النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب: الوصية فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((الثُّلُثُ. وَالثُّلُتُ كَثِيرٌ)). وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: ((كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ)). (٢) - باب: وصول ثواب الصدقات إلى الميت ٤١٩٥ - ١/١١ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ وََّ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَّالاً وَلَمْ يُوصِ. فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ)). آخرون العشر، كذا في عمدة القاري (٦: ٤٨٣)، قلت: ومعظم هذه الآثار مروية في مصنف عبد الرزاق (٩: ٦٦ و٦٧)، وسنن البيهقي (٦: ٢٧٠)، وسنن الدارمي (٢: ٢٩٤)، وقد روى عمر وابنه شيًا أن الثلث وسط لا بخس ولا شطط، وراجع له البيهقي (٦: ٢٦٩)، ومصنف عبد الرزاق، (رقم: ١٦٣٦٦). قوله: (فإن رسول الله وَّ ر قال) تعليل لما اختاره من النقصان من الثلث، وكأنه أخذ ذلك من وصفه ◌َّلؤل الثلث بالكثرة، والله أعلم. (٢) - باب: وصول ثواب الصدقات إلى الميت ١١ - (١٦٣٠) - قوله: (عن العلاء، عن أبيه) هو العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني كما صرح به في رواية ابن ماجه، قال أحمد: ثقة لم أسمع من يذكره بسوء، وقال النسائي وغيره: ليس به بأس، وضعفه يحيى بن معين، وابن عدي، وراجع ميزان الاعتدال (٣ : ١٠٢، رقم: ٥٧٣٥)، وأبوه: عبد الرحمن بن يعقوب المدني، مولى الحرقة، وثقه النسائي وابن أبي حاتم، والعجلي، كما في التهذيب (٦: ٣٠١). قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه أيضاً النسائي في الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت. وابن ماجه في الوصايا، باب من مات ولم يوص. هل يتصدق عنه؟ (رقم: ٢٧١٦)، وأحمد في حديث أبي هريرة (٢: ٣٧١). قوله: (فهل يكفر عنه؟) يحتمل أن يكون ذلك حين ما كانت الوصية واجبة على المسلمين، فالمراد: هل يكفر صدقتي عما أخطأ أبي في ترك الوصية؟ ويحتمل أن يكون بعد نزول أحكام الميراث، فالمراد: هل تكفر هذه الصدقة عما أذنب أبي في حياته والظاهر من كلام النووي كثّهُ أنه اختار الاحتمال الثاني، واختار أن هذه الواقعة وواقعة الحديث الآتي عن عائشة واحدة. ١٠٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١٩٦ - ٢/١٢ - حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَّ لِلنَِّّ وَّهِ: إِنَّ أُمِّي اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا. وَإِنِّي أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ. فَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)). ١٢ - (١٠٠٤) - قوله: (عن عائشة) تقدم هذا الحديث في الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، وأخرجه أيضاً البخاري في الجنائز، باب ما يستحب لمن يتوفي فجأة أن يتصدقوا عنه، وفي الوصايا، باب ما يستحب لمن توفى فجأة أن يتصدقوا عنه، ومالك في الأقضية، باب صدقة الحي عن الميت، وأبو داود في الوصايا، باب ما جاء فيمن مات عن غير وصية، (رقم: ٢٨٨١)، والنسائي في الوصايا، باب إذا مات الفجأة هل يستحب (لأهله أن يتصدقوا عنه، وابن ماجه في الوصايا، باب من مات ولم يوص، هل يتصدق عنه؟ (رقم: ٢٧١٧) . قوله: (افتلتت نفسها) يقال افتلت الرجل: بالبناء للمعروف: إذا سلبه، وافتلت الرجل بالبناء للمجهول: إذا فوجئ قبل أن يستعد له، (ونفسها) يجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فلكونه نائب الفاعل، يعني: سلب نفسها فجاءة، وأما النصب فلأنه تمييز، أو مفعول ثان، بمعنى: سلبت المرأة نفسها)) وعلى كل حال فالمراد أنها ماتت فجأة. قوله: (قال: نعم) تقدم شرح هذا الحديث، ومسألة جواز إيصال الثواب إلى الميت، بتفاصيلها في كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، فلا نعيدها هنا، غير أننا نحب أن نذكر هنا ما لم يذكره شيخنا الإمام العثماني تثاثهُ في كتاب الزكاة من هذا الشرح. ربما ينكر المعتزلة ومن وافقهم في عصرنا من الفرق الباطلة وصول الثواب إلى الميت على أساس قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [سورة النجم، الآية: ٣٩] وقد أجاب عنه شيخنا العثماني كثّفُ في كتاب الزكاة بأنه قيدته الأحاديث المشهورة، أو خصصته بغير إيصال الثواب، أو بأن إهداء الثواب إنما يكون لإيمان المهدى إليه، وعمله الصالح، فهو من جملة ما سعى في حياته، وعبره شيخ مشايخاً الكنكوهي قدس سره بأن المراد في الآية هو السعي الإيماني، وكل من هذه الأجوبة صحيح سائغ . ولكن الأحسن عندي ما أجاب به ابن الصلاح تَقُّ في فتاواه (ص: ٩)، فقال: ((لا حق له، ولا جزاء إلا فيما يسعى، ولا يدخل فيه ما يتبرع به الغير من قراءة أو دعاء وإنه لا حق له في ذلك، ولا مجازاة، وإنما أعطاه الغير تبرعاً)) وأوضحه العلامة ابن تيمية تَظَثُ في فتاواه (٧: ٤٩٩) بقوله: ((ليس له إلا سعيه، وهذا حق، فإنه لا يملك ولا يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه، ولا يستحقه، لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به)) وقال في موضع آخر من فتاواه (٢٤: ٣٦٧): «لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان ١٠٣ كتاب: الوصية ٤١٩٧ - ٣/٠٠٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا. وَلَمْ تُوصِ. وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ. أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ)) . ٤١٩٨ _ ٤/١٣ - وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ. ح وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْظَامَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْع). حَدَّثَنَا رَوْحٌ (وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِم). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍّ. كُلَّهُمْ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. أَمَّا أَبُو أُسَامَةَ وَرَوْحٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: فَهَلْ لِي أَجْرٌ؟ كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. وَأَمَّا شُعَيْبٌ وَجَعْفَرٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: أَفَلَهَا أَجْرٌ؟ كَرِوَايَةٍ ابْنِ بِشْرٍ. لا ينتفع إلا بسعي نفسه، وإنما قال: ليس للإنسان إلا ما سعى، فهو لا يملك إلا سعيه، ولا يستحق غير ذلك، وأما سعي غيره فهو له، كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه، ونفع نفسه، فمال غيره ونفع غيره هو كذلك للغير، لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز، وهكذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك، كما ينفعه بدعائه له، والصدقة عنه، وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم، سواء كان من أقاربه أو غيرهم، كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره)) وذكر ابن تيمية كثُّ في رسالته في شرح حديث أبي ذر أنه قد بين في غير موضع نحواً من ثلاثين دليلاً شرعياً يبين انتفاع الإنسان بسعي غيره ((إذ الآية إنما نفت استحقاق السعي وملكه، وليس كل ما لا يستحقه الإنسان ولا يملكه، لا يجوز أن يحسن إليه مالكه ومستحقه بما ينتفع به منه)) راجع له مجموعة الرسائل المنيرية (٣: ٢٠٩) وهذا عندي أحسن ما قيل في هذا الباب، والله سبحانه أعلم. ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (فهل لي أجر) ذكر المصنف تغُّ اختلاف الروايات في الحديث، فوقع في بعضها: ((فهل لي أجر؟)) أو ((فلي أجر))؟ وفي أخراها: ((أفلها أجر))؟ والجواب في كلتا الروايتين: نعم، فيحصل منه أن الثواب في مثله للمهدي والمهدى إليه كليهما، واختلاف الرواة لعله نشأ بأن كلا ذكر ما لم يذكره الآخر، وكان السؤال عن أجر كليهما، والله سبحانه أعلم. ١٠٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٣) - باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ٤١٩٩ - ١/١٤ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ) وَابْنُ حُجْرٍ . قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ اَنْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ. أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ. أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)). (٤) - باب: الوقف ٤٢٠٠ - ١/١٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: (٣) - باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ١٤ - (١٦٣١) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه أيضاً النسائي في الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت، وأبو داود في الوصايا، باب ما جاء في الصدقة عن الميت (رقم: ٢٨٨٠)، والترمذي في الأحكام، باب في الوقف، (رقم: ١٣٧٦). قوله: (انقطع عمله) يعني: عمله الذي يستحق به الأجر، فلا ينافي ما مر من وصول ثواب الصدقات إليه، كما بسطنا في شرح الحديث الماضي. قوله: (إلا من صدقة جارية) يعني من الصدقات التي يستمر نفعها للمتصدق عليهم وهذا أكثر ما يكون في الوقف. قوله: (أو ولد صالح يدعو له) فيه ترغيب للناس في الاهتمام بتربية أولادهم تربية دينية صالحة، فإن الولد الصالح يرجى منه الدعاء، وإيصال الثواب بعد وفاة الوالد، ولا يرجى ذلك من ولد غير صالح، والله أعلم. (٤) - باب: الوقف ١٥ - (١٦٣٢) - قوله: (سليم بن أخضر) بضم السين على التصغير، كذا ضبطه في التقريب، والخلاصة، والمغني، وأفاد الشيخ طاهر الهندي كَُّ في المغني (ص: ٤٠) أن سليماً كله بالضم، إلا سليم بن حيان، فما وقع في بعض المواضع من شرح النووي من أنه بفتح السين لعله مسامحة منه كثّفُهُ، وسليم بن أخضر هذا من ثقات البصريين، ولا سيما في حديث عبد الله بن عون، كما في التهذيب (٤: ١٦٤). قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشروط في الوقف، وفي الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَنَى حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [سورة النساء، الآية: ٦]، وباب الوقف كيف ١٠٥ كتاب: الوصية أَصَابَ عُمَرُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ. فَأَتَى النَّبِيَّ وَِّ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ. لَمْ أُصِبْ مَالاً قَظُ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ. فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)) قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ؛ أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَضْلُهَا. وَلاَ يُبْتَاعُ. وَلاَ يكتب، وباب الوقف للغني والفقير والضيف، وباب نفقة القيم للوقف، وأبو داود في الوصايا، باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف، (رقم: ٢٨٧٨)، والترمذي في الأحكام، باب في الوقف، (رقم: ١٣٧٥)، والنسائي في الأحباس، باب كيف يكتب الحبس؟ وابن ماجه في الصدقات، باب من وقف، (رقم: ٢٣٩٦). قوله: (أصاب عمر) هذا الحديث من أصول أحكام الوقف. فنشرحه أولاً ثم نذكر المسائل المستنبطة منه مستقلة تحت عنوان إن شاء الله تعالى. قوله: (أرضاً بخيبر) وقد وقع في رواية صخر بن جويرية عند البخاري في الوصايا أن اسم الأرض ثمغ، وكان نخلاً، وذكر الحموي في معجم البلدان (٢: ٨٤) أنه بسكون الميم، وقيده ·بعض المغاربة بالتحريك. وأخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بِشَمْغْ، حكاه الحافظ في الفتح، وسيأتي تحقيق موضع هذه الأرض في الرواية الآتية إن شاء الله. قوله: (يستأمر فيها) فيه استحباب أن يستشير الرجل أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير، سواء كانت دينية، أو دنيوية، وأن المشير يشير بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور، وإن مثل هذا السؤال لا يدخله الرياء، بخلاف ما يقوله جهال المتقشفة كذا في مبسوط السرخسي (١٢ : ٢١). قوله: (أنفس عندي منه) يعني أجود. والنفيس الجيد المغتبط به، يقال: نفس (بوزن كرم)، نفاسة، وقال الداودي: سمي نفيساً لأنه يأخذ بالنفس، كذا في فتح الباري. قوله: (حبست أصلها) يعني: حبسته على ملك الله تعالى، وهذا على قول الجمهور، وقال أبو حنيفة كثّفُهُ: معناه: حبسته على ملكك، وتصدقت بمنافعه، وسيأتي توضيح الخلاف. وتحقيق مذهب أبي حنيفة كلُّهُ . ويقال: حبس الشيء في كذا، إذا خصه له، ومن هنا سمي الوقف حبساً، وإن المتقدمين يستعملون للوقف لفظ (الحبس) عموماً أخذا بهذا الحديث، وأما في اصطلاح المتأخرين فلفظ (الوقف) أكثر وأشهر. قوله: (وتصدقت بها) يعني: جعلت منافعها للفقراء، وقد وقع ذلك صريحاً في رواية يحيى بن سعيد عند الطحاوي، ولفظها: ((تصدق بثمره، وحبس أصله))، وفي رواية عبيد الله بن عمر عند النسائي: ((احبس أصلها، وسبل ثمرتها)) والتسبيل: الإباحة، كأنك جعلت عليه طريقاً ١٠٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يُورَثُ. وَلاَ يُوهَبُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ. مطروقة، كذا في مجمع البحار، وقال السندي: قوله: وسبل، بتشديد الباء، أي: اجعل ثمرتها في سبيل الله، ومنه يقال: الوقف المسبل يعني الوقف المباح. قوله: (على أنه لا يباع أصلها) كذا وقع لأكثر الرواة أن هذا الشرط من كلام عمر رظپته، ولكن وقع في بعض الروايات الأخرى أنه كان في كلام النبي ◌َّر: فمنها: ما أخرجه البخاري في الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَ﴾، من طريق صخر بن جويرية، عن نافع، وفيه: ((فقال النبي ◌ُّر. تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا یورث، ولکن ینفق ثمره)). ومنها: ما أخرجه الطحاوى من طريق أبي عاصم وسعيد الجحدري، عن ابن عون، عن نافع، وفيه: ((قال: إن شئت حبست أصلها لا تباع ولا توهب، قال أبو عاصم: وأراه قال: لا تورث))، راجع شرح معاني الآثار (٢: ٢٠٧) باب الصدقات الموقوفات، كتاب الهبة والصدقة. ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضاً، والبيهقي في سننه (٦: ١٦٠) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع، وفيه: ((فقال له النبي ◌َّر: تصدق بثمره، واحبس أصله، لا يباع، ولا يورث))، ولفظ الطحاوي: ((تصدق به، تقسم ثمره، وتحبس أصله، لا تباع، ولا توهب)). فهؤلاء الأربعة: صخر بن جويرية، وأبو عاصم، وسعيد الجحدري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، كلهم يجعلون هذا الشرط من كلام النبي ◌َّر، ولا مانع من أن يكون من كلامهما جميعاً، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، والظاهر أن النبي و لل هو الذي بين هذا الشرط أولاً، فلما وقف عمر رضيبه أرضه فعلاً ذكر هذا الشرط في وقفه، والله سبحانه أعلم. قوله: (قال فتصدق عمر) ظاهره أنه وقف أرضه في عهد النبي وَّر، ولكن ربما يشكل عليه ما أخرجه أبو داود (رقم: ٢٨٧٩) من كتاب هذا الوقف لعمر وفيه أن كاتب هذا الوقف هو معيقيب، وهذا يقتضي أن عمر رُه إنما كتب كتاب وقفه في خلافته، لأن معيقيباً كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين. وجمع بينهما الحافظ في الفتح (٥: ٣٠١) بأنه ((يحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي وَل باللفظ، وتولى هو النظر عليه، إلى أن حضرته الوصية، فكتب حينئذ الكتاب؛ ويحتمل أن يكون أخر وقفيته. ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته في كيفيته، وقد روى الطحاوى وابن عبد البر من طريق مالك، عن ابن شهاب، قال: قال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله وَيُّ لرددتها. فهذا يشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم ينجز الوقف إلا عند وصيته. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: يستبعد من مثل عمر ظلله أن يؤخر ما أشار به النبي وَّ إلى آخر حياته، والظاهر أنه لم يؤخر الوقف، وإنما أخر كتابته، وأما ما رواه الطحاوي وابن ١٠٧ كتاب: الوصية وَفِي الْقُرْبِىِ. وَفِي الرِّقَابِ. وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَابْنِ السَّبِيلِ. وَالضَّيْفِ. لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ. أَوْ يُطْعِمَّ صَدِيقاً. غَيْرَ مُتَمَوَّلٍ فِيهِ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّداً. فَلَمَّا بَلَغْتُ هُذَا الْمَكَانَ: غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: غَيْرَ مُتَأَثِّلِ مَالاً . عبد البر، فعلى تقدير صحته، فإنه مرسل ابن شهاب، يحتمل أن يكون عمر رضيالله يرى أن مثل هذا الوقف يجوز فيه الرجوع، كما هو مذهب أبي حنيفة كثّفُهُ، وسيأتي، ويحتمل أيضاً أن يكون مراده أني لو لم أعمل بنيتي في الوقف على عهد رسول الله وَّ لرجعت في نيتي، ولما وقفته، والله سبحانه أعلم. قوله: (وفي القربى) يحتمل أن يكون من ذكر الخمس، ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي. كذا في فتح الباري (٥: ٣٠٠). قوله: (والضيف) قال العيني في العمدة: هو من قبيل عطف الخاص على العام، كأنه يريد أن الضيف المراد هنا: هو ابن السبيل، يعني: من كان له مال في بلده، وهو ههنا فقير، قلت: ولا حاجة إلى إضافة قيد الفقر، فإنه لم يقيد به الواقف، ومن ثم استدل به بعض العلماء على جواز الوقف على الأغنياء، وهو استدلال صحيح. قوله: (لا جناح) يعني: لا إثم على من وليها، أي: من ولي التحدث على تلك الأرض أن يأكل منها، أي: من ريعها بالمعروف، أي: بحسب ما يحتمل ريع الوقف على الوجه المعتاد. كذا في عمدة القاري (٦ : ٤٦٩). وقال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف: القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأول أولى. كذا في فتح الباري. قوله: (غير متمول) حال من قوله: ((أن يأكل)) يعني: لا يجوز أن يكون أكله وإطعامه على وجه التمول، وتكثير المال، وإنما يكون بقدر المعتاد. قوله: (فحدثت بهذا الحديث محمداً) قائله: عبد الله بن عون، كما هو مصرح في رواية الدارقطني، والمراد من محمد: هو محمد بن سرين، كما هو مصرح في رواية البخاري في الشروط، فيقول ابن عون: إني حدثت هذا الحديث محمد بن سيرين بعد ما سمعته من نافع، فعدله ابن سيرين إلى ((غير متأثل)) بدل ((غير متمول)). قوله: (غير متأثل مالاً) التأثل: اتخاذ أصل المال، حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء: ١٠٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هُذَا الْكِتَابَ؛ أَنَّ فِيهِ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً . أصله، كذا في الفتح، وأثل الشيء أثولاً، من باب نصر، وتأثل من باب التفعل: تأصل يعني صار له أصل قديم، ومنه قول امرئ القيس : ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي ويقال. أثل الرجل وتأثل: إذا كثر ماله، وهو مجاز، وتأثل المال: اكتسبه، وجمعه، واتخذه لنفسه، كذا في تاج العروس للزبيدي (١: ٢٠٣). قوله: (وأنبأني من قرأ هذا الكتاب) وفي رواية الترمذي من طريق ابن علية، عن ابن عون: ((حدثني رجل أنه قرأها في قطعة أديم أحمر، قال ابن علية: وأنا قرأتها عند ابن عبيد الله بن عمر كذلك)) وقد أخرج أبو داود لفظ كتاب وقف عمر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: نسخها لي عبد الله بن عبد الحميد ابن عبد الله بن عمر، وفيه: ((غير متأثل)). مسألة مشروعية الوقف ولزومه: ثم استدل جمهور الفقهاء بحديث الباب على مشروعية الوقف ولزومه على سبيل التأبيد، وأنه لا يجوز للواقف الرجوع فيه، ولا بيعه أو هبته، وأنه لا يجري فيه الميراث. وقد اشتهر أن الإمام أبا حنيفة تغلقُ لا يقول بلزوم الوقف وتأبيده، وأنه يجوز عنده أن يرجع الواقف فيما وقفه، وكذلك يجري فيه الميراث عنده، والتحقيق أن الأمر ليس على هذا الإطلاق عند أبي حنيفة، وإنما فيه تفصيل لا بد من معرفته. وهو أن الوقف على قسمين: الأول: أن يتصدق الرجل الواقف بأصل الشيء ورقبته وذاته، كأرض جعلها مسجداً أو مقبرة، أو خاناً للمارة، أو منزلاً للغزاة، أو مسكناً للحاج. وحكمه: أنه يصير عند أبي حنيفة كثّفُ وقفا لازماً مؤبداً، لا يجوز للواقف الرجوع فيه، ولا يباع ذلك، ولا يوهب، ولا يورث، كقول الجمهور سواء بسواء ولا خلاف في جوازه ولزومه لأحد. والقسم الثاني: أن يتصدق الرجل بمنفعة الشيء دون أصله مثل أن يقف غلة داره، أو أرضه على مسجد، أو على الفقراء. وحكمه: أنه عند أبي حنيفة يتأبد في صورتين، ولا يتأبد في صورة واحدة. فالصورة الأولى: أن يضيف الوقف إلى ما بعد الموت. مثل أن يقول: هو وقف في حياتي، صدقة بعد مماتي، أو يقول: إذا مت فقد جعلت داري أو أرضي وقفاً على كذا. فهذا ١٠٩ كتاب: الوصية يتأبد كالقسم الأول، لا فرق فيه بين مذهب أبي حنيفة ومذهب الجمهور(١) والصورة الثانية: أن يتصدق بمنفعة الشيء ولا يضيف التصدق إلى ما بعد الموت، بل يجعل الوقف مطلقاً مثل أن يقول: وقفت غلة داري على كذا، دون أن يذكر حكم ما بعد وفاته، ولكن يتصل به حكم الحاكم، فيقضي أحد من الحكام بكونه وقفاً مؤبداً، فهذا يتأبه أيضاً عند أبي حنيفة، ولا يخالف فیه الجمهور. وأما الصورة الثالثة: فهي أن يتصدق بمنفعة الشيء، ولا يضيف التصدق إلى ما بعد الموت، ولا يتصل به حكم حاكم، مثل أن يقول: وقفت غلة داري على كذا. وفي هذه الصورة خلاف، فقال أبو حنيفة كثّفُهُ: إنه لا يكون لازماً مؤبداً، حتى يصح له الرجوع فيه، ويجوز له بيعه وهبته، ويصير ميراثاً بعد موت. وقال عامة العلماء كالأئمة الثلاثة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله: إنه يتأبد أيضاً كالأقسام الثلاثة الأولى، فلا يجوز للواقف الرجوع فيه، ولا هبته، ولا بيعه، ولا يجري فيه الميراث، وقد أفتى علماء الحنيفة بقول الجمهور والصاحبين في هذا الباب. هذه خلاصة ما ذكره الخصاف في مقدمة كتاب الأوقاف له (ص: ١٨)، والعيني في عمدة القاري (٦: ٤٦٩)، وشيخنا العثماني التهانوي كثّفُ في إعلاء السنن (١٣ : ٩٥ و٩٦). ويتبين لك من تعمق النظر فيما ذكرنا أن الإمام أبا حنيفة تغذّهُ لا يخالف الجمهور في لزوم الوقف وتأبيده، وإنما يخالفهم في طريق انعقاد هذا الوقف المؤبد، فيقول: إنه لا ينعقد وقفاً مؤبداً إلا بأحد من الطرق الثلاثة: إما بجعل رقبة الأرض وقفاً أو صدقة، وإما بإضافتها إلى ما بعد موته، وإما بحكم الحاكم، فأما إذا لم يتحقق شيء من ذلك وتصدق الرجل بمنافع ملكه دون أن يضيفه إلى ما بعد موته، فإنه لا ينعقد وقفاً مؤبداً . واحتج الجمهور بحديث عمر في الباب، فإنه صريح في أن عمر نظرائه إنما تصدق بمنافعها، وقد ذكر النبي ◌َّ أنه لا يباع ولا يوجب، ولا يورث، ويمكن الجواب من قبل أبي حنيفة تغلفه أن هذا الوقف كان بأحد الطرق الثلاثة التي يتأيد به الوقف عنده، فيحتمل أن يكون (١) هكذا ذكر العيني في العمدة، والعلامة العثماني في إعلاء السنن، ولم يذكروا: هل ينفذ ذلك بعد موته في الثلث فقط، أو في جميع ماله، وقياس قول أبي حنيفة أن لا ينفذ ذلك فيما زاد على الثلث، وحينئذ يختلف قوله من قول الجمهور، فإنه ينفذ فيما زاد على الثلث أيضاً إذا كان الوقف في حالة الصحة، نعم إذا ثبت من طريق موثوق به أن أبا حنيفة رحمه الله ينفذ مثل هذا الوقف فيما زاد على الثلث أيضاً، فحينئذ يتفق قوله مع قول الجمهور، ولم أر ذلك صريحاً فليتأمل، والله أعلم. ١١٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٢٠١ - ٢/٠٠٠ - حدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا عمر نظُله تصدق برقبة الأرض، ويكون قوله الظلّلا: ((إن شئت حبست أصلها)) المراد منه: ((حبست أصله على ملك الله تعالى)). ويحتمل أن يكون التصدق بمحض منافع الأرض، ولكن اتصل به حكم رسول الله وَّر، ويحتمل أن يكون أضافه إلى ما بعد وفاته، وهذا الأخير يتأيد بما أخرجه أبو داود من نسخة كتاب الوقف لعمر، فيه: ((هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين، إن حدث به حدث أن ثمغاً وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم الذي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد رَلير بالوادي تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذوو الرأي من أهلها إلخ)) فإنه صريح في أن عمر رظلُّه أضافه إلى ما بعد موته، وقد وقع في رواية الدارقطني في سننه (٢: ٥٠٦) إنه صرح في وصيته بأنه حبيس ما دامت السماوات والأرض. وتأبيد مثل هذا الوقف مما لا نزاع فيه . وكذلك يتأول الإمام أبو حنيفة تفُّ في جميع الأوقاف المؤبدة في عهد الرسول وَّ وفي الصحابة أنها انعقدت مؤبدة بإحدى الطرق الثلاثة التي ذكرناها، فليست داخلة في محل النزاع. وبالجملة فالمسألة مجتهد فيها، ولكل من الفريقين دلائل، والذي يظهر من عموم الأحاديث أن السلف كانوا يعتبرون الأوقاف المطلقة مؤبدة من غير تقييد بهذه الطرق الثلاثة التي ذكرها الإمام أبو حنيفة تغذُّ، ومن هنا أفتى معظم العلماء الحنفية بقول الجمهور في هذا الباب، والله سبحانه أعلم. هل ينتقل ملك الوقف إلى الموقوف عليه قال العيني تَقْذَثُهُ: ((واختلفوا: هل يدخل في ملك الموقوف عليه أم لا؟ فقال أصحابنا: لا يدخل، لكنه ينتفع بغلته بالتصدق عليه، لأن الوقف حبس الأصل، وتصدق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك المحبوس، وعن الشافعي ومالك وأحمد: ينتقل إلى ملك الموقوف عليه لو كان أهلاً له، وعن الشافعي في قول: ينتقل إلى الله تعالى، وهو رواية عن أصحابنا، وعن الشافعي: أن الملك في رقبة الوقف لله تعالى)) كذا في عمدة القاري (٦: ٤٦٩). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الظاهر من القول المفتى به عند الحنفية أن الوقف لا يكون ملكاً للموقوف عليهم، وإنما يكون ملكاً لله تعالى، ينتفع به الموقوف عليهم، ويصير الوقف كالشخص المعنوي في الاصطلاح القانوني العصري، فيبيع، ويشتري، ويملك ويقرض، ويستقرض بواسطة واليه، ولهذا قد صرح الفقهاء بأن ما اشتراه المتولي من غلة الوقف لم يصر وقفاً في الأصح، وإنما كان ملكاً للوقف، وراجع الفتاوى العالمكيرية (٣: ٢٤٠). (٠٠٠) - قوله: (ابن أبي زائدة) يقال: ابن أبي زائدة لزكريا بن أبي زيادة، ويحيى ابنه كليهما، والظاهر أن المراد هنا: يحيى بن زكريا بن زكريا بن أبي زائدة، فإن ابن عون معدود في ١١١ كتاب: الوصية إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنٍ أَبِي زَائِدَةَ وَأَزْهَرَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ : ((أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ)). وَلَمْ يُذْكَرْ مَا بَعْدَهُ. وَحَدِيثُ ابْنٍ أَبِي عَدِيُّ فِيهِ مَا ذَكَرٌ سُلَيْمُ قَوْلُهُ: فَحَدَّثْتُ بِهِذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّداً إِلَى آخِرِهِ. ٤٢٠٢ - ٣/٠٠٠ - وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ. قَالَ: أَصَبْتُ أَرْضاً مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ. فَأَتَيْثُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ فَقُلْتُ: أَصَبْتُ أَرْضَاً لَمْ أُصِبْ مَالاً أَحَبَّ إِلَيَّ وَلاَ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهَا. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ: فَحدَّثْتُ مُحَمَّداً وَمَا بَعْدَهُ. أساتذته، وابن أبي شيبة في تلامذته راجع في تهذيب الكمال للمزي، ولا يوجد لهما ذكر في شيوخ زكريا وتلامذته، والله أعلم. قوله: (ابن أبي عدي) يعني: محمد بن إبراهيم بن أبي عدي -، وهو من ثقات أهل البصرة، روى عنه الجماعة، مات (سنة: ١٩٢هـ، أو ١٩٤ هـ)، كذا في التهذيب (٩: ١٣). قوله: (عن سفيان) يعني: الثوري، كما صرح به النسائي في سننه (٢ : ١٢٦). قوله: (عن عمر) جعله سفيان الثوري من مسندات عمر، وكذا رواه أبو إسحاق الفزاري، وسعيد بن سالم عند النسائي، ولكن جعله أكثر الرواة من مسند ابن عمر، كما مر عند المصنف، ولا مانع من أن يكون مروياً عنهما جميعاً. قوله: (أرضاً من أرض خيبر) وقد وقع في رواية صخر بن جويرية عند البخاري في الوصايا: ((أن عمر تصدق بمال له على عهد رسول الله وَّر، وكان يقال له: ثمغ وكان نخلاً)). وأخرج النسائي المجتبى (٢: ١٢٦) عن ابن عمر، قال: ((جاء عمر إلى رسول الله وَّل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت مالاً لم أصب مالاً مثله قط، كان لي مائة رأس، فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها، وإني قد أردت أن أتقرب بها إلى الله عز وجل)). فزعم بعض العلماء بالنظر إلى مجموع هذه الروايات أن ((ثمغ)) كانت من أرض خيبر، قال الحافظ في الفتح (٥: ٢٢٩) ((فيحتمل أن تكون ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التي قسمها النبي ◌ُّر بين من شهد خيبر،؛ وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي كانت لعمر بن الخطاب، بخيبر، التي حصلها من جزائه من الغنيمة)). وليس الأمر كما زعم الحافظ تَُّ، فإن («ثمغ)) من أراضي المدينة، لا من خيبر، قد صرح به غير واحد من العلماء، وقد حقق السمهودي كثّثُ موضع هذه الأرض في كتابه المعروف وفاء الوفاء (٤: ١٦٥)، ولا بأس بإيراد كلامه ههنا بلفظه، قال: («ثمغ، بالفتح والغين المعجمة، مال بخيبر لعمر بن الخطاب ظه، قاله المجد؛ لحديث ١١٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٥) - باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ٤٢٠٣ - ١/١٦ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٌّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، الدارقطني: إن عمر أصاب أرضاً بخيبر، يقال لها: ثمغ، فسأل النبي وَّر، فقال له: احبس أصلها، وتصدق بثمرتها، وفي البخاري: أن عمر تصدق بمال يقال له: ثمغ، وكان نخلاً، الحدیث)). («لكن تقدم في منازل يهود أن بني مزانة كانوا في شامي بني حارثة، وأن من آطامهم هناك الأطم التي يقال له الشعبان في ثمغ، صدقة عمر بن الخطاب ظُبه، قاله ابن زبالة، وفي بعض طرق حديث صدقة عمر من رواية ابن شبة: أن عمر ربه أصاب أرضاً منم يهود بني حارثة، يقال لها، ثمغ)). ((وذكر الواقدي اصطفاف أهل المدينة على الخندق في وقعة الحرة، ثم ذكر مبارزة وقعت يومئذ في جهة ذباب إلى كومة أبي الحمراء، ثم قال: كومة أبي الحمراء قرية من ثمغ)). ((وقال أبو عبيد البكري: ثمغ أرض تلقاء المدينة كانت لعمر، وذكره ابن شبة في صدقات عمر بالمدينة، وغاير بينه وبين صدقته بخيبر، وأورد لفظ كتاب صدقته، وفيه: ثمغ بالمدينة، وسهمه من خيبر، وروي عن عمرو بن سعيد بن معاذ، قال: سألنا عن أول من حبس في الإسلام، فقال قائل: صدقة رسول الله وَ ﴿، وهذا قول الأنصار، وقال المهاجرون: صدقة عمر، وذلك أن رسول الله وَ﴿ أول ما قدم المدينة وجد أرضاً واسعة بزهرة لأهل رابح وحسيكة، وقد كانوا أجلوا عن المدينة قبل مقدم النبي وَله، وتركوا أرضاً واسعة منها براح، ومنها ما فيه واد لا يسقى، يقال له: الحشاشين، وأعطي عمر منها ثمغاً، واشترى عمر إلى ذلك من قوم من يهود، فكان مالاً معجباً، فسأل رسول الله وَ له، فقال: إن لي مالاً، وإني أحبه، فقال رسول الله وَله: احبس أصله، وسبل ثمره)). («فهذا كله صريح في كونه بالمدينة في شاميها، فكأن ما في رواية الدارقطني من تصرف بعض الرواة، أو أن كلا من صدقتيه يسمى ثمغا)) وراجع وفاء الوفاء للسمهودي (٤: ١١٦٦) من طبع المدينة، الفصل الثامن في بقاع المدينة. فالذي يتحصل من جميع هذه الروايات أن ثمغ كانت بالمدينة، وكان عمر رظله تصدق به وبالمائة سهم بخيبر جميعاً، فاقتصر بعض الرواة على ثمغ، وبعضهم على أرضه بخيبر. وخلط بعضهم الأمرين، فجعلوا ثمغ من أراضي خيبر، والظاهر أن هذا وهم منهم، والله سبحانه أعلم. (٥) - باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه ١٦ - (١٦٣٤) - قوله: (عن مالك بن مغول) بكسر الميم، وسكون الغين، وفتح الواو، من ١١٣ كتاب: الوصية عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ. قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ وَ؟ فَقَالَ: لاَ. قُلَّتُ: رواة الجماعة، ثقة ثبت عند الجميع، قال ابن سعد: كان ثقة، مأموناً، كثير الحديث، فاضلاً، خيراً، وقال ابن حبان: كان من عباد أهل الكوفة ومتقنيهم، وقال ابن عيينة: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله، فوضع خده بالأرض، مات (سنة: ١٥٧ هـ) كذا في التهذيب (١٠: ٢٣). قوله: (عن طلحة بن مصرف) بفتح الميم، وكسر الراء، تابعي كبير من رواة الجماعة، ومن قراء أهل الكوفة، قال العجلي: اجتمع قراء الكوفة في منزل الحكم بن عيينة، فأجمعوا على أنه أقرأ أهل الكوفة، فبلغه ذلك، فغدا إلى الأعمش، فقرأ عليه، ليذهب عنه ذلك الاسم، وقال عبد الله بن إدريس: كانوا يسمونه سيد القراء، وقد أدرك أنساً، ولم يثبت له سماع منه، كذا في التهذيب (٥: ٢٦)، وغاية النهاية لابن الجزري (١: ٣٤٣). قوله: (سألت عبد الله بن أبي أوفى) حديثه هذا أخرجه أيضاً البخاري في الوصايا، باب الوصايا، وفي المغازي، باب مرض النبي وَّر ووفاته، وفي فضائل القرآن، باب الوصاة بكتاب الله عز وجل، والترمذي في الوصايا، باب ما جاء أن النبي وَّر لم يوص رقم ٢١٢٠. والنسائي في الوصايا باب هل أوصى النبي وَّر؛ وابن ماجه في الوصايا، باب هل أوصى رسول الله وَالقتل، (رقم: ٢٦٩٦). قوله: (هل أوصى رسول الله وَّ ه؟) ولعل سبب السؤال أن الشيعة كانوا قد وضعوا أحاديث أن النبي و ﴿ أوصى بالخلافة لعلي رَظُنّه، فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك، منهم علي ◌َظ ◌ُه، كما سيأتي في شرح الحديث الآتي، وكذلك زعم بعضهم أنه والر ترك أموالاً وصية لبعض أقاربه . قوله: (فقال: لا)، إنما نفى عبد اللّه بن أبي أوفى ظلاله الوصية بالمال، وبالخلافة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه في آخر هذا الحديث: ((قال مالك: (يعني: ابن مغول) وقال طلحة بن مصرف: قال الهزيل بن شرحبيل: أبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله وَله؟ وَدَّ أبو بكر أنه وجد من رسول الله وشر عهداً، فخزم أنفه بخزام»، ومثله أخرج الدارمي أيضاً في سننه (٢: ٢٩١، رقم: ٣١٨٤)، وهذيل هذا من كبار التابعين، وثقات أهل الكوفة، فأنكر أن يكون أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله وَ﴿، فإنه إن كان وجد عهداً من النبي ور أخلص نفسه من عبء الخلافة، وانقادَ لمن أوصى إليه رسول الله وَالجهد . فهذا الجواب لا ينافي ما ثبت أنه ولو أوصى المسلمين بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزه، ومثل ذلك. فإن السؤال كان في الوصية بالمال، وبالخلافة، كما فهمه عبد اللّه بن أبي أوفى من سياق الكلام. فأجاب ما يطابقه. ١١٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَلِمَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ، أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيّةِ؟ قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ٤٢٠٤ - ٢/١٧ - وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كِلاَهُمَا عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلُهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ وَكِيعَ: قُلْتُ: فَكَيْفَ أُمِرَ النَّاسُ بِالْوَصِيَّةِ؟. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: قُلْتُ: كَيْفَ كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟ ٤٢٠٥ - ٣/١٨ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةَ. قَالاً: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ دِينَاراً، وَلاَ دِرْهَمَاً، وَلاَ شَاةً، وَلاَ بَعِيراً، قوله: (فلم كتب على المسلمين الوصية؟) يحتمل أن يكون طلحة بن مصرف ممن يزعم أن آية وجوب الوصية غير منسوخة، وهي: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا اَلْوَصِيَّةُ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٨٠] ويحتمل أن يكون مراده ندب الوصية، واختار لفظ (كتب)) لما هو مستحب نظراً إلى تأكد استحبابه. قوله: (أوصى بكتاب الله) لعله أشار إلى قوله تعالَّلا: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلوا: كتاب الله)). وأما ما ورد عنه وَّل من الوصية الجزئية، فالظاهر أن ابن أبي أوفى ظ ◌ُبه لم يرد نفيه، وإنما اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، أو كان لم يحضر شيئاً من الوصايا الجزئية، أو لم يستحضرها حال الجواب. كذا في فتح الباري (٥: ٢٦٨). ١٨ - (١٦٣٥) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه أيضاً النسائي في الوصايا، باب هل أوصى النبي ◌َّر؟ وأبو داود في الوصايا، باب ما جاء في ما يؤمر به من الوصية (رقم: ٢٨٦٣)، وابن ماجه في فاتحة الوصايا، (رقم: ٢٦٩٥). قوله: (ما ترك) إلخ: ولعل من تمام هذا الحديث ما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢ : ٣١٦) بطرق مختلفة عن زر بن حبيش، عن عائشة: ((أن إنساناً سألها عن ميراث رسول الله وَ ل، فقالت: عن ميراث رسول الله تسألني لا أبالك؟ توفي رسول الله ولم يدع ديناراً، ولا درهماً، ولا عبداً، ولا أمة، ولا شاة، ولا بعيراً)). قوله: (ديناراً، ولا درهماً) كذا ثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين أنه وُّر لم يترك ديناراً، ولا درهماً، ذكره أيضاً عمرو بن الحارث، وابن عباس، وعلي بن الحسين زين ١١٥ كتاب: الوصية وَلاَ أَوْصَى بِشَيْءٍ. ٤٢٠٦ - ٤/٠٠٠ - وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. أَخْبَرَنَا عِيسَى (وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ). جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٢٠٧ - ٥/١٩ - وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ. قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ؛ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا. فَقَالَتْ: مَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ فَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى العابدين، وغيرهم، راجع لرواياتهم طبقات ابن سعد (٢: ٣١٦ و٣١٧). وذكر المحب الطبري في خلاصة السير: ((ترك ◌َ﴾ يوم مات ثوبي حبرة، وإزاراً عمانياً، وثوبين صحاريين، وقميصاً صحارياً، وقميصاً سحولياً، وجبة يمنية، وقميصاً، وكساء أبيض، وقلانس صغاراً لاطية ثلاثاً أو أربعاً، وإزاراً طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة)) كذا في تاريخ الخميس، للإمام الديار بكري (٢: ١٧٣). قوله: (ولا أوصى بشيء) يعني: في أمر المال والخلافة، وإلا فقد ثبتت عنه عدة وصايا نصح بها الأمة، وإن الكلام كان في وصيته بالمال أو الخلافة، ولذلك نفت الوصية مطلقاً . ١٩ - (١٦٣٦) - قوله: (ذكروا عند عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الوصايا، باب الوصايا، وفي المغازي، باب مرض النبي ◌َّله ووفاته، والنسائي في الوصايا. باب هل أوصى النبي ◌َلِ؟ قوله: (كان وصياً) يعني: للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وقد ادعت ذلك الشيعة، وقد ردت عليهم جماعة من الصحابة، ومن مقدمتهم سيدنا علي بن أبي طالب نظراته نفسه، فقد ثبت عنه بطرق مختلفة أنه أنكر أن رسول الله و قر عهد إليه شيئاً في أمر الخلافة. فمنها ما ذكره الترمذي في الخلافة (رقم: ٢٣٢٦) حيث قال: ((وفي الباب عن عمر، وعلي، قالا: لم يعهد النبي ◌َّر في الخلافة شيئاً)). ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده (١: ١١٤) من طريق الأسود بن قيس، عن رجل، عن علي ربه أنه قال يوم الجمل: ((إن رسول الله وَّي لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في إمارة، ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا، ثم استخلف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، فأقام واستقام، ثم استخلف عمر رحمة الله على عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه)). وأخرجه أيضاً البيهقي في دلائل النبوة من طريق الأسود بن قيس، عن عمرو بن أبي سفيان، عن على أنه لما ظهر يوم الجمل قال: ((يا أيها الناس إن رسول الله وَليّ لم يعهد إلينا في ٠٠٠٠ ١١٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هذه الإمارة شيئاً ... )) ذكره الحافظ في الفتح (٥: ٢٦٩) وسكت عليه، وقد زالت بهذا الطريق جهالة الراوي عن علي في رواية أحمد. ومنها ما أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي وائل قال: ((قيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله وَلقره، فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيراً، فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم، ذكره المباركفوري في تحفة الأحوذي (٣: ٢٣٠). ومنها ما أخرجه البخاري في العلم، باب كتابة العلم، عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: ((لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم لكافر)). قال ابن بطال: فيه ما يقطع بدعة الشيعة، والمدعين على علي رَؤُه أنه الوصي، وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله و38َّ لم يعرفه غيره. كذا في عمدة القاري (١: ٥٦٤). ومنها ما أخرجه مسلم في آخر كتاب الأضاحي عن أبي الطفيل، قال: «كنت عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجل فقال: ما كان النبي وَله يسر إليك؟ قال: فغضب، وقال: ما كان النبي وَّه يسر إليَّ شيئاً يكتمه الناسَ، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: قال: لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غير منار الأرض)). وفي رواية أخرى عند مسلم تخلّفُهُ، عن أبي الطفيل، قال: ((سئل علي: أخصكم رسول الله وَلل بشيء؟ فقال: ما خصنا رسول الله وَل بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما كان في قراب سيفي هذا)). ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده (١ : ١١٩) من طريق أبي حسان أن علياً تظ له كان يأمر بالأمر، فيؤتى، فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله، قال: فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول قد تفشغ في الناس، أفشيء عهده إليك رسول الله وَّرَ؟ قال علي رضابه: ((ما عهد إلى رسول ◌َلتر شيئاً خاصة دون الناس، إلا شيء سمعته منه. فهو في صحيفة في قراب سيفي)) الحديث. ومنها ما ذكره ابن عبد البر في ترجمة الصديق رضيالله من الاستيعاب (٢: ٢٤٢) من طريق الحسن البصري. عن قيس بن عبادة، قال: قال لي علي رُله: ((إن رسول الله وَّل مرض ليالي وأياماً ينادي بالصلاة فيقول: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما قبض رسول الله وَ﴿ نظرت، فإذا ١١٧ كتاب: الوصية الصلاة علم الإسلام، وقوام الدين، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله وَلاو لديننا، فبايعنا أبا بکر)). ومنها ما رواه أبو الحجاف قال: ((لما بويع أبو بكر، وبايعه الناس قام ينادي ثلاثاً: أيها الناس قد أقلتكم بيعتكم، فقال علي: والله لا نقيلك، ولا نستقيلك، قدمك رسول الله وَطلّ في الصلاة فماذا يؤخرك؟ ذكره البلاذري في أنساب الأشراف (١: ٥٨٧)، والمحب الطبري في الرياض النضرة (١: ٢٢٩)، وابن النجار عن زيد بن علي عن آبائه كما في كنز العمال (٣: ١٤٠). ومنها ما أخرجه ابن قتيبة في غريب الحديث (٢: ١٣٨) من طريق يعقوب بن محمد، عن أبي عمر الزهري، عن مسلم، عن نشيط، عن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس أن علياً رَظُ قال يوم الشورى، وهو يخاطب عبد الرحمن بن عوف: ((ولنا حق، إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل، وإن طال السري، لو عهد إلينا رسول الله ربه عهداً لجالدنا عليه حتى نموت، أو قال لنا قولاً لأنفذناه على رغمنا)). فهذا صريح في أن علياً وَّو لم يعهد إليه رسول الله ◌َّيقول بشيء في أمر الخلافة. وإن الجزء الأول من كلامه منقول في نهج البلاغة أيضاً، ولم يذكر جزءه الأخير، راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد (٤: ٢٥٢). وقد استدل بعض الشيعة بما أخرجه الحاكم في معرفة الصحابة من مستدركه (٣: ١٣٨) عن أم سلمة رَؤُها، قالت: ((والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله وله عدنا رسول الله وَو غداة، وهو يقول: جاء علي، جاء علي مراراً، فقالت فاطمة رضيها، كأنك بعثته في حاجة، قالت: فجاء بعد، قالت أم سلمة: فظننت أن له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكب عليه رسول الله وَلقول، وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض رسول الله وَّر من يومه ذلك، فكان علي أقرب الناس عهداً)) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وسكت عليه الذهبي(١). ولكنه إن صح لا يدل على أن النبي ◌َلّ جعل علياً وصيه، فإن المسارة والمناجاة يمكن لها أسباب أخرى، ولئن كان النبي ◌َ ◌ّ ه يريد أن يجعله وصياً في أمور الخلافة وغيرها لما فعل ذلك خفية، وإنما أعلن به على رؤوس الأشهاد، لئلا تقع بين المسلمين فتنة، ولا يعقل من رسول الله ◌َ، وهو رأس الحكماء، أن يعهد إلى علي رظُه في أمر الخلافة، ولا يكلم بذلك (١) ولكنه مروي من طريق مغيرة، عن أبي موسى، فإن كان هو المغيرة بن الضبي كما يفهم من إطلاقه، ومن كونه استاذاً لجرير بن عبد الحميد، فإن سماعه عن أبي موسى الأشعري مشكل، وإن كان غيره فلا أعرفه، فليتنبه . ١١٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صَدْرِي (أَوْ قَالَتْ: حَجْرِي) فَدَعَا بِالطَّسْتِ. فَلَقَدِ انْخَنَثَ فِي حَجْرِي. وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ. فَمَتَى أَوْصَىَ إِلَيْهِ؟ . ٤٢٠٨ - ٢٠ /٦ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌو الناقِدُ (وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ). قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَخْوَلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أحداً غيره، مع أن أمر الخلافة مما يهم المسلمين عامة، ويخشى فيه نزاع وخلاف. ثم لو كانت هذه المسارة في أمر الخلافة لما أنكر علي مظلته كونه وصياً لرسول الله وَّر، ولما رد على الذين زعموا أن النبي ◌َّو استخلفه، أو عهد إليه. وأما ما نسبت الشيعة إلى علي ربه من التقية، فما أحسن ما قال فيه القرطبي تغذّقه: ((وهؤلاء تنقصوا علياً من حيث قصدوا تعظيمه، لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى، وصلابته في الدين إلى المداهنة، والتقية، والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك)) حكاه الحافظ في الفتح (٥ : ٢٦٩). قوله: (فدعا بالطست) وزاد النسائي: ((ليبول فيه)) وفي رواية الإسماعيلي: ((ليتفل فيها)) ذكرها الحافظ في الفتح (٨: ١١٣)، ويمكن الجمع بينهما بأن النبي ◌َّ- دعا بالطست، ولم يبين غرضه، فترددت عائشة رضيّها أنه علَّلادعاه ليبول فيه، أو ليتفل فيه، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، والله أعلم. قوله: (فلقد انخنث) قال ابن أثير في جامع الأصول (١١: ٦٣٥): ((الانخناث الانثناء، والانكسار، أرادت: أنه استرخى فانثنت أعضاؤه)). قوله: (في حجري) هذا دليل على أن النبي وَ﴿ توفي في حجر عائشة ينا، وقد أورد الحاكم وابن سعد بعض الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام توفي في حجر علي بن أبي طالب رَُّله، ولكنها روايات ضعيفة لا تقوم بمثلها الحجة، ولا تخلو من راوٍ شيعي وقد بسط الحافظ في إثبات ضعفها تحت الحديث الثامن من باب مرض النبي ◌َّ ﴿ ووفاته من مغازي فتح الباري (٨: ١٠٧) فليراجعه من شاء. ٢٠ - (١٦٣٧) - قوله: (قال ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب كتابة العلم، وفي الجهاد، باب هل يستشفع إلى أهل الذمة؟ وباب إخراج اليهود من جزيرة العرب، وفي المغازي، باب مرض النبي ◌ّر، ووفاته، وفي المرضى، باب قول المريض: قوموا عني، وفي الاعتصام، باب كراهية الخلاف، ولم يخرجه غير الشيخين من أصحاب الصحاح، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (١: ٢٢٢، ٢٩٣، ٣٢٤، ٣٢٥ و٣٣٦ و٣٥٥)، وقد عزاه العيني في عمدة القاري إلى النسائي أيضاً، ولعله في السنن الكبرى، ولم أجده في المجتبى . ١١٩ كتاب: الوصية يَوْمُ الْخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ! ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَىْ. فَقُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ نَّهَ وَجَعُهُ. فَقَالَ: ((الْتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًاً لَ تَضِلُّوا بَعْدِي)) فَتَنَازَعُوا. وَمَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيِّ تَنَازُعْ. وَقَالُوا: مَا شَأَتُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. قوله: (يوم الخميس) خبر لمبتدأ محذوف، أو عكسه، وقوله: ((وما يوم الخميس! يستعمل عند إرادة تفخيم الأمر في الشدة، والتعجب منه. قوله: (ثم بكى) يحتمل هذا البكاء لكونه تذكر وفاة النبي ◌َلقول، فتجدد له الحزن عليه، ويحتمل أن يكون انضاف إلى ذلك ما فات في معتقده من الخير الذي كان يحصل لو كتب ذلك الكتاب، ولهذا أطلق في الرواية الثانية أن ذلك رزية، ثم بالغ فيها فقال: ((كل الرزية)) كذا في فتح الباري (٨: ١٠٠). قوله: (اشتد برسول الله وَّ﴾ وجعه) وزاد البخاري في الجهاد: ((يوم الخميس)) وهذا يؤيد أن ابتداء مرضه كان قبل ذلك، وإنما اشتد وجعه يوم الخميس، ووقع في الرواية الآتية عن عبيد اللّه بن عتبة: ((لما حُضِر رسول الله وَّ، بضم الحاء، وكسر الضاد، يعني: لما حضره الموت، وفي إطلاق ذلك تجوز، فإنه عاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين. قوله: (أكتب لكم كتاباً) سيأتي الكلام على هذا الكتاب الذي أراد النبي ◌َّ كتابته بعد رواية واحدة إن شاء الله تعالى. قوله: (فتنازعوا) هذا يحتمل وجهين: الأول أن يكون معطوفاً على قوله لعلّه: ((لا تضلوا)) فيكون على صيغة المضارع)) بحذف تاء الخطاب، ويكون من قول النبي وَطغرل، إلى قوله ((وما ينبغي عند نبي تنازع)). والوجه الثاني: أن كلام النبي ◌َّل قد انتهى على قوله: ((لا تضلوا بعدي)) وهذا من كلام ابن عباس، فيكون على صيغة الماضي، حكاية عن حال الناس بعد ما أمر النبي و 18 بالإتيان بالكتاب، وكذلك قوله: ((وما ينبغي عند نبي تنازع)) من كلام ابن عباس. وقد رجح الحافظ في المغازي الوجه الأول، واستشهد له بما أخرجه البخاري في العلم بلفظ: ((ولا ينبغي عندي التنازع)) فإنه صريح في كونه من كلام النبي ◌َّ. ولكن الراجح عندي في رواية الباب الوجه الثاني، وأنه من كلام ابن عباس، فإن الكلام لا يستقيم على الوجه الأول، لأن النزاع المحذر منه على ذلك الوجه إنما هو التنازع المتوقع بعد وفاة النبي وَالآ، فكيف يقال فيه: إنه تنازع عند نبي. وأما رواية البخاري في العلم، فقد وقع فيها قول النبي وَله : ((لا ينبغي عندي التنازع)) بعد قوله: فعل: ((قوموا عني)) لا معطوفاً على قوله: ((لا تضلوا بعدي)) كما هو في رواية الباب، فلا يمكن تفسير رواية الباب برواية البخاري في العلم، فافهم، والله سبحانه أعلم. قوله: (أهجر؟) يحتمل أن يكون هذا من الهجر بضم الهاء، فهو بمعنى الهذيان في ١٢٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((دَعُونِي. فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ. أُوصِيكُمْ بِثَلاَثٍ: أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ)). قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ. أَوْ قَالَهَا فَأَنْسِيتِهَا. الكلام، كما يقع ذلك لمريض في شدة مرضه، والمراد: ما أمره هذا عزيمة أو هو من قبيل ما جرى على لسانه في حالة المرض، دون أن يكون فيه عزيمة؟ ويحتمل أن يكون من الهجر بفتح الهاء، بمعنى الفراق، والمراد: هل حان فراق رسول الله وَلو؟ وهذا المعنى الثاني أليق بسياق الكلام ودلالة الحال، وحال الصحابة ، وسيأتي التفصيل بعد رواية واحدة إن شاء الله تعالی . قوله: (فالذي أنا فيه خير) معناه: دعوني من النزاع واللغط الذي شرعتم فيه، فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى، والتأهب للقائه، والفكر في ذلك، ونحوه، أفضل مما أنتم فيه. كذا في شرح النووي. قوله: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) سيأتي الكلام على هذه المسألة في كتاب الجهاد، باب إجلاء اليهود من الحجاز، إن شاء الله تعالى. قوله: (وأجيزوا الوفد) يعني: أعطوهم جائزة، والجائزة: عطية من الكبير وقد ذكر الحافظ عن بعض العلماء أن أصله أن ناساً وفدوا على بعض الملوك، وهو قائم على قنطرة فقال: (أجيزوهم)، فصاروا يعطون الرجل ويطلقونه، فيجوز على القنطرة، متوجهاً، فسميت عطية من يقدم على الكبير جائزة. وقوله: (بنحو ما كنت أجيزهم) أي: بقريب منه، وكانت جائزة الواحد على عهده 38َ أوقية من فضة، وهي أربعون درهماً كذا في فتح الباري (٨: ١٠٣). قوله: (قال: وسكت عن الثالثة) قال النووي كثّهُ: ((الساكت ابن عباس، والناسي سعيد بن جبير)) ولكن الصحيح أن الساكت سعيد بن جبير، والناسي سليمان الأحول، وذلك لما أخرجه الحميدي كلُّ في مسنده (١: ٢٤٢) (رقم: ٥٢٦) في آخر هذا الحديث: ((قال سفيان: قال سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها؟))، ولما أخرج أحمد في مسنده ١ : ٢٢٢ عن سفيان، قال: ((وسكت سعيد عن الثالثة)). واختلف الشراح في تعيين هذه الثالثة. فقال الداودي: الثالثة: الوصية بالقرآن، وبه جزم ابن التين، وقال المهلب: بل هو تجهيز جيش أسامة، وقواه ابن بطالة بأن الصحابة لما اختلفوا على أبي بكر في تنفيذ جيش أسامة قال لهم أبو بكر: إن النبي ◌َّر عهد بذلك عند موته. وقال عياض: يحتمل أن تكون هي قوله: ((ولا تتخذوا قبري وثنا))، فإنها ثبتت في الموطأ مقرونة بالأمر بإخراج اليهود، ويحتمل أن يكون ما وقع في حديث أنس أنها قوله: ((الصلاة، وما ملكت أيمانكم) كذا في فتح الباري. قلت: الكل محتمل، ولا سبيل إلى الجزم بتعيينها بعد ما نسي الراوي، والله أعلم.