النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
كتاب: المساقاة
فَدَعَا لِي وَضَرَبَهُ. فَسَارَ سَيْراً لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ: ((بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ)) قُلْتُ: لاَ. ثُمَّ قَالَ: (بِعْنِيهِ))
فَبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ. وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ. فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ. ثُمَّ
قوله: (فدعا لي) وفي رواية أبي نعيم عند البخاري في الشرط: ((فضربه، فدعا له)) ولا
تعارض، إذ الدعاء للبعير كان من أجل جابر رضيُبه، فكان دعاء له وللبعير جميعاً .
قوله: (بوقية) اضطربت الروايات في تعيين الثمن الذي وقع عليه العقد في هذه القصة،
فالأكثرون على أن البيع وقع بوقية، من الفضة، وورد في الروايات الأخرى (وقية ذهب)،
و(أربع أواق)، و(خمس أواق)، و(مائتا درهم) و(عشرون ديناراً) وقد ذكرها البخاري تعليقاً في
الشروط، ووقع عند أحمد والبزار من رواية عليّ بن زيد عن أبي المتوكل (ثلاثة عشر ديناراً).
وقد تكلف بعض العلماء في الجمع بين هذه الروايات، وقد ساق الحافظ توجيهاتهم،
ولكن يعجبني قول القرطبي تخلُ حيث يقول: ((اختلفوا في ثمن الجمل اختلافاً لا يقبل التلفيق،
وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبني على أمر لم يصح نقله، ولا استقام ضبطه، مع أنه لا
يتعلق بتحقيق ذلك الحكم، وإنما تحصل من مجموع الروايات أنه باعه البعير بثمن معلوم بينهما،
وزاده عند الوفاء زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بتحقيق ذلك)).
وقال الإسماعيلي: ((ليس اختلافهم في قدر الثمن بضار، لأن الغرض الذي سيق الحديث
لأجله بيان كرمه وَ ◌ّل﴾، وتواضعه، وحنوه على أصحابه، وبركة دعائه، وغير ذلك، ولا يلزم من
وهم بعضهم في قدر الثمن توهينه لأصل الحديث)) وراجع لجميع هذه الأقوال فتح الباري (٥ :
٢٣٦).
وأما الإمام البخاري تَغَفُهُ فقد رجح رواية أوقية واحدة لكونها مروية عند الأكثر، وقد صرح
بترجيحه في كتاب الشروط من جامعه، وقد تبعه الحافظ في الفتح، وقال: ((وما جنح إليه
البخاري من الترجيح أقعد، وبالرجوع إلى التحقيق أسعد، فليعتمد ذلك، وبالله التوفيق)).
وفي الحديث جواز ابتداء المشتري بذكر الثمن، فإن النبي ◌َّلتر كان مشترياً، وهو الذي
ساوم بوقية .
قوله: (قلت: لا) وقد أسلفنا في الرضاع أنه رض ◌ُه عرضه على النبي ◌َّ هبة، فلم يرض إلا
أن يكون له بيعاً، ثم ساومه جابر، فلم يزل رسول الله وَّه يرفع الثمن إلى أن بلغ الأوقية،
فيحتمل أن يكون المنفي هنا نفس البيع، ويحتمل أن يكون الثمن الذي ساومه به .
ودل الحديث على أن إجابة الكبير بقول (لا) جائز في الأمر الجائز، وليس ذلك من سوء
الأدب إذا وقعت بذلك حاجة، والله أعلم.
قوله: (واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي) الحملان، بضم الميم، مصدر بمعنى الحمل،

٥٨٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَجَعْتُ. فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي. فَقَالَ: ((أَتْرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآَخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ.
فَهُوَ لَكَ)) .
والمفعول محذوف، والمعنى: (استثنيت حمله إياي إلى أهلي) وورد في رواية الإسماعيلي:
(واستثنيت ظهره إلى أن نقدم).
واستدل به من قال بجواز الشرط في البيع، كابن شبرمة، وأحمد بن حنبل، والبخاري
وغيرهم، رحمهم الله، وأجاب عنه الحنفية والشافعية بأن ركوب الجمل إلى المدينة لم يكن
شرطاً في البيع، وإنما كان إحساناً تبرع به رسول الله وَ* بعد العقد، وقد عبر عنه بعض الرواة
بلفظ الشرط أو الاستثناء مجازاً، وأجاب الطحاوي عنه بأنه لم يكن بيعاً في الحقيقة، وإنما كان
النبي ◌َّه يريد أن يحسن إلى جابر، فعقد معه هذا البيع صورة، ولذلك رد في الأخير البعير
والثمن كليهما، وستأتي هذه المسألة قريباً بجميع تفاصيلها إن شاء الله تعالى.
قوله: (أتراني ماكستك)؟ المماكسة: المناقصة في الثمن، وأشار بذلك إلى ما وقع بينهما
من المساومة عند البيع كما تقدم في الرضاع، والمراد: أتظن أنني ناقصتك الثمن لآخذ جملك؟
وفيه دليل لجواب الطحاوي المذكور آنفاً، فإنه يدل قريباً من الصراحة على أن البيع لم يكن
مقصوداً، وإنما كان المقصود الإحسان إليه بهذه الصورة.
قوله: (خذ جملك ودراهمك، فهو لك) وقد ذكرنا في الرضاع عن مسند أحمد (٣: ٣١٤)
أن جابراً ظ له احتفظ بالقيراط الذي زاده رسول الله وَّل، وبقي معه، حتى فقد في فتنة الحرة.
وأما الجمل فقد أخرج ابن عساكر عن جابر، قال: ((فأقام الجمل عندي إلى زمن عمر،
فقلت: يا أمير المؤمنين! هل لك بشيخ (يعني به ذلك الجمل) شهد بدراً، والحديبية؟ فقال:
جئني به، فبعث به إلى إبل الصدقة، وقال: ارعه أطيب المراعي، واسقه من أعذب الماء، فإن
توفي فاحفر له حفرةً فادفنه فيها)) قال عطاء بن مسلم: (إن عمر حفظ جملاً كان مع النبي بَّرَ،
فلهو بأمته أرحم) كذا في تهذيب تاريخ ابن عساكر (٣: ٧٨٧) ترجمة جابر بن عبد الله.
تفصيل مسألة الشرط في البيع:
وإن من أهم المسائل الفقهية التي تتعلق بهذا الحديث مسألة الشرط في البيع، ولما صارت
هذه المسألة ذات أهمية كبيرة في عصرنا، أردنا أن نشرحها ونشرح مذاهب الفقهاء فيها ببسط
يتضح به جميع نواحيها، ونسأل الله التوفيق للصواب والسداد.
فاعلم أن المراد من الشرط ههنا هو شرط يقترن بعقد البيع، ويضيف إليه شيئاً لم يكن
داخلاً فيه بنفس العقد، فإن كان ذلك الشيء محرماً في نفسه أو كان في وجوده غرر، فلا خلاف
في عدم جوازه.
وإن لم يكن محرماً في نفسه، ولا فيه غرر، فقد اختلف فيها الفقهاء على أقوال شتى:

٥٨٣
كتاب: المساقاة
فمنعه ابن حزم والظاهرية مطلقاً، وقالوا إنه يفسد البيع، وأجازه ابن شبرمة مطلقاً، فأجاز البيع
والشرط جميعاً، وأجاز ابن أبي ليلى البيع، دون الشرط، كذا في المحلى (٨: ٤١٢ و٤١٥)
وهو مذهب إبراهيم النخعي فيما أخرج عنه عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٥٦).
وأما الأئمة الأربعة فعندهم في هذه المسألة تفاصيل لا بد من دراستها :
مذهب الحنفية:
وخلاصة مذهب الحنفية في ذلك أنه إن كان شرطاً يقتضيه العقد، أو يلائم العقد، أو
شرطاً جرى به التعامل بين الناس، فهو جائز، ولا يفسد به البيع، ومثال الشرط الذي يقتضيه
العقد ما إذا باع بشرط أن يحبس المبيع إلى قبض الثمن، أو اشترى دابة بشرط أن يركبها، أو
اشترى حنطة في سنبلها وشرط الحصاد على البائع، والحق أن هذا النوع من الشروط ليس من
الشرط المبحوث فيه، لأنه لا يفيد إلا تأكيد ما وجب بنفس العقد، ولا يضيف إليه شيئاً.
ومثال الشرط الذي يلائم العقد ما إذا باع على أن يعطيه المشتري بالثمن رهناً أو كفيلاً،
والرهن معلوم، والكفيل حاضر، فقبل، فإنه جائز، كما في البدائع (٥: ١٧١)، وكذلك شرط
الحوالة شرط يلائم العقد، فيجوز كما في المبسوط السرخسي (١٣: ١٩) وفتح القدير (٥:
٢١٥).
ومثال الشرط الذي جرى به التعامل، ما إذا اشترى نعلاً على أن يحذوه البائع، أو جراباً
على أن يخرزه له خفا، قال السرخسي تَغْلَفُهُ في المبسوط: ((وإن كان شرطاً لا يقتضيه العقد، وفيه
عرف ظاهر، فذلك جائز أيضاً، كما لو اشترى نعلاً وشراكاً بشرط أن يحذوه البائع، لأن الثابت
بالعرف ثابت بدليل شرعي، ولأن في النزع عن العادة الظاهرة حرجاً بيناً)).
وقال الكاساني في البدائع ٥ : ١٧٢: ((والقياس أن لا يجوز، وهو قول زقر ◌َّفْهُ. وجه
القياس أن هذا شرط لا يقتضيه العقد، وفيه منفعة لأحد العاقدين، وإنه مفسد ... ولنا أن الناس
تعاملوا هذا الشرط في البيع، كما تعاملوا الاستصناع، فسقط القياس بتعامل الناس، كما سقط
في الاستصناع)).
وأما الشروط الأخرى التي لا تدخل في واحد من هذه الثلاثة، فإن كان فيها منفعة لأحد
العاقدين، أو للمعقود عليه، فإنها فاسدة، ويفسد بها البيع، مثل أن يشتري الحنطة على أن
يطحنها البائع، أو يتركها في داره شهراً، أو ثوباً على أن يخيطه، فالبيع فاسد، كما في فتح
القدير (٥: ٢١٥) وغيره.
وإن كان الشرط بحيث لا منفعة فيه لأحد العاقدين، ولا للمعقود عليه، فالشرط باطل،
والعقد صحيح، نحو ما إذا اشترى دابة أو ثوباً بشرط أن لا يبيع، كذا في المبسوط (١٣ : ١٥)،

٥٨٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وعلله في البدائع بقوله: ((لأن هذا شرط لا منفعة فيه لأحد، فلا يوجبه الفساد، وهذا لأن فساد
البيع في مثل هذه الشروط، لتضمنها الربا، وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها
عوض، ولم يوجد في هذا الشرط، لأنه لا منفعة فيه لأحد، إلا أنه شرط فاسد في نفسه، لكنه
لا يؤثر في العقد، فالعقد جائز، والشرط باطل)).
المذهب الشافعي:
وأما الشافعية فمذهبهم قريب من مذهب الحنفية، فالشرط الذي يقتضيه العقد صحيح
عندهم بداهة، لأنه معمول به من غير حاجة إلى أن يذكر.
وأما الشرط الذي يلائم العقد، فيدعى في المذهب الشافعي بالشرط الذي فيه مصلحة
العقد، أو الشرط الذي تدعو إليه الحاجة، وهو جائز عندهم بهذا التعبير، فقد ذكر الشيرازي في
المذهب (١: ٢٦٨): ((فإن شرط ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة، كالخيار، والأجل،
والرهن، والضمين، لم يبطل العقد، لأن الشرع ورد بذلك على ما نبينه في مواضعه إن شاء الله،
وبه الثقة، ولأن الحاجة تدعو إليه فلم يفسد العقد)).
ويرى أن تعبير الحنفية بالملائم أوفى بالمراد من تعبير الشافعية، فإن تعبير ((المصلحة)) أو
((الحاجة)) ظاهره العموم في كل مصلحة، وكل حاجة، ولكنهم لا يريدون ذلك العموم، وإنما
استثنوا بهذا التعبير صوراً مخصوصة، ذكرها الرملي في نهاية المحتاج (٣: ٤٣٥)، والخطيب
الشربيني في مغني المحتاج (٢: ٣٢).
وأما الشرط الذي جرى به التعامل فليس مستثنى من النهي عند الشافعية، كما هو مستثنى
عند الحنفية، غير أنهم يجوزون بيع العبد بشرط إعتاقه، لتشوف الشارع إلى العتق، ولحديث
بريرة ژا، وهذا خلاف القياس عندهم.
وأما الشرط الذي لا غرض فيه، ولا منفعة منه لأحد، فإنه يلغو عند الشافعية، ولا يفسد
به العقد، كما عند الحنفية سواء بسواء.
فالفرق الحقيقي بين المذهبين أن الحنفية يجوزون الشرط الذي جرى به التعامل، ولا
يجوزه الشافعية .
المذهب المالكي:
وإن المذهب المالكي من أدق المذاهب، وأكثرها تفصيلاً في مسألة الشرط، والفرق بينه
وبين المذهبين السابقين، أن الأصل فيهما حرمة الشرط، وللإباحة صور مستثناة، والأصل في
المذهب المالكي، على العكس من ذلك، إباحة الشرط، وللحرمة صور مستثناة، فلا يكون
الشرط في هذا المذهب فاسداً في موضعين:
أ.

٥٨٥
كتاب: المساقاة
الأول: إذا كان الشرط يناقض مقتضى العقد كما إذا اشترط البائع على المشتري ألا
يتصرف في المبيع، أو اشترط الزوج على الزوجة ألا ينفق عليها .
والثاني: إذا كان الشرط يخل بالثمن، بأن يزيده أو ينقصه إلى قدر غير معلوم، وهذا كبيع
اشترط فيه قرض، أو كبيع الوفاء، وصورته أن يبتاع سلعة على أن البائع متى ما رد الثمن،
فالسلعة له، ووجه فساد الشرط في هذا، كما يقول الخرشي، أن الشرط: ((يعود جهله في الثمن
إما بزيادة، إن كان الشرط من المشتري، أو بنقص، إن كان من البائع)).
والشرط الفاسد عندهم يبطل في جميع الأحوال، ولا يعمل به، وأما أثره في العقد فينقسم
إلى أقسام ثلاثة :
١ - إن الشرط الفاسد يبطل العقد، وذلك إنما يقع عادة إذا كان الشرط يناقض مقتضى ..
العقد، بحيث إذا أعمل الشرط لزم أن يختل العقد، فيبطل الشرط والعقد كلاهما إذا اشترط
البائع على المشتري أن لا يتصرف في المبيع، أو اشترط الواهب على الموهوب له أن لا يقبض
الهبة .
٢ - إن الشرط الفاسد يبطل وحده، ويبقى العقد جائزاً، ويبدو أن ذلك يقع فيما إذا ناقض
الشرط مقتضى العقد، ولكن العقد لا يختل إذا أعمل الشرط، كما إذا اشترطت الزوجة على
زوجها أن لا يتزوج عليها، أو ألا يطلقها، فحينئذ يبطل الشرط ويصح العقد.
٣ - إن الشرط الفاسد يبطل العقد إلا إذا نزل عنه المشترط، فيسقط الشرط ويبقى العقد،
وهذا فيما إذا كان الشرط يخل بالثمن، كما في بيع الوفاء وغيره.
وما سوى هذه الصورة من الشروط جائز عند مالك، فيجوز في مذهب مالك أن يشترط
البائع على المشتري أن يعتق العبد المبيع أو يقف الأرض المبيعة، مما يتضمن إيقاع معنى في
المبيع هو من معاني البر، وكذلك يجوز عنده أن يبيع الدار، ويشترط سكناها مدة معقولة، أو
الدابة، ويشترط ركوبها إلى مدة معلومة، أو مكان معلوم، أو الثوب، ويشترط عليه المشتري أن
يخيطه، أو الحنطة، ويشترط عليه أن يطحنها، وغير ذلك من الشروط التي فيها منفعة معقولة
لأحد المتعاقدين.
هذه خلاصة ما في بداية المجتهد (٢: ١٣٣ و٢٣٤)، ومواهب الجليل للخطاب (٤: ٣٧٣
و٣٧٥)، والخرشي (٥: ٨٠ و٨١)، ويقول ابن رشد في بداية المجتهد: ((ويرى أصحابه أن
مذهبه هو أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الأحاديث كلها، والجمع عندهم أحسن من
الترجيح)).

٥٨٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المذهب الحنبلي:
أما المذهب الحنبلي فيقول: إن الشرط إذا كان أكثر من الواحد فسد الشرط والعقد جميعاً
على الإطلاق، مثل أن يشتري ثوباً بشرط أن يخيطه البائع ويغسله، فهذان شرطان، ويفسد به
العقد، إلا إذا كان الشرطان مما يلائم العقد، مثل شرط الرهن وتسليم المبيع.
وأما إذا كان الشرط واحداً فمذهبه يقارب المذهب المالكي مع فرق يسير في التعبير،
وراجع له مغني ابن قدامة (٤: ٢٤٩).
الأحاديث الواردة في الباب:
وأما الأحاديث الواردة في الباب فثلاثة، وقد جمعتها قصة عبد الوارث بن سعيد، فنوردها
بتمامها، لما فيها من فوائد:
أخرج ابن حزم في المحلى (٨: ٤١٥)، والحاكم في معرفة علوم الحديث (ص: ١٢٧)
عن عبد الوارث بن سعيد، قال: ((فوجدت بها أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت
أبا حنيفة عمن باع بيعاً، واشترط شرطاً، فقال: البيع باطل، والشرط باطل، ثم سألت ابن أبي
ليلى عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط باطل، ثم سألت ابن شبرمة عن ذلك، فقال: البيع
جائز، والشرط جائز، فرجعت إلى أبي حنيفة، فأخبرته بما قالا، فقال: لا أدري ما قالا، حدثنا
عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: ((أن رسول الله وَليل نهى عن بيع وشرط، البيع باطل،
والشرط باطل)).
((فأتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قالا، فقال: لا أدري ما قالا، حدثنا هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين: أن رسول الله وَ لقول قال: اشتري بريرة، واشترطي لهم الولاء،
البيع جائز، والشرط باطل)).
«فأتيت ابن شبرمة، فأخبرته بما قالا، فقال: لا أدري ما قالا، حدثنا مسعر بن كدام، عن
محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله أنه باع من رسول الله وَ يقر جملاً، واشترط ظهره إلى
المدينة، البيع جائز، والشرط جائز)) .
فهذه هي الأحاديث الثلاثة التي يدور عليها الكلام في مسألة الباب، فأما حديث
بريرة ينا، فقد استوفينا الكلام عليه في آخر كتاب العتاق، وقد ذكر هنالك وجه الجواب عن
استدلال ابن أبي ليلى به، وبقي الحديثان، فلنتكلم عليهما هنا، والله سبحانه الموفق.
أولهما حديث النهي عن بيع وشرط، وقد روي بطريقين:
الأول: ما أخرجه الترمذي في باب كراهية بيع ما ليس عنده من طريق أيوب، عن عمرو بن

٥٨٧
كتاب: المساقاة
شعيب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَ ل ري قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان
في بيع)) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. واستدل به أحمد وإسحاق على جواز الشرط
الواحد في البيع، ومنع الشرطين.
والثاني: ما رواه أبو حنيفة تَّفُهُ، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ((أن النبي ◌َّ
نهى عن الشرط في البيع))، كما في جامع المسانيد (٢: ٢٢)، واستدل به أبو حنيفة والشافعي
رحمهما الله على أن الأصل في الشرط عدم الجواز، سواء كان واحداً أو أكثر.
وقال شيخنا العثماني كَثُ في إعلاء السنن (١٢ : ١١٢): ((يمكن أن يكون عمرو بن شعيب
يروي عن أبيه عن جده كلتا الروايتين، فروى عنه أبو حنيفة رواية، وروى عنه آخرون رواية
أخرى، والثاني أن يقال: إن أصل الرواية كان أنه نهى عن شرطين في بيع، إلا أن أبا حنيفة رواه
بالمعنى، لأن معنى الشرطين في البيع: هو البيع والشرط، لأن البيع نفسه شرطاً، فإذا شرط في
البيع شرط آخر اجتمع فيه شرطان، كذا قاله الطحاوي في معاني الآثار ... وأيضاً لا وجه
لجواز الشرط وعدم جواز الشرطين، وأيضاً: كل شرط متضمن لشرطين: شرط الوجود، وشرط
العدم، فلا يخلو بيع الشرط عن الشرطين، فلا يجوز لوجود الشرطين)).
وثاني الحديثين حديث الباب، حديث جابر ربه، فإنه باع جمله من النبي ◌ّ على أن
يركبه إلى المدينة .
وخلاصة الكلام في هذا الحديث أن هذه القصة قد رويت بألفاظ مختلفة، يدل بعضها على
أن الركوب كان شرطاً في العقد، كما في قوله في الباب: (واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي))،
ويدل بعضها على أنه لم يكن مشروطاً في العقد، ووقع البيع مطلقاً، ثم تبرع به النبي وَّر، ومن
أصرح ما يدل على ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣١٤) أن رسول الله وسلم قال لجابر:
((أخذته بأوقية، اركبه)) ففصل بين البيع، وبين قوله ((اركبه))، بل وقع عند أحمد في غير هذا
الموضع من مسنده (٣: ٣٥٨): «قال: فنزلت من الرحل إلى الأرض، قال: ما شأنك؟ قال:
قلت: جملك! قال: قال لي: اركب جملك، قال: قلت: ما هو بجملي، ولكنه جملك، قال:
كنا نراجعه مرتين في الأمر إذا أمرنا به، فإذا أمرنا الثالثة لم نراجعه، قال: فركبت الجمل)) فإن
هذا السياق صريح في أن جابراً رُه قد سلم الجمل إلى النبي وَّر، ولم يرض بالركوب عليه،
إلا بأمر متكرر من النبي وَلّ، فضلاً عن أن يكون شرطه في العقد.
وقد ذكر البخاري تَّفُ في كتاب الشروط أن الروايات التي وردت بألفاظ الاشتراط أكثر
وأصح، وتعقبه شيخنا العثماني تَّفُ في إعلاء السنن (١٢: ١٠٩) بأن رواة عدم الاشتراط أكثر
وأقوى، فساق جميع الروايات، وتكلم عليها متناً وإسناداً .

٥٨٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ولو سلمنا قول البخاري كَثْتُهُ، فإنه يمكن أن تكون صيغ الاشتراط من تصرف الرواة، وأن
يكون الرواة عبروا عنه بصيغ الشرط لما أن التبرع قد وقع بعد البيع متصلاً، بخلاف سياق ما
أسلفنا من رواية أحمد. فإنها صريحة في كون الركوب تبرعاً ولا يمكن حملها على الاشتراط،
وهو الذي يطمئن إليه القلب نظراً إلى وجود النبي و ل#، وثقة الصحابة به، فلا يظن بجابر أن
يخاف عند البيع أن النبي وَلّر يتركه راجلاً في الصحراء، حتى يشترط ركوبه في صلب العقد
معه ◌َله، والظاهر من مثله أن يكون قد عقد البيع مطلقاً عن شرط ثقة بجود النبي وَ طهو وقد صدق
النبي ◌ِّ ثقته بعد البيع فعلاً، فأمره بالركوب، فيمكن أن يكون بعض الرواة قد عبر ثقته هذا
بصيغ الاشتراط، وذكر الآخرون حقيقة الأمر، فلم يعبروا عنه بالاشتراط.
ثم هناك ناحية أخرى، توجه إليها الطحاوي تغذُّ في شرح معاني الآثار، وهي أن النبي وَلّ
لم يكن في هذه القصة قصد البيع أصلاً، وإنما كان يريد أن يحسن إلى جابر رائه بإيصال ثمن
الجمل إليه، واحتال لأجل ذلك بصورة عقد البيع، ولهذا رد الجمل إلى جابر ربه بعد الوصول
إلى المدينة، ولم يمسكه بنفسه، ويدل عليه قوله فعال في الباب: ((أتراني ماكستك لآخذ جملك
ودراهمك، فهو لك)).
فمن هذه الجهة لا يستقيم الاستدلال بهذه القصة على أحكام البيوع المقصودة.
وقد وردت آثار في تأييد من يمنع الاشتراط:
فمنها ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٨٢) عن زينب امرأة عبد الله بن
مسعود أنها باعت عبد الله جارية، واشترطت خدمتها، فذكر ذلك لعمر، فقال: لا يقربنها، ولا
أجد فيها مثوبة .
ومنها ما أخرجه الطحاوي أيضاً عن ابن عمر قال: ((لا يحل فرج إلا فرج إن شاء صاحبه
باعه، وإن شاء وهبه، وإن شاء أمسكه، لا شرط فيه)).
وبالجملة، فالمسألة مجتهد فيها منذ عهد الصحابة والتابعين، وإن مذاهبهم المختلفة مروية
عند عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٥٦ إلى ٦٠)، ولذلك جاز عند الحنفية الشرط الذي يلائم
العقد، أو جرى به التعامل.
وقد كثرت في عهدنا أنواع الشروط في البيوع والإجارات وغيرها، فكل ما جرى به
التعامل العام كان جائزاً، مثل ما تعورف في العالم كله أن مشتري الثلاجات، والدافئات،
والماكينات الأخرى يشترط على البائع القيام بتصليحها كلما عرضها فساد في حدود مدة معلومة،
كالسنة أو السنتين مثلاً، فإن هذا الشرط جائز لشيوع التعامل بها .
وهل يجوز إحداث مثل هذه الشروط بتقنين من قبل الحكومة، دون أن يكون فيها تعامل

٥٨٩
كتاب: المساقاة
٤٠٧٥ - (٠٠٠) وحدّثناه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عيسَى (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) عَنْ
زَكَّرِيَّاءَ، عَنْ عَامِرٍ. حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
٤٠٧٦ - (١١٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ)
(قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ. فَتَلاَحَقَ بِي. وَتَحْتِيَ نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا وَلاَ
يَكَادُ يَسِيرُ. قَالَ: فَقَالَ لِي: ((مَا لِبَعِيرِكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ. قَالَ: فَتَخَلَّفَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَه فَزَجَرَهُ وَدَعَا لَهُ. فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ. قَالَ: فَقَالَ لِي:
((كَيْفَ تَرَىُ بَعِيرَكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرِ. قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ. قَالَ: ((أَفَتَبِعُنِيهِ؟)) فَاسْتَحْيَيْتُ.
وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحْ غيْرُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ. عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ
الْمَدِينَةَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَرُوسٌ فَاسْتَأْذَنْتُهُ. فَأَذِنَ لِي. فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ
سابق؟ لم أر حكم ذلك صريحاً في كلام الفقهاء، والذي يظهر أن ذلك يجوز، ما لم يؤد ذلك
إلى الربا، فإن العلة في منع الاشتراط هو الإفضاء إلى النزاع، كما صرح به ابن عابدين كثُّهُ في
رسائله .
فكما أن النزاع يرتفع بالتعامل السابق، فإنه يرتفع أيضاً بتقنين من قبل الحكومة، ويحدث
به تعامل لاحق، فلا وجه لمنعه، إلا إذا أدى ذلك إلى الربا المحرم قطعاً. ثم إن حكم الحاكم
رافع للخلاف في الأمور المجتهد فيها، فلو وقع التقنين عملاً بمذهب المالكية، أو الحنابلة،
جاز من هذا الوجه أيضاً. ولذلك نرى أن العثمانيين قد أدخلوا تعديلاً في مجلة الأحكام
العدلية، بإضافة مادة جديدة على الوجه الآتي: ((البيع بشرط يعود نفعه على أحد العاقدين
صحيح، والشراء معتبر، فإذا باع فرساً على أن يركبها مدة كذا، أو اشترى المشتري شيئاً مقابل
سكنى داره المعلومة، فذلك البيع صحيح، الشرط معتبر)). وجاء في المذكرة التفسيرية لهذه
المادة: ((إن تقييد البيع بشرط (على)، كما إنه لا يجوز عند الحنفية، كذلك لم تجزه المالكية (؟)
والشافعية. وفي زماننا هذا نرى أن البيوع تعقد خلافاً لهذه المذاهب الثلاثة، فوجب القول بما
تقول به الحنابلة لتقريب أعمال الناس إلى الجواز، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً)).
نقله الأستاذ عبد الرزاق السنهوري في كتابه (مصادر الحق في الفقه الإسلامي) (٣: ١٧٦)
طبع ثالث ١٩٦٧ م، والله سبحانه وتعالى أعلم، وعلمه أتم وأحكم.
١١٠ - (٠٠٠) - قوله: (فتلاحق بي) يعني: لحقني من خلفي.
قوله: (على أن لي فقار ظهره) الفقار بفتح الفاء، جمع الفقارة، وهي خرزة من عظام
الظهر، وهو كناية عن الركوب.
قوله: (إني عروس) العروس يستعمل للرجل والمرأة كليهما، فإذا استعمل للرجل جمع

٥٩٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلَى الْمَدِينَةِ. حَتَّى انْتَهَيْتُ. فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ. فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ.
فَلاَمَنِي فِيهِ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ قَالَ لِي حِيْنَ اسْتَأْذَنْتُهُ: ((مَا تَزَوَّجْتَ؟ أَبِكْراً أَمْ
ثَيِّباً؟)) فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّباً. قَالَ: ((أَفَلاَ تَزَوَّجْتَ بِكْراً تُلاعِبُكَ وَتُلاَعِبُهَا؟)) فَقُلْتُ لَهُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! تُوُفِّيَ وَالِدِي (أَوِ اسْتُشْهِدَ) وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ. فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ إِلَيْهِنَّ
مِثْلَهُنَّ. فَلاَ تُؤَدِّبُهُنَّ وَلاَ تَقُومُ عَلَيْهِنَّ. فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّباً لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبَهُنَّ. قَالَ: فَلمَّا قَدِمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِ الْمَدِينَةَ، غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَّنَهُ، وَرَدَّهُ عَلَيَّ .
٤٠٧٧ - (١١١) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ .
فَاعْتَلَّ جَمَلِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ لِي: ((بِعْنِي جَمَلَكَ هُذَا)) قَالَ: قُلْتُ:
لاَ. بَلْ هُوَ لَكَ. قَالَ: ((لاَ. بَلْ بِعْنِيهِ)). قَالَ: قُلْتُ: لاَ. بَلْ هُوَ لَكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
((لاَ. بَلْ بِعْنِيهِ)). قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوْقِيَّةَ ذَهَبٍ. فَهُوَ لَكَ بِهَا. قَالَ: ((قَدْ أَخَذْتُهُ.
فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ)) قَالَ: فَلَّمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهْ لِبِلاَلٍ: ((أَعْطِهِ أُوقِيَّةٌ
مِنْ ذَهَبٍ. وَزِذْهُ)) قَالَ: فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ. وَزَادَنِي قِيرَاطاً. قَالَ: فَقُلْتُ: لاَ تُفَارِقُنِي
زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ بَِّ. قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي. فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ.
٤٠٧٨ - (١١٢) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِیَادٍ. حَدَّثَنَا
على (عرس) بضم العين والراء، وإذا استعمل للمرأة جمع على (عرائس)، وتقدم شرح باقي
الحديث في الرضاع.
قوله: (تلاعبك وتلاعبها) قد مرَّ تفسير هذه الجملة بما فيها من فوائد، في باب استحباب
نكاح الأبكار من كتاب الرضاع.
قوله: (سالم بن أبي الجعد) بسكون العين، تابعي ثقة مشهور.
قوله: (في طريق مكة إلى المدينة) هذا مما يؤيد كون هذه القصة في غزوة ذات الرقاع،
لأن طريقها كانت ملاقية بطريق مكة، وقد أسلفنا الكلام في ذلك في الرضاع.
١١١ - (٠٠٠) - قوله: (فَتَبَلَّغْ عليه إلى المدينة) صيغة أمر، يعني: توصل بها يا جابر إلى
المدينة ولا تسلمها إليّ في هذا الوقت.
قوله: (فكان في كيس لي) فيه جواز التبرك بآثار الصالحين.
١١٢ - (٠٠٠) - قوله: (أبو كامل الجحدري) بفتح الجيم والدال، كما في المغني. نسبة
إلى جحدر، وهو اسم رجل كما في الأنساب للسمعاني (٣: ٢٠٦) واسمه فضيل بن حسين بن
طلحة البصري، قال أحمد: بصير بالحديث متقن، كذا فى التهذيب (٨: ٢٩١).

٥٩١
كتاب: المساقاة
الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ فِي سَفَرٍ .
فَتَخَلَّفَ نَاضِحِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللّهِ وَ لَهِ. ثُمَّ قَالَ لِي: ((ارْكَبْ
بِاسْمِ اللَّهِ). وَزَادَ أَيْضاً: قَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي وَيَقُولُ: ((وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ)).
٤٠٧٩ - (١١٣) وحدّثني أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: لَمَّا أَتَّى عَلَيَّ النَّبِيُّ بَّهِ، وَقَدْ أَعْيَا بَعِيرِي، قَالَ: فَنَخَسَهُ فَوَثَبَ
فَكُنْتُ بَعْدَ ذُلِكَ أَخْبِسُ خِطَامَهُ لأَسْمَعَ حَدِيثَهُ، فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ نَّهِ فَقَالَ:
(بِعْنِيهِ)) فَبِعْتُهُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوَاقٍ. قَالَ: قُلْتُ: عَلَى أَنَّ لِي ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: ((وَلَكَ
ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ)) قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِهِ، فَزَادَنِي وُقِيَّةً، ثُمَّ وَهَبَهُ لِي.
٤٠٨٠ - (١١٤) حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا
بَشِيرُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيّ،َ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: سَافَرْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَلِهِ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ. (أَظُنُّهُ قَالَ غَازِياً). وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ: قَالَ:
((يَا جَابِرُ! أَتَوَقَّيْتَ الثَّمَنَ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ الْجَمَلُ. لَكَ الثَّمَنُ وَلَكَ
الْجَمَلُ» .
٤٠٨١ - (١١٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
قوله: (الجريري) بضم الجيم مصغراً، نسبة إلى جرير بن عبادة بن ضبيعة، واسمه سعيد بن
إياس، ثقة من أهل البصرة، تغير في آخر عمره.
قوله: (أبي نضرة) بسكون الضاد، تابعي معروف، اسمه المنذر بن مالك بن قطعة، وثقه
أكثر العلماء، ولم يحتج به البخاري، كما في التهذيب (١٠: ٣٠٣).
قوله: (فنخسه) يعني : طعنه بعنزة كانت معه .
قوله: (وزاد أيضاً) لعله من كلام مسلم، يعني: زاد هذا الراوي جملة تالية، وأما قوله:
((فما زال يزيدني)) فمن كلام جابر، يعني لم يزل رسول الله وَّل يزيدني في ثمنه، ويستغفر لي.
١١٣ - (٠٠٠) - قوله: (العتكيّ) بفتح العين والتاء، نسبة إلى العتيك بن أزد، كما في
المغني .
قوله: (لأسمع حديثه) يعني: حديث النبي ◌َّر، والمراد أني كنت أحبس خطامه، ليتمهل
في السير، ويمكن لي سماع حديث النبي ◌َّ، فلا أقدر على ذلك لسرعته.
١١٤ - (٠٠٠) - قوله: (عقبة بن مكرم العميّ) هو مكرم من باب الإفعال، والعمي: بتشديد
الميم والياء، منسوب إلى بني العم من تميم.

٥٩٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مُحَارِبٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَىْ مِنِّي رَسُولُ اللّهِ نَّهِ بَعِيراً بِوُقِيَّتَيْنِ
وَدِرْهَمْ أَوْ دِرْهَمْيْنٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ صِرَاراً أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ. فَأَكَلُوا مِنْهَا. فَلَمَّا قَدِمَ
الْمَدِينَةُ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. وَوَزَّنَ لِي ثَمَنَ الْبَعِيرِ فَأَرْجَحَ لِي.
٤٠٨٢ - (١١٦) حدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ. أَخْبَرَنَا مُحَارِبٌ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّةِ، بِهِذِهِ الْقِصَّةِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَاشْتَرَاهُ مِنِّي
بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْوُقِيَّتَيْنِ وَالدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمِيْنِ. وَقَالَ: أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَنُحِرَتْ، ثُمَّ
قَسَمَ لَحْمَهَا .
٤٠٨٣ - (١١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنٍ
جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ لَهُ: ((قَدْ أَخَذْتُ جَمَلَكَ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ.
وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ)).
(٢٢) - باب: من استسلف شيئاً فقضى
خيراً منه، و((خيركم أحسنكم قضاء)»
٤٠٨٤ - (١١٨) حدّثنا أَبُو الظَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ؛ أَنَّ
قوله: (بشير بن عقبة) الناجيّ السامي، ويقال: الأزدي، أبو عقيل الدورقي البصري، ثقة
صالح الحديث، كما في التهذيب ١ : ٤٦٦.
قوله: (الناجيّ) بتخفيف الجيم وتشديد الياء، منسوب إلى بني ناجية، مر غير مرة.
١١٥ - (٠٠٠) - قوله: (قدم صرارً) بكسر الصاد على الأفصح، وقيل: بفتحها، موضع
قريب من المدينة بثلاثة أميال، وقيل: بئر: وقد رواه بعضهم غير منصرف، والصرف أصح.
قوله: (فأصلي ركعتين) فيه استحباب الركعتين للقادم من سفر، وأن يبدأ بالمسجد قبل
إتيان بيته .
قوله: (يحيى بن حبيب الحارثي) هو أبو زكريا: البصري، روى عنه الجماعة إلا
البخاري، قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة مأمون قل شيخ رأيت بالبصرة مثله.
قوله: (محارب) يعني: ابن دثار، تابعي معروف.
(٢٢) - باب: جواز اقتراض الحيوان إلخ
١١٨ - (١٦٠٠) - قوله: (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب الفقيه المشهور.
قوله: (عن أبي رافع) القبطي، مولى رسول الله وَّر، اختلفوا في اسمه اختلافاً شديداً،

٥٩٣
كتاب: المساقاة
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْراً. فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِيلٌ مِنْ إِلِ الصَّدَقَةِ. فَأَمَرَ أَبَا رَافِع
وهو معروف بكنيته، كان مولى العباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي وَل﴾، فأعتقه لما بشره
بإسلام العباس بن عبد المطلب، والمحفوظ أنه أسلم لما بشر العباس بن عبد المطلب بأن
النبي وَلّ انتصر على أهل خيبر، وذلك في قصة جرت، وكان إسلامه قبل بدر، ولم يشهدها،
وشهد أحداً وما بعدها. كذا في الإصابة (٤: ٦٨).
وحديثه هذا أخرجه أيضاً النسائي في البيوع، باب استسلاف الحيوان واستقراضه، وأبو
داود، (رقم: ٣٣٤٦) في البيوع، باب حسن القضاء، والترمذي (رقم: ١٣١٨) في البيوع، باب
ما جاء في استقراض البعير، ومالك في البيوع، باب ما يجوز من السلف.
قوله: (استسلف من رجل بكراً) يعني: اقترض بعيراً، والبكر، بفتح الباء: الصغير من
الإبل، كالغلام في الآدميين، والأنثى بكرة.
استدل به الفقهاء الحجازيون على جواز قرض الحيوان، فقال الشافعي ومالك رحمهما
الله: يجوز قرض كل حيوان إلا الجواري، وكذلك قال أحمد كَّهُ، وفي الجواري عنه روايتان،
أصحها أنه يجوز، غير أنه لا يجوز لمستقرض الجارية أن يرد عينها، وإنما يرد مثلها أو قيمتها .
وروي عن ابن سيرين والطبري أنهما يقولان بجواز قرض الجواري مطلقاً. هذه خلاصة ما في
المغني لابن قدامة (٤: ٣٥٠ و٣٥١)، والأبي (٤: ٢٩٢)، والأم للشافعي (٣: ١٢٢).
وأما أبو حنيفة تَغْلَفُهُ، فلا يجوز عنده قرض شيء من الحيوان، فإن قبضه رجل بحكم
القرض وجب عليه رده، ولا يجوز الانتفاع به، وهو قول عبد الله بن مسعود، وحذيفة،
وعبد الرحمن بن سمرة، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وسائر الكوفيين، فيما حكى عنهم
ابن عبد البر في الاستذكار، وراجع الجوهر النقي، مع البيهقي (٥: ٣٥٣).
وحجة أبي حنيفة تغّفُ أن القرض إنما يصح في ذوات الأمثال، لأن حقيقة القرض تمليك
الشيء بشرط رد مثله، وذلك إنما يمكن فيما له مثل من المكيلات والموزونات، والعدديات
المتقاربة، وما ليس له مثل لا تتأتى فيه حقيقة القرض، والحيوان من ذوات القيم، وليس من
ذوات الأمثال، فلا يجوز فيه القرض والاقتراض.
وتدل على منع قرض الحيوان والسلم فيه عدة آثار عن أجلة الصحابة
١ - عن القاسم بن محمد، قال: قال عمر بن الخطاب: ((إنكم تزعمون أنا لا نعلم أبواب
الربا، ولأن أكون أعلمها أحب إلي من أن يكون لي مثل مصر وكورها، ومن الأمور أمور لا
يكن يخفين على أحد: هو أن يبتاع الذهب بالورق نسيئاً، وأن يبتاع الثمرة وهي معصفرة لم
تطب، وأن يسلم في سن)) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٢٦، رقم: ١٤١٦١) من طريق ابن
عيينة، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه (٦: ٢٣) مقتصراً
على قوله: ((وأن يسلم في سن)).

٥٩٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
ولا وجه لعدم جواز السلم في الحيوان إلا أنه لا يضبط بالوصف، فإذا لم يجز السلم فيه،
فعدم جواز القرض أولى، وقد عده سيدنا عمر ربه من الأمور التي لا تخفى على أحد، فتبين
أنه كان معروفاً لدى الصحابة
٢ - عن إبراهيم النخعي أن عبد الله - ابن مسعود - كره السلف في الحيوان، أخرجه عبد
الرزاق في مصنفه (٨: ٢٣ و٢٤، رقم: ١٤١٤٨).
٣ - عن عبد الرحمن بن القاسم أن عمر كرهه. أخرجه عبد الرزاق أيضاً.
وقد أسند الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٩١) عدم جواز قرضه إلى حذيفة بن
اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة أيضاً، كما أسلفنا عن الجوهر النقي، وكذلك أسنده عبد الرزاق
إلى شريح، وسعيد بن جبير، رُّ أجمعين.
واستدل الإمام السندي تخلّفُ على مذهب الحنفية بحديث سمرة أن النبي ◌َّ نهى عن بيع
الحيوان بالحيوان نسيئة، أخرجه أصحاب السنن، وقال السندي تخلّفُهُ: ((وذلك لأن الاستقراض
في الحيوان بيع، بخلافه في الدراهم، لأنها لا تتعين، فيكون رد المثل في الدراهم كرد العين،
والحيوان يتعين، فرد المثل فيه رد للبديل، وهو بيع)) راجع حاشية السندي على النسائي (٧:
٢٩٢ طبع مصر).
واستدل ابن التركماني وغيره على مذهب الحنفية بما مر في العتاق من حديث ابن عمر
المرفوع أن النبي وَل﴿ قضى فيمن أعتق نصف عبد مشترك بقيمة نصف شريكه، ولم يوجب عليه
نصف عبد، فإنه لو كان ثبوت الحيوان في الذمة جائزاً لقضى النبي تلف نصف عبد، لا قيمته.
واعترض عليه الشافعية بأن الحيوان يثبت في الذمة في النكاح، والخلع، والصلح عن دم
العمد، فينبغي أن يجوز القرض أيضاً.
وأجاب عنه السرخسي في المبسوط (١٤: ٣٢) بقوله: ((إنه لا يمكن إثبات الحيوان ديناً
في الذمة بمقابلة ما هو مال، مع اعتبار المعادلة في المالية، لأنه لا يصار في المستهلكات إلى
القيمة إلا عند تعذر إيجاب المثل، وموجب القرض ثبوت المثل في الذمة، بشرط المعادلة في
المماثلة، فإذا تعذر ذلك في الحيوان لم يجز استقراضه، وبه فارق ثبوت الحيوان في الذمة بدلاً
عما ليس بمال، لأن ذلك ليس شرط المعادلة في المماثلة، مع أنه لا يثبت في الذمة ثبوتاً
صحيحاً، حتى لو أتاها بالقيمة أجبرت على قبوله، ولا مدخل لذلك في القرض ابتداء)).
وأما حديث الباب فأجاب عنه الحنفية بوجوه:
١ - إنه منسوخ، ودليل النسخ أن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة كان جائزاً في بداية الأمر،
كما يدل عليه ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٨٩) عن عبد الله بن عمرو: ((أن

٥٩٥
كتاب: المساقاة
أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَّ خِيَاراً
رسول الله وَّ أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فجعل
يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)) ثم وقع النهي عن ذلك في حديث ابن عباس وسمرة بن
جندب ◌ّ: ((نهى رسول الله وَّر عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) أخرجه النسائي والترمذي
وابن ماجه والطحاوي وغيرهم، وقد بسط الكلام على إسناد الحديثين شيخنا العثماني تَّتْهُ في
إعلاء السنن (١٤ : ٢٨٠).
فلما ثبت أن بيع الحيوان نسيئة منسوخ، فليكن كذلك اقتراض الحيوان، لأن علة النهي
مشتركة، وهي عدم ضبطه بالوصف، وعدم وجود مثله.
ثم قد أسلفنا عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن
ابن سمرة، رؤّ أنهم حرموا قرض الحيوان، فلولا أن جوازه كان منسوخاً، لما أفتى هؤلاء
بالحرمة، وقد صرح سيدنا عمر رضيُه أن كراهة السلم في الحيوان أمر لا يخفى على أحد، فدل
على أن نسخ جوازه كان مشهوراً فيما بين الصحابة
٢ - وأجاب السرخسي عن حديث الباب بطريق آخر، فقال: ((وأما الحديث، فإنما
استقرض رسول الله وَ﴾ لبيت المال، حتى روي أنه قضاه من إبل الصدقة، وما كان يقضي ما
استقرضه لنفسه من إبل الصدقة، وبيت المال يثبت له وعليه حقوق مجهولة)) كذا في مبسوط
السرخسي، باب البيع بالفلوس (١٤: ٣٣).
وعلى هذا، فينبغي أن يجوز عند الحنفية اقتراض غير ذوات الأمثال من بيت المال.
٣ - وأجاب شيخ مشايخنا الأنور تخلّفُهُ عن حديث الباب بقوله: ((ومحمل واقعة الباب
عندي أنه اشترى البعير بثمن مؤجل، ثم أعطى إيلاً بدل الثمن، فعبر الراوي بهذا، ومثل هذه
المعاملة في عصرنا كثير)) كذا في العرف الشذي (ص: ٤٠٤).
وبالجملة، فحديث الباب واقعة حال، تتطرق إليها احتمالات كثيرة، من النسخ والتأويل،
وقد أفتى فقهاء الصحابة مثل عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود بحرمة قرض الحيوان، وهو
مقتضى حقيقة القرض، وإن المعهود من الشريعة الاحتياط في باب القرض والتورع عن الربا
وشبهته، فالعمل بفتوى هؤلاء الصحابة أولى، لأنهم أبعد الناس عن المجازفة في أمور الشريعة،
فلم يكونوا ليفتوا بحرمة هذا القرض إلا بسماع من النبي وَّر، ومن المعلوم أن أحكام القرض
والربا قد تدرجت من التخفيف إلى التشديد، فكلما رأينا في الواقعات الجزئية من التوسع خلاف
الأصول الكلية الثابتة، ينبغي حمله على ابتداء الإسلام، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (خياراً) بكسر الخاء، يعني: جيداً مختاراً، ويقال: لك خيرة هذا الغنم وخيارها،
الواحد والجمع في ذلك سواء، وقيل: الخيار: نضار المال، وكذا من الناس. كذا في تاج
العروس (٣: ١٩٥).

٥٩٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَبَاعِيًّا. فَقَالَ: ((أَعْطِهِ إِيَّاهُ. إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً)).
٤٠٨٥ _ (١١٩) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ.
سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ. أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعِ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَّه
قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ بَكْراً. بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَإِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ
قضاءً)).
قوله: (رباعياً) بوزن («ثمانياً)) بفتح الراء وتخفيف الباء والياء، وهو من الإبل ما أتى عليه
ست سنين، ودخلت في السابعة حين طلعت رباعيته.
قوله: (إن خيار الناس أحسنهم قضاء) وفيه دليل على أن رد الأجود في القرض أو الدين
من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة، لأن الممنوع منه ما كان مشروطاً في
عقد القرض، وأما إذا لم يكن مشروطاً في العقد، وتبرع به المديون، فلا بأس بأخذه، ولا
بإعطائه .
١١٩ - (٠٠٠) - قوله: (خالد بن مخلد) بفتح الميم وسكون الخاء وتخفيف اللام، كما في
المغني، وهو القطواني (بفتحات) أبو الهيثم البجلي، مولاهم الكوفي، وقطوان موضع بها، وثقه
ابن حبان، وابن شاهين، وعثمان بن أبي شيبة، وقال أحمد بن حنبل: له أحاديث مناكير، وقال
أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو داود: صدوق، ولكنه يتشيع، وقال ابن سعد: كان متشيعاً
منكر الحديث في التشيع مفرطاً، وكتبوا عنه للضرورة، وقال العجلي: ثقة فيه قليل تشيع، وكان
كثير الحديث، وقال الجوزجاني: كان شتاماً معلناً لسوء مذهبه، وقال ابن معين: ما به بأس،
وقال ابن عدي: هو من المكثرين، وهو عندي إن شاء الله لا بأس به. كذا في التهذيب (٣ :
١١٧).
وهو ممن انتقد على البخاري ومسلم بإيراد أحاديثه في صحيحيهما، حتى أورد البخاري
حديثاً من أفراده، وهو حديث أبي هريرة: ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب إلخ)) وقال
الذهبي في ميزان الاعتدال (١: ٦٤١): «فهذا حديث غريب جداً، لولا هيبة الجامع الصحيح
لعدوه في منكرات خالد بن مخلد)). وانتصر الحافظ ابن حجر للبخاري في هدي الساري (ص:
٣٩٨)، فقال: ((قلت: أما التشيع فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء، لا يضره، لا سيما
ولم يكن داعية إلى رأيه. وأما المناكير فقد تتبعها أبو أحمد بن عدي من حديثه وأوردها في
كامله، وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر عنده من أفراده سوى حديث واحد،
وهو حديث أبي هريرة: ((من عادى لي ولياً)) الحديث، وروى له الباقون سوى أبي داود)).
قوله: (عن محمد بن جعفر) هو محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، الزرقي، مولاهم
المدني، من رواة الجماعة، ثقة عند الجميع.

٥٩٧
كتاب: المساقاة
٤٠٨٦ - (١٢٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: كَانَ
١٢٠ - (١٦٠١) - قوله: (حدثنا محمد بن بشار) هو المعروف بلقبه ((بندار)) قال المزي في
تهذيب الكمال (٦: ٥٨٨): ((وإنما قيل له بندار لأنه كان بنداراً في الحديث، والبندار: الحافظ،
جمع حديث بلده)) والبندار في الأصل: من في يده القانون، وهو أصل ديوان الخراج، وإنما قيل
له بندار، لأنه كان بنداراً في الحديث، جمع حديث بلده، كذا في هامش الخلاصة والتهذيب.
وهو من شيوخ الجماعة، أكثر له أصحاب الصحاح، تكلم فيه يحيى بن معين، وابن
المديني، والقواريري، ولكنه ثقة عند جمهور المحدثين، روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة
أحاديث، ومسلم أربع مائة وستين. كذا في تهذيب التهذيب (٩: ٧٣)، والبنادرة من المحدثين
كثيرون، ذكر بعضهم الزبيدي في تاج العروس (٣: ٦٠)، والفتني في المغني (ص: ١١).
واستوفاهم ابن ماكولا في الإكمال (١: ٣٥٦ و٣٥٩).
قوله: (حدثنا محمد بن جعفر) هو المعروف بلقبه ((غندر))، وليس هو محمد بن جعفر
المذكور قريباً في الرواية السابقة، فإنه من الطبقة السابعة، وهذا من التاسعة، واسمه: محمد بن
جعفر الهذلي، مولاهم، أبو عبد الله البصري، وغندر (بضم الغين، وسكون النون، وفتح الدال
وقد تضم، كما في المغني) في لغة أهل الحجاز: من يكثر الشغب، وإنما لقبه بذلك ابن جريج،
وذلك لأن ابن جريج قدم البصرة، فاجتمعوا عليه، فحدث بحديث عن الحسن البصري، ولم
يكن أهل البصرة يعرفون ذلك الحديث عن الحسن البصري، فأكثر الناس الشغب عليه من أجل
ذلك، وكان من أكثرهم شغباً محمد بن جعفر هذا، فقال ابن جريج: اسكت يا غندر! ذكره
المزي في تهذيب الكمال (٦: ٥٩١) بسنده إلى العيشي.
وغندر هذا: من أكثر الناس رواية عن شعبة، لأنه كان ربيبه، وجالسه نحواً من عشرين
سنة، وكان يكتب عن شعبة، فيعرضه عليه، ولذلك قال ابن المبارك: إذا اختلف الناس في
حديث شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم، وحديثه عن ابن أبي عروبة فيه كلام: لما قيل: إنه سمع
منه بعد الاختلاط، وكان علي بن المديني يعرض بتضعيفه، وقال أبو حاتم: ((هو في غير شعبة
يكتب حديثه، ولا يحتج به)) وقال محمد بن يزيد: ((كان فقيه البدن، وكان ينظر في فقه زفر كذّهُ))
وكان من العباد الصالحين، يصوم يوماً ويفطر يوماً منذ خمسين سنة. هذا ملخص ما في تهذيب
التهذيب، وميزان الاعتدال (٣: ٥٠٢).
وقيل: إنه كان من المغفلين، وأورد المزي بسنده إلى يحيى بن معين، قال: ((اشترى غندر
يوماً سمكاً، وقال لأهله: أصلحوه، ونام، فأكل عياله السمك، ولطخوا يده، فلما انتبه قال:
هاتوا السمك، قالوا: قد أكلت، قال: لا، قالوا: فشم يديك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكني ما

٥٩٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ حَقٌّ. فَأَغْلَظَ لَهُ. فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ بِّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ:
((إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً)). فَقَالَ لَهُمُ: ((اشْتَرُوا لَهُ سِنَّا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ)) فَقَالُوا: إِنَّا لاَ نَجِدُ إِلاَّ
بِئًا هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنْهِ. قَالَ: ((فَاشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّهُ. فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ - أَحْسَنَكُمْ
قضاءً» .
٤٠٨٧ _ (١٢١) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ
كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: اسْتَقْرَضَ رَسُولُ اللّهِ :﴿ي ◌َسِّنَّا. فَأَغْطَىْ سِنَّا
شبعت)) ولكن ذكر الذهبي في الميزان أن غندرا أنكر حكاية السمك، وقال: ((أما كان يدلني
بطني؟)). والله سبحانه أعلم.
قوله: (فَأَغْلَظَ لَه) قال القاضي: ((يعني شدد في الطلب، وليس أنه تكلم بكلام مؤذ، فإن
ذلك كفر، ويحتمل أن الرجل كان يهودياً)) وقال القرطبي: ((قيل: إن الكلام الذي أغلظ فيه،
هو: أنه قال: يا بني عبد المطلب! إنكم مطل، وكذب اليهودي، فإنه لم يكن في أجداده وَّ،
ولا في أعمامه من هو كذلك، بل هم أهل الكرم والوفاء. ويبعد أن يكون هذا القائل مسلماً، إذ
مقابلة النبي ◌َّ﴿ بذلك أذية له، وإذايته كفر)) كذا في شرح الأبي (٤: ٢٩٤) وقال علي القاري في
المرقاة: يمكن أن يكون ذلك من بعض جفاة العرب، أو ممن لم يتمكن الإيمان في قلبه، والله
أعلم.
قوله: (فَهَمَّ به أصحاب رسول الله) إلخ يعني: هموا أن يأخذوه ليزجروه، أو ليقام عليه
الحق، وقوله ◌َّل: (دعوه)) من حسن خلقه وكرمه، وقوة صبره على الجفاء، مع قدرته على
الانتقام.
قوله: (إن لصاحب الحق مقالاً) يعني: إن صاحب الحق معذور في بعض التغليظ في
كلامه عند طلب الحق، وقال القرطبي: ((هذا فيمن يمطل ويسيء المعاملة، وأما من أنصف من
نفسه، فبذل ما عنده، واعتذر عما ليس عنده فيقبل عذره، ولا تجوز الاستطالة عليه)) كذا في
شرح الأبي .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ما قاله القرطبي متوجه إلى صاحب الحق، فلا يستحسن
منه التغليظ على المنصف الذي لا يألو في أداء واجبه، ولكن الذي يظهر أن الحديث متوجه إلى
المديون، فينبغي له أن يتحمل من دائنه التغليظ، وإن لم يظهر منه مطل ولا تسويف، فإن
النبي وَ ل﴿ إنما قال ذلك فيمن أغلظ له وَ ﴾، وظاهر أن النبي وَل* لم يمطل، ولا أساء به
المعاملة، فكان تغليظ الرجل في غير موضعه، ومع ذلك أمر النبي ◌َّهِ بالرفق به، وعدم الانتقام
منه، فمراد الحديث أن المديون ينبغي له أن يعد الدائن معذوراً إن أغلظ له في الكلام، وإن كان
التغليظ في غير محله، لأنه صاحب حق، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٥٩٩
كتاب: المساقاة
فَوْقَهُ. وَقَالَ: ((خِيَارُكُمْ مَحَاسِنُكُمْ قَضَاءً)) .
٤٠٨٨ - (١٢٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَتَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ وَه
بَعِيراً. فَقَالَ: ((أَعْطُوهُ سِنَّا فَوْقَ سِنِّهِ)). وَقَالَ: ((خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» .
(٢٣) - باب: جواز بيع الحيوان بالحيوان، من جنسه، متفاضلاً
٤٠٨٩ - (١٢٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَابْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ.
ح وَحَدَّثَنِيهِ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ
النَّبِيَّ وَّهِ عَلَى الْهِجْرَةِ. وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ. فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ. فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (بِعْنِيِهِ))
فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنٍ. ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَداً بَعْدُ. حَتَّى يَسْأَلَهُ (أَعَبْدٌ هُوَ؟)).
١٢١ - (٠٠٠) - قوله: (محاسنكم قضاء) قال الأبي: أي: ذوو المحاسن، سماهم
بالصفة، والمعروف: أحاسنكم، جمع أحسن. وقد يكون ((محاسنكم)) جمع محسن بفتح الميم.
(٢٣) - باب: جواز بيع الحيوان، بالحيوان من جنسه، متفاضلاً
١٢٣ - (١٦٠٢) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه الترمذي
في البيوع، باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين، (رقم: ١٥٩٦)، وأبو داود في البيوع، باب في
ذلك إذا كان يداً بيد، (رقم: ٣٣٥٨)، والنسائي في البيوع، باب بيع الحيوان بالحيوان يداً بيد
متفاضلاً .
قوله: (فاشتراه بعبدين) قال القاضي عياض: ((هذا من كرم أخلاقه وَلّ فإنه كره أن يرد ما
عقد له من الهجرة. ويدل على أن سيده مسلم، وإلا فقد بايع بّر من نزل من عبيد أهل الطائف
وغيرهم، ولم يردّهم إلى ساداتهم)).
ثم في الحديث دليل على أن بيع الحيوان بالحيوان جائز متفاضلاً إذا كان يداً بيد، وعليه
اتفاق الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في النسيئة في بيع الحيوان، فقال الشافعية: هو جائز، وقال أبو
حنيفة: هو ممنوع.
استدل الشافعية بما أخرجه أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو: ((أن رسول الله وَل أمره
أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فجعل يأخذ البعير بالبعيرين
إلى إبل الصدقة)).
واستدل أبو حنيفة بما أخرجه أصحاب السنن عن سمرة رضابه: ((أن النبي وَّل نهى عن بيع
الحيوان بالحيوان نسيئة»، وقال الحنفية: إنه ناسخ لحديث عبد الله بن عمرو ضيها. وفي الحديثين

٦٠٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٢٤) - باب: الرهن وجوازه في الحضر والسفر
٤٠٩٠ - (١٢٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاَءِ
(وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) عَنِ الأَعْمَشِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ مِنْ يَهُودِيٌّ
كلام ليس هذا موضع بسطه، من شاء فليراجع إعلاء السنن (١٤: ٢٨٠ إلى ٢٨٧)، فإنه قد أتى
في هذه المسألة بما لا مزيد عليه.
(٢٤) - باب: الرهن وجوازه في الحضر والسفر
١٢٤ - (١٦٠٣) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرهن، باب من
رهن درعه، وباب الرهن عند اليهود وغيرهم، وفي البيوع، باب شراء النبي وَّر بالنسيئة، وباب
شراء الإمام الحوائج بنفسه، وباب شراء الطعام إلى أجل، وفي السلم، باب الكفيل في السلم،
وباب الرهن في السلم، وفي الاستقراض، باب من اشترى بالدين وليس عنده ثمنه، وفي الجهاد،
باب ما قيل في درع النبي ◌َّ والقميص في الحرب، وفي المغازي، باب وفاة النبي وَّ. وأخرجه
أيضاً النسائي في البيوع، باب الرجل يشتري الطعام إلى أجل إلخ، وباب اختلاف المتبايعين في
الثمن. وأخرج هذه القصة من حديث ابن عباس الترمذي وابن ماجه أيضاً .
قوله: (من يهودي) اسمه أبو الشحم الظفري، كذا رواه الشافعي والبيهقي، كما في
التلخيص الحبير (٣: ٣٥). واستشكل هذا بأن النبي ولو كان يمكن له أن يشتري الطعام من
مسلم، فلماذا رجع إلى يهودي؟ وأجاب عنه النووي كُّ بأنه فعل ذلك بياناً للجواز، أو لأنه لم
يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده، أو لأن الصحابة لا يأخذون رهنه وصلة، ولا
يقبضون منه الثمن، فعدل إلى معاملة اليهودي لئلا يضيق على أحد من أصحابه.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: تفصيل هذه القصة يغني عن هذه الأجوبة كلها، وهو ما
أخرخه البزار عن أبي رافع مولى رسول الله وَ لّ: ((أن ضيفاً نزل برسول الله وَلقر، فأرسلني أبتغي
له طعاماً، فأتيت رجلاً من اليهود، فقلت له: يقول لك محمد وَله: أنه قد نزل بنا ضيف، وإنه
لم يلق عندنا بعض الذي يصلحه، فبعني أو أسلفني إلى هلال رجب، فقال اليهودي: لا والله،
لا أسلفه ولا أبيعه إلا برهن. فرجعت إلى رسول الله وَةٍ فأخبرته، فقال: إني والله لأمين في
أهل السماء، أمين في أهل الأرض، ولو أسلفني أو باعني، لأديت إليه، اذهب بدرعي، فنزلت
هذه الآية يعزيه على الدنيا: ﴿لَا تَمُدََّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] الآية)) كذا
في كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي (٢: ١٠٢ و١٠٣، رقم: ١٣٠٤) باب القرض والبيع
إلى أجل. وفي إسناده موسى بن عبيدة، ضعفه أحمد بن حنبل وغيره، ووثقه وكيع، كما في
التهذيب (١٠: ٣٥٩).