد به في الشرع.
وأما على طريق الشافعية فالقصاص منفي لوجهين: الأول: أن الروايات في قصة خيبر
مختلفة، فورد في بعضها القصاص، وفي بعضها الدية، فلما وقع الثلث في ثبوت القصاص سقط
القصاص، لأنه مما يندرىء الشك فلم يبق إلا الدية.
والثاني: أن القسامة عند الشافعي أيمان من المدعين، والأيمان بمجردها لا يثبت بها
القصاص، وإنما تثبت بها الدية، لأن القصاص يحتاج إلى حجة كاملة، وهي البينة، والله سبحانه
أعلم.
٢٥١
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
القسامة من جهة العمل في عصرنا الحاضر:
الأصل في القسامة، كما يقول ابن رشد في بداية المجتهد (٢: ٤٢٠): ((أنها شرعت
لحفظ الدماء وصيانتها، فالشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على حفظ الدماء، وصيانتها،
وعدم إهدارها)).
فالشافعي - رحمه الله - نظر إلى نظر إلى القسامة من جهة أن القتل يكثر فيما بين الناس،
بينما تقل الشهادة عليه، لأن القاتل يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، فلو أوجبنا لإغرام الدية
جميع الشروط التي يجب توفرها لإثبات الحدود والقصاص، لأفلت المجرمون من العقاب،
وصارت دماء الناس في معرض الخطر بأيدي الظالمين، فزعم أن القسامة طريقة من طرق إثبات
القتل، غير أنها توجب الدية لا القصاص، لكونها حجة ضعيفة دون البينة التي توجب القصاص.
وأما أبو حنيفة - رحمه الله -، فقد نظر إلى القسامة من جهة أنها شرعت لعلاج التقصير في
النصرة، وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل، ممن وجب عليه النصرة والحفظ، كما صرح به
الكاساني في البدائع (٧: ٢٩٠)، فالقسامة عند أبي حنيفة، كما يقول الأستاذ عبد القادر عودة
في التشريع الجنائي الإسلامي (٢: ٣٣٢): ((أشبه ما تكون بما يفعله جيوش الاحتلال في البلاد
المحتلة في عصرنا الحاضر، في حالة الاعتداء على رجال الجيش المحتل، وفي حالة الثورات،
إذ تفرض غرامة على كل قرية قتل فيها جندي لم يعلم قاتله، أو ارتكبت فيها جريمة هامة لم يعلم
مرتكبها، وتُحَصّلُ العَرامة من جميع سكان القرية على السواء. والواقع أن القسامة عند أبي
حنيفة تعتبر بحق وسيلة طيبة لإظهار الفاعلين في حوادث القتل، لأن أهل القرية إذا علموا أنهم
سيلزمون دية الفتيل الذي لا يظهر قاتله اجتهدوا في منع المشبوهين من الإقامة بين ظهرانيهم،
وأخذوا على أيدي سفهائهم ومجرميهم، كما أن كل من كان لديه معلومات عن القتل، سابقة أو
لاحقة، لن يتأخر في الغالب عن تبليغها للجهات المختصة، بل إنهم قد يحملون القاتل على أن
يقدم نفسه، ويعترف بجرمه)).
وأما من جهة العمل، فما اختاره الحنفية من طريق القسامة، أليق وأولى بالقرى والريف،
وبالحياة القبائلية، وبالمدن التي توجد فيها حارات منظمة تشبه القبائل، وما اختاره الشافعية
أولى بالحياة المدنية التي لا تربط فيها الناس وصلة القبيلة. وحينئذ تصير القسامة طريقاً من طرق
إثبات الجريمة بالقرائن القوية التي تسمى لوثاً عند الشافعية، مؤيدة بأيمان المدعين، فيفرض بها
الدية على المدعى عليهم لئلا تذهب دماء الناس هدراً لمجرد شبهات فنية في إثبات الجريمة.
ولما كانت المسألة مجتهداً فيها، فيسوغ للحكومة الإسلامية اليوم أن يختار من هاتين
الطريقتين ما هو أليق وأنسب بظروف بلادها الخاصة، لأن اختلاف هذه الأمة رحمة، وحكم
الحاکم رافع للخلاف، والله سبحانه أعلم.
٢٥٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣١٩ - (٢) وحدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَرَافِعِ بْنٍ خَدِيجٍ؛ أَنَّ
مُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلِ انْطَلَقَا قِبَلَ خَيْبَرَ. فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ. فَقُتِلَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ. فَاتَّهَمُوا الْيَهُودَ. فَجَاءً أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ وَابْنَا عَمِّهِ حُوَيِّصةُ وَمُحَيِّصَةٌ
إِلَى النَّبِيِّ وََّ. فَتَكَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ فِي أَمْرٍ أَخِيهِ، وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّرِ: (كَبِّرِ الْكُبْرَ)) أَوْ قَالَ: ((لِيَبْدِ الأَكْبَرُ)) فَتَكَلَّمَا فِي أَمْرٍ صَاحِبِهِمَا. فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَلَ: ((يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ؟)) قَالُوا: أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ
كَيْفَ نَحْلِفُ؟ قَالَ: ((فَتْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْمٌ كُفَّارٌ.
قَالَ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ مِنْ قِبَلِهِ.
قَالَ سَهْلٌ: فَدَخَلْتُ مِرْبَداً لَهُمْ يَوْماً. فَرَكَضَتْنِي نَاقَةٌ مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ رَكْضَةً بِرِجْلِهَا .
قَالَ حَمَّادٌ: هُذَا أَوْ نَحْوَهُ.
٤٣٢٠ - (٠٠٠) وحدّثنا الْقَوَارِيرِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، نَحْوَهُ. وَقَالَ فِي
حَدِيثِهِ: فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ مِنْ عِنْدِهِ. وَلَّمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِهِ: فَرَكَضَتْنِي نَاقَّةٌ.
٤٣٢١ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (يَعْنِي الثَّقَفِيَّ) جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشيْرِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ. بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
٤٣٢٢ - (٣) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشْرِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ بْنِ
زَيْدِ الأَنْصَارِيَّيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، خَرَجًا إِلَى خَيْبَرَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَرِ. وَهِيَ
يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ. وَأَهْلُهَا يَهُودُ. فَتَفَرَّقَا لِحَاجَتِهِمَا. فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ.
٢ - (٠٠٠) - قوله: (فيدفع برمته) الرمة، بضم الراء، وتشديد الميم: الحبل الذي يشد به
الأسير، أو القاتل، إذا قيد إلى القصاص، يعني يدفع إليكم القاتل بحبل مشدود تمكيناً لكم منه
لئلا يهرب، ثم اتسع فيه، حتى قالوا: أخذته برمته، أي: كله، كذا في مجمع البحار (٢: ٣٨).
قوله: (فدخلت مربداً لهم) المربد، بكسر الميم، وفتح الباء: موقف الإبل، والمكان الذي
تأوي إليه، كذا في جامع الأصول لابن الأثير (١٠ : ٢٨٦).
٣ - (٠٠٠) - قوله: (وهي يومئذ صلح) يعني: وقعت هذه الواقعة بعد فتح خيبر على أيدي
المسلمين، كما في فتح الباري (١٢ : ٢٣٣).
٢٥٣
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
فَوُجِدَ فِي شَرَبَةٍ مَقْتُولاً. فَدَفَنَهُ صَاحِبُهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَمَشَىْ أَخُو الْمَقْتُولِ،
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ. فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَ شَأْنَ عَبْدِ اللَّهِ. وَحَيْثُ
قُتِلَ. فَزَعَمَ بُشَيْرٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَمَّنْ أَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ:
(تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ؟)) (أَوْ صَاحِبَكُمْ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا شَهِدْنَا
وَلاَ حَضَرْنَا. فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ؟)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نَقْبَلُ
أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَزَعَمَ بُشَيْرٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وََّ عَقَلَهُ مِنْ عِنْدِهِ.
٤٣٢٣ - (٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ.
انْطَلَّقَ هُوَ وَابْنُ عَمِّ لَهُ يُقَالُ لَهُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثٍ
اللَّيْثِ. إِلَى قَوْلِهِ: فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ عِنْدِهِ.
قَالَ يَحْيَى: فَحَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: لَقَدْ
رَكَضَتْنِي فَرِيضَةٌ مِنْ تِلْكَ الْفَرَائِضِ بِالْمِرْبَدِ.
٤٣٢٤ - (٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ
عُبَيْدٍ. حَدَّثَنَا بُشيْرُ بْنُ يَسَارِ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَة الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ
نَفَرَا مِنْهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى خَيْبَرَ. فَتَفَرَّقُوا فِيهَا. فَوَجَدُوا أَحَدَهُمْ قَتِيلاً، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ
فِيهِ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ يُبْطِلَ دَمَهُ. فَوَدَاهُ مِائَةً مِنْ إِيلِ الصَّدَقَةِ.
قوله: (فوجد في شربة) بفتح الشين والراء، حوض يكون في أصل النخلة، وحولها يملأ
ماء لتشربه، كذا في مجمع البحار (٢: ١٧٨) وجمعه: شرب، كثمرة، وثمره.
٤ - (٠٠٠) - قوله: (فريضة من تلك الفرائض) المراد بالفريضة هنا: الناقة من تلك النوق
المفروضة في الدية، وتسمى المدفوعة في الزكاة، أو في الدية فريضة، لأنها مفروضة، أي
مقدرة بالسن والعدد. كذا في شرح النووي.
٥ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا سعيد بن عبيد) هو أبو الهذيل الطائي الكوفي، قال ابن المديني
عن يحيى: ليس به بأس، وقال أحمد، وابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال
الآجري عن أبي داود: كان شعبة يتمنى لقائه، كذا في التهذيب (٤: ٦٢)، وأخرج عنه الجماعة
إلا ابن ماجه .
قوله: (فواده مائة من إبل الصدقة) هذا بظاهره معارض لما مر من الروايات التي وقع فيها
أنه الظَّلا أعطى ديته من عنده، وجمع بعض العلماء بينهما بأن قول الراوي في الروايات السابقة
((من عنده)) مجاز عن بيت المال، والمراد منه بيت مال المصالح، وأطلق عليه لفظ الصدقة
٢٥٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٣٢٥ - (٦) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: سَمِعْتُ
مَالِكَ بْنَ أَنَسِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو لَيْلَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ سهْلٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ
أَبِي حَثْمَةَ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءٍ قَوْمِهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجًا إِلَى
خَيْبَرَ. مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ. فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ
أَوْ فَقِيرٍ. فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ، وَاللَّهِ، قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللَّهِ، مَّا قَتَلْنَاهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى
قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ. فَذَكَرَ لَهُمْ ذُلِكَ. ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ. وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ.
باعتبار الانتفاع به مجاناً، لما في ذلك من قطع المنازعة، وإصلاح ذات البين. وجمع آخرون
بينهما بأنه يحتمل أن يكون رسول الله لو اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده، أو يكون
تسلف ذلك من إبل الصدقة، ليدفعه من مال الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة،
فأعطاهم، أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة، استثلافاً لهم، واستجلاباً لليهود. وحكى القاضي
عياض عن بعض العلماء أنه حمل حديث الباب على ظاهره، واستدل به على جواز صرف الزكاة
في المصالح العامة. هذا ملخص ما في فتح الباري ١٢: ٢٣٥، والله أعلم.
٦ - (٠٠٠) - قوله: (حدثني أبو ليلى عبد الله) كذا وقع في أكثر النسخ المصرية عندنا،
على أن عبد الله بن عبد الرحمن اسم لأبي ليلى، ولكن وقع في النسخة الهندية: ((أبو ليلى ابن
عبد الله)) على أن أبا ليلى ابن لعبد الله، وهذا موافق لما في تهذيب الكمال للمزي (٩: ٨٢١)،
وتهذيب التهذيب (١٢: ٢١٥)، فإنهم ترجموا له باسم (أبي ليلى بن عبيد اللّه): ولكن ذكره ابن
حبان في الثقات (٥: ٢٧) باسم عبد الله بن سهل عبد الرحمن بن سهل، وذكر أن كنيته أبو
ليلى، وكذلك فعل الدولابي في كتاب الكنى والأسماء (٢: ٩٢) وهذا يؤيد النسخ المصرية،
وذكر ابن حبان أنه من بني حارثة، فالظاهر أنه من ذرية عبد الرحمن بن سهل أخي المقتول في
قصة خيبر، والله أعلم. وعلى كل حال، فالرجل من ثقات التابعين، وذكر ابن عبد البر: أنهم
أجمعوا على أنه ثقة، كما في التهذب.
قوله: (من جهد أصابهم) الجهد، بفتح الجيم: المشقة، وبالضم: الوسع والطاقة، كما في
مجمع البحار، والمراد ههنا الأول، يعني: خرجا من مشقة في معاشهم.
قوله: (في عين، أو فقير) الفقير هنا: البئر القريبة القعر، الواسعة الفم، وقال ابن الأثير:
((الفقير: مخرج الماء من القناة، والفقير: حفيرة تحفر حول الفسيلة إذا غرست، والفقير: ركي
بعينه معروف، وإنما أراد في هذا الحديث حفيرة أوركيا)) كذا في جامع الأصول (١٠: ٢٨٦)،
وذكر في النهاية (٣: ٢٣٥) أن الفقير بئر قليلة الماء، وفم القناة. وقال ابن قتيبة في غريب
الحديث (٢: ٢١٥) (حديث عبد الله بن أنيس): ((الفقير: بئر تحفر في أصل الفسيلة إذا حولت،
ويلقى فيها البعر والسرجين. يقال: فقرنا للودية (أي: للفسيلة) تفقيراً)).
٢٥٥
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ سَهْلٍ. فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ نَّهِ لِمُحَيِّصَةَ: (كَبِّرْ. كَبِّرْ)) (يُرِيدُ السِّنَّ) فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ؟)). فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
إِلَيْهِمْ فِي ذُلِكَ. فَكْتَبُوا: إِنَّا، وَاللَّه، مَا قَتَلْنَاهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةً
وَعِبْدِ الرَّحْمُنِ: ((أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟)) قَالُوا: لاَ. قَالَ: ((فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟))
قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ. فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ مِنْ عِنْدِهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ مِائَةً
نَاقَّةٍ حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمُ الدَّارَ.
فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ.
٤٣٢٦ - (٧) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا.
وَقَالَ حَرْمَلةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُوَ سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، زَوَجِ النَّبِّ وَّهَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنَ الأَنْصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ.
٤٣٢٧ - (٨) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وُزَادَ: وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَه بَيْنَ نَاسٍ مِّنَ
الأَنْصَارِ، فِي فَتِيلِ ادَّغْوْهُ عَلَى الْنَهُودِ.
٤٣٢٨ - (٠٠٠) وحدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (وَهُوَ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ). حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ
قوله: (إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب) يعني: إما أن يدفعوا إليكم الدية
بمقتضى القسامة، وإما أن يعلموا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا، فينتقض عهدهم، ويصيرون
حرباً لنا، وفيه دليل الشافعية والحنفية في أن موجب القسامة هو الدية، دون القصاص، وقد مر
تفصيل المذاهب والدلائل في ذلك، والحمد لله .
٧ - (١٦٧٠) - قوله: (أقر القسامة) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في القسامة، باب
القسامة، وقد أخرج هو والبخاري، رحمهما الله، قصة القسامة في الجاهلية بتفصيلها، وقد
ذكرناها في أول هذا الباب.
(٠٠٠) - قوله: (عن صالح) يعني ابن كيسان المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، وهو
من التابعين المعروفين بالفقه والحديث، رأى ابن عمر، وابن الزبير، وجماعة من الصحابة .
،
٢٥٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَاهُ عَنْ نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، بِمِثْلِ حَدِيثِ
ابْنِ ◌ُرَيْجٍ.
(٢) - باب: حكم المحاربين والمرتدين
٤٣٢٩ - (٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. كِلاَهُمَا عَنْ
هُشَيْمِ. (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ وَحُمَيْدٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ
وتتلمذ للزهري، وهو أسن منه، ويعد من أثبت أصحاب الزهري، وقدمه بعض الناس على
معمر، وراجع التهذيب (٤: ٣٩٩).
(٢) - باب: حكم المحاربين والمرتدين
٩ - (١٦٧٠) - قوله: (كلاهما عن هشيم) يعني: ابن بشير، وقد مَرَّ ترجمته في كتاب
الأيمان، باب اليمين على نية المستحلف.
قوله: (عن عبد العزيز بن صهيب) البناني، بضم الباء، نسبة إلى سكة بالبصرة تسمى بنانة،
وليس منسوباً إلى قبيلة بنانة، وهو من ثقات أصحاب أنس مظلته، وقد أجاز إياس بن معاوية
القاضي شهادته وحده، مات سنة ثلاثين ومائة، كما في التهذيب (٦: ٣٤١ و٣٤٢).
قوله: (وحميد) بالتصغير، يعني: حميد بن أبي حميد الطويل، الخزاعي، البصري، ولم
يكن طويل القامة، وإنما لقبوه بالطويل لأنه كان له جار يقال له: حميد القصير، فقيل: حميد
الطويل، ليمتاز من الآخر، وقيل: كان طويل اليدين، وكان يقف عند البيت، فتصل إحدى يديه
رأسه، والأخرى رجليه. وهو ثقة، غير أنه ربما يدلس عن أنس، ويقال: إنه لم يسمع عن أنس
إلا أربعة وعشرين حديثاً، والباقي سمعها من ثابت البناني كذا في التهذيب (٣: ٣٨ و٣٩).
قوله: (عن أنس بن مالك) هذه قصة العرنيين، وقد أخرجها أيضاً البخاري في المحاربين،
في فاتحته، (رقم: ٦٨٠٢)، وباب لم يحسم النبي وَلّ من أهل الردة حتى هلكوا، (رقم:
٦٨٠٣)، وباب لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا، (رقم: ٦٨٠٤)، وباب سمر النبي ◌َّل
أعين المحاربين، (رقم: ٦٨٠٥) وفي الديات، باب القسامة، (رقم: ٦٨٩٩)، وفي الوضوء،
باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، (رقم: ٢٣٣)، وفي الزكاة، باب استعمال إبل
الصدقة وألبانها لأبناء السبيل، (رقم: ١٥٠١)، وفي الجهاد، باب إذا حرق المشرك المسلم هل
يحرق؟ (رقم: ٣٠١٨)، وفي المغازي، باب قصة عكل وعرينة، (رقم: ٤١٩٢)، وفي تفسير
المائدة، باب إنما جزاء الذين يحاربون الله إلخ (رقم: ٤٦١٠)، وفي الطب، باب الدواء بألبان
الإبل، وباب الدواء ببول الإبل، وباب من خرج من أرض لا تلائمه (رقم: ٥٦٨٥، و٥٦٨٦،
٢٥٧
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
نَاساً مِنْ عُرَيْنَةَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ، الْمَدِينَةَ. فَاجْتَوَوْهَا. فَقَالَ لَهُمْ
و٥٧٢٧). وأخرجه الترمذي في الطهارة، باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه، رقم ٧٢، وفي
الأطعمة، باب ما جاء في شرب أبوال الإبل، (رقم: ١٨٤٦)، وأبو داود في الحدود، باب ما
جاء في المحاربة، (رقم: ٤٣٦٤ إلى ٤٣٦٨، و٤٣٧١)، والنسائي في تحريم الدم باب تأويل
قول الله عز وجل: إنما جزاء الذين يحاربون الله إلخ، وابن ماجه في الحدود، باب من حارب
وسعى في الأرض فساداً، رقم ٢٥٧٨، وأحمد في مسنده (٣: ١٠٧ و١٦٣ و١٧٠ و١٧٧ و١٨٦
و١٩٨ و٢٠٥ و٢٣٣ و٢٨٧ و٢٩٠).
قوله: (ناساً من عرينة) بضم العين مصغراً، وهو حي من قضاعة، وحي من بجيلة،
والمراد هنا هو الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وقد وقع في بعض الروايات أنهم
كانوا من عكل، بضم العين، وسكون الكاف، وهي قبيلة من تيم الرباب، وجمع بعض الرواة
بينهما، فقال: (من عكل أو عرينة) بالشك كما عند البخاري في الوضوء، أو (من عكل وعرينة)
كما عند البخاري في المغازي، ويؤيده ما رواه أبو عوانة والطبري من طريق سعيد بن بشير عن
قتادة، عن أنس، قال: ((كانوا أربعة من عرينة، وثلاثة من عكل))، ولا يخالف هذا ما أخرجه
البخاري في الجهاد، والديات: ((أن رهطاً من عكل ثمانية))، لاحتمال أن يكون الثامن من غير
القبيلتين، وكان من أتباعهم، فلم ينسب. هذا ملخص ما في فتح الباري (١: ٣٣٧) وراجعه
للتفصيل.
قوله: (قدموا على رسول الله ◌َ(*) وذكر ابن إسحاق في المغازي أن قدومهم كان بعد غزوة
ذي قرد، وراجع سيرة ابن هشام مع الروض الأنف للسهيلي (٢: ٣٦٣) وكانت غزوة ذي قرد في
جمادى الآخرة سنة ست. وذكرها البخاري في المغازي بعد الحديبية وكانت في ذي القعدة سنة
ست، وذكر الواقدي في مغازيه (٢: ٥٦٨) أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان
وغيرهما، كذا في الفتح.
قوله: (المدينة) وأخرج البخاري في المحاربين (رقم: ٦٨٠٤) من طريق وهيب، عن
أيوب عن أبي قلابة، عن أنس: قال: ((قدم رهط من عكل على النبي ◌َّر، كانوا في الصفة))
وهذا يدل على أنهم أقاموا بالصفة قبل خروجهم إلى إبل الصدقة، وزاد في رواية يحيى بن أبي
كثير: (فأسلموا) وفي رواية أبي رجاء: (فبايعوه على الإسلام).
قوله: (فاجتووها) قال ابن فارس: اجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه، وإن كنت في
نعمة، وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة، وهو المناسب لهذه القصة، وقال القزاز: اجتووا:
أي: لم يوافقهم طعامها .
وفسره ابن العربي بطريق آخر، فقال: الجوى داء يأخذ من الوباء، وقال غيره: الجوى داء
يصيب الجوف، ووقع في رواية أخرى: (استوخموا) ويقال: استوخمت أرض كذا: إذا لم توافق
٢٥٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَى إِلِ الصَّدَقَّةِ
مزاجك، كما في جامع الأصول لابن الأثير (٣: ٤٩١). وهذه الرواية تؤيد المعنى الأول
للاجتواء.
ثم أخرج البخاري في الطب من رواية ثابت، عن أنس: ((أن ناساً كان بهم سقم، قالوا:
يا رسول الله! آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة)) والظاهر أنهم قدموا سقاماً
فلما صحوا من السقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال
الشديد، والجهد من الجوع، لما أخرج أبو عوانة من رواية غيلان عن أنس: ((كان بهم هزال
شديد))، وأخرج من رواية أبي سعد، عنه: (مصفرة ألوانه).
وأما الوخم الذي شكوا منه بعد أن صحت أجسامهم فهو من حمى المدينة، كما عند
أحمد من رواية حميد، عن أنس، ووقع عند مسلم من رواية معاوية بن قرة، عن أنس: (ووقع
بالمدينة الموم) بضم الميم، وسكون الواو، وهو البرسام، وهو اختلال العقل، وورم الرأس،
وورم الصدر، والمراد هنا الأخير، فقد وقع عند أبي عوانة من رواية همام، عن قتادة، عن أنس
في هذه القصة: (فعظمت بطونهم) هذا ملخص ما في وضوء فتح الباري.
وحاصل ما ذكر أنهم كانوا في هزال شديد من الجوع والجهد، فآواهم رسول الله وَالم
وأطعمهم، حتى صحت أجسامهم، ثم ابتلوا بالاستسقاء، فانتفخت بطونهم، فزعموا أن مرضهم
هذا من استيخامهم هواء المدينة، والله أعلم.
قوله: (إن شئتم أن تخرجوا) شرط جزاؤه محذوف، يعني: فعلتم. ودل الحديث على
جواز الخروج من البلد الذي لا يوافق الرجل هواءه، تداوياً وعلاجاً، ومن أجل هذا المعنى
أخرج البخاري هذا الحديث في الطب، وترجم عليه: باب من خرج من أرض لا تلائمه،
وأعقبه بقصة طاعون عمواس، ويدل على ذلك أيضاً ما أخرجه أبو داود من حديث فروة بن
مسيك، قال: ((قلت: يا رسول الله! إن عندنا أرضاً يقال لها أبين، وهي أرض ريفنا وميرتنا،
وهي وَثْبَة، فقال: دعها عنك، فإن من القرف التلف)) قال ابن قتيبة: القرف: القرب من الوباء،
وقال الخطابي: ((ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب التداوي، فإن استصلاح
الأهوية من أنفع الأشياء في تصحيح البدن، وبالعكس)) كذا في فتح الباري (١٠: ١٨٩).
قوله: (إلى إبل الصدقة) وذكر ابن سعد في طبقاته (٢: ٩٣) أنها كانت ترعى بذي الجدر،
ناحية قباء قريباً من غير على ستة أميال من المدينة، وأخرج أبو عوانة من رواية معاوية بن قرة
التي أخرج المصنف إسنادها أنهم بدؤوا بطلب الخروج إلى الإبل، فقالوا: ((يا رسول الله قد وقع
هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل))، وأخرج البخاري من رواية وهيب، عن أيوب
أنهم قالوا: ((يا رسول الله! ابغنا رسلاً)) أي: اطلب لنا لبناً، فقال ◌َّ: ((ما أجد لكم إلا أن
تلحقوا بالذود)».
٢٥٩
كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات
فَتَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا)) فَفَعَلُوا .
ثم ظاهر هذه الرواية أن العرنيين خرجوا إلى إبل الصدقة، ويعارضه رواية أبي رجاء عند
البخاري، وفيها: ((هذه نعم لنا تخرج، فاخرجوا فيها)) ورواية أيوب في الوضوء (فأمرهم النبي ◌َّ
بلقاح) ورواية وهيب في المحاربين: (إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله وَّة) وظاهر هذه الروايات أن
للقاح كانت للنبي وَّر. وجمع بينهما الحافظ في الفتح (١: ٣٣٨) بأن إبل الصدقة كانت ترعى
خارج المدينة وصادف بعث النبي ◌ّ بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء
لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا .
ويحتمل أيضاً أن تكون إبل الصدقة نسبت إلى رسول الله وَلير من جهة كونه وَله متولياً لها .
ودل الحديث على جواز انتفاع مستحق الزكاة من إبل الصدقة بشرب لبنها، لأن العرنيين
كانوا أبناء السبيل، ولهذا المعنى أخرجه البخاري في الزكاة، وترجم عليه: باب استعمال إبل
الصدقة وألبانها لأبناء السبيل.
قوله: (فتشربوا من ألبانها وأبوالها) أما شرب لبن الصدقة فلما ذكرنا من أنهم كانوا أبناء
السبيل، وأما شرب لبن إبل النبي ◌ّله، فلتحقق الإذن منه ظلَّلا، وأما شرب أبوال الإبل ففيه
مسألتان :
١ - مسألة بول ما يؤكل لحمه:
استدل مالك رحمه الله بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، أما بول الإبل
فاستدلوا على طهارته بهذا الحديث، وأما بول غيرها مما يؤكل لحمه، فبالقياس عليه، وهو قول
أحمد بن حنبل، ومحمد بن الحسن من الحنفية، والإصطخري، والرؤيان من الشافعية، وبه قال
الشعبي، وعطاء، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، والحكم، والثوري. وقال أبو داود ابن
علية: بول كل حيوان ونحوه وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر، غير بول الآدمي.
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأبو يوسف، وأبو ثور، وجمع كثير من العلماء: الأبوال
كلها نجسة إلا ما عفي عنه من القدر القليل. وهذه المذاهب مأخوذة من عمدة القاري (١ :
٩١٩).
وأجاب الحنفية والشافعية عن قصة العرنيين بوجوه:
الأول: أن شربهم للأبوال كان على سبيل التداوي للضرورة، كما أجيز لبس الحرير في
الحرب، أو للحكة، وقد أصيبوا بمرض الاستسقاء، ولأبوال الإبل تأثير في ذلك، فإنها كانت
ترعى الشيح والقيصوم، والإبل التي ترعى ذلك تنفع ألبانها وأبوالها في بعض أنواع الاستسقاء،
وقد أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (١: ٦٥) عن ابن عباس مرفوعاً: ((إن في أبوال
الإبل وألبانها شفاء لذربة بطونهم)).
٢٦٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
.
وقد ذكر شيخنا العلامة البنوري رحمه الله تعالى في معارف السنن (١: ٢٧٤) أن ابن سينا
قد صرح في قانونه في الطب أن ألبان الإبل تنفع في الاستسقاء، ثم قال شيخنا رحمه الله:
((ورأيت في كلام بعض الأطباء أن استنشاق أبوالها ينفع الاستسقاء أيضاً. ويقول ابن حزم: صح
يقيناً أن رسول الله وَ ل﴿ إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم الذي كان أصابهم، وإنهم
صحت أجسامهم بذلك، حكاه العيني، وروي جواز التداوي بأبوالها عن محمد بن علي رضيثًا،
وإبراهمي النخعي عند الطحاوي، وعن الزهري عند البخاري)).
والثاني: إن قصة العرنيين متقدمة نسخ حكمها أحاديث دالة على نجاسة الأبوال، وإن
النسخ وإن كان لا يثبت بمجرد الاحتمال عند عدم علم التاريخ، ولكن احتمال النسخ إذا تأيد
بقرائن قوية يكفي لإبطال الاستدلال بما جاء في الروايات مخالفاً للأصول الكلية، والروايات
المشهورة. وتوجد ههنا قرائن تقوي احتمال النسخ، فمنها أن قصة العرنيين وقعت سنة ست،
كما قدمنا، وحديث نجاسة البول مروي عن أبي هريرة كما سيأتي، وإن أبا هريرة أسلم سنة
سبع، وإن تأخر إسلام الراوي، وإن لم يكن دليلاً قاطعاً على تأخر ما رواه غير أنه قرينة تؤيد
تأخره، ولا سيما إذا نظرنا إليه من حيث أن نجاسة البول إن كانت منسوخة في سنة سبع، لما
حدث أبا هريرة أحد من الصحابة حديث نجاسة البول من غير بيان نسخه، وظاهر أن قصة
العرنيين وقعت بمشهد من الصحابة، واشتهرت قصتهم، فلو كانت ناسخة لنجاسة البول لما خفي
نسخها على الصحابة، والمسألة مما تعم به البلوى، ولا سيما لأكثر الصحابة الذين يكثر
اشتغالهم برعي الدواب وحلبها .
ثم من المعلوم المشاهد في الأحاديث أن الأحكام قد انتقلت في الأنجاس من الخفة إلى
الشدة، فهناك أشياء كثيرة اعتبرت طاهرة غير مفسدة للصلاة في مبدأ الإسلام، ثم جاء الحكم
بنجاستها، فمن جملتها ما أخرجه البخاري (رقم: ٢٤٠) عن ابن مسعود ظ به في قصة وضع أبي
جهل سلا جزور على ظهر النبي ◌ّله وهو مصل ساجد، وقد ثبت أنه وُّو لم يقطع صلاته، بل
استمر فيها، كما ذكره الحافظ في الفتح (١: ٣٥١)، وادعى ابن حزم أن هذا الحديث منسوخ
بما روي في نجاسة النجو والدم.
فهذه القرائن مما يقوي احتمال النسخ، وعند هذا الاحتمال القوي لا يتم الاستدلال
بحديث الباب على طهارة البول الذي ورد في نجاسته أحاديث كثيرة.
والوجه الثالث في الاعتذار عن حديث الباب: أنه يحتمل أن يكو الأمر بشرب الألبان،
واستنشاق الأبوال وإنما عطف الأبوال على الألبان بطريق التضمين، والتضمين: أن يعطف
معمول عامل محذوف على معمول عامل مذكور، كقولهم: علفتها تبناً وماء بارداً، والمراد: