النص المفهرس
صفحات 1-20
مَكَلترفع المخلمـ ممِد ◌ْـ تأليف محمَّدٌ فِفي الهُثْمَانِى مُراجَعَة وتَقيقُ وتَكَمَة ◌َحْمُودٌ شَاكِرٌ كتاب الفرائض - كتاب الهبات - كتاب الوصية - كتاب النذر كتاب الأيمان - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والدّيات كتاب الحدود - كتاب الأقضية - كتاب اللقطة الجزء الثاني دَارُ أعيّاء التراث العربيّ بَيروت - لبْنان جميع الحقوق محفوظة للناشر جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright @ All rights reserved All rights of this publication are reserved exclusively to DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho- tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or saved on a retrievable system distributed in any form or by any means, without the prior written permission of the publisher. الطبعة الأولى م 2006 . 1426 دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107 هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717 Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250 Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717 " ٥ كتاب: الفرائض بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحِيَةِ كتاب: الفرائض كتاب: الفرائض كان البيع، والمزارعة، والمساقاة والشفعة من وسائل اكتساب المال بالمال، أو بالجهد والعمل. فأعقب المؤلف رحمه الله ذكرها بذكر ما يحصل به المال بغير مال، ولا جهد أو عمل، وهو الميراث والهبة والوصية. ولذلك جاء بكتاب الفرائض بعد البيوع والمساقاة، ثم أعقبه بكتاب الهبة، وكتاب الوصية . وإن الفرائض من أهم العلوم الدينية، ومن أعظم أبواب المعيشة والمعاشرة الإنسانية، ولذلك اهتمت به الشريعة الإسلامية اهتماماً قلما يوجد في أبواب أخرى، فبينما نرى القرآن الكريم يكتفي في أكثر أبواب الأحكام ببيان أصول كلية دون التعرض للجزئيات والتفاصيل، إذ نشاهده في باب الفرائض يهتم ببيان جزئياته وتفاصيله الدقيقة، ويصرح بذكر السهام لكل واحد من الأقرباء في بسط واستقصاء. وكذلك حث النبي ◌َّيقوم بتعلم الفرائض وتعليمها، مستقلة عن الأبواب الأخرى، فقد أخرج النسائي والترمذي، وأحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود أن النبي وَ ل* قال: «تعلموا الفرائض، وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض)). ونريد، قبل أن نخوض في شرح أحاديث هذا الكتاب، أن نأتي بأبحاث تزيد البصيرة في الموضوع، وتقوي الإيمان بأن ما شرعه الله لنا في هذا الباب أولى بمصالح العباد من أي دين، أو قانون سواه، والله سبحانه وتعالى الموفق للسداد والصواب. ١ - معنى الفرائض لغة: الفرائض: جمع فريضة، وهي فعيلة بمعنى مفروضة، مأخوذة من الفرض بمعنى القطع، يقال: فرضت لفلان كذا: أي: قطعت له شيئاً من المال، قاله الخطابي. وقيل: هو من فرض القوس، وهو الحز الذي يكون في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه، ولا يزول، وقيل: الثاني خاص بفرائض الله، وهي ما ألزم به عباده، فكما أن فرض القوس يمسك بالوتر ولا يتركه، فكذلك فرائض الله تلزم العباد ولا تتركه. ٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقال الراغب: الفرض، قطع الشيء الصلب، والتأثير فيه، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى: ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [سورة النساء، الآية ٧] أي: مقدراً ومعلوماً، أو مقطوعاً عن غيرهم. كذا في فتح الباري (١٢ : ٢). وقال العيني رحمه الله: سميت المواريث فرائض وفروضاً، لما أنها مقدرات لأصحابها، ومبينات في كتاب الله تعالى، ومقطوعات لا تجوز الزيادة عليها، ولا النقصان منها، وهي في الأصل مشتقة من الفرض، وهو القطع، والتقدير، والبيان، وقال الله تعالى: ﴿سُورَةُ أَنزَلْتَهَا وَفَرَضَْهَا﴾ [سورة النور، الآية: ١] أي: قدرنا فيها الأحكام، وقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ [سورة التحريم، الآية: ٢] أي: بين كفارة أيمانكم كذا في عمدة القاري (١١: ٨٧). ٢ - فضل علم الفرائض والحث على تعلمه: وقد ورد في فضل علم الفرائض والحث على تعليمه وتعلمه أحاديث. منها: ما رواه ابن مسعود رضيالله عن النبي وَلتر، قال: ((تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن، حتى يختلف الإثنان في الفريضة لا يجدان من يقضيها)). أخرجه الترمذي، والنسائي، وأحمد، والحاكم، وهذا لفظه، وقد صححه، وأقره عليه الذهبي في تلخيصه للمستدرك (٤: ٣٣٣)، وقد أشار الترمذي إلى اضطراب في إسناده، وقد بسطه الحافظ في الفتح (١٢ : ٤). ومنها: ما رواه أبو بكرة تُله مرفوعاً: ((تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس، أوشك أن يأتي على الناس زمان يختصم الرجلان في الفريضة، فلا يجدان من يفصل بينهما)) أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق راشد الحماني وهو مقبول، ولكن الراوي عنه مجهول، كما نبه عليه الحافظ في الفتح. ومنها: ما روي عن أبي هريرة أن النبي و لو قال: ((تعلموا الفرائض، وعلموه الناس، فإنه نصف العلم، وهو أول شيء ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي)) أخرجه ابن ماجه (٢٧١٩) والدارقطني في سننه (٤: ٦٧)، وهذا اللفظ له، وفي إسناده حفص بن عمر بن أبي العطاف، ضعفه ابن معين، والبخاري، والنسائي، وأبو حاتم، وابن حبان، وابن عدي، وغيرهم والحديث صححه الحاكم في المستدرك (٤: ٣٣٢) ولكن تعقبه الذهبي، بأن حفص بن عمر واه بمرة. وقال ابن الصلاح: ((لفظ النصف في الحديث بمعنى أحد القسمين وإن لم يتساويا)) وقال غيره: لأن لهم حالتين: حالة حياة، وحالة موت، والفرائض تتعلق بأحكام الموت، وقيل: لأن الأحكام تتلقى من النصوص، ومن القياس، والفرائض لا تتلقى إلا من النصوص)) كذا في فتح الباري. ٧ كتاب: الفرائض ومنها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص، ◌ًّا أن رسول الله وَالر قال: ((العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة)) أخرجه الدارقطني في سننه (٤: ٦٨) والحاكم في مستدركه (٤: ٣٣٢) وصححه، ولكن تعقبه الذهبي، ولم يبين سبب الضعف، ولعله ضعفه لمكان عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، ضعفه أحمد، والدارقطني، وابن حبان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووثقه البخاري ويحيى بن سعيد القطان. كما في الميزان. ومنها: ما كتب عمر بن الخطاب رضيبه إلى أبي موسى الأشعري: ((إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض)) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤: ٣٣٣) وصححه، وأقره عليه الذهبي. ومنها: ما روي عن أبي موسى رُبه موقوفاً: ((من علم القرآن ولم يعلم الفرائض، فإن مثله مثل الرأس لا وجه له)) أخرجه الدارمي في سننه (٢: ٢٤٧، رقم: ٢٨٥٧). ومنها: ما روى عن عكرمة قال: ((كان ابن عباس يضع الكبل في رجلي، يعلمني القرآن والفرائض)) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (٦: ٢٠٩). ٣ - ميّزات نظام الإرث في الشريعة الإسلامية: لقد وضعت الشريعة الإسلامية نظاماً حكيماً عادلاً للتوارث فيما بين الأقرباء، وفصله القرآن الكريم، والسنة المطهرة تفصيلاً دقيقاً، ولم يتركه على الآراء البشرية، لأنها لا تقدر على إدراك الحكم البالغة التي لا يحيط بها إلا الله سبحانه. فنرى أن أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية ممتازة عن الديانات والقوانين الأخرى من نواح شتى، ويمكن لنا أن نضبط هذه الميّزات بأصول قررتها الشريعة الإسلامية بالشكل التالي : (أ) جميع ما ترك الميت ميراث: إن الأصل الأول في نظام الميراث الإسلامي: أن جميع ما ترك الميت من أملاكه ميراث للورثة، سواء كان من أشياء استعماله الشخصية، كالثياب، والأواني، أو من أشياء يمكن الاسترباح منها، كالأرض، وعروض التجارة، والنقود قررت الشريعة الإسلامية أن حق الورثة يتعلق بجميع هذه الأشياء، صغيرها وكبيرها، نفيسها وخسيسها، ولا يستثنى منها إلا ثلاثة أشياء، وهي: نفقات التجهيز والتدفين، والديون، والوصية الجائزة إلى حد ثلث جميع التركة. وكانت هناك أقوام قبل الإسلام يفرقون في باب الميراث بين الأشياء المستهلكة، وبين ٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الأشياء التي يمكن الاسترباح منها، فلا يحوّلون إلى الورثة بعد وفاة المالك إلا القسم الثاني فقط، كالأرض والحانوت، والنقود، وأما أشياء استعماله من الثياب، والأواني، والأسلحة، والحلي، فلا ينفذون فيها أحكام الإرث، فكان بعضهم يدفنونها مع الميت في قبره، زعماً منهم بأنه يحتاج إليها في حياته الأخرى، وبعضهم يجمعونها في مكان واحد، ويحرقونها، وبعضهم يقسمونها ثلاث أقسام: قسم يذهب إلى الورثة، لتكون عندهم كتذكار الميت، وقسم ثان يجهز به الثياب والحلي للميت، فتدفن معه في قبره، وقسم ثالث يحفظ لنفقات اليوم الذي يدفن فيه الميت، فإن النياحة عليه في ذلك اليوم كانت لها نفقات خطيرة. وراجع لتفصيل هذه التقاليد مقالة (قانون الوراثة) في دائرة المعارف البريطانية (١٣ : ٧٩٣). وكان في جميع هذه التقاليد ضياع للأموال، فكانت الأموال القيمة تدفن أو تحرق، أو تنفق في احتفالات النياحة، في حين أن أولاد الميت، وزوجته وأقاربه يحتاجون إليه غاية الاحتياج. فحظرت الشريعة الإسلامية هذه القساوة والجاهلية، وشرع أن حق الورثة يتعلق بجميع ما تركه الميت، حتى بإبرة صغيرة في متاعه. (ب) الميراث حق الأقارب، دون الأجانب: والأصل الثاني في نظام الميراث الإسلامي: أن الميراث حق لأقارب الميت، ولا مدخل للأجانب فيها، ما دام الأقارب أحياء. وهناك أقوام آثرت الجيران والأصدقاء على أقارب المیت، فبينما کان جیران المیت وأصدقاؤه يحوزون أموالاً جمة، یجلس عياله وذريته بائسین، محرومين عن أموال الميت، بعد حرمانهم عن شخصيته، وفي ذلك ظلم لا يخفى. وقد ذهب الإسلام في هذا الأصل إلى حد أنه ألغى التبني، وكان العرب في الجاهلية يورثون المتبني، ويزعمونه كالإبن النسبي في الميراث، فألغاه القرآن الكريم، وقرر أن لا ابن في الشريعة الإسلامية إلا من ولد للرجل فعلاً، فلا حق للمتبني في الميراث. (ج) الميراث حق للرجال والنساء والصغار والكبار. والأصل الثالث في نظام الميراث الإسلامي: أن الميراث يشترك فيه الرجال والنساء، والكبار، والصغار وكان العرب في الجاهلية لا يورثون البنات، ولا النساء، ولا الصبيان شيئاً من الميراث، ولا يورثون إلا من حاز الغنيمة، وقاتل على ظهور الخيل (١) كما رواه ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره (٤: ١٦٢ و١٦٣). (١) وقال الدكتور جواد على في كتابه («المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)» ٥٦٣/٥ ((والأخبار متضاربة في موضوع إرث المرأة والزوجة في الجاهلية، وأكثرها أنها لا ترث أصلاً، غير أن هناك روايات يفهم منها = ٩ كتاب: الفرائض جاء الإسلام، فأبطل هذه العادة القاسية، وأنزل الله سبحانه حكم توريث النساء بقوله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً). وقد أسند ابن جرير الطبري في تفسيره (٤: ١٦٣) عن عكرمة، قال: «نزلت في أم كحلة، وابنة كحلة وثعلبة، وأوس بن سويد، وهم من الأنصار، كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها، فقالت: يا رسول الله! توفي زوجي، وتركني، وابنته، فلم نورث، فقال عم ولدها: يا رسول الله! لا تركب فرساً، ولا تحمل كلا، ولا تنكي عدواً، تكسب عليها، ولا تكتسب، فنزلت: ﴿لِّّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ [سورة النساء، الآية: ٧]، الآية)). (د) الأقربية معيار للوراثة: والأصل الرابع في نظام الميراث الإسلامي: أن معيار استحقاق الوراثة هو الأقربية، فكل من كان أقرب إلى الميت كان أحق الوراثة من غيره، وإن هذا الأصل مطرد في العصبات، فالأقرب منهم يحجب الأبعد دائماً، وليس ذلك بمطرد في ذوي الفروض، ولكنه ملحوظ في تعيين أنصبائهم غالباً . ولكن الرجل في نظام الميراث الإسلامي لا يحجب من كان في مرتبته من الأقربية، لمحض كبر سنه، كما هو معروف عن النصارى، فإنهم يقدمون أكبر أولاد الميت على غيرهم وفي ذلك ظلم ظاهر على صغار أولاد الميت، لأنهم يتضررون في الميراث لمحض أنهم خلقوا بعد إخوانهم الكبار، فأبطل الإسلام هذا الظلم، وسوى بين أولاد الميت، ولم يحدث بينهم فرقاً على أساس أسنانهم أو أعمارهم. ثم إن كثرة الاشتراك في تركة الميت من العوامل الفعالة في استئصال الاكتناز، وإحداث التوازن في توزيع الثروة، ومنع المال من كونه: ﴿دُوْلَةٌ بَيْنَ اٌلْأَغْنِيَاءِ﴾ [سورة الحشر، الآية: ٧]، فكل مال مكتنز في الإسلام منقسم لا محالة إلى أيد متعددة، وذلك بفضل نظام ميراثه العادل. (هـ) الوراثة سبب للملك المطلق البات: والأصل الخامس في نظام الميراث الإسلامي أن الوراثة تنشىء لكل وارث ملكاً باتاً في أن من الجاهليات من ورثن أزواجهن، وذوي قرباهن، وأن عادة حرمان النساء الإرث لم تكم سنة عامة عند = جميع القبائل، ولكن كانت عند قبائل دون قبائل. وما ورد في الأخبار يخص على أكثر أهل الحجاز)). وقال ابن حبيب في المحبرص ٣٢٤: ((فأول من ورث البنات في الجاهلية، فأعطى البنت سهماً، والابن سهمين: ذو المجاسد اليشكري وهو عامر بن جثم بن حبيب)) والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حصته من الميراث. وهذا بخلاف نظام الهنود، وبعض اليونانيين والرومانيين الذين كانوا يلتزمون أحكام الأسرة المشتركة، فكانت الأرض والبنيان عندهم مشتركة بين أعضاء الأسرة لا يستطيع أحد من الشركاء أن يبيع حصته أو يفرزها من حصة غيره، فتحدث من أجله مشاكل كثيرة، وإن الرجل في هذا النظام ربما يجلس محتاجاً إلى نقود، ولا يستطيع أن يتمتع بما يملكه من تركة مورثه، لأنه محجور عن ذلك بسبب اشتراك الأسرة. وإن الإسلام قد أبطل هذه التقاليد كلها، وجعل حق كل وارث منفرداً عن غيره، ليمكن له التصرف في ملكه كيف شاء. ومن أجل ذلك قد حضت الشريعة الإسلامية على تقسيم تركة الميت في أعجل وقت ممكن بعد وفاته، فإن كثرة الاشتراك يحث النزاعات فيما بين الشركاء، ويورث بينهم الشحناء. ٤ - أسرار أحكام الميراث في الإسلام: وأما أسرار أحكام الميراث في الإسلام، والحكمة في تعيين أنصباء الأقارب، فقد تكلم عليه الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله في كتابه القيم (حجة الله البالغة) (٢: ١١٨ إلى ١٢٢) بما فيه غني ومقنع، فنحكي كلامه ههنا بتلخيص وترتيب من عندنا، والله الموفق: ١ - التدريج في أحكام الميراث: قال الإمام الدهلوي رحمه الله: ((وكان أول ما نزل على النبي وَل وجوب الوصية للأقربين من غير تعيين ولا توقيت، لأن الناس أحوالهم مختلفة، فمنهم من ينصره أحد أخويه دون الآخر، ومنهم من ينصره والده، وعلى هذا القياس. فكانت المصلحة أن يفوض الأمر إليهم، ليحكم كل واحد ما يرى من المصلحة. ثم إذا ظهر من موص جنف أو إثم كان للقضاة أن يصلحوا وصيته ويغيروا، فكان الحكم على ذلك مدة)). (ثم إنه لما ظهرت أحكام الخلافة الكبرى، وزوي للنبي وَلو مشارق الأرض ومغاربها، وتشعشعت أنوار البعثة العامة أوجبت المصلحة أن لا يجعل أمرهم إليهم ولا إلى القضاة من بعدهم؛ بل يجعل على المظان الغالبة في علم الله من عادات العرب والعجم وغيرهم، مما يكون كالأمر الطبيعي، ويكون مخالفه كالشاذ النادر، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًاً﴾. [سورة النساء، الآية: ١١]. (أ) المعتبر في الميراث المصاحبة الطبيعية: ثم إن مسائل المواريث تبتني على أصول ذكرها الإمام الدهلوي رحمه الله: منها أن المعتبر في هذا الباب هو المصاحبة الطبيعية، والمناصحة والموادة التي هي كمذهب جبلي، دون ١١ كتاب: الفرائض الارتفاقات الطارئة، فإنها غير مضبوطة، ولا يمكن أن يبنى عليها النواميس الكلية، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوْ اْلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال، الآية: ٧٥]. فلذلك لم يجعل الميراث لغير أولي الأرحام، إلا الزوجين، فإنهما لاحقان بأولي الأرحام لوجوه: منها التعاون في تدبير المنزل، وأن كل واحد منهما يعتبر نفع الآخر وضرره راجعاً إلى نفسه، ومنها أن الزوج ينفق عليها، ويأمنها على ذات يده، حتى يتخيل أن جميع ما تركته أو بعض ذلك هو حقه في الحقيقة، فجعل له الشرع الربع أو النصف، ليكون جابراً لقلبه. ومنها: الزوجة ربما تلد من زوجها أولاداً هم من قوم الرجل، فمن هذه الجهة تدخل الزوجة في تضاعيف من لا ينفك عن قومه، ومنها: أنه يجب عليها بعده أن تعتد في بيته لمصالح لا تخفى، ولا متكفل لمعيشتها من قومه، فوجب أن تجعل كفايتها في مال الزوج، فوجب جزء شائع كالثمن والربع . ثم إن القرابة ربما تكون من جهة النسب، وربما تكون من جهة الود والرفق، بأنه لو كان أمر قسمة التركة إلى الميت لما جاوز تلك القرابة، وإن النوع الأول راجح على الثاني فلذلك فضلت الشريعة من كان في القسم الأول على من هو في القسم الثاني، ولذلك كان نصيب الأم، مع أن برها أوجب، وصلتها أوكد، أقل من نصيب البنت والأخت، فإنها ليست من قوم ابنها، ولا من أهل حسبه، ومنصبه، وشرفه، ولا ممن يقوم مقامه، وأما البنت والأخت، فهما من قوم المرء وأهل منصبه . وكذلك الزوجة لم تجد إلا أوكس الأنصباء (وهو الثمن)، وإذا اجتمعت جماعة منهن اشتركن في ذلك النصيب، لأنها ليست من القسم الأول، وإنها تتزوج بعد بعلها زوجاً غيره، فتنقطع العلاقة بالكلية . وبالجملة؛ فالتوارث يدور على معان ثلاثة: الأول: القيام مقام الميت في شرفه ومنصبه، والثاني: الخدمة والمواساة والرفق، والثالث: القرابة المتضمنة لهذين المعنيين جميعاً. وإن هذا الثالث أولى بالاعتبار من غيرهما، ومظنتها جميعاً على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب، كالأب، والجد، والابن وابن الابن، فهؤلاء أحق الورثة بالميراث. غير أن قيام الابن مقام أبيه هو الوضع الطبيعي الذي عليه بناء العالم، وأما قيام الأب بعد ابنه، فكأنه ليس بوضع طبيعي، ولا ما يطلبونه ويتوقعونه، ولو أن الرجل خير في ماله لكانت مواساة ولده أملك لقلبه من مواساة والده، فلذلك قدم الأبناء على الآباء. وأما القيام مقام الميت فمظنته بعد ما ذكرنا: الإخوة، ومن في معناهم، ممن هم كالعضد، وكالصنو، ومن قوم المرء، وأهل نسبه وشرفه. ١٢ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وأما الخدمة والرفق، فمظنته القرابة القريبة، فالأحق به الأم، والبنت، ومن في معناهما، ممن يدخل في عمود النسب ولا تخلو البنت من قيام ما مقامه، ثم الأخت: ولا تخلو أيضاً من قيام ما مقامه، ثم من به علاقة التزوج، ثم أولاد الأم. (ب) الذكر يفضل على الأنثى في مرتبته: ومن أصول المواريث أن الذكر يفضل على الأنثى، إذا كانا في منزلة واحدة أبداً، لاختصاص الذكور بحماية البيضة، والذب عن الذمار، ولأن الرجال عليهم إنفاقات كثيرة، فهم أحق بما يكون شبه المجان، بخلاف النساء، فإنهن عيال على أزواجهن أو آباءهن، أو أبناءهن، وهو قوله تعالى: ﴿أَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ﴾ [سورة النساء، الآية: ٣٤]. وقال ابن مسعود رائه في مسألة ثلث الباقي: ما كان الله ليريني أن أفضل أماً على أب، غير أن الوالد لما اعتبر فضله مرة يجمعه بين العصوبة والفرض، لم يعتبر ثانياً بتضاعيف نصيبه أيضاً، فإنه غمط لحق سائر الورثة. وأولاد الأم ليس للذكر منهم حماية للبيضة، ولا ذب عن الذمار، فإنهم من قوم آخرين، فلم يفضل على الأنثى، وأيضاً، فإن قرابتهم منشعبة من قرابة الأم، فكأنهم جميعاً إناث. (ج) السهام أجزاء ظاهرة لكل عالم وجاهل: ومن أصول المواريث التي اهتمت به الشريعة الإسلامية أن تكون السهام أجزاؤها ظاهرة متميزة في بادي الرأي للمحاسب وغيره، وقد أشار النبي ◌َّر في قوله: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)) إلا أن جمهور المكلفين يخاطبون بما لا يحتاج إلى التعمق في الحساب، ويجب أن يكون بحيث يظهر فيها ترتيب الفضل والنقصان بادي الرأي، فآثر الشرع من السهام فصلين: الأول: الثلثان، والثلث، والسدس، والثاني: النصف، والربع، والثمن، فإن مخرجهما الأصلي أولاً الأعداد، ويتحقق فيهما ثلاث مراتب، بين كل منها نسبة الشيء إلى ضعفه ترفعا، ونصفه تنزلاً، وذلك أدنى أن يظهر فيه الفضل والنقصان محسوساً متبيناً. ثم إذا اعتبر فصل بفصل ظهرت نسب أخرى لا بد منها في الباب، كالشيء الذي زيد على النصف، فلا يبلغ التمام، وهو الثلثان، والشيء الذي ينقص عن النصف ولا يبلغ الربع، وهو الثلث، ولم يعتبر الخمس والسبع، لأن تخريج مخرجهما أدق، والترفع والتنزل فيهما يحتاج إلى تعمق في الحساب. ثم ذكر الإمام ولى الله الدهلوي رحمه الله تعالى آيات الفرائض، وبين حكم الأنصباء ١٣ كتاب: الفرائض باب: لا يرث المسلم الكافر ٤١١٦ - ١/١ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) عَنِ الزّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَل قَالَ: ((لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ. المقدرة فيها ببسط وتفصيل، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الوقوف على أصول المواريث في الإسلام، ومن أراد الإطلاع على أسرار الأحكام الجزئية منها فليراجع حجة الله البالغة (٢ : ١٢٠ إلى ١٢٢)، والله سبحانه وتعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم. باب: لا يرث المسلم الكافر ١ - (١٦١٤) - قوله: (عن علي بن حسين) هو المعروف بلقبه (زين العابدين) حفيد لسيدنا علي وابن لسيدنا حسين الشهيد ربه، وكان مع أبيه يوم قتل، وهو مريض، فسلم، وقال ابن وهب عن مالك: ((لم يكن في أهل بيت رسول الله ( 8* مثل علي بن الحسين)) سمي (زين العابدين) لكثرة عبادته، يقال: إنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات، وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين كان معاشهم؟ فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به من الليل. وذكر ابن عيينة عنه أنه حج، فلما أحرم اصفر لونه، ووقع عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: مالك لا تلبي؟ فقال: أخشى أن أقول: لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فقيل له: لا بد من هذا، فلما لبى غشي عليه، وسقط من راحلته. كذا في التهذيب (٧: ٣٠٥ إلى ٣٠٧). قوله: (عن عمرو بن عثمان) هو أكبر ولد سيدنا عثمان بن عفان ظبه الذين أعقبوا، وكان معاوية رُه زوجه بنته رملة، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى، وقال: كان ثقة، وله أحاديث، وقال العجلي: مدني ثقة من كبار التابعين، كذا في التهذيب (٨: ٢٨). وهذا من الأحاديث التي رواه آل علي عن آل عثمان، ﴿ه، وذلك مما يدل على حسن العلاقة بينهم، واستفادة بعضهم من بعض في أمور الدين. قوله: (عن أسامة بن زيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر، وفي المغازي، باب أين ركز النبي ◌ِّير، الراية يوم الفتح، ومالك في الفرائض، باب ميراث أهل الملل، وأبو داؤد في الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر؟ (رقم: ٢٩٠٩)، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر (رقم: ٢١٠٨)، وابن ماجه في الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، (رقم: ٢٧٢٩). قوله: (لا يرث المسلم الكافر) عليه عمل الأمة. فلا يرث المسلم كافراً عند الأئمة الأربعة ١٤ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ)). وفقهاء الأمصار، إلا ما روي عن معاذ بن جبل، ومعاوية ﴿ها: أنهما كانا يورثان المسلم من الكافر، من غير عكس، ويستدلان بقوله علّله: (الإسلام يزيد ولا ينقص) أخرجه أبو داؤد، والحاكم، وصححه، وتُعِقِّبَ بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ، وأجاب عنه الحافظ في الفتح (١٢: ٤٣) بأن سماعه منه ممكن. وروي مثل قولهما عن مسروق، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وإسحاق وغيرهم أيضاً، ولكن قال ابن قدامة في المغني (٦: ٢٩٤): ((وليس بموثوق به عنهم، فإن أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أن المسلم لا يرث الكافر)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما معاذ رضُبه، إن نسبة هذا القول إليه موثوقة، فقد أخرجه عنه أحمد بن منيع في مسنده بسند قواه الحافظ في الفتح (١٢ : ٤٣)، ومسدد في مسنده، وسكت عليه الحافظ، وكذلك معاوية رضيبه، فقد أخر ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن معقل، قال: ((ما رأيت قضاء أحسن من قضاء قضى به معاوية، نرث أهل الكتاب، ولا يرثونا، كما يحل النكاح فيهم، ولا يحل لهم)) ذكره الحافظ في الفتح، وسكت عليه. وأول شيخنا العثماني قولهما في إعلاء السنن (١٨: ٢٢٩) بأن الكافر إذا لم يترك وارثاً من أهل دينه، وترك قريباً له مسلماً، فتركته لبيت مال المسلمين وللإمام أن يصرفه باجتهاده ورأيه حيث شاء. فرأى معاذ ومعاوية فيها أن صرفه إلى قريبه المسلم أولى، تأليفاً لقلوب الداخلين في الإسلام، ولم يكن ذلك من باب التوريث بل من باب التأليف، فلما تقادم العهد، وجعله الناس من باب التوريث رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. وحجة الجمهور حديث الباب، وأما حديث: ((الإسلام يزيد ولا ينقص)) فليس نصاً في مسألة التوريث، بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الأديان، وأما قياس الوراثة على النكاح، فعلى كونه معارضاً لحديث الباب، ينقضه قياس آخر، وهو أن التوارث يتعلق بالولاية، ولا ولاية بين المسلم والكافر، وإن الذمي يتزوج الحربية ولا يرثها، وأيضاً، فإن الدليل ينقلب فيما لو قال الذمي: أرث المسلم، لأنه يتزوج إلينا . قوله: (ولا يرث الكافر المسلم) هذا مما أجمع عليه الفقهاء، غير أن أحمد بن حنبل قال في رواية الأثرم عنه: إن الكافر إن أسلم قبل قسمة الميراث، فإنه يرث المسلم، وهو مروي عن عمر، وعثمان، والحسن بن علي، وابن مسعود، رَّ، وبه قال جابر بن زيد، والحسن، ومكحول، وقتادة، وحميد، وإياس بن معاوية، وإسحاق. وأما الجمهور فلا فرق عندهم بين ما قبل القسمة وبعدها، فإن كان الرجل عند موت مورثه كافراً، فلا يرثه، وإن أسلم قبل قسمة الميراث، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو رواية أبي طالب عن أحمد. وبه قال علي، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والزهري، وسليمان بن يسار، والنخعي، والحكم، وأبو الزناد كما في الشرح الكبير لابن قدامة (٧: ١٦٠، ١٥ كتاب: الفرائض ١٦١) وهو مذهب الإمام البخاري رحمه الله، كما يظهر من ترجمته على حديث الباب. واستدل ابن قدامة لأهل القول الأول بما أخرجه سعيد بن منصور من طريق عروة، وابن أبي مليكة عن النبي ◌َّه: ((من أسلم على شيء فهو له))، ولا حجة لهم فيه، لأن معناه: أن الإسلام لا يخرج شيئاً عن ملك الإنسان، لا أنه يملك ما لم يكن يملكه قبل إسلامه . واستدل أيضاً بما أخرجه أبو داود عن ابن عباس مرفوعاً: ((كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام)) ولا حجة لهم فيه أيضاً؛ لأن مراده أن الأشياء إنما تقسم بعد مجيء الإسلام أصوله لا على أصول الجاهلية فلا تعرض له لما نحن فيه، وإنما يقول الجمهور: إن مقتضى قسم الإسلام أن لا يقسم للكافر من مورثه المسلم، وهذا حكم يدرك كل قسم بعد مجيء الإسلام. واستدل أيضاً بما أخرجه ابن عبد البر في التمهيد بإسناده عن يزيد بن قتادة العنبري(١) ((أن إنساناً من أهله مات على غير الإسلام، فورثته أختي، دوني، وكانت على دينه، ثم إن جدي أسلم، وشهد مع النبي ◌ّر حنيناً، فتوفي، فلبثت سنة، وكان ترك ميراثاً، ثم إن أختي أسلمت، فخاصمتني في الميراث إلى عثمان، فحدثه ابن أرقم أن عمر قضى أنه من أسلم على ميراث قبل أن يقسم فله نصيبه، فقضى به عثمان، فذهبت بذاك الأول، وشاركتني في هذا)) وقال ابن قدامة: ((وهذه قصة اشتهرت، فلم تنكر، فكان إجماعاً)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد ثبت عن عمر رضيالله يقول: ((لا يرث المؤمن الكافر)) عند البخاري في المناسك، باب توريث دور مكة، وظاهره أنه يأخذ بحديث الباب، فيمكن أن يكون المراد من قوله ((قبل أن يقسم)): قبل أن تقع المواريث، وحينئذ ينطبق أثره هذا على الحديث، فلا يترك به الحديث الصحيح الصريح، ولأن حق الورثة إنما يتعلق بتركة الميت فور وفاته، ولما كان الرجل حينئذ كافراً لم يتعلق حقه بها، وتعلق حق الآخرين، فلا يتغير الوضع بإسلامه بعده. وراجع أيضاً أحكام القرآن للجصاص (٢: ١٠٥)، وإعلاء السنن (١٨: ٣٣٠). تنبيه: إن هذا الحديث قال النبي وسي عند فتح مكة، وقصته ما أخرجه البخاري في المغازي باب أين ركز النبي ولو الراية يوم الفتح: ((عن أسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ قال النبي ◌َّي: وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ ثم قال: لا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن)». (١) وأخرجه أيضاً الطبراني، ورجاله رجال الصحيح خلا حسان بن بلال، وهو ثقة، كذا في مجمع الزوائد ٤/ ٢٢٦. ١٦ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١) - باب: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأَوْلى رجل ذكر ٤١١٧ - ١/٢ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ (وَهُوَ النَّرْسِيُّ). حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا. فَمَّا بَقِيَ (١) - باب: ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ ٢ - (١٦١٥) - قوله: (النرسي) بفتح النون، وسكون الراء، نسبة إلى (نرس) وهو نهر بالكوفة، عليه عدة قرى، كذا في حاشية التهذيب. قوله: (حدثنا وهيب) هو ابن خالد بن عجلان الباهلي، مولاهم، أبو بكر البصري، صاحب الكرابيس، كان من أثبت أهل البصرة في عصره، ويقال: إنه لم يكن بعد شعبة أعلم بالرجال منه، وثقه الجميع، كان قد سجن فذهب بصره، مات سنة خمس وستين ومائة. كذا في التهذيب (١١: ١٧٠). قوله: (عن ابن طاؤس) هو عبد الله بن طاؤس بن كيسان، وكان من خيار عباد الله فضلاً، ونسكا، ودينا. قال معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاؤس. وكان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقاً، كذا في التهذيب (٥: ٢٦٨)، وقد نقم عليه الروافض بسبب حديث الباب، لأنهم ينكرون التعصيب في الميراث، وسيأتي الكلام على ذلك في شرح الحديث إن شاء الله تعالی . قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، وباب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، والترمذي في الفرائض، (رقم: ٢٠٩٩)، باب الميراث للعصبة، وأبو داود في الفرائض، باب في ميراث العصبة، (رقم: ٢٨٩٨)، وابن ماجه في الفرائض، باب ميراث العصبة، (رقم: ٢٧٤٠). قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) المراد من الفرائض ههنا: الأنصباء المشاعة المقدرة في كتاب الله تعالى، وهي النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس، والمراد من أهلها : الذين يستحقونها بنص الشريعة . وجملة ذلك أن الشريعة قسمت الورثاء على أقسام ثلاثة: الأول: أصحاب الفروض، وهم الذين قررت لهم الشريعة سهاماً مشاعة، من النصف، والربع، وغيره، كالزوجين، والأم، وغيرهم. والثاني: العصبات: وهم أقارب الميت الذين لم يقدر لهم سهم، ولكنهم من أقاربه الذكور، كالابن أو يدلون إليه بالذكور، كالإخوة، والأعمام، وحكم هؤلاء أنهم يحوزون ما بقي من أصحاب الفروض، ويحجب الأقرب منهم الأبعد، وإن كانوا سواء في القرابة قسم حصة العصبات فما بينهم على السوية. والثالث: أولو الأرحام، وهم أقارب الميت الإناث، كالعمة، ١٧ كتاب: الفرائض فَهُوَ لأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)). أو الذين يدلون إليه بالإناث، كالخال، والخالة، وإنهم لا يرثون ما دام أحد من العصبات حياً، فإن لم يكن من العصبات أحد فحكمهم حكم العصبات. فالحديث يبين حكم القسمين الأولين فقط: وحاصله أن الفرائض تعطى لأصحاب الفروض، ثم ما بقي بعد ذلك يصرف إلى أقرب العصبات. قوله: (فهو الأولى) يعني: لأقرب، وهو مشتق من الولي، بسكون اللام، بمعنى القرب، وقد وقع في رواية ابن الحذاء، عن ابن ماهان، في صحيح مسلم: ((فهو لأدنى)) وهو أصرح في هذا المعنى، حكاه الحافظ في الفتح (١٢: ٩) عن القاضي عياض. وعلى كل حال، فالمراد منه أقرب العصبات، يعني أنه يحوز ما بقي من الفروض. قوله: (رجل ذكر) قيد الرجل بالذكر، مع أن كل رجل ذكر، للإيماء إلى أن سبب الميراث في هذا القسم هو الذكورة، أو إلى أن لفظ (الرجل إنما استعمل ههنا في مقابلة الأنثى، لا في مقابلة الصغير، فكل ذكر من العصبة وارث، سواء كان كبيراً أو صغيراً. وقد أطال الحافظ في الفتح (١٢: ٩ إلى ١٢) في توجيه هذا القيد، وحكى أقوال غير واحد من العلماء، ولكنها لا ترجع إلى كثير طائل، ومحصل البحث ما ذكرنا . ثم إن الذكورة شرط فيمن كان عصبة بنفسه، وأما العصبة بالغير، كالبنت مع الابن، أو العصبة مع الغير، كالأخت مع البنت، فإن إطلاق العصبة عليها مجاز، وإنما ترثان بنصوص أخرى، لا بهذا الحديث. وإن حديث الباب أصل في توريث العصبات، وقد أجمع علماء أهل السنة من أجل هذا الحديث على أن ما بقي من ذوي الفروض يصرف إلى أقرب العصبات. الرّد على الشيعة في إنكار التّعصيب وقد أنكر الروافض التعصيب، فالوراثة عندهم بالفرض، أو بالقرابة، ولا فرق في القرابة بين الذكور والإناث. فإذا كان الوارث لا فرض له، ولم يشاركه آخر، فالمال له، وإن شاركه من لا فرض له فالمال لهما، فإن اختلفت الوصلة فلكل طائفة نصيب من يتقرب به، كالخال والأخوال، مع العم أو الأعمام فللأخوال نصيب الأم، وهو الثلث، وللأعمام نصيب الأب، وهو الثلثان عندهم، فإن كان الوارث ذا فرض أخذ نصيبه، فإن لم يكن معه مساوٍ كان الرد عليه، إن كان معه مساوٍ ذو فرض حاز كل منهما فرضه وإن لم يكن المساوي ذا فرض كان له ما بقي، ولكن لا يشترط فيه الذكورة. هذا ملخص ما في شرائع الإسلام للحلي (٢: ١٨٠). ولما كان حديث الباب حجة عليهم، لأنه يشترط الذكورة فيما بقي من أصحاب الفروض، ١٨ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١١٨ - ٢/٣ - حدّثنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّأْسٍ، عَنْ أنكروا صحة هذا الحديث، وقد أخرج أبو جعفر الطوسي الشيعي في تهذيب الأحكام (٩: ٢٦٢): عن أبي طالب الأنباري، قال: ((حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثني سفيان عن أبي إسحاق، عن قاربة بن مضرب قال: جلست عند ابن عباس، وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس! حديث يرويه أهل العراق عنك، وطاؤس مولاك يرويه أن ما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر، قال: من أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أني أقول إن قول الله عز وجل: ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُنْ نَفْعًاً فَرِيضَةُ مِنَ اللَّهِ﴾ [سورة النساء، الآية: ١١] وقوله: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبٍ اَللَّهِ﴾ [سورة النساء: الآية: ٥٧]، وهل هذه إلا فريضتان؟ وهل أبقتا شيئاً؟ ما قلت هذا، ولا طاؤس يرويه عليّ، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاؤساً، فقال: لا والله، ما رويت هذا على ابن عبّاس قط، وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبد الله بن طاؤس، فإنه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك، وكان يحمل على هؤلاء القوم حملاً شديداً، يعني بني هاشم)). وأجاب عنه الحافظ في ترجمة عبد الله بن طاوس من التهذيب (٥: ٢٢٨) بأن هذ الخبر الذي رواه الطوسي خبر مجهول، لأن من دون الحميدي لا يعرف حاله، فلعل البلاء من بعضهم. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن الشيعة أنفسهم توجد عندهم روايات يثبت به التعصيب ولا محيص لهم من ذلك إلا القول بالتقية. فمنها ما ذكره الحر العاملي في وسائل الشيعة (١٧: ٤٣٢، رقم: ٣٢٥٣٠) ((عن أبي العباس فضل البقباق، عن أبي عبد اللّه ◌ُالَّله، قال: قلت: هل للنساء قود، أو عفو؟ قال: لا، وذلك للعصبة)) . ومنها ما ذكره أيضاً عن محمد بن عمر. ((أنه كتب إلى أبي جعفر ظلّلا يسأله عن رجل مات، وكان مولى لرجل، وقد مات مولاه قبله، وللمولى ابن وبنات، فسألته عن ميراث المولى، فقال: هو للرجال دون النساء)). ولكن قال العاملي بعد رواية هذين الخبرين: ((قد عرفت أنه محمول على التقية)) وإن من بلايا هذه الفرقة أنها كلما عورضت بأدلة في إبطال مذهبها أولتها بإنها تقية، وإن الشيطان سول لهم هذه التقية بحيث أحلّوا تحت ستارها كل كذب وخديعة، ونسبوها إلى سادات أهل البيت بكل وقاحة، وهم من ذلك أبرياء، ◌ّه، ولا ينفعهم بعد ذلك دليل، ولا يقنعهم برهان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. ١٩ كتاب: الفرائض رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ. قَالَ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا. فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلَأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ)). مسألة ميراث الحفيد عند وجود الابن ثم إن حديث الباب من أقوى الدلائل على أن الحفيد لا يرث مع الابن، لأن الابن عند وجوده أولى رجل ذكر، فيحوز المال، ويحرم الحفيد لكونه أبعد بالنسبة إليه. وهذا ما أجمعت عليه الأمة الإسلامية منذ القرون الأولى، لم يختلف فيه أحد من الفقهاء، حتى ظهرت في بلادنا طائفة مستغربة تحكم رأيها في جميع مسائل الشريعة، فشذت عن الأمة في كثير من المسائل منها هذه المسألة، فقالت: إن الحفيد إنما يحرم من الميراث عند وجود أبيه، لا عند وجود أعمامه، فيرث الحفيد اليتيم، وإن كان معه أبناء الميت الآخرون (غير والد ذلك الحفيد) ويكون في ذلك قائماً مقام أبيه . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِ كُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء، الآية: ١١] قالوا: إن لفظ: (الأولاد) يشمل الأحفاد أيضاً، ولذلك يرث الأحفاد بهذه الآية عند عدم الأبناء فينبغي أن يراد بها كل حفيد لا يحجبه أبوه. وإن دليلهم هذا ينبىء عن جهلهم بأصول الفقه. وذلك أن (الولد) يراد به الابن حقيقة، والحفيد مجازاً، وتقرر في أصول الفقه أن الجمع بين الحقيقة والمجاز في وقت واحد لا يجوز، فلا يراد به (الابن) (والحفيد) في قوت واحد، وإلا لزم أن يدخل في هذه الكلمات جميع الأحفاد وأحفادهم عند وجود أبناء الصلب، ويشاركوهم في الميراث، وهذا لا تقول به تلك الطائفة أيضاً . والحق أن في الآية احتمالين، لا ثالث لهما: إما أن نقول: إن المراد من (الأولاد) في الآية الأبناء فقط، ولا يراد بها الأحفاد إطلاقاً، وحينئذ إنما يرث الأحفاد عند عدم الأبناء بحديث الباب، لا بهذه الآية. وإما أن نقول: إن الأولاد يراد بهم أبناء الصلب عند وجودهم، والأحفاد عند عدمهم. وإرادة الحقيقة في حالة واحدة، والمجاز في حالة أخرى جائزة ولكن إذا أريد بهذا اللفظ الأبناء عند وجودهم، فلا يراد به إلا ذلك في تلك الحالة. وربما تأتي هذه الطائفة بدلائل عاطفية، حيث تقول. إن الإسلام قد عني برعاية حقوق اليتامى، فلا يمكن أن يكون قد حرمهم من ميراث جدهم. وهذا جهل بحقيقة نظام الميراث. فإن الوراثة، كما قدمنا في مقدمة كتاب الفرائض، لا تدور مع اليتم، ولا على الفقر والحاجة، وإنما تدور مع الأقربية. قال الله تعالى: ﴿لِلْرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَ لِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَّكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْبُونَ﴾ [سورة النساء، الآية: ٧]. وقال ◌َّ في حديث الباب: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر)). لو كان مدار الإرث على اليتم، والفقر، والحاجة لما ورث أحد من الأقرباء الأغنياء ٢٠ الجزء الثاني من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤١١٩ - ٣/٤ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ وذهب الميراث كله إلى اليتامى، والمساكين. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ اٌلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَ وَاَلْيَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (ج﴾ [سورة النساء: ٨] خاطب الله سبحانه في هذه الآية ورثة الميت، أن يدفعوا شيئاً مما حصلوا عليه بالميراث إلى أولي القربى، واليتامى والمساكين الذين لم يرثوا الميت. فتبين أن أولي القربى واليتامى لا يرثون الميت في كل حال، وأن معيار الإرث ليس هو القرابة المحضة ولا اليتم والمسكنة، وإنما هو الأقربية إلى الميت . وقد عقد البخاري رحمه الله لهذه المسألة باباً مستقلاً، وترجم له بقوله: ((باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن)) وأخرج فيه عن زيد بن ثابت ظله، أنه قال: ((ولا يرث ولد الابن مع الابن))، وزيد بن ثابت ربه أفرض الصحابة بنص الحديث. وقد ذكر الإمام أبو بكر الجصاص الرازي كثّفُ في (أحكام القرآن) (٢: ١٠١)، والعلامة العيني في (عمدة القاري) (٢٣: ٢٣٨) الإجماع على أن الحفيدي لا يرث مع الابن. وقد اعترض هؤلاء على قاعدة (الأقرب فالأقرب) بذكر بعض صور يرث فيها الحفيد مع البنت الصلبية، وهذا جهل أيضاً، فإن قاعدة (الأقرب فالأقرب) تجري فيما بين العصبات فقط، لا بين ذوي الفروض، لأن سهامهم قدرها الله سبحانه وتعالى بنفسه بحكمته البالغة التي ربما لا ندركها، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [سورة النساء، الآية: ١١]. فالبنت في الصورة المذكورة ذات فرض، لا علاقة لها بقاعدة (الأقرب فالأقرب)، ولا يوجد حينئذ من العصبات إلا الحفيد، وهو أولى رجل ذكر، فاستحق الميراث ولو كان معه عصبة أقرب، لما استحق ذلك. وإن جميع الصور التي ذكروها كنقض على قاعدة (الأقرب فالأقرب) كلها مبنية بخلط ذوي الفروض مع العصبات، مع أن حديث الباب يصرح بأن الأقربية إنما تعتبر بعد إلحاق الفرائض بأهلها . ثم إنهم يقولون بأن الحفيد إنما يستحق من الميراث قدر ما كان يستحقه أبوه لو كان حياً، وقد أداهم ذلك إلى ورطات كثيرة، فإنه يستلزم أن تحوز الحفيدة مالاً أكثر من البنات الصلبية، وذلك إذا ترك الميت بنتاً، وحفيدة، فتحوز البنت عند هذه الطائفة ثلثاً، والحفيدة ثلثين، لأنها عندهم قائمة مقام أبيها، ولو كان حياً استحق ضعف ما تستحقه البنت، فكذلك الحفيدة وهذا شيء تحكم ببطلانه البداهة وإنما وقعوا في هذه الورطة الشذوذهم عن الأمة في إهمال الأقربية، وإدارة الإرث على مجرَّد اليتم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولي في هذه المسألة