النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب: البيوع ٣٨٥١ - (٥٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ. قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعٍ الَّخْلِ؟ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّه عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ بعض الثمرة وبزهو بعض الشجرة مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهية بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به لكونه على خلاف الحقيقة. وأيضاً، فلو قيل بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد أو أكثره، وقد من الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه بها)) قلت: الذي يظهر من كتب الحنفية أن المعتبر عندهم بدو الصلاح في كل بستان على حدة إذا كان المبيع ثمر البستان كله، وبدو الصلاح في كل شجر على حدة إذا كان المبيع ثمر الشجر كله، ويؤيده قوله عليه ظلّل: ((إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال أخيه)) والله أعلم. ٥٥ _ (١٥٣٧) - قوله: (عن أبي البختري) هو بفتح الباء وإسكان الخاء وفتح التاء، واسمه سعيد بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن فيروز، الكوفي الطائي مولاهم، من رجال الجماعة، تابعي وثقه الأكثرون، وضعفه أبو أحمد الحاكم في الكنى، ولكن رد عليه النووي في شرحه والحافظ في التهذيب (٤: ٧٣)، قال هلال بن خباب: كان من أفاضل أهل الكوفة، وقال حبيب بن أبي ثابت: اجتمعت أنا وسعيد بن جبير وأبو البختري، فكان الطائي أعلمنا وأفقهنا، وقال العجلي: تابعي ثقة فيه تشيع، وقال أبو نعيم: مات في الجماجم سنة: ٨٣، وراجع التهذيب. قوله: (سألت ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في البيوع، باب السلم إلى من ليس عنده أصل، ولم أجده عند غير الشيخين من الأصول الستة، ولم يعزه ابن الأثير في جامع الأصول إلى غيرهما . قوله: (عن بيع النخل) وفي رواية آدم عند البخاري: ((عن السلم في النخل)) واستدل به بعض المالكية على جواز السلم في النخل المعين في البستان المعين، ولكن بعد بدو صلاحه، والجمهور على منع السلم في بستان معين، لأنه غرر يحتمل أن لا يخرج منه شيء، وهو مذهب أصحابنا الحنفية، والدليل عليه ما رواه ابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة أنه قال لرسول الله وَله: هل لك أن تبيعني تمراً معلوماً إلى أجل معلوم من حائط بني فلان، قال: لا أبيعك من حائط مسمى، بل أبيعك أوسقاً مسماة إلى أجل مسمى. حكاه العيني في عمدة القاري (٥ : ٦١٩) باب السلم في النخل. قوله: (نهى رسول الله ( ﴿ عن بيع النخل) والمراد من بيع النخل ههنا بيع ثمر النخل لا عينه، لأن النبي ◌َّر أذن في بيع عين النخل وإن لم يظهر فيه ثمر، وبهذا التفسير صرح العيني. ٣٨٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهُ أَوْ يُؤْكَلَ. وَحَتَّى يُوزَنَ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْزَرَ. ٣٨٥٢ - (٥٦) حدّثني أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَ تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا)) . ٣٨٥٣ - (٥٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لَهُمَا) قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ قوله: (حتى يأكل منه أو يؤكل) والمراد أن يكون صالحاً للأكل في الجملة، وهو كناية عن بدو الصلاح، كما فسره العيني تخلفه، ثم إن الحديث يدل على مذهب الحنفية من أنه يشترط في جواز السلم أن يكون المسلم فيه موجوداً في أيدي الناس في وقت العقد إلى حين حلول الأجل، فإن انقطع في شيء من ذلك لم يجز، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس والأوزاعي والثوري وأهل الكوفة، وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز السلم فيما هو معدوم في أيدي الناس إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل في الغالب، فإن كان ينقطع حينئذ لم يجز، كذا في عمدة القاري (٥: ٦١٨). ووجه دلالة هذا الحديث على مذهب الحنفية أن السؤال كان عن السلم في ثمر النخل، كما أسلفنا عن البخاري، فالظاهر أن المراد من (بيع النخل) في الجواب هو السلم في ثمر النخل ليطابق السؤال الجواب، وقد اشترط فيه النبي ◌َ﴿ أن يصير الثمر صالحاً للأكل، والسلم في ثمر شجر معين لا يجوز كما أسلفنا قريباً، فلا وجه لهذا التقييد في جواز السلم إلا اشتراط وجود الثمر من حين العقد إلى حلول الأجل، وبه يظهر رجحان ما أجاب به الطحاوي تكثّثه عن أحاديث النهي عن بدو الصلاح، وقد مر تفصيلاً في حكم البيع قبل بدو الصلاح. قوله: (وما يوزن؟) كأنه استغرب أن يوزن الثمر على الشجر. قوله: (حتى يحزر) بتقديم الزاي على الراء، بمعنى الخرص، والمراد أنه لا يحل بيعه حتى يصلح للخرص، وكان الخارصون إنما يخرصون التمر بعد بدو صلاحه، وكان فائدة الخرص معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يتصرف فيه المالك. وضبطه بعضهم (حتى يحرز) بتقديم الراء على الزاي، وجعله النووي تصحيفاً، ولكن ذكر الحافظ في الفتح (٤: ٣٥٧) أنه رواية الكشمهيني في صحيح البخاري، ومعناه: الحفظ والصون، والمراد حينئذ أنه لا يحل بيعه حتى يحفظ ويصان، والله أعلم. وقال العيني في العمدة: ((واعلم أن الخرص والأكل والوزن كلها كنايات عن ظهور صلاحها)). ٣٨٣ کتاب: البيوع سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ. وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ . ٥٧ - (١٥٣٤) - قوله: (وعن بيع الثمر بالتمر) المراد من الثمر ههنا الرطب، واعلم أن هناك صورتين لبيع الرطب بالتمر، الأولى: أن يباع الرطب المعلق على الشجر بالتمر المجذوذ، وهو ما يسمى مزابنة، وهو حرام بالإجماع إلا ما رخص فيه من العرايا على اختلاف في تفسيرها، وسيأتي الكلام فيه تفصيلاً في الباب التالي إن شاء الله والصورة الثانية: أن يباع الرطب المقطوع بالتمر المقطوع، وفيه خلاف، فقال الأئمة الحجازيون الثلاثة: إنه لا يجوز، سواء كان البيع بالتساوي أو بالتفاضل، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، وقال أبو حنيفة كثّفُ: يجوز البيع يداً بيد متساوياً ويحرم متفاضلاً أو نسيئة . استدل الأئمة الثلاثة بعموم حديث الباب، وبما أخرجه مالك والنسائي وأبو داود والترمذي عن زيد أبي عياش: ((أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعت رسول الله وَ الر يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول الله قال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهاه عن ذلك)) أخرجه مالك في باب ما يكره من بيع التمر، والترمذي في باب في النهي عن المحاقلة والمزابنة، وأبو داود والنسائي وابن ماجه في باب مستقل في بيع الرطب بالتمر. وأما استدلال أبي حنيفة تَّثُ فقد ذكر ابن الهمام في باب الربا من فتح القدير (٥: ٢٩٢): ((يحكي عن أبي حنيفة أنه دخل بغداد، وكانوا أشداء عليه لمخالفته الخبر، فسألوه عن التمر فقال: الرطب إما أن يكون تمراً أو لم يكن، فإن كان تمراً جاز العقد عليه لقوله وعليه: ((التمر بالتمر))، وإن لم يكن جاز لقوله وَلير: ((إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)). والخلاصة أنه تغلَهُ استدل بحديث ربا الفضل المعروف حيث أجاز النبي وَّر بيع التمر بالتمر إذا كان مثلاً بمثل يداً بيد، وأجاز بيعه بخلاف جنسه متفاضلاً أيضاً إذا كان يداً بيد، فإن اعتبرنا الرطب تمراً دخل في القسم الأول، وجاز البيع بالمماثلة حالاً، وإن اعتبرناه غير تمر جاز بيعه متفاضلاً أيضاً، وقد صرح صاحب الهداية بأن أبا حنيفة تكلفة اعتبر الرطب تمراً فحرم فيه التفاضل والنسيئة جميعاً، واستدل له بأن النبي ◌َّ ر أهدي إليه رطب، فقال: ((أوكل تمر خيبر هكذا)) فسمى الرطب تمراً. وهذا الحديث الذي أشار إليه صاحب الهداية حديث أخرجه الشيخان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن النبي وَلّ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله وَلاير: أكل تمر خيبر هكذا؟ إلى آخر ٣٨٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ،وَ لَه رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: أَنْ تُبَاعَ. الحديث، ولكن قال الحافظ الزيلعي تغّفهُ بعد تخريجه: ((والمصنف احتج بالحديث على جواز بيع الرطب بالتمر مثلاً بمثل بناء على تسميته في الحديث تمراً، وقد كشفت طرق الحديث وألفاظه، فلم أجد فيه ذكر الرطب، والبخاري ذكر الحديث في أربعة مواضع من صحيحه، في البيوع، وفي الوكالة، وفي المغازي، وفي الاعتصام، وبهذا اللفظ رواه النسائي أيضاً))، وراجع نصب الراية (٤: ٤٣)، وقد أجاب عنه شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٤: ٢٤٨) بأن التمر الجنيب هو الرطب، والله أعلم وبالجملة، فأبو حنيفة تغُّ اعتبر الرطب تمراً، وأجاز بيعه مثلاً بمثل يداً بيد لقوله وقلت : ((التمر بالتمر)) واعترض عليه بأن أبا حنيفة تغلفهُ لا يجوز بيع الحنطة المقلية بغير المقلية، مع أن كلا منهما حنطة، فينبغي أن يجوز البيع لقوله ظلَّل: ((الحنطة بالحنطة)) كما جاز في الرطب بالتمر، وأجاب عنه ابن الهمام تعلّقُ بما حاصله: أن قوله وَل﴾ ((مثلاً بمثل)) يستدعي أن يكون بين البدلين تساوياً حين العقد، والحنطة المقلية لا تساوي غير المقلية حالة العقد لاكتناز أحدهما وتخلخل الآخر، ففات التماثل وحرم البيع، بخلاف الرطب والتمر، فإنهما يتساويان حالة العقد، وإنما ينقص الرطب بعد جفافه، فيحدث التفاضل بعد العقد، ولا عبرة به بعد ما ثبت التماثل في حين العقد، والله أعلم. وأما حديث الباب فليس فيه حجة خلاف أبي حنيفة تغلّهُ، لأن مراده تحريم بيع الرطب المعلق بالتمر المقطوع، وهو عين المزابنة، وهو حرام لكونه مجازفة في الربويات، وليس مراده تحريم بيع الرطب المقطوع بالتمر المقطوع، والدليل على ذلك أمران: الأول: أن الحديث ذكر حرمة بيع الثمر بالتمر، ثم استثنى منه العرايا، والعرايا لا تكون إلا في المعلق بالمقطوع، كما سيأتي تفصيله في الباب اللاحق إن شاء الله. والثاني: أن رسول الله وَّل فسر بيع الثمر بالتمر بالمزابنة فيما أخرجه البخاري في آخر كتاب المساقاة (باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل إلخ) (١: ٣٢٠ و٣٢١) عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة ((أن رسول الله وَطير نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا، فأذن لهم)) فجعل بيع الثمر بالتمر مزابنة، والمزابنة لا تكون إلا في بيع المعلق بالمقطوع، وذلك لما أخرجه البخاري (١: ٢٩١) في باب بيع المزابنة عن أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله وَلهو نهى عن المزابنة والمحاقلة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر في رؤوس النخل، فظهر أن المزابنة تختص ببيع المعلق بالمقطوع، ولما عبر النبي ◌َّر عن بيع الثمر بالتمر، بالمزابنة في حديث رافع وسهل تبين أن المراد من النهي عن بيع الثمر بالتمر، هو بيع المعلق بالمقطوع، لا المقطوع بالمقطوع. ٣٨٥ كتاب : البيوع ٣٨٥٤ - (٥٨) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ (وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ) قَالاَ: أَخْبَرَنَا وأما حديث سعد بن أبي وقاص عنه فقد ذكر ابن الهمام في الفتح أن أبا حنيفة تَّته لما سئل عنه في مناظرته المذكورة ببغداد، أجاب عنه فقال: ((هذا الحديث دائر على زيد أبي عياش، وزيد بن عياش ممن لا يقبل حديثه)) وذكر الحافظ في التهذيب (٣: ٤٢٤) أن أبا حنيفة قال فيه: إنه مجهول، وتعقبه الخطابي في معالم السنن (٥: ٣٥) والمنذري وآخرون؛ بأنه ليس بمجهول، لأنه إن أراد جهالة العين فقد روى عنه عبد الله بن يزيد وعمران بن أبي أنس، ومن روى عنه اثنان ليس بمجهول العين، وإن أراد جهالة وصفه فقد أخرج حديثه مالك في الموطأ مع شدة تحريه للرجال، وصحح حديثه الترمذي وابن خزيمة، وقال ابن الجوزي في التحقيق: ((قال أبو حنيفة: زيد أبو عياش مجهول، فإن كان هو لم يعرفه، فقد عرفه أئمة النقل)) كما في نصب الراية (٤ : ٤١ ). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لم ينفرد أبو حنيفة كثّفُ في تجهيله لزيد أبي عياش، بل ذكره ابن حزم في المحلى (٨: ٤٦٦) (مسألة: ١٤٧٦) فقال: ((هو رجل مجهول، لا يدرى من هو؟)»(١) وقد اعترف الحاكم في المستدرك (٢: ٣٩) أن الشيخين لم يخرجا هذا الحديث لما خشياه من جهالة زيد أبي عياش، وذكره الحافظ في التلخيص (٣: ١٠، رقم: ١١٤٢) فقال: ((وقد أعله جماعة منهم الطحاوي والطبري وأبو محمد بن حزم عبد الحق، كلهم أعله بجهالة حال زيد أبي عياش)) وذكر في التهذيب عن ابن عبد البر أنه قال: ((فقيل: إنه مجهول، وقد قيل: إنه أبو عياش الزرقي)) فكأنه توقف فيه. فتلخص أنه قد وافق أبا حنيفة على تجهيله البخاري ومسلم وابن حزم وابن جرير الطبري وعبد الحق والطحاوي وابن عبد البر رحمهم الله تعالى، بل ذكر شيخنا العثماني كثّثه في إعلاء السنن (١٤: ٢٤٤) عن عبد الله بن المبارك تغلقه أنه قال: (كيف يقال إن أبا حنيفة لا يعرف الحديث، وهو يقول: زيد ممن لا يقبل روايته)) وأما قول من وثقه فلا يكفي حجة على أبي حنيفة كثّفُ، وهو إمام مجتهد. نعم، اعتماد مالك كثَّثُ على زيد أبي عياش وإخراج حديثه في موطأه من أقوى الأدلة على كونه مقبولاً معروفاً عنده، والظاهر أنه وثقه على علم منه بحاله، وقد ذكر الحاكم في مستدركه إجماع أئمة أهل النقل على إمامة مالك، وأنه محكم في كل ما يرويه، وأنه لم يوجد في روايته إلا الصحيح، خصوصاً في حديث أهل المدينة، ومن وثق زيد بن عياش فإنما وثقه تقليداً لمالك، واعتماداً عليه، لا معرفة به، فإني لم أجد أحداً من علماء الجرح والتعديل يذكر حاله، فالظاهر أنه لم يوثقه إلا مالك كثّهُ، ولم يوثقه إلا بإخراج حديثه في الموطأ، وقال شيخنا (١) فما ذكره في العرف الشذي (ص: ٣٨٥) من قول ابن حزم أن أبا العياش معروف عند أهل الصناعة، لعله خطأ من ضابط العرف الشذي وليس قول ابن الجوزي بقول ابن حزم، والله أعلم. ٣٨٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلمَةَ بْنُ السهار نفوري: ((والأصل أنه وقع الاختلاف في جرح زيد بن عياش وتعديله بين أبي حنيفة ومالك، فرواية مالك تقتضي تعديله ضمناً وتبعاً، وثبت الجرح عن أبي حنيفة صراحة، فلا يقاوم تعديل مالك جرح أبي حنيفة)) كذا في بذل المجهود (١٥: ١٩). ثم إن هذا الحديث لا ينتهض حجة على أبي حنيفة تغُّ على تقدير صحته أيضاً، لأنه محمول عنده على بيع الرطب بالتمر نسيئة، لا على بيعه يداً بيد، والدليل عليه ما أخرجه أبو داود والبيهقي في سننه (٥: ٢٩٤) من طريق يحيى بن أبي كثير قال: ((أخبرنا عبد الله أن أبا عياش أخبره أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: نهى رسول الله وَّر عن بيع الرطب بالتمر نسيئة)) فقد وقع التصريح في هذا الطريق بأن النهي في الحديث إنما كان عن البيع نسيئة، لا عن البيع يداً بيد. واعترض عليه البيهقي تقذفُ بأن يحيى بن أبي كثير تفرد بزيادة قوله ((نسيئة)) ولم يذكره مالك ولا إسماعيل بن أمية ولا الضحاك بن عثمان ولا أسامة بن زيد، مع أن هؤلاء الأربعة رووه عن عبد الله بن يزيد، واجتماع هؤلاء على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ، وهو مالك بن أنس. ولكن اعتراض البيهقي هذا ضعيف لوجهين: ١ - قد تقرر في أصول الحديث أن زيادة الثقة مقبولة، ويحيى بن أبي كثير من أثبت الناس في زمنه، وكان شعبة والإمام أحمد يقدمانه على الزهري، كما في التهذيب (١١: ٢٦٩)، فزيادته مقبولة بلا شك، وأما مالك بن أنس وغيره فلم يخالفوه، وإنما سكتوا عن زيادة قد أتى بها يحيى، فلا وجه لرد روايته بمجرد سكوتهم عما زاده. ٢ - ثم إن يحيى بن أبي كثير لم ينفرد بهذه الزيادة، لأن أبا داود قد أخرج روايته هذه، ثم قال: ((قال أبو داود: رواه عمران بن أبي أنس عن مولى لبني مخزوم عن سعد نحوه)) وظاهر هذا أن عمران بن أبي أنس قد روى هذا الحديث بمثل رواية يحيى بزيادة قوله («نسيئة»، ويدل عليه ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٦١) من طريق عمرو ابن الحارث عن بكير بن عبد الله حدثه عن عمران بن أبي أنس أن مولى لبني مخزوم حدثه ((أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن الرجل يسلف الرجل الرطب بالتمر إلى أجل، فقال سعد: نهانا رسول الله (وَلّر عن هذا)) فقد صرح فيه أن السؤال كان عن السلف، وهو النسيئة. وإن البيهقي تَُّهُ قد أتى بحديث عمران بن أبي أنس موافقاً لرواية مالك وغيره، ولكن حقق المارديني تظَّفُ في الجوهر النقي (٥: ٢٩٥) أن رواية الطحاوي أجل إسناداً من رواية البيهقي، وأما ما وقع في إسناد الطحاوي من («مولى لبني مخزوم)) فالظاهر أن المراد منه زيد بن عياش، والله أعلم. ٣٨٧ کتاب: البيوع عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ. وَلاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّهْرِ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ، مِثْلَهُ سَوَاءً . (١٤) - باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا ٣٨٥٥ - (٥٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسِّيِّبِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ بقي ههنا شيء، وهو أنه إن كان مراد الحديث تحريم بيع الرطب بالتمر لعلة النسيئة لا لعدم التساوي، فلماذا سئل النبي ◌َّله من حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ مع أن حكم التحريم في النسيئة سواء، يبس الرطب أو لا، ولم أجد أحداً من الحنفية تعرض لجوابه، إلا بهاء الدين المرجاني في حاشيته على التلويح فيما حكاه عنه الشيخ الأنور في العرف الشذي (ص: ٣٨٧)، وحاصل ما قاله: أن النبي ◌َ ◌ّ لم يسأل عن جفاف الرطب لكونه مدار الحكم، وإنما سأل عن ذلك تنبيهاً على أنه لا فائدة في هذا البيع نسيئة، لأن الرطب ينقص بعد ما يبس، وإلا فمدار التحريم هو النسيئة، فتأمل، والله أعلم. ولشيخنا العثماني التهانوي تَّته في هذا الباب كلام طويل ومناقشات مع ابن حزم وابن القيم، وليراجع لها إعلاء السنن (١٤: ٢٤٤ إلى ٢٥٣). ٥٨ - (١٥٣٨) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه أيضاً النسائي وابن ماجه في باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه. (١٤) - باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا ٥٩ - (١٥٣٩) - قوله: (حجين بن المثنى) حجين مصغراً بتقديم الحاء على الجيم وآخره نون، هو اليمامي الخراساني نزيل بغداد، روى عن الليث ومالك وعبد العزيز الماجشون وغيره، وعنه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما، قال البخاري: كان قاضياً على خراسان، وقال أبو بكر الجارودي: ثقة ثقة، ووثقه أيضاً ابن سعد ومحمد بن رافع وصالح بن محمد، مات ببغداد سنة ٢٥٠، كذا في التهذيب (٢: ٢١٦). قوله: (عن سعيد بن المسيب) أخرجه أيضاً النسائي في المزارعة، باب النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، ومالك في الموطأ، في المزابنة والمحاقلة، وهذا مرسل، ومراسيل سعيد ابن المسيب مقبولة كما صرح به ابن عبد البر في مقدمة التمهيد (١: ٣٠) وعلى قبوله اتفق العلماء، حتى أكثر الشافعية الذين لا يحتجون بالمراسيل، يقبلون مرسل ابن المسيب، كما ذكره النووي في مقدمة شرح المهذب. ٣٨٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ. وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ. وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْحِ. وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ . قوله: (عن بيع المزابنة) تفسيره أن يباع الثمر المعلق بالتمر المجذوذ، وهو حرام لكونه مجازفة في الربويات، فإن ما على الشجر لا يكال، وإنما يباع خرصاً، فإذا بيع بجنسه خرصاً، كان فيه احتمال التفاضل، واحتمال التفاضل في الربويات في حكم الربا. والمزابنة مفاعلة من الزبن، وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب الزبون لشدة الدفع فيها، وإنما سمي به هذا البيع لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع. ثم عمم الشافعي بيع المزابنة في كل بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من الربويات، وقال مالك: المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل، سواء كان من الربويات أو لا. هذا ملخص ما في فتح الباري (٤: ٣٢٠). قوله: (المحاقلة) اختلف العلماء في تفسيره، والمعروف أنه بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية مجذوذة، فالمزابنة تكون في الشجر، والمحاقلة في الزرع، وفسره بعضهم بالمزارعة بالثلث والربع، فعلى هذا يرادف المحاقلة المخابرة، وفرّق بعضهم بينهما بأن المحاقلة هو استكراء الأرض بكيل مسمى من الخارج، والمخابرة هو استكراء الأرض بجزء شائع من الخارج كالثلث أو الربع، فسر بعضهم المحاقلة ببيع الزرع قبل إدراكه، فعلى هذا يرادف المحاقلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها . والمحاقلة في اللغة مفاعلة من الحقل، وهو الزرع وموضعه، وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ. هذا ملخص ما في باب المخاضرة من فتح الباري (٤: ٣٣٧) وباب المزابنة من عمدة القاري (٥: ٥٣٨). قوله: (واستكراء الأرض بالقمح) هذا هو التفسير الثاني للمحاقلة، وحاصله استكراء الأرض بجزء من الخارج، وهو ممنوع عند أبي حنيفة مطلقاً، فالحديث عنده على إطلاقه وعمومه، وأما الجمهور ومنهم أبو يوسف ومحمد رحمهما الله فإنما يقولون بتحريمه إذا وقع الاستكراء على قدر مسمى من الخارج، وأما إذا وقع الاستكراء على جزء شائع من الخارج، كالثلث والربع، فلا حرمة عندهم، وعليه الفتوى عند الحنفية، فيكون النهي عندهم في حديث الباب مقيداً بالصورة الأولى، ويدل على هذا التقييد ما أخرجه ابن ماجه في كتاب الرهون، باب استكراء الأرض بالطعام، عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل على عهد رسول الله وَلّ، فزعم أن بعض عمومتي أتاهم، فقال: قال رسول الله وَلاير: من كانت له أرض فلا يكريها بطعام ٣٨٩ كتاب : البيوع قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَليهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهُ. وَلاَ تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالثَّمْرِ)). وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذُلِكَ فِي بَيْعِ الْعَرِبَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ. وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذُلِكَ. مسمى)) فقيد النهي بما إذا كان الطعام مسمى. وسيأتي تمام الكلام على هذه المسألة في باب کراء الأرض إن شاء الله. قوله: (قال: وأخبرني سالم) قائله ابن شهاب الزهري، لأن البخاري أخرجه في باب بيع المزابنة، وفيه: ((عن عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر)) فذكر الحديث. قوله: (وقال سالم) هو موصول بالإسناد المذكور، وسيأتى حديث زيد بن ثابت مفرداً بعد رواية واحدة من طريق نافع عنه. وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت، ولم يفصل حديث ابن عمر من حديث زيد بن ثابت، ولفظه: ((عن زيد بن ثابت أن النبي و لو نهى عن المحاقلة والمزابنة، إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها)) فجعل النهي عن المحاقلة والمزابنة أيضاً من رواية زيد بن ثابت، وقد أشار الترمذي إلى أن محمد بن إسحاق وهم فيه، فإن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يرد في حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطته، والذي رواه ابن عمر بواسطة زيد بن ثابت هو استثناء العرايا فقط، ولكن قال الحافظ في باب المزابنة من الفتح (٤: ٣٢١): ((فإن كانت رواية محمد بن إسحاق محفوظة احتمل أن يكون ابن عمر حمل الحديث كله عن زيد بن ثابت وكان عند بعضه بغير واسطة)) والله سبحانه أعلم. قوله: (رخص بعد ذلك في بيع العربية) أعلم أن الفقهاء اتفقوا على تحريم بيع المزابنة كما مر، واتفقوا أيضاً على الرخصة في العرايا، وهي جمع العرية، ولكن اختلفوا في تفسير العرية اختلافاً شديداً، وجملة القول في ذلك أن في تفسير العرايا خمسة أقوال: الأول: قول الشافعي كَُّ، فالعرايا عنده بيع المزابنة بعينه فيما دون خمسة أوسق، فإذا كان بيع الثمر المعلق بالتمر المجذوذ فوق خمسة أوسق كان مزابنة حراماً، وإن كان هذا البيع بعينه فيما دون خمسة أوسق فهو بيع العرايا، وهو جائز عنده، وإن كان في خمسة أوسق (لا في ما دونها ولا في مافوقها) ففيه وجهان للشافعية، أصحها عدم الجواز، كما في شرح النووي وهذا القول في تفسير العرايا قد اختاره بعض الحنابلة أيضاً، وجعله ابن قدامة في المغني (٤ : ٥٩) ظاهر كلام أصحابهم. الثاني: قول أحمد تخَّهُ، والعرايا عنده أن توهب لرجل ثمر نخلة، فيبيعها الموهوب له من ٣٩٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم غير الواهب، وهو جائز عنده فيما دون خمسة أوسق، وهو رواية الخرقي والأثرم عن أحمد تَّتُهُ، كما في المغني، وجعله ابن رشد مذهب أحمد في بداية المجتهد (٢: ٢١٥). والثالث: قول مالك تخَّهُ المشهور، والعرايا عنده أن يهب الرجل ثمرة نخلة أو نخلات من حائطه لرجل بعينه، ثم يتأذى بدخول الموهوب له في حائطه لمكان أهل بيته في الحائط، فيجوز للواهب أن يشتري الثمار المعلقة من الموهوب له بخرصها تمراً، ولكن يجوز هذا البيع عند مالك بشروط أربعة: أحدها: أن تزهى الثمار، والثاني: أن تكون خمسة أوسق فما دون، فإن زادت فلا يجوز، والثالث: أن يعطيه التمر الذي يشتريها به عند الجذاذ، فإن أعطاه نقداً لم يجز، والرابع: أن يكون التمر من صنف ثمر العرية ونوعها. وهذه الشروط الأربعة قد ذكرها ابن رشد في بداية المجتهد (٢: ٢١٤ و٢١٥) كتاب بيع العربية، وزاد الأبي في شرحه (٤: ٢٠٧) أن تكون المنحة بلفظ العربية لا بلفظ الهبة، وأن يكون للمشتري جميع العربية، وأن يكون مما يدخر ویبس . والقول الرابع: قول أبي حنيفة تَغَفُ، وتفسير العرايا عنده عين ما فسر به مالك تخافه، غير أنه يقول: إنه ليس ببيع حقيقة، وإنما هو استبدال موهوب بموهوب آخر قبل أن يقبضه الموهوب له، وذلك لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض فلما وهب المالك ثمرة نخله لرجل فقير مثلاً، لم تتم الهبة بقوله فقط، وإنما ستتم عند قبضه الثمر، فلما تغير رأيه وأراد أن يأخذ ثمار النخل لأهله، ويعطي الفقير مكانها تمراً مجذوذاً، فإنما هو استبدال الهبة، وليس بيعاً في الحقيقة، وإنما سمي بيع العرايا مجازاً لكون صورته صورة البيع، ولما لم تكن المعاملة بيعاً لا تشترط لجوازه الشروط الأربعة التي اشترطها مالك كثّفُهُ، بل تجوز مطلقاً . والقول الخامس: قول أبي عبيد القاسم بن سلام كثّفُ، وتفسير العرايا عنده، على ما ذكره في كتاب الأموال (ص: ٤٨٨، رقم: ١٤٥٨) باب خرص الثمار للصدقة، والعرايا: ((إن العرايا هي النخلات يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته، فلا يدخلها في البيع، ولكنه يبقيها لنفسه وعياله، فتلك الثنيا لا تخرص عليه، لأنه قد عفى لم عما يأكلون تلك الأيام، فهي العرايا، سميت بذلك في هذا التفسير لأنها أعريت من أن تباع، أو تخرص في الصدقة، فأرخص النبي ◌َ﴾ لأهل الحاجة المسكنة الذين لا ورق لهم ولا ذهب، وهم يقدرون على الثمر أن يبتاعوا بتمرهم من ثمار هذه العرايا بخرصها، فعل ذلك بهم النبي وَ﴿ ترفقاً بأهل الفاقة الذين لا يقدرون على الرطب ليشاركوا الناس فيه، فيصيبوا منه معهم، ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون لتجارة، ولا لا دخار)). فالحاصل أن الأئمة الثلاثة الحجازيين والإمام أبا عبيد تغّفهُ كلهم يرون بيع العرايا بيعاً استثناه رسول الله ◌َيّر من حرمة بيع الزابنة، ثم عممه الشافعي في كل مزابنة فيما دون خمسة ٣٩١ کتاب: البيوع أوسق، وخصه أحمد ببيع الموهوب له من غير الواهب، وخصه مالك ببيع الموهوب له من الواهب، وخصه أبو عبيد بثمار أشجار مخصوصة أبقاها المالك عند بيع الحائط لنفسه وعياله، فجاز له أن يبيعها من الفقراء بخرصها تمراً . وأما أبو حنيفة كَّقُ فلا يعتبر العرايا بيعاً في الحقيقة، وإنما هو عنده بيع صورة، واستبدل موهوب بموهوب آخر حقيقة، فاستثناه العرايا من المزابنة متصل عند الحجازيين، ومنقطع عند أبي حنيفة كَُّ . ثم إن تفسير أبي حنيفة كثّفُ راجح لغة، ورواية ودراية. أما لغة فإن العرايا جمع عرية، وهي في اللغة النخلة يعطى ثمرها لمحتاج، قال ابن منظور في لسان العرب (١٩: ٢٧٧): ((وأعراه النخلة: وهب له ثمرة عامها، والعرية: النخلة المعراة، قال سويد بن الصامت الأنصاري: ليست بسنهاء ولا رجبية(١) ولكن عرايا في السنين الجوائح يقول: إنا نعريها الناس ... قال أبو عبيد: العرايا واحدتها عرية، وهي النخلة يعريها صاحبها رجلاً محتاجاً، والإعراء أن يجعل له ثمرة عامها ... وقال غيره: العرايا أن يقول الغني للفقير: ثمر هذه النخلة أو النخلات لك، وأصلها لي .... قال الأزهري: وأعرى فلان فلاناً ثمر نخلة: إذا أعطاه إياها يأكل رطبها، وليس في هذا بيع، وإنما هو فضل ومعروف، وروى شمر عن صالح بن أحمد عن أبيه، قال: العرايا أن يعري الرجل من نخله ذا قرابته أو جاره ما لا تجب فيه الصدقة. وقال ابن سيدة في المحكم (١: ١٩٧): ((أعراه النخلة: وهب له ثمرة عامها، والعرية: النخلة المعراة)) ثم أنشد بيت سويد المذكور، وذكر ابن سيدة في كتاب النخل من المخصص (١١: ١٣٢) عن أبي حنيفة الدينوري: ((إذا أخرفه نخلة يأكل ثمرتها، فتلك النخلة تسمى العرية، وقد أعراه إياها)). وقال الجوهري في الصحاح (٦: ٢٤٢٣): ((والعرية: النخلة يعريها صاحبها رجلاً (١) السنهاء: النخلة التي حملت عاماً ولم تحمل آخر، وقد تكون التي أصابها الجدب وأضر بها، كما في اللسان (١٢: ٣٩٦) والرجبية بضم الراء، وتشديد الجيم المفتوحة: هي النخلة التي وضع الشوك حوالي أعذاقها لئلا يصل إليها آكل فلا تسرق، والجوائج: جمع جائحة وهي السنة المجدبة، فالشاعر يصف نخلته بأنها ليست مجدبة، ولا ممنوعة للآكلين، ولكنها عرية تعرى في سني القحط والجوائح، وقبل هذا البيت: أدين وما ديني عليكم بمغرم وراجع لسان العرب، مادة رجب (١: ٣٩٢). ولكن على شم الجلاد القراوح ٣٩٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم محتاجاً، فيجعل له ثمرها عاماً، فيعروها أي يأتيها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارت في عداد الأسماء، مثل النطيحة والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة قلت: نخلة عرى، وفي الحديث أنه رخص في العرايا بعد نهيه عن المزابنة، لأنه ربما تأذى المعري بدخوله عليه، فيحتاج أن يشتريها منه بثمن، فرخص له في ذلك)) ثم أنشد شعر ابن الصامت المذكور، واقتصر الجوهري في تفسير العرية على هذا المعنى ولم يذكر معنى سواه. فهذه أقوال أهل اللغة، كلها تدل على أن العربية هي هبة ثمرة النخلة، كما فسره بذلك أبو حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى، وليس في اللغة ما يدل على قول الشافعي تظُّ إلا بتكلف. وأما رواية، فتدل الروايات التالية على تفسير أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى: ١ - سيأتي عند المصنف في الرواية الآتية عن زيد بن ثابت: ((أن رسول الله وَّو رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً)) فقد صرح في هذه الرواية أن آخذي العرية هم أهل بيت المعري، وهم الذين يأكلونها رطباً، ويعطون بدلها تمراً، وهذا المعنى إنما يتأتى في تفسير أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، ويقرب منه ما في رواية هشيم عند المصنف بعد روايتين: ((والعرية النخلة تجعل للقوم فيبيعونها بخرصها تمراً)) ففاعل البيع ههنا هو القوم، والمراد منه المعرى لهم، والظاهر أن المراد ببيعهم من المعري بدليل الرواية السابقة حيث جعل فيها أهل بيت المال يأكلونها رطباً. وأصرح منه ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢: ٢١٥ عن زيد بن ثابت، ولفظه: ((رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل، فيبيعهما بخرصها تمراً)) قال الطحاوي: ((فهذا زيد بن ثابت رضيُه، وهو أحد من روى عن النبيقوَّل الرخصة في العرية، فقد أخبر أنها الهبة)). ٢ - سيأتي عند الصنف في رواية الليث عن يحيى بن سعيد: ((قال يحيى: العربية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطباً بخرصها تمراً)) وهذا اللفظ وإن كان يحتمل تفسير الشافعي أيضاً، ولكنه في تفسير مالك وأبي حنيفة أظهر، وذلك لأن الروايتين السابقتين مرويتان عن يحيى بن سعيد هذا، فالظاهر أنه أراد موافقة ما رواه، ولم يخالفه. ٣ - أخرج البخاري في باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب أو الفضة عن سهل بن أبي حثمة: ((أن رسول الله وَّل نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرية أن تباع(١) بخرصها يأكلها أهلها رطباً)) فإن لفظ (الأهل) يدل على أن آكلي الرطب هم أهل النخلة ولا يتأتى ذلك إلا في تفسير أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، لأن آكلي الرطب في تفسير الشافعي وأحمد وأبي عبيد (١) وأخرج أحمد هذا الحديث في مسنده (٤: ٢) بلفظ: (أن تشتري بخرصها) راجع الفتح الرباني (١٥: ٣٩). ٣٩٣ كتاب: البيوع ٠٠ هم غير أهل النخلة، وأجاب عنه الحافظ في الفتح (٤: ٣٢٧) بأنه يحتمل أن يراد بالأهل من تصير إليه بالشراء، ولكنه احتمال بعيد كما ترى، ويرده ما سيأتي عند مسلم من حديث سهل بن أبي حثمة، ولفظه: ((إلا أنه رخص في بيع العربية النخلة والنخلتين، يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً يأكلونها رطباً)) فقد صرح فيه بأن المراد أهل بيت المعري، ثم أجاب الحافظ مرة أخرى بقوله: ((والأحسن في الجواب أن حديث سهل دل على صورة من صور العرية، وليس فيه التعرض لكون غيرها ليس عرية)) ولكن هذا الجواب ضعيف جداً، لأن الأصل في بيع الثمر بالتمر أن يكون حراماً، فلا يحل إلا ما أحله النبي ◌َّة، ولم يرخص النبي ◌َّ إلا في هذه الصورة الخاصة من العرايا، وقد فسرها تفسيراً واضحاً، فكيف يسوغ أن يقاس عليها غيرها من الصور التي لا تدخل في العرايا لغةً ولا يدل على دخولها فيها رواية؟ ٤ - قد دلت عدة أحاديث وآثار أن النبي ولو كان يبعث خارصاً على بساتين الناس يخرص عليهم نخلهم لتعيين الصدقة الواجبة عليها، فيأمر الخارص أن يستثني العرايا من الخرص ولا يوجب عليها الصدقة، ولا معنى لاستثناء العربية من الصدقة إلا إذا فسرت العرية بما فسر به أبو حنيفة ومالك رحمهما الله، لأن العرية على تفسيرهما هبة للمساكين يهبهما الرجل بنفسه، فاستثناها النبي ◌َّل من الصدقة لكونها بلغت محلها، ولا معنى لهذا الاستثناء على تفسير الشافعي تكّثُ. أخرج الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢: ١٧٥) من طريق أبي بكرة عن أبي عمر عن جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن مكحول الشامي مرسلاً عن رسول الله وسلم أنه قال: ((خففوا في الصدقات، فإن في المال العربية والوصية)) وسنده قوي، وأخرجه أيضاً أبو داود قبيل باب زكاة الفطر من مراسيله (ص: ٩)، وأخرجه أبو عبيد في كتاب الأموال (ص: ٤٨٧، رقم: ١٤٥٣) عن مكحول مرسلاً، قال: ((كان رسول الله و له إذا بعث الخراص قال: خففوا، فإن في المال العرية والوطية)»(١) وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في خرص النخل (٣: ١٩٥). وأخرج أبو عبيد أيضاً عن عمر بن الخطاب رضيبه قال: ((خففوا على الناس في الخرص، فإن في المال العربية، والواطئة، والأكلة)) وأخرجه البيهقي في سننه (٤: ١٢٤) وزاد فيه: ((قال الوليد (يعني ابن مسلم): قلت لأبي عمرو (يعني الأوزاعي): وما العربية؟ قال النخلة والنخلتين والثلاث، يمنحها الرجل لرجل من أهل الحاجة، قلت: فما الآكلة؟ قال: أهل المال، يأكلون منه رطباً، فلا يخرص ذلك، ويوضع من خرصه، قال: قلت: فما الوطية؟ قال: من يغشاهم ويزورهم)) ثم قال البيهقي: ((وهذا اللفظ الذي رواه الأوزاعي عن عمر ظُه في التخفيف قد رواه (١) الوطية: ما يوطؤ تحت الأقدام، والمراد ما يقع من الشجر على الأرض. ٣٩٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مكحول عن النبي (َ ﴿ مرسلاً)) وقد ذكر الحافظ في التلخيص أن ابن عبد البر أخرجه من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً . وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٤: ١٢٦، رقم: ٧٢١٠) عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم قال: ((كان النبي ◌ّ﴿ إذا بعث خارصاً أمره أن لا يخرص العرايا))، وأخرجه أيضاً البيهقي ٤: ١٢٣ تعليقاً عن معمر وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وقد حرف الطابعون لفظه. وأخرج البيهقي في سننه (٤: ١٢٥) عن أبي سعيد الخدري: (سمعت النبي ◌َّ يقول، وأشار النبي وَل: بكفه بخمس أصابع: ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة - وزاد عن النبي ◌ّر في هذا الحديث - وليس في العرايا صدقة)) ثم قال البيهقي: ((محمد بن يحيى بن حبان، يروي حديث الأواق والأوساق والأذواد عن يحي بن عمارة عن أبي سعيد، فيحتمل أن تكون هذه الزيادة معها في الحديث)» قلت: وأخرج أبو عبيد في الأموال ص ٤٨٦ هذه الزيادة فقط من طريق حجاج عن ابن جريج عن عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه يحيى بن عمارة عن أبي سعيد الخدري عن النبي ◌َّ قال: ((ليس في العرايا صدقة)) وهو متابع حسن لرواية محمد بن يحيى بن حبار عند البيهقي. وبالجملة، فحديث استثناء العرايا من الصدقة مروي عن أبي سعيد الخدري وجابر مرفوعاً وموصولاً، وعن مكحول وأبي بكر ابن حزم مرسلاً، وعن عمر بن الخطاب موقوفاً، ولا يتأتى فيه إلا تفسير أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، لأن استثناء العرايا من الصدقة إنما هو لكونها هبة موهوبة للفقراء، فكأن الصدقة قد بلغت محلها، فلا حاجة للمصدق أن يصدقها ثانية، ولا يتأتى في هذا الحديث تفسير الشافعي كثّفُ، ولذلك فسرها الأوزاعي كثُّ في رواية البيهقي بعين ما فسر به الحنفية والمالكية. ٥ - قد عقد البخاري تقدّفُ لتفسير العرايا باباً مستقلاً، وأصدره بقول مالك تغذفه: ((العرية أن يعري الرجل النخلة، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخص له أن يشتريها منه بتمر)) وقال الحافظ تحته في الفتح (٤: ٣٢٥): ((وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب عن مالك، وروى الطحاوي من طريق ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمراً، فرخص له في ذلك)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والإمام مالك بن أنس تثاثهُ أعلم الناس بعرف أهل المدينة ولغتهم وعاداتهم، وكانت كلمة ((العرايا)) من لغة أهل المدينة، ولم يعرفه غير أهل المدينة إلا من جهتهم، والدليل على ذلك ما أخرجه أحمد في مسنده (٤: ٢) من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال: نهى رسول الله وَّر عن بيع التمر بالتمر ٣٩٥ كتاب: البيوع ورخص في العرايا أن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رطباً، قال سفيان: ((قال لي يحيى بن سعيد: وما علم أهل مكة بالعرايا؟ قلت: أخبرهم عطاء سمعه من جابر)) وأصل هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في باب بيع التمر على رؤوس النخل ولفظه: ((قال سفيان: فقلت ليحيى وأنا غلام: إن أهل مكة يقولون: إن النبي ◌َّو رخص لهم في بيع العرايا، فقال: وما يدري أهل مكة؟ قلت: إنهم يروونه عن جابر، فسكت. قال سفيان: إنما أردت أن جابراً من أهل المدينة». فدلت هذه الرواية على أن العرايا لم يكن يعرفها إلا أهل المدينة، ولذلك تعجب يحيى بن سعيد من معرفة أهل مكة بها، حتى أخبره سفيان أن أهل مكة إنما عرفوه من جهة أهل المدينة. فقول أهل المدينة أولى في تفسير هذه الكلمة، لأن صاحب البيت أدرى بما فيه. فإن قيل: فليتبع الحنفية تفسير مالك بجميع ما فيه، من أنهم يخالفونه في جعل العرايا بيعاً، لأن مالكاً تَتَّقُ يجعله بيع المعرى له من المعري، ويجعله أبو حنيفة استبدال موهوب بموهوب آخر قبل قبضه، كماسبق في بيان المذاهب، فالجواب: أن مالكاً كَّهُ قد رويت عنه روايات مختلفة، فالرواية المعروفة هي ما ذكرناه في بيان المذاهب، وقد ورى عنه عبد الوهاب المالكي البغدادي ما يوافق أبا حنيفة سواء بسواء، كما في تعليق المفتي مهدي حسن كَّهُ على كتاب الحجة لمحمد (٢: ٥٥١)، ولذلك قال الإمام محمد تَظّفُ في موطئه بعد حكاية تفسير مالك: ((وبهذا كله نأخذ)) وقال المحقق ابن الهمام في فتح القدير: ((والحق أن قول مالك قول أبي حنيفة، هكذا حكاه عنه محققوا مذهبه)) فعلى هذا لا خلاف بينه وبين أبي حنيفة . ولئن اخترنا من روايات مالك ما هو مخالف لأبي حنيفة تخلّفُهُ، كما هو المشهور المذكور في أكثر كتب المالكية، فإن أبا حنيفة تغذّهُ لا يخالفه في تفسير العرية، فإن قوله موافق لقول مالك في تفسير الكلمة وتصوير المسألة، وإنما الخلاف في حقيقة هذه المعاملة، فيسميه مالك بيعاً، لأن المعري يأخذ الرطب المعلق شراء من المعرى له، ويقول أبو حنيفة: إنه بيع صورة، ولكنه في الحقيقة استبدال موهوب بموهوب آخر قبل قبضه، وذلك لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض، فلم يكن الثمر مملوكاً للمعرى له قبل قبضه، حتى يتحقق البيع منه، فصارت مبادلته بالتمر هبة شيء آخر مكان الشيء الموعود. وأما رجحان قول أبي حنيفة تَُّ من طريق الدراية، فلأن المزابنة شعبة من شعب الربا، وقد نطق بحرمته القرآن الكريم والسنة المتواترة، ولا فرق في معاملة الربا بين القليل والكثير، ولا بين جنس دون جنس، وليس في الشريعة نظير لتحليل الربا لمجرد أكل الرطب بدل التمر، ولا يعقل أن يستحل معاملة من معاملات الربا في خمسة أوسق، ويجعل حراماً في خمسة أوسق وصاع، ويؤذن لأجله بحرب من الله ورسوله، فلو كانت بعض أخبار الآحاد يفهم منها تحليل معاملة ربوية وجب تأويلها بما يوافق الكتاب والسنة، ولو كان التأويل بعيداً في الظاهر، فما ٣٩٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بالك بهذا التفسير السهل السائغ بدون كلفة، الذي اختاره أو حنيفة، والذي تقويه اللغة والروايات الكثيرة ويؤيده عرف أهل المدينة الذين تكلم رسول الله (مليار بلغتهم! وربما يعترض الشافعية على الحنفية بأن استبدال موهوب بموهوب آخر قبل قبضه يجوز في كل حين، فكيف يظهر معنى الرخصة في العرايا؟ إذ كلمة الرخصة تدل على أن المعاملة كانت غير جائزة في الظاهر، فرخص فيه رسول الله وَّه لأجل الضرورة. والجواب أن هذا الاستبدال يتضمن خلفاً في الوعد، فكان مكروهاً في الظاهر، وإنما ارتفعت كراهته برخصة رسول الله وَله . ويعترضون تارة بأن العرايا قد استثنيت من حرمة بيع المزابنة، فدل على أن المعاملة كانت داخلة في المزابنة، وما فسر الحنفية به لا يدخل في المزابنة أصلاً. والجواب أنه استثناء منقطع حقيقة، متصل صورة، ولكون صورته صورة المزابنة ذكر في سياقها . ويعترضون أخرى بأنه قد أطلق لفظ البيع على العرايا، ولا بيع فيما فسره الحنفية، وإنما هو استبدال الهبة. والجواب أنه أطلق عليه لفظ البيع لكون صورته صورة البيع، فإن المعري يستبدل الرطب بالتمر، ولا يبعد فيما أرى - والله أعلم - أن يكون أصل الحديث خالياً من لفظ البيع، ويكون إطلاق لفظ البيع من تصرف بعض الرواة بالمعنى، ويؤيده أني لم أر في شيء من الروايات من صرح بلفظ رسول الله وَّل في هذا النهي، وإنما رواه الجميع بالمعنى أنه ظلَّلا رخص في بيع العرايا، فمن الممكن أن النبي وَّر لم يستعمل كلمة البيع، وإنما زاده بعض الرواة من قبل أنفسهم نظراً إلى صورة المبادلة، ثم لم يعبره جميع الرواة بالبيع، لأن كثيراً من الروايات جاءت بغير هذا اللفظ أيضاً. فمنها: ما أخرجه المصنف من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، ولفظه: ((ورخص في العرية)) ولم يذكر لفظ البيع، ومنها: ما أخرجه المصنف من طريق ابن المثنى عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله، ولفظه: ((رخص في العرايا أن تؤخذ بخرصها)) ومنها: ما أخرجه المصنف من طريق الوليد بن كثير عن بشير بن يسار عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة، ولفظه: ((نهى عن المزابنة الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم)) ومنها: ما أخرجه الطحاوي (٢: ١٧٣) عن ابن عمر، ولفظه: ((نهى رسول الله وَلِّل عن بيع الثمر بالتمر، إلا أنه رخص في العرايا)) ومنها: ما أخرجه المصنف في الباب الآتي ولفظه: (نهى .... عن بيع الثمر حتى يطعم، وقال: لا يباع شيء منه إلا بالدراهم والدنانير، إلا العرايا، فإن رسول الله وَليل أرخص فيها)) وفي رواية أخرى عنه: ((أن النبي وَلّ نهى عن المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخابرة ... وعن الثنيا، ورخص في العرايا)) فهذه الروايات كلها ذكرت العرايا دون لفظ البيع، فلا يبعد أن يكون أصل الحديث هكذا، ثم تصرف فيه الرواة وأقحموا فيها لفظ البيع نظراً إلى صورة المعاملة دون حقيقته، والله سبحانه وتعالى أعلم. ٣٩٧ کتاب: البيوع ٣٨٥٦ - (٦٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ،وَهَ رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخُرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ . ٣٨٥٧ - (٦١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. أَخْبَرَنِي نَافِعٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ رَخَّصَ فِي الْعَرِبَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخِرْصِهَا تَمْراً. يَأْكُلُونَهَا رُطَباً . ٣٨٥٨ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وقد ذكر شيخ مشايخنا الأنور كثّفُ صورة عى فرض كون العرايا بيعاً، وأجراها على طريق الحنفية فقال : (ثم لو سلمنا أن العرية هي البيع، دون الهبة، فقد أخرجت لها صورة الجواز على مسائل الحنفية أيضاً، وهي أن بيع العرية على نحوين: الأول: أن يقول: بعت ثمار هذه الشجرة التي أخرصها خمسة أوسق، بدل كذا من التمر؛ والثاني: أن يقول: بعت خمسة أوسق من ثمار هذه الشجرة، بدل كذا من التمر، والأول لا يجوز، بخلاف الثاني، وهو المحمل عندي، والفرق أنه باع على الأول ثمارها خرصاً، فإن خرجت خمسة أوسق فذاك، وإلا فلا ضمان عليه، لأنه لم يبع خمسة أوسق، ولكنه باع ثمارها، سواء خرجت بهذا المقدار، أولا، والخرص لا يطابق الواقع دائماً، ففيه احتمال الربا، لأنه بيع التمر بالتمر، ولا بد فيه من التساوي، وذلك معدوم في هذا الفصل)). («بخلاف الثاني، فإنه عقد على خمسة أوسق، ثم باعها منه، فليس الخرص في الخارج، وهو لحفظه في ذهنه فقط، فإذا أسلم إليه يكيلها لا محالة، ليسلم إليه خمسة أوسق، فلا احتمال فيه للربا، وعلى هذا لم يرد العقد على المخروص، بل وقع على المعين، ولا بأس بكون هذا مكيلة، ثم المكيل وإن لم يكن معروفاً في الرطب فيما بينهم لتعسره فيها، ولكنه إذا تحمله على نفسه والتزمه، وجب عليه أن يكيلها. حينئذ جاز العرية بيعاً على مسائلنا أيضاً)) وجملة الكلام أن المبيع في العرية عندهم مخروص أولاً وآخراً، وعندنا مخروص أولاً ، وفي الذهن فقط، ومعين آخراً، وعند التسليم، فإن ادعيت بجوازها لم يخالف مسائلنا بشيء)) وراجع فيض الباري (٣: ٢٤٨) باب في تفسير العرايا. ٦١ - (٠٠٠) - قوله: (يأخذها أهل البيت) قد مر أن ظاهره يؤيد الحنفية، لأنه صريح في أن آخذي العرية أهل بيت المعري وهم الذين يأكلونها رطباً، وهذا لا يتأتى إلا على تفسير أبي حنيفة ومالك رحمهما الله. ٣٩٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨٥٩ - (٦٢) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ تُجْعَلُ لِلْقَوْمِ فَيَبِيعُونَهَا بِخِرْصِهَا تَمْراً. ٣٨٦٠ - (٦٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرٍ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَّهْ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِبَّةِ بِخِرْصِهَا تَمْراً. قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلاَتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَباً، بِخِرْصِهَا تَمْراً. ٣٨٦١ - (٦٤) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهَ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخِرْصِهَا كَيْلاً . ٣٨٦٢ - (٦٥) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: أَنْ تُؤْخَذَ بِخَرْصِهَا . ٣٨٦٣ - (٦٦) وحدّثنا أَبُو الرَّبِيع وَأَبُو كَامِلٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. ح وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ كِلاَهُمَا، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخِرْصِهَا . ٣٨٦٤ - (٦٧) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ)، عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ)، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابٍ ٦٢ - (٠٠٠) - قوله: (تجعل للقوم) هذا صريح في كون العرية هبة، وفي رواية الطحاوي: ((توهبان للرجل)) وهو أصرح، ولكن هذا اللفظ يحتمل تفسير الحنابلة أيضاً، لأنه لم يعين المشتري، فإن كان المشتري هو المعري فهو تفسير أبي حنيفة ومالك، وإن كان المشتري غيره فهو تفسير الحنابلة. ٦٣ - (٠٠٠) - قوله: (قال يحيى: العربية أن يشتري) هذا اللفظ وإن كان يحتمل تفسير الشافعي أيضاً ولكنه في تفسير أبي حنيفة ومالك أظهر، بدليل رواية سليمان بن بلال، فإنه روى عن يحيى بن سعيد ما يتعين فيه تفسير أبي حنيفة ومالك. ٦٤ - (٠٠٠) - قوله: (بخرصها كيلاً) يعني: أن التمر يعطى كيلاً، والرطب خرصاً، لأن التمر مجذوذ، والرطب على الشجر، و (الخرص) قد روي بفتح الخاء وبكسرها، غير أن الفتح أشهر، وهو مصدر، وبالكسر اسم للشيء المخروص، كذا في شرح النووي. ٦٧ - (١٥٤٠) - قوله: (بشير بن يسار) بضم الباء مصغراً، وهو الحارثي الأنصاري ٣٩٩ كتاب: البيوع رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ. مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. وَقَالَ: (ذُلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ)) إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ. النَّخْلَةِ وَالَنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخِرْصِهَا تَمْراً. يَأْكُلُونَهَا رُطُّباً. ٣٨٦٥ - (٦٨) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مَِّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخِرْصِهَا تَمْراً. ٣٨٦٦ - (٦٩) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، مِنْ أَهْلِ دَارِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَهَى، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مولاهم، قال ابن معين: ثقة وليس بأخي سليمان بن يسار، وقال ابن سعد: كان شيخاً كبيراً فقيهاً، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله صل﴿، وكان قليل الحديث، وقال النسائي: ثقة، وكناه محمد بن إسحاق في روايته عنه: أبا كيسان، وذكره ابن حبان في الثقات. كذا في تهذيب التهذيب (٢١: ٤٧). قوله: (أهل دارهم) يعني: بني حارثة، والمراد بالدار المحلة، كذا قال النووي. قوله: (منهم سهل بن أبي حَثْمَة) بفتح الحاء وإسكان الثاء. أبو حثمة بايع تحت الشجرة وشهد المشاهد كلها إلا بدراً، وكان دليل النبي ◌َ ل# ليلة أحد، وسهل ابنه من صغار الصحابة، تولي النبي ◌َّ﴾ وهو ابن ثمان سنين. راجع التهذيب (٤: ٢٤٨ و٢٤٩). وحديث سهل بن أبي حثمة هذا قد أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة، وفي المساقاة، باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل، وأخرجه أيضاً النسائي وأبو داود والترمذي، كلهم في باب العرايا وأحمد في مسنده (٤: ٢). ٦٩ - (٠٠٠) - قوله: (عن الثقفي) يعني به عبد الوهاب الثقفي، وهو ابن عبد المجيد بن الصلت، وكنيته أبو محمد، قد تكرر ذكره في هذا الكتاب، وأكثر مسلم من الرواية له، وحديثه عن يحيى بن سعيد من أوثق الروايات، قال علي بن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى بن سعيد الأنصاري أصح من كتاب عبد الوهاب، كما في التهذيب (٦: ٤٥٠)، وذكر أن غلته كانت ما بين أربعين ألفاً إلى خمسين ألفاً في كل سنة، وكان ينفق جميع ذلك على أصحاب الحديث، كما في تاريخ بغداد للخطيب (١١: ٢٠) وكان قد تغير في آخر عمره، ولكن ذكر الحافظ في هدي الساري (ص: ٤٢٣) أنه لما اختلط حجبه أهله، فلم يرو في الاختلاط شيئاً . ٤٠٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ، عَنْ يَحْيَى. غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلاَ (مَكَانَ الرِّبَا) الزَّبْنَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ : الرِّبَا . ٣٨٦٧ - (٠٠٠) وحدّثناه عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَه. نَحْوَ حَدِيثِھم. ٣٨٦٨ - (٧٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ؛ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةً حَدَّثَّاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهَ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ. الثَّمَرِ بِالثَّمْرِ. إِلاَّ أَصْحَابَ الْعَرَايَا. فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ. ٣٨٦٩ - (٧١) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ). قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ (مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخِرْصِهَا فِيَمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةٍ (يَشُكُّ دَاوُدُ قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ)؟ قَالَ: نَعَمْ. قوله: (الزبن) معناه: الدفع، وقد سبق تفسيره أول الباب في شرح كلمة (المزابنة). ٧٠ - (٠٠٠) - قوله: (وحسن الحلواني) هو الحسن بن علي بن محمد الهذلي الحلواني نزيل مكة، من أساتذة الأئمة الستة كلهم إلا النسائي، كان ثقة ثبتاً، وذكر ابن عدي أنه صنف كتاباً في السنن، وقال الخليلي: كان يشبه بأحمد في سمته وديانته، مات في ذي الحجة سنة ٢٤٢هـ، راجع التهذيب (٢: ٣٠٢ و٣٠٣). ٧١ - (١٥٤١) - قوله: (عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد) هو الأسدي، مولى عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، وقيل: كان مولى بني عبد الأشهل وانقطع إلى ابن أبي أحمد، فنسب إليه. قال الدارقطني: اسمه وهب، وقال غيره: اسمه قزمان، وكان يؤم بني عبد الأشهل وفيهم ناس من الصحابة، وكان ثقة قليل الحديث، وراجع الكنى من التهذيب (١٢ : ١١٣). قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في نفس البابين الذين أخرج فيهما حديث سهل المار، وأخرجه النسائي وأبو داود والترمذي كلهم في أبواب العرايا . قوله: (فيما دون خمسة أوسق) ربما يستدل به الشافعية خلاف الحنفية في تفسير العرايا، فيقولون: لو كانت معاملة العرايا استبدال موهوب بموهوب آخر، كما قال الحنفية، فإن هذا العقد جائز مطلقاً، ولا معنى لتحديد جوازه فيما دون خمسة أوسق، ولا يتأتى هذا التحديد إلا