النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب: البيوع
نقد الرأسمالية:
وأما الرأسمالية فإنها ولو كانت مصيبة في مبدئها الأساسي، ولكنها أخطأت في تطبيق هذا
المبدأ. وأما مبدأها الأساسي، فهو أن التنظيم الاقتصادي لا يكون بالتخطيط، وإنما يكون ذلك
بقوتين طبيعيتين من العرض والطلب، وهذا أمر فطري لا نأباه، ولكنها طبقت هذا المبدأ بمنح
الفرد حرية تامة في تحصيل أكثر ما يكون من ربح أو ثروة، ولم يقيد هذه الحرية بشرط أو قيد،
وغفلت عن أن هذه الحرية التامة تؤول إلى تقييد قوتي العرض والطلب، فيفسد بذلك النظام
الفطري الذي قررته في مبدئها الأساسي.
وتفصيل ذلك أن كل فرد لما كان حراً مطلقاً في تحصيل أكثر ما يكون من ربح وثروة،
فجاز له الربا، والقمار، والاحتكار، والبيع بالتخمين، وكل طريق يؤدي إلى نيل ربح أكثر،
فأمكن للأغنياء أن يسيطروا على السوق ويتحكموا فيها بالأسعار، فلا سعر في السوق إلا ما
يرضاه هؤلاء الأثرياء، ولا أجرة للعمال إلا ما عينوه، فإنهم هم ملوك السوق وحكامهم على
أساس ثروتهم، وقد جعلوا قوة العرض والطلب مفلوجة شلاء، فإن هاتين القوتين إنما تعملان
في السوق الحرة التي يتنافس فيها التجار بكل حرية، ويكون للمشتري فيها الخيار بين أن يشتري
البضاعة من هذا وذاك. أما إذا سيطر على السوق شخص واحد أو شركة واحدة، فلا سبيل
للمشتري منه، فيتحكم بالسعر، بما يجعل قوتي العرض والطلب كالمهملة في تعيين الأسعار.
وإنما يحدث ذلك بالحرية المطلقة التي رفعت الرأسمالية لواءها بكل فخر، فإن الرجل في
هذه الحرية يكسب القناطير من الثروة بما شاء من رباً أو قمار أو احتكار أو تخمين، وبأساس
هذه القناطير يتخذ مصانع عظيمة ومعامل جسيمة يستولي بها على السوق، ولا يترك أحداً من
التجار الصغار أن يبلغ شأوه، ولو بلغ أحد غيره إلى هذه المنزلة أحدث معه التواطؤ التجاري،
حتى كانت لتجار بضاعة واحدة الكلمة الواحدة، ولم يبق للمشتري والمستهلكين الخيار في
استعمال قوة طلبهم في تعيين الأسعار، فأين السوق الحرة في النظام الرأسمالي؟ وأين العرض
والطلب؟ وأين قوة المنافسة؟ إنما أصبحت هذه الكلمات في الرأسمالية نظريات مودعة في بطون
الأوراق، لا يرى منها في الحياة العملية أثر ولا يسمع لها خبر.
فتبين أن الرأسمالية قد طبقت مبدأها الأساسي تطبيقاً قد قضى في المآل على نفس هذا
المبدء، وجعل قوتي العرض والطلب مفلوجتين ضعيفتين لا تعملان إلا في دائرة قصيرة فحدث
من ذلك مفاسد كثيرة :
أما أولاً: فقد صارت قلة من الناس مسيطرة على المال المتداول، وإن هذه القلة من
الناس لم تبق محصورة في محلها، وإنما تحولت لتصبح قوة عالمية، وخرجت تساهم في البنوك
الخارجية والشركات الدولية، وعن طريق هذه الشركات وما لديها من قوة المال بدأت هذه القلة

٣٠٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
في التدخل في سياسة الدول، كما قامت هذه القلة بالسيطرة على الوسائل الإعلامية المختلفة
حتى تسند طغيانها المالي عن طريق التأثير في الاتجاهات الفكرية وتوجيهها لصالح الرأسمالية.
وأما ثانياً: فإن الحرية الفردية أصبحت في هذا النظام حقاً لأصحاب المال وحدهم، وأما
الفقراء فليس لهم في هذا النظام إلا أن يخضعوا لأحكام أصحاب الأموال.
وأما ثالثاً: فإن الإنتاج في هذا النظام لا يتجه إلى ما فيه خير للمجتمع، وإنما يتجه إلى ما
يدر الربح الكثير، فلو كان الربح كثيراً في بناء المسارح والمراقص تكون لها كل الترجيح في
صرف الوسائل إليها، سواء كانت بعض الحاجات اللازمة مهملة في الوقت نفسه .
المذهب الاقتصادي الإسلامي:
أما الإسلام فقد سلك في الاقتصاد منهجاً معتدلاً بريئاً من هذا الإفراط وذاك التفريط .
ولما كانت تعبيرات (التنظيم الاقتصادي)) و((قوة العرض والطلب)) و((دور السوق)) تعبيرات حديثة
لا نجد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية شيئاً من هذه التعابير، ولكن الذي يتلخص من
دراسة القرآن والسنة والفقه، هو أن الإسلام بعيد عن التخطيط في التنظيم الاقتصادي، وإنما هو
يذهب إلى أن التنظيم الاقتصادي مفوض من الله سبحانه إلى بعض القوى الطبيعية، فيقول الله
سبحانه :
﴿وَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنياً وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضِ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا
سُخْرِبًا﴾ [الزخرف: ٣٢] فنسب الله سبحانه قسم المعيشة إلى نفسه جل وعلا. وهذا مما يدل على أن
التنظيم الاقتصادي إنما هو بيد الله سبحانه، وهناك بعض القوات الفطرية التي تنظم المعايش
للناس، وإن هذه القوات الفطرية نستطيع أن نعبر عنها بقوة العرض والطلب، فإن الله سبحانه هو
الذي ربط حاجات بعض الناس مع حاجات الآخرين، فالبائع محتاج إلى المشتري، والمشتري
محتاج إلى البائع، ولا غنى لأحدهما من الآخر، وإليه أشار الله سبحانه بقوله: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضًا سُخْرِيًا﴾ [الزخرف: ٣٢].
وكذلك نجد في أحاديث رسول الله وَ لو ما يؤيده، فقد روى أنس رضُله: قال: ((قال
الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعِّر لنا، فقال رسول الله بَّةٍ: إن الله هو القابض الباسط
الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال)) أخرجه أبو
داود والترمذي وابن ماجه والدارمي كلهم في البيوع، وصححه الترمذي، وأخرجه أحمد أيضاً
في مسنده (٣: ١٥٦ و٢٨٦)، وقال الحافظ في التلخيص (رقم: ١١٥٨، ١٤:٣): إسناده على
شرط مسلم، وفي رواية عن أبي هريرة عند أبي داود في باب التسعير واللفظ له وأحمد في مسنده
(٢: ٣٣٧ و٣٧٣): ((إن رجلاً جاء فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل أدعو، ثم جاء رجل

٣٠٣
كتاب : البيوع
فقال: يا رسول الله سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد
عندي مظلمة)) وإسناده حسن، كما في التلخيص للحافظ (٣: ١٤)، وفي رواية عن أبي سعيد
الخدري رضيُبه قال: ((غلا السعر على عهد رسول الله صل﴿ فقالوا له: لو قومت لنا سعرنا، قال: إن
الله هو المقوم أو المسعر، إني لأرجو أن أفارقكم وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في مال ولا
نفس)) أخرجه أحمد في مسنده (٣: ٨٥)، وإسناده حسن، كما صرح به الحافظ في التلخيص
(٣: ١٤ رقم: ١١٥٨).
وفي رواية الأصبغ بن نباتة عن علي رَظ ◌ُّه قال: ((قيل: يا رسول الله، قوم لنا السعر، قال:
إن غلاء السعر ورخصه بيد الله، أريد أن ألقى ربي وليس أحد يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه)) أخرجه
البزار في مسنده، كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (٢: ٨٥ رقم: ١٢٦٣) والأصبغ بن
نباتة وثقه العجلي، وضعفه الأئمة كما في مجمع الزوائد (٤: ٩٩)، وحديثه هذا قد قُويَّ بما مر
من شواهده.
قد نسب رسول الله ( التسعير في هذه الأحاديث إلى الله سبحانه، فدل ذلك على أن
تنظيم الأسعار لا يكون بالتخطيط الحكومي، وإنما هو أمر لا يتولاه إلا الله، وظاهر أن المراد
من تسعير الله سبحانه أنه هو الذي خلق هذا النظام الفطري الذي يعين الأسعار بطريقة تلقائية.
فدل الحديث على اعتراف الإسلام بالسوق التي تنظمها قوى العرض والطلب، وعلى أن التدخل
في السوق هو ضد السير الطبيعي للقوانين التي يُسَيِّرُ الله بها الحياة، وعلى أن كل تدخل من هذا
النوع يعتبره الإسلام كمظلمة، سواء كان ذلك التدخل من جهة الحكومة، أو من التجار
المتعاملين في السوق.
ويدل على ذلك حديث آخر أيضاً، وهو ما روى جابر تظله قال: ((قال رسول الله وَليّةٍ: لا
يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض))، أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما،
فقد أفصح فيه سيد الفصحاء لر أن الله تعالى يرزق بعض الناس ببعض يعني أنه يرزق البائع
بواسطة المشتري، ويرزق المشتري بواسطة البائع، فلا يجوز لأحد أن يتدخل في هذا النظام
الإلهي ويتحكم فيه بالأسعار. فالحديث يشير إلى أن نظام السوق نظام طبيعي لا يجوز تغييره،
فالحديث الأول - حديث التسعير - قد منع تدخل الحكومة في السوق، والحديث الثاني - حديث
جابر - قد منع تدخل بعض المتعاملين في السوق بما يغير وضعها الفطري، فكلاهما ممنوع.
فظهر أن الإسلام إنما يريد أن تسير السوق على سيرها الطبيعي، ولا يظهر هناك ما يعوق
دون هذا السير .
ولكن هذا السير الطبيعي لا يمكن بأن نترك جميع أصحاب الأموال أحراراً يفعلون ما
يشاءون، فإن هذه الحرية المطلقة تحدث احتكارات تفسد نظام السوق كما أسلفنا، وإنما يمكن

٣٠٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إذا كانت معاملتهم مقيدة بحدود وشرائط، وقد وضع الإسلام هذه الحدود والشرائط لئلا تجلب
حرية الأفراد على قيمة حرية السوق وحرية المجتمع، كما هو الواقع في الرأسمالية، وإنما جعل
الأفراد تبعاً لأحكام تضمن لحرية السوق وحرية المجتمع.
فمن هذه الأحكام تحريم الربا والقمار والتخمين، فإن هذه الوسائل كلها تؤدي إلى اكتناز
الثروة بأيدي الأغنياء فقط، ولقد شهد التاريخ بأن طغيان الرأسمالية إنما حدث بهذه الأسباب،
فإنهم يحوزون القناطير من الثروة بهذه الوسائل، ويسيطرون على السوق بما يجعل قواها الطبيعية
مفلوجة شلاء .
ومن هذه الأحكام تحريم الاحتكار، وتلقي الجَلَب، وبيع الحاضر للبادي، وسائر البيوع
الفاسدة أو الباطلة، فإنها تميل إلى تغيير وضع السوق، وإهمال قوى العرض والطلب، وتحكم
فئة مخصوصة على الأسعار.
وقد أخرج البزار وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن ابن عمر عن النبي وَّ قال: ((من احتكر
طعاماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه، وقال: وأيما أهل عرصة ظل فيهم امرؤ من المسلمين
طوياً (يعني جائعاً) فقد برئت ذمة الله منهم)) راجع كشف الأستار عن زوائد البزار (٢: ١٠٦
رقم: ١٣١١) ومجمع الزوائد (٤: ١٠٠).
ومن هذه الأحكام منع التواطؤ الاقتصادي من التجار، فإن هذا التواطؤ أيضاً يجعل نظام
الأسعار بأيدي التجار المعدودين، ويخل بنظامها الطبيعي، فقد صرح الفقهاء بأنه لا يترك التجار
يشتركون فيما بينهم لتحكم الأسعار. وراجع كتاب القسمة من الهداية، وكلما تحكم هؤلاء
بالأسعار جاز للحكومة الإسلامية أن تتدخل في السوق بالتسعير حتى تعود إلى وضعها الأصلي،
كما قرره الفقهاء في كتبهم. ومن هذه الأحكام أحكام الزكاة والصدقات والأضحية والكفارات
والنفقات والميراث، فإنها توجه فيضان الثروة من أصحاب الأموال إلى المقلين من المجتمع
وهكذا فإن أبواب الاكتناز والاحتكار منسدة في الإسلام، وأبواب الإنفاق مفتوحة، والحكمة في
ذلك ما أشار إليه القرآن الكريم حيث قال: ﴿كَ لَا يَكُنَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].
وبالجملة، فإن الإسلام قد راعى حرية الفرد إلى حد، ولكن آثر عليها حرية المجتمع، وإنه
يريد أن يستعمل القوى الفطرية من العرض والطلب، ويجعل السوق حرةً تسير سيرها الطبيعي،
ويحول دون الاحتكارات التي تجعل زمام السوق بأيدي فئة مخصوصة، وتلغي أعمال العرض
والطلب، وشرع لذلك أحكاماً من تحريم شتى أنواع المعاملات، وأباح للحكومة الإسلامية أن
تتدخل في السوق كلما رأت حدوث الاحتكارات.
ويمكن أن تلخص مذهب الاقتصاد الإسلامي في هذا الشأن أنه لم يجعل حرية الاكتساب

٣٠٥
كتاب: البيوع
(١) - باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة
٣٧٨٠ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيميُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّنَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لْ نَهَى .....
حرية مطلقة كما نجد في الرأسمالية، وإنما شرع ثلاثة أنواع من التدخلات في هذه النشاطات
الاقتصادية :
١ - تدخل الدين: فلا يجوز لأحد من المكتسبين أن يكسب المال بطريقة غير مشروعة من
الربا والقمار والتخمين وسائر البيوع والمعاملات الفاسدة أو الباطلة.
٢ - تدخل الحكومة: الإسلام لا يسمح للحكومة أن تتدخل في السوق إذا كانت تسير
سيرها الطبيعي كما سبق في حديث التسعير، ولكن إذا أراد أحد أن يسيطر على السوق أو يتحكم
فيها جاز للحكومة التدخل حينئذ، كما تقرر في الفقه: وذلك لما روى معقل بن يسار عن
النبي ◌ّل قال: ((من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقذفه
في معظم من النار ورأسه أسفله)) أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني وأحمد وغيره كما في كنز
العمال (٤: ٥٦) باب الاحتكار. وقد أمر عمر رضيبه حاطب بن أبي بلتعة أن يزيد في سعره وقال
له: ((إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا)) أخرجه مالك وعبد ابن حميد والبيهقي كما
في الكنز (٤: ١٠٤) حديث (٨٨٢) وذلك يدل على جواز التدخل من قبل الحكومة إذا رأت ما
يفسد نظام السوق.
٣ - تدخل الأخلاق: ثم إن الأحكام الأخلاقية لا تنفصل في الإسلام عن الاقتصاد، فإن
اكتساب أكثر ما يكون من ربح وثروة ليس من المقاصد الأصلية للإنسان كما أسلفنا. ولذلك فإن
الإسلام يربي في نفوس المسلمين أن يحسنوا المعاملة مع غيرهم، وأن يؤثروهم على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة، وأن يتباروا في الإنفاق دون أن يتنافسوا في الحصول على الأرباح
والثروات، وإن مثل هذه الأحكام كثيرة في القرآن والسنة، وليس هذا موضع استقصائها، فكلما
أقيم الإسلام بجميع أحكامه وتعاليمه لم يبق في المجتمع أثر من مآثر الرأسمالية السيئة، ولم
تكن هناك حاجة إلى النظام الاشتراكي ولا الشيوعيّ، وأصبح الاقتصاد يسلك مسلكاً عادلاً بريئاً
من الظلم والقساوة والنفسانية، والله سبحانه الموفق.
(١) - باب: إبطال بيع الملامسة والمنابذة
١ - (١٥١١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع
المنابذة وباب بيع الملامسة، وفي الصلاة في الثياب، باب ما يستر من العورة، وفي المواقيت،
باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وباب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، وفي
الصوم، باب الصوم يوم النحر، وفي اللباس، باب اشتمال الصماء، وباب الاحتباء في ثوب

٣٠٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنِ الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ.
٣٧٨١ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ، مِثْلَهُ.
٣٧٨٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ. ح
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَهَّابِ. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ
عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، بِمِثْلِهِ.
٣٧٨٣ - (٠٠٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ،
عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، مِثْلَهُ.
٣٧٨٤ - (٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج،
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالُّ:
واحد، وأخرجه مالك والنسائي والترمذي وابن ماجه كلهم في البيوع.
قوله: (عن بيع الملامسة) كان بيع الملامسة من بيوع الجاهلية، وفسره العلماء على
أقوال :
١ - هي أن يقول: أبيعك هذا المتاع بكذا، فإذا لمستك وجب البيع، أو يقول المشتري
كذلك. وهذا التفسير مروي عن أبي حنيفة كما في عمدة القاري (٥: ٥٠٥).
٢ - هي أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا
بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهذا التفسير مروي عن الشافعي كما
في شرح النووي.
٣ - هي أن يشتري كل واحد منهما ثوب الآخر بثوبه من غير تأمل، ويقول: إذا لمست
ثوبك ولمست ثوبي فقد وجب البيع، وهو مروي عن أبي هريرة من طريق عطاء بن ميناء عند
المصنف، فيكون فيه نفس اللمس بيعاً من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول.
٤ - هي أن يبيعه شيئاً على أنه متى مسه انقطع خيار المجلس، حكاه النووي، وهذا إنما
يبطل على قول من يرى خيار المجلس.
وبالجملة، فالقدر المشترك في هذه التفاسير كلها هو الغرر، وعدم النظر في المبيع، أو
الإلزام على الآخر ما لم يرض به، ولذلك حرمت هذه البيوع كلها .

٣٠٧
کتاب: البيوع
نُهِيَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ: الْمُلاَمَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. أَمَّا الْمُلاَمَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ
صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلِ، وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الآخَرِ، وَلَمْ يَنْظُرْ وَاحِدٌ
مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبهِ.
٣٧٨٥ - (٣) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ، قَالاً:
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛
أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَلِبْسَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْمُلاَمَسَةِ
وَالْمُنَابَذَةِ فِي الْبَيْعِ.
وَالْمُلاَمَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيْلِ، أَوْ بِالنهّارِ، وَلاَ يَقْلِبُهُ إِلاَّ بِذَلِكَ،
وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَنِْذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا مِنْ
غَيْرِ نَظَرٍ وَلاَ تَرَاضٍ.
٢ - (٠٠٠) - قوله: (والمنابذة أن ينبذ) هذا التفسير منصوص في الحديث، والمراد أن
مجرد النبذ يعتبر فيه بيعاً من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول، وقيل: إنه أن يقول لصاحبه:
إذا نبذته إليك انقطع الخيار ولزم البيع، وذكر الخطابي في معالم السنن (٥: ٤٦) عن بعضهم أنه
تبذ الحجر، فإذا وقع الحجر لزم البيع، وهو نظير بيع الحصاة، وسيأتي.
٣ - (١٥١٢) - قوله: (أن أبا سعيد الخدري) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع،
باب بيع المنابذة وباب بيع الملامسة، وفي الصلاة، باب ما يستر من العورة، وفي الصوم، باب
صوم يوم الفطر، وفي اللباس، باب اشتمال الصماء، وباب الاحتباء في ثوب واحد، وفي
الاستئذان، باب الجلوس كيفما تيسر، وأخرجه أبو داود في باب بيع الغرر من البيوع، وأخرجه
النسائي وابن ماجه والترمذي كلهم في البيوع.
قوله: (ولبستين) بكسر اللام، اسم هيئة من اللبس، والمراد نهي عن هيئتين للبس .
قوله: (ولا يقلبه) بضم اللام ويكسرها، والمراد قلب الثوب لينظر كيف هو؟ يعني: أن
المشتري لا يتمكن في بيع الملامسة من أن يقلب المبيع ويراه، وقوله (إلا بذلك) استثناء منقطع،
والمراد أنه لا يمكنه قلب الثوب، وإنما هو يلمسه فقط.
بيع الشيء الغائب وخيار الرؤية:
قوله: (ويكون ذلك بيعهما من غير نظر) يعني: من غير تأمل، وقد يستدل به على بطلان
بيع الشيء الغائب، واختلفوا فيه على أقوال:
الأول: أنه باطل مطلقاً، وهو قول الشافعي في الجديد، كما في فتح الباري (٤: ٣٠١).
والثاني: أنه يصح مطلقاً ويثبت للمشتري الخيار إذا رآه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه،

٣٠٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٨٦ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
وروي ذلك عن ابن عباس والنخعي والشعبي والحسن البصري ومكحول والأوزاعي وسفيان،
وحكي عن مالك والشافعي أيضاً .
والثالث: يصح إذا وصف المبيع بصفات، فإن وجد كما وصف لزم المشتري ولا خيار له
إذا رآه، وإن وجد على غير الصفة فله الخيار، وهو قول أحمد وإسحاق ورواية عن مالك
والشافعي، وهو مروي عن ابن سيرين وأيوب والحارث العكلي والحكم وحماد وأبي ثور وأهل
الظاهر هذا ملخص ما في عمدة القاري (٥: ٥٠٦) وفتح الباري (٤: ٣٠١).
ولا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث على بطلان بيع الغائب مطلقاً، لأن علة المنع هي
عدم النظر مع سقوط خيار الرؤية، فإن ثبت الخيار زال فساد عدم الرؤية، فلم يكن في معنى بيع
الملامسة .
والدليل على جواز بيع الغائب مع خيار الرؤية ما أخرجه الدارقطني والبيهقي (٥: ٢٦٧)
في باب من قال يجوز بيع العين الغائبة، عن أبي هريرة مظانه قال: قال رسول الله وَله: ((من
اشترى شيئاً لم يره فهو بالخيار إذا رآه)). واعترضوا عليه بأن مداره على عمر بن إبراهيم
الكردي، وهو متهم بالوضع، والجواب أن الإمام أبا حنيفة قد روى هذا الحديث عن الهيثم بن
حبيب الصيرفي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ربه، كما في جامع مسانيد الإمام (٢:
٢٥)، وإنما جاء عمر بن إبراهيم الكردي بعد أبي حنيفة كما هو ظاهر من الدارقطني وجامع
المسانيد، وقد ذكر الإمام محمد بن الحسن الشيباني هذا الحديث في كتابه الحجة على أهل
المدينة (٢: ٦٧١ باب الرجل يبيع المتاع من بارنامجه) فقال: ((الحديث المعروف الذي لا يشك
فيه عن النبي ◌َّي وعليه أمور المسلمين إلى يومهم هذا الآفاق أن رسول الله وَلاه قال: من اشترى
شيئاً ولم يره فهو بالخيار إذا رآه)) وفيه دلالة على أن الحديث كان معروفاً بالصحة لا يشك فيه
عند أهل العراق، فكان حكمه مجمعاً عليه عندهم قبل أن يرويه عمر بن إبراهيم الكردي، فلا
يضر الحديث ضعفه، وإذا اشتهر الحديث وتلقاه العلماء بالقبول استغني عن الإنساد، وقد ذكر
شمس الأئمة السرخسي تلُ أن هذا الحديث قد روي في المشاهير، ثم قال: ((وهذا الحديث
رواه عبد الله بن عباس وعطاء والحسن البصري، وسلمة بن المجير(١) رحمهم الله تعالى مرسلاً
عن النبي (وَ )) راجع مبسوط السرخسي (١٣: ٦٩) باب الخيار لغير الشرط. وقد تأيد هذا
الحديث أيضاً بما أخرجه البيهقي عن مكحول مرسلاً عن النبي ◌ّ وقال: ((من اشترى شيئاً لم يره
فهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه وإن شاء تركه)). وفي إسناده أبو بكر ابن أبي مريم، وهو مع
(١) كذا في المبسوط، ولعله سلمة بن المحبق، والله أعلم.

٣٠٩
كتاب: البيوع
(٢) - باب: بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر
٣٧٨٧ - (٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَيَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ:
ضعفه يصلح مؤيداً، وقد بنى عليه الحسن البصري مذهبه كما أخرج عنه البيهقي في سننه (٥ :
٢٦٨)، وكذلك محمد بن سيرين كما يظهر من الدار قطني.
والدليل الثاني على جواز ذلك ما أخرجه الطحاوي والبيهقي، واللفظ له، عن ابن أبي
مليكة ((أن عثمان ابتاع من طلحة بن عبيد الله أرضاً بالمدينة، ناقله بأرض له بالكوفة، فلما تباينا
ندم عثمان ثم قال: بايعتك ما لم أره، فقال طلحة: إنما النظر لي، إنما ابتعت مغيباً، وأما أنت
فقد رأيت ما ابتعت، فجعلا بينهما حكماً، فحكما جبير بن مطعم، فقضى حبيرٌ أن البيع جائز
وأن النظر لطلحة، إنه ابتاع مغيباً)).
ومن ثم قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (باب تلقي الجلب ٢: ٢٢٠): ((إن خيار
الرؤية لم نوجبه قياساً، وإنما وجدنا أصحاب رسول الله وَ ي أثبتوه وحكموا به وأجمعوا عليه ولم
يختلفوا فيه، وإنما جاء الاختلاف في ذلك ممن بعدهم)) وقال الطحاوي أيضاً في كتابه اختلاف
العلماء: ((قال الله تعالى: و﴿لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِّ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً عَنْ تَرَاضِ
مِّنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فأباح تعالى التجارة عن تراض، ولم يفرق بينهما، رُؤي أو لم ير، وأجاز علَّلهُ
بيع العنب إذا اسود، والحب إذا اشتد، وهما غير مرئيين، وأصحاب رسول الله وَّر جوزوا بيع
الغائب، وليس هو من باب الملامسة والمنابذة، كما زعم أصحاب الشافعي، ولا من باب
الغرر، لأن الغرر ما كان على خطر، لا يدري أيكون أم لا؟ كالطير في الهواء، والسمك في
الماء وما لا يقدر على تسليمه، كذا قال أهل اللغة، والغائب ليس كذلك. فإن قيل: قد يهلك،
قلنا: وكذلك سائر الأشياء، وليس هذا بيع ما ليس عند الإنسان، إذ المراد من ذلك ما ليس في
ملكه، ولا خلاف في اللغة أن الإنسان يقول: عندي ضياع ودور، أي: في ملكي، وإن كانت
غائبة، فإن قيل: الآبق متفق على منع بيعه فكذا الغائب قلنا: لم يمتنع بيع الآبق لغيبه، بل لتعذر
تسليمه كالطير في الهواء)) كذا في الجوهر النقي على البيهقي (٥: ٢٦٧).
(٢) - باب: بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر
٤ - (١٥١٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه مالك
والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي كلهم في البيوع، وأحمد في مسند أبي هريرة
(٢: ٣٧٦ و٤٣٦ و٤٣٩ و٤٩٦).

٣١٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ،
قوله: (عن بيع الحصاة) قال ابن الأثير في جامع الأصول (١: ٥٢٨): ((هو أن يقول: إذا
نبذت الحصاة فقد وجب البيع. وقيل: هو أن يقول: بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا
رميت، أو بعت من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك، والكل فاسد، لأنه من بيوع الجاهلية،
وكلها غرر لما فيه من الجاهلية)) .
البيع بالتعاطي:
واستدل الشافعي كثّفُ على حرمة بيع التعاطي بحديث النهي عن بيع الحصاة وعن بيع
الملامسة والمنابذة، وقال: إن هذه البيوع إنما فسدت لكونها خالية عن الإيجاب والقبول،
فيقاس عليها التعاطي لأنه يخلو عن الإيجاب والقبول، وقد رد عليه ابن قدامة في المغني بما فيه
كفاية فلنحك عبارته بلفظه، قال:
((المعاطاة؛ مثل أن يقول: أعطني بهذا الدينار خبزاً فيعطيه ما يرضيه، أو يقول: خذ هذا
الثوب بدينار فيأخذه(١)، فهذا بيع صحيح، نص عليه أحمد فيمن قال لخباز: كيف تبيع الخبز؟
قال: كذا بدرهم، قال: زنه وتصدق به، فإذا وزنه فهو عليه، وقول مالك نحو من هذا، فإنه
قال: يقع البيع بما يعتقده الناس بيعاً، وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء(٢)،
وحكي عن القاضي مثل هذا، قال: يصح في الأشياء اليسيرة دون الكبيرة، ومذهب
الشافعي كثّفُ: أن البيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول، وذهب بعض أصحابه إلى مثل قولنا».
((ولنا: أن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف كما رجع إليه في
القبض والإحراز والتفرق، والمسلمون في أسواقهم وبيعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجوداً
بينهم معلوماً عندهم، وإنما علق الشرع عليه أحكاماً، وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره
بالرأي والتحكم، ولم ينقل عن النبي وَ ل﴿ ولا عن أصحابه - مع كثرة وقوع البيع بينهم - استعمال
الإيجاب والقبول، ولو استعملوا ذلك في بيعاتهم لنقل نقلاً شائعاً، ولو كان ذلك شرطاً لوجب
نقله، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عنه، ولأن البيع مما تعم به البلوى، فلو اشترط له
الإيجاب والقبول لبينه وَله بياناً عاماً .... ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل
عصر، ولم ينقل إنكاره قبل مخالفينا، فكان ذلك إجماعاً، وكذلك الحكم في الإيجاب والقبول
في الهبة والهدية والصدقة .... وروى البخاري عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وليو إذا أتي
(١) جعله ابن قدامة من التعاطي، وقال بعض الفقهاء: إنه ليس من التعاطي، وإنما هو إيجاب لفظاً وقبول فعلاً،
والتعاطي إنما يكون فيما كان فيه الإيجاب والقبول كلاهما فعلاً، راجع رد المحتار (٤: ٨).
(٢) هذا قول الكرخي، والصحيح المفتى به عند الحنفية جواز التعاطي في خسيس ونفيس كما صرح به في الدر
المختار وحاشيته للشامي (٤: ١٤ و١٥).

٣١١
كتاب: البيوع
وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ .
بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل:
هدية ضرب بيده وأكل معهم. وفي حديث سلمان حين جاء إلى النبي ◌َّ بتمر، فقال: هذا شيء
من الصدقة رأيتك أنت وأصحابك أحق الناس به، فقال النبي وَل ◌ّ لأصحابه: كلوا، ولم يأكل،
ثم أتاه ثانية بتمر، فقال: رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذا شيء أهديته لك، فقال النبي ◌َّل: بسم
الله، وأكل. ولم ينقل قبول ولا أمر بإيجاب، وإنما سأل ليعلم: هل هو صدقة أو هدية؟ وفي
أكثر الأخبار لم ينقل إيجاب ولا قبول، وليس إلا المعاطاة، والتفرق عن تراض يدل على
صحته ... ولأن الإيجاب والقبول إنما يرادان للدلالة على التراضي، فإذا وجد ما يدل عليه من
المساومة والتعاطي قام مقامهما وأجزأ عنهما لعدم التعبد فيه)) كذا في المغني لابن قدامة، أول
البيوع (٣ : ٥٦٢).
ثم إن التعاطي ليس من بيع الحصاة ولا من الملامسة أو المنابذة في شيء، لأن هذه البيوع
يفوتها النظر والتراضي، ويجمعها الجهالة والغرر، ولا غرر ولا جهالة في التعاطي، وإنما هو
إيجاب وقبول بالفعل لا باللفظ .
قوله: (وعن بيع الغرر) تعمم بعد تخصيص، ليعم الحكم سائر أنواع الغرر، وقد فسره ابن
الأثير في جامع الأصول (١: ٥٢٧) بقوله: ((الغرر: ما له ظاهر تؤثره وباطن تكرهه، فظاهره يغر
المشتري وباطنه مجهول)) وقد وردت في الأحاديث والآثار أمثلة كثيرة من بيع الغرر، فقد أخرج
أحمد في مسنده (١: ٣٠٢) عن ابن عباس قال: نهى رسول الله وَّةٍ عن بيع الغرر، ثم قال:
((قال أيوب: وفسر يحيى بيع الغرر، قال: إن من الغرر ضربة القانص، وبيع الغرر العبد الآبق،
وبيع البعير الشارد، وبيع الغرر ما في بطون الأنعام، وبيع الغرر تراب المعادن، وبيع الغرر ما
في ضروع الأنعام إلا بكيل))، ومن أقسامه بيع الطير في الهواء وبيع السمك في الماء، والجامع
الذي يجمع هذه البيوع كلها إما جهالة المبيع، أو عدم قدرة البائع على تسليمه أو كون المبيع
على خطر.
فأما الغرر بمعنى جهالة المبيع فربما يحتمل إذا كان يسيراً دعت الحاجة إليه، ولم يكن
مفضياً إلى المنازعة في العرف، وفي مثله قال النووي: ((أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها
غرر حقير، منها أنهم أجمعوا على صحة بيع الحبة المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو بيع حشوها
بانفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهراً مع أن الشهر
قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع
اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء
بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويخرج على هذا كثير من المسائل في عصرنا، فقد جرت

٣١٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣) - باب: تحريم بيع حبل الحبلة
٣٧٨٨ - (٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ؛ أَنَّهُ
نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ .
العادة في بعض الفنادق الكبيرة أنهم يضعون أنواعاً من الأطعمة في قدور كبيرة، ويخيرون
المشتري في أكل ما شاء بقدر ما شاء، ويأخذون ثمناً واحداً معيناً من كل أحد، فالقياس أن لا
يجوز البيع لجهالة الأطعمة المبيعة وقدرها، ولكنه يجوز لأن الجهالة يسيرة غير مفضية إلى
النزاع، وقد جرى بها العرف والتعامل.
وكذلك استيجار السيارات، ربما لا يعرف سائقها مسافة السفر ولا تتعين الأجرة في بداية
السفر، ولكن هذه الجهالة تتحمل، لكون العداد رافعاً للنزاع، ويتفق الراكب والسائق على أجرة
يدل عليها العداد، فلا يقع النزاع.
ثم إن الحافظ قد ذكر عن الطبري أن ابن سيرين كان يرى بيع الغرر جائزاً إن سلم في
المآل، وذكر عن ابن بطال أنه لعله لم يبلغه النهي، راجع فتح القاري (٤: ٢٩٩).
[(٣) - باب: تحريم بيع حبل الحبلة]
٥ - (١٥١٤) - قوله: (عن عبد الله) يعني به: ابن عمر، بقرينة ما بعده من الروايات، وإلا
فالمعروف أنهم إذا أطلقوا (عبد الله) فإنما يريدون به ابن مسعود.
والحديث هذا أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الغرر وحبل الحبلة، وفي السلم، باب
السلم إلى أن تنتج الناقة، وفي المناقب، باب أيام الجاهلية، وأخرجه أيضاً مالك والنسائي وأبو
داود والترمذي وابن ماجه كلهم في البيوع، وأحمد في أواخر مسند عمر بن الخطاب (١: ٥٦)،
وفي مسند ابن عمر (٢: ٥ و١١ و١٥ و٦٣ و٧٦ و٨٠ و١٠٨ و١٤٤ و١٥٥)، وأخرجه أحمد
أيضاً عن ابن عباس في مسنده (١ : ٢٩١).
قوله: (حبل الحبلة) بفتح الباء فيهما، وهو الصحيح عند المحققين، وغلط القاضي عياض
من أسكن الباء في الأول، ثم إن الحبل مصدر من حبلت المرأة تحبل حبلاً، والحبلة جمع
حابل، مثل ظلمة وظالم، وقيل: إنه مصدر بمعنى المحبول، قال النووي: ((واتفق أهل اللغة
على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن الحمل، يقال: حملت المرأة ولداً وحبلت
بولد، وحملت الشاة سخلة، ولا يقال: حبلت، قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبل
إلا ما جاء في هذا الحديث)) ولكن تعقبه الحافظ في الفتح (٤: ٢٩٨) وحكي عن المحكم أنه قد
اختلف أهي للإناث عامة أم للآدميات خاصة، وأنشد في التعميم قول الشاعر: أو ذيخة حبلى
محج مقرب. راجع المحكم لابن سيدة

٣١٣
كتاب: البيوع
٣٧٨٩ - (٦) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ). قَالاً:
حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: كَانَ أَهْلُ
الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ
وأما بيع حبل الحبلة، فقد فسروه على أقوال:
الأول: أنه البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة الحاملة، ثم تعيش المولودة حتى تكبر ثم
تلد، هو المروي عن ابن عمر رضيله نفسه في رواية مالك عن نافع عند البخاري، ولفظه ((إلى أن
تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها)).
والثاني: أنه البيع بثمن مؤجل إلى أن تضع الناقة الحاملة حملها فقط، وهذا التفسير مروي
عن نافع عند البخاري في آخر السلم، ولفظه: ((فسره نافع إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها)) وبهذا
التفسير قال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي وجماعة، كما في فتح الباري (٤: ٢٩٩).
والثالث: أنه البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الدابة الحاملة ويحمل ولدها، ولا يشترط
وضعه، وهذا التفسير هو المتبادر مما ذكره مسلم في الرواية الآتية عن ابن عمر رَظُله، وبه جزم
أبو إسحاق في التنبيه، كما في الفتح.
ووجه المنع في هذه الصور الثلاثة جهالة الأجل في البيع.
والرابع: أنه بيع جنين الناقة أو جنين جنينها في الحال، وبهذا التفسير جزم الترمذي وبه
قال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق. ووجه المنع في هذه الصورة الغرر وجهالة المبيع،
لأن الجنين لا يتقين بوضعه، فضلاً عن أن يلد ذلك الجنين.
وقد رجح النووي تَغْلَقُ تفسير حبل الحبلة بالأوجه الثلاثة الأولى، لأنه مروي عن ابن
عمر راُله نفسه، ولكن التفسير الأخير مروي عنه أيضاً فيما أخرجه أحمد في مسنده (٢: ١٤٤
و١٥٥) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني نافع عن ابن عمر قال: ((نهى رسول الله وَّر عن بيع
الغرر، وقال: إن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع، يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة،
فنهى رسول الله (َل﴾ عن ذلك)) وهذا مما يؤيد التفسير الرابع، ولذلك ترجم عليه البخاري باب
بيع الغرر. والظاهر أن جميع هذه التفاسير صحيحة، والبيع بها كان متعارفاً في الجاهلية فنهى
عنها النبي ◌ّ إما لجهالة الأجل أو لجهالة المبيع، والله سبحانه أعلم.
وقد ذكر ابن سيدة في المحكم (٣: ٢٧٣) معنى آخر لهذا الحديث، وهو أن الحبلة ههنا
بمعنى الكرمة وهي شجرة العنب، والمراد من حبلها بلوغها، ومقصود الحديث النهي عن بيع
الكرمة قبل أن تبلغ، وهو مثل ما نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وحكى الأبي في شرحه
(٤: ١٧٧) هذا التفسير عن المبرد، ولكن الجمهور على ما أسلفنا.
٦ - (٠٠٠) - قوله: (كان أهل الجاهلية يتبايعون) ظاهر هذا السياق أن هذا التفسير من

٣١٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ: أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تَحْمِلِ الَّتِي نُتِجَتْ. فَنَهَاهُمْ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ عَنْ ذَلِكَ.
(٤) - باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه،
وسومه على سومه. وتحريم النجش. وتحريم التصرية
٣٧٩٠ - (٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِ لّهِ قَالَ: ((لاَ يَبَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ)).
كلام ابن عمر، وقد زعم بعضهم أنه من إدراج نافع في الحديث، واعتمدوا في ذلك بما أخرجه
البخاري في السلم عن جويرية بتصريح أن نافعاً هو الذي فسره، ولكن لا مانع أن يكون نافع قد
رواه مرّغةً عن ابن عمر، وحدث به أخرى من غير عزوه إلى ابن عمر .
قوله: (لحم الجزور) بفتح الجيم وهو البعير ذكراً كان أو أنثى، غير أن لفظه مؤنث،
تقول: هذه الجزور، وإن أردت ذكراً، فيحتمل أن يكون ذكره في الحديث قيداً فيما كان أهل
الجاهلية يفعلونه، فلا يتبايعون هذا البيع إلا في الجزور أو في لحم الجزور، ويحتمل أن يكون
ذكره على سبيل المثال، وأما في الحكم فلا فرق بين الجزور وغيرها في ذلك، كذا في فتح
الباري (٤ : ٢٩٩).
قوله: (أن تنتج) بضم التاء الأولى وفتح الثانية على البناء للمجهول، وهذا الفعل وقع في
لغة العرب على صيغة المجهول، ويريدون به المعروف، وهي من الصيغ النادرة، كما في الفتح.
(٤) - باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه
وسومه على سومه وتحريم النجش إلخ
٧ - (١٤١٢) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في البيوع، باب النهي عن تلقي
الركبان، وباب لا يبيع على بيع أخيه، وفي النكاح، باب ما يخطب على خطبة أخيه، وأخرجه
مسلم في النكاح أيضاً، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأخرجه مالك والترمذي وابن
ماجه في البيوع، وأبو داود في النكاح، والنسائي والدارمي في البيوع وفي النكاح، وأحمد في
مسند ابن عمر (٧:٢ و٢١ و٦٣ و٧١ و١٠٨ و١٢٢ و١٢٤ و١٢٦ و١٣٠ و١٤٢ و١٥٣).
قوله: (لا يبع بعضكم على بيع بعض) صورته أن يشتري رجل سلعة على خيار، فيقول له
رجل: افسخ شراءك هذا، أنا أيبعك نظيرها بأرخص. ويدخل في هذا الحكم الشراء على شراء
بعض، وهو أن يكون الخيار للبائع، فيقول له رجل آخر: افسخ بيعك هذا، وأنا أشتريه منك
بأكثر، وكلاهما ممنوع بهذا الحديث، لأن العقد قد تم بينهما، وفي مثله إضرار بأحدهما .
وقد فسر الحديث بعضهم كالقاضي عياض: أن المراد منه السوم على سوم بعض، وهو أن

٣١٥
کتاب: البيوع
٣٧٩١ - (٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ). قَالاَ: حَدَّثَنَا
يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ. قَالَ: ((لاَ يَبِعِ الرَّجُلُ
عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَّ لَهُ)).
٣٧٩٢ - (٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يكون المتساومان قد اتفقا على ثمن وركنا إلى عقد البيع، فيأتي ثالث ويقول للبائع: أنا أشتريه
منك، وذلك لا يجوز أيضاً، وسيأتي مصرحاً في حديث أبي هريرة وسيأتي هناك الكلام عليه إن
شاء الله .
٨ - (٠٠٠) - قوله: (على بيع أخيه) المراد منه المسلم، وبه استدل الأوزاعي وأبو عبيد بن
حربويه من الشافعية على أن هذا إنما يحرم مع المسلم، ولا بأس به مع الكافر، كما حكى
عنهما الحافظ في الفتح، وأصرح منه ما سيأتي في حديث أبي هريرة: ((لا يَسُمْ المسلم على سوم
أخيه))، ولكن الجمهور على أن الحكم يشمل الذمي والمستأمن أيضاً، وإنما خرج ذكر الأخ أو
المسلم مخرج الغائب، فلا مفهوم له، وقال في الدر المختار: ((وذكر الأخ في الحديث ليس
قيداً، بل لزيادة التنفير)) وقال ابن عابدين: ((قوله: بل لزيادة التنفير، لأن السوم على السوم
يوجب إيحاشاً وإضراراً، وهو في حق الأخ أشد منعاً، قال في النهر: كقوله في الغيبة: ذكرك
أخاك بما يكره، إذ لا خفاء في منع غيبة الذمي)).
قوله: (إلا أن يأذن له) الظاهر أن هذا الاستثناء منصرف إلى البيع والخطبة كليهما وقد
صرح به العيني في العمدة، فإن إذن البائع الأول يدل على أنه قد رضي بفسخ البيع، وحينئذ
يجوز العقد للثاني. قال العيني في عمدة القاري (٤: ٤٩٦): ((وإنما حرم بيع البعض على بعض
لأنه يوفر الصدور ويورث الشحناء، ولهذا لو أذن له في ذلك ارتفع على الأصح)) وقد سبقت
مباحث الخطبة في كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وقد تقدم شيء منها في
كتاب الطلاق، باب المطلقة البائن لا نفقة لها، تحت قوله عليه *: ((ولكن انكحي أسامة بن زيد)).
٩ - (١٥١٥) - قوله: (عن أبي هريرة) أخرجه البخاري في البيوع، باب لا يبيع على بيع
أخيه، وباب لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة، وباب النهي عن تلقي الركبان، وفي الشروط، باب
ما لا يجوز من الشروط في النكاح، وباب الشروط في الطلاق، ومالك في البيوع، باب ما ينهى
عنه في المساومة والمبايعة، والنسائي في البيوع، باب سوم الرجل على بيع أخيه، وباب
النجش، وابن ماجه في التجارات، باب لا يبيع الرجل على بيع أخيه، والترمذي وأبو داود في
النكاح، باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٣٩٤ و٤١٠
و ٤٢٧ و٤٥٧ و٤٦٢ و٤٨٧ و٤٨٩ و٥٠٨ و٥١٢ و٥١٦ و٥٢٦ و٥٢٩).

٣١٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: ((لاَ يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ)).
قوله: (لا يسم المسلم على سوم أخيه) قال الشامي في أواخر باب البيع الفاسد من رد
:
المحتار: ((صورة السوم أن يتراضيا بثمن ويقع الركون به، فيجيء آخر، فيدفع للمالك أكثر أو
مثله ... قال الخير الرملي: ويدخل في السوم الإجارة)) والحاصل أن موقع النهي إنما يأتي بعد
استقرار الثمن بين البائع والمشتري الأول، وبعد ركونهما إلى البيع، أما قبل استقرار الثمن
والركون فلا يكره أن يسوم الثالث، كما لا يكره الخطبة على خطبة أخيه إذا لم يظهر من المرأة
الركون.
ومفاد هذا النهي عند الجمهور هو كراهة البيع على بيع أخيه، والسوم على سوم أخيه فلو
فعل أحد ذلك صح البيع، وأثم المساوم الثاني، وخالفهم داود فقال: لا ينعقد البيع أصلاً، وبه
قال المالكية والحنابلة في رواية، كما حكى عنهم الحافظ في الفتح ..
وقد استثنى بعض الشافعية من تحريم البيع والسوم على الآخر ما إذا كان المشتري مغبوناً
غبناً فاحشاً، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث ((الدين النصيحة)) ورده الحافظ في الفتح بأن
النصيحة لا تنحصر في البيع والسوم، فله أن يعرفه أن قيمتها كذا، وإنك إن بعتها بكذا مغبون،
من غير أن يزيد عليها، فيجمع بذلك بين المصلحتين.
مسألة بيع المزايدة:
ثم إن بعض العلماء قد استدلوا بهذا الحديث على تحريم بيع المزايدة أو بيع من يزيد،
وفيه ثلاثة مذاهب :
الأول: أنه لا يجوز مطلقاً، وهو قول إبراهيم النخعي، واستدل بعموم حديث الباب، فإن
الرجل يسوم فيه على سوم غيره، وبما رواه البزار من حديث سفيان بن وهب: (سمعت النبي وقلة
ينهى عن بيع المزايدة))، (راجع كشف الأستار عن زوائد البزار ٢: ٩ رقم: ١٢٧٦) ولكن في
سنده ابن لهيعة كما نبه عليه الحافظ في الفتح، فلا يصح الاستدلال به قلت: قد حسن الهيثمي
هذا الحديث في مجمع الزوائد (٤: ٨٤)، فالأحسن في الجواب عنه أن المراد من المزايدة
النجش بدليل فعله ◌َلا بنفسه.
والثاني: أن المزايدة إنما تجوز في الغنائم والمواريث، ولا تجوز في غيرها، وهو مذهب
الأوزاعي وإسحاق، واحتجوا بحديث الباب، وبما أخرجه ابن خزيمة وابن الجارود والدار قطني
من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر: ((نهى رسول الله وَّر أن يبيع أحدكم على بيع أحد حتى
يذر، إلا الغنائم والمواريث)) وفي إسناد الدارقطني ابن لهيعة أو الواقدي، كما نبه عليه العيني في
العمدة (٤: ٤٩٨)، وأخرجه أيضاً أحمد والطبراني في الأوسط، وفيه ابن لهيعة كما نبه عليه
الهيثمي في مجمع الزوائد (٤: ٨٤) ولكن تابعه عمر بن مالك عند ابن الجارود في المنتقى (ص
- ١٩٨ رقم: ٥٧).

٣١٧
كتاب: البيوع
٣٧٩٣ - (١٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ الْعَلاَءِ وَسُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّه. ح وَحَدَّثَنَاهُ
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَه. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ، عَنْ
عَدِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ نَهَى أَنْ يَسْتَامَ
الرَّجُلُ عَلَى سَوْمٍ أَخِهِ. وَفِي رِوَايَةِ الدَّوْرَقِيِّ: عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ.
وأجاب العلماء عن هذا الحديث على تقدير ثبوته أن المراد فى الحديث استثناء المزايدة
مطلقاً، ولكن لما كانت المزايدة لا يعمل بها إلا في الغنائم والمواريث عادة، خصها رسول الله وكل
بالذكر ولما وقعت المزايدة في غيرها جازت هناك أيضاً، للاشتراك في المعنى، ولهذا قال ابن
العربي: ((الباب واحد، والمعنى مشترك لا يختص به غنيمة ولا ميراث)» كما في عمدة القاري.
الثالث: قول الجمهور، وهو أن المزايدة تجوز مطلقاً، واستدلوا في ذلك بما روي عن
أنس أنه وسل﴿ باع حلساً وقدحاً، وقال: ((من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما
بدرهم، فقال: من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه))، أخرجه أصحاب
السنن الأربعة، وهذا اللفظ للترمذي، وقال: حسن، وأعلوه بضعف الأخضر بن عجلان، ولكن
الحافظ قد جعله صدوقاً في التقريب، وقد حسن الترمذي حديثه، فكفى به مستدلاً .
وأما حديث الباب فلا حجة فيه لمن منع المزايدة، لأن محمل نهيه بعد استقرار الثمن
وركون كل واحد منهما إلى الآخر، ولا يسام في المزايدة إلا قبل استقرار الثمن وقبل ركون
البائع إلى المشتري، بل قول البائع (من يزيد؟) يدل على أنه لا يرضى بهذا الثمن إلا إذا لم يظهر
من يزيد فيه، فافترقا .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومما يدل على جواز المزايدة أحاديث تحريم النجش،
وهو أن يزيد الرجل في الثمن لا لأجل الشراء، بل ليرغب فيه الآخرون، كما سيأتي، ولا يكون
عموماً إلا في المزايدة، فظهر أن الممنوع هو السوم الذي قصد به أن يغتر به غيره، فأما إذا لم
يقصد أن يغر غيره وأراد الشراء فلا بأس بذلك، والله سبحانه أعلم.
١٠ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبيهما) ظاهره أن العلاء وسهيلاً أخوان، وأبوهما واحد،
والأمر ليس كذلك. فإن العلاء هو ابن عبد الرحمن، وسهيلاً هو ابن أبي صالح، وقد روى كل
واحد عن أبيه، فلا يصح التعبير بقوله (عن أبيهما) وورد في بعض الروايات: ((عن أبويهما)) وهو
تعبير صحيح، وقيل: إنه بفتح الباء، وهو تثنية على قول من يقول: هذان أبان، ورأيت أبين،
ولكن الرواية المعروفة هي بكسر الباء.
قوله: (على سيمة أخيه) السيمة بكسر السين وسكون الياء لغة في السوم.

٣١٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٩٤ - (١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((لاَ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ لِبَيْعٍ. وَلاَ يِبِعْ
بَعْضُكُمَّ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلاَ تَنَاجَشُوا .
١١ - (٠٠٠) - قوله: (لا يُتَلَّقى الرَّكبانُ) ويسمى تلقي الجلب وتلقي السلع أيضاً، وسيأتي
حكمه وما فيه في الباب الآتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (ولاتناجشوا) نهي عن النجش، والكلام فيه في أربعة مواضع، الأول في ضبطه
ومعناه اللغوي، والثاني في معناه الاصطلاحي، والثالث في حكمه، والرابع في حكم البيع الذي
عقد بطريق النجش .
فأما ضبطه ومعناه اللغوي، فهو النجش بفتح النون وسكون الجيم كما ضبطه النووي
والحافظ، ويجوز فتح الجيم أيضاً، كما حكاه العيني في العمدة (٤: ٤٩٦) عن المغرب،
وأصله في معنى إثارة الصيد وتنفيره من مكان إلى مكان، وقيل: معناه الخداع، وقيل: المدح
والإطراء.
وأما معناه الاصطلاحي فهو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة لا لرغبة في شرائها، بل ليخدع
غيره ليزيد ويشتريها، وقال إبراهيم الحربي: النجش أن تزيد في ثمن مبيع أو تمدحه فيرى ذلك
غيرك فيغتر بك، كما في تاج العروس للزبيدي (٤: ٣٥٤)، وإنما سمي نجشاً لأن فيه إثارة رغبة
المشترين ورفع ثمن السلعة، أو لأن النجش أصله في الخداع، وفيه خداع، أو لأنه يشتمل على
مدح السلعة وإطرائها، وذلك من معاني النجش.
وأما حكمه فهو حرام بالإجماع، فإن كان الناجش فعل ذلك من عند نفسه، ولم يعلم به
البائع أو لم يأمره فالإثم على الناجش وحده، وإن وقع ذلك بمواطأة من قبل البائع فالإثم
عليهما. وذكر الأبي عن ابن العربي من المالكية: إن رآى بائعاً يغبن في بيعه ويأخذ منه بعض
المشترين السلعة بأقل من قيمة مثلها جاز النجش حتى تبلغ السلعة قيمتها بل يكون مأجوراً على
رفع الغبن عن أخيه المسلم، وبه يقول الحنفية، قال ابن الهمام: ((فأما إذا لم تكن (السلعة)
بلغت قيمتها، فزاد القيمة لا يريد الشراء فجائز، لأنه نفع مسلم من غير إضرار بغيره، إذ كان
شراء الغير بالقيمة)) كذا في فتح القدير (٥: ٢٣٩)، ومثله في الدر المختار، وقال ابن عابدين في
رد المحتار (٤: ١٨٣): ((بل ذكر القهستاني وابن الكمال عن شرح الطحاوي أنه في هذه الصورة
محمود)) .
وأما حكم البيع الذي عقد بطريق النجش، فالبيع صحيح مع الإثم عند الحنفية والشافعية،
وقال أهل الظاهر: البيع باطل رأساً، وبه قال مالك وأحمد في رواية، كما في المغني لابن
قدامة (٤: ٢١٢) والرواية الأخرى عن مالك وأحمد أن البيع صحيح، وللمشتري خيار الفسخ إن

٣١٩
كتاب: البيوع
وَلاَ يَبْعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ. فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ،
بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا. وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ)).
٣٧٩٥ - (١٢) حدّثنا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَدِيِّ (وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ نَهَى عَنِ التَّلَقِّي
لِلُرُّكْبَانِ. وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَأَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا. وَعَنِ النَّجْشِ. وَالتَّصْرِيَةِ.
وَأَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ.
٣٧٩٦ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. ح وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حِ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَّارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي. قَالُوا
جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ فِي حَدِيثٍ غُنْدَرٍ وَوَهْبٍ: نُهِيَ. وَفِي حَدِيثٍ
كان هناك غبن فاحش، سواء كان النجش بمواطَأَةٍ من البائع أو لم يكن. ولا خيار عند الحنفية
مطلقاً، وبه قال الشافعية في رواية صححها الحافظ في الفتح وقال بعض أصحابهم: إن كان
النجش بمواطأة من البائع فللمشتري الخيار، وإن لم تكن هناك مواطأة فلا خيار. هذا ملخص ما
في المغني لابن قدامة (٤: ٢١٢) وفتح الباري (٤: ٢٩٧).
ووجه من يقول بفساد البيع أن النبي 9ّ نهى عن النجش، والنهي يقتضي الفساد. ولنا أن
النهي عاد إلى الناجش لا إلى العاقد، فلم يؤثر في البيع، ولأن النهي عن الأفعال الشرعية
يقتضي صحة الفعل كما تقرر من أصلنا في أصول الفقه، فالنهي مفاده عدم الجواز والكراهية، لا
فساد البيع .
ثم إن مثل هذا البيع يجب فسخه عندنا ديانة ليرتفع الإثم، كما حققه ابن عابدين في رد
المحتار (٤: ١٨٦) قبيل فصل في الفضولي.
قوله: (لا يبع حاضر لباد) سيأتي تفصيل أحكامه في باب مستقل إن شاء الله .
قوله: (ولا تصروا الإبل والغنم) هو أن يترك اللبن في ضروعها أياماً ولا يحلب، ليراها
الناظر منتفخة الضروع فيظنها كثيرة الدر، وسيأتي البحث فيه في باب بيع المصراة إن شاء الله
تعالی .
١٢ - (٠٠٠) - قوله: (وأن تسأل المرأة طلاق أختها) وزاد في رواية سعيد بن المسيب عند
البخاري: ((لتكفأ ما في إنائها)) ومعناه نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج طلاق زوجته لينكحها،
أو أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق الأولى لتنفرد به وليصير لها من نفقته
ومعاشرته ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الإناء، والكفؤ والإكفاء بمعنى الإمالة،
وهذا مَثَلُ لإمالة الضرة حق صاحبتها من زواجها إلى نفسها، كذا في عمدة القاري (٤: ٤٩٧).

٣٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَبْدِ الصَّمَدِ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ نَهَى. بِمِثْلِ حَدِيثِ مُعَاذٍ عَنْ شُعْبَةَ.
٣٧٩٧ - (١٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ نَهَى عَنِ النَّجْشِ.
(٥) - باب: تحريم تلقي الجلب
٣٧٩٨ - (١٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ). ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كُلُّهُمْ عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبْلُغَ
١٣ - (١٥١٦) - قوله: (عن ابن عمر) أخرجه البخاري في البيوع، باب النجش، وفي
الحيل، باب ما يكره من التناجش، والنسائي وابن ماجه في باب النجش، ومالك في باب ما
ينهى عنه من المساومة والمبايعة من بيوع الموطأ، وأحمد في مسند ابن عمر (٢: ٧ ٦٣ و ١٠٨
و ١٥٦).
(٥) - باب: تحريم تلقي الجلب
١٤ - (١٥١٧) - قوله: (عن ابن عمر) في باب تحريم تلقي الجلب، وهذا الحديث أخرجه
البخاري في البيوع، باب النهي عن تلقي الركبان، وأبو داود في الإجارة، باب التلقي، والنسائي
وابن ماجه في البيوع، باب التلقي، وأخرجه أحمد في مسند ابن عمر (٢: ٧ و٦٣ و١٠٨
و ١٥٦).
قوله: (أن تتلقى السلع) وقد عبر عنه في الأحاديث الأخرى بتلقي الجلب، وتلقي البيوع،
وتلقي الركبان، وفي بعضها بالتلقي فقط، ومعنى الجميع واحد، وهو أن يخرج رجل من البلد
لاستقبال التجار الذين يأتون بالأموال من الخارج، فيشتريها منهم هناك، قبل أن يدخلوا البلد
ويعرفوا سعره. واختلفوا في حكمة هذا الحكم، فقيل: حكمته وقاية الجالبين عن الضرر، وذلك
لأنهم إن باعوا أمتعتهم قبل الوصول إلى السوق ومعرفة السعر، ربما غبنوا في ذلك واشترى
المتلقي منهم بأنقص من سعر البلد. وقال آخرون: بل الحكمة وقاية أهل البلد عن الضرر،
وذلك أن المتلقي يستبد بسعره على أهل البلد بعد شرائه منهم، فلا يبيع الأمتعة فوراً، وإنما
يتربص بها حتى يرتفع السعر، فيبيعها غالية، فيكثر الغلاء على أهل البلد.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولا تزاحم بين الحكمتين، فإن المتلقي ربما يغبن
الجالب، وربما يستبد على السوق، وكلا الأمرين داخل تحت النهي.
ثم لا خلاف في كراهة تلقي البيوع وعدم جوازه، غير أن أبا حنيفة تَغَفُ جوزه إذا لم يكن