النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ کتاب: النذر جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِ. وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي. قَالَ: ((هذِهِ حَاجَتُكَ)) فَقُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ. قَالَ: وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ. وَأُصِيبَتِ الْعَضْبَاءُ. فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَثَاقِ. وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعَمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ. فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقِ فَأَتَتِ الإِبِلَ. قوله: (هذه حاجتك) يعني: أن الطعام والشراب من حاجاتك الأصلية، فنحن نقضيها، وفيه دليل على أن الأسير يستحق الطعام والشراب من الذي أسره. قوله: (فقدى بالرجلين) يعني: خلَّى النبي ◌َّر عن سبيله عوضاً عن تخليه ثقيف الرجلين الذين أسرتهما من أصحاب النبي ◌َّر . وربما يخالج الصدور أنه ◌ّل# كيف رده إلى الكفار بعدما أظهر إسلامه؟ وأجاب عنه الشراح بوجوه: فقال النووي: ليس في هذا الحديث أنه راجع إلى دار الكفر، فيمكن أن يكون أقام بين أظهر المسلمين، لأن الفداء لا يستلزم الرجوع إلى الكفار، وإنما يقتضي الحرية فقط، ولو ثبت رجوعه إلى دارهم وهو قادر على إظهار دينه لقوة شوكة عشيرته أو نحو ذلك، لم يحرم ذلك. وجنح الأبي في شرحه إلى أن الرجل إنما أظهر الإسلام تقية، ولم يؤمن بقلبه، وعرفه النبي ◌ّ لل بالوحي، فلذلك رده إلى الكفار، وهذا الوجه مختص بالنبي رَّر، لأن غيره لا يعرف حقيقة ما في قلب الرجل، فنحن مأمورون بالجريان على الظواهر. وذكر الشيخ محمد ذهني احتمالاً آخر، وهو أن يكون الرد شرطاً في العهد الذي بينه وبينهم، فلذلك رده إليهم، والله سبحانه أعلم. قوله: (قال: وأسرت) بالبناء للمجهول، وزاد أبو داود والدارمي قبله: ((فحبس رسول الله ◌َ﴿ العضباء لرحله، وكانت من سوابق الحاج، ثم إن المشركين أغاروا على المدينة، فذهبوا به فيها العضباء، وأسروا امرأة من المسلمين)) وبهذا يتضح القصة. قوله: (امرأة من الأنصار) قال أبو داود بعد إخراج الحديث: هذه المرأة امرأة أبي ذر، وذكر السهيلي في الروض الأنف (٢: ٢١٤) أن اسمها ليلى، ووقعت قصة أسرها في غزوة ذات القرد، على ما ذكره ابن إسحاق في المغازي وحكاه عنه ابن هشام في سيرته، وكانت ذات القرد في جمادى الآخرة سنة ست. قوله: (يريحون نعمهم) أي: ينيخونها أمام بيوتهم لترتاح، والمراح بضم الميم حيث تأوي الماشية بالليل. قوله: (فانفلتت) إلخ: يعني: تخلصت تلك المرأة من قيدها، فأتت الإبل، لتركب عليها فكلما دنت من بعير رغا، أي: صَوّتَ ذلك البعير فتركته مخافة أن يظهر أمرها، حتى جاءت إلى ١٤٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ. حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ. فَلَمْ تَرْغُ. قَالَ: وَنَاقَةٌ مُنَوَّقَةٌ. فَقَعَدَتْ فِي عَجُزِهَا ثُمَّ زَجَرَتْهَا فَانْطَلَقَتْ. وَنَذِرُوا بِهَا فَطَلَبُوهَا فَأَعْجَزَتْهُمْ. قَالَ: وَنَذَرَتْ لِلَّهِ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ. فَقَالُوا : الْعَضْبَاءُ، نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ. فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ؛ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَهِ فَذَكَرُوا ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ! بِثْسَمَا جَزَتْهَا. نَذَرَتْ لِلّهِ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا. لاَ وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةٍ. العضباء التي أصابها المشركون، وكانت قائمة في جملة إبلهم، فلم ترغ، يعني لم تصوت. ورغا البعير: يرغو رغاء، على وزن غراب، إذا صوت. قوله: (وناقة منوقة) تقديره: إنها ناقة منوقة، وعليه فهو مرفوع، ويحتمل أن يكون تقديره: وجدتها ناقة منوقةً، وعليه فهو منصوب، والمنوقة: المذللة، وهو مأخوذ من لفظ الناقة، كأنه قد أذهب شدة ذكورته، وجعله كالناقة المنقادة، كما في مجمع البحار. قوله: (ونذروا بها) بكسر الذال من باب سمع، أي: علموا بهروبها، وأما النذر المعروف فهو من باب نصر وضرب، ونذر بالشيء، وبالعدو، كفرح، علمه، فحذره ومنه الحديث (وأنذر القوم) أي: أحذر منهم، وكن منهم على علم وحذر، وهذا الفعل ليس له مصدر صريح، ولذلك قالوا: إنه مثل (عسى) من الأفعال التي لا مصادر لها، وقد ذكر ابن القطاع له ثلاثة مصادر: نذارة، ونذرة، ونذر، كذا في تاج العروس للزبيدي (٣: ٥٦١). قوله: (بئسما جزتها) يعني: أنها جزت إحسان الناقة بالإساءة إليها، فإن الناقة تسببت لنجاة المرأة من الكفار، فجزتها بنذر أن تنحرها . قوله: (لا وفاء لنذر في معصية) به أخذ الفقهاء، فاتفقوا على أن من نذر معصية فالواجب عليه أن لا يفي به، ثم اختلفوا: هل يلزمه شيء من الكفارة أو غيره؟ وفيه أقوال ثلاثة: الأول: أنه لا يلزمه شيء من الكفارة مطلقاً، لأن الكفارة إنما تجب بالنذر المنعقد شرعاً، وإنما ينعقد النذر في الطاعات، ولا ينعقد في المعصية، وهو قول الشافعي ومالك ورواية عن أحمد رحمهم الله، وحكاه الموفق في المغني عن مسروق والشعبي أيضاً، وحجتهم حديث الباب، وسائر الأحاديث التي نفت النذر في المعصية ولم تذكره كفارة. والثاني: أنه يلزمه كفارة يمين مطلقاً، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وحكاه الموفق في المغني (١١: ٣٣٤) عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وسفيان الثوري، واستدلوا بما أخرجه أو داود عن ابن عباس مرفوعاً، وفيه: ((ومن نذر نذراً في معصية ١٤٣ كتاب: النذر فكفارته كفارة يمين))، وبما أخرجه الترمذي (رقم: ١٥٦٣) عن عائشة قال رسول الله وَ ل: ((لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين)) وأخرجه النسائي أيضاً. والثالث: مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهو التفصيل، فإن كانت المعصية المنذورة معصيةً لعينها كالقتل، وشرب الخمر، والزنى، والسرقة، وغيرها فالنذر بها باطل لا ينعقد، ولا يلزم الناذر شيء، وهو محمل الإطلاق في حديث الباب، والأحاديث التي لم يرد فيها ذكر الكفارة، وأما إذا كانت المعصية المنذورة معصية لغيرها، كصوم يوم النحر أو يوم من أيام التشريق، فالنذر صحيح منعقد، ولكنه يفطر ويقضي يوماً مكانه، وإلا فيكفر وهو محمل حديث عائشة، وابن عباس، ، هذا ملخص ما في بدائع الصنائع للكاساني (٥: ٨٢). وإعلاء السنن (١١ : ٤٢٦ - ٤٢٨)، وفتح القدير (٤: ٢٦). تحقيق مذهب الحنفية في وجوب الكفارة في النذر بالمعصية وليتنبه أن هذا الذي ذكرته من بطلان النذر وعدم لزوم الكفارة عند الحنفية فيما إذا كان المنذور معصية لعينها هو الصحيح المذكور في أكثر كتب الحنفية، ولكن ربما يشتبه الأمر بما حكاه ابن الهمام في فتح القدير (٤: ٢٧) من عبارة الطحاوي، فقال: ((قال الطحاوي: إذا أضاف النذر إلى سائر المعاصي، كـ: للّه عليَّ أن أقتل فلاناً، كان يميناً، ولزمه الكفارة بالحنث)) وحكاه ابن عابدين أيضاً في رد المحتار (٣: ٧٤) من غير أن يعلق عليه شيئاً. واستشكله شيخ مشايخنا الأنوار رحمه الله تعالى في فيض الباري (٤: ٤٣٩)، فقال: ((واعلم أن اليمين في المعصية ينبغي أن لا ينعقد عند أئمتنا الثلاثة، على ما هو المحرر عندي، لأن لصحة النذر شرائط: منها أن يكون من جنسه واجب، فلا ينعقد في المعصية، فإذا لم ينعقد في المعصية ينبغي أن لا تجب فيها الكفارة أيضاً، على ما هو المشهور من شرائطها في كتب الحنفية، إلا أن الشيخ ابن الهمام نقل عن الطحاوي أن فيه الكفارة وإن لزمه الحنث، وكذا وضع محمدٌ بابا في موطأه، وصرح فيه أن من نذر بذبح ولده عليه أن يحنث، ويذبح شاة، فلا أدري أن هذا مختارهما فقط أو تعددت الروايات عن صاحب المذهب؟)) وبمثله قال في العرف الشذي (ص: ٤٣١)، وزاد: ((ولعله ليس إلا مذهبه)) يعني الطحاوي رحمه الله. قال البعد الضعيف عفا الله عنه: قد بحثت عن عبارة الطحاوي في كتبه، فلم أفز بها بهذا اللفظ الذي نقله ابن الهمام، والذي يظهر لي أن كلام الطحاوي رحمه الله ليس في نذر أريد به النذر، وإنما مراده أن يقول الرجل: لله عليَّ أن أقتل فلاناً، وينوي به اليمين، دون النذر، فحينئذ ينعقد قوله يميناً، ويلزمه الحنث والكفارة، فأما إذا أراد به النذر فلا ينعقد عنده أيضاً، ولا يلزمه شيء. ١٤٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ويتبين هذا مما حكاه شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في المبسوط (٨: ١٣٩) من قوله، وعبارته ما يلي: ((ذكر الطحاوي أنه لو أضاف النذر إلى ما هو معصية، وعنى به اليمين، بأن قال: لله تعالى عليَّ أن أقتل فلاناً، كان يميناً، ويلزمه الكفارة بالحنث، لقوله عليه الصلاة والسلام: النذر يمين، وكفارته كفارة اليمن(١))) ثم خَرَّج عليه السرخسي رحمه الله أن من نذر أن يهدي شاة الغير، فإن النذر باطل، لفقدان ملكه عليها، ولكنه إن أراد بذلك اليمين، فحينئذ ينعقد قوله يميناً . فاتضح بما حكاه السرخسي رحمه الله أن الطحاوي إنما يوجب الكفارة فيما إذا استعمل الرجل صيغة النذر بمعنى اليمين، وهذا لا يخالف مذهب أئمتنا الثلاثة، كما يظهر من تفريع السرخسي في مسألة إهداء شاة الغير. ويؤيد هذا أن الطحاوي رحمه الله ذكر مسألة النذر بالقتل في مختصره (ص: ٣١٦) في سياق جزئيات الحلف واليمين، فقال: ((ومن نذر، فقال: للّه عليَّ أن أقتل فلاناً اليوم كان عليه إذا مضى ذلك اليوم، ولا يقتله كفارة يمين)) فأوجب الكفارة بمضي ذلك اليوم، مع أن النذر لا يختص بزمان، كما في رد المحتار (٣: ٧٧) وغيره، فإن كان ذلك نذراً وقتله في اليوم الآتي كان موفياً للنذر، وإيجاب الكفارة بمضي اليوم إنما يصح إذا أراد به الرجل يميناً . ثم قال الطحاوي في مسائل النذور من مختصره (ص: ٣٢٥): ((ومن أوجب على نفسه صوم يوم الفطر، أو يوم النحر، أو أيام التشريق، أفطر ما أوجب على نفسه صومه من ذلك، وقضى مثله من الأيام التي يحل صومها، وعليه في قول أبي حنيفة ومحمد ظنًّا كفارة يمين إن كان أراد يميناً)) فهذا كله يدل على أن النذر يصح فيه إرادة اليمين، ومسألة الكفارة بنذر قتل الغير محمولة على هذه النية، كما صرح به السرخسي رحمه الله، والله سبحانه وتعالى أعلم. فالحاصل: أنه لا كفارة عند الحنفية إذا نذر الرجل فعلاً هو معصية بعنيه، وأما إذا كان معصية لغيره، كصوم يوم النحر، فإنه تلزمه الكفارة إذا لم يقض صوماً آخر مكانه. وأما إذا أراد بالنذر يميناً، فيلزمه الحنث والكفارة في الصوم كلها، فاغتنم هذا التحرير، والله الموفق. وأما ما ذكره الشيخ الأنور رحمه الله عن موطأ محمد، فإنه ذكر حديث عائشة رضيها: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه)) ثم قال: ((قال محمد وبهذا نأخذ. من نذر نذراً في معصية، ولم يسم، فليطع الله، وليكفر عن يمينه. وهو قول أبي حنيفة))، وظاهر هذا الكلام أنه فيما إذا نذر الرجل بمعصية ولم يسمها. كقوله: لله على معصية، فحينئذ يقع ذلك (١) أخرجه الطبراني عن عقبة بن عامر، كما ذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٨٩/٢ ورمزله بالصحة، وسيأتي جزءه الأخير عند المصنف رحمه الله - تقي. ١٤٥ كتاب: النذر وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ الْعَبْدُ)). وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حُجْرٍ: ((لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّه)). ٤٢٢٢ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ). ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ النَّقَفِيِّ. كِلاَهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِي حَدِيثٍ حَمَّدٍ قَالَ: كَانَتِ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ. وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ. وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضاً: فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ. وَفِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: يميناً، وتجب عليه الكفارة، وهذا كما تجب كفارة اليمين في قوله عليَّ نذر، ولا يستلزم ذلك أن تجب الكفارة في نذر معصية معينة، لأنه لو كان ذلك لم يشترط الإمام محمد وجوب الكفارة بكون المعصية غير مسماة ولعل وجه الفرق بين المعصية المسماة وغيرها أن غير المسماة تشمل ما كان معصية لغيرها. وتجب فيه الكفارة كما حققنا من قبل، فوجبت في غير المسماة الكفارة لاحتمال أن تكون معصية لغيرها . وأما وجوب الشاة فيما إذا نذر بذبح ولده فإنه خلاف القياس، وإنما صار إليه أبو حنيفة رحمه الله استحساناً، لأثر ابن عباس ظًا، وإلا فالقياس أن لا يجب فيه شيء، لأنه معصية لعينه، كما صرح به السرخسي في المبسوط (٨: ١٣٩)، وراجعه للتفصيل، والله أعلم. قوله: (ولا فيما لا يملك العبد) استدل به النووي والخطابي على مذهب الشافعية في أن الكفار إذا غنموا مالاً من أموال المسلمين لا يملكونه، ووجه الدلالة أنهم لو ملكوا هذه الناقة، ثم غنمت منهم المرأة الأنصارية لصارت مالكة لها، وصح نذرها فيه، مع أن حديث الباب صريح في أنها لم تملك الناقة. ومذهب أبي حنيفة أنهم يملكون ما غنموا منا بشرط إحرازهم إياه بدار الحرب، فإن أدرك قبل أن يدخلوا به دار الحرب، ثم غنمناه رده إلى صاحبه بلا ثمن، وإن أدرك بعده فكذلك قبل القسمة، وأما بعد القسمة فإن صاحبه أحق به بالثمن، لا بغيره. وأجاب شيخنا العثماني التهانوي رحمه الله عن حديث الباب بأنهم لم يكونوا أحرزوا الناقة بدار الحرب، فإن الطحاوي أخرجه بلفظ: ((وكانوا إذا نزلوا يرسلون إبلهم في أفنيتهم، فلما كانت ذات ليلة إلخ)) قلت: وبمثله أخرجه الدارمي في سننه (٢: ١٥٤)، فهذا يدل على أنهم كانوا في الطريق، ولم يكونوا أحرزوها بدارهم، فلا دليل فيه للشافعية في هذه المسألة، وراجع للتفصيل إعلاء السنن، كتاب الجهاد (١٢: ٣٠١ - ٣٠٨). قوله: (مجرسة) يعني محربة في السير والركوب، والمجرس من الناس: الذي قد جرب الأمور وخبرها، ومنه حديث عمر، قال له طلحة: ((قد جرستك الدهور)) أي: حنكتك، وأحكمتك، وجعلتك خبيراً بالأمور مجرباً، كذا في مجمع البحار، والتجريس في اللغة: التحكيم والتجربة، كما في تاج العروس (٤: ١١٨). ١٤٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَهِيَ نَاقَةٌ مُدَرَّبَةٌ . (٤) - باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة ٤٢٢٣ - (٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا مَرْوَّانُ بْنُ مُعَاوِيَةً الْفَزَارِيُّ. حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ. حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ رَأَىُ شَيْخاً يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ. فَقَالَ: ((مَا بَالُ هُذَا؟)) قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبٍ هُذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ)) وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. (٠٠٠) - قوله: (مدربة) تدريب الشيء على الشيء: تعويده عليه، يقال: دربته الشدائد، حتى قوي ومرن عليها، والمدرب: المجرب والمصاب بالبلايا، والمدرب من الإبل: المخرج المؤدب الذي قد ألف الركوب والسير، أي: عود المشي في الدروب، فصار يألفها، ويعرفها، فلا ينفر. كذا في تاج العروس (١: ٢٤٦) وذكر النووي رحمه الله أن المنوقة، والذلول، والمجرسة، والمدربة، كلها بمعنى واحد. (٤) - باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة ٩ - (١٦٤٢) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك، وفي معصية، وفي الحج، باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، (رقم: ٣٣٠١)، والترمذي في الأيمان والنذور. باب ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع، رقم ١٥٣٧، والنسائي في الأيمان والنذور، باب ما الواجب على من أوجب على نفسه نذراً، فعجز عنه. وحديث أبي هريرة الآتي في هذه القصة بعينها أخرجه أيضاً أبو داود، (رقم: ٣٣٠١)، وابن ماجه في الكفارات، باب من نذر أن يحج ماشياً، (رقم: ٢١٣٥). قوله: (يهادى) بالبناء للمجهول، يعني: يمشي بينهما معتمداً عليهما من ضعفه وتمايله، وهو مأخوذ من تهادت المرأة في مشيها: إذا تمايلت. وكل من فعل ذلك بأحد فهو: يهاديه، أي: يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه، يعتمد عليهما. كذا في مجمع البحار الفتني. قوله: (بين ابنيه) قال الحافظ في حج الفتح (٤: ٦٨): «لم أقف على اسم هذا الشيخ، ولا على ابنيه)) وغلط من قال: إنه أبو إسرائيل، وراجعه للتفصيل. قوله: (نذر أن يمشي) يعني: إلى بيت الله. قوله: (وأمره أن يركب) ههنا مسألتان: ١٤٧ كتاب: النذر ٤٢٢٤ - (١٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ الأولى: من نذر المشي إلى بيت الله لزمه الوفاء بنذره، فيجب عليه المشي في أحد النسكين، إما الحج، وإما العمرة، ويجب عليه أن يمشي، فإن عجز عن المشي جاز له الركوب، وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء لهذا الحديث؛ ثم اختلفوا فيما يجب عليه بالركوب. ففيه أقوال : الأول: أنه يجب عليه الدم، وأقله شاة، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وهو المذهب المشهور المختار عند الشافعية، كما في مغني المحتاج للشربيني (٤: ٣٦٤) ونهاية المحتاج للرملي (٨: ٢١٩) وهو رواية عن أحمد، وبه أفتى عطاء، وابن عباس، كما في المغني لابن قدامة، مع الشرح الكبير (١١: ٣٤٦) وهو المروي عن قتادة، ومجاهد، كما أخرج عنهما عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٤٥٢ و ٤٥٣). الثاني: أنه يجب عليه كفارة يمين، وهو المذهب المختار عند الحنابلة، كما في المغني لابن قدامة، وغيره. والثالث: مذهب مالك، وفيه تفصيل، وهو أنه إن كانت المسافة المنذور مشيها بعيدة جداً، كمسافة إفريقيا من الحجاز، فيلزمه الدم بالركوب، وإن كانت المسافة قليلة فإن كان الركوب قليلاً، والمشي أكثر لزمه الدم أيضاً، وإن كان الركوب كثيراً لزمه الرجوع من قابل ماشياً فيما ركبه، وعليه الدم أيضاً، هذا ملخص ما في شرح الدردير على مختصر خليل، مع حاشيته للصاوي (٢ : ٢٥٦ - ٢٥٨). والرابع: أن عليه الرجوع من قابل، فيركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ولا دم عليه، وهو المروي عن ابن عمر، وابن الزبير، ﴿ًّا، كما في المغني لابن قدامة (١١: ٣٤٦). واستدل أهل القول الأول، وهم الحنفية والشافعية، بما أخرجه الحاكم في المستدرك (٤ : ٣٠٥) عن عمران بن حصين ظُبه قال: ((ما خطبنا رسول الله وَلو خطبة إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا من المثلة، قال: وقال: إن من المثلة أن ينذر أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحج ماشياً فليهد هدياً وليركب)) وصححه الحاكم، وأقره عليه الذهبي. فهذا الحديث دليل على أن جزاء الركوب هو الهدي وعلى أنه واجب، سواء ركب الناذر بعذر، أو بغير عذر، وهو قول الحنفية، وقد حكى ابن قدامة في المغني (١١: ٣٤٦) عن الشافعي أنه لا يوجب الدم فيما إذا كان الركوب بعذر، ولكن الصحيح المشهور عندهم وجوب الدم في الصورتين جميعاً، كما هو مصرح في مغني المحتاج ونهاية المحتاج. واستدلوا أيضاً بما أخرجه أبو داود في باب النذر بالمعصية، عن ابن عباس: ((أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي ◌َّر أن تركب، وتهدي هدياً)) وسكت ١٤٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَمْرٍو (وَهُوَ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي عليه أبو داود، والمنذري في تلخيصه (٤: ٣٧٧، رقم: ٣١٦٣). وأخرجه أحمد في مسنده بلفظ: ((أن عقبة بن عامر سأل النبي ◌َ ◌ّ فقال: إن أخته تذرت أن تمشي إلى البيت، وشكا إليه ضعفها، فقال النبي ◌ّلهو: إن الله غني عن نذر أختك، فلتركب، ولتهد بدنة)). وقد ذكر الحافظ رواية أبي داود في التلخيص (٤: ١٧٨)، وقال: ((إسناده صحيح). واستدلوا أيضاً بما أخرجه البيهقي عن الحسن، عن عمران مرفوعاً: ((إذا نذر أحدكم أن يحج ماشياً فليهد هدياً، وليركب)) ذكره الحافظ في الفتح (١١: ٥١١)، وأعله بالانقطاع، لأن الحسن لم يسمع من عمران، ولكن رد عليه شيخنا التهانوي في إعلاء السنن (١١: ٤٤٧) بأن سماعه من عمران ثابت، وقد أثبته ابن حبان، والحاكم، والمارديني، وغيرهم، وراجعه للتفصيل . وقد أخرج محمد في الموطأ (ص: ٣٢٣) وعبد الرزاق في مصنفه (٨: ٤٥٠) عن إبراهيم النخعي، عن علي ظبه فيمن نذر أن يمشي إلى البيت، قال: ((يمشي، فإذا أعيا ركب، ويهدي جزوراً)) هذا لفظ عبد الرزاق، وفي رواية لمحمد في الموطأ: ((ويهدي هديا))، وإن إبراهيم النخعي وإن لم يسمع من علي ظه، غير أن مراسيله صحاح، كما قدمنا عن ابن عبد البر، في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها . واستدل الحنابلة بما أخرجه أبو داود وغيره عن عقبة بن عامر: ((أنه سأل النبي ◌َّر عن أخت له نذرت أن تحج حافية، غير مختمرة، فقال: مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام)) وبما أخرجه أبو داود عن كريب، عن ابن عباس، قال جاء رجل إلى النبي ◌َّر، فقال يا رسول الله! إن أختي نذرت - يعني أن تحج ماشية - فقال النبي ◌َّ: إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، فلتحج راکبة، وتکفر یمینها)). وأجاب عنه شيخنا التهانوي رحمه الله في إعلاء السنن (١١ : ٤٤٦) بأن الكفارة، أو الصوم في هذا الحديث راجع إلى الاختمار لا إلى الركوب، فإنها نذرت بترك الاختيار، وهو معصية، وكفارة نذر المعصية كفارة يمين. ولي في هذا الجواب نظر، لأن ترك الاختمار إن كان معصية فهو معصية لعينه. وقدمنا في الباب السابق أن النذر في مثله باطل، ولا يلزم فيه الناذر شيء. والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه: أنها جمعت بين النذر واليمين، فأمرها النبي * بالهدي لأجل النذر، كما في رواية عكرمة عن ابن عباس، عند أبي داود. وأمرها أيضاً بالكفارة من أجل اليمين، كما في رواية کريب. وهناك احتمال آخر، وهو أن يكون النبي ◌ّليل أمرها بالدم فقط، فأطلق عليه الراوي لفظ: (الكفارة)) كما أطلق على النذر لفظ: ((اليمين))، لأن الدم جابر للجناية، كالكفارة، ثم زعمه بعضهم كفارة اليمين، وعبر عنها بالصوم ثلاثة أيام، والله سبحانه أعلم. ١٤٩ كتاب: النذر هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ أَدْرَكَ شَيْخاً يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ. يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَا شَأْنُ هَذَا؟)) قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ وَالَ: «ارْكَبْ. أَيُّهَا الشَّيْخُ! فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ)). (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ وَابْنِ حُجْرٍ). ٤٢٢٥ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٢٢٦ - (١١) وحدّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحِ الْمِصْرِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ (يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: وأما مالك رحمه الله فاستدل بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٤٤٩)، والبيهقي في سننه (١٠: ٨١) عن ابن عباس: ((أن رجلاً نذر أن يمشي إلى مكة، قال: يمشي. فإذا أعيا ركب، فإن كان عاماً قابلاً مشى ما ركب وركب ما مشى، وينحر بدنة، وأجاب عنه الجمهور بأنه موقوف، فلا يقاوم المرفوع. ثم إن انعقاد نذر المشي على أصل الحنفية مخالف للقياس، لأنه يجب عندهم أن يكون من جنس المنذور عبادة مقصودة واجبة، وليس المشي بنفسه عبادة مقصودة، فينبغي أن لا يصح نذره، ولكنهم قالوا بصحة نذره من أجل أحاديث الباب، قد صرح به الكاساني في البدائع (٥: ٨٤)، ويمكن أن يقال: إن المشي من جنسه الطواف والسعي. فدخل فيما يصح فيه النذر، والله أعلم. والمسألة الثانية: أن النذر بالمشي إنما يصح إجماعاً إذا نذر المشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو مكة، أو بكة، وأما إذا نذر المشي إلى المسجد الحرام أو الحرم، ففيه خلاف، فقال أبو حنيفة: لا يصح نذره، ولا يلزمه شيء، وقال أبو يوسف ومحمد والجمهور: يلزمه حجة أو عمرة، لاشتمال الحرم على البيت، ومكة، فكأنه قال: على المشي إلى بيت الله ومكة. قد حقق ابن الهمام في الفتح (٤: ٤٥٣) أن هذا الاختلاف إنما يرجع إلى اختلاف العرف، لأن العرف هو مدار الأحكام في الأيمان والنذور، فكلما كان العرف شائعاً بإرادة الحج أو العمرة بالمشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام صح النذر بهذه الألفاظ، وعليه يحمل قول الجمهور، وأما إذا لم يتعارف ذلك في زمان أو مكان لم يصح النذر بها، وهو محمل قول أبي حنيفة رحمه الله. ١١ - (١٦٤٤) - قوله: (عن عقبة بن عامر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الحج، باب من نذر المشي إلى الكعبة، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، (رقم: ٣٢٩٣ و٣٢٩٤ و٣٢٩٩)، والترمذي في النذور والأيمان، (رقم: ١٥٤٤)، ١٥٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً. فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ وَ . فَاسْتَفْتَيْتُهُ. فَقَالَ: (لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ)). ٤٢٢٧ - (١٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِّ حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرِ الْجُهَنِيٌّ؛ أَنَّهُ قَالَ: نَذَّرَتْ أُخْتِي. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مُفَضَّلٍ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ: حَافِيَةً. وَزَادَ: وَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لاَ يُفَارِقُ عُقْبَةَ. ٤٢٢٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا رَوَحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوَبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. والنسائي في الأيمان والنذور، باب من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى، وابن ماجه في الكفارات، باب من نذر أن يحج ماشياً، (رقم: ٢١٣٤). قوله: (نذرت أختي) قال المنذري في تلخيصه لأبي داود (٤: ٣٧٨): ((وأخت عقبة هي أم حبان بكسر الحاء المهملة ... أسلمت، وبايعت)) ولكن رد عليه الحافظ في الفتح (٤: ٦٨)، وفي التلخيص (٤: ١٧٨)، وحقق أن أم حبان بنت عامر هي أخت لعقبة بن عامر بن نابي، دون عقبة بن عامر الجهني، راوي هذا الحديث، وعقبة بن عامر بن نابي أنصاري شهد بدراً ولا رواية له. فالصحيح أنه لا يعرف اسم أخت عقبة ابن عامر الجهني، وراجعه للتفصيل. قوله: (حافية) قال النووي: ((أما المشي حافياً، فلا يلزمه الحفاء، بل له لبس النعلين)) قلت: كذلك عندنا لا يجب الحفاء، ولا يلزم بلبس النعلين شيء. قوله: (لتمش، ولتركب) يعني: تمشي ما استطاعت، وتركب إذا عجزت، وفيه دليل على صحة نذر المشي، وإلا لما لزمها ذلك وقت القدرة. ١٢ - (٠٠٠) - قوله: (وكان أبو الخير لا يفارق عقبة) قال الحافظ في الفتح (٤: ٦٩): ((هو مقول يزيد بن أبي حبيب الراوي عن أبي الخير، والمراد بذلك بيان سماع أبي الخير له من عقبة)) . و(أبو الخير هذا: هو مرثد بن عبد اللّه اليزني، المصري الفقيه، روى عن جمع من الصحابة، وكان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان عبد العزيز بن مروان يحضره فيجلسه للفتیا، قال ابن سعد: كان ثقة، وله فضل وعبادة، وقال ابن معين: كان عند أهل مصر مثل علقمة عند أهل الكوفة، روى عنه الجماعة، مات (سنة: ٩٠هـ)، وراجع التهذيب (١٠: ٨٢). ١٥١ كتاب: النذر (٥) - باب: في كفارة النذر ٤٢٢٩ - (١٣) وحدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى (قَالَ يُونُسُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ). أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ شُمَاسَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ. قَالَ: ((كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَارَةُ الْيَمِينِ)). [(٥) - باب: في كفارو النذور] ١٣ - (١٦٤٥) - قوله: (عبد الرحمن بن شماسة) ضبطه في المغني بفتح الشين، وبضمها، ولكن ضبطه الحافظ في التقريب بكسر الشين، وتخفيف الميم. وهو مصري تابعي ثقة مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك، أخرج عنه مسلم، والترمذي، وابن ماجه والبخاري تعليقاً، وراجع التهذيب (٦ : ١٩٥). قوله: (عن عقبة بن عامر) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في الأيمان والنذور، باب كفارة النذر، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب من نذر نذراً لم يسمه، (رقم: ٣٣٢٣)، والترمذي في النذور والأيمان، باب ما جاء في كفارة النذر إذا لم يسمه، (رقم: ١٥٦٧)، وابن ماجه في الكفارات، باب من نذر نذراً ولم يسمه، (رقم: ٢١٢٧). قوله: (كفارة النذر كفارة اليمين) وأخرجه الترمذي من طريق محمد مولى المغيرة بن شعبة، عن كعب بن علقمة، بلفظ: ((كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين)) وأخرجه ابن ماجه من طريق خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر، بلفظ: ((من نذر نذراً، ولم يسمه، فكفارته كفارة يمين)) وأخرجه الطبراني بلفظ: ((النذر يمين، وكفارته كفارة اليمين)) كما ذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢: ١٨٩) ورمز له بالصحة. وهذه الروايات تعين معنى هذا الحديث، أنه فيمن نذر نذراً لم يسمه، مثل أن يقول: (الله على نذر)) فحينئذ تجب عليه الكفارة، وقدمنا ذلك في آخر شرح حديث (٤٠١٧)، وهذا التفسير أولى مما فسره به النووي رحمه الله بالحمل على نذر اللجاج، فإن التفسير الذي ذكرناه مأخوذ من الروايات الأخرى لهذا الحديث. ثم إن الكفارة في النذر تجب في صور مختلفة : الأولى: أن يقول: (لله علي نذر))، فعليه الكفارة، وهذه الصورة هي المقصودة بحديث الباب. والثانية: أن ينذر شيئاً، ثم لا يطيق الوفاء به، فعليه الكفارة، إلا في صور مخصوصة، كالنذر بالمشي إلى بيت الله، أو النذر بذبح ولده، فإنه يلزمه دم فيهما، كما بسطناه في شرح الحديث السابق. ١٥٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم والثالثة: أن يعلق النذر بشيء يريد الامتناع منه، مثل أن بقول: ((إن كلمت زيداً فلله عليَّ حِجَّة)) وهو المسمى بنذر اللجاج في اصطلاح الشافعية، وحكمه عندهم أنه في معنى اليمين، فإن حنث في ذلك فله الخيار: إما أن يفي بنذره، وإما أن يكفر. وهو القول المفتى به عند الحنفية، وكان أبو حنيفة يقول: إن الناذر في مثله يجب عليه وفاء النذر، ولا تجزئه الكفارة إلا إذا لم يطقه، ثم رجع إلى قول الشافعية قبل وفاته بسبعة أيام. ولذلك قسم الفقهاء الحنفية النذر المعلق إلى قسمين: الأول: ما يريد الناذر كونه، كقوله: ((إن شفى الله مريضي فعليَّ كذا)) والثاني: ما لا يريد كونه، ويجب عليه الوفاء في الأول، ويخير في الثاني بين الوفاء وبين الكفارة، وراجع للتفصيل رد المحتار لابن عابدين (٣: ٧٥). والرابعة: النذر بالمعصية تجب فيه الكفارة على اختلاف الفقهاء الذي بسطناه في الباب السابق، وإن هذه الصور الأربعة للكفارة مجموعة في ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس أن رسول الله وَّر قال: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذراً لا يطيقه، فكفارته كفارة يمين)) وأخرجه أيضاً ابن ماجه، ولم يذكر النذر في المعصية، وزاد: ((ومن نذر نذراً أطاقه فليف به)) والله سبحانه وتعالى أعلم. قد تم شرح كتاب النذر ضحى يوم الأربعاء الثامن من شهر شعبان (سنة: ١٤٠٤ هـ) ولله الحمد . ١٥٣ كتاب: الأيمان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ (٢٧) - كتاب: الأيمان (١) - باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى ٤٢٣٠ - (١) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَّرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: ((َإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِقُوا بِآبَائِكُمْ)). كتاب: الأيمان الأيمان: جمع يمين، واليمين في اللغة: القوة، ومنه استعير اليد اليمنى، لأن فيها قوة، ثم أطلق اليمين على الحلف، لأنهم إذا تحالفوا ضرب كل امرىء منهم يمينه على يمين صاحبه، وراجع معجم مقاييس اللغة، لابن فارس (٦: ١٥٨)، وتاج العروس للزبيدي (٩: ٣٧١). [(١) - باب: النهي عن الحلف بغير الله تعالى] ١ - (١٦٤٦) - قوله: (سمعت عمر بن الخطاب) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآباءكم، وفي الأدب، باب من لم ير إكفار من قال متأولاً أو جاهلاً، وأبو داود في الأيمان والنذور، باب في كراهية الحلف بالآباء، (رقم: ٣٢٥٠)، والترمذي في الأيمان، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، (رقم: ١٥٧٢، و١٥٧٣)، والنسائي في الأيمان، باب الحلف بالآباء، وابن ماجه في الكفارات، باب النهي أن يحلف بغير الله، (رقم: ٢٠٩٤). قوله: (أن تحلفوا بآبائكم) فيه دليل على أن الحلف بالآباء لا يجوز، وهو مذهب أكثر الفقهاء، خلافاً لبعضهم كما في المغني لابن قدامة، مع الشرح الكبير (١١: ١٦٢). وربما يشكل عليه ما أخرجه مسلم في كتاب الأيمان، في حديث الأعرابي، حيث قال له رسول الله وَلجر: ((أفلح وأبيه إن صدق))، وأخرجه أبو داود في أول الصلاة، (رقم: ٣٩٢)، وفي النذور والأيمان، (رقم: ٣٢٥٢). وقد أجاب عنه العلماء بوجوه: ١٥٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم . ١ - الأول: إن ابن عبد البر قد طعن في صحة هذه اللفظة، وقال: ((هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: ((أفلح والله إن صدق))، وهذا أولى من رواية من روي عنه بلفظ: ((أفلح وأبيه))، لأنها لفظة منكرة، تردها الآثار الصحاح، ولم يقع في رواية مالك أصلاً)) حكاه الحافظ في الفتح (١١: ٤٦٤)، ثم قال: ((وزعم بعضهم أن بعض الرواة عنه صحف قوله: (وأبيه) من قوله: (والله)، وهو محتمل، ولكن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصديق ربه في قصة السارق الذي سرق حلي ابنته، فقال في حقه: وأبيه ما ليلك بليل سارق، أخرجه في الموطأ(١) وغيره، قال السهيلي: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع، قال للذي سأل: أي: الصدقة أفضل؟ فقال: وأبيك لتنبأن، (أخرجه مسلم))(٢). ٢ - إن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقي، ورضيه النووي أيضاً، ولكن يشكل عليه أن ظاهر حديث عمر أنه كان يقول: ((وأبي، وأبي)) عادة، ولا يقصد الحلف، ومع ذلك نهاه النبي ◌َله . ٣ - قال البيضاوي: هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام لمجرد التقرير والتأكيد، ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص، دون القصد إلى النداء. ٤ - أجاب الماوردي بأن قوله ظلمثل: ((وأبيه)) أو ((وأبيك)) يتعلق بزمن كان الحلف بالآباء جائزاً فيه، ثم نسخه حديث الباب، وتعقبه المنذرى، والسهيلى بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ولم يتحقق التاريخ، وبأنه لا يظن بالنبي ◌َّ أنه يحلف بكافر. ٥ - إن القسم يقع في كلام العرب لوجهين: الأول: للتعظيم، والثاني: للتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأول، دون الثاني، ومن أمثلة ما وقع في كلامهم للتأكيد، دون التعظيم؛ قول الشاعر : لعمر أبي الواشين، لا عمر غيرهم لقد كلفتني خطةً لا أريدها فأقسم بأبي الواشين، وظاهر أنه لا يقصد تعظيمه، وإنما أراد التأكيد، وإقامة الحجة على مخالفيه، وكذلك قول الشاعر: فإن تك ليلى استودعتني أمانة (١) راجع، موطأ مالك، كتاب السرقة، جامع القطع (ص ٣٥٤). (٢) قد مر في كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. ١٥٥ كتاب: الأيمان قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ! مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ نَهَى عَنْهَا. ذَاكِراً وَلاَ آثِراً . ٤٢٣١ - (٢) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جدِّي. حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. فلا وأبي أعداءها لا أذيعها فلا يظن أنه قصد تعظيم والد أعدائها وإنما أقسم به للتأكيد. فكذلك الحلف بالأب في كلامه ◌َّير، وفي كلام أبي بكر الصديق وقع لهذا المعنى، ولم يقصد به التعظيم. وهذا الجواب يظهر إليه جنوح الحافظ في الفتح (٧: ٤٦٤)، وابن الأثير في جامع الأصول (١ : ٢٢٤، و١١ : ٦٥٢). ٦ - إن كلمة ((وأبيه)) أو ((وأبيك)) ربما تستعمل للتعجب، دون القسم، والمنهي عنه ما أريد به القسم، لا ما أريد به التعجب؛ وعليه مشى شيخنا العثماني رحمه الله في كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، وراجع أيضاً كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام في هذا الشرح، والله أعلم. قوله: (ذاكراً، ولا آثراً) بكسر الثاء، اسم فاعل من الأثر، وهو النقل والحكاية، والمراد أني ما حلفت بأبي بعد ذلك متعمداً، ولا حاكياً عن غيري. وهذا التفسير هو الأظهر، وقد استشكل بأن الحاكي عن الغير لا يسمى حالفاً، مع أنه ته صدَّر الكلام بقوله: ((ما حلفت)) والجواب أن المراد: ما تكلمت بلفظ هذه اليمين من قبل نفسي، ولا حاكياً عن غيري، ويؤيده لفظ رواية عقيل عند المصنف: ((ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله وَ ل ينهى عنها، ولا تكلمت بها)). وقد ذكر الحافظ عن شيخه (ولعله الحافظ البلقيني) احتمالين آخرين في تفسير هذه الكلمة : الأول: أن يكون (آثراً) بمعنى (مختاراً)، يقال: آثر الشيء إذا اختاره، فكأنه قال: ولا حلفت بها مؤثراً لها على غيرها . والثاني: أن يرجع قوله: (آثراً) إلى معنى التفاخر بالآباء في الإكرام لهم، ومنه قولهم: (مأثرة) و(مآثر) وهو ما يروى من المفاخر، فكأنه قال؛ ما حلفت بآبائي ذاكراً لمآثرهم. ٢ - (٠٠٠) - قوله: (حدثني عقيل بن خالد) هو بضم العين مصغراً، واسم جده: عقيل، بفتح العين بدون التصغير، وهو من أثبت تلامذة الزهري، وفضله ابن أبي حاتم على يونس ومعمر، وكان يونس صاحب كتاب، وعقيل حافظاً، كان شرطياً بالمدينة، مات (سنة: ١٤١ هـ) كذا في التهذيب (٧: ٢٥٦). ١٥٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ: مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَنْهَى عَنْهَا. وَلاَ تَكَلَّمْتُ بِهَا . وَلَمْ يَقُلْ: ذَاكِراً وَلاَ آثِراً. ٤٢٣٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ بِهِ عُمَرَ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِهِ. بِمِثْلِ رِوَايَةٍ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ . ٤٢٣٣ - (٣) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَله؛ أَنَّهُ أَدْرَكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ. وَعُمَرُ يَخْلِفُ بِأَبِيهِ. فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((أَلاَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ. فَمَنْ كَانَ حَالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)). قوله: (قالا: حدثنا عبد الرزاق) كذا في النسخ المصرية، وحكاه الحافظ في الفتح (١١ : ٤٦٤) عن المصنف: ((أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر)) والنسخ الهندية يحتمله . (٠٠٠) - قوله: (عن أبيه)، قال سمع النبي ◌َّر عمر. هذا الطريق يخالف الطرق السابقة في أن الحديث في الطرق السابقة من مسندات عمر بن الخطاب، وفي هذا الطريق من مستندات ابن عمر ◌ًّا، والاختلاف فيه على الزهري، فرواه عنه البعض عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، وبعضهم عنه، عن سالم، عن ابن عمر، وقد بسط الحافظ في بيان هذا الاختلاف، ثم قال: ((ويشبه أن يكون ابن عمر سمع المتن من النبي ◌َّر، والقصة التي وقعت لعمر منه، فحدث به علی الوجهین)» وراجع فتح الباري. ٣ - (٠٠٠) - قوله: (فليحلف بالله أو ليصمت) قال العيني في العمدة (١١: ٣٢): بلفظ: ((بينا أنا فى ركب أسير في غزاة مع ((والحديث روي عن ابن عباس عن عمر رسول الله ◌َ﴾، فقلت: لا وأبي، فهتف رجل من خلفي: لا تحلفوا بآبائكم، فالتفت، فإذا هو رسول الله وَ﴾))، وروى ابن أبي شيبة من طريق عكرمة، عن عمر: ((فالتفت، فإذا هو رسول الله (38، فقال: لو أن أحدكم حلف بالمسيح، والمسيح خير من آبائكم لهلك)) وفي رواية سعيد بن عبيدة أنها شرك، وفي رواية ابن المنذر: ((لا بأمهاتكم، ولا بالأوثان، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون))، وروى ابن أبي عاصم في كتاب الأيمان والنذور من حديث ابن عمر: ((من حلف بغير الله فقد أشرك، أو كفر))، والحكمة في النهي عن الحلف بالآباء أنه يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مختصة بالله جلت عظمته، فلا يضاهي به غيره، وهكذا حكم غير الآباء من سائر الأشياء، ... وأما قسم الله تعالى بمخلوقاته نحو: والصافات، والطور، والسماء ١٥٧ كتاب: الأيمان ٤٢٣٤ - (٤) وحدَثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبِيْدِ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ هِلاَلٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ والطارق، والتين، والزيتون، والعاديات، فللّه أن يقسم بما شاء من خلقه تنبيهاً على شرفه، أو التقدير: ورب الطور)). وقال الحافظ في الفتح (١١: ٤٦٢): ((وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله تعالى خاصة، ولكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله وذاته وصفاته العلية، واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات كما سبق، وكان المراد بقوله: ((بالله)) الذات، لا خصوص لفظ ((الله))، وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها، وهل المنع للتحريم؟ قولان عند المالكية (قلت: وكذلك عند الحنفية كما في رد المختار) كذا قال ابن دقيق العيد، والمشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية)). ((وقال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي الجواز الكراهة، أعم من التحريم والتنزيه، فإنه قال في موضع آخر: أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، ... والخلاف موجود عند الشافعية من أجل قول الشافعي: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشعر بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه)». ثم إن المنع من الحلف بغير الله تعالى إنما هو في اليمين بحروف القسم وأما اليمين بتعليق الطلاق والعتاق مما ليس فيه حرف القسم، فليس داخلاً في النهي، لأنه ليس لمعنى التعظيم، وإنما هو للوثيقة، فيجوز، وراجع للتفصيل رد المحتار لابن عابدين (٣: ٥٠)، وإعلاء السنن (١١ : ٣٧٠). وأما الحلف بالقرآن فجوزه بعض الفقهاء لأنه صفة من صفات الله تعالى، وأنكره بعضهم لأنه يراد به ألفاظ القرآن، وإنها ليست بصفة، وكذلك اختلفوا في انعقاد اليمين بالقرآن، فذكر صاحب الهداية أن اليمين لا ينعقد به، لأنه غير متعارف، واستنبط ابن الهمام من هذا التعليل أنه ينعقد عندما تعارف الناس باليمين به، ولذلك أفتى علماء الحنفية بانعقاد اليمين به في زماننا، وراجع رد المحتار (٣ : ٥٦). ٤ - (٠٠٠) - قوله: (عن عبيد الله) يعني: ابن عمر العمري، وقد مر قبيل باب تحريم الرجوع في الصدقة من كتاب الهبة. قوله: (بشر بن هلال) بكسر الباء وهو أبو محمد النميري البصري، الصواف، روى عنه الجماعة إلى البخاري، وثقه المحدثون، قال أبو حاتم: محله الصدق، وكان أيقظ من بشر معاذ، مات (سنة: ٢٤٧ هـ). قوله: (عبد الوارث) يعني عبد الوارث بن سعيد، وقد مر في باب العمري. ١٥٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كَثِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّخَّاكُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. حَ وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَن ابْنِ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمِّرَ، بِمِثْلٍ هُذِهِ الْقِصَّةِ. عَنِ النَّبِيِّ ◌َِِّ. ٤٢٣٥ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ (قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلٌ) (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: «مَنْ كَانَ حَالِفًاً فَلاَ يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللَّهِ) وَكَانَتْ قُرَيْشْ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا. فَقَالَ: (لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ)). قوله: (إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي من رواة الجماعة، قال سفيان: كان إسماعيل حافظ للعلم مع ورع وصدق، وقال الزبير بن بكار: كان فقيه أهل مكة، وقال أبو داود: مات إسماعيل في سجن داود بن علي، مات (سنة: ١٤٤ هـ، أو ١٣٩هـ) كذا في التهذيب (١ : ٢٨٤). قوله: (أخبرني عبد الكريم) الظاهر أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، مولى بني أمية، اتفق العلماء على توثيقه، وهو من رواة الجماعة، وربما يشتبه بعبد الكريم بن أبي المخارق أبي أمية، لوحدة زمانهما وطبقتهما، لكن مسلماً رحمه الله لم يخرج عن ابن أبي المخارق فيما صرح به المنذري، وذكر الحافظ أنه أخرج عنه في موضع واحد فقط، وقد قيل: إنه ليس أبا أمية، وإنما هو الجزري، ولم يعين الحافظ ذلك الموضع. والكلام في الكريم بن أبي المخارق معروف، وقد اعترض العلماء على الإمام مالك لإخراج حديثه في الموطأ، وقد ذكر المصنف في المقدمة تضعيفه عن أيوب. وراجع التهذيب (٦: ٣٧٣ و٣٧٦). (٠٠٠) - قوله: (وكانت قريش تحلف بآبائها) وكانت للعرب عادات في عهودهم وأيمانهم، وقد جمع أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي الكاتب أيمان أهل الجاهلية في كتاب باسم ((أيمان العرب في الجاهلية)) وقد نشره محب الدين الخطيب بتحقيقه من القاهرة (سنة: ١٣٨٢ هـ) فاستوعب عاداتهم في ذلك، وأجاد وأفاد. ولخصها أيضاً الدكتور جواد علي في كتابه الجامع المفيد: ((المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)) (٥: ٥٠٩ إلى ٥١٨)، فمن شاء راجع هذين الكتابين، وسنذكر جملة منهما في مباحث القضاء والشهادة إن شاء الله تعالى. ١٥٩ كتاب: الأيمان (٢) - باب: من حلف باللات والعزّى، فليقل: لا إله إلا الله ٤٢٣٦ - (٥) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: «مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّتِ. فَلْيَقُلْ: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. (٢) - باب: من حلف باللات والعزى إلخ ٥ - (١٦٤٧) - قوله: (أن أبا هريرة قال إلخ) هذا الحديث أخرجه البخاري، في تفسير سورة النجم، باب أفرأيتم اللات والعزى، وفي الأيمان والنذور، باب، لا يحلف باللات والعزى، ولا بالطواغيت، وفي الأدب، باب من لم ير إكفار من قال متأولاً أو جاهلاً، وفي الاستئذان، باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله، وأبو داود في الأيمان، باب الحلف بالأنداد، (رقم: ٣٢٤٧) والترمذي في النذور، قبيل باب قضاء النذر عن الميت (رقم: ١٥٨٥)، وابن ماجه في الكفارات، باب النهي أن يحلف لغير الله (رقم: ٢٠٩٦)، والنسائي في الأيمان، باب الحلف باللات. قوله: (فقال في حلفه: باللات) فإن قيل: كيف يتصور من مسلم أن يحلف باللات أو بغيره من الأصنام؟ فالجواب أن القوم كانوا حديثي العهد بالشرك، وكانت أيمان الجاهلية جارية على ألسنتهم، فربما كانت ألسنتهم تنطلق بمثل هذه الأيمان، من غير أن يتعمدوا ذلك باختیارهم. ويؤيده ما أخرجه النسائي في باب الحلف باللات والعزى، عن سعد بن أبي وقاص قال: ((كنا نذكر بعض الأمر، وإنا حديث عهد بالجاهلية، فحلف باللات والعزى، فقال لي أصحاب رسول الله صلى: بئس ما قلت، إيت رسول الله ◌َّ﴾ فأخبره، فإنما لا نراك إلا قد كفرت، فأتيته فأخبرته، فقال لي: قل: لا إله الله وَّ ه وحده لا شريك له، ثلاث مرات، ونعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن يسارك ثلاث مرات، ولا تعد له))، وأخرجه أيضاً ابن ماجه وابن حبان، وصححه، كما في فتح الباري. قوله: (فليقل: لا إله إلا الله) قال الخطابي: ((اليمين إنما تكون بالمعبود المعظم، فإذا حلف باللات ونحوها فقد ضاهى الكفار، فأمر أن يتدارك بكلمة التوحيد)) وقال ابن العربي: ((من حلف بها جاداً فهو كافر، ومن قالها جاهلاً أو ذاهلاً يقول: ((لا إله إلا الله)) يكفر الله عنه، ويرد قلبه عن السهو إلى الذكر، ولسانه إلى الحق، وينفي عنه ما جرى به من اللغو)) كذا في فتح الباري (٨: ٤٧١). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا الحديث دليل على أن من جرى على لسانه شيء من ١٦٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَلْيَتَصَدَّقْ)). ٤٢٣٧ - (٠٠٠) وحدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَحَدِيثُ مَعْمَرٍ مِثْلُ حَدِيثٍ يُونُسَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: (فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ». وَفِي حَدِيثِ الأَوْزَاعِيِّ: ((مَنْ حَلَفَ بِاللَّتِ وَالْعُزَّىُ)) . كلمات الكفر دون سهو وخطأ، إن يتعمد ذلك، فإنه لا يكفر بذلك، ولكنه يؤمر بإعادة كلمة التوحيد، والاستغفار، والتعوذ، والله أعلم. قوله: (فليتصدق) قال العيني: ((وإنما أمر بالصدقة تكفيراً للخطيئة في كلامه بهذه المعصية، والأمر بالصدقة محمول عند الفقهاء على الندب، بدليل أن مريد الصدقة إذا لم يفعلها ليس عليه صدقة ولا غيرها بل يكتب له حسنة)) كذا في عمدة القاري (١١: ٣٦) وذكر النووي أن الأصح أنه لا يتعين له مقدار، فيتصدق بما تيسر له، وقيل: يتصدق مقدار ما أراد أن يقامر به. قال النووي: ((قال أصحابنا: إذا حلف باللات والعزى وغيرهما من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، أو بريئي من الإسلام، أو بريئي من النبي ◌َّر، أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله تعالى، ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه، سواء فعله أم لا، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك، إلا في قوله: أنا مبتدع)). وتوهم هذه العبارة أن الحنفية تجب عندهم الكفارة بالحلف باللات والعزى، وليس الأمر كذلك، فإن الحلف بغير الله تعالى لا ينعقد عندهم، كما هو مصرح في كتبهم. نعم! إذا حلف بقوله: إن لم أفعل ذلك فأنا كافر، أو يهودي، أو نصراني، فإن ذلك ينعقد عندهم يميناً، لأن العرف شائع بذلك، ومبنى الأيمان على العرف. وقد مرت بعض أجزاء المسألة في كتاب الأيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. التعريف باللات والعزى، وتاريخهما (٠٠٠) - قوله: (باللات والعزى) كلاهما صنمان يعبدهما الجاهليون، فأما اللات فقد روي بتخفيف التاء، وبتشديدها كما في لسان العرب (٢: ٣٨٨)، وهي من الأصنام القديمة المشهورة عند العرب. وذكر ابن الكلبي في كتاب الأصنام له أنه كان صخرة مربعة بيضاء، بنت ثقيف عليها بيتاً صاروا يسيرون إليه، يضاهون به الكعبة، وله حجبة، وكسوة، ويحرمون واديه، وكانت سدانته لآل أبي العاص، أو لبني عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب يعظمونه أيضاً، ويتقربون إليه، حتى أن ثقيفاً كانوا إذا ما قدموا من سفر توجهوا إلى بيت اللات أولاً للتقرب إليه، وشكره على السلامة، ثم يذهبون بعد ذلك إلى بيوتهم. وراجع له معجم البلدان