النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب: الأيمان
سِتُّونَ امْرَأَةً. فَقَالَ:
٢٨١٩) وفي النكاح، باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي (رقم: ٥٢٤٢)، وفي الأنبياء،
باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّبُ (®)) وفي الأيمان، باب كيف
كانت يمين النبي وَل﴾ (رقم: ٦٦٣٩) وباب الاستثناء في الأيمان (رقم: ٦٧٢٠)، وفي التوحيد،
باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِنْنَا لِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴾ (رقم: ٧٤٦٩)، والنسائي في الأيمان،
باب الاستثناء، وباب إذا حلف فقال له رجل: إن شاء الله هل له استثناء؟ والترمذي في الأيمان
والنذور، باب الاستثناء في اليمين، (رقم: ١٥٧١).
قوله: (ستون امرأة) اختلفت الروايات في عدد نساء سليمان رضُه في هذه القصة اختلافاً
شديداً، فورد في بعضها ستون امرأة وفي بعضها سبعون امرأة وفي بعضها سبعون، وفي بعضها
تسعون، وفي أخراها مائة أوتسع وتسعون، وقد جمع النووي رحمه الله بين هذه الروايات بأن
ذكر القليل لا ينفي الكثير، وأن مفهوم العدد لا عبرة له عند جمهور الأصوليين.
وتعقبه الحافظ في الفتح بأن ذلك ليس بكاف في هذا المقام، وأن مفهوم العدد معتبر عند
الكثيرين، ثم أتى بطريق آخر للجمع، فقال: ((إن الستين كن حرائر، وما زاد عليهن كن سراري،
أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون، والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين،
فمن قال: تسعون ألغى الكسر، ومن قال: مائة جبره، ومن ثم وقع التردد في رواية جعفر) كذا
في فتح الباري، كتاب الأنبياء (٦: ٤٦٠).
ولكن مثل هذا الجمع فيه تكلف ظاهر، وهو بعيد أيضاً بالنظر إلى أن الحديث واحد،
والراوي في جميع الروايات أبو هريرة رظه، وإنما يحتمل مثل هذا الجمع إذا ثبت أن النبي ◌َّ
تكلم بجميع هذه الأعداد في مواقع مختلفة، فعنى في بعضها الحرائر، وفي بعضها السراري،
ولم يثبت ذلك، بل الظاهر خلافه، لأن الحديث لم يروه غير أبي هريرة فيما نعلم.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أن هذا الاختلاف إنما نشأ من تصرف
الرواة، ولعل النبي ◌َّلهول بين عدداً يدل على الكثرة، فعبر عنه بعضهم بستين، وآخرون بسبعين، أو
تسعين، وقدمنا غير مرة أن كثيراً من الرواة كانوا يعتنون بحفظ أصل الحديث ومغزاه، دون
التعمق في حواشيه وتفاصيله التي لا أثر لها على أصل الحديث، فحفظوا أصل القصة، ولم
يتثبتوا في تعيين العدد كتثبتهم في أصل القصة، فمن هنا نشأ الاختلاف بينهم، وليس ذلك قادحاً
في صحة أصل الحديث، لما قرره المحدثون أن وهم الراوي في جزء من الحديث لا يستلزم
ضعف أصله، وقد استعمل الحافظ هذ الأصل في مواضع من فتح الباري، وراجع باب موعظة
الرجل ابنته من النكاح مثلاً .
وبالجملة، فلا سبيل اليوم إلى الجزم بتصحيح أحد هذه الأعداد، أو عدد غيره، بالنظر إلى
اختلاف الروايات، وليس تعيين العدد من مقاصد القصة، ولا أثر له على مضمون الحديث،

١٨٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِأَطُوفَنَّ عَلَيْهِنَّ اللَّيْلَةَ، فَتَحْمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ. فَتَلِدُ كُلُّ وَاحِدةٍ مِنْهُنَّ غُلاَماً فَارِساً. يُقَاتِلُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلاَّ وَاحِدَةٌ. فَوَلَدَتْ نِصْفَ إِنْسَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
وإنما يكفي أن يفهم منه كثرة نساء سليمان ظل في الجملة، دون تعيين عددها، والله سبحانه
أعلم.
قوله: (لأطوفن عليهن الليلة) وفي رواية آتية: (لأطيفن)، وهما لغتان فصيحتان. طاف
بالشيء وأطاف به: إذا دار حوله، وتكرر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع، واللام جواب
القسم، والقسم محذوف، أي: والله لأطوفن، ويؤيده ما سيأتي في الرواية الآتية من قوله عليهلا:
(لم يحنث)) لأن الحنث لا يكون إلا عن قسم. وكثيراً ما تحذف العرب المقسم به، اكتفاء عنه
بلام القسم، لدلالتها على المقسم به، لكنها لا تدل على مقسم به معين، كذا في عمدة القاري
(٦: ٥٦٥)، كتاب الجهاد، ولكن يشكل عليه أن القسم المحذوف لا ينعقد به اليمين، حتى
يكون لفظ القسم ملفوظاً، فالأحسن ما اختاره الحافظ في الفتح (٦: ٤٦٢) أن التلفظ باسم الله
لعله وقع في الأصل، وإن لم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنع، فإن من قال: والله لأطوفن،
يصدق عليه أنه قال: لأطوفن، فإن اللافظ بالمركب لافظ بالمفرد.
قوله: (فتحمل كل واحدة منهن) قال الحافظ: ((هذا قاله على سبيل التمني للخير، وإنما
جزم به، لأنه غلب عليه الرجاء، لكونه قصد به الخير وأمر الآخرة، لا لغرض الدنيا. قال بعض
السلف: نبه 18 في هذا الحديث على آفة التمني والإعراض عن التفويض، قال: ولذلك نسي
الاستثناء ليمضي فيه القدر)).
قوله: (فولدت نصف إنسان) وفي بعض الروايات، (شق رجل) وفي بعضها (شق غلام)
وفي بعضها (واحد ساقطاً أحد شقيه)، والمراد أنها ولدت ولداً ناقص في خلقته.
وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا الولد الناقص هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَّمَنَ
وَلْقَيْنَا عَلَى كُرُِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ﴾ [سورة ص، الآية: ٣٤] واختاره الآلوسي، وأبو السعود وغيرهما،
ولكن ليس في طريق من طرق هذا الحديث أن الآية تشير إلى هذه القصة، أو أنها نزلت لبيانها،
وإن عمدة هؤلاء المفسرين في هذا، هو النقاش، فإنه حكى ذلك في تفسيره، ولكن رده الحافظ
في الفتح (٦: ٤٦١) بأن النقاش صاحب مناكير. وإليه يشير صنيع الإمام البخاري في صحيحه،
حيث أخرج هذا الحديث في الجهاد، وفي كتاب الأنبياء، وفي الأيمان والنذور، وفي التوحيد،
ولكن لم يخرجه في تفسير سورة ص، مما يدل على أن واقعة الباب لا علاقة لها عند البخاري
بالآية المذكورة، والرأي الصحيح الذي اختاره المحققون في تفسير هذه الآية أن نبهم ما أبهمه
الله تعالى، ولا نتكلف في الإتيان بتفاصيله من الروايات الإسرائيلية، أو من الأحاديث التي لا
ذكر فيها للآية، كحديث الباب، وهذا الرأي إليه يظهر جنوح الحافظ ابن كثير (٤: ٣٦) رحمه
الله، ومولانا الشيخ حفظ الرحمن رحمه الله في قصص القرآن (٢: ١٢٠)، ووالدي الشيخ

١٨٣
كتاب: الأيمان
(لَوْ كَانَ اسْتَثْنَى، لَوَلَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلاَمَاً، فَارِساً، يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)).
٤٢٦٢ - (٢٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِي عُمَرَ).
قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَام بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّل.
قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللّهِ: لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً. كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلاَم
يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ، أَو الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ. وَنَسِيَ .
المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى في معارف القرآن (٧: ٥١٥).
قوله: (لو كان استثنى) يعني: لو قال: إن شاء الله، كما سيأتي مصرحاً، والاستثناء في
اليمين: أن يقول: إن شاء الله، وسيأتي حكمه والاختلاف فيه في الرواية الآتية إن شاء الله
تعالی .
٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (هشام ابن حجير) بتقديم الحاء المضمومة على الجيم، مصغراً، وهو
المكي، وثقه العجلي، وابن سعد، وضعفه يحيى القطان، ويحيى بن معين، وقال أحمد: ليس
بالقوي، وذكره العقيلي في الضعفاء، وذكره قول ابن عيينة: لم نأخذ عنه إلا ما لا نجد عند
غيره، وقال الآجري عن أبي داود: ضرب الحد بمكة، قلت: فيما ذا؟ قال فيما يضرب فيه أهل
مكة، كذا في التهذيب (١١: ٣٣) قلت: أثنى عليه ابن شبرمة، فقال: ما بمكة مثله، كما في
ميزان الاعتدال (٤: ٢٩٥)، وذكره ابن حبان في الثقات (٧: ٥٦٧)، وقال أبو حاتم: مكي
يكتب حديثه، حكاه عنه ابنه في الجرح والتعديل (٤: ٢: ٥٤)، وذكر الحافظ في هدى الساري
(ص: ٤٤٨) أن البخاري لم يخرج عنه إلا هذا الحديث الواحد في قصة سليمان عليهلا، بعد ما
ظهرت متابعاته .
قوله: (فقال له صاحبه أو الملك) شك من الراوي، وليس بين الصاحب والملك منافاة،
غير أن الصاحب أعم، فيحتمل الملك وغيره، وقد وقع في بعض الروايات: ((فقال له الملك))
بالجزم على الثاني، وفي بعضها: ((فقال له صاحبه)) بالجزم على الأول، وفي بعضها: ((فقال له
صاحبه، قال سفيان: يعني الملك)) بالجمع بينهما، ورجح الحافظ كونه ملكاً، لأن من جزم
حجة على من لم يجزم، وغلط من قال: إنه آصف بن برخيا، وراجع فتح الباري (٦: ٤٦١)،
ولا حاجة إلى تعيين ما أبهمه الرسول له.
قوله: (فلم يقل، ونسي) قال الحافظ: ((ومعنى قوله: فلم يقل: أي: بلسانه، لا أنه أبى
أن يفوض إلى الله، بل كان ذلك ثابتاً في قلبه، لكنه اكتفى بذلك أولاً، ونسي أن يجريه على
لسانه لمَّا قيل له لشيء عرض له)) ثم قوله: ((نسي)) ضبطه الأكثرون بفتح النون وتخفيف السين،
وضبطه بعضهم: ((نُسِّي)) بضم النون وتشديد السين، على كونه مجهولاً من التنسية، وهو صحيح
أيضاً، نَبَّه عليه النووى نَّثُ .

١٨٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ. إِلَّ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلاَم)). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّ: ((وَلَوْ
قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكاً لَهُ فِي حَاجَتِهِ)).
٤٢٦٣ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّّ بَِّ، مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ.
٤٢٦٤ - (٢٤) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَّ: لأُطِيفَنَّ اللَّيْلَةَ
عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً. تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ غُلاَماً. يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ
اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ. فَأَطَافَ بِهِنَّ. فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ، إِلَّ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، نِصْفَ إِنْسَانٍ)). قَالَ: فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَكَانَ دَرَكاً لِحَاجَتِهِ)).
٤٢٦٥ - (٢٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّرِ. قَالَ: ((قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ:
قوله: (لم يحنث) قدمنا عن العيني تَُّهُ: أن قول سليمان عليّا: ((لأطوفن)) كان يميناً،
بتقدير حرف القسم، ولذلك أطلق على عدم العمل به بالحنث. ويحتمل أيضاً أن لا يكون قول
سليمان عليَّلا: يميناً، وإنما أطلق لفظ الحنث مجازاً، بمعنى ترك العمل به، والله سبحانه أعلم.
ثم قوله: (لم يحنث) يحتمل معنيين: الأول: أن سليمان ظلّا: لو قال: إن شاء الله،
لأنجز له الله تعالى ما أراد، وولدت كل امرأة من نسائه ولداً مجاهداً، ولوقع ما أقسم به، فلم
يحنث، والثاني: أن قوله: إن شاء الله كان استثناءً في اليمين، فلو قال ذلك بطل انعقاد اليمين،
فلم يحنث، ولو لم يقع ما أقسم به، ومن أجل هذا المعنى الثاني ذكره المحدثون في باب
الاستثناء في اليمين، وهو الراجع ههنا عندي، لأن المعنى الأول حاصل مستقلاً بقوله: ((وكان
دركاً له في حاجته)) والتأسيس أولى من التأكيد فكأنه قال: لو قال سليمان ظلّلام: إن شاء الله،
لم يحنث لعدم انعقاد اليمين، ولوقع حينئذٍ ما أراد، والله سبحانه أعلم.
قوله: (كان دركاً له في حاجته) الدرك، بفتح الدال والراء اسم من الإدراك، بمعنى
اللحاق، كما في قوله تعالى: (لا تخاف دركا) أي: لحاقاً من العدو، والمراد أنه كان يحصل له
ما طلب، ويحلقه ذلك.
ثم لا يلزم من إخباره ◌ّل بذلك في حق سليمان عليه في هذه القصة أن يقع ذلك لكل من
استثنى في أمنيته، بل في الاستثناء رجو الوقوع، وفي تركه خشية عدم الوقوع، وبهذا يجاب عن
قول موسى للخضر بالتّاها: (ستجدني إن شاء صابراً) مع قول الخضر له في الآخر: (ذلك تأويل
ما لم تسطع عليه صبرا). كذا في فتح الباري (٦: ٤٦١).

١٨٥
كتاب: الأيمان
لِأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً. كُلُّهَا تَأْتِي بِفَارِسِ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ:
قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعاً. فَلَّمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّ امْرَأَةٌ
وَاحِدَةٌ. فَجَاءتْ بِشِقٌ رَجُلٍ. وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَاناً أَجْمَعُونَ)).
٢٥ - (٠٠٠) - قوله: (وأيم الذي نفس محمد بيده) قال النووى: «فيه جواز اليمين بهذا
اللفظ، وهو: أيم الله، وأيمن الله، واختلف العلماء في ذلك، فقال مالك، وأبو حنيفة: هو
يمين، وقال أصحابنا: إن نوى به اليمين فهو يمين، وإلا فلا)).
قوله: (لو قال: إن شاء الله لجاهدوا) فيه جواز استعمال لفظ ((لو)) و((لولا))، وربما يعارضه
حديث مرفوع أخرجه مسلم وغيره، ((وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا،
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل)) ولكن هذا النهي محمول على ما إذا قاله الرجل على وجه
الحتم والقطع بالغيب، أنه لو كان كذا لكان كذا، من غير ذكر مشيئة الله تعالى، والنظر إلى سابق
قدره، وخفاء علمه علينا. فأما من قاله على التسليم، ورد الأمر إلى المشيئة فلا كراهة فيه،
حكاه النووي عن القاضي عياض، رحمهما الله. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن استعمال
لفظ ((لو)) إذا كان للتحسر المحض على الماضي، وللاعتماد التام على الأسباب، وغض النظر
عن سابق القدر، فإن ذلك هو الممنوع منه، وهو الذي جاء فيه: ((أن لو تفتح عمل الشيطان)).
وأما إذا كان مع اعتراف القدر للتنبه على الأخطاء الماضية، ليتجنب عنها في المستقبل، فإن
ذلك جائز مشروع وهو المقصود بحديث الباب كما لا يخفى، وقد عقد البخاري رحمه الله
لجواز مثله باباً في كتاب التمني من صحيحه، وأورد فيه عدة أحاديث قد ثبت فيها استعمال لفظ
(لو)) والله سبحانه وتعالى أعلم.
ثم في هذا الحديث مباحث:
١ - صحة هذه القصة
فالمبحث الأول: أن بعض المعاصرين من الكتاب طعنوا في صحة هذا الحديث، فذكر
الأستاذ أبو الأعلى المودودي في تفهيم القرآن (٤: ٣٣٧) بأن جماع ستين امرأة أو أكثر منها في
ليلة واحدة مما لا يقبله العقل، فإنه يستلزم أن يكون سليمان عليهلا قد جامع ست نسوة على الأقل
في كل ساعة من تلك الليلة، من غير أن يشتغل بشيء آخر لدقيقة واحدة، وهذا مما لا يتصور
فلا يقبل هذا الحديث في هذه الصورة على الرغم من صحة إسناده وثقة رجاله ثم أبدى الأستاذ
المودودي احتمال أن يكون رسول الله وسلم ذكر هذه القصة حكاية عن اليهود، للرد عليها، فزعم
بعض الرواة أنها قصة بينها النبي وَلقر، وصدقها.
هذه خلاصة ما ذكره الأستاذ المودودي في تفهيم القرآن، ولعمري، لقد قف شعري،

١٨٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٢٦٦ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ
واقشعر جلدي لكلامه في هذا الحديث، وما فتح فيه من باب النقد الفوضوي على الأحاديث
الصحيحة، لا شك أن الأحاديث لم تزل، ولا تزال، معرضاً للنقد العلمي السليم، ولكن لهذا
النقد أصولاً وقواعد بسطها المحدثون في كتب الأصول، ولئن ساغ لكن أحل أن يرد الأحاديث
الصحيحة، على الرغم من صحة إسنادها، وثقة رجالها، لمحض أن معناه لا يوافق عقله،
لتزعزعت بنيان الدين، وانفتح باب التحريف بمصراعيه لكل من هب ودب، ولا حول ولا قوة
إلا بالله العظيم.
وأما ما ذكره من حساب أوقات الليلة، وأن الجماع بستين امرأة لا يمكن في هذا الوقت
القليل، فمدخول بوجوه :
الأول: أننا حققنا فيما مضى قريباً أنه لم يثبت بالحديث عدد معين لنساء سليمان
والظاهر أن النبي وست* ذكر عدداً يدل على الكثرة، فعبر عنها بعض الرواة بستين، وآخرون بتسعين
أو أكثر، وأن الرواة إنما يهتمون بحفظ أصل الحديث، وربما لا يتثبتون في أجزائه وتفاصيله
التي لا أثر لها على أصل الحديث. فمن أين لنا أن نفرض عدداً معيناً ثم نحاسب أوقات الليلة
بحسابها؟
والثاني: لو فرضنا عدد الستين صحيحاً، فمن أين استحال جماع ستة منهن في ساعة
واحدة؟ ولئن كانت الليلة اثنتي عشرة ساعة؛ فالحساب الصحيح خمس نسوة في ساعة، فمن أين
صار ذلك محالاً عقلياً؟ حتى يرد به حديث صحيح؟ ولئن شرعنا نقيس قصص الأنبياء عليهم
السلام بمثل هذه الأقيسة، لم يثبت لبني معجزة، ولا لغيره كرامة، وكم ثبت للأنبياء علَل*، بل
ولبعض الأولياء أنهم فعلوا في الوقت القليل أموراً كثيرة لا يستطيعها الآخرون في أضعاف ذلك
الوقت؛ وقد حقق بعض الفلاسفة؛ ومن قدمتهم مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوي رحمه الله،
مؤسس دار العلوم بديوبند، أن للوقت طولاً وعرضاً، فالذي نشاهده في عموم الأحوال هو طول
الوقت، وما يذكر من وقوع الأفعال الكثيرة في الوقت القليل، فإنما يقع ذلك في عرضه.
وبالجملة، فإن مجرد استبعاد العقل بعض الأمور لا يكفي لرد الأحاديث الصحيحة، فإن
المعجزات والكرامات كلها أمور يستبعدها العقل، ولكنها ثابتة بلا ريب. وأما ما ذكره بعض
الأصوليين من أن الحديث يجب لصحته أن لا يكون مخالفاً للعقل، فإنما يريدون بذلك مخالفته
للعقل على وجه يستلزم محالاً عقلياً، لا مجرد أن يستبعده العقل مع قطع النظر عما يدل على
ثبوت المعجزات، فقد قال السيوطي رحمه الله في تدريب الراوي (ص: ١٧٩) نوع (٢١): ((إن
من جملة دلائل الوضع أن يكون مخالفاً للعقل بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه
الحس والمشاهدة .... أما المعارضة مع إمكان الجمع الجمع فلا)) وقال السخاوي في فتح
المغيث (١: ٢٤٩) ((وكأن يكون مخالفاً للعقل ضرورة، أو استدلالاً ولا يقبل تأويلاً بحال، نحو

١٨٧
كتاب: الأيمان
عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((كُلُّهَا تَحْمِلُ غُلاَماً يُجَاهِدُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ)).
الإخبار عن الجمع بين الضدين، وعن نفي الصانع، وقدم الأجسام، وما أشبه ذلك، لأنه لا
يجوز أن يرد الشرع بما ينافي مقتضى العقل)).
٢ - مسألة الاستثناء في اليمين.
والمبحث الثاني: مسألة الاستثناء في اليمين. وجملة القول في ذلك أن الحالف إذا قال:
إن شاء الله مع يمينه فهذا يسمى استثناء، لما رواه أصحاب السنن الأربعة عن ابن عمر، عن
النبي ◌َّر، قال: ((من حلف، فقال: إن شاء الله فقد استثنى)) وأجمع العلماء على أن الرجل متى
استثنى في يمينه لم يحنث فيها، وذلك لما أخرجه الترمذي وغيره (رقم: ١٥٧٠) عن ابن عمر أن
رسول الله وَ* قال: ((من حلف على يمين، فقال: إن شاء الله، فلا حنث عليه)) وأخرج أبو داود
(رقم: ٣٧٦٢) عنه، قال: قال رسول الله وَ ليقول ((من حلف، فاستثنى، فإن شاء رجع، وإن شاء
ترك، غیر حنث)).
ثم الجمهور على أن الاستثناء إنما يمنع انعقاد اليمين إذا كان متصلاً باليمين، بحيث لا
يفصل بينهما كلام أجنبي، ولا يسكت بينهما سكوتاً، يمكنه الكلام فيه، فأما السكوت لانقطاع
نفسه، أو صوته، أو عَيٍّ، أو عارض من عطشه، أو شيء غيرها، فلا يمنع صحة الاستثناء،
وثبوت حكمه. وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو عبيد،
وإسحاق، كما ذكره ابن قدامة في المغني (١١: ٢٢٦ و٢٢٧)، ثم استدل عليه بقوله: ((لأن
النبي ◌َّلي قال: من حلف فاستثنى، وهذا يقتضي كونه عقيبه؛ ولأن الاستثناء من تمام الكلام،
فاعتبر اتصاله به، كالشرط وجوابه، وخبر المبتدأ، والاستثناء بإلا؛ ولأن الحالف إذا سكت ثبت
حكم يمينه، وانعقدت موجبة لحكمها، وبعد ثبوته لا يمكن دفعه ولا تغييره، قال أحمد: حديث
النبي ◌َّ لعبد الرحمن بن سمرة! ((إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها فكفر عن
يمينك))، ولم يقل: فاستثنى، ولو جاز الاستثناء في كل حال لم يحنث حانث به)).
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد ◌ًا، أنهما لا يشترطان الاتصال في الاستثناء، ويقولان
بصحة الاستثناء ولو بعد زمان، وروي عن سعيد بن جبير أنه حدده بأربعة أشهر، وقد ذكر
النووي رحمه الله عن بعض العلماء أنهم تأولوا قولهم بأن مرادهم أنه يستحب قول إن شاء الله
تبركاً، قال تعالى: ﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ [سورة الكهف، الآية: ٢٤] ولم يريدوا به حل اليمين،
ومنع الحنث .
ثم اختلف القائلون باشتراط الاتصال في حد الاتصال، فالجمهور على ما ذكرنا من
وجوب اتصال الاستثناء باليمين مطلقاً، إلا ما لا بد منه من الانقطاع نفس وغيره، وروي عن

١٨٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الحسن، وعطاء أنه يصح الاستثناء ما دام الحالف في المجلس، وهو قول بعض الحنابلة أيضاً،
وعن عطاء قدر حلبة الناقة العزوزة، وقال قتادة: ما لم يقم، أو يتكلم، وهو رواية عن أحمد
والأوزاعي أيضاً، هذا ملخص ما في شرح النووي، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (١١ :
٢٢٨).
وربما يستدل هؤلاء بحديث الباب، حيث قال فيه صاحب سليمان ظلَّلا: قل: إن شاء الله،
وذلك بعد ما انقضى كلام سيدنا سليمان ظلّ *: فلولا أن الاستثناء يؤثر بعد السكوت في
المجلس. لما دعاه صاحبه إلى ذلك.
وأجاب عنه القرطبي باحتمال أن يكون الصاحب قال ذلك في أثناء كلام سليمان: وهو
احتمال يمكن أن يسقط به الاستدلال، كذا في فتح الباري (٦: ٤٦٢). والأحسن عندي في
الجواب أن يقال: إن صاحبه لم يرد المنع من انعقاد اليمين، وإنما أراد أن يتبرك سليمان ثم
بهذا القول، ليكون وقوع ما قصده أرجى، فلا دلالة له على جواز الاستثناء المنفصل.
وهذا كله في اليمين بالحلف، وأما اليمين بالطلاق والعتاق، فقد اختلف العلماء: هل يؤثر
الاستثناء فيه أم لا؟ فقال أبو حنيفة، والشافعي: حكم الطلاق والعتاق حكم الحلف سواء بسواء
فيمنع الاستثناء المتصل انعقاده أيضاً. وهو قول طاوس، وحماد، وأبي ثور. وقال مالك
والأوزاعي: لا ينفعه الاستثناء، لأن التعليق بالطلاق والعتاق ليس بيمين، فلا يبطل الاستثناء
حكمه، وهو قول الحسن، وقتادة، ورواية عن أحمد، اختارها أكثر الحنابلة، وراجع المغني
لابن قدامة للتفصيل.
٣ - فوائد أخرى:
وفي الحديث فوائد أخرى غير ما ذكرنا، ففيه فضل فعل الخير وتعاطي أسبابه، وإن كثيراً
من المباح والملاذ يصير مستحباً بالقصد، وفيه استحباب الاستثناء لمن قال: سأفعل كذا، وفيه
أن الاستثناء لا يكون إلا بالفظ، ولا يكفي فيه النية، وهو متفق عليه إلا ما حكاه الحافظ في
الفتح عن بعض المالكية، وما روي عن أحمد أن من كان مظلوماً فاستثنى في نفسه جاز له ذلك
إذا خاف على نفسه، حكاه ابن قدامة في المغني (١١: ٢٢٨) ثم قال: ((فهذا في حق الخائف
على نفسه، لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأول، وأما في حق غيره فلا)).
وفي الحديث ما خص به الأنبياء من القوة على الجماع الدالة على صحة البنية، وقوة
الفحولية، وكمال الرجولية، مع ما هم فيه من الاشتغال بالعبادة والعلوم، ويقال: إن من كان
أتقى لله فشهوته أشد، لأن الذي لا يتقي يتفرج بالنظر ونحوه. وفيه جواز الإخبار عن الشيء
ووقوعه في المستقبل بناء على غلبة الظن، فإن سليمان ظلّل جزم بما قال: وقد تقدم وجهه، وفيه
جواز السهو على الأنبياء وأن ذلك لا يقدح في علو منصبهم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

١٨٩
كتاب: الأيمان
(٦) - باب: النهي عن الإصرار على اليمين،
فيما يتأذى به أهل الحالف، مما ليس بحرام
٥٢٦٧ - (٢٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةً، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((وَاللَّهِ، لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ
يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ».
(٦) - (٠٠٠) - باب النهي عن الإصرار على اليمين إلخ
٢٦ - (١٦٥٥) - قوله: (هذا ما حدثنا أبو هريرة) قدمنا غير مرة أن هذه الأحاديث مأخوذة
من صحيفة همام بن منبه، وهذا الحديث موجود في النسخة المطبوعة منها، (برقم: ٥٩٠)
واللفظ عين لفظ مسلم، غير أنه ليس في أوله (والله).
وأخرجه أيضاً البخاري في أول باب من الأيمان والنذور (رقم: ٦٦٢٥ و٦٦٢٦) وابن
ماجه في الكفارات، باب النهي أن يستلج الرجل في يمينه، ولا يُكَفِّر، (رقم: ٢١١٤)، وأحمد
في مسنده (٢ : ٢٧٨).
قوله: (لأن يَلُجَّ) بفتح اللام وكسرها لجاجاً، من باب سمع وضرب، واستلج استلجاجاً:
إذا أصر على الشيء، وقال ابن أثير في جامع الأصول (١١: ٦٨١): ((لجَّ، واستلج في يمينه:
إذا لج في الاستمرار عليها وترك تكفيرها، ورأى أنه صادق فيها)).
قوله: (في أهله) قال النووي: ((ومعنى الحديث أنه إذا حلف يميناً تتتعلق بأهله،
ويتضررون بعدم حنثه، ويكون الحنث ليس بمعصية، فينبغي له أن يحنث، فيفعل ذلك الشيء،
ويكفر عن يمينه؛ فإن قال؛ لا أحنث، بل أتورع عن ارتكاب الحنث، وخاف الإثم فيه، فهو
مخطىء بهذا القول؛ بل استمراره في عدم الحنث وإدامة الضرر على أهله أكثر إنما من الحنث)).
وقال الحافظ في الفتح (١١: ٥٢١): ((ويستنبط من معنى الحديث أن ذكر الأهل خرج
مخرج الغالب. وإلا فالحكم يتناول غير الأهل إذا وجدت العلة، والله أعلم)).
قوله: (آثم) بالمد، أي: أشد إثماً، وربما يشكل عليه أنه يستلزم أن يكون الحنث إثماً
أيضاً، ليكون اللَّجَاجُ آثَمُ منه، مع أن الحنث لا يجوز إلا فيما لم يكن معصية، وأجاب عنه
الشراح بوجوه: فذكر النووي رحمه الله أن فيه مقابلة اللفظ على زعم الحالف وتوهمه، فإنه
يتوهم أن عليه إثماً في الحنث مع أنه لا إثم عليه في الحقيقة، وقيل: المراد أنه لو كان على
سبيل الفرض، فإن إثم اللجاج أعظم.
واختار الطيبي وجهاً آخر، فقال: ((لا يبعد أن تخرج أفعل عن بابها، كقولهم: الصيف

١٩٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧) - باب: نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم
٤٢٦٨ - (٢٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَّ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ:
أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ
أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: ((فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ)) .
أحر من الشتاء، ويصير المعنى أن الإثم في اللجاج في بابه أبلغ من ثواب إعطاء الكفارة في
بابه)) كذا في فتح الباري (١١: ٥١٩)، والله أعلم.
(٧) - باب: نذر الكافر، وما يفعل فيه إذا أسلم
٢٧ - (١٦٥٦) - قوله: (المقدمي) بضم الميم، وفتح الدال المشددة، نسبة إلى جده مقدم،
كما في الأنساب للسمعاني (١٢: ٣١٢) وقد مرت ترجمته في باب الكلالة.
قوله: (عن عبيد الله) يعني ابن عمر العمري، وقد تقدم في أول باب من كتاب الهبات.
قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلاً،
وباب من لم ير عليه صوماً إذا اعتكف، وباب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف، ثم أسلم، وفي
الجهاد، باب ما كان النبي ◌ّيه يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس، وفي المغازي، باب
قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْتُكُمْ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٢٥]، وفي الأيمان
والنذور، باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنساناً في الجاهلية، ثم أسلم. (رقم: ٢٠٣٢،
و٢٠٤٣، و٣١٤٤، و٤٣٢٠ و ٦٦٩٧).
وأخرجه أيضاً أبو داود في الأيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية، ثم أدرك
الإسلام، (رقم: ٣٣٢٥)، والترمذي في الأيمان والنذور باب ما جاء في وفاء النذر، (رقم:
١٥٣٩)، والنسائي في الأيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي، وابن ماجه في
الكفارات، باب الوفاء بالنذر، (رقم: ٢١٢٩).
قوله: (نذرت في الجاهلية) فسره الكرماني بما قبل بعثة النبي ◌َّر، وخالفه جمهور
الشراح، فقالوا: المراد حالة الشرك، لأن جاهلية كل رجل حالة كفره. وأغرب بعضهم، فقال:
المراد من الجاهلية ما قبل فتح مكة، وأن عمر إنما نذر في الإسلام، ورد عليه الحافظ في
اعتكاف الفتح (٤: ٢٧٤) بأنه قد وقع في رواية للدار قطني ما يعين المعنى، ولفظها: ((نذر عمر
أن يعتكف في الشرك)).
قوله: (فأوف بنذرك) هاهنا مسألتان فقهيتان:
الأولى: إذا نذر الكافر في حالة كفره، هل يجب عليه بعد إسلامه أن يفي بذلك النذر؟

١٩١
كتاب: الأيمان
٤٢٦٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
واختلف فيها الفقهاء، فقال بعضهم: يجب عليه الوفاء بعد إسلامه، وهو قول طاوس، وقتادة،
والحسن البصري، وأبي ثور، وجماعة من الشافعية، وابن حزم، والظاهرية، وابن جرير
الطبري، والمغيرة بن عبد الرحمن من المالكية، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، واحتجوا
بحديث الباب.
وخالفهم الجمهور، فقالوا: لا يصح نذر الكافر أصلاً فلا يجب عليه الوفاء بعد إسلامه،
وإنما يستحب له ذلك، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وإبراهيم النخعي، والثوري، وهو المختار
عند أكثر الشافعية، ورواية عن أحمد.
واستدل الجمهور بما أخرجه الطحاوي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه: عن جده، قال:
قال رسول الله وَله: ((إنما النذر ما ابتغي به وجه الله)). وإن فعل الكافر لم يكن تقرباً إلى الله لأنه
قصد به تقرب الذي كان يعبده من دون الله. ولأنه لما كان التقرب إلى غير الله معصية صار النذر
معصية، فدخل في قوله عليّا: ((لا نذر في معصية الله)) هذا ملخص ما ذكره العلامة العيني في
عمدة القاري (١١ : ٦٧).
وأما حديث الباب، فقد أجاب عنه الجمهور بوجوه مختلفة؛ فقال أبو الحسن القابسي: إن
النبي ◌ّي لم يأمر عمر على جهة الإيجاب. وإنما أمره على جهة المشورة، والاستحباب،
وأوضحه الطحاوي بأن النبي والر فهم من عمر أنه سمح بأن يفعل ما كان نذره، فأمره به، لأن
فعله حينئذٍ طاعة لله تعالى، فكان ذلك خلاف ما أوجبه على نفسه، لأن الإسلام يهدم أمر
الجاهلية .
وأجاب ابن العربي بأن عمر رَظُه لما نذر في الجاهلية، ثم أسلم، أراد أن يكفر ذلك بمثله
في الإسلام، فلما أراده ونواه سأل النبي ◌َّر، فأعلمه أنه لزمه، لأن كل عبادة ينفرد بها العبد عن
غيره تنعقد بمجرد النية العازمة الدائمة، كالنذر في العبادة، والطلاق في الأحكام وإن لم يتلفظ
بشيء من ذلك.
ورد عليه الحافظ في الفتح (١١: ٥٨٣). بأنه لم يوافق أحد ابن العربي على انعقاد النذر
بمجرد النية بدون تلفظه، حتى نقل بعض المالكية الاتفاق على أن العبادة لا تلزم إلا بالنية مع
القول، أو الشروع؛ وعلى التنزل، فظاهر كلام عمر مجرد الإخبار بما وقع، مع الاستخبار عن
حكمه، وليس فيه ما يدل على ما ادعاه من تجديد نية منه في الإسلام، والله سبحان وتعالى
أعلم.
والمسألة الثانية: قد استدل الشافعية بحديث الباب على أن الاعتكاف المسنون يصح في
ليلة مفردة عن النهار، وأن الاعتكاف المسنون لا يشترط له الصوم، لأن عمر رضيڅله نذر اعتكاف
ليلة واحدة، فأقره النبي ◌َّير على ذلك، وظاهر أن الليلة لا يكون فيها صوم.

١٩٢
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (يَعْنِي الثَّقَفِيَّ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْعَلاَءِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاتٍ. حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ
جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلَّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ حَفْصٌ، مِنْ بَيْنِهِمْ: عَنْ عُمَرَ، بِهِذَا الْحَدِيثِ. أَمَّا أَبُو أُسَامَةَ وَالثَّقَفِّيُّ
فَفِي حَدِيثِهِمَا: اعْتِكَافُ لَيْلَةٍ. وَأَمَّا فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ فَقَالَ: جَعَلَ عَلَيْهِ يَوْماً يَعْتَكِفُهُ. وَلَيْسَ
فِي حَدِيثٍ حَقْصٍ، ذِكْرُ يَوْمٍ وَلاَ لَيْلَةٍ.
٤٢٧٠ - (٢٨) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ
حَازِمٍ؛ أَنَّ أَيُّوبَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ نَافِعاً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
والجواب من قبل الحنفية أنه قد ورد في الرواية الآتية: ((جعل عليه يوماً يعتكفه)) فالمراد
بالليلة ما كان مع نهارها، ومن اليوم ما كان مع ليلة، وقد أخرج أبو داود، والنسائي من طريق
عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر: ((أن عمر رَبُّه جعل عليه أن يعتكف في
الجاهلية ليلة أو يوماً عند الكعبة، فسأل النبي (وَ لقر، فقال: اعتكف، وصم)) وقد سبق هذا
المبحث بتفاصيله، مع الكلام على إسناد هذا الحديث في أول كتاب الاعتكاف. فلا حاجة إلى
الإعادة، والله سبحانه أعلم.
(٠٠٠) - قوله: (محمد بن عمرو بن جَبَلة) بفتح الجيم والباء، وهو: محمد بن عمرو بن
عباد جبلة العتكي، مولاهم أبو جعفر البصري، وثقة أبو داود، وابن حبان، وعلي بن الحسين،
كذا في التهذيب (٩: ٣٧٣).
قوله: (كلهم عن عبيد اللّه) يعني: أبا أسامة وعبد الوهاب الثقفي، وحفص ابن غياث،
وشعبة، كلهم يروى هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمري.
قوله: (وقال حفص من بينهم: عن عمر) يريد أن الرواة الثلاثة جعلوا هذا الحديث من
مستندات ابن عمر، وتفرد حفص بن غياث من بينهم، فرواه، عن ابن عمر، عن عمر، وجعله
من مسندات عمر بن الخطاب ﴿به. قلت: وكذلك أخرجه النسائي في الصغرى ٢: ١٢٨ من
طريق سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، ومن طريق يعقوب بن إبراهيم،
عن يحيى: عن عبيد اللّه، عن نافع، فقال: ((عن ابن عمر، عن عمر)) كما ذكره الحافظ في الفتح
(٤: ٢٧٤)، ولكني لم أجده في الصغرى، ولعله في الكبرى.
وكذلك أخرجه أبو داود من طريق يحيى المذكور، فقال: (عن ابن عمر، عن عمر)) پًّا،
فالحديث مروي بكلا الطريقين، ولا مانع من أن يكون ا بن عمر شاهد القصة بنفسه، فرواه من
قبله مرة، وسمعها من أبيه، فرواه عنه مرة أخرى.

١٩٣
كتاب: الأيمان
سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، بَعْدَ أَنْ رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
إِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَغْتَكِفَ يَوْماً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَكَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: ((اذْهَبْ
فَاعْتَكِفْ يَوْماً)).
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَ ◌ّهِ قَدْ أَعْطَاهُ جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ. فَلَمَّا أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
سَبَايَا النَّاسِ، سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أصْوَاتَهُمْ يَقُولُونَ: أَعْتَقَنَا رَسُولُ اللّهِ شَهِ. فَقَالَ: مَا
هَذَا؟ فَقَالُواَ: أَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ سَبَايَا النَّاسِ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ
الْجَارِيَةِ فَخَلِّ سَبِيلَهَا .
٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (وهو بالچعرانة) بكسر الجسيم اتفاقاً، ثم ضبط ما بعد ذلك
بطريقين: الأول: سكون العين، وتخفيف الراء، والثاني: كسر العين وتشديد الراء المفتوحة.
وذكر الحموي أن الأول طريق أهل الأدب، والثاني طريق أهل الحديث، ثم حكى عن الشافعي
أنه قال: ((المحدثون يخطئون في تشديد الجعرانة، وتخفيف الحديبية)) ثم قال الحموي: ((والذي
عندنا أنهما روايتان جيدتان، حكى إسماعيل بن القاضي عن علي بن المديني أنه قال: أهل
المدينة يثقلونه ويثقلون الحديبية، وأهل العراق يخففونهما، ومذهب الشافعي تخفيف الجعرانة،
وسمع من العرب من قد يثقلها، وبالتخفيف قيدها الخطابي)).
وهي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، نزلها النبي وَّلتر مرجعه من غزاة حنين،
وأحرم منها، وله فيها مسجد، وبها بئار متقاربة)) وراجع معجم البلدان للحموي (١: ١٤٢).
قوله: (فلما أعتق رسول الله وَّيه سبايا الناس) وخلاصة هذه القصة على ما رواه البخاري
وغيره في المغازي أن النبي و لّ قاتل هوازن في حنين، وأصاب منهم السبي والمال، وكان
رسول الله * يحب إسلام هوازن، ويتوقع منهم ذلك، لصلته القريبة بهم، فلم يقسم ما غنم
منهم بين المسلمين بضعة عشر يوماً، رجاء أن يأتي هوازن مسلمين، فيرد إليهم جميع ذلك،
ولكنهم تأخروا، فقسم الغنيمة بعد بضعة عشر يوماً، وهو بالجعرانة، وهناك أتته هوازن تائبين
مسلمين، وطلبوا منه أن يرد إليهم سبيهم وأموالهم، فأعلمهم رسول الله وَله بتأخيره قسم الغنائم
انتظاراً لإسلامهم. وأجابهم بأنه لا يمكن بعد قسم العنائم أن يرد إليكم السبي والمال جميعاً،
فاختاروا أحد الشيئين، إما السبي، وإما المال، فاختاروا السبي، فجمع رسول الله وَّل
الصحابة، وقام فيهم، وقال: ((أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد
إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى
نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)) فقال الناس: ((قد طيبنا ذلك)) ثم استوثق النبي وَل
ذلك بواسطة العرفاء، فلما علم أنهم طيبوا ذلك كلهم، رد السبي إلي هوازن، وهذا هو المراد
بإعتاقه سبايا الناس في حديث الباب.
قوله: (يا عبد الله! اذهب إلى تلك الجارية) هذا يدل على أن الجارية التي أصابها

١٩٤
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٢٧١ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: لَمَّا قَفَلَ النَّبِيُّ ◌َّهُ مِنْ حُنَيْنٍ سَأَلَ عُمَرُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ عُّنْ نَذْرٍ كَانَ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، اعْتِكَافِ يَوْمٍ ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ
جَرِيرِ بْنِ حَازِمِ.
٤٢٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا
أَيُّوبُ، عَنْ نَافِع. قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ عُمْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مِنَ الْجِعْرَانَةِ. فَقَالَ: لَمْ
يَعْتَمِرْ مِنْهَا. قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِيرِ بْنِ
حَازِمٍ وَمَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ.
٤٢٧٣ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ
الْمِنْهَالِ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَّفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. كِلاَهُمَا عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِهِذَا الْحَدِيثِ فِي النَّذْرِ. وَفِي
حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً: اعْتِكَافُ يَوْمٍ.
عمر نظبه كانت واحدة، وقد أخرج البخاري في فرض الخمس أنه أصاب جاريتين. ويظهر
الجمع مما رواه ابن إسحاق في المغازي أن عمر رضيالله أصاب جارية اسمها قلابة، فوهبها لابنه
عبد اللّه، فبعث بها إلى أخواله في بني جمح ليصلحوا له منها حتى يطوف بالبيت، فلما خرج من
المسجد سمع الناس يخبرونه برد سبي هوازن، فردها إليهم، ذكره الحافظ في الفتح (٨: ٣٦).
ثم جمع بين الروايتين بأنه أصاب جاريتين، فأعطى ابن عمر إحداهما، وأمسك الأخرى، والله
أعلم.
(٠٠٠) - قوله: (لم يعتمر منها) إنما أنكر ابن عمر ◌ًا عمرة الجعرانة، لأنه لم يعلم
وقوعها، وقد خفيت هذه العمرة على كثير من الصحابة، وذلك لما أخرجه النسائي، وأبو داود
(رقم: ١٩٩٦)، والترمذي (رقم: ٩٣٥) عن محرش الكعبي رظل اله: ((أن رسول الله وَّ خرج من
الجعرانة ليلاً معتمراً، فدخل مكة ليلاً، فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة
كبائت، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرف، حتى جامع الطريق طريق جمع ببطن
سرف، فمن أجل ذلك خفیت عمرته على الناس)).
(٠٠٠) - قوله: (الدارمي) بكسر الراء، نسبة إلى بني دارم بن مالك، وهو الإمام المشهور
صاحب السنن، تقدم ترجمته في باب بيع الطعام مثلاً بمثل.
قد وقع الفراغ من تسويد شرح أحاديث النذور والأيمان بفضل الله سبحانه وحسن توفيقه
ظهيرة السادس عشر من شهر رمضان المبارك (سنة: ١٤٠٤ هـ)، وفقني الله تعالى لإتمام باقي
الأبواب، إنه سميع قريب.

١٩٥
كتاب: الأيمان
(٨) - باب: صحبة المماليك، وكفارة من لطم عبده
٤٢٧٤ - (٢٩) حدّثني أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً،
عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ زَاذَانَ أَبِي عُمَرَ. قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَدْ أَعْتَقَ
مَمْلُوكاً. قَالَ: فَأَخَذَ مِنَ الأَرْضِّ عُوداً أَوْ شَيْئاً. فَقَالَ: مَا فِيهِ مِنَ الأَجْرِ مَا يَسْوَى هذَا.
إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ
(٨) - باب: صحبة المماليك
٢٩ - (١٦٥٧) - قوله: (الجحدري) بفتح الجيم والدال، نسبة إلى جده جحدر، كما في
الأنساب للسمعاني (٣: ٢٠٦).
قوله: (عن فراس) بكسر الفاء، وتخفيف الراء، وهو ابن يحيى الهمداني الخارفي
الكوفي، أبو يحيى المكتب، وثقه أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن عمار وغيرهم، وقال
العجلي: ((كوفي ثقة من أصحاب الشعبي، في عماد الشيوخ، ليس بكثير الحديث)) مات (سنة:
١٢٩ هـ) .
قوله: (عن زاذان) الكندي، مولاهم، الكوفي الضرير البزار، وكنيته أبو عمر كما ذكره
المصنف، وهو الأكثر الأشهر، وقيل: أبو عبد اللّه. يقال: إنه شهد خطبة عمر بالجابية، وروى
عن ابن مسعود، وتاب على يديه، وروى عن جمع من الصحابة غيره، وقد نقم عليه بعض
المحدثين كثرة روايته، وكثرة كلامه، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ولم يخرج له في
صحيحه، مات بعد الجماجم. كذا في التهذيب (٣: ٣٠٣).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الأدب، باب حق الملوك، (رقم: ٥١٦٨).
قوله: (ما فيه من الأجر ما يسوى هذا) يعني: ليس لي في هذا الإعتاق أجر يساوي هذا
العود، لأني لم أعتقه إلا كفارة لضربي إياه، فكأنه زعم أن أجر الكفارة كفاف ضربه، فلم يبق له
شيء، كذا فسره القاضي، كما في شرح الأبي.
ثم إن قوله: (يسوى) وقع على وزن (يخشي) في أكثر النسخ، وفي بعضها: (ما يساوي)،
وذكر النووي رحمه الله أن الأفصح (يساوي) ويمكن أن يكون ابن عمر قال: يساوي، فغيره أحد
الرواة إلى (يسوى)، والله أعلم.
قوله: (إلا أني سمعت) إلخ: أكثر النسخ على أنه (إلا) حرف استنثاء، وقيل: إنه (ألا)
حرف التحضيض ومعنى الثاني ظاهر، ومعنى الأول، وهو الأرجح رواية، أنه ليس لي من الأجر
شيء إلا أجرة الكفارة، وهو كفاف لضربي، وقيل: معناه لا أعتقه لوجه من الوجوه إلا أني
سمعت رسول الله وَير إلخ، وقيل: إنه استثناء منقطع والأول أرجح.

١٩٦
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» .
٤٢٧٥ - (٣٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى).
قَالاَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ فِرَاسِ. قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ
زَاذَانَ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلاَّم لَهُ. فَرَأَىْ بِظَهْرِهِ أَثَراً. فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ:
فَأَنْتَ عَتِيقٌ.
قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئاً مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: مَالِي فِيهِ مِنَ الأَجْرِ مَا يَزِنُ هُذَا. إِنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((مَنْ ضَرَبَ غُلاَمَاً لَهُ، حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ
أَنْ يُعْتِقَهُ)).
قوله: (فكفارته أن يعتقه) قال النووي رحمه الله: ((وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا
ليس واجباً، وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه، لما فيه إزالة إثم ظلمه. ومما استدلوا به لعدم
وجوب إعتاقه حديث سويد بن مقرن بعده: أن النبي وَر أمرهم حين لطم أحدهم خادمهم،
بعتقها. قالوا: ليس لنا خادم غيرها، قال: فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها)).
وقال القاضي عياض: وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه،
مثل هذا الأمر الخفيف ... واختلفوا في ما كثر من ذلك وشنع، من ضرب مبرح منهك، لغير
موجب لذلك، أو حرقه بنار، أو قَطَعَ عضواً له، أو أفسده، أو نحو ذلك مما فيه مثلة، فذهب
مالك، وأصحابه، والليث، إلى وجوب عتق العبد على سيده بذلك، ويكون ولاؤه له، ويعاقبه
السلطان على فعله. وقال سائر العلماء: لا يعتق عليه)) كذا في شرح النووي.
ثم ذكر الأبي أنه لاعتق بالمثلة إلا بالحكم، في قول ابن القاسم من المالكية، وقال
أشهب: هو بنفس المثلة حر، وراجع للتفصيل شرحه (٤: ٣٨٤).
٣٠° - (٠٠٠) - قوله: (فرأى بظهره أثراً) قال القرطبي: ((كان ضربه له أدباً، إلا أنه تجاوز
عن ضرب الأدب، ولذلك أثر الضرب في ظهره، ثم رأى أنه لا يخرجه مما وقع فيه إلا عتقه،
فأعتقه، بنية الكفارة)).
قوله: (حداً لم يأته) الإتيان بالحد كناية عن ارتكاب ما يوجبه، فالمراد أن السيد إذا أقام
على عبده حداً لم يرتكب ذلك العبد ما يوجبه، فكفارته إعتاقه.
(استطراد):
قال نافع: كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به إلى الله تعالى. وكان رقيقه
قد عرفوا ذلك منه، فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه،
فيقول له أصحابه: إنهم يخدعونك. فيقول: من خَدَعَنا بالله انْخَدَعْنَا له، كذا في تهذيب الأسماء
واللغات للنووي (١: ٢٧٩ و٢٨٠)، وراجع أيضاً طبقات ابن سعد.

١٩٧
كتاب: الأيمان
٤٢٧٦ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْر بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ. كِلاَهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فِرَاسٍ. بِإِسْنَادِ شُعْبَةً وَأَبِي
عَوَانَةَ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَهْدِيٍّ فَذَكَرَ فِيهِ ((حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ)). وَفِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ))
وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَدَّ.
٤٢٧٧ - (٣١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرِ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ مُعَاوِيَةً بْنِ
سُوَيْدٍ. قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلَّى لَنَا فَهَرَبْتُ. ثُمَّ جِئْتُ قُبَيْلَ الظّهْرِ فَصَلَّيْتُ خُلْفَ أَبِي. فَدَعَاهُ
وَدَعَانِي. ثُمَّ قَالَ: امْتَثِلْ مِنْهُ. فَعَفَا. ثُمَّ قَالَ: كُنَّا، بَنِي مُقَرِّنٍ، عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. لَيْسَ لَنَا إِلَّ خَادِمٌ وَاحِدَةٌ. فَلَظَمَهَا أَحَدُنَا. فَبَلَغَ ذُلِكَ النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ:
٣١ - (١٦٥٨) - قوله: (ح وحدثنا ابن نمير) يعني: محمد بن عبد الله بن نمير، رواه عن
أبيه عبد الله بن نمير. وقد مر ترجمتهما في (ص، أول باب من كتاب الهبات).
قوله: (امتثل منه) وفي رواية أبي داود: اقتص منه، وفي رواية لأحمد في مسنده (٣ :
٤٤٧: ((اتئد منه)) يعني: قال للمولى: اقتص منه، والامتثال مأخوذ من المثل، أن يفعل الرجل
بصاحبه مثل ما فعل هو به. وقال النووي رحمه الله: ((هذا محمول على تطبيب نفس المولى
المضروب، وإلا فلا يجب القصاص في اللطمة ونحوها. وإنما واجبه التعزير، لكنه تبرع،
فأمكنه من القصاص فيها)).
قوله: (ثم قال) يعني: سويد بن مقرن بن عائذ المزني، يكنى أبا عائذ، وقيل: أبا عدي،
وقيل: أبا عمرو، وهو أخو النعمان بن مقرن، ﴿بها، يقال: إنه نزل الكوفة، وبها مات، روى
حديث الباب، وحديث: ((مَنْ قُتِلَ دون ماله فهو شهيد)) هذا ملخص ما في الإصابة (٢: ٩٩)،
والاستيعاب (٢: ١١٢)، وأسد الغاية (٢: ٢٨١).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً الترمذي في النذور، باب ما جاء في الرجل يلطم خادمه، (رقم:
١٥٤٢)، وأبو داود في الأدب، باب في حق المملوك، (رقم: ٥١٦٦ و٥١٦٧)، وأحمد في
مسنده (٣: ٤٤٧، و٥ : ٤٤٤).
قوله: (كنا بني مقرن) وفي رواية أبي داود: «فإنا معشر بني مقرن، كنا سبعة على عهد
النبي ◌َّ)).
قوله: (ليس لنا إلا خادم واحدة) قال النووي رحمه الله: ((هكذا هو في جميع النسخ
والخادم بلا هاء يطلق على الجارية كما يطلق على الرجل، ولا يقال: خادمة، إلا في لغة شاذة
قليلة أوضحتها في تهذيب الأسماء واللغات))، وراجعت تهذيب الأسماء واللغات (٢: ٨٩).
فما وجدت فيه إلا قوله: ((وروينا في صحيح البخاري في كتاب النكاح، في باب النقيع والشراب

١٩٨
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((أَعْتِقُوهَا)) قَالُوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا. قَالَ: ((فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا. فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا، فَلْيُخَلُّوا
سبیلَهَا)).
٤٢٧٨ - (٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ (وَاللَّفْظُ
الأَبِي بَكْرٍ). قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَاَلِ بْنِ يَسَافٍ. قَالَ: عَجِلَ
شَيْخٌ فَلَظَمَ خَادِماً لَهُ. فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيْكَ إِلَّ حُرُّ وَجْهِهَا. لَقَدْ رَأَيْتُنِي
سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ بَنِي مُقَرِّنٍ. مَالَنَا خَادِمٌ إِلَّ وَاحِدَةٌ. لَظَمَهَا أَصْغَرُنَا. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهـ
أَنْ نُعْتِقَهَا .
٤٢٧٩ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلاَلِ بْنِ يَسَافٍ. قَالَ: كُنَّا نَبِيعُ الْبَزَّ فِي دَارٍ سُوَيْدٍ بْنِ مُقَرِّنٍ،
أَخِي النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّدٍ. فَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ.
الذي لا يسكر في العرس، عن سهل بن سعد أن امرأة أبي سعد كانت خادمتهم في عرسهم.
هكذا هو في معظم الأصول خادمتهم بالتاء)).
٣٢ - (٠٠٠) - قوله: (عن حصين) مصغراً، يعني حصين بن عبد الرحمن السلمي،
٠
الكوفي، ابن عم منصور بن المعتمر، وقد مر في باب كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة.
قوله: (عن هلال بن يساف) ضبطه النووي رحمه الله بفتح الياء، وبكسرها، والأكثرون
على كسر الياء، وهو من تابعي الكوفة، أدرك علياً رُه، وروى عن جمع من الصحابة، وكان
ثقة كثير الحديث، كذا في التهذيب (١١: ٨٧).
قوله: (عجل شيخ) وفي رواية لأبي داود: عن هلال بن يساف: ((كنا نزولاً في دار سويد
بن مقرن، وفينا شيخ فيه حدة، ومعه جارية، فلطم وجههاً، فما رأيت سويداً أشد غضباً منه ذاك
اليوم، قال: عجز عليك إلخ)).
قوله: (عجز عليك إلا حُرُّ وجهها) قال القاضي: ((أي عجزت ولم تجد أين تضرب إلا حر
وجهها، وكأن هذا من المقلوب)) يعني: كان أصله: عجزت عن غير وجهها، ويحتمل أن يكون
معنى قوله عجز عليك: أي: امتنع عليك. وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ٤٤٤) ولفظه: ((أما
وجدت إلا حر وجهه)).
وحر الوجه: صفحته، وما رق من بشرته، وحر كل شيء أفضله، وأرفعه كذا في شرح
النووي .
(٠٠٠) - قوله: (فخرجت جارية) وقد صرح محمد بن جعفر في روايته عند أحمد (٣:
٤٤٤) بأن هذه الجارية كانت لسوید

١٩٩
كتاب: الأيمان
فَقَالَتْ لِرَجُلٍ مِنَّا كَلِمَةٌ. فَلَظَمَهَا. فَغَضِبَ سُوَيْدٌ. فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ.
٤٢٨٠ - (٣٣) وحدّثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟ قُلْتُ: شُعْبَةُ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنِي أَبُو شُعْبَةً
الْعِرَاقِيُّ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرٍِّ؛ أَنَّ جَارِيَةً لَهُ لَظَمَهَا إِنْسَانٌ. فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ
الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَإِنِّي لَسَابِعُ إِخْوَةٍ لِي، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ. وَمَا لَنَا
خَادِمٌ غَيْرُ وَاحِدٍ. فَعَمَدَ أَحَدُنَا فَلَطَمَهُ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ وَلَّهِ أَنْ نُعْتِقَهُ.
٤٢٨١ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ وَهْبٍ بْنِ
جَرِيرٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: مَا اسْمُكَ؟ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
عَبْدِ الصَّمَدِ .
٤٢٨٢ - (٣٤) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ).
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
قوله: (فقالت لرجل منا كلمة) يعني قبيحة، وفي رواية محمد بن جعفر المذكورة: ((فكلمت
رجلاً منا، فسبته)).
٣٣ - (٠٠٠) - قوله: (قال لي محمد بن المنكدر: ما اسمك؟))) كان محمد بن المنكدر
رحمه الله لطيفاً في كلامه، فلما أراد أن يحدث شعبة حديثاً سمعه من أبي شعبة، سأله عن
اسمه، ليكون التحديث لطيفاً، وإن لم يكن أبو شعبة العراقي الذي روى عنه هذا الحديث والد
شعبة بن الحجاج، ولكنه أراد التلطيف بمناسبة لفظية.
قوله: (حدثني أبو شعبة العراقي) هو مولى سويد بن مقرن، ولم أقف على اسمه وإنما
روى عنه هذا الحديث الواحد، كما يظهر من التهذيب (١٢: ١٢٦)، وذكره ابن حبان في
التابعين من الثقات (٥: ٥٧٢).
قوله: (أما علمت أن الصورة محرمة) يحتمل أن يكون قوله: ((محرمة)) بمعنى ذات حرمة،
فالمراد: أن الصورة ذات حرمة، فلا ينبغي الضرب عليها، ويحتمل أن يكون بمعنى الحرام
والممنوع، فالتقدير: أما علمت أن الضرب على الصورة حرام؟ - وهو إشارة إلى قوله الظلّل - في
حديث آخر: ((إذا ضرب أحدكم العبد فليجتنب الوجه)) إكراماً له، لاجتماع محاسن الإنسان،
وأعضائه الرئيسة فيه، ولأن التشويه فيه أقبح، وقد علله في حديث آخر بأنها الصورة التي خلق
عليها آدم، واختارها الله لخلافته في الأرض. هذا ملخص ما ذكره الأبي عن القاضي عياض
رحمهما الله، وراجع إكمال إكمال المعلم (٤: ٣٨٥).
قوله: (عن إبراهيم التيمي) العابد المشهور، وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، من

٢٠٠
الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلاَمَاً لِي بِالسَّوْطِ. فَسَمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلْفِي ((اعْلَمْ،
أَبَا مَسْعُودٍ!)) فَلَمْ أَفْهَم الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ. قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي، إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ.
فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: ((اعْلَمَّ، أَبَا مَسْعُودٍ! اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ!)) قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي.
فَقَالَ: ((اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ! أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هُذَا الْغُلاَم)) قَالَ: فَقُلْتُ: لاَ
أَضْرِبُ مَمْلُوكاً بَعْدَهُ أَبَداً .
٤٢٨٣ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَهُوَ الْمَعْمَرِيُّ) عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ.
تيم الرباب، ويكنى أبا أسماء، أخرج عنه الجماعة، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وغير واحد،
كان من العباد، وقال الأعمش: كان إبراهيم إذا سجد تجيء العصافير، فتنقر ظهره، وقال ابن
حبان في الثقات: كان عابداً صابراً على الجوع الدائم، كذا في التهذيب (١: ١٧٦ و١٧٧) توفي
في سجن الحجاج بن يوسف مظلوماً، وقصة سجنه ووفاته غريبة جداً.
روى ابن سعد عن علي بن محمد، قال: «كان سبب حبس إبراهيم التيمي أن الحجاج
طلب إبراهيم النخعي، فجاء الذي طلبه، فقال: أريد إبراهيم. فقال إبراهيم التيمي: أنا إبراهيم،
فأخذه وهو يعلم أنه يريد إبراهيم النخعي، فلم يستحل أن يدل عليه، فأتى به الحجاج، فأمر
بحبسه في الديماس، ولم يكن لهم ظل من الشمس، ولا كُنٍّ من البرد، وكان كل اثنين في
سلسلة، فتغير إبراهيم، فجاءته أمه في الحبس، فلم تعرفه حتى كلمها، فمات في السجن، فرأى
الحجاج في منامه قائلاً يقول: مات في هذه البلدة الليلة رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال:
هل مات الليلة أحد بواسط؟ قالوا: نعم، إبراهيم التيمي، مات في السجن، فقال: حلم نزغة من
نزغات الشيطان، وأمر به، فألقي على الكناسة، كذا في طبقات ابن سعد (٦: ٢٨٥).
قوله: (قال أبو مسعود البدري) رضُه، واسمه عقبة بن عمرو الخزرجي الأنصاري وقد مر
بعض ترجمته في باب فضل إنظار المعسر من كتاب المساقاة.
وحديثه هذا أخرجه أيضاً أبو داود في الأدب، باب حق المماليك، (رقم: ٥١٥٩
و٥١٦٠)، والترمذي في البر والصلة، باب النهي عن ضرب الخدم وشتمهم، (رقم: ١٩٤٩).
قوله: (أن الله أقدر عليك) إلخ: يعني: قدرة الله على تعذيبك أكثر وأشد من قدرتك على
تعذيب هذا العبد. وفي الحديث هداية بليغة إلى أن الرجل بنبغي له أن يذكر مقامه في الآخرة عند
سورة غضبه، ويستحضرها بطلبه من الله تعالى من العفو والغفران، فمن بذله لمن هو في قدرته رجا
حصول ذلك من الله سبحانه، ومن لم يبذله لم يرجه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
(٠٠٠) - قوله: (هو المعمري) منسوب إلى معمر بن راشد، لأنه رجل إليه، وقيل: لأنه
كان يتبع أحاديث معمر، كذا في شرح النووي.