النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب: المساقاة
يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ. وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ! لاَ أَفْعَلُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَُّ
عَلَيْهِمَا. فَقَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟)) قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلَهُ
أَيُّ ذُلِكَ أَحَبَّ.
الخصومة، وثنى باعتبار الخصمين، أو كان التخاصم من الجانبين بين جماعة، فجمع، ثم ثنى
باعتبار جنس الخصم. قاله الحافظ في الفتح.
ثم إن لفظ ((عالية)) في الحديث يجوز فيه الجر والنصب، أما الجر فعلى كونه صفة
الخصوم، وأما النصب، فعلى أنه حال، والأصوات مرفوع في كلتا الصورتين على كونه فاعل
(عالية)) كذا في عمدة القاري (٦: ٤٢٤).
قوله: (يستوضع الآخر). يعني: يطلب منه أن يضع من دينه شيئاً، وقوله: ((يسترفقه))
يعني: يطلب منه الرفق في الاستيفاء والمطالبة، وتبين من رواية أحمد وابن حبان، التي نقلناها
آنفاً، أن المراد بالوضع الحط من رأس المال، وبالرفق الاقتصار عليه، وترك الزيادة، لا كما
زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال. كذا قال الحافظ في الفتح. والذي يظهر لهذا العبد
الضعيف أن المراد بالوضع وضع النقصان، وبالرفق الحط من قيمة الباقي، كما يدل عليه رواية
أحمد، وفيها: ((إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال ما شئت)) والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على أن طلب الوضع أو الرفق من الدائن، جائز، خلافاً لمن كرهه
من المالكية، واعتل بما فيه من تحمل المنة، وقال القرطبي: ((لعل من أطلق الكراهة أراد أنه
خلاف الأولى)) حكاه الحافظ في الفتح، وقال النووي: ((لا بأس بمثل هذا، ولكن بشرط أن لا
ينتهي إلى الإلحاح وإهانة النفس، أو الإيذاء، ونحو ذلك، إلا من ضرورة)).
قوله: (أين المُتَأَلِّي على الله؟) المتألي: الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذ من الألية بفتح
الهمزة، وکسر اللام، وتشديد الياء، وهي اليمين.
ثم قال بعض الشراح: إن وجه كراهيته # لهذا الحلف كونه على ترك أمر عسى أن يكون
قدر الله وقوعه، وقال آخرون وهو الأظهر: إن وجهه قطع نفسه عن فعل الخير والمعروف،
ويتأيد هذا بما مر من رواية مالك وأحمد: ((تألى أن لا يفعل خيراً)).
واستشكله بعضهم بقول الأعرابي الذي قال: ((والله لا أزيد على هذا ولا أنقص)). وقال
له وَلقر: ((أفلح إن صدق)) ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة، وهي من فعل الخير. وأجاب
عنه ابن التين فيما حكاه الحافظ عنه بأنه كان في قصة الأعرابي في مقام الدعاء إلى الإسلام،
والاستمالة إلى الدخول فيه، فكان يحرص على ترك تحريضهم على ما فيه نوع مشقة مهما
أمكن، بخلاف من تمكن في الإسلام، فيحضه على الازدياد من نوافل الخير.
قوله: (فله أي ذلك أحب) يعني: لخصمي ما أحب من أمرين: الوضع أو الرفق، وقد مر

٤٦٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٦١ - (٢٠) حدّثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ. أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي
حَذْرَدٍ دَيْناً كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فِي الْمَسْجِدِ. فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا .
تفصيله في رواية أحمد أنه قال: ((إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال ما
شئت)) ولعل مراده أنه صار مستعداً لا لوضع النقصان فحسب، بل وللحط من قيمة رأس المال
الباقي أيضاً، وتقدم في رواية أحمد أنه بعد ذلك وضع النقصان.
والحديث من ألمع الأمثلة لسرعة فهم الصحابة مراد الشارع، وطواعيتهم لما يشير إليه
رسول الله وَالر، وحرصهم على الخير، وصفح البني ◌َّر عما يجري بين المتخاصمين من اللغط
ورفع الصوت، والله سبحانه أعلم.
والحديث دليل على استحباب التكفير عن اليمين الذي سد به الرجل باباً من أبواب الخير،
وهو مأمور به صريحاً في الحديث، وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله.
٢٠ - (١٥٥٨) - قوله: (حدثني عبد الله بن كعب بن مالك) هو أبو فضالة المدني، روى
عن أبيه، وعنه أخوه معبد، وابن أخيه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، والزهري، قال أبو
زرعة: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال أبو أحمد الحاكم: كان أعلم قومه
وأوعاهم لأحاديث الصحابة، وأخرج له أبو يعلى في مسنده حديثاً أرسله، ولذلك ذكره الذهبي
في تجريد الصحابة، وهو وهم. كذا في التهذيب (٧: ٤٥).
قوله: (أخبره عن أبيه) يعني كعب بن مالك ره، هذا الحديث أخرجه البخاري في
المساجد، باب التقاضي والملازمة في المسجد، وباب رفع الصوت في المساجد، وفي
الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم في بعض، وباب الملازمة، وفي الصلح، باب هل
يشير الإمام بالصلح بالدين والعين، وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٥٩٥) في الأقضية، باب في
الصلح، والنسائي في القضاء، باب إشارة الحاكم على الخصم بالصلح، وابن ماجه في
الأحكام، باب الحبس في الدين والملازمة، والدارمي في البيوع، باب إنظار المعسر، (رقم:
٢٥٩٠).
قوله: (ابن أبي حدرد) اسمه عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، كما وقع مصرحاً في رواية
ابن هرمز في آخر الباب، وعند البخاري في الصلح، وكنيته أبو محمد، له ولأبيه صحبة، وقال
ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، وأمَّره رسول الله وَّر على سراياه واحدة بعد أخرى،
كذا في الاستيعاب لابن عبد البر (٢: ٢٨٠)، وابنه القعقاع قد شهد الجابية مع عمر، وتوفي عبد
الله بن أبي حدرد سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة، وجاءت عنه أربعة أحاديث،
ذكرها الحافظ في الإصابة (٢: ٢٨٦ و٢٨٧)، و(حدرد) على وزن فعلع، لم يأت من الأسماء
على وزن فعلع بتكرير العين غيره، نبه عليه العيني.

٤٦٣
كتاب: المساقاة
حَتَّىٍ سَمِعَهَا رَسُولُ اللّهِ وَّهَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ
حُجْرَتِهِ. وَنَادَىْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ. فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ!)) فَقَالَ: لَبَّيْكَ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَشَارَ
إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)).
قوله: (دَيْنَاً كان له عليه) وقع في رواية زمعة بن صالح، عن الزهري أنه كان أوقيتين،
أخرجه الطبراني كما في فتح الباري (١: ٤٥٩).
قوله: (في المسجد) متعلق بقوله ((تقاضى))، يعني: طلب دينه في المسجد، وفيه جواز
الكلام في المسجد عند الضرورة، وقال شيخ مشايخنا الأنور كَثُ في فيض الباري (١ : ٥٦):
((قال الشيخ ابن الهمام كَفُ في الفتح: إن الكلام في المسجد يأكل الحسنات، وقيده في البحر
(يعني به: البحر الرائق لابن نجيم) إذا قصد ذلك، وأما إذا جاء للصلاة، فتشاغل بالتكلم،
فلا)) .
قوله: (فارتفعت أصواتهما) يعني: رفعاً غير بالغ حد الإنكار، مع أنه كان يتضمن إحياء
حق، ولا يستلزم استماعه وسلو أصواتهما أن يكونا قد رفعا أصواتهما رفعاً بالغاً حد الإنكار،
لصغر المسجد وقرب الحجرة أفاده الشيخ الكنكوهي تقّثُ في لامع الدراري (١ : ١٨٥).
وأما رفع الصوت المتفاحش فممنوع في المسجد، لما أخرجه البخاري في باب رفع
الصوت في المسجد عن السائب بن يزيد قال: ((كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل،
فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب، فائتني بهذين، فجئته بهما، فقال: من أنتما؟ أو
من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان
أصواتكما في مسجد رسول الله ملات؟)).
قوله: (كشف سِجْفَ حجرته) السجف، بكسر السين وسكون الجيم: الستر، وقيل: هو
الستران المقرونان، بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين مقرونين، فكل شق منه سجف،
والجمع: أسجاف وسجوف، وأسجف الستر: أرسله عياض وغيره: لا يسمى سجفاً إلا أن
يكون مشقوق الوسط كالمصراعين. كذا في عمدة القاري (٤: ٢٢٩).
والحديث دليل على جواز إرخاء الستر على الباب، وعلى إرخاء ستر مشقوق الوسط.
قوله: (ضع الشطر) يعني النصف، كما سيأتي مصرحاً في رواية عبد الرحمن بن هرمز،
وفيه جواز الشفاعة إلى صاحب الحق، وإصلاح الحاكم بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم.
والحديث دليل على ثقة رسول الله وَ لهم بأصحابه، حيث أمر كعباً بوضع النصف من الدين
في عين سورة الخصومة، ولا يفعل ذلك إلا من كان على ثقة من أصحابه بأنهم يؤثرون أمره على

٤٦٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٦٢ - (٢١) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. أَخْبَرَنَا
يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ
تَقَاضَى دَيْنَاً لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ.
قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدِ الأَسْلَمِيِّ. فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ. فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا. فَمَرَّ بِهِمَا
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ. فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ!)) فَأَشَارَ بِيَدِهِ. كَأَنَّهُ يَقُولُ النَّصْفَ. فَأَخَذَ نِصْفاً مِمَّا عَلَيْهِ.
وَتَرَكَ نِصْفاً.
كل شيء، وأنهم يضحون لأجله أنفسهم وأموالهم وعواطفهم، رؤيته وأرضاهم، ولم يكن جواب
كعب بعد هذه الشدة في الخصومة إلا أن يقول: قد فعلت يا رسول الله.
ثم إن الحديث من أوضح الدلائل على أن رسول الله وَ ل# لم يكن يعامل أصحابه دائماً
معاملة حاكم مع رعيته، ولا معاملة قاض بين الخصمين، بل وربما كان يعاملهم معاملة شيخ مع
تلميذه، ومعاملة والد مع أبنائه، ولم يكن أمره في حديث الباب أمر إيجاب تشريعي، وإنما كان
أمر ندب وإرشاد وإصلاح بين الناس، ولو كانت هذه النكتة ملحوظة عند دراسة الحديث النبوي،
لانحلت كثير من العقد في كثير من المسائل، ولا سيما في أحاديث تبدو معارضة للأصول الكلية
الثابتة بالقرآن والسنة وإجماع الأمة، وقد أسلفنا في باب تحريم بيع المصراة بحثاً قيماً لابن
القيم تكثّفُ في الموضوع، فراجعه.
(٠٠٠) - قوله: (قال مسلم) ذكره المصنف تعليقاً، ووصله البخاري في الصلح، باب هل
يشير الإمام بالصلح، من طريق يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن
الأعرج بهذا الإسناد، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
قوله: (فمر بهما رسول الله (*) ظاهره يخالف ما مر أن النبي وسر كان في حجرته، فسمع
أصواتهما، وأوله الحافظ في الفتح بأن المراد من المرور في هذا الحديث المرور المعنوي،
يعني علمه بهما، ولا يبعد أيضاً أن يكون ◌َّر مر بهما أولاً، فلم يلتفت إليهما في أول مرة، حتى
دخل حجرته، ثم لما ارتفعت أصواتهما كشف سجف حجرته، وفعل ما فعل، ومثل هذا
الاختلاف يسير لا يقدح في صحة الحديث، والله أعلم.

٤٦٥
كتاب: المساقاة
(٥) - باب: من أدرك ما باعه عند المشتري،
وقد أفلس، فله الرجوع فيه
٣٩٦٣ - (٢٢) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّهِ: (أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ): ((مَنْ أَذْرَكَ مَالَّهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ
رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ (أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ) فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».
(٥) - باب: من أدرك ما باعه عند المشتري، وقد أفلس، .. إلخ
٢٢ - (١٥٥٩) - قوله: (حدثنا يحيى بن سعيد) هذا الإسناد فيه أربعة من التابعين، بعضهم
من بعض، وهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعمر بن عبد
العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن. أفاده النووي.
قوله: (سمع أبا هريرة) أخرجه البخاري في الاستقراض، باب إذا وجد ماله عند مفلس في
البيع والقرض، ومالك في البيوع، باب ما جاء في إفلاس الغريم، والترمذي، (رقم: ١٢٦٢)
في البيوع، باب ما جاء إذا أفلس الرجل الغريم، وأبو داود (رقم: ٣٥١٩ إلى ٣٥٢٢) في
البيوع، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه، والنسائي في البيوع، باب الرجل يبتاع
فيفلس، وابن ماجه (رقم: ٢٣٥٨ و٢٣٥٩) في الأحكام، باب من وجد متاعه بعينه والدارمي في
البيوع (رقم: ٢٥٩٣) والطحاوي في الإجارات، باب الرجل يبتاع سلعة، فيقبضها ثم يموت
وثمنها علیه دین.
قوله: (أو: سمعت رسول الله وَ ل#) كذا وقع بالشك عند البخاري أيضاً، وقال الحافظ:
(هو شك من أحد رواته، وأظنه من زهير، فإني لم أر في رواية أحد ممن رواه عن يحيى مع
كثرتهم فيه التصريح بالسماع، هذا مشعر بأنه كان لا يرى الرواية بالمعنى أصلاً)) فتح الباري (٥ :
٤٧) .
قوله: (قد أفلس) الإفلاس في اللغة: عوز المال، والهمزة فيه للسلب، يعني: سلبت
فلوسه، وقيل: الهمزة للانتقال من حال إلى حال، وأفلس الرجل: إذا صارت دراهمه فلوساً،
وراجع مجمع البحار.
قوله: (فهو أحق به من غيره) استدل به الجمهور على أن الرجل إذا اشترى من الآخر
شيئاً، ولم يقض ثمنه، حتى أفلس، ثم وجد البائع عنده السلعة المبيعة بعينها، فإن ذلك البائع
يملك فسخ البيع واسترداد السلعة منه، ولا يشاركه فيها أحد من الغرماء غيره، وهو قول مالك

٤٦٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٦٤ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ
والشافعي وأحمد، وبه قال عروة، والأوزاعي، والعنبري، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر،
كما في المغنى لابن قدامة، كتاب المفلس (٤: ٤٠٨).
وقال أبو حنيفة تغذَهُ: البائع في الصورة المذكورة أسوة للغرماء، وليس له أن ينفرد بأخذ
تلك السلعة، وهو قول الحسن، والنخعي، والشعبي، وابن شبرمة ووكيع، وأبي يوسف،
ومحمد، وزفر رحمهم الله، كما في عمدة القاري (٦: ٥٦)، وبه قال الثوري، كما في مصنف
عبد الرزاق (٨: ٢٦٦).
استدل الجمهور بأحاديث الباب، وحملوها على البيع لما سيأتي ذكر البيع مصرحاً في
رواية ابن أبي حسين: ((أنه لصاحبه الذي باعه)).
واستدل أبو حنيفة تخلّفُ بأن المبيع قد خرج عن ملك البائع بالبيع، وكان له حق الإمساك
للثمن، فلما سلمه إلى المشتري سقط حقه عن المبيع أصلاً، ولم يبق له إلا دين الثمن في ذمة
المشتري، فساوى فيه الغرماء بسبب الاستحقاق، فيساويهم في الاستحقاق، كسائرهم.
واستدل الإمام محمد تغلّفُ في كتاب الحجة (٢: ٧١٦) على مذهب أبي حنيفة بحديث
علي رَبُّه: ((أنه أسوة للغرماء))، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٢٦٦، رقم: ١٥١٧٠)
من طريق أبي سفيان، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن خلاس، عن علي رَظُه قال: ((هو
فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها)) وأخرجه ابن حزم في المحلى (٨: ١٧٦) من طريق وكيع
عن هشام الدستوائي بهذا الإسناد عن علي، قال: ((هو فيها أسوة الغرماء، إذا وجدها بعينها إذا
مات الرجل وعليه دين، وعنده سلعة قائمة لرجل بعينها، فهو فيها أسوة الغرماء)).
واعترضوا عليه بأن مداره على خلاس بن عمرو، ولا يصح سماعه عن علي، إنما كان
يحدث عن كتاب، وأجاب عنه الحنفية بأنه من رجال الجماعة، وثقه ابن معين، وأحمد بن حنبل
وغيره كما في ميزان الاعتدال (١: ٦٥٨)، وقد صحح ابن حزم حديثه عن علي رضيُه في كتاب
الجهاد من المحلى(١)، ذكره المارديني في الجوهر النقي (٦: ٤٤) في آخر باب من قال: الرهن
مضمون، وشيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٤: ٢٩٦)، واستدلال الإمام محمد كثُّ بحديثه
دليل على صحته عنده .
ولكن الذي يظهر من مراجعة هذا الأثر في مصنف عبد الرزاق والمحلى، أنه فيما إذا مات
المشتري بعد الشراء، وليس فيه ذكر الإفلاس، وقد صرح به الإمام محمد في كتاب الحجة،
حيث قال: ((جاء الحديث عن علي بن أبي طالب رَظُه أنه قال في الموت أنه أسوة للغرماء)) ثم
(١) قلت: وصحح ابن حزم حديثه الآخر عن علي: ((إذا أصاب المكاتب حداً أو ميراثاً ورث بحساب ما عتق
منه)) راجع كتاب الحدود من المحلى (١١: ٢٣٨، مسألة: ١٢٠٥).

٤٦٧
كتاب: المساقاة
وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. جَمِيعاً عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ
قال: ((وليس الإفلاس والتوى أشد من أن يموت الرجل ولا يدع مالاً)) فكأنه تخلّفُ يقيس الإفلاس
على الموت، ولم يرد ذكر الإفلاس في أثر علي رؤيته صريحاً، ولكن اتفاق فقهاء الكوفة مثل
النخعي، والشعبي، والثوري، وابن شبرمة وأبي حنيفة وأصحابه على أن حكم الموت والإفلاس
سواء، مما يدل على أنهم كان عندهم أثر علي صريحاً في ذكر الإفلاس، والله أعلم.
ويمكن أن يستأنس للحنفية أيضاً بما أخرجه البيهقي في باب الحجر على المفلس من سننه
(٦: ٤٩) عن عبد الرحمن بن دلاف: ((أن رجلاً من جهينة كان يشتري الرواحل، فيغالي بها، ثم
يسرع السير، فيسبق الحاج، فأفلس، فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب، فقال: أما بعد، أيها
الناس! فإن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج، إلا إنه قد أدان
معرضاً فأصبح وقد رين به، فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة، نقسم ماله بين غرمائه)) وفي
رواية أخرى: ((نقسم ماله بينهم بالحصص)).
فالظاهر في هذه القصة أن الرجل الجهني كان قد أفلس بشراء رواحل غالية وعجز عن أداء
ثمنها، ولفظ عبد الرزاق قريب من الصراحة في ذلك، لأن فيه: ((كان رجل من جهينة يبتاع
الرواحل فيغلى بها، فدار عليه دين حتى أفلس)) كما في التلخيص للحافظ (٣: ٤١)، ولكن
عمر روايته أعلن بقسمة ماله بين غرمائه ولم يؤذن باعة الرواحل أن يستردوها منه، فلو كان البائع
يستحق الاسترداد لأعلمهم بذلك.
ولا شك أن أمثال هذه الدلائل ليست إلا مؤيدة، وإنما استدلال الإمام أبي حنيفة تَّتُهُ
بالأصول الثابتة المجمع عليها، وهي أن المبيع ينتقل إلى ملك المشتري فور تمام العقد، وإلى
ضمانه فور تمام القبض، وهو مفاد الحديث المشهور: ((الخراج بالضمان))، فصار المبيع كسائر
أملاك المشتري، لا ترجيح للبائع فيها على بقية الغرماء.
وأما حديث الباب فقد حمله الحنفية على الغصوب، والودائع، والعواري، والمقبوض
على سوم الشراء، فإن صاحبها أحق بها من غيره، لكونها في ملكه، واستدلوا على ذلك
بو جھین :
١ - عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا ضاع لأحدكم متاع، أو سرق له
متاع، فوجده في يد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن)) أخرجه أحمد
في مسنده (٥: ١٣)، والبيهقي، في كتاب التفليس، باب العهدة ورجوع المشتري بالدرك من
سننه (٦: ٥١).
وفي إسناد هذا الحديث حجاج بن أرطاة، والكلام فيه مشهور، ولم يعيبوا عليه بالكذب،
وإنما عابوا عليه بالتدليس والإرسال، وقد وثقه السفيانان، والعجلي، وجعله أحمد بن حنبل من

٤٦٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْحَارِثِيُّ قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ). ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا
الحفاظ، كما في التهذيب (٢: ١٩٦)، وقال العيني في عمدة القاري (٦: ٥٧): ((ما للحجاج؟
وقد روى عنه مثل الإمام أبي حنيفة، والثوري، وشعبة، وابن المبارك .... وقال الخطيب: أحد
العلماء بالحديث والحفاظ له، وفي الميزان: أحد الأعلام)).
فيقول الحنفية: سياق حديث سمرة هذا، وسياق حديث أبي هريرة في الباب واحد،
وحديث أبي هريرة مختصر، فيحمل على ما رواه سمرة مفصلاً.
٢ - قد وقع في حديث الباب: ((من أدرك ماله بعينه)) وهو إنما يصدق على المسروق،
والمغصوب، والودائع، والعواري، بمدلوله الحقيقي، لأنها ملك صاحبها، وأما المبيع فلا
يصدق عليه أنه مال البائع بعد ما قبضه المشتري، وكذلك لا يصدق عليه أنه ذلك المبيع بعينه،
لأن الشيء يتغير بتغير الملاك، كما هو مفاد حديث بريرة: ((هي لك صدقة، ولنا هدية)»، فحمل
الحديث على المسروق، والمغصوب، والودائع، والعواري، والمقبوض على سوم الشراء أولى،
عملاً بلفظ الحديث، ولو حملناه على المبيع كما فعله الجمهور، لخرج لفظ الحديث عن
حقيقته، والحقيقة أولى من المجاز.
ولكن يشكل عليه ما سيأتي من رواية ابن أبي حسين، ولفظه: ((أنه لصاحبه الذي باعه)) فقد
وقع فيه ذكر البيع صريحاً، وكذلك وقع لفظ البيع في عدة روايات أخرى أخرجها مالك وغيره.
وقد أجاب عنه الحنفية بأن المحفوظ في هذا الحديث رواية من لم يذكر فيه البيع، ويقول
الإمام محمد زاهد الكوثري كثّفُ في النكت الطريفة (ص: ٢٣٩): ((وأما مسلم فأخرجه بلفظ
البخاري بعينه في سبع طرق، وبمعنى رواية البخاري في ثلاث طرق، وليس فيها ذكر البائع،
وانفراد طريق واحد عنده بلفظ: ((لصاحبه الذي باعه))، وهو رواية ابن أبي عمر، عن هشام بن
سليمان، فابن أبي عمر: هو محمد بن يحيى العدني، راج عليه حديث موضوع في بعض
الروايات وهشام المخزومي لا تخلو رواياته من اضطراب، وعادة مسلم حشد الروايات في
صعيد واحد، ليسهل على الباحث ترجيح الراجح منها، ولا شك أن الطرق التي توافق رواية
البخاري هي الراجحة على تلك الرواية المنفردة، فيكون الاعتماد على لفظ البخاري، وليس فيه
لفظ البيع)).
وخلاصة الكلام في إسناد هذا الحديث أن هذا الحديث رواه عن أبي هريرة أبو بكر بن
عبد الرحمن، وهشام المخزومي، وبشير بن نهيك، وعراك، وأبو سلمة وعمر بن خلدة، فأما
هؤلاء الأربعة الأخيرون، فلم يذكروا لفظ البيع أصلاً، ولم يختلف عليهم في ذلك، وتجد رواية
أبي سلمة عند ابن ماجه، ورواية عمر بن خلدة عند الطيالسي كما في منحة المعبود (١: ٢٧٤)
والدارقطني (٣: ٢٩)، والأخرين عند مسلم، وأما هشام المخزومي. فتفرد بذكر البيع عند ابن
حبان في صحيحه، كما ذكره الحافظ في الفتح (٥: ٤٧).

٤٦٩
كتاب: المساقاة
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
وأما أبو بكر بن عبد الرحمن فقد اختلف عليه في ذلك، فروى عنه عمر بن عبد العزيز
والزهري، فأما عمر بن عبد العزيز فلم يذكر البيع في حديثه إلا ابن الحسين عن أبي بكر بن حزم
عنه عند مسلم، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمر بن عبد
العزيز، فلم يذكر البيع فيه في رواية جماعة من الحفاظ، مثل زهير، وهشيم، والليث بن سعد،
وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وعبد الوهاب، والقطان، وحفص بن غياث، وأنس بن
عياض، وأبي خالد الأحمر، ويزيد بن هارون، ومالك، كلهم رووا هذا الحديث عن يحيى بن
سعيد، عن أبي بكر بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، بغير لفظ البيع.
وقد تفرد الثوري في روايته عن يحيى بن سعيد، فرواه عنه في جامعه بلفظ: ((إذا ابتاع
الرجل السلعة، ثم أفلس إلخ)) ولكنه لم يعمل به، فإن مذهبه كمذهب الحنفية، كما قدمنا عن
مصنف عبد الرزاق (٨: ٢٦٦)، فظهر أنه ليس في رواية عمر بن عبد العزيز ذكر البيع إلا في
طريقين من بين أربعة عشر طريقاً، وهما: طريق ابن أبي الحسين عن أبي بكر بن حزم عن عمر بن
عبد العزيز، وطريق الثوري عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم عن عمر بن عبد
العزيز، ثم لم يعمل الثوري طريقه مما يدل على شكه في ذلك، فبقي طريق واحد، وهو طريق
ابن أبي الحسين، وقد عرفت ما فيه في كلام الإمام الكوثري تَّفهُ، فظهر أن الراجح في رواية
عمر بن عبد العزيز ترك ذكر البيع، ولذلك ترى الحديث في مسند عمر ابن عبد العزيز (ص :
١٠٢، رقم: ٣٢) مثبتاً بغير لفظ البيع، وقد ساقه الباغندي عن عمر بن عبد العزيز بنحو سبعة
عشر طريقاً، وليس فيها ذكر البيع إلا في طريق الثوري.
وأما الزهري فقد رواه عن أبي بكر بن عبد الرحمن بلفظ البيع، ولكن المحفوظ في رايته
عنه مرسلاً، كذا رواه مالك في موطئه عنه أبي بكر بن عبد الرحمن عن النبي بَّر، ولم يذكره عن
الزهري مسنداً إلا عبد الرزاق، وقد اختلف فيه على عبد الرزاق أيضاً، كما ذكره العيني في
العمدة (٦: ٥٨)، والمثبت في مصنف عبد الرزاق (٨: ٢٦٤) هو طريقه المرسل، فكأن عبد
الرزاق نفسه رجح إرساله. وقال أبو داود: هو أصح ممن رواه عن مالك مسنداً، وقال
الدارقطني: ولا يثبت هذا عن الزهري مسنداً، وإنما هو مرسل، وقال أبو عمر: كذا هو مرسل
في جميع الموطآت التي رأينا، حكى هذه الأقوال العيني في العمدة، ثم قال:
«فإن قلت: المرسل حجة عندكم، قلت: نعم، ولكن المسند أقوى، لأن عدالة الراوي
شرط قبول الحديث، وهي معلومة في المسند بالتصريح، وفي المرسل مشكوكة، أو معلومة
بالدلالة، والصريح أقوى من الدلالة، والعجب من هؤلاء أنهم لا يرون المرسل حجة، ثم
يعملون به في مواضع)).
فظهر بهذا أن المحفوظ رواية أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أيضاً بدون ذكر

٤٧٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ .
وَقَالَ ابْنُ رُمْحِ، مِنْ بَيْنِهِمْ فِي رِوَايَتِهِ: أَيُّمَا امْرِىٍ فُلْسَ.
البيع، وخمسة من تلامذة أبي هريرة: بشير بن نهيك، وعراك، وأبو سلمة، وعمر بن خلدة وأبو
بكر بن عبد الرحمن، كلهم يروونه بغير لفظ البيع، ولم يبق إلا هشام المخزومي متفرداً في ذكر
البيع وهو مستور كما في التقريب، وسكت عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤: ٢:
٧٠)، فروايته مرجوحة أمام هذه الروايات الكثيرة الجمة، ولعله قد اختلف عليه أيضاً، لأن
الباغندي تقذفُ أخرج عن مسند عمر بن عبد العزيز (ص: ١٠٣، رقم: ٣٣) حديث أبي بكر بن
عبد الرحمن، بلفظ: ((من وجد متاعه عند رجل قد أفلس بعينه فهو أحق به))، ثم قال: ((حدثنا
محمد، حدثنا ابن المديني، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن هشام بن يحيى، عن أبي
هريرة، عن النبي (ّي بمثله)) فالظاهر أن روايته بغير لفظ البيع، فغاية ما في الباب أن الأربعة من
تلامذة أبي هريرة لا يذكرون البيع، والإثنان قد اختلف عليهما، فلا شك في رجحان ما اتفقوا
عليه، وشذوذ ما ذكره بعض الرواة.
فيقول الحنفية: الحديث خال عن ذكر البيع، فنحمله على حديث سمرة بن جندب، وقد
ورد فيه ذكر السرقة صريحاً، وبه يوافق الحديث الأصول الثابتة، ولا يحتاج حينئذ إلى التأويل
في قوله ظلِّل: ((من أدرك ماله بعينه)) وحمله على المجاز.
ثم لو صح ذكر البيع في الحديث يمكن حمله عند الحنفية على ما قبضه المفلس على سوم
الشراء، قبل تمام البيع، فيكون معنى قوله: ((للذي باعه)): الذي أراد بيعه ليوافق الحديث
الأصول الثابتة، وليمكن حمل ((من أدرك ماله بعينه)) على حقيقته، ولئلا يبقى تعارض بين هذا
الحديث وحديث سمرة بن جندب، وأثر علي .
وأجاب عنه شيخ مشايخنا الأنور تغَّثُ في فيض الباري (٣: ٣١٣) بأن ما في الحديث
مسألة الديانة دون القضاء، ويجب على المشتري ديانة أن يبادر بسلعته، فيردها إلى البائع قبل أن
يرفع أمره إلى القضاء، فيحكم بالأسوة.
هذه خلاصة ما استدل به الحنفية في هذا الباب، وبالجملة، فالمسألة مجتهد فيها، ولكل
من الفريقين دلائل قوية، وإن مذهب الجمهور أوفق بلفظ الحديث، كما أن مذهب الحنفية أوفق
بالأصول الثابتة، ولهم عن حديث الباب أعذار قوية.
وإنما قلت: إن مذهب الجمهور أوفق بلفظ الحديث، لأن ذكر البيع قد ورد فيه روايتين
غير ما ذكرناه فيما قبل:
١ - أخرج ابن حبان في صحيحه، قال: ((أخبرنا عمران بن موسى السختياني، حدثنا

٤٧١
كتاب: المساقاة
٣٩٦٥ - (٢٣) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ (وَهُوَ ابْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ
خَالِدِ الْمَخْزُومِيُّ) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُمَرُ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ، عَنْ حَدِيثٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحمُنِ، عَنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ رََّ، فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدِمُ، إِذَا وُجِدَ
عِنْدَهُ الْمَتَاعُ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ: ((أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذِي بَاعَهُ)).
سلمة بن شيث(١)، حدثنا الحسن بن محمد بن أعين، حدثنا فليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن
عمر، قال: قال رسول الله وَلجر: ((إذا عدم الرجل، فوجد البائع متاعه بعينه فهو أحق به)) راجع
موارد الظلمآن للهيثمي (ص: ٢٨٣، رقم، ١١٦٥).
وعمران بن موسى السختياني، لم أر من ترجمه بهذه النسبة، ولكن أخرج ابن حبان هذا
الحديث في صحيحه مما يدل على صحته عنده وذكره الحافظ في التلخيص (٣: ٣٩) وسكت
عليه، فكفى به مؤيداً لمن روى الحديث بلفظ البيع.
٢ - أخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٢٦٦، رقم: ١٥١٦٩): ((أخبرنا إسرائيل، عن عبد
العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: قال رسول الله وَالفجر: ((من باع سلعة برجل لم ينقده، ثم
أفلس الرجل، فوجد سلعته بعينها، فليأخذها دون الغرماء» وهذا مرسل، ومراسيل ابن أبي مليكة
يحتج بها الحنفية كثيراً .
فهذان الحديثان مما يقوي رواية من روى حديث أبي هريرة نظرته بلفظ البيع، ومجموع هذه
الروايات يشكل ردها. ثم إن الذي روى الحديث بلفظ البيع لم يخالف غيره، وإنما أتى بزيادة
سكت عنها الآخرون، وزيادة الثقة مقبولة، فما بالك بما رواه أكثر من ثقة! ولذلك يظهر من
كلام الإمام الشيخ عبد الحي اللكنوي تَغَفُ في التعليق الممجد أنه ميال إلى ترجيح مذهب
الجمهور في هذا الباب، والله سبحانه أعلم.
٢٣ - (٠٠٠) - قوله: (حدثنا هشام بن سليمان) مشاه أبو حاتم، وقال العقيلي: في حديثه
عن غير ابن جريج وَهْمٌ، روي عن الثوري حديث: ((من حج فلم يرفث)) بسند عجيب، وقال أبو
حاتم: مضطرب الحديث، ومحله الصدق، وما أرى بحديثه بأساً، كذا في ميزان الاعتدال (٤:
٢٩٩، رقم: ٩٢٢٧).
قوله: (ولم يُفَرِّفْه) يعني: لم يستعمله بما يغيره، أو لم يستهلكه ببيع، أو هبة، أو عتق، أو
نحوه، فإنه لا يرجع فيها، لأنها ليست على يد المشتري. ثم إن الجمهور قد اختلفوا في تفريع
كثير من المسائل على حديث الباب، وليراجع لها عمدة القاري (٦: ٥٤).
(١) كذا في موارد الظمآن، ولعله سلمة بن شبيب، فإنه يروي عن الحسن بن محمد بن أعين، ولم أر من اسمه
سلمة بن شيث، والله أعلم.

٤٧٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٦٦ - (٢٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرِ قَالَ: ((إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعِهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ
أَحَقُّ بِهِ)».
٣٩٦٧ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا
سَعِيدٌ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ أَيْضاً. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي. كِلاَهُمَا عَنْ
قَتَادَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالاً: ((فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ)) .
٣٩٦٨ - (٢٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ وَحَجَّاجُ بْنُ الشِّاعِرِ. قَالاً :
حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ (قَالَ حَجَّاجٌ: مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ). أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ
خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ،
فَوَجَدَّ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا)).
(٦) - باب: فضل إنظار المعسر
٣٩٦٩ - (٢٦) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ،
عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشِ؛ أَنَّ حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: «تَلَقَّتِ الْمَلاَئِكَةُ رُوحَ
رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئاً؟ قَالَ: لاَ. قَالُوا: تَذَكَّرْ. قَالَ:
(٠٠٠) - قوله: (حدثنا سعيد) يعني: ابن أبي عروبة، ووقع في بعض النسخ (شعبة)،
والصحيح (سعيد) نبه عليه النووي كثّفُهُ .
(٦) - باب: فضل إنظار المعسر والتجاوز في الاقتضاء إلخ
٢٦ - (١٥٦٠) - قوله: (أحمد بن عبد الله بن يونس) بن قيس، أبو عبد الله التميمي
اليربوعي، من رجال الصحيحين.
قوله: (منصور) هو ابن المعتمر، أبو عتاب السلمي، كما في عمدة القاري (٥: ٤٢٣).
قوله: (ربعي بن حراش) بكسر الراء، وسكون الباء، وكسر العين، والياء المشددة، وأبو
حراش حاءه مكسورة، وراؤه مخففة.
قوله: (أن حذيفة حدثهم) أخرجه البخاري في البيوع، باب من أنظر معسراً، وفي الأنبياء،
باب ما ذكر عن بني إسرائيل، وفي الاستقراض، باب حسن التقاضي، وأخرجه ابن ماجه في
أبواب الصدقات، باب إنظار المعسر، وأحمد في مسند أبي مسعود (٤: ١١٨).
قوله: (تَلَقَّتِ الملائكة روح رجل) يعني استقبلت روحه عند الموت، وفي رواية عبد

٤٧٣
كتاب: المساقاة
كُنْتُ أُدَائِنُ النَّاسَ. فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: ((تَجَوَّزُوا عَنْهُ)).
٣٩٧٠ - (٢٧) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ حُجْرٍ) قَالاً:
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نُعَيْم بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ. قَالَ: اجْتَمَعَ
حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ((رَجُلٌّ لَقِيَ رَبَّهُ فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ
الْخَيْرِ، إِلاَّ أَنِّي كُنْتُ رَجُلاً ذَا مَالٍ. فَكُنْتُ أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ. فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ وَأَتَجَاوَزُ
عَنِ الْمَعْسُورِ. فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)). قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هُكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِله
يَقُولُ.
٣٩٧١ - (٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ؛ ((أَنَّ رَجُلاً مَاتَ
فَدَخَلَ الْجَنَّةَ. فَقِيلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ (قَالَ: فَإِمَّا ذَكَرَ وَإِمَّا ذُكِّرَ) فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ
النَّاسَ. فَكُنْتُ أُنْظِرُ الْمُعْسِرَ وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكّةِ أَوْ فِي النَّقْدِ. فَغُفِرَ لَهُ)). فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ:
وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ.
الملك بن عمير في ذكر بني إسرائيل عند البخاري: ((إن رجلاً كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك
لبقبض روحه)).
قوله: (فآمر فتياني) بكسر الفاء، جمع فتى، وهو الخادم، حراً كان أو عبداً.
قوله: (أن ينظروا المعسر) الإنظار: الإمهال، واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِن
كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَفْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فروى الطبري وغيره من طريق النخعي ومجاهد
وغيرهما أن الآية نزلت في دين الربا خاصة، وعن عطاء: أنها عامة في دين الربا وغيره، واختار
الطبري أنها نزلت نصّاً في دين الربا، ويلتحق به سائر الديون، لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا
أعسر المديون وجب إنظاره، ولا سبيل إلى ضربه، ولا إلى حبسه. كذا في فتح الباري (٤: ٢٦٢).
قوله: (ويتجوزوا عن الموسر) وفي رواية البخاري في البيوع: ((ويتجاوزوا)) وكلاهما
بمعنى واحد، والمراد المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير.
٢٧ - (٠٠٠) - قوله: (فكنت أقبل الميسور) يعني: آخذ من مديوني ما يتيسر له، وأتجاوز
عما عسر عليه .
٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (فإما ذَكَرَ وإما ذُكِّرَ) شك من الراوي، في أن الرجل ذكر مسامحته
بنفسه، أو ذكره الملائكة.
قوله: (أَتُجوّزَ في السكة) يعني: في الدراهم والدنانير المضروبة، قال في النهاية: ((يسمى

٤٧٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٩٧٢ - (٢٩) حدّثنا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ
طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ. قَالَ: ((أُتِيَ اللَّهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ، آتَاهُ اللَّهُ مَالاً.
فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا؟ (قَالَ: وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) قَالَ: يَا رَبِّ! آتَيْتَنِي
مَالَكَ. فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ. وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ. فَكُنْتُ أَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرٍ وَأُنْظِرُ
الْمُعْسِرَ. فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ. تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)).
فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودِ الأَنْصَارِيُّ: هُكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ.
٣٩٧٣ - (٣٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((حُوسِبَ
كل واحد منهما سكة، لأنه طبع بالحديد، واسمها سكةٍ)) وقوله: ((أو في النقد)) شك من الراوي،
كذا في شرح ذهني. والمراد أني كنت أتجاوز عن عيوب السكة أو النقد.
٢٩ - (٠٠٠) - قوله: (فقال عقبة بن عامر الجهني وأبو مسعود) هكذا وقع في جميع
النسخ، وهو وهم، والأصل أن أبا مسعود البذكر اسمه عقبة بن مرو، فكانت الرواية
هكذا: ((فقال عقبة بن عمرو أبو مسعود)) فوهم أيضا الأحمر، وجعله» ((عقبة بن عامر وأبو
مسعود)) نبه عليه الدار قطني، كما في شرح النووي:
اختلفوا في شهودٍ بدراً، فقال الأكثر:
قوله: (عن أبي (محمود) الأنصاري البدري
"وما بعدها، وكان من أصحاب بيعة
بدراً، وإنما نزف ماء بيدر، فنسب إليه،﴾
العقبة:اتفاقاً، وكان من أصحاب علي واستخلفه مرة تلقى الكوفة. راجع الإصلية (٢: ٤٨٤)
ترجمة عقبة بن عمرو.
وحديثه هذا أخرجه الترمذي في البيوع، (رقم: ١٣٠٧) باب إنظار المعسر والرفق به،
وأحمد في مسنده (٤: ١٢٠).
٣٠ - (١٥٦١) - قوله: (حوسب رجل) الظاهر أن هذه القصة وقصة حديث حذيفة المار
واحدة، ويحتمل أن يكون هذا إخباراً عما سيقع عند الحساب بعد الحشر والنشر، وعبر عنه
بالماضي ليتحقق وقوعه، وإليه مال ابن الملك في مبارق الأزهار (٢: ٢٣١)، ويحتمل أيضاً أن
يكون الرجل قد يحاسب بعض الحساب بعد موته قبل النشور، وإلى هذا الثاني مال العيني في
عمدة القاري (٥: ٤٢٤)، ويدل عليه ما مر في حديث حذيفة أن هذا وقع عندما قبضت الملائكة
روحه، والله أعلم.

٤٧٥
كتاب: المساقاة
رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ. إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ. وَكَانَ
مُوسِراً. فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ
بِذَلِكَ مِنْهُ. تَجَاوَزُوا عَنْهُ)).
٣٩٧٤ - (٣١) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ (قَالَ
مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ (وَهُوَ ابْنُ
سَعْدٍ) عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لّ قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ. فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ
عَنْهُ. لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ)).
٣٩٧٥ - (٠٠٠) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَثِ يَقُولُ . بِمِثْلِهِ.
٣٩٧٦ _ (٣٢) حدّثنا أَبُو الْهَيْئَم خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ بْنِ عَجْلاَنَ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا قَتَادَةً طَلَبَ غَرِيماً
قوله: (لم يوجد له من الخير شيء) يعني: لم يوجد له فعل بر في المال، وإلا فله خير
الإيمان، ولذلك جاز له الغفران أفاده الأبي.
٣١ - (١٥٦٢) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في البيوع، باب من أنظر معسراً،
وفي الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، والنسائي في البيوع، باب حسن المعاملة والرفق في
المطالبة .
٣٢ - (١٥٦٣) - قوله: (أبو الهيثم خالد بن خداش) بكسر الخاء وتخفيف الدال، هو
الأزدي المهلبي البصري، سكن بغداد، ضعفه ابن المديني وزكريا الساجي، ووثقه ابن سعد
ويعقوب بن شيبة، وقال ابن معين، وأبو حاتم، وصالح بن محمد: صدوق، وقال أبو حاتم:
سألت سليمان بن حرب عنه، فقال: صدوق لا بأس به، كان يختلف معنا إلى حماد بن زيد،
وأثنى عليه خيراً، وذكره ابن حبان في الثقات، مات سنة (٢٢٣ أو ٢٢٤هـ)، وراجع التهذيب
(٣: ٨٥).
قوله: (أن أبا قتادة) هذا الحديث مما انفرد بإخراجه مسلم من بين الأئمة الستة، وأخرجه
أحمد (٥: ٣٠٨ و٥: ٣٠٠)، والدارمي (٢: ١٧٦، رقم: ٢٥٩٢) من طريق محمد بن كعب
القرظي، ولفظه: ((من نفس عن غريمه أو محى عنه كان في ظل العرش يوم القيامة)).

٤٧٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ. ثُمَّ وَجَدَهُ. فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ. فَقَالَ: آللَّهَ؟ قَالَ: أللَّهَ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنفْسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ
يَضَعْ عَنْهُ)) .
٣٩٧٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ،
عَنْ أَيُّوبَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
قوله: (فتوارى عنه، ثم وجده) تفصيله ما أخرجه أحمد في مسنده (٥: ٣٠٨) من طريق
محمد بن كعب القرظي، قال: ((إن أبا قتادة كان له على رجل دين، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبىء
منه، فجاء ذات يوم، فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم، هو في البيت يأكل خزيرة، فناداه:
يا فلان! أخرج، فقد أخبرت أنك ههنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ قال: إني معسر،
وليس عندي. قال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله وَله
يقول: من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة)).
قوله: (من كرب) جمع كربة بضم الكاف، وهي غم يأخذ النفس لشدته، وروي في بعض
النسخ بفتح الكاف وسكون الراء، وهو بمعنى الكربة، أفاده ابن الملك في مبارق الأزهار (١:
٥٣).
قوله: (فلينفس) فليفرج، وأصله من النفس بفتحتين، يقال: أنت في نفس، يعني: في
سعة، فكأن من كان في كربة ضاقت عليه مداخل الأنفاس، فإذا فرج عنه فسحت، وراجع مجمع
البحار.
قوله: (أو يضع عنه) كذا في سائر النسخ الموجودة عندي، وضبطه علي القاري في المرقاة
بالجزم، عطفاً على قوله ((فلينفس))، والقياس في مثله أن يكون ((أو ليضع)) بإعادة اللام، ولكن
العرب يتوسعون في كلامهم بمثله، والله أعلم.
فائدة:
الفرض أفضل من النفل بسبعين درجة، إلا في مسائل: الأولى: إبراء المعسر مندوب،
وهو أفضل من إنظاره الواجب، الثانية: ابتداء السلام أفضل من جوابه، الثالثة: الوضوء قبل
الوقت مندوب، أفضل من الوضوء، بعد دخول الوقت. ذكره علي القاري في المرقاة (٦: ٩٨)
باب الإفلاس والإنظار، وفيه نظر، فتأمله.

٤٧٧
كتاب: المساقاة
(٧) - باب: تحريم مطل الغنّي. وصحة الحوالة،
واستحباب قبولها إذا أحيل على مَلِيّ
٣٩٧٨ - (٣٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلهِ قَالَ: ((مَظْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ،
(٧) - باب: تحريم مطل الغني وصحة الحوالة إلخ
٣٣ - (١٥٦٤) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في الاستقراض، باب مطل الغني
ظلم، وفي الحوالات، باب في الحوالة وهل يرجع في الحوالة؟ وباب إذا أحال على مليء
فليس له رد، وأخرجه مالك في البيوع باب جامع الدين والحول، وأبو داود (رقم: ٣٣٤٥) في
البيوع، باب في المطل، والترمذي (رقم: ١٣٠٨) في البيوع، باب في مطل الغني أنه ظلم،
والنسائي في البيوع، باب الحوالة، وابن ماجه في الصدقات، باب الحوالة، والدارمي في
البيوع، باب مطل الغني، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٢٤٥ و٢٥٤ و٢٦٠ و٣١٥ و٣٧٧
و٣٨٠ و٤٦٣ و٤٦٥)، وهذا اللفظ مروي أيضاً عن ابن عمر عند أحمد في مسنده (٢: ٧١)،
وعن جابر عند البزار في مسنده، كما في عمدة القاري (٥: ٦٦٣).
قوله: (مَظْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ) ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده (٢: ٢٤٥ و ٢٥٤
و٣٧٧) بلفظ: ((المطل ظلم الغني)) ورواه همام بن منبه في صحيفته (ص: ١٠٠، رقم: ٦٢)
بلفظ: ((إن من الظلم مطل الغني)) وبهذا اللفظ أخرجه أحمد عنه في مسنده (٢: ٣١٥)، والبيهقي
(٦: ٧٠) وهو يفسر ما قبله.
وأصل المطل: المد. قال ابن فارس: مطلت الحديدة أمطلها مطلاً: إذا مددتها لتطول،
وقال الأزهري: المطل المدافعة. وقال ابن سيدة في المحكم: المطل التسويف بالعدة والدين
ويستعمل من باب نصر وباب المفاعلة جميعاً والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر.
و((مطل الغني)) من قبيل إضافة المصدر إلى فاعله، والمعنى: أنه يحرم على الغني القادر أن
يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز. وقيل: هو من قبيل إضافة المصدر إلى مفعوله،
والمعنى أنه يجب وفاء الدين ولا يجوز تأخيره، ولو كان الدائن غنياً، ويؤخذ منه حكم الدائن
الفقير بالطريق الأولى، ولكن لا يخفى ما في هذا التفسير من تكلف، فالأول أولى.
وبالجملة، فمراد الحديث أن المديون إذا كان غنياً فلا يسع له التأخير والتسويف في أداء
دينه، والمراد من الغني ههنا: من قدر على أداء دينه، ولو كان في نفسه فقيراً، واختلفوا: هل
يعد الرجل غنياً إذا لم يكن عنده شيء، ولكنه يقدر على الاكتساب؟ فقيل: يعد غنياً، وقيل: لا،
وجمع بعضهم بين القولين، فقال: إن كان قد استقرض لسبب هو معصية فالواجب عليه

٤٧٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَىْ مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ)).
الاكتساب للأداء، فيعد غنياً عند قدرة الاكتساب، ولو كان فقيراً، وإن كان استقرض لحاجة
مباحة عرضت له فلا يعد غنياً حتى يكون عنده ما يؤديه .
ثم جعل الحديث مطل الغني ظلماً، للمبالغة في التنفير عن المطل، وبه استنبط سحنون من
المالكية أن الغني المماطل لا تقبل شهادته، لكون الحديث نص على أنه ظالم.
هذه خلاصة ما في عمدة القاري (٥: ٦٦٣)، وفتح الباري (٤: ٣٨١) باب الحوالة.
ثم إن الغني المماطل يدخل فيه كل من لزمه حق يستطيع أداؤه كالزوج لزوجته، والسيد
لعبده، والحاكم لرعيته، وسواء كان الحق مالياً أو غيره، ويجوز للحاكم أن يعزر مثله، لما روي
عن الشريد بن سويد الثقفي رُْه مرفوعاً: ((لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) أخرجه أبو داود في
الأقضية، باب في الحبس في الدين (رقم: ٣٦٢٨)، والنسائي في البيوع، باب مطل الغني،
وابن ماجه في الصدقات، باب الحبس في الدين، وإسناده حسن، وصححه الحاكم (٤: ١٠٢)
ووافقه الذهبي .
قوله: (إذا أتبع أحدكم) بصيغة المجهول من باب الإكرام، وذكر الخطابي في معالم السنن
(٥: ١٧) ورسالته إصلاح خطأ المحدثين (ص: ٢٥) أن أصحاب الحديث يقرءونه بتشديد التاء
من باب الافتعال، وهو غلط، والصحيح ((أتبع)) بوزن ((أكرم)). وتبعت الرجل بحقي، أتبعه تباعة
بفتح التاء: إذا طالبته به، وأنا تبيع، ومنه قوله تعالى (١٧: ٦٩): ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ،
تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] والإتباع: أن يجعل غيره يطالب ثالثاً، وهو إحالة الدين عليه، وقد ورد هذا
الحديث عند أحمد في مسنده (٢: ٤٦٣) بلفظ: ((ومن أحيل على مليء فليحتل)) وهو يفسر لفظ
حديث الباب، بأنه بمعنى الحوالة، والمراد أنه إن دعاكم مديونكم إلى أن تتركوا مطالبته
بدينكم، وتأخذوا مديونه به، فاقبلوا منه ذلك إن كان ذلك المحتال عليه مليئاً، يعني: غنياً .
قوله: (على مليء) هو مهموز اللام، من ملؤ الرجل بوزن كرم: إذا صار غنياً، فهو مليء،
ورواه بعضهم ((مليّ)) بتشديد الياء، فكأنه سهل الهمزة، ولهذا قال الكرماني: ((الملي كالغني لفظاً
ومعنى)) حكاه الحافظ في الفتح (٤: ٣٨٢) ورده بأن أصله مهموز.
قوله: (فَلْيَتْبَعْ) بفتح الياء وإسكان التاء، أمر من باب سمع.
وإن هذا الحديث أصل في مشروعية حوالة الدين، وفيه مسائل:
١ - الحوالة في الشرع: تحويل مطالبة الدين من ذمة المديون إلى ذمة ملتزم آخر، فالمديون
الأصلي هو المحيل أو الأصيل، والدائن هو المحال أو المحتال، ويقال له حويل أيضاً،
والملتزم الثالث هو المحال عليه أو المحتال عليه، والدين هو المحتال به. وعرفه البابرتي في
العناية بقوله: ((تحويل الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحتال عليه على سبيل التوثق به)).

٤٧٩
كتاب: المساقاة
٣٩٧٩ - ٢/٠٠٠ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح وَحَدَّثَنَا
٢ - اختلف الفقهاء: هل يشترط لصحة الحوالة أن يقبلها المحتال، وهو الدائن، فالجمهور
على أنه يشترط، ولا يجب على الدائن أن يقبل الحوالة دائماً. وخالفهم أحمد بن حنبل تَّتُهُ،
فقال: لا يشترط رضا الحتال لصحة الحوالة، فيجب على كل دائن أن يحتال إذا أحاله المديون
على آخر، بشرط أن يكون المحتال عليه قادراً على الأداء. وهو مذهب داود الظاهري على ما .
حكى عنه النووي والخطابي في معالم السنن (٥: ١٨)، وبه قال ابن حزم في المحلى (٨:
١١٠)، واستدل هؤلاء بصيغة الأمر في حديث الباب، فإن حقيقتها الوجوب، قال ابن قدامة في
المغني (٤: ٥٢٨): ولنا قول النبي ◌َّر: ((إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))، ولأن للمحيل إن
يوفي الحق الذي عليه بنفسه أو وكيله وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحال
القبول، كما لو وكل رجلاً في إبقائه، وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته عرضاً، لأنه
يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزم قبوله.
أما الحنفية والجمهور فاستدلوا بحديث سمرة بن جندب عن النبي وَ لّر قال: ((على اليد ما
أخذت حتى تؤدي)) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأبو داود والحاكم، وهذا اللفظ لأحمد في
مسنده (٥: ٨)، وهو مروي عن الحسن عن سمرة، وسماع الحسن من سمرة صحيح على
الراجح.
فدل هذا الحديث على أن المديون لا يبرء من ذمته حتى يؤدي الدين بنفسه، فوجب أن لا
تصح الحوالة إلا برضاً من الدائن، ولأجل هذا الحديث حمل الجمهور حديث الباب على
الندب والاستحباب .
وعلله في الهداية وفتح القدير (٥: ٤٤٤) من جهة النظر بأن الدين، حق الدائن والذمم.
متفاوتة، فإن بعض الأملياء عنده من اللدد في الخصومة والتعسير ما تكثر به الخصومة
والمضارة، فلا بد من رضا الدائن، صيانة لحقه عن المطل والتسويف.
ومن جهة أخرى، لو أجبر الدائن على قبول الحوالة لوجب أيضاً إذا أحاله المحال عليه
على آخر أن يجبر على اتباعه، ثم إذا أحاله ذلك على آخر، أن يجبر على اتباعه ويجري هذا
الإجبار لا إلى نهاية، وفيه ضرر ظاهر.
٣ - وأما المحتال عليه، فيشترط لصحة الحوالة رضاه أيضاً عند الحنفية، وقال مالك
وأحمد: لا يعتبر رضاه، إلا أن يكون المحتال عدوه، وللشافعي في اعتبار رضائه قولان:
أحدهما: يعتبر كقول الحنفية، وهو يُحكى عن الزهري، لأنه أحد من تتم به الحوالة، فأشبه
المحيل، والثاني: لا يعتبر، لأنه أقامه في القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضا من عليه الحق
كالتوكيل، كذا في المغنى لابن قدامة (٤: ٥٢٨).

٤٨٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ ، بِمِثْلِهِ.
٤ - ثم إذا صحت الحوالة برئت ذمة المحيل إلى الأبد عند مالك، والشافعي، وأحمد
رحمهم الله، فلا يصح رجوع المحتال إلى المحيل أبداً، غير أنه يقول مالك تغلفه: إن كان
المحتال عليه مفلساً، ولم يعلم المحتال بذلك، فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قال
جماعة من الحنابلة، كما في المغني (٤: ٥٢٦)، وأما إذا كان المحتال عالماً بإفلاسه، أو كان
غنياً، ولكنه أفلس أو مات بعد الحوالة فلا يصح عند أحد منهم أن يرجع الدائن على المحيل.
وخالفهم أبو حنيفة تَّقُ، فقال: يجوز للمحتال أن يرجع على المحيل إذا توى حقه عند
المحتال عليه، والتوى عنده أحد الأمرين: إما أن يجحد المحتال عليه الحوالة، ويحلف عند
الحاكم، ولا بينة له عليه، أو يموت مفلساً، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: هناك وجه
ثالث للتوى، وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه حال حياته، وهذا بناء على أن الإفلاس لا يتحقق
بحكم القاضي عنده، خلافاً لهما، كما في الهداية. وقول الصحابيين في الحوالة هو قول ابن
أبي ليلى، كما في كتاب الأم.
استدل الأئمة الثلاثة بحديث الباب، حيث أمر فيه المحتال بأن يتبع المحتال عليه دائماً،
فليس له الرجوع على المحيل، وقد برئت ذمته بالحوالة، لأن الحوالة تحول حق من موضعه إلى
غيره، وما تحول لم يعد كذا في كتاب الأم للشافعي (٣: ٢٢٨ و٢٢٩).
وأما الحنفية فعندهم دلائل قوية كثيرة:
١ - أخرج البيهقي في سننه (٦: ٧١) من طريق أبي الوليد، عن شعبة، عن خليد بن
جعفر، قال: سمعت أبا إياس، عن عثمان بن عفان، قال: ((ليس على مال امرىء مسلم توى،
يعني: حوالة)) وذكره الترمذي أيضاً تعليقاً.
وذكر البيهقي عن الشافعي رحمهما الله أنه أعله بجهالة خليد بن جعفر، وبأن أبا إياس لم
يسمع من عثمان رته، لأنه من الطبقة الثالثة من تابعي أهل البصرة.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما خليد بن جعفر فهو أبو سليمان البصري، من رواة
مسلم والنسائي والترمذي، وإنه ليس بمجهول، فقد روى عنه شعبة بن الحجاج، وعزرة ابن
ثابت، ومعروف أن شعبة متعنت في الرجال، ولا يروي إلا عن ثقة، وقد حكى البيهقي نفسه عن
شعبة أنه كان يثني عليه، وذكر الحافظ في التهذيب (٣: ١٥٧) عن شعبة أنه قال: ((حدثني
خليد بن جعفر، وكان من أصدق الناس وأشدهم اتقاء))، وقال يحيى بن سعيد: ((لم أره، ولكن
بلغني أنه لا بأس به)) وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ((ثقة))، وقال أبو حاتم: ((صدوق))،
وقال أحمد: ((أحاديثه حسان))، وقال النسائي في كتاب الكنى: ((ثقة))، ووثقه أبو بشر الدولابي