النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ کتاب: البيوع الأَسْوَاقَ. وَهُذَا لَفْظُ ابْنِ نُمَيْرٍ وَقَالَ الآخَرَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ وََّ نَهَى عَنِ التََّقِّي. فيه تلبيس السعر على الجالب ولا إضرار بأهل البلد، وقد تسامح ابن قدامة في المغني (٤: ٢١٨) حيث نسب إليه جواز التلقي مطلقاً، فإن كتب الحنفية مشحونة بكراهة تلقي الجلب، كما في الهداية والبدائع والدر المختار وسائر كتب الحنفية، وقال البابرتي في العناية (٥: ٢٤٠): («صورته المصري أخبر بمجيء قافلة بميرة فتلقاهم واشترى الجميع وأدخله لمصر ليبيعه على ما أراده، فذلك لا يخلوا إما أن يضر بأهل البلد أو لا، والثاني لا يخلو من أن يلبس السعر على الواردين أو لا، فإن كان الأول بأن كان أهل مصر في قحط وضيق فهو مكروه باعتبار قبح التضييق المجاور المنفك، وإن كان الثاني فقد لبس السعر على الواردين فقد غر وضر، وهو قبيح فيكره، وإلا فلا بأس بذلك)». فالحاصل أن النهي عند الحنفية معلول بعلة، وهي الضرر أو التلبيس، فمتى وجدت العلة تحقق النهي وإلا فلا، وهذا كما حكى ابن قدامة في المغني (٤: ٢١٩) عن بعض الشافعية والأبي في شرح مسلم (٤: ١٨٠) عن بعض المالكية أن الرجل إذا خرج من بلده لا لقصد التلقي، ثم وجد قافلة فاشترى منها فإنه يجوز، مع أن الظاهر لفظ النهي يشمل هذه الصورة أيضاً، وكما أن ظاهر النهي عن الاحتكار مطلق في الحديث، ولكن الفقهاء قد قيدوه بشروط بسطها ابن قدامة في المغني (٤: ٢٢١)، فليس من الإنصاف تفويق السهام إلى الإمام أبي حنيفة كَّلُ في أنه لم يعمل بعموم النهي عن التلقي كما فعله ابن حزم وغيره، وقد رد عليه شيخنا العثماني التهانوي كثُّ في إعلاء السنن (١٤: ١٤٨) بما لا مزيد عليه. وقد استدل الطحاوي تقَّهُ للإمام بما أخرجه البخاري في باب منتهى التلقي عن ابن عمر رضيًّا قال: (كنا نتلقى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي وَلّ أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام)) ووجه الاستدلال أن النبي وَليل لم ينكر على تلقيهم بل أجاز ذلك، ولكن منعهم أن يبيعوا الطعام المشترى في ذلك المكان، وأمرهم أن لا يبيعوه حتى يأتوا به إلى السوق، وذلك لأن الركبان كانوا لا يحطون السلعة عن ظهر الدابة في الطريق بل كانوا يحطونها حيث تحط الأثقال من السوق، فلو كان المتلقي باعه بعد ما اشتراه فوراً كان ذلك بيعاً قبل قبضه، فلذلك نهى عنه النبي ◌َّ، ولم ينه الجالبين عن البيع ولا المتلقين عن الشراء. فذكر الطحاوي تخُّ أن هذا الحديث معارض لحديث المتن، وجمع بينهما بأن النهي يحمل على ما كان فيه ضرر أو تلبيس، والإباحة على ما لم يكن فيه ذلك. وجمع البخاري كثّهُ بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن حديث الإباحة محمول على ما إذا كان التلقي في أعلى السوق، وحديث النهي محمول على ما إذا كان التلقي من خارج البلد، ورجح الحافظ في الفتح طريق البخاري، ورجح شيخنا العثماني في إعلاء السنن طريق الطحاوي، وقد أتى بدلائل. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: كلا الطريقين للجمع سائغ، ولا يتوقف استدلال أبي ٣٢٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٧٩٩ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِّ النَّبِّ وَّرَ، بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنٍ نُمَّيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ٣٨٠٠ - (١٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُبَارَكٍ، عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَلَّفِّي الْبُوعِ. ٣٨٠١ - (١٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ بَّهِ أَنْ يُتَلَقَّى الْجَلَبُ. ٣٨٠٢ - (١٧) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لاَ تَلَقَّوُا الْجَلَبَ. فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَىْ مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ)». حنيفة على الجمع الذي ذكره الطحاوي، وإنما الحكم عند أبي حنيفة معلول بعلة كما أسلفنا، فلا يصح قول من قال: إنه خالف الحديث في هذه المسألة. ثم قد ذكر الأبي عن ابن العربي أقوالاً في حد التلقي؛ فقيل: لا يخرج من البلد إلى ميل، وقيل: حده فرسخان، وقيل: مسافة يومين، وقد عقد له البخاري ترجمة يفهم منها أن التلقي المنهي عنه عنده هو ما كان إلى خارج البلد، قَلَّت المسافة أو كثرت. ولا حاجة عند الحنفية إلى تعيين الحدود والمسافات، لأن الأمر عندنا موكول إلى وجود الضرر وعدمه، فمتى وجد الضرر بأهل البلد، أو التلبيس على الجالب توجه النهي، قربت المسافة أو بعدت، ومتى لم يوجد الضرر لم يكن به بأس، والله سبحانه أعلم. أما البيع الذي عقد بطريق التلقي فهو نافذ عند الجمهور مع الإثم، وقال أهل الظاهر البيع باطل، وبه قال أحمد في رواية صحح خلافها ابن قدامة، ثم الشافعية والحنابلة على أن للجالب الخيار بعد وروده السوق، ولا خيار عند أبي حنيفة تغلفهُ، وستأتي هذه المسألة في شرح الرواية الآتية . ١٦ - (١٥١٩) - قوله: (الجلب) جمع جالب، كخادم وخدم، والمراد من يجلب الأموال إلى البلد. ١٧ - (٠٠٠) - قوله: (فإذا أتى سيده السوق) المراد من السيد صاحب الجلب، يعني مالك المجلوب الذي باعه، كما فسره علي القاري في المرقاة (٦: ٧٦)، والمعنى أن صاحب المتاع إن جاء إلى السوق وعرف السعر فله الخيار في الاسترداد، وبه قال الشافعي وأحمد رحمهما الله ٣٢٣ کتاب: البيوع (٦) - باب: تحريم بيع الحاضر للبادي ٣٨٠٣ _ (١٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َِِّ. تعالى، وثبوت الخيار عندهما متعين فيما إذا علم البائع بعد معرفة السعر أنه قد غبن، فأما إذا لم يغبن ففيه روايتان عن كل واحد منهما، كما صرح به ابن قدامة في المغني (٤: ٢١٩). واختلفت الروايات في هذا عن مالك، فروي عنه ما يوافق الشافعي وأحمد، وروي عنه ما يوافق أبا حنيفة، والمشهور من مذهبه أن السلعة تدفع لأهل سوقها بالثمن الذي اشتراه المتلقي، فإن لم يريدوه ردت لمبتاعها، كما ذكره الأبي في شرح هذا الحديث. وأما الحنفية فلا خيار عندهم للجالب، قال ابن الملك الحنفي في مبارق الأزهار (١ : ٢٣٣): ((وقال أئمتنا: لا خيار له، لأن لحوق الضرر كان لتقصير من جهته حيث اعتمد على خبر المشتري الذي كل همته تنقيص الثمن، وأما الحديث فمتروك الظاهر، لأن الشراء إذا كان بسعر البلد أو أكثر لا يثبت الخيار للبائع في أصح قولي الشافعي، فلا ينتهض حجة)) وقال شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٤: ١٤٥): ((وقال أبو حنيفة: البيع صحيح ولا خيار للبائع، لأن غاية ما في الباب أن المشتري خدع البائع، وهو لا يقتضي الخيار لحديث حبان بن منقذ، فإنه لم يثبت الشارع له الخيار من غير شرط ... وأما ما روي أن له الخيار فمحمول على السياسة ليترك الناس التلقي، هذا ما عندي، والله أعلم بالصواب)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما ابن الملك فلم يأت في الجواب عن هذا الحديث بشيء، لأن مجرد قوله إن الحديث متروك الظاهر لا يقبل حتى يأتي له بمحمل صحيح، ولم يأت به، وأما شيخنا العثماني تظَثُ فقد استدل بحديث حبان بن منقذ، ولكنه استدلال بالمفهوم، فلا ينتهض حجة على أصل الحنفية، ولا على أصل الشافعية، لأن المنطوق الصريح في حديث الباب يعارضه، وأما ما ذكر من أن حديث الباب محمول على السياسة، فالأقرب منه أن يقال: إنه محمول على الديانة لا القضاء، فإن الخادع يجب عليه ديانة أن يفسخ البيع أو يقيل المخدوع إذا طلب منه الإقالة، وقد صرح به في الدر المختار والشامي (٤: ١٨٦) (قبيل فصل في الفضولي) في حكم سائر البيوع المكروهة، ولكن تأويل الحديث بالديانة بعيد أيضاً، ولم أقف من قبل الحنفية على تأويل سائغ لهذا الحديث، ولعل ابن الهمام تغَّهُ خالف لأجل هذا سائر الحنفية في هذا الباب، واختار أن يكون البيع فاسداً، أو يثبت الخيار للجالب، راجع أول فصل فيما يكره من فتح القدير ٥: ٢٣٩ والقول بثبوت الخيار أوفق بهذا الحديث الصريح الصحيح الذي لم أجد ما يعارضه فيما قلبت ونظرت، والله سبحانه أعلم. (٦) - باب: تحريم بيع الحاضر للبادي ١٨ - (١٥٢٠) - قوله: (عن أبي هريرة) الظاهر أن هذا الحديث والحديث السابق عن أبي ٣٢٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ)). هريرة في النهي عن التلقي واحد، كما يظهر من جامع الأصول لابن الأثير، وقد اقتصر بعض الرواة على النهي عن التلقي وبعضهم على النهي عن بيع الحاضر للبادي، وقد جمع بعضهم بينهما، والحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب النهي عن تلقي الركبان، وباب لا يبيع على بيع أخيه، وباب لا يبيع حاضر لباد، وفي الشروط، باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح، وباب الشروط في الطلاق، والنسائي والترمذي وابن ماجه كلهم في البيوع، باب النهي عن التلقي، وأبو داود في الإجارات، باب التلقي. قوله: (لا يبع حاضر لباد) نهى عن بيع الحاضر للبادي، وقد فسره العلماء بتفسيرين: الأول أن يلتزم البائع البلدي أن لا يبيع سلعته إلا من أهل البدو، طمعاً في الثمن الغالي، وبذلك فسره صاحب الهداية، وقيد النهي عنه بأن يكون أهل البلد في قحط وعوز، والتفسير الثاني قد اختاره جمهور الفقهاء والمحدثين، وهو أن يقول الحاضر للبادي: لا تبع سلعتك بنفسك، أنا أعلم بذلك منك فأبيعها لك في السوق، فيصير وكيلاً له في بيع سلعته، والفرق بين التفسيرين أن الحاضر في التفسير الأول تاجر يبيع سلعة نفسه، والبادي يشتريها منه، وأما في التفسير الثاني فالبائع هو البادي، والحاضر وكيل أو سمسار له، وهذا التفسير الثاني هو الراجح نظراً إلى لفظ الحديث، لأن البيع ههنا قد تعدى باللام، وهو في معنى التوكل أو السمسرة أظهر، فإن كان البادي مشترياً من الحاضر لتعدى بـ (من)). ولأن ابن عباس ظًا قد فسره بالسمسرة في الرواية الآتية، فما فسر به صاحب الهداية مرجح عند محققي الحنفية أيضاً، وقد صرح به شمس الأئمة الحلواني وابن الهمام وابن نجيم وابن عابدين وغيرهم، راجع فتح القدير (٤: ٢٤٠)، والبحر الرائق (٦: ٩٩)، ورد المحتار (٤ : ١٨٣) . ثم بيع الحاضر للبادي - على تفسير الجمهور - مكروه عندنا أيضاً إذا لحق به الضرر لأهل البلد، وذلك لأن البادي لو باع بنفسه في السوق لرخص على الناس، ولكن تخلل الحاضر ربما يحدث غلاء في السوق، وأما إذا لم يلحق بذلك ضرر بأهل البلد فلا كراهة فيه عند الحنفية خلافاً للجمهور، فإنهم يعملون بإطلاق النهي، ويزعمونه مكروهاً على كل حال، وحجة الحنفية أن النهي معلول بعلة، والعلة ما سيأتي في حديث جابر رظراته: ((دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض)) فإنه يدل على أن النهي ليس لعينه، وإنما هو لدفع الضرر عن أهل البلد، فإذا انتقى الضرر لم يبق في هذا البيع محظور، بل صار ذلك من باب النصيحة، وقد قال رسول الله وَلـ «الدين النصيحة)). ومما يدل على جواز ذلك عند عدم الضرر ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: ((إنما نهى رسول الله قال أن يبيع حاضر لباد لأنه أراد أن يصيب المسلمون غرتهم، فأما ٣٢٥ كتاب: البيوع وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. اليوم فلا بأس)) حكاه الحافظ في الفتح (٤: ٣١١) وسكت عليه، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٨: ٢٠٠) (رقم: ١٤٨٧٦) عن الشعبي قال: كان المهاجرون يكرهون ذلك، يعني ببيع حاضر لباد، وإنا لنفعله. وأخرج عبد الرزاق أيضاً عن عبد الله بن عثمان (وهو ابن خيثم كما في فتح الباري) عن عطاء بن أبي رباح قال: سألته عن أعرابي أبيع له، فرخص لي، وأخرج أيضاً عن مجاهد أنه كان لا يرى به بأساً أن يبيع حاضر لباد، فهؤلاء مجاهد والشعبي وعطاء لم يكونوا ليخالفوا حديث رسول الله وَّير، وإنما عللوا النهي بعلة كلما زالت ارتفع المانع، وبهذا يقول أبو حنيفة تَكَذَثُ . ٠ ويؤيده ما أخرجه البزار في مسنده عن نعيم بن حصين السدوسي، عن عمه، عن جده قال: ((أتيت المدينة ومعي إبل لي، والنبي ◌َّ بها، فقلت: يا رسول الله! مر أهل الغائط أن يحسنوا مخالطتي وأن يعينوني، فقاموا معي، فلما بعت إبلي أتيت النبي ◌َّل فقال لي: أدنه، فمسح يده على ناصيتي)) راجع كشف الأستار عن زوائد البزار للهيثمي (٢: ٨٩، رقم: ١٢٧٣) وحاشيته لتحقيق سنده. فأجاز النبي ◌ّ ر في هذا الحديث لأهل الحضر أن يعينوا التاجر القادم في بيع الإبل عند عدم الضرر. وبذلك ظهر أن ما حكاه النووي والحافظ وابن قدامة وغيرهم من أن بيع الحاضر للبادي جائز عند أبي حنيفة مطلقاً، لا يصح بهذا الإطلاق، فإنَّ كتبَ الحنفية صريحة في كراهته عند الضرر، كما نقلنا عن فتح القدير والبحر الرائق ورد المحتار. ولم ينفرد أبو حنيفة في تقييد النهي بالضرر، وإنما قيده الشافعية والحنابلة بشروط أربعة: الأول: أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له، (يعني: أن يكون الحاضر قد عرض على البادي نفسه ليصير وكيلاً له) والثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، فإذا كان البادي عارفاً بالسعر لم يحرم، والثالث: أن يكون قد جلب السلعة للبيع، والرابع: أن يكون البادي مريداً لبيعها بسعر يومها، وزاد القاضي شرطاً، وهو أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه وضيق في تأخير بيعه، وهذه الشروط كلها مبسوطة في المغني لابن قدامة (٤: ٢١٥ و٢١٦)، فأين إطلاق الحديث وعمومه؟ والحق أن هؤلاء الفقهاء كلهم قد عللوا الحكم بعلة، وكذلك فعل أبو حنيفة تَذَتُهُ . ثم لو خالف رجل الحديث وباع للبادي هل ينعقد بيعه؟ فيه خلاف، فالمختار عند الحنفية والشافعية والمالكية أن البيع صحيح مع الإثم، وبه قال أحمد في رواية، وعنه رواية أخرى، أن البيع لا ينعقد أصلاً كما في المغني، وبه جزم ابن حزم وبعض أهل الظاهر، وقدمنا في مبحث تلقي الجلب أن البيع المكروه كبيع الحاضر للبادي يجب فسخه عند الحنفية ديانة، وجعله ابن الهمام فاسداً، والله سبحانه أعلم. ٣٢٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨٠٤ - (١٩) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: نَهَىْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ. وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لاَ يَكُنْ لَهُ سِمْسَاراً. ٣٨٠٥ - (٢٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. حٍ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُوِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لاَ يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ)). غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى: ((يُرْزَقُ)) . ١٩ - (١٥٢١) - قوله: (عن ابن عباس) أخرجه البخاري في البيوع، باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر، وفي الإجارة، باب أجر السمسرة، وأبو داود (رقم: ٣٤٣٩) في الإجارة، باب النهي أن يبيع حاضر لباد، والنسائي في البيوع، باب التلقي، وأخرجه ابن ماجه في التجارات، باب النهي أن يبيع حاضر لباد، وأحمد في مسنده (١: ٣٦٨). قوله: (لا يكن له سمساراً) أي: دلالاً، والسمسار في الأصل هو القيم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره، ومعناه أن يبيع له بالأجرة، ومنه استدل البخاري على أن بيع الحاضر للبادي إنما يحرم إذا كان بالأجرة، فأما إذا كان بغير الأجرة فلا يكره، والجمهور على عدم جوازه مطلقاً، ولم أجد في كتب الحنفية ما يدل على تفصيل الحكم بين ما كان بأجر أو بغير أجر، فالظاهر أن الكراهة مطلقة عندنا أيضاً، وذلك لعموم لفظ الحديث، ولأن علة الضرر لا تفرق بين البيع بأجر أو بغير أجر، وأما تفسير ابن عباس هذا فمحمول على الغالب، فإن الحاضر لا يتولى للبادي غالباً إلا بأجر، والله أعلم. ٢٠ - (١٥٢٢) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه أبو داود (رقم: ٣٤٤٢) في الإجارة، باب النهي أن يبيع حاضر لباد، والنسائي والترمذي وابن ماجه كلهم في البيوع، باب النهي أن يبيع حاضر لباد، وأحمد في حديث جابر (٣: ٣٠٧ و٣١٢ و٣٨٦ و ٣٩٢). قوله: (دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض) يعني: أن الله تعالى يرزق المشتري بواسطة البائع، ويرزق البائع بواسطة المشتري، فلا يجوز لأحد أن يتدخل في هذا النظام الإلهي، ويتحكم فيه بالأسعار، فالحديث يدل على أن الإسلام يعترف بنظام السوق وقوتي العرض والطلب، ويحب أن تسير السوق على سيرها الطبيعي، ولا يحب أن يتدخل فيها رجل، كما لا يحب أن تحدث في السوق احتكارات تتسيطر على السوق وتستبد بالأسعار، وهذا من ٣٢٧ كتاب: البيوع ٣٨٠٦ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَِّّ ◌َِّهُ بِمِثْلِهِ. ٣٨٠٧ - (٢١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىُ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ. ميزات النظام الاقتصادي الإسلامي التي تميزه عن الرأسمالية والاشتراكية، وقد أشبعنا القول في هذا الصدد في مقدمة كتاب البيوع. ثم إن أحاديث النهي عن بيع الحاضر للبادي تدل على أن الإسلام يستحسن أن لا تكون بين البائع والمشتري وسائط، أو تكون قليلة جداً، فإنه كلما كثرت الوسائط بين البائع والمشتري ازداد الثمن على المستهلكين، فما يسميه علماء الاقتصاد اليوم (الرجل المتوسط) (Middle Man) مما لا يستحسنه الإسلام إلا إذا اشتدت الحاجة إليه، فالسمسرة وإن كانت جائزة، ولكن الإكثار من الوسائط بين الصانع والمستهلك مما لا يشجع غلّلها، وإنما يشجع على التقليل منها . ٢١ - (١٤٢٣) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة، وأبو داود في الإجارة، باب في النهي أن يبيع حاضر لباد (رقم: ٣٤٤٠)، والنسائي في البيوع، باب بيع الحاضر في البادي. قوله: (حاضر لباد) تمسك بظاهره بعض المالكية فقالوا: إذا كان الجالب من غير أهل البدو جاز البيع له، مثل أن يكون من أهل بلد آخر، لأن الحديث إنما نهى عن بيع للبادي، فأما غير أهل البداوة فلا يحرم البيع لهم، وقال الشافعية والحنابلة: إن الحكم عام لكل جالب غريب، سواء كان من أهل الحضر أو من أهل البدو، لأن العلة عدم معرفتهم بسعر البلد، ويستوي فيها أهل الحضر وأهل البدو، وإنما خرج لفظ البادي في الحديث مخرج الغالب، فإن الجالب يكون بادياً في الغالب، وليست البداوة قيداً للحكم. هذا ما يتلخص من فتح الباري وشرح الأبي. ولم أر في كتب الحنفية من تعرض لهذه المسألة، والظاهر أنهم مع الشافعية والحنابلة لكون الحكم معلولاً عندهم بالضرر كما قدمنا، فيدور الحكم مع الضرر، لا مع البداوة، والله أعلم. ثم إن الممنوع في الحديث هو البيع للبادي، فأما الشراء له فيجوز عند طلحة بن عبد الله والأوزاعي وابن المنذر وأحمد، وهو رواية عن مالك، كما في المغني لابن قدامة، والرواية الأخرى عنه أنه لا يجوز كما لا يجوز البيع، وهو مذهب إبراهيم النخعي وابن سيرين كما في فتح الباري، ولم أجد في الحنفية من تعرض له، والظاهر الجواز لما قال ابن قدامة: ((إن النهي غير متناول للشراء بلفظه ولا هو في معناه، فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم السعر ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم، إذ لا يتضررون بعدم الغبن للبادين، بل ٣٢٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨٠٨ - (٢٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُعَاذْ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ . قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: نُهِينَا عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. (٧) - باب: حكم بَيْع المُصَرَّاة ٣٨٠٩ _ (٢٣) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَلْيَنْقَلِبْ بِهَا. فَلْيَحْلُبْهَا. فَإِنْ رَضِيَ حِلاَبَهَا أَمْسَكَهَا. وَإِلَّ رَدَّهَا وَمَعَهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ)). هو دفع الضرر عنهم، والخلق في نظر الشارع على السواء، فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر)) كذا في المغني (٤: ٢١٦) والله سبحانه أعلم. (٧) - باب: حكم بيع المُصَرَّاة ٢٣ - (١٥٢٤) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في البيوع، باب إن شاء رد المصراة إلخ، وأبو داود في الإجارة، باب من اشترى مصراة فكرهها، (رقم: ٣٤٤٣ إلى ٣٤٤٥)، ومالك في الموطأ، في البيوع، باب ما ينهى عن المساومة والمبايعة، والنسائي والترمذي والدارمي في البيوع، باب المصراة، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٢٤٢ و ٢٤٨ و٢٥٩ و٢٧٢ و٣١٧ و٣٨٦ و٣٩٤ و٤٠٦ و٤١٠ و٤١٧ و٤٢٠ و٤٣٠ و ٤٦٣ و٤٦٥ و٤٦٩ و ٤٨١ و ٤٨٣ و ٥٠٧). قوله: (شاة مصراة) اسم مفعول من التصرية، وهي أن تترك الشاة غير محلوبة أياماً حتى يجتمع اللبن في ضروعها فيراها الناظر منتفخة الضروع فيرغب في شرائها، والتصرية في الأصل الحبس، يقال: صريت الماء، إذا حبسته، كذا فسره أبو عبيد وأكثر أهل اللغة، كما في فتح الباري. وقيل: هو من الصر بمعنى الشد، قال الأزهري: جائز أن يكون سميت مصراة من صر أخلافها (أي: ضروعها) كما ذكر، إلا أنهم لما اجتمع لهم في الكلمة ثلاث راءات قلبت إحداها ياء، كما قالوا تظنيت في تظننت من الظن، فقلبوا إحدى النونات ياء، فكذلك ههنا كان في الأصل شاة مصررة، فقلبوا الراء الأخيرة ياء حتى صار مصراة، راجع جامع الأصول لابن أثير (١ : ٥٠٠ و ٥٠١). قوله: (فلينقلب بها) يعني: فلينصرف بها إلى أهله وليحلبها . قوله: (فإن رضي حلابها أمسكها) الحلاب والحلب كلاهما مصدر، والمراد أنه إن رضي الشاة بعد الحلاب فليمسكها عنده. قوله: (وإلا ردها ومعها صاع من تمر) أخذ بظاهر الحديث الأئمة الثلاثة وأبو يوسف وابن ٣٢٩ کتاب: البيوع ٣٨١٠ - (٢٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أبي ليلى والجمهور، فقالوا: التصرية عيب يرد به المبيع، وهذا القدر متفق عليه عندهم، ثم اختلفوا في تفاصيله، فقال الشافعي كثّفُ: يجب رد صاع من تمر بدل اللبن المحلوب، قل اللبن أو كثر، ولا يجوز أداء غير؟، وقال بعض المالكية: يجب صاع من غالب قوت البلد، وقال أبو يوسف: يجب قيمة اللبن بالغة ما بلغت، وخالفهم أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، فقالا: التصرية ليست بعيب يجوز الرد، وإنما يجوز للمشتري أن يرجع بنقصان قيمة المبيع، ولا خيار له في الرد، فظاهر الحديث مشتمل على جزئين: الأول ثبوت الخيار للمشتري بعيب التصرية، والثاني: رد صاع من التمر مكان ما حلبه من اللبن، فالشافعي عمل بظاهر الحديث في كلا من الجزئين، وأما مالك وأبو يوسف فقد عملا بظاهره في الجزء الأول، وتأولا في الثاني، وأما أبو حنيفة ومحمد فتأولا في كلا الجزئين، فدليل الشافعي كثّفُ ظاهر لعمله بظاهر الحديث، ودليل مالك في الجزء الثاني أن التمر كان غالب قوت البلد يومئذ، فنقيس عليه كل ما كان غالب قوت البلد، وأما أبو يوسف فقد اتجه بأن المضمون في الأصل قيمة اللبن، ولما كانت قيمة اللبن يومئذ تساوي في الغالب صاعاً من تمر عينه رسول الله و لو كإمام المسلمين، لا كشارع، فلما تغيرت القيم عاد الحكم إلى أصله وهو القيمة. وأما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى فحيث تأولا في كلا جزئي الحديث ولم يعملا بظاهره فقد كثر عليهما الشغب في هذه المسألة، ورماهما الخصوم بأنهما يتركان الحديث الصحيح بالقياس، والواقع أنهما لم يكونا ليخالفا قول الرسول ولو لمحض القياس، وإنما رأيا ظاهر الحديث مخالفاً للأصول الثابتة بالكتاب والسنة، فحملا الحديث على محمل يوافق به الأصول، كما فعل ذلك جمهور الفقهاء في حديث البخاري: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً)) فقد ترك جميع الفقهاء ظاهره لمعارضته الأصول المجمع عليها، وكما فعل معظم الفقهاء في حديث ابن عباس في جمع الصلاتين بالمدينة، فإنه لم يقل أحد بالجمع بين الصلاتين في الحضر من غير مطر أو عذر، وكما فعلوا في حديث: ((فإن عاد الرابعة فاقتلوه)) فإنه لم يقل أحد بوجوب قتل من أُخِذَ مرة رابعة يشرب الخمر، كما صرح به الترمذي في العلل، وأمثلة ذلك كثيرة لا تخفى على من مارس مباحث الحديث وفقهه، فلا ينبغي تفويق سهام الملامة إلى أحد من المجتهدين المتورعين لمسلك أدى إليه اجتهاده. ومما شجع الخصوم في هذه المسألة أن بعض الحنفية قد أتوا فيها بأعذار باردة متكلفة، كما قال بعضهم: إن هذا الحديث مروي عن أبي هريرة رضيُه وهو صحابي غير فقيه، وكل ما كان مروياً عن غير فقيه لا يقبل إذا خالف القياس. وهذا جواب لم يقل به أبو حنيفة كثّه تعالى ولا أحد من أصحابه المعروفين، وقد نسبه بعض الأصوليين إلى عيسى بن أبان تََّهُ، وهذه النسبة فيها كلام أيضاً لأن الطحاوي تَفُ قد روى عنه جواباً غير هذا في شرح معاني الآثار، ولم يثبت ٣٣٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْقَارِيَّ) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لِ﴿ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ شَاةً عنه رد هذا الحديث بعدم فقه أبي هريرة رضيه، كما بسطه شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١٤ : ٦٤) . ويبعد من مثل عيسى بن أبان أن يقول في أبي هريرة تظله ما عزوه إليه، فإن أبا هريرة رضي الله فقيه مجتهد لا شك في فقهه، فإنه كان يفتي في زمن الرسول وَل وبعده، وكان يعارض فقهاء الصحابة في فتاواهم وأقوالهم، وقد ذكره الذهبي في تذكرة الحافظ (١: ٣١) فقال: ((الحافظ الفقيه صاحب رسول الله وير كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع)) ثم إن حديث المصراة لم ينفرد به أبو هريرة رضيته، وإنما رواه جماعة من الصحابة سرد الحافظ أسماؤهم في الفتح، وقد أفتى به أفقه الناس عبد الله بن مسعود نظرته كما ذكر البخاري في صحيحه، فالعذر بعدم فقه راويه عذر سخيف لا ينبغي أن يتفوه به . وأجاب الطحاوي تَثُ عن حديث الباب بأنه معارض بحديث ((الخراج بالضمان)) وحديث النهي عن بيع الكالىء بالكالىء، وحاصل تقريره: أن اللبن الذي احتلبه المشتري قد كان بعضه في ملك البائع قبل الشراء، وبعضه حدث في ملك المشتري، فإذا أوجبنا صاداً من التمر على مشتري المصراة، لا يخلو إما أن يكون عوضاً عن مجموع اللبن، أو عما كن في وقت وقوع البيع خاصة، فإن كان الأول يلزم علينا أن لا يكون الخراج بالضمان، فإن اللبن الذي حدث في ملك المشتري يكون مملوكاً له، لأن الشاة حينئذ في ضمانه، كما هو مقتضى حديث: ((الخراج بالضمان)» فكيف يتحمل المشتري صاع التمر عوضاً عنه؟ ألا ترى أنه لو ردها على البائع بعيب غير التصرية لا ضمان عليه عند الشافعية لما شرب من لبنه، لحديث ((الخراج بالضمان)) فما له يتحمل الغرامة في عيب التصرية؟ وإن هذا الصاع عوضاً عما كان في ضرع الشاة وقت البيع، يلزم علينا بيع الكالىء بالكالىء، لأن هذا اللبن ليس ملكاً للمشتري لا بحكم البيع، فإن البيع قد انفسخ، ولا بحكم ((الخراج بالضمان)) لأنه لم يحدث في ضمانه، فإذا شربه المشتري وأتلفه صار ديناً في ذمته لنقض البيع، وكذا صار الصاع أيضاً ديناً عليه، عوضاً عنه، وهذا هو بيع اللبن بالصاع ديناً، وهو غير جائز مطلقاً، فعلى أي الوجهين كان يلزم عليك ترك أحد الحديثين، إما حديث ((الخراج بالضمان))، أو حديث النهي عن بيع الكالىء بالكالىء. هذه خلاصة ما أجاب به الطحاوي، وكلامه دقيق لخصته لك بمساعدة البدر الساري حاشية ((فيض الباري))، وأختار الطحاوي تقُّ أن حديث الباب منسوخ بحديث الخراج بالضمان ويحديث النهي عن بيع الكالىء بالكالىء. ولكن في جواب الطحاوي كفّثه نظراً من وجهين: الأول أن النسخ لا يثبت بمجرد احتمال، والثاني: أنه لو ثبت معارضة حديث الباب لحديث ((الخراج بالضمان)) فلا يسقط من حديث الباب إلا الجزء المعارض فقط، وهو التضمين بالصاع، وأما الرد بالعيب من غير ٣٣١ كتاب: البيوع مُصَرَّةً فَهُوَ فِيهَا بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامِ. إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا. وَرَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ تَمْرِ)». التضمين فلا يعارضه حديث ((الخراج بالضمان)) فليقل الحنفية أن المشتري يكون له الخيار ولا يضمن شيئاً، كما ألزم الطحاوي نفسه الشافعية فيما إذا ردها على البائع بعيب غير التصرية يصح الرد ولا ضمان عليه لما شرب من لبنه، ولكن الحنفية لا يجوزون رد المصراة أصلاً لا بعيب التصرية ولا بعيب غيرها، لا بالضمان ولا بغيره، فإن حكم حديث ((الخراج بالضمان)) إنما يتأتى عندهم في زيادة منفصلة غير متولدة، مثل أن يكون الرجل اشترى عبداً فاستغله ثم رده بالعيب، فإن الغلة تكون للمشتري بحكم الخراج بالضمان، وأما في الزيادة المنفصلة المتولدة كاللبن فيمتنع عندهم الرد أصلاً، كما صرح به ابن نجيم في البحر الرائق (٦: ٥١) وسائر الفقهاء الحنفية. فجواب الطحاوي تخلتُ إنما يوجه عدم التضمين فقط، لا يوجه امتناع الرد. والذي يظهر بعد تتبع كتب الحنفية في هذا الباب أنهم تركوا ظاهر هذا الحديث، لأنهم وجدوه معارضاً للأصول الكلية الثابتة بالقرآن والإجماع والقياس. أما القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال تعالى: ﴿وَجَزَّوُاْ سَيْئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهٌِ﴾ [النحل: ١٢٦] فهذه الآيات كلها قطعية الثبوت والدلالة على أن الضمان ينبغي أن يكون مساوياً للمتلف، ولا سبيل إلى المساوات في مسألة الباب كما سيأتي، فيمتنع الرد. وأما الإجماع فقد أجمعوا على أن الضمان على قسمين: مثلي ومعنوي، وصاع التمر لا يدخل في أحد من القسمين، أما عدم كونه مثلاً للبن فظاهر، وأما عدم كونه قيمة له فلأن ظاهر الحديث قد جعل صاع التمر بدلاً من اللبن، سواء كان قليلاً أو كثيراً فسقط معنى القيمة. وأما القياس، فهو أننا إن قلنا بجواز رد المصراة فحكم اللبن مشكل جداً، لأن اللبن الذي حلبه المشتري مشتمل على ما كان في الضروع وقت العقد وعلى ما تولد بعده، فالأول يستحقه البائع وقت الرد لأنه جزء المبيع، والثاني يستحقه المشتري لأنه حدث في ملكه وضمانه، فلا يخلو إما أن نقول برد قيمتهما جميعاً، ففيه ضرر المشتري، لأنه حينئذ يودي قيمة ما حدث في ملكه وهو غير لازم له، وإما أن نقول بعدم أداء قيمتهما جميعاً، ففيه ضرر البائع فإنه كان مستحقاً للبن الذي كان في الضروع وقت العقد، لأنه جزء المعقود عليه، وإما أن نقول بأداء قيمة الأول دون الثاني، وهذا لا ضرر فيه لأحد، ولكنه لا سبيل إليه لكون مقدار كل من القسمين مجهولاً، فلما بطلت هذه الصور الثلاثة امتنع الرد بالعيب، ولا سبيل إلا إلى الرجوع بنقصان القيمة . ثم قد وقع في ألفاظ حديث الباب اضطراب، فورد في بعضها: ((صاع من تمر))، وفي بعضها ((صاعاً من طعام لا سمراء)) كما سيأتي عند المصنف، وفي بعضها: ((مثل أو مثلي لبنها ٣٣٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨١١ - (٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ (يَعْنِي قمحاً)) كما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر ظنًّا، وفي بعضها: ((صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر)) كما أخرجه أحمد عن رجل من أصحاب النبي وَل﴿ وذكره الحافظ في الفتح (٤: ٣٠٥)، وفي بعضها: ((صاع من بر لا سمراء» كما أخرجه البزار عن ابن سيرين، وحكاه العيني في العمدة (٤: ٥١٢) فلو قدرنا أن هذا التضمين تعبدي فلا يتعين المضمون به، هل هو تمر؟ أو طعام غير الحنطة؟ ولا يتعين مقداره أيضاً هل هو صاع على كل حال؟ أو هو بمثل اللبن؟ أو هو بمثلیه؟ ومن أجل هذه العلل تبين أن ظاهر الحديث غير مراد. فما هو المراد من الحديث حينئذ؟ وما هو محمله الصحيح؟ قد اختلفت فيه أنظار الفقهاء الحنفية، فقال شمس الأئمة السرخسي في مبسوطه (باب الخيار في البيع ١٣: ٣٨) إن هذا الحديث يتعلق بخيار الشرط لا بخيار العيب، ومحمل الحديث ما إذا اشترط المشتري الخيار لنفسه، وإنما ذكر التحفيل والتصرية لبيان السبب الداعي إلى الخيار، فكان للمشتري الخيار لاشتراطه ذلك، لا لعيب التصرية، والدليل على ذلك أن الرسول و08َ قد قيد الخيار في الرواية الآتية في المتن بثلاثة أيام، مع أن الخيار العيب لا يتقيد بمدة، وإنما يتقيد بها خيار الشرط، فتبين منه أن الحديث إنما يتحدث عن البيع المشروط فيه الخيار، وأما تضمين اللبن بالتمر أو الطعام، فهو على طريق الصلح لا على وجه القضاء. وأجاب شيخ مشايخنا الأنور كثّفُهُ في فيض الباري (٣: ٢٣١) بأن الحديث محمول على الديانة، وذلك لأن التصرية خداع، فيجب على البائع ديانة أن يقيل المشتري لاستدراك خداعه بقدر الإمكان، وقد أسلفنا في مبحث تلقي الجلب أن الخادع يجب عليه الفسخ ديانة، وقد صرح به الشامي في أواخر البيع المكروه وابن الهمام في أوائله وأوائل باب الإقالة (٥: ٢٤٦)، فالحنفية يعملون بحديث الباب على وجه الديانة لا على وجه القضاء، ثم التضمين بالتمر على هذا التوجيه يكون مصالحة أيضاً. وشرح شيخنا العلامة العثماني والتهانوي تقذفُ هذا الحديث بكلام متين جداً، فلنحكه عن إعلاء السنن (١٤ : ٥٣) بلفظه، قال: ((لا يخفى على من هو عارف بالسيرة النبوية أن بعض أحكامه في فصل الخصومات كانت على وجه القضاء، وبعضها على وجه المصالحة، كما قال ◌َلّ لكعب بن مالك حين تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان عليه، وارتفعت أصواتهما: ((ضع من دينك هذا، أي الشطر))، وكما قال للزبير حين تخاصم هو ورجل من الأنصار في شراج الحرة: ((اسق يا زبير! ثم أرسل إلى جارك، وإذ لم يرض به الأنصاري وقال: يا رسول الله! إن كان ابن عمتك، قضى بقضاء آخر وقال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)»، فعلم منه أن القضاء الأول كان قضاء المصالحة، والقضاء الثاني كان قضاء الحكم. فإذا ثبت أن أقضيته كانت على وجهين فينبغي أن ٣٣٣ كتاب: البيوع الْعَقَدِيَّ). حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَى شَاةً يحمل الحديث على قضاء المصالحة. وحينئذ يحتمل أن يكون وقع هذا القضاء في قضية خاصة، بأن ادعى رجل من رجل أنه باع منه محفلة، وقضى له رسول الله ويشير بالرد وقضى عليه بصاع التمر، لأنه كان استهلك من لبن البائع ما كان قيمته صاعاً من التمر، وفهم منه الراوي أنه قانون لكل من يشتري مصراة ورواه بالعموم)). ثم ذكر احتمالاً آخر، وهو أن النبي وَلقر حكم بذلك مرة من حيث كونه سلطاناً لرفع النزاع من بين التجار، ولمنعهم من التدليس بالتحفيل ونحوه، والظاهر أن الحكم حين وروده وقع عاماً، ولكنه لم يكن من حيث التشريع، بل من حيث السياسة والسلطنة لرفع النزاع، ثم قال شيخنا العثماني كثّفُ: ((ومقتضى ذلك أن يجوز للإمام أحياناً أن يأمر أهل السوق بمقتضى هذا الحديث، ويقضي به بينهم إذا رأى المصلحة فيه، والنزاع غير مرتفع إلا به، لم أره صريحاً، ولكنه مقتضى القواعد، فقد أجازوا قسمة الغنائم في دار الحرب، مع أن المذهب خلافه، إذا رأى الإمام حاجة الغانمين إليها، فكذا هذا)) ثم ذكر كلام ابن القيم تَُّهُ في باب السلب للقتيل، ونصه ما يلي : ((ومأخذ النزاع أن النبي ◌َّر كان هو الإمام، والحاكم، والمفتي، وهو الرسول فقد يقول الحكم بمنصب الرسالة، فيكون شرعاً عاماً إلى يوم القيامة، كقوله: من أحدث في أمرنا هذا فهو رد، وقد يقول بمنصب الفتوى كقوله لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان، وقد شكت إليه شح زوجها: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فهذه فُتيا، لا حكم، إذ لم يدع بأبي سفيان، ولم يسأله عن جواب الدعوى، وقد يقوله بمنصب الإمامة، فيكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت وذلك المكان وعلى تلك الحال، فيلزم من بعده من الأئمة مراعاة ذلك على حسب المصلحة التي راعاها النبي ◌َّيه زمانا ومكاناً وحالاً، ومن ههنا تختلف الأئمة في كثير من المواضع التي فيها أثر عن النبي بَّر، كقوله: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، هل قاله بمنصب الإمامة فيكون حكماً متعلقاً بالأئمة؟ أو بمنصب الرسالة والنبوة فيكون شرعاً عاماً، وكذلك قوله من أحيا أرضاً ميتة فهي له))(١) . ثم قال شيخنا العثماني تَظّفُهُ: ((قلت: وكذلك قوله من اشترى مصراة فهو بخير النظرين قاله بمنصب الإمامة عند أبي حنيفة، فيكون متعلقاً بالأئمة، إن رأى الإمام المصلحة فيه أخذ به، وإلا لا، ولم يقله من حيث النبوة والرسالة حتى يكون شرعاً عاماً للأبد، ودليل ذلك كون الحديث وارداً على خلاف الأصول العامة التي دل عليها الكتاب والسنة في باب الضمان)) كذا في إعلاء السنن (١٤ : ٥٥). (١) كلام ابن القيم هنا مأخوذ من زاد العماد (٢: ١٩٤) في المسائل المستنبطة من غزوة حنين. ٣٣٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامِ فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ طَعَام، لاَ سَمْرَاءَ)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهذا من أقوى ما قيل من قبل الحنفية في هذا الباب وأوجهه، فأما التضمين بالصاع فالقلب يطمئن بأن ما قاله النبي ويّير كان من حيث منصب إمامته، ولم يكن شرعاً عاماً، وأما ثبوت خيار الرد للمشتري ففي القلب منه شيء، ولا ينشرح الصدر بأنه لم يكن شرعاً عاماً، فإنه لا مخالفة للأصول الصحيحة في إثبات خيار المشتري ضد البائع الخادع، والتدقيق في تقسيم اللبن إلى ما كان وقت العقد وما حدث بعده، لا يبدو كافياً في صرف الحديث عن ظاهره، ولذلك يعجبني قول الإمام أبي يوسف كثّفُهُ: ((في الشاة المحفلة آخذ بالحديث وأقول بردها، وفيما سوى ذلك أخذنا بالقياس)) حكاه السرخسي في المبسوط (١٣ : ٣٨) ورحم الله امرءً هدانا إلى الصواب، والله سبحانه أعلم. ٢٥ - (٠٠٠) - قوله: (فهو بالخيار ثلاثة أيام) به أخذ بعض الشافعية وقالوا: إن الخيار في المصراة يتقدر بثلاثة أيام، فليس له الردة قبل مضيها، ولا إمساكها بعدها، فإن أمسكها بعد ذلك لم يكن له الرد وهو قول بعض الحنابلة، قالوا: هذه الأيام الثلاثة قدرها الشارع لمعرفة التصرية، فإنها لا تعرف قبل مضيها، لأنها في اليوم الأول لبنها لبن التصرية، وفي الثاني يجوز أن يكون لبنها نقص لتغير المكان واختلاف العلف، وكذلك في الثالث، فإذا مضت الثلاثة استبانت التصرية، وثبت الخيار على الفور، ولا يثبت قبل انقضائها . وقال أبو الحطاب من الحنابلة: متى ثبتت التصرية جاز له الرد قبل الثلاثة وبعدها، ولا يتقيد الخيار بمدة، وهو قول بعض المالكية أيضاً، قالوا: إنما ذكرت في الحديث ثلاثة أيام لكون العلم لا يحصل في الغالب إلا بها، فإن حصل العلم بها قبل الثلاثة ثبت الخيار: وإن لم يحصل إلا بعد ثلاثة أيام فلا وجه لمنع الخيار. وهناك قول ثالث: وهو أن الخيار يستمر إلى ثلاثة أيام، فيجوز الرد في أثناءها متى ثبتت التصرية، ولكن لا يعدو هذا الخيار إلى ما بعد ثلاثة أيام، وهو قول ابن المنذر وابن أبي موسى، وبه أخذ أبو حامد من الشافعية، وحكى فيه نص الشافعي كثّتُهُ، وراجع لهذه الأقوال المغني لابن قدامة (٤: ١٣٩)، وفتح الباري (٤: ٣٠٣)، وشرح الأبي (٤: ١٨٧)، ويبدو أن هذا القول الأخير أقرب إلى لفظ الحديث، والله سبحانه أعلم. قوله: (من طعام لا سمراء) السمراء الحنطة، كما وقع صريحاً في رواية ابن أبي شيبة عن ابن سيرين، وفسر بعضهم الطعام بالتمر، فتطابق هذه الرواية سائر الروايات التي ذكر فيها التمر، ولما كان المتبادر من لفظ الطعام الحنطة نفاها بقوله: ((لا سمراء))، ويؤيده ما رواه ابن المنذر عن ابن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: ((لا سمراء تمر ليس ببر)) ولكن يشكل عليه ما رواه البزار من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين، ولفظه: ((إن ردها ردها ومعها صاع من بر لا سمراء)) فحينئذ يكون المراد من البر الحنطة المعروفة، ومن السمراء حنطة مخصوصة وهي ٣٣٥ کتاب: البيوع ٣٨١٢ - (٢٦) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ. إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا. وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ، لَ سَمْرَاءَ)). ٣٨١٣ - (٢٧) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنِ اشْتَرَىْ مِنَ الْغَنَمِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ)). الشامية، ويؤيده ما أخرجه الطحاوي من طريق أيوب عن ابن سيرين أن المراد بالسمراء الحنطة الشامية. وعليه فتخالف هذه الرواية سائر الروايات الأخرى التي تبين أن الواجب صاع من تمر)) ويحتمل أن يكون رواية، رواه بالمعنى عى ظنه وذلك أن لفظ (الطعام) يتبادر منه البر، فظن أنه البر فعبر به، وإنما كان لفظ الطعام في الحديث للتمر، لكونه غالب قوت أهل المدينة. ولكن يعكر عليه ما أخرجه أحمد عن رجل من أصحاب النبي ◌ِّر، ولفظه: «فإن ردها رد معها صاعاً من طعامٍ أو صاعاً من تمر)) فإنه يقتضي التخيير بين التمر والطعام وأن الطعام غير التمر، إلا أن يقال: إنَّ (أو) شك من الراوي، وليس للتخيير أو للتنويع. وأما ما رواه أبو داود عن ابن عمر بلفظ: ((رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً)) ففي إسناده جميع بن عمير التميمي، ضعفه المحدثون واتهموه بالكذب، كما في التهذيب وغيره. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذه خلاصة ما ذكره الحافظ في الفتح للجمع بين هذه الروايات المتعارضة، ولا يخفى ما فيه من تكلف، والذي يظهر من اختلاف الروايات أن هذا التقدير ليس تشريعاً، وإنما هو تعبير عن قيمة اللبن المشروب، كما قال أبو يوسف، أو عما وقع عليه الصلح، كما قال أبو حنيفة كَُّهُ، وقد ذكر الحافظ نفسه عن البغوي أن لا خلاف في المذهب أنهما لو تراضيا بغير التمر من قوت أو غيره كفى، وحكي عن الماوردي وجهين للشافعية فيما إذا عجز عن التمر، هل تلزمه قيمته ببلده، أو بأقرب البلاد التي فيها التمر، (فتح الباري ٤: ٣٠٥) وذكر ابن قدامة أن الحنابلة يجب عندهم قيمة التمر إذا لم يوجد التمر. وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن ذكر التمر في الحديث إنما جرى لكونه غالب قوت أهل البلد، فيجب في كل بلد صاع من غالب قوته، راجع مغني ابن قدامة (٤: ١٣٦)، والأبي (٤: ١٨٧). فظهر أن الفقهاء جميعاً لم يأخذوا بكون صاع التمر تقديراً أبدياً، فمنهم من حمله على غالب قوت البلد، ومنهم من حمله على قيمة التمر إذا لم يوجد التمر، فالأحسن ما قاله الحنفية إنه ليس تقديراً شرعياً، وإنما المراد منه قيمة اللبن، أو ما وقع عليه الصلح، وعلى هذا تنطبق الروايات جميعاً، والله سبحانه أعلم. ٢٧ - (٠٠٠) - قوله: (من اشترى من الغنم) تمسك بظاهره بعض العلماء، فقالوا: إذا اشترى غنماً أكثر من واحد ووجد جميعها مصراة لا يرد معها إلا صاعاً، فالصاع عندهم ضمان ٣٣٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٣٨١٤ - (٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةٌ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلّ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا . وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((إِذَا مَا أَحَدُكُمُ اشْتَرَىْ لِقْحَةً مُصَرَّةً أَوْ شَاةً مُصَرَّاةً، فَهُوَ بِخَيْرِ التَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. إِمَّا هِيَ، وَإِلَّ فَلْيَرُدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ)). عام سواء كانت الشاة واحدة أو أكثر، وهو قول بعض المالكية والشافعية. وخالفهم آخرون، فقالوا: يرد مع كل مصراة صاعاً على حدة، لعموم قوله ظّلها: ((من اشترى مصراة)) فإنه يوجب لكل مصراة صاعاً، وأما حديث الباب فأجاب عنه ابن قدامة في المغني (٤: ١٤١) بأن الضمير في قوله: ((ردها)) يعود إلى الواحدة. ثم قال الحافظ في الفتح (٤: ٣٠٩) ((وعن أكثر المالكية: يرد عن كل واحدة صاعاً، حتى قال المأزري: من المستبشع أن يغرم متلف لبن ألف شاة كما يغرم متلف لبن شاة واحدة، وأجيب بأن ذلك مغتفر بالنسبة إلى ما تقدم من أن الحكمة في اعتبار الصاع قطع النزاع، فجعل حداً يرجع إليه عند التخاصم، فاستوى القليل والكثير، ومن المعلوم أن لبن الشاة الواحدة أو الناقة الواحدة يختلف اختلافاً متبايناً، ومع ذلك فالمعتبر الصاع، سواء قل اللبن أو كثر، فكذلك هو معتبر سواء قلت المصراة أو كثرت)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: قد اعترف الحافظ هنا أن هذا التقدير لقطع النزاع، فالأحسن أن يقال إنه ليس تقديراً شرعياً، وإنما هو على وجه المصالحة لرفع النزاع، كما قال به الحنفية، فيسع للإمام أن يقدر غير الصاع حسب أحوال زمانه ومكانه لرفع التنازع على وجه المصالحة، والله سبحانه أعلم. ٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (لقحة مصراة) اللقحة: الناقة الحلوب، فظهر أن الناقة المصراة حكمها حكم الشاة، واتفق العلماء على ذلك، ثم اختلفوا فيما عداهما، فقال داود الظاهري: يقتصر هذا الحكم على الناقة والشاة فقط، ولا يعدو إلى غيرهما، وقال جمهور أهل العلم: إن الحكم يعم كل نوع من بهيمة الأنعام، وسواء فيه البقر والجاموس، ثم اختلفوا، فقال بعضهم: لا يتعدى الحكم إلى مصراة من غير بهيمة الأنعام كالأتان والفرس، وهو قول بعض الشافعية والراجع في مذهب أحمد، وقال بعضهم: يتعدى الحكم إلى كل مصراة، ولو من غير بهيمة الأنعام، حتى في الأمة والأتان والفرس، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وبه قال ابن عقيل من الحنابلة، إلا أن الحافظ صحح أنه لا يرد عوض اللبن في الجارية والأتان والفرس. وإنما فرق أكثر الحنابلة وبعض الشافعية بين الأنعام وغيرها ولم يثبتوا الخيار في غير الأنعام، لأن لبنها لا يعتاض عنه في العادة، ولا يقصد قصد لبن بهيمة الأنعام. راجع المغني لابن قدامة (٤: ١٤١)، وفتح الباري (٤: ٣٠٢) في أول باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل إلخ. قوله: (فهو بخير النظرين) واختلف القائلون بالخيار في عدة تفاصيله: منها لو كان المشتري عالماً بالتصرية هال يثبت له الخيار؟ فيه وجه للشافعية، والراجح عند الجمهور أنه لا. ٣٣٧ كتاب : البيوع (٨) - باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض ٣٨١٥ - (٢٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَقُتَيْبَةُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ قَالَ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)). خيار حينئذ، كما صرح به الأبي المالكي والحافظ في الفتح، واستدل له بما أخرجه الطحاوي من طريق عكرمة عن أبي هريرة، وفيه: ((من اشترى مصراة ولم يعلم أنها مصراة إلخ)) ثم لو صار لبن المصراة عادة واستمر على كثرته، هل له الرد فيه؟ فيه وجه لهم (أي: للشافعية) أيضاً، خلافاً للحنابلة في المسألتين، فإنهم لا يثبتون الخيار في الصورتين لعدم الغبن والضرر. ومنها: لو تحفلت الشاة بنفسها، أو صرها المالك لنفسه، ثم بدا له فباعها، من غير قصد الخداع هل يثبت فيه ذلك الحكم؟ فمن نظر إلى المعنى أثبته لأن العيب يثبت الخيار ولا يشترط فيه تدليس البائع، ومن نظر إلى أن حكم التصرية خارج عن القياس خصه بمورده، وهو حالة العمد، وعند كل من الشافعية والمالكية فيه أقوال، كما في الأبي. ومنها: لو اشترى غير مصراة، ثم اطلع على عيب بها بعد حلبها، فقد نص الشافعي على جواز الرد مجاناً، لأنه قليل غير معتنى بجمعه، وقيل: يرد بدل اللبن كالمصراة، وقال البغوي: يرد صاعاً من تمر، راجع لكل ذلك المغني لابن قدامة (٤: ١٣٥ إلى ١٣٩)، وفتح الباري (٤ : ٣٠٨ و٣٠٩). وأما الحنفية فلا ترد عندهم الشاة بعيب بعد الحلب لحدوث زيادة منفصلة متولدة، وهي تمنع الرد عندهم كما أسلفنا، وإنما يرجع فيه المشتري بنقصان قيمته، والله سبحانه أعلم. (٨) - باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض ٢٩ - (١٥٢٥) - قوله: (عن ابن عباس) أخرجه البخاري في البيوع، باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، وباب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ما ليس عندك، وأبو داود في الإجارة، باب بيع الطعام قبل أن يستوفي (رقم: ٣٤٩٦ و ٣٤٩٧) والنسائي، في البيوع، باب بيع الطعام قبل أن يستوفي، والترمذي في البيوع، باب كراهية بيع الطعام حتى يستوفيه، وأحمد في مسند ابن عباس (١: ٢٥٢ و٢٧٠ و ٢٨٥). قوله: (حتى يستوفيه) المعروف أن الاستيفاء والقبض بمعنى واحد، وفرق بعضهم بينهما لغة بأن الاستيفاء يتحقق بمجرد الاكتيال أو الاتزان أو العد، ولا يلزمه قبض المشتري، وأما القبض فهو أن يأتي الشيء في حرزه وضمانه، كذا يظهر من كلام الحافظ في الفتح (٤: ٢٩٣)، ولا خلاف في أن الاستيفاء ههنا بمعنى القبض، وقد صرح به في الرواية الآتية وفي رواية إسماعيل عند البخاري. ٣٣٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ. قوله: (وأحسب كل شيء مثله) يعني مثل الطعام في بطلان البيع قبل قبضه، فيحرم بيع كل شيء قبل قبضه، طعاماً كان أو غيره، وفي المسألة أقوال تالية؛ الأول: قال عثمان البتي: يجوز بيع كل شيء قبل قبضه، وقال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه هذا الحديث، ومثل هذا لا يلتفت إليه، كذا في المغني لابن قدامة (٤: ١١٣). الثاني: قال الشافعي ومحمد بن الحسن من الحنفية: يحرم بيع كل شيء قبل قبضه، طعاماً كان أو غيره، منقولاً كان أو غير منقول، وهو ظاهر قول ابن عباس رضيًا وهو رواية ابن عقيل عن أحمد كما في المغني. الثالث: قال أحمد بن حنبل في أظهر روايته: إنما يختص النهي بالطعام، فلا يجوز بيعه قبل قبضه، ويجوز فيما سواه، كما حققه ابن قدامة . الرابع: قال مالك كثّتُهُ: إنما يمتنع البيع قبل القبض في المكيل والموزون، من الطعام خاصة، وقال سحنون وابن حبيب من المالكية: إنه ممتنع في كل مكيل أو موزون أو معدود، ثم هل يختص بالطعام أو بالربويات عندهم؟ فيه قولان حكاهما الأبي. الخامس: قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: يمتنع البيع قبل القبض في سائر المنقولات، ويجوز في العقار الذي لا يخشى هلاكه، كما في فتح القدير (٥: ٢٦٦). استدل الحنابلة بحديث الباب على أن النهي مقصور على الطعام، لأن النبي وَلّ نص فيه على الطعام، واستدلوا أيضاً بما روي عن ابن عمر قال: ((كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير، وآخذ مكانها الورق، وأبيع بالورق، وآخذ مكانها الدنانير فأتيت النبي ◌َ* فسألته عن ذلك، فقال: لا بأس به بالقيمة)) أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد وابن حبان والحاكم من طريق سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، ولم يرفعه عنه إلا سماك بن حرب، كما في التلخيص الحبير للحافظ (٣: ٢٥ و٢٦) باب القبض وأحكامه (رقم: ١٢٠٤). ووجه الاستدلال منه على ما بينه ابن قدامة، أنه تصرف في الثمن قبل قبضه، وهو أحد العوضين، فلو جاز بيع الثمن قبل قبضه جاز بيع المبيع قبل قبضه أيضاً، إلا في الطعام فإنه ورد فيه النهي نصاً . وهذا الاستدلال غير ناهض على الشافعية والحنفية، لأنه ليس بيعاً للثمن، وإنما هو استبدال للثمن بغيره قبل القبض، ونحن نقول بجوازه، لأنه لا غرر فيه للانفساخ بالهلاك لعدم تعينه بالتعيين، وإنما الكلام في بيع المبيع فإنه ممكن الهلاك، وسيأتي في دلائل الشافعية ما يدل فإن النبي ◌َّ اشتراه عموم النهي عنه. واستدل ابن قدامة أيضاً بحديث ليلة البعير عن جابر من جابر، ثم وهبه له قبل أن يقبضه، وليس فيه حجة لهم خلاف محمد تَظُّ فإنه يفرق بين البيع ٣٣٩ كتاب: البيوع ٣٨١٦ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح والهبة، ويقول: إن هبة المبيع جائزة قبل قبضه ولا يجوز بيعه قبل قبضه، كما في فتح القدير (٥: ٢٦٤)، وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فالهبة عندهم كالبيع، والجواب من قبلهم عن حديث البعير أن النبي ◌ّر أنما وهبه البائع قبل قبضه، وذلك يجوز، لأنه هبة للثمن حقيقة وليس هبة للمبيع، وإنما الكلام في هبة المبيع لغير البائع قبل قبضه. وأما الشافعي ومحمد وابن عقيل ومن وافقهم في تعميم النهي، فاستدلوا بالدلائل الآتية. ١ - أخرج أبو داود (رقم: ٣٣٥٦) عن ابن عمر قال: ((ابتعت زيتاً في السوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحاً حسناً، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفت، فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته، حتى تحوزه إلى رحلك، فإن رسول الله وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم)) فقد عمم هذا الحديث الحكم في سائر السلع، ولم يقصره على الطعام، وتكلموا في إسناد هذا الحديث بأن فيه محمد بن إسحاق، ولكن قال صاحب التنقيح: ((سنده جيد، وابن إسحاق صرح فيه بالتحديث)) كما في فتح القدير (٥: ٢٦٤)، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (٢: ٤٠) وأقره عليه الذهبي. ٢ - عن حكيم بن حزام قال: ((قلت: يا رسول الله! إني أبتاع هذه البيوع، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: يا ابن أخي، لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه)) وفي رواية أبان: ((إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه)) هذا اللفظ للبيهقي في سننه (٥: ٣١٣)، وقال: «هذا إسناد حسن متصل)) وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه، وأحمد في مسنده (٣: ٤٠٢)، وفيه تعميم الحكم لكل شيء، وأعلوه بعبد الله بن عصمة، لكن قال ابن القيم في تهذيب السنن (٥: ١٣١): ((هذا إسناد على شرطهما، سوى عبد الله بن عصمة، وقد وثقه ابن حبان، واحتج به النسائي)) وقال صاحب التنقيح: ((فيه عبد الله بن عصمة، وهو الجشمي حجازي، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق في أحكامه بعد ذكر هذا الحديث: عبد الله ابن عصمة ضعيف جداً، وتبعه على ذلك ابن القطان، وكلاهما مخطىء في ذلك، وقد اشتبه عليهما عبد الله بن عصمة هذا بالنصيبي أو غيره ممن يسمي عبد الله بن عصمة)) كذا في نصب الراية للزيلعي (٤: ٣٣). ٣ - عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله وَل قال: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) أخرجه الترمذي في باب كراهية بيع ما ليس عنده، وقال: هذا حديث حسن صحيح، فنهى فيه (١) رسول الله وَّل عن ربح ما يضمن، والبيع (١) وكذا في قوله علا: (الغنم بالغرم) وهو متوافر معنى كما في بذل المجهود (ج: ٤) (في بحث المصراة) وكذا في قوله عليهلها: (الخراج بالضمان). ٣٤٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ (وَهُوَ الثَّوْرِيُّ). كِلاَهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. قبل القبض يتضمنه، لأن المبيع لا يأتي في ضمان المشتري حتى يقبضه، فإن باعه قبل ذلك بالربح كان ذلك ربحاً لما لم يضمنه، وهذه العلة تعم الطعام وغيره. وبعين هذه الدلائل الثلاثة يستدل أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى، غير أنهما يستثنيان العقار من عموم النهي، لأن علة النهي منتفية فيه، فإن الحديث الأخير - حديث عبد الله بن عمرو - دل على أن العلة في النهي عن بيع المبيع قبل القبض هي أنه يستلزم ربح ما لم يضمن، وإنما يضمن الإنسان ما يخاف فيه الهلاك، وأما العقار فلا يخشى فيه ذلك إلا نادراً، حتى لو كان العقار على شط البحر أو كان المبيع علواً لا يجوز بيعه قبل القبض، كما في فتح القدير (٥: ٢٦٦) لأن الهلاك فيه غير نادر. وقال صاحب الهداية: ((لهما (يعني في جواز بيع العقار قبل قبضه) أن ركن البيع صدر من أهله في محله، ولا غرر فيه، لأن الهلاك في العقار نادر، بخلاف المنقول، والغرر المنهي عنه غرر انفساخ العقد، والحديث معلول به بدلائل الجواز)) وقال ابن الهمام تحته: ((والحديث معلول به أي بغرر الانفساخ، والدليل عليه أن التصرف الذي لا يمتنع بالغرر نافذ في المبيع قبل القبض، وهو العتق، والتزوج عليه، وبه ظهر فساد قولهم إن تأكد الملك بتأكد السبب، وذلك بالقبض، لأن العتق في استدعاء ملك تام فوق البيع، ويجوز في المبيع قبل القبض العتق، وإنما قلنا: التزوج لا يبطل بالغرر لأنه لو هلك المهر المعين لزم الزوج قيمته، ولم ينفسخ النكاح)). ثم إن في النهي عن البيع قبل القبض حكماً بالغة: فمنها ما ذكره ابن القيم تثّه تعالى في تهذيب السنن (٥: ١٣٧): ((فمن محاسن الشريعة الكاملة الحكيمة منع المشتري من التصرف فيه حتى يتم استيلاؤه عليه، وينقطع عن البائع وينفطم عنه، فلا يطمح في الفسخ والامتناع من الإقباض، (إذا رأى المشتري قد ربح فيه، ويغره الربح وربما أفضى إلى التحيل على الفسخ، ولو ظلما، وهذا من المصالح التي لا يهملها الشارع، حتى إن من لا خبرة له من التجار بالشرع يتحرى ذلك ويقصده، لما في ظنه من المصلحة، وسد باب المفسدة)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وقد ظهرت في زماننا حكمة أخرى لهذا الحكم، وهي أن البيع قبل القبض في زماننا يحدث غلاء في السوق، وكثيراً ما يفعله تجار زماننا في التجارة الدولية، فنشاهد اليوم أن الباخرة تجري بالبضائع من اليابان مثلاً، فيبيعه الذي يصدره إلى غيره، ثم هو إلى ثان، والثاني إلى ثالث، وهكذا، فتجري على البضاعة الواحدة بياعات ربما تجاوز عشرة، وكل ذلك قبل وصول الباخرة إلى الميناء، وينتج ذلك أن البضاعة التي كانت قيمتها بضع ربيات في اليابان، لا تصل إلى سوق بلادنا إلا بعد ما تصير قيمته مائة أو أكثر، لأن كل تاجر يشتريها قبل الوصول يبيعها بربح إلى غيره، وتصير الأرباح كلها بأيدي تجار معدودين، ويصير