النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ كتاب: الفرائض لابْنِ رَافِع) (قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلْأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)). ٤١٢٠ - ٤/٠٠٠ - وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ أَبُو كُرَيْبِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ وُهَيْبٍ وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ. (٢) - باب: ميراث الكلالة مقالة مستقلة طبعت في كتابي (هماري عائلي مسائل) باللغة الأردية، فمن شاء التفصيل فليراجعه، وفي هذا القدر كفاية ههنا إن شاء الله تعالى. ٣ - (٠٠٠) - قول: (أمية بن بسطام) بكسر الباء وبفتحها، بالصرف، وتركه، كما في المغني للطاهر الكجراتي رحمه الله، وبسطام هذا: هو ابن المنتشر العيشي، بفتح العين، وسكون الياء، نسبة إلى سيدتنا عائشة الصديقة ينا، على مذهب من يقول من العرب في عائشة: عيشة، كذا في الخلاصة للخزرجي، والتقريب وغيره. وأمية بن بسطام هذه كنيته: أبو بكر، وهو من محدثي أهل البصرة، قال أبو حاتم: محله الصدق، ومحمد بن المنهال أحب إلي منه، وذكره ابن حبان في الثقات، مات (سنة ٢٣١هـ) كذا في التهذيب (١ : ٣٧٠). (٢) - باب: ميراث الكلالة اختلف العلماء في تفسير الكلالة على أقوال: فالجمهور على أن الكلالة اسم للميت الذي لم يترك ولداً، ولا والداً، فحينئذ يرثه إخوته. والقول الثاني: أنه اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد، ولا والد، فالإخوة هم الكلالة. والقول الثالث: أنه اسم مصدر بمعنى الوراثة إذا لم يكن للميت ولد، ولا والد. والقول الرابع: أنه اسم للمال الموروث فيما إذا لم يكن للميت ولد، ولا والد. والقول الأول: يؤيده ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢] لأن الكلالة هناك منصوب على كونه حالاً، والقول الثاني: مؤيد ببعض الأحاديث التي وصف فيها الوارث بالكلالة، ومنها حديث جابر عند البخاري في الوضوء ولفظه: ((إنما يرثني كلالة))، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف - عفا الله عنه أن الكلمة كانت تستعمل عند العرب في كلا المعنيين، فكانوا يطلقون لفظ ((الكلالة)) في حالة خاصة وهي عدم الولد والوالد، ثم أطلقوها تارةً على الميت، وأخرى على الوارث. ٢٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١٢١ - ١/٥ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَ وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي، مَاشِيَانِ. فَأُغْمِيَ عَلَيَّ. فَتَوَضَّأُ وأما وجه تسميته بذلك، فقال الأكثرون: إنه مشتق من التكلل، وهو التطرف، فابن العم مثلاً يقال له كلالة، لأنه ليس على عمود النسب، بل على طرفه. وقيل: إنه من الإحاطة، ومنه: (الإكليل) وهو شبه عصابة تزين بالجوهر، فسموا كلالة لإحاطتهم بالميت من جوانبه: وقيل: مشتقة من (كلّ الشيء) إذا بعد وانقطع، ومنه قولهم: (كلت الرحم) إذا بعدت وطال إنتسابها . كذا في شرح النووي. وكانت العرب تعرف لفظ الكلالة في هذا المعنى. ويقول عامر بن الطفيل: فما سودتني عامر عن كلالة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ذكره الجصاص في أحكام القرآن (٢: ١٠٧). ٥ - (١٦١٦) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) أخرجه البخاري في تفسير النساء باب (يوصيكم الله في أولادكم)، وفي أول الفرائض، وفي باب ميراث الأخوات والإخوة، وفي الوضوء، باب صب النبي ◌َّر وضؤه على المغمى عليه، وفي المرضى، باب عيادة المغمى عليه، وباب عيادة المريض راكباً وماشياً، وباب وضوء العائد للمريض، وفي الاعتصام، باب ما كان النبي ◌َّ يسأل مما لم ينزل عليه الوحي، فيقول: لا أدري، وأخرجه الترمذي في الفرائض، باب ميراث الأخوات، (رقم: ٢٠٩٨)، وفي التفسير، باب ومن سورة النساء، (رقم: ٣٠١٩)، وأبو داود في الفرائض، باب في الكلالة، (رقم: ٢٨٨٦ و٣٨٨٧)، وابن ماجه في الفرائض، باب الكلالة، (رقم: ٢٧٧٨) وأخرجه الطبري (رقم: ١٠٨٦٧)، والطيالسي في مسنده (٢: ١٧)، والبيهقي (٦: ٢٣١) وذكره السيوطي في الدر (٢: ٢٥٠) وزاد نسبته لابن سعد والنسائي، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٢٩٨). قوله: (ماشيين) يريد به التنبيه على سذاجة عشرة النبي ◌َّر، وعدم تكلفه فيها، وقد وردت رواية أخرى عن جابر، قال فيها: ((جاءني النبي ◌َّ يعودني ليس براكب بغل ولا برذون)) أخرجها البخاري في المرضى، باب عيادة المريض راكباً وماشياً، ولعله يريد هذه الواقعة. قوله: (فأغمي عليَّ) بضم الهمزة على البناء للمجهول، والإغماء: الغشي، وفرق بينهما العيني في العمدة (١ : ٨٣٨) بأن الغشي مرض يحصل من طول التعب، وهو أخف من الإغماء، والفرق بين الإغماء وبين الجنون والنوم: أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً، وفي الجنون مسلوباً، وفي النوم مستوراً . . ٢٣ كتاب: الفرائض ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ. فَأَفَقْتُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ قوله: (ثم صب علي) فيه جواز التبرك بآثار الصالحين، والاستشفاء بها . قوله: (من وضوئه) بفتح الواو، يعني الماء الذي توضأ به، وقد استدل به من قال بطهارة الماء المستعمل، وأجاب عنه العيني في العمدة (١: ٨٣٩) بأنه يحتمل أنه صب من الباقي في الإناء. قلت: لا حجة لهم في هذا الحديث، ولو ثبت أنه وَيول صب عليه ماءه المستعمل، أما أولاً : فلأنه يحتمل أن يكون ذلك وضوء على الوضوء من غير نية القربة، وماءه المستعمل طاهر بلا خلاف، وأما ثانياً: فلأنه لا يقاس الماء الذي استعمله النبي وَّر على الماء الذي استعمله غيره، ولما كانت فضلات النبي ◌َّ طاهرة عند الجم الغفير من العلماء، فما بالك بماءه المستعمل؟ والله سبحانه أعلم. قول: (فلم يردّ عليّ شيئاً) قال النووي: ((وقد يستدل بهذا الحديث من لا يجوز الاجتهاد في الأحكام للنبي وَّ، والجمهور على جوازه، ويتأولون هذا الحديث وشبهه على أنه لم يظهر له بالاجتهاد شيء، فلهذا لم يرد عليه شيئاً رجاء أن ينزل الوحي)). قول: (حتى نزلت آية الميراث، يستفتونك) ظاهره أن جابراً عين آية الميراث، بقوله: (يستفتونك) ويعارضه ما في الرواية الآتية أن الآية التي نزلت في هذه القصة هي يوصيكم وقد رفع الحافظ هذا التعارض في كتاب التفسير من الفتح بأن المحفوظ عن جابر ربه أنه قال: (حتى نزلت آية الميراث) فقط، ولم يفسرها بشيء، وأما تفسيرها بقوله: (يستفتونك) فزيادة مدرجة من ابن عينية، وخلفه ابن جريج في الرواية الآتية، ففسرها بقوله: ﴿يُوصِيكُمْ اَللَّهُ فِىّ أَوْلَدِكُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١١] وليس هذا التعارض من قبل جابر رَُّبه، فإنه لم يعين الآية التي نزلت في هذه الواقعة، وإنما ذكر آية الميراث على سبيل الإجمال، ثم أراد ابن عينية وابن جريج تبيين هذا الإجمال بتعيين الآية، ولكنهما اختلفا في ذلك، فقال ابن عيينة: إن المراد من آية الميراث آية الكلالة التي في آخر سورة النساء، وهي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَّةِ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦] وقال ابن جريج في الرواية الآتية: إن المراد منها آية المواريث في أوائل سورة النساء، وهي: ﴿يُصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾، فهذا هو الجمع بين الروايتين. واستدل الحافظ على أن جابراً ظله لم يعين الآية بما سيأتي بعد رواية ابن جريج من طريق ابن مهدي، عن سفيان نفسه، ولم يزد فيه على قوله: ((حتى نزلت آية الميراث)) وكذلك في روايتين بعده. وبمثله أخرج البخاري من طريق قتيبة عن ابن عيينة في أول الفرائض، وقد أخرج أحمد عن ابن عيينة مثل رواية عمرو الناقد بزيادة قوله: (يستفتونك) وزاد في آخره: ((كان ليس له ولد، وله أخوات)) وهذا من كلام ابن عيينة قطعاً، فالظاهر أن قوله: (يستفتونك) من كلامه أيضاً . وبالجملة، فقد اختلف ابن عيينة وابن جريج في تعيين الآية التي نزلت في قصة جابر، ٢٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَلَيَّ شَيْئاً. حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَّةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. ورجح الحافظ قول ابن جريج، وأن الآية التي نزلت في هذه القصة، هي: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِىّ أَوْلَدِكُمْ﴾ وأن سفيان بن عيينة قد وَهِمَ في تعيينها بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ لأن هذه الآية آية الكلالة وإنها من آخر ما نزل، ووقعت قصة جابر قبلها، وإنما وهم ابن عيينة في هذا لأن جابراً لم يكن له حينئذ ولد، وإنما كان يورث كلالة، كما بينه ابن عيينة في رواية أحمد، فزعم أن المناسب بحاله آية الكلالة التي هي في آخر سورة النساء، وليس الأمر كذلك، فإن آيات الميراث التي هي في أوائل سورة النساء، والتي تبتدىء بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ مشتملة على حكم الكلالة أيضاً، فقد قال الله سبحانه وتعالى في آخرها: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَهُ: أَخُ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة النسء، الآية: ١٢] فالظاهر أن آيات المواريث بأجمعها نزلت في قصة جابر، وقد بينت في آخرها حكم الكلالة، لتکون جواباً عن سؤال جابر نقپته . ولعل البخاري رحمه الله أشار إلى هذا المعنى، حيث ترجم على حديث جابر هذا في أول الفرائض بقوله: ((كتاب الفرائض، وقول الله تعالى: ﴿يُصِيكُمُ اللَّهُ فِيَ أَوْلَدِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فمراده بقوله: إلى قوله ((وصية من الله)) الإشارة إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً﴾ وأما الآية الأخرى في آخر سورة النساء، وهي: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ﴾ فإنها من آخر ما نزل من القرآن، فكأن الكلالة لما كانت مجملة في آية المواريث استفتوا عنها، فنزلت هذه الآية الأخيرة. ثم إن ابن عيينة لم يجزم بأن الآية التي نزلت في قصة جابر هي ما في آخر سورة النساء، فقد روى عنه الترمذي وعبد بن حميد من طريق يحيى بن آدم، والإسماعيلي من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل أنه قال: حتى نزلت آية الميراث ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ فهذا ما يقوّي قول ابن جريج، وقد أيده أيضاً عمرو بن أبي قيس عند الترمذي والحاكم. هذه خلاصة ما حققه الحافظ في فتح الباري (٨: ١٨٢ و١٨٣) من التفسير. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويرد على تحقيق الحافظ ما أخرجه أبو داؤد (رقم: ٢٧٦٧) والبيهقي في سننه (٦: ٢٣١) من طريق هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر رظلبه، قال: ((اشتكيت، وعندي سبع أخوات، فدخل عليَّ رسول الله بَّر، فنفخ في وجهي، فأفقت، فقلت: يا رسول الله! ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: أحسن، قلت: الشطر؟ قال: أحسن، ثم خرج وتركني، فقال: يا جابر! لا أراك ميتاً من وجعك هذا، وإن الله قد أنزل، فبين الذي لأخواتك، فجعلٍ لهن الثلثين، قال: وكان جابر يقول: أنزلت في هذه الآية: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى اُلْكَلَلَةِ﴾ وهذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري في تلخيصه (٤: ١٦٢) وقال: وأخرجه ٢٥ كتاب: الفرائض النسائي، والظاهر أن قصة هذا الحديث عين قصة حديث الباب. وتعدد القصة، كما اختاره الحافظ في تفسير آخر النساء من الفتح (٨: ٢٠١)، بعيد جداً. وإن هذا الحديث يتبين منه أمران: الأول: أن جابراً هو الذي عين الآية التي نزلت في قصته، والثاني: أن تلك الآية هي التي في آخر سورة النساء من آية الكلالة، وكلا الأمرين يرد ما حققه الحافظ في كتاب التفسير، ويثبت أن الجزم بوهم ابن عيينة في حديث الباب لا سبيل إليه. ولعل الحافظ نفسه تنبه لهذا في أول كتاب الفرائض (٣١١٢) فاختار للجمع بين الروايات طريقاً آخر، فقال: ((ويظهر أن يقال: إن كلا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك، لكن الآية الأولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الإخوة من الأم، كما كان ابن مسعود يقرأ: (وله أخ أو أخت من أم)، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص أخرجه البيهقي بسند صحيح، استفتوا عن ميراث غيرهم من الإخوة، فنزلت الأخيرة، فيصح أن كلا من الآيتين نزل في قصة جابر، لكن المتعلق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وأما سبب نزول أولها فورد من حديث جابر أيضاً في قصة ابنتي سعد بن الربيع، ومنع عمهما أن ترثا من أبيهما، فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ﴾، الآية)) . ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه ابن ماجة (رقم: ٢٧٢٨) من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر، في قصة حديث الباب ((حتى نزلت آية الميراث في آخر النساء: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌّ يُؤَرَثُ كَلَلَةَ﴾ الآية: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾ الآية)) فإنه ذكر نزول الآيتين جميعاً في هذه القصة. فحاصل هذا الجمع أن قصة جابر كانت سبباً لنزول الآية الأولى في مبدأ الأمر، ولكنها كانت خاصة في بيان حكم الإخوة من أم، فصارت سبباً لسؤال بعض الصحابة عن حكم غيرهم من الإخوة، فنزلت آية آخر النساء جواباً عن هذا السؤال. ولكن يشكل عليه أن أخوات جابر لم تكن أخواته الخيفية، كما يدل عليه حديثه في الصحيحين: ((إن عبد اللّه هلك، وترك تسع بنات، أو سبع)) وقد مر في باب استحباب نكاح البكر من كتاب الرضاع، فإن ظاهره أنهن كانت أخواته الشقيقة، أو أخواته من أب، فكيف يصح أن تنزل فيهن الآية التي هي خاصة بالإجماع للإخوة من الأم فقط؟ فالظاهر عندي أن الآية التي نزلت في قصة جابر هي التي في آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيَكُمْ فِ الْكَلَةِ﴾ كما ذكره ابن عيينة في حديث الباب، وكما ذكره جابر نفسه في حديثه عند أبي داود، وكما يدل عليه جواب ابن المنكدر لشعبة في الرواية الآتية عند المصنف لأنها هي التي تبين حكم الأخوات لأب، وأما من ذكر نزول الآية الأولى في هذه القصة، فإما أن يكون وهماً منه، وإما أن يكون توسع في إطلاق سبب النزول بجامع حكم الكلالة، فإن الآية الأولى مشتملة على حكم الكلالة أيضاً، وأما رواية ابن عيينة عند ابن ماجه، ٢٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١٢٢ - ٢/٦ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرٍ، عَنَّ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ◌َهُ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ يَمْشِيَانِ. فَوَجَدَنِي لاَ أَعْقِلُ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنْهُ فَأَفَقْتُ. فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُ اَللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمِّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَبَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. ٤١٢٣ - ٣/٧ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ - يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ وَأَنَا مَرِيضٌ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، مَاشِيَيْنٍ. فَوَجَدَنِي قَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ. فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِهِ. ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَأَفَقْتُ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئاً، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. ٤١٢٤ - ٤/٨ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ وَأَنَّا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ. فَتَوَضَّأَ. فَصَبُّوا عَلَّيَّ مِنْ وَضُوئِهِ. فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلاَلَةٌ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ. فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ اَلْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]؟ قَالَ: هُكَذَا أُنْزِلَتْ. فقد ذكر السندي في حاشيته (٢: ١٦٤) أنها وردت في نسخة الدميري بلفظ: ((حتى نزلت آية الميراث في النساء ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً﴾ أو ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ مما يدل على أن الراوي متردد في تعيين إحدى الآيتين، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٦ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا حجاج بن محمد) هو المصيصي الأعور، من أثبت أصحاب ابن جريج، سمع منه التفسير إملاءً، قال أبو إبراهيم: حجاج أوثق نائماً من عبد الرزاق يقطان، كذا في التهذيب (٢: ٢٠٥). قوله: (في بني سلمة) بفتح السين، وكسر اللام، هم قوم جابر، وهم بطن من الخزرج. كذا في التفسير من فتح الباري (٨: ١٨٢). ٨ - (٠٠٠) - قوله: (إنما يرثني كلالة) به استدل من قال: إن الكلالة اسم للوارث، دون المورث. وقدمنا أن الكلمة تستعمل في كلا المعنيين. ثم قدمنا أيضاً أن المراد من الكلالة هنا أخوات جابر، رواه أبو داود والبيهقي. قوله: (هكذا أنزلت) ظاهره أن محمد بن المنكدر صدّق شعبة في أن الآية التي نزلت في ٢٧ كتاب: الفرائض ٤١٢٥ - ٥/٠٠٠ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا النَّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنَْ شُعْبَةَ، بِهذَاً الإِسْنَادِ. فِي حَدِيثٍ وَهْبٍ بْنِ جَرِيرٍ: فَزَلَتْ آيَّهُ الْفَرَائِضِ. وَفِي حَدِيثِ النَّصْرِ وَالْعَقَدِيِّ: فَزَّلَتْ آيَةُ الْفَرْضِ. وَلَيْسَ فِي رِوَايَةٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلُ شُعْبَةً لابْنِ الْمُنْكَدِرِ . ٤١٢٦ - ٦/٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ الإِبْنِ الْمُثَنَّى) قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. فَذَكَّرَ نَّبِيَّ اللَّهِ وَ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لاَ أَدَعُ بَعْدِي شَيْئاً أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلاَلَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلاَلَةِ. وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ قصة جابر، هي: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية، وهو يؤيد قول ابن عيينة، وقد حققنا أنه هو الراجح، ويمكن أيضاً أن يكون ابن المنكدر غير جازم بتعيين الآية النازلة في هذه القصة فقال: ((هكذا أنزلت)) يعني: أن الآية هكذا، والظاهر أنها نزلت في قصة جابر، ولكني لا أتيقن به. ٩ - (١٦١٧) - قوله: (المقدمي) بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد الدال المفتوحة، كما في المغني والتقريب، وهو من ثقات أساتذة الشيخين. قوله: (حدثنا يحيى بن سعيد) يعني : القطان. قوله: (أن عمر بن الخطاب خطب) قد مر تمام هذه الخطبة في كتاب المساجد، باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً، وقد أورد المصنف ههنا ما يتعلق بالكلالة فقط، وأخرجها أيضاً بتمامها أحمد في مسنده (١: ١٥ و٢٧ و٤٨)، وأخرج قطعة الكلالة منها ابن ماجه في الفرائض، باب الكلالة (رقم: ٢٧٢٦)، واختصرها جداً مالك في الفرائض، باب ميراث الكلالة. قوله: (يوم جمعة) وكانت آخر جمعة من حياة سيدنا عمر بظلاله، لما أخرجه أحمد في مسنده (١ : ٤٨) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في آخر هذه الخطبة: ((فخطب بها عمر رُه يوم الجمعة وأصيب يوم الأربعاء، لأربع ليال بقين من ذي الحجة)). قوله: (وما أغلظ لي في شيء) إلخ: قال النووي رحمه الله: ((لعل النبي ◌َّ إنما أغلظ له لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحاً. وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى ﴿وَلَوَ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَّ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَخْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٨٣] فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها، والله أعلم)). وقد روى جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب: أن ٢٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لِي فِيهِ. حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي. وَقَالَ: ((يَا عُمَرُ، أَلاَ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟)) وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لاَ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ . عمر بن الخطاب سأل رسول الله وَله: كيف يورث الكلالة؟ قال: أو ليس قد بين الله تعالى ذلك؟ ثم قرأ: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ﴾ إلى آخر الآية، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْنِيكُمْ فِ الْكَلَةِ﴾ إلى آخرها، قال: فكأن عمر لم يفهم فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله طيب نفس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس، فسألته عنها، فقال: أبوك كتب لك هذا، ما أرى أباك يعلمها أبداً، قال: فكان عمر يقول: ما أراني أعلمها أبداً، وقد قال رسول اللّه وَ لجر: ((ما قال)) كذا في أحكام القرآن للجصاص (٢: ١٠٥)، وتفسير ابن كثير (٢ : ٥٩٤) معزياً إلى ابن مردويه . قوله: (ألا تكفيك آية الصيف) دل هذه الحديث على أن آخر آية من سورة النساء نزلت في فصل الصيف، وقد ذكر يحيى بن آدم بلاغاً أنها نزلت في الصيف، ورسول الله وَ يّ يتجهز إلى مكة، راجع أحكام القرآن للجصاص (٢: ١٠٥)، وقال الخطابي في معالم السنن (٤: ١٦٢): ((فإن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء، وهي الآية التي نزلت في سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام، .... ثم أنزل الآية الأخرى في الصيف، وهي في آخر سورة النساء وفيها من زيادة البيان ما ليس في سورة الشتاء)). قوله: (وإني إن أعش) وإنما أخر القضاء فيها لأنه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهوراً يحكم به، فأخره حتى يتم اجتهاده فيه، ويستوفي نظره، ويتقرر عنده حكمه، ثم يقضي به، ويشيعه فيما بین الناس، قاله النووي. قوله: (يقضي بها من يقرأ القرآن) وفي رواية همام بن يحيى عن قتادة عند أحمد (١: ١٥): ((فسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ)) وفي رواية سعيد بن أبي عروة عنده أيضاً (١: ٤٨) ((أقضي فيها قضية لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن، أو لا يقرأ القرآن)) ومفاد هذه الروايات جميعاً: أني سوف أقضي في الكلالة بقضية يعرفها كل عالم وجاهل، ولا يختلف فيها أحد. وقد ساق ابن جرير في تفسيره (٦: ٢٥ و٢٦) عدة روايات تبين أن عمر رضيبه من كتب في الكلالة كتاباً، ولكنه لم يستطع إخراجه إلى الصحابة، وقد أخرج عن طارق بن شهاب قال: ((أخذ عمر كتفاً، وجمع أصحاب محمد وَّر، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن فخرجت حينئذ حية من البيت، فتفرقوا فقال: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه))، وفي رواية أخرى عند ابن جرير أنه قال عند وفاته: ((إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتاباً، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه)). ٢٩ كتاب: الفرائض فلم يستطع سيدنا عمر ربه أن يفتي في الكلالة بقول فصل. وقد أخرج أحمد في مسنده (١: ٢٠) عن أبي رافع، قال: ((إن عمر بن الخطاب ◌ُبه كان مستنداً إلى ابن عباس، وعنده ابن عمر، وسعيد بن زيد ﴿ه، فقال: ((اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً، ولم أستخلف من بعدي أحداً إلخ)) وهو يدل على أنه لم يصل إلى القول الفصل في الكلالة حتى آخر حياته رظپئه. ثم لا يظهر في شيء من الروايات ما كان يستشكله سيدنا عمر في أمر الكلالة، والذي يتبين من تتبع مسائل الكلالة أن هناك أموراً يمكن أن يكون بعضها أو كلها وجه الإشكال عنده. ١ - الأول: معنى الكلالة، ومصداق هذا اللفظ، وقد مر في أول الباب أن هذا اللفظ يطلق على المورث والوارث جميعاً، وربما استعمله بعض الناس في المعنى المصدري من الوراثة، وآخرون في معنى المال الموروث، وقد سبق بيان الخلاف فيه، وتحقيق، ما هو المختار عندنا. وكان سيدنا أبو بكر يرى أنه اسم للوارث، واستحيا عمر رُبه أن يخالفه، مع أنه كان غير قانع به، فقد أخرج الدارمي في سننه (٢: ٢٦٤، رقم: ٢٩٧٦) عن الشعبي، قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني، ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيي الله أن أرد شيئاً قاله أبو بكر)) وزاد الجصاص عن الشعبي)): فلما طعن عمر قال: رأيت أن الكلالة من لا ولد له ولا والد (يعني: المورث)، وإني لأستحيى الله أن أخالف أبا بكر، هو ما عدا الوالد والولد (يعني: الوارث). وأخرج الحاكم في مستدركه (٢: ٣٠٤) من طريق طاوس عن ابن عباس، قال: ((كنت آخر الناس عهداً بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد)) فهذا يدل على أن عمر ظُله كان جازماً في آخر حياته على تفسير الكلالة بالمورث، ولكنه كان متردداً قبل ذلك استحياء من أبي بكر رپته . ٢ - والثاني: أن حكم الكلالة مذكور في آيتين: قوله تعالى في آية المواريث: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةٌ أَوِ أَمْرَأَةٌ وَلَّهُ: أَخُّ أَوْ أُخْتُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُنَّ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى الثُّلُثَّ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيّرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢]. وقوله تعالى في آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِكُمْ فِى الْكَلَلَةِ إِنِ آَمُّ هَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لََّا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنٍ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ بِمَّا تَكْ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةَ رِّجَالًا وَنِسَآءَ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِ الْأُنَّيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيٌ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦]. ٣٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وظاهر الآية الأولى أن أخت الكلالة تحوز السدس، وظاهر الثانية أنها تحوز النصف، ولكن حل هذا التعارض أن الآية الأولى إنما بينت نصيب الأخ أو الأخت إذا كانا من أم فقط، والثانية بينت حكم الإخوة والأخوات إذا كانوا أشقاء، أو كانوا من أب فقط، وقد انعقد الإجماع على أن الآية الأولى في حق الإخوة والأخوات من الأم، وليست في حق الأشقاء، أو في بني العلات، ويسند الإجماع قراءة سعد بن أبي وقاص رَؤُه: (وله أخ أو أخت من أم) أخرجه البيهقي في سننه (٦: ٢٣١) بسند صححه الحافظ في الفتح، والقراءة الشاذة إن ثبتت بسند صحيح فإنها في حكم خبر الواحد الصحيح، كما تقرر في موضعه من الأصول، وقد حققت في كتابي ((علوم القرآن)) أن الكثير من هذه القراءات الشاذة زيادات تفسيرية أطلق عليها اسم القراءة. وأخرج البيهقي في سننه (٦: ٢٣١)، وابن جرير في تفسيره (٦: ٢٤) عن قتادة: ((أن أبا بكر الصديق رضيبه قال في خطبته: ألا، إن هذه الآية التي أول سورة النساء في بيان الفرائض، أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية من سورة النساء (يعني: وإن كان رجل يورث كلالة) أنزلها الله في الزوج، والزوجة، والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها الله في الإخوة من الأم والأب)). وقال الرازي في التفسير الكبير (٣: ١٦٣): ((إنما حكموا بذلك لأنه تعالى قال في آخر السورة: قل الله يفتيكم في الكلالة، فأثبت للأختين الثلثين الثلثين، وللإخوة كل المال. وههنا أثبت للإخوة والأخوات الثلث، فوجب أن يكون المراد من الإخوة والأخوات ههنا غير الإخوة والأخوات في تلك الآية، فالمراد ههنا الإخوة والأخوات من الأم فقط)). وقال الآلوسي في روح المعاني (٤: ٢٣٠ و٢٣١): ((وأيضاً ما قدر هنا لكل واحد من الأخ والأخت، وللأكثر، وهو السدس والثلث، هو فرض الأم، فالمناسب أن يكون ذلك لأولاد الأم)». ٣ - هل يشترط للكلالة عدم الأب؟ ٣ - والمسألة الثالثة من مسائل الكلالة: أن النووي رحمه الله حكى عن الشيعة أن الكلالة عندهم من ليس له ولد، وإن كان له أب أو جد، فورثوا الإخوة مع الأب، وروي ذلك عن ابن عباس، ولكن قال القاضي عياض رحمه الله: هي رواية باطلة لا تصح عنه، بل الصحيح عنه ما عليه جماعة العلماء، وحقق شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٨ : ٣٥٧) مذهب ابن عباس في هذا بما لا مزيد عليه. واحتج من لم يشترط في الكلالة عدم الوالد أن الله سبحانه وتعالى قال في آخر سورة ٣١ كتاب: الفرائض النساء: ((إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت)) فنفى الولد، ولم ينف الوالد. والجواب عن هذا الاستدلال بوجهين : الأول: وهو الأوجه عندي، أن ذكر لفظ ((الكلالة)) في أول الآية أغنى عن ذكر عدم الوالد، لأن الكلالة عند العرب إنما يقال لمن ليس له ولد، ولا والد، واسم الكلالة في اللغة مشتقة من تكلل النسب، وذلك أن الإخوة إنما يتكللون الميت من جوانبه، ويلقونه من نواحيه، والولد والوالد إنما يأتيانه من تلقاء النسب، ويجتمعان معه في نصابه وعموده. قال ابن منظور في لسان العرب (١٤: ١١٣): ودل قول الشاعر على أن الأب ليس بكلالة وهو قوله: ومولى الكلالة لا يغضب فإن أبا المرء أحمى له أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة، وهم الإخوة والأعمام، وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب)) ومثله في تاج العروس للزبيدي (٨: ١٠١). والثاني: قال الخطابي في معالم السنن (٤: ١٦١ و١٦٢): ((إن الولد والوالد اسمان مشتقان من الولادة، فكل واحد منهما يتعلق بالآخر، ويتعدى إليه من طريق الدلالة، فكل من انتظمه اسم الولادة من أعلى وأسفل، فإنه قد يحتمل أن يُدعى ولداً، فالوالد يسمى ولداً، لأنه قد ولد، والمولود يسمى ولداً لأنه قد ولد. وهذا كالذرية، وهو اسم مشتق من ذرأ الله الخلق، فالولد ذرية، لأنهم ذرءوا، أي: خلقوا، والأب ذرية لأن الولد ذرءى منه، ويدل على صحة ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَءَايَّةٌ لَُّمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ﴾﴾ [سورة يس، الآية: ٤١] يريد - والله أعلم - نوحاً ومن معه، فجعل الآباء ذرية كالأولاد، لصدرو الاسمين معاً عن الذرء ...... فعلى هذا قد يصح أن يكون المراد بقوله: ﴿إِنْ أَمْرُؤُّ هَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ولادة في الطرفين من أعلى أو أسفل، وهو معنى قول الصحابة وعامة الفقهاء: إن الكلالة من ليس له ولد ولا والد)) وقال الأبي رحمه الله في الإكمال (٤: ٣٢٠): ((والذي يظهر لي في الجواب أنه لما كان الأب يسقط الإخوة جملة، والولد يسقطهم في وجه، دون وجه: يسقطهم إن كان ذكراً، ولا يسقطهم إن كان أنثى، ولم يكن المقصود من الآية إسقاط إرثهم جملة، لأنا قدمنا أن الصحابة أطبقوا على توريث الأخ مع البنت، وكذا على توريث الأخت معها، إلا ما قدمناه عن ابن عباس، وإنما المقصود بالاشتراط ذكر الوجه الذي فارق فيه الأب الولد ولذلك لم يذكر الأب. وأيضاً، فإنه إنما استغني عن ذكر عدم الأب، لأنه استقر في علم الفرائض واشتهر أن من يدلي بشخص لا يرث معه، كالجد مع الأب، ونصت الآية التي في آخر السورة، على توريث الإخوة شقائق كانوا أو لأب، وذلك يدل على عدم الأب، إذ لو كان لم يرثوا به، لأن به يدلون)». ٣٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ثم إن ما نسب النووي رحمه الله إلى الشيعة أنهم لا يشترطون عدم الوالد في الكلالة، لم أجده في كتب الشيعة، بل وجدت ما يخالفه، فيقول أبو علي الطبرسي، وهو من أكابر علماء الإمامي في القرن السادس، في مجمع البيان ٣: ١٤٩ عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِ أَمْرُؤُ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾: ((فمعناه إن مات رجل ليس له ولد ولا والد، وإنما أضمرنا فيه الوالد للإجماع، ولأن لفظة الكلالة ينبىء عنه، فإن الكلالة اسم للنسب المحيط بالميت، دون اللصيق، والوالد لصيق الولد، كما أن الولد لصيق الوالد، والإخوة والأخوات المحيطون بالميت)). فهذا يدل على أن الشيعة الإمامية في هذه المسألة مع علماء أهل السنة، فيمكن أن يكون ما نسب إليهم النووي قولاً لبعض فرقهم الأخرى، والله سبحانه أعلم. ٤ - مسألة مقاسمة الجد للإخوة: والمسألة الرابعة من مسائل الكلالة: هل يشترط للكلالة عدم الجد، كما يشترط عدم الأب؟ فقال أبو حنيفة رحمه الله: يشترط، فيحرم الجد الإخوة كما بحرم الأب، ولا يرث الإخوة عند وجود الجد، كما لا يرثونه عند وجود الأب سواء بسواء، وهو مذهب أبي بكر الصديق، وابن عباس ظه، وابن الزبير، وروي ذلك عن عثمان، وعائشة، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى، وأبي هريرة، وحكي أيضاً عن عمران بن حصين، وجابر بن عبد اللّه، وأبي الطفيل، وعبادة بن الصامت، وعطاء، وطاؤس، وجابر بن زيد. وبه قال قتادة، وإسحاق، وأبو ثور، ونعيم بن حماد، والمزني، وابن سريج، وابن اللبان، وداود، وابن المنذر، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقال الشافعي رحمه الله: إن الكلالة لا يشترط له عدم الجد، فلا يحرم الجد الإخوة، بل إن الإخوة يقاسمون الجد في الميراث. وهو مذهب مالك، والأوزاعي وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ه. وتفصيل المذاهب هذا مذكور في المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير (٧: ٦٤ و٦٥). ثم اختلف أهل القول الثاني في مقدار ما يرثه الإخوة مع الجد، فقالت طائفة: ليس للجد شيء معلوم مع الإخوة، إنما هو على حسب ما يقضي فيه الخليفة، وقالت طائفة: يقاسم الجد الإخوة، إلى سبعة إخوة، فيكون له الثمن معهم. وقالت طائفة: يقاسمهم إلى ستة. فيكون له السبع معهم. وقالت طائفة: إن الجد يقاسم الإخوة إلى السدس، ثم لا ينقص من السدس، وبه قال الحسن بن زياد، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وقالت طائفة: للجد مع الإخوة الثلث على كل حال. وقالت طائفة: إن الجد يقاسم الإخوة للأب والأم، والإخوة للأب ما كانت المقاسمة خيراً له من الثلث، فإن كثر الإخوة أعطي الجد الثلث، وبه يقول الأوزاعي، والشافعي، ٣٣ كتاب: الفرائض ومالك، وأحمد بن حنبل، وسفيان الثوري، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن (ثم رجع محمد إلى التوقف) وعبيد اللّه ابن الحسين، وأبو ثور، وأبو عبيد. كذا في إعلاء السنن لشيخنا العثماني رحمه الله (١٨: ٣٦٥) وراجع لتفصيله المحلى لابن حزم (٩: ٢٨٤). واستدل أهل هذا القول الأخير بما أخرجه البيهقي في سننه ٦: ٢٤٨ عن سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وقبيصة بن ذؤيب: ((أن عمر بن الخطاب رضيُه قضى أن الجد يقاسم الإخوة للأب والأم، والإخوة للأب، ما كانت المقاسمة خيراً له من ثلث المال، فإن كثرت الإخوة أعطي الجد الثلث، وكان للإخوة ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين)) وهذا الأثر صحح الحافظ سنده في فتح الباري (١٢: ١٧). وأما الذين لا يورّثون الإخوة مع الجد، ومنهم أبو حنيفة، رحمهم الله، فقد استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَأَتَبَعْتُ مِلَّةَ ءَبَآءِىّ إِبْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ﴾ [سورة يوسف، الآية: ٣٨] فأطلق كلمة ((الأب)) على الأجداد، فظهر أن الجد أب، فيرث ما يرث الأب عند عدمه، ويحجب ما يحجب الأب عند عدمه . واستدلوا أيضاً بقضاء أبي بكر الصديق ظوته، وقد أخرج البخاري في باب ميراث الجد من صحيحه عن ابن عباس قال: ((أما الذي قال رسول الله وَله: ((لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذته))، ولكن أخوة الإسلام أفضل، فإنه أنزله أبا، أو قال: قضاه أبا)) وقال البخاري رحمه الله في ترجمة هذا الباب: ((ولم يذكر أن أحداً خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي وَليه متوافرون)». وقد أطال ابن القيم النفس في إعلام الموقعين (١: ٣٢٧ إلى ٣٣٤) لتأييد هذا القول، فأتى له بعشرين وجهاً، وكذلك ابن حزم في المحلى (٩: ٢٨٨) قد شيد هذا القول بروايات جمة من الصحابة والتابعين، وليس هذا موضع استقصائها، فمن أراد راجع هذين الكتابين. وأما قضاء سيدنا عمر له، الذي استدل به من قال بالمقاسمة، فإن الروايات عنه في هذا الباب مختلفة، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: ((ويذكر عن عمر وعلي، وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة)) حتى أخرج يزيد بن هارون في كتاب الفرائض عن عبيدة بن عمرو، قال؛ ((إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضاً)) ذكره الحافظ في الفتح (١٢: ١٧) وصحح سنده، وهذا؛ وإن حمله بعضهم على اختلاف أحوال الورثة، ولكن ينقضه قول عبيدة: (ينقض بعضها بعضاً)). وقد أخرج ابن حزم في المحلى (٩: ٢٨٨) عن زيد بن ثابت يقول: «إنه دخل على عمر بن الخطاب في الليلة التي قبض فيها، فقال له زيد: إني قد رأيت أن أنتقص الجد، فقال له ٣٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عمر: لو كنت منتقصاً أحداً لأحد لانتقصت الإخوة للجد، أليس بنو عبد الله بن عمر يرثونني دون إخوتي؟ فمالي؟ لا أرثهم دون إخوتهم، لئن أصبحت لأقولن فيه، قال: فمات من ليلته)) قال ابن حزم: ((فهذا آخر قول عمر لحظاته، وإسناده في غاية الصحة)). ويؤيده ما ذكرنا من رواية أبي رافع في مسند أحمد: ((اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً)) فإنه يدل على أن سيدنا عمر رظله لم يزل متردداً في مسائل الكلالة إلى آخر حياته، وربما مال إلى بعض الآراء، ثم عارضها بآراء أخرى، وتارةً عزم على الإتيان فيها بقضاء فصل، ثم رجع إلى التوقف، فلا سبيل إلى التمسك إلى بعض آرائه، بعد ما تبين أنه لم يجزم فيها بشيء، وقد عارضه آثار مثل أبي بكر الصديق، وجماعة من فقهاء الصحابة الذين لم يترددوا في القول بأن الجد كالأب في الميراث، فالأخذ بقولهم أولى وأرجح، والله سبحانه أعلم. الكلام على حديث: ((أفرضكم زيد». وربما يستدل بعض الناس على مقاسمة الجد بأن زيد بن ثابت النبي رضاالله يقول بها، وقد قال فيه رسول الله وَّير: ((أفرضكم زيد)) فقوله يترجح على قول غيره في الفرائض. وقد أجاب ابن تيمية في فتاواه (٣١: ٣٤٢) عن مثل هذا الاستدلال فقال: ((وبعضهم يحتج لذلك بقوله: ((أفرضكم زيد)»، وهو حديث ضعيف لا أصل له، ولم يكن زيد على عهد النبي وَ لـ معروفاً بالفرائض)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن هذا الحديث مروي بوجوه: (١) - أخرج الترمذي في المناقب من سننه (رقم: ٣٨٧٩) من طريق قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَالقر: ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان بن عفان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل. وأفرضهم زيد بن ثابت)) وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه، وقد رواه أبو قلابة، عن أنس، عن النبي ◌َّ نحوه. (٢) - أخرجه ابن ماجه في مقدمته (رقم: ١٥٤) من طريق عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك بزيادة قوله: ((وأقضاهم علي بن أبي طالب)) بهذا اللفظ بعينه، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٢٨١) من طريق وهيب، عن خالد الحذاء بغير هذه الزيادة، وفيه: ((أفرضهم زيد بن ثابت))، وقد ذكر الحافظ ابن حجر الطريق الأول ونسبه إلى الترمذي، وابن حبان، وقال: ((إسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا إن الصواب في أوله الإرسال، والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري)) راجع فتح الباري (٧: ٧٣) باب مناقب أبي عبيدة ابن الجراح، وقد اقتصر البخاري في هذا الحديث على ما فيه منقبة أبي عبيدة رظ به. ٣٥ كتاب: الفرائض (٣) - أخرجه الحاكم في الفرائض من المستدرك (٤: ٣٣٥) من طريق محمد بن خلاد الباهلي، عن عبد الوهاب، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أنس بلفظ: ((أفرض أمتي زيد بن ثابت)) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي بشيء. أما احتمال إرسال هذا الحديث فمما لا يقدح في صحته، لأن سماع أبي قلابة عن أنس ثابت، وإن سماع الراوي عن المروى عنه في حديث واحد كاف لصحة عنعنته، حتى عند البخاري، ولا يجب ثبوت سماعه في كل ما يرويه عنه. (٤) - أخرج أبو يعلى في مسنده من طريق ابن السلماني، عن أبيه، عن ابن عمر نظُّه حديثاً أوله: ((أرأف أمتي بأمتي أبو بكر)) وفيه: ((وأفرضهم زيد بن ثابت)) ذكره السيوطي في الجامع الصغير، (رقم: ٩٠٨)، وفيه رمز الضعف، وقد أشار المناوي في فيض القدير (١ : ٤٦٠) إلى ضعفه بسبب ابن السلماني. ولكن أتى له بشاهد من حديث أنس. وذكر أن هذا المعنى مروي عن جابر أيضاً . ويتبين من هذا كله أن ما قاله ابن تيمية من أن هذا الحديث لا أصل له، مبالغة وتوغل منه رحمه الله. وإلا فالحديث له أصل في الصحاح، وقد روي من طرق متعددة لا سبيل إلى إنكار جميعها، وأن ما اعترض عليه بعض المحققين من إرساله لا يقدح في صحته بعد ما ثبت سماع أبي قلابة عن أنس، وقد قال فيه أبو حاتم: ((لا يعرف له تدليس)) كما في التهذيب (٥: ٢٢٦)، فلو ثبت الإرسال في خصوص هذا الحديث، فإرسال مثله مقبول إن شاء الله تعالى. ويشهد له أيضاً ما أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢: ٣٥٩) عن علي بن رباح، قال: ((خطب عمر بن الخطاب بالجابية، فقال: من كان يريد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت)) وأخرجه أيضاً أبو عبيد في كتاب الأموال (ص: ٢٢٣، رقم: ٤٧) في خطبة طويلة. فالجواب عن أصل الاستدلال أن قوله ◌َ : ((أفرضهم زيد بن ثابت)) يدل على أنه رض اته أكثر مناسبة بالفرائض من غيره، ولا يلزم من ذلك أن لا يجوز خلافه في شيء من اجتهاداته، وإن قامت على ذلك دلائل قوية، وقال الماوردي: ((في معنى الحديث أقوال أحدها أنه قاله حثاً للصحب على منافسته، والرغبة في تعليمه كرغبته، لأنه كان منقطعاً إلى تعلم الفرائض، بخلاف غيره. الثاني: قاله تشريفاً له، وإن شاركه غيره فيه، كما قال: ((أقرؤكم أبي))، الثالث: خاطب به جمعاً من الصحب كان زيد أفرضهم، الرابع: أراد به أن زيداً كان أشدهم عناية وحرصاً عليه. الخامس: قاله لأنه كان أصحهم حساباً، وأسرعهم جواباً، وقد كان الصحب يعترفون له بالتقدم في ذلك)) كذا في فيض القدير للمناوي (٢: ٢١). ٣٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠٠ ٥ - البنت والكلالة: والمسألة الخامسة من مسائل الكلالة: هل يشترط للكلالة أن لا تكون له بنت كما يشترط أن لا يكون له ابن؟ فالجمهور على أن ذلك يشترط، فمن ترك بنتاً وأختاً فإن الأخت لا ترث بالفرض كأخت الكلالة، وإنما ترث بالعصوبة. ولا تحرم البنت الأخت بل تجعلها عصبة مع الغير. وروي عن ابن عباس ريًا أنه قال: لا ترث الأخت مع البنت شيئاً، وتأخذ البنت النصف بالفرض، ويكون الباقي للعصبة، فإن لم تكن عصبة، رد الفضل على البنت، وبه قال داود الظاهري، كما في شرح النووي وفتح الباري (١٢: ٢٠). وقريب من هذا قول الشيعة، فإنهم لا يورثون الأخت مع البنت، إلا أنهم لا يقولون بالتعصيب، فتحوز البنت كل المال، ولا يرجع ما بقي بعد النصف إلى العصبات، وراجع مجمع البيان للطبرسي (٣: ١٤٩). واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿إِنِ آَمْرُؤُ هَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَهٌ وَلَهُ: أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَّكْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦] فاشترط لميراث الأخت أن لا يكون للميت ولد، والولد يعم الذكر والأنثى، فظهر أن الأخت ليس لها ميراث عند وجود الابن أو البنت. وقد أخرج البيهقي في سننه ٦: ٢٣٣ عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، قال: ((جاء ابن عباس رجل، فقال: رجل توفي، وترك ابنته، وأخته لأبيه وأمه، فقال: للابنة النصف، وليس للأخت شيء، ما بقي فهو لعصبته، فقال له رجل: فإن عمر بن الخطاب ظُبه قد قضى بغير ذلك، جعل للابنة النصف، وللأخت النصف، قال ابن عباس: أنتم أعلم أم الله؟)) قال معمر: ((فلم أدر ما وجه ذلك؟ حتى لقيت ابن طاوس، فذكرت له حديث الزهري، فقال: أخبرني أبي أنه سمع ابن عباس يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنِ آَمْرُّ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ، أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ [سورة النساء، الآية: ١٧٦] قال ابن عباس: فقلتم أنتم: لها نصف، وإن كان له ولد)). وأجيب من قبل الجمهور عن هذا الاستدلال بوجهين: الأول: أن لفظ ((ليس له ولد)» في الآية خاص بالذكور، فلا يشمل البنت، ولكن هذا الجواب فاسد، لأن ذلك يقتضي أن تستحق الأخت مع البنت النصف فرضاً، كأخت الكلالة، مع أنها لا ترث في هذه الصورة بالفرض، وإنما ترث بالعصوبة. فإن كانت المسألة مشتملة على بنت، وبنت ابن، وأخت، مثلاً لم تأخذ الأخت إلا ما بقي بعد فرض الأوليين، وهو الثلث. والثاني: أن لفظ الولد في الآية يشمل الذكر والأنثى، ولكن الآية إنما تبين ميراث الأخت من جهة خاصة، وهي الفرض، ويشترط لميراثها من هذه الجهة أن لا يكون في المسألة ابن ولا بنت، فإن كانت هناك بنت، فإن الأخت لا ترث من هذه الجهة، ولكنها ترث من جهة أخرى ٣٧ كتاب: الفرائض وهي العصوبة، وراجع للتفصيل إعلاء السنن (١٢: ٣٥٧) باب الكلالة البحث الرابع. وأما حجة الجمهور في تعصيب الأخوات مع البنات، فما أخرجه البخاري في باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة، عن الأسود، قال: ((قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله وَلّ النصف للابنة، والنصف للأخت)). وكذلك أخرج البخاري في نفس الباب عن عبد الله بن مسعود له: ((لأقضين فيها بقضاء النبي ◌َّر، أو قال: قال النبي ◌َّر: ((للابنة النصف، ولابنة الابن السدس، وما بقي فللأخت)). وأخرج الدارمي في سننه (٢: ٢٥١، رقم: ٢٨٨٤) من طريق ابن أبي الزناد. قال: ((أخبرني أبي، عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت كان يجعل الأخوات مع البنات عصبة، لا يجعل لهن إلا ما بقي)). وأخرج الدارمي (رقم ٢٨٨٣) والبيهقي في سننه (٦: ٢٣٣) عن الأسود بن يزيد، قال: ((قضى ابن الزبير في ابنة وأخت، فأعطى الابنة النصف، وأعطى العصبة سائر المال، فقلت له: إن معاذاً قضى فيها باليمن، فأعطى الابنة النصف، وأعطى الأخت النصف، فقال عبد الله بن الزبير: فأنت رسولي إلى عبد اللّه بن عتبة، فتحدثه بهذا الحديث، وكان قاضياً على الكوفة)). فهذا يدل على أن عبد الله بن الزبير كان يرى في أول الأمر رأي ابن عباس، فلما أخبر بقضاء معاذ رقڅته، رجع عن قوله. تنبيه: قد اشتهر في كتب الفرائض والفقه حديث: ((اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة))، ويذكرونه كحديث مرفوع، ولكني لم أجده في شيء من كتب الحديث، وراجعت من أجله الجامع الصغير للسيوطي، والفتح الكبير للنبهاني، ومجمع الزوائد للهيثمي، والمقاصد الحسنة للسخاوي، والمظان الأخرى، فلم أفز به، وربما يخطر بالبال أن أصله ما ذكرنا عن الدارمي من أثر زيد بن ثابت ((أنه كان يجعل الأخوات مع البنات عصبة)) والله أعلم. ثم رأيت في إعلاء السنن (١٢: ٣٧٢) لشيخنا العثماني رحمه الله أنه قال: ((وما روى أهل الفرائض عن النبي و ﴿ أنه قال: ((اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة))، فلم أجده بهذا اللفظ، إلا أنه مأخوذ من قول معاذ بن جبل أنه ورث البنت النصف، والأخت النصف، ورسول الله وَ الر حي بین أظهرهم». لطيفة: قال ابن المنير: ((الاستدلال بآية الكلالة على أن الأخوات عصبة لطيف جداً، وهو أن العرف في آيات الفرائض قد اطرد على أن الشرط المذكور فيها هو لمقدار الفرض، لا لأصل الميراث، فيفهم أنه إذا لم يوجد الشرط أن يتغير قدر الميراث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيّهِ لِكُلّ وَحِدٍ مِنْهُمَا الشُّدُسُ مِمَّا تَرَّكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ: أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ اَلُّلُثُ﴾ [سورة ٣٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١٢٧ - ٧/٠٠٠ - وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ شُعْبَةَ. كِلاَهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. (٣) - باب: آخر آية أنزلت آية الكلالة ٤١٢٨ - ١/١٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ. أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: النساء، الآية: ١١] فتغير القدر، ولم يتغير أصل الميراث؛ وكذا في الزوج، وفي الزوجة، فقياس ذلك أن يطرد في الأخت، فلها النصف إن لم يكن ولد فإن كان ولد (يعني: البنت) تغير القدر، ولم يتغير أصل الإرث، وليس هناك قدر يتغير إليه إلا التعصيب، ولا يلزم من ذلك أن ترث الأخت مع الابن، لأنه خرج بالإجماع، فيبقى ما عداه على الأصل، والله أعلم)) كذا في فتح الباري (١٢ : ٢٢). (٠٠٠) - قوله: ((وابن رافع)) - يعني: محمد بن رافع بن أبي زيد -، واسمه سابور القشيري، مولاهم أبو عبد الله النيسابوري الزاهد، قال فيه مسلم: ثقة مأمون صحيح الكتاب وهو شيخ الأئمة الستة، سوى ابن ماجه، وقال البخاري: حدثنا محمد بن رافع بن سابور، وكان من خيار عباد الله، كذا في التهذيب (٩: ١٦١). قوله: (شبابة بن سوار) شبابة: كسحابة، وسوار: بفتح السين، وتشديد الواو، كما في المغني، وهو الفزاري، مولاهم، أبو عمرو المدائني، أصله من خراسان، وكان من المرجئة، ومن أجل ذلك نقموا عليه، غير أنه ثقة في الحديث، وتركه أحمد ابن حنبل للإرجاء، وروى البرذعي عن أبي زرعة أنه رجع عن الإرجاء، والله أعلم، وراجع التهذيب (٤: ٣٠١). [(٣) - باب: آخر آية نزلت آية الكلالة] ١٠ - (١٦١٨) - قوله: (عن ابن أبي خالد) يعني: إسماعيل بن أبي خالد، واسمه هرمز الأحمسي، مولاهم، الكوفي، محدث مشهور، ولم يذكر الحافظ في التهذيب (١: ٢٩١) أبا إسحاق في أساتذته، ولا وكيعاً في تلامذته، ولكن ذكرهما المزي في تهذيب الكمال (١: ٥٠) برمز مسلم، وذكر عن الثوري أنه قال: حفاظ الناس ثلاثة: إسماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، ويحيى بن سعيد الأنصاري. قوله: (عن البراء) يعني: ابن عازب ◌َّر، وحديثه هذا أخرجه البخاري في التفسير، باب يستفتونك، وفي الفرائض، باب يستفتونك، وفي المغازي، باب حج أبي بكر بالناس سنة تسع، وأبو داود في الفرائض، باب الكلالة، (رقم: ٢٧٦٨)، والترمذي في تفسير سورة النساء، (رقم: ٣٩ كتاب: الفرائض آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَّةِ﴾ [النساء: ١٧٦]. ٥٠٣٢)، وعزاه المنذري في تلخيصه لأبي داود إلى النسائي أيضاً، ولم أجده في سننه الصغرى، ثم رأيت المزي قد عزاه في تحفة الأشراف (٢: ٤٣) إلى سننه الكبرى. قوله: (آخر آية أنزلت) ظاهره أن قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَّةِ﴾ آخر آية نزلت من القرآن، ولكن الروايات مختلفة في تعيين آخر ما نزل، ونجد في هذا الشأن روايات آتية غیر رواية البراء څہ : ١ - أخرج البخاري في تفسير البقرة عن ابن عباس رضيثًا، قال: آخر آية نزلت على النبي وله آیة الربا . ٢ - أخرج الطبري عن ابن عباس أيضاً أن آخر آية نزلت على النبي وَلّ: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٨١] الآية. ٣ - أخرج النسائي عن ابن عباس أيضاً أن آخر سورة نزلت: هي ((إذا جاء نصر الله)) إلخ. ٤ - أخرج الحاكم في مستدركه عن أبي بن كعب، قال: آخر آية نزلت: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم)) إلى آخر السورة. ٥ - أخرج ابن جرير الطبري عن معاوية بن أبي سفيان أنه تلا هذه الآية: ﴿فَن كَانَ يَرَجُواْ لِقَآءَ رَيِّهِ﴾ [سورة الكهف، الآية: ١١٠] الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. ٦ - أخرج ابن مردويه من طريق مجاهد، عن أم سلمة، قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِى لَّ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٩٥] إلى آخرها . فأما الروايتان الأخيرتان، فالظاهر أن مرادهما أن هاتين الآيتين لم ينسخهما شيء، وقد ثبت أن بعض الصحابة كانوا يطلقون مثل هذا الكلام في الآيات المحكمة التي لم ينسخ حكمها، فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس، قال: ((نزلت هذه الآية: ((﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [سورة النساء، الآية: ٩٣] هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء)) - وأرادت أم سلمة في الرواية الأخيرة أنها قالت: يا رسول الله أرى الله يذكر الرجال، ولا يذكر النساء فنزلت: ﴿وَلَا تَكَمَنَّوْأْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ، بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٣٢] ونزلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٥] ونزلت هذه الآية، يعني: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِ لَآَ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىْ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٥]، فهي آخر الثلاثة نزولاً، وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصة. وأما الروايتان الأوليان فلا تعارض بينهما، لأن آية الربا، وقوله تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [سورة البقرة، اللية: ٢٨١] متصلان متلاحقان، والظاهر أنهما نزلا معاً، فيصدق على كل واحد منهما أنه آخر ما نزل، فبقي التعارض بين آية الربا، وآية الكلالة، ولقد جاءكم ٤٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١٢٩ - ٢/١١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ أَنْزِلَتْ، آيَةُ الْكَلاَلَةِ. وَآخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ، بَرَاءَةٌ. ٤١٣٠ - ٣/١٢ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا عِيسَى (وَهُوَ ابْنُ يُونسَ). حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ؛ أَنَّ آخِرَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ تَامَّةً سُورَةٌ التَّوْبَةِ. وَأَنَّ آخِرَ آيَةٍ أُنْزِلَتْ آيَةُ الْكَلاَلَةِ . ٤١٣١ - ٤/٠٠٠ - حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ آدَمَ). حَدَّثَنَا عَمَّارٌ (وَهُوَ ابْنُ رُزَيْقٍ) عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ. بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ کَامِلَةً . رسول، وسورة النصر، واجتهد المحدثون في التطبيق بين هذه الروايات، وذكروا فيه وجوهاً. وقد ساقها الحافظ في تفسير البقرة من فتح الباري (٨: ١٥٣)، والسيوطي في الإتقان (١: ٢٨)، ولكنها غير خالية عن التكلف، ويبدو أن الحق ما قاله البيهقي رحمه الله: ((يجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده))، وقال القاضي أبو بكر في الانتصار: ((هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي ◌َّر، وكل قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلاً منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي ◌ّ في اليوم الذي مات فيه، أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك، وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضاً أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول وَلير مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب)) ذكره السيوطي في الإتقان. ١٢ - (٠٠٠) - قوله: (آخر سورة أنزلت تامة) يعارضه ما ذكرنا من رواية ابن عباس عند النسائي أن آخر سورة نزلت: هي ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اٌللَّهِ﴾ [سورة النصر، الآية: ١] إلخ، ويجري هنا أيضاً ما قاله البيهقي من أن كل واحد منهما حكم بغلبة ظنه، وقد ناقض الطحاوي في مشكل الآثار (٣: ١٩٦) قول البراء هذا بما عرف أن النبي وَلّ بعث علياً بسورة التوبة في الحجة التي حجها أبو بكر بالناس قبل حجة الوداع، فقرأها على الناس حتى ختمها، وقد نزلت بعد ذلك سور وآيات ومنها ما في المائدة: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إلخ، فإنها نزلت في حجة الوداع، وقد ثبت عن عائشة ينا أن المائدة آخر السور نزولاً، ثم ظاهر قول البراء بن عازب حظ الله يدل على أن سورة التوبة نزلت دفعةً واحدة، مع أن المحققين على خلافه، فإن بعض آياتها نزلت مقطعة، فإما أن يكون البراء ◌ُه حكم على الكل بالغالب، وإما أن يكون لم يعلم نزول بعض الآيات مقطعة، والله سبحانه أعلم.