النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب: العتق
٠٠٠٠٠٠
٠٠.
والحق أن الرقيق في الإسلام يخالف هؤلاء الأرقاء كل المخالفة، ولنبدأ في هذا البحث
بشهادة مستشرق أوروبي معروف، وهو الأستاذ غوستاف لي بون، فإنه يكتب في كتابه الشهير
المعروف (تمدن العرب):
((إن لفظة الرق إذا ذكرت أمام الأوروبي الذي اعتاد تلاوة الروايات الأمريكية المؤلفة منذ
نحو ثلاثين سنة من الزمان، ورد على خاطره استعمال أولئك المساكين المثقلين بالسلاسل
المكبلين بالأغلال، المسوقين بضرب السياط، الذين لا يكاد يكون غذاؤهم كافياً لسد رمقهم،
ليس لهم من المساكن إلا حبس مظلم. وإني لا أقصد أن أتعرض هنا للبحث عن صحة هذا
الوصف وانطباقه حقيقة على ما كان واقعاً من الإنجليز في أمريكا منذ سنين قليلة، وعما إذا كان
من الأمور المحتملة أن مالك الأرقاء قد قام بفكره أن يسيء معاملتهم ويذيقهم العذاب والهوان
بما يكون فيه تلف لبضاعة غالية مثل ما كان الزنجي في ذاك الزمان. أما الحق اليقين فهو أن
الرق عند الإسلاميين يخالف ما كان عليه عند النصارى تمام المخالفة))(١).
إذا تمهد هذا فاعلم أن الإسلام قد جاء، والاسترقاق شائع في مشارق الأرض ومغاربها،
والأرقاء يعاملون بقسوة ودناءة يتندى لهما جبين الإنسانية، فكان من حكمة الإسلام أنه لم يحرم
الاسترقاق رأساً، ولا ألغاه أصلاً، وإنما شرع له أحكاماً وحد له حدوداً بما يجعله مساهماً في
صلاح البشر ورقي المجتمع الإنساني.
فالإسلام أباح الاسترقاق بشرط أن يكون في جهاد شرعي ضد الكفار. فبينما كان
الرومانيون يستعبدون الأشخاص على ارتكاب بعض الذنوب، وبينما كانوا يسترقون أولاد
الإماء، علاوة على أسارى الحروب، نادى الإسلام بأنه لا يجوز استرقاق أحد إلا في جهاد
شرعي. ثم إن الاسترقاق ليس السبيل الوحيد لمن أسر في جهاد شرعي، وإنما الإمام له في
أمرهم خيارات أربعة: إما أن يقتلهم وإما أن يسترقهم، وإما أن يطلقهم بأخذ الفدية، وإما أن
يمن عليهم فيطلقهم بغير أخذ شيء. فليس الاسترقاق في الإسلام شيئاً واجباً، وإنما هو إباحة
في جملة إباحات أربعة. وذلك لأن أمر الحرب أمر ذو شجون، وربما تتأتى فيها أحوال لا
يناسب لها إلا الاسترقاق، لأننا لو قتلنا الأسارى بأجمعهم كان فيه إضاعة لقوة بشرية، ولو
أطلقناهم بأجمعهم، كان فيه تشجيع للكفر وإعانة للكفار في المحاربة ضد المسلمين، ولو
حبسناهم مدة حياتهم كان فيه إضاعة مواهبهم، وبذل المال عليهم من غير فائدة ترجع إلى
(١) أصل الكتاب في اللغة الفرنسية، وراجع هذا النص في ترجمته الأردية، الكتاب الرابع، الباب الثاني
والفصل السادس (ص: ٣٥٥) ترجمه إلى الأردية السيد علي بلكرامي طبع دكن ١٩٣٦ م، وأما ترجمته
العربية فأخذته من دائرة معارف القرن لفريد وجدي (٤: ٢٥٩) مادة (رقق).

٢٦٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المجتمع. وأما الاسترقاق - بشرائطه وحدوده - فخال من هذا وذاك، ففيه إبقاء للنوع الإنساني،
وتربية له تربية إسلامية، وتقوية له باستخدام مواهب الأرقاء لصلاح المجتمع، ولذلك ترك
الإسلام أربعة أبواب مفتوحة للإمام يختار منها ما يلائم الظروف ويناسب الأحوال.
ثم جعل الإسلام للأرقاء حقوقاً لا نظير لها في دين سواه، فقال تعالى: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا
وَبِذِى اُلْقُرْبَ وَالْيَتَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالضََّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ
وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] وقد قال رسول الله وَّهِ :
((إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل،
وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)) أخرجه البخاري في كتاب
الإيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية (١: ٩)، وفي كتاب العتق باب قول النبي ◌َّ العبيد
إخوانكم (١: ٣٤٦) وقال ◌َّ: ((لا يدخل الجنة سيىء الملكة (يعني: الذي يسيء إلى مملوكه)
قالوا: يا رسول الله! أليس أخبرتنا أن هذه الأمة أكثر الأمم مملوكين ويتامى؟ قال: نعم
فأكرموهم كرامة أولادكم وأطعموهم مما تأكلون إلخ)) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب
الإحسان إلى المماليك (١: ٢٧١)، وقال مَّير: ((من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه))
أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب حق المملوك (٢: ٧٠٣).
وكان من شدة عناية رسول الله صل بالمماليك أن آخر كلمة نطق بها ظلَّلا قبل وفاته كان في
الحث على أداء حقوقهم، فيروي أنس بن مالك تظله قائلاً: ((كانت عامة وصية رسول الله وَاخيه.
حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه: الصلاة وما ملكت أيمانكم)) أخرجه ابن ماجه في أبواب
الوصايا (١: ١٩٨)، وأخرج عن علي بن أبي طالب ظنه قال: ((كان آخر كلام النبي ◌َّ -:
الصلاة وما ملكت أيمانكم))، وأخرجه أبو داود أيضاً في الأدب، باب حق المملوك (٢: ٧٠١)
ولفظه: ((الصلاة، الصلاة، واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم)).
وأمثال هذه الأحاديث كثيرة لا يسع هذا المقام لاستقصائها. وبالجملة، فقد غير الإسلام
نظام الرق بما جعله وداداً وإخاءاً ولم يبق في الإسلام منه إلا اسم الرق، بل وقد غير الإسلام
اسم الرق أيضاً، فيما يروي أبو هريرة تظ له أن رسول الله وَل قال: ((لا يقولن أحدكم: عبدي
وأمتي، ولا يقولن المملوك: ربي وربتي، وليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي
وسيدتي)) أخرجه أبو داود في الأدب، باب لا يقول المملوك ربي وربتي (٢: ٦٨٠).
ولم تكن هذه الأحكام مودعة في بطون الأوراق فحسب، وإنما كان المسلمون في كل
عصر من عصور تاريخهم يعملون بها، ويعاملون عبيدهم معاملة الإخوان، فكم من عبد في تاريخ
الإسلام بلغ مع كونه عبداً - ذروة المجد والسيادة، وكم من عبد أصبح مرجعاً للأحرار في العلم
والمعرفة، وكم من عبد عاش في الإسلام عيشاً مغبوطاً للأحرار! إن تاريخنا مفعم بهذه النماذج

٢٦٣
كتاب: العتق
التي تكفي شاهدة على أن أحكام حسن العشرة مع العبيد لم تكن مهملة في عصر من العصور،
وإنما كانت أحكاماً حيةً يسير عليها المجتمع الإسلامي، ويترقرق منها حكمة الإسلام في إباحة
الاسترقاق، ومن طالع كتب الرجال وأحوال رواة الحديث والعلماء وجد أن معظمهم كانوا من
الموالي، فهذا عطاء بن أبي رباح في مكة وطاوس بن كيسان في اليمن، ويزيد بن حبيب في
مصر، ومكحول في الشام، والضحاك بن مزاحم في الحجاز، كلهم من الموالي، وكلهم كانوا
في عصر واحد وانتهت إليهم رئاسة العلم والفقه في ديارهم.
ثم قد حث الإسلام على الإكثار من الإعتاق، مع ما للأرقاء تحت حكمه من حقوق فجعل
إعتاق الرقاب مصرفاً مستقلاً من مصارف الزكاة، وجعل عتق الرقبة في طليعة كل كفارة، حتى
جعله كفارة لِلَظْم العبد والأمة كما مر، وبين للإعتاق فضائل لا يعهد مثلها في غيره من الأعمال
الحسنة، وجعلهَ مما يعد فيه الهزل جداً، وأمر بالإكثار منه عند الكسوف والخسوف، كما رواه
البخاري في باب ما يستحب من العتاقة في الكسوف.
ومن هنا نرى الصحابة فيما يتبادرون إلى إعتاق العبيد، وينتهزون لأجله الفرص، فقد ورد
أن رسول الله وَّر أعطى أبا الهيثم بن التيهان رَ ؤُله عبداً وقال: ((واستوص به معروفاً)) فانطلق أبو
الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله وسلم فقالت امرأته: ((ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي ◌َّه
إلا أن تعتقه، قال: هو عتيق)) أخرجه الترمذي في أبواب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب
النبي ◌َل ـ
وورد عن أبي هريرة رضيله أنه لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه ضل كل واحد منهما من
صاحبه فأقبل بعد ذلك، وأبو هريرة جالس مع النبي وَ ل#، فقال النبي وَّ: ((يا أبا هريرة هذا
غلامك قد أتاك، فقال: أما إني أشهدك أنه حر))، أخرجه البخاري في باب إذا قال لعبده: هو لله
ونوى العتق (١: ٣٤٣). وأعطى النبي ◌ّ أبا ذر غلاماً وقال: ((استوص به معروفاً، فأعتَقَّه))،
أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب العفو عن الخادم، (حديث: ١٦٣).
وكان ابن عمر إذ اشتد عجبه بشيء من ماله تقرب به إلى الله تعالى، وكان رقيقه قد عرفوا
ذلك منه فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال الحسنة أعتقه، فيقول له
أصحابه: إنهم يخدعونك، فيقول: ((من خدعنا بالله انخدعنا له)) ذكره النووي في تهذيب الأسماء
واللغات (١: ٢٨٠)، وأخرجه ابن سعد في ترجمة ابن عمر من طبقاته (٤: ١٦٧): ومما عرف
عن عثمان رَبُّه أنه كان يعتق كل يوم جمعة رقيقاً من أرقائه.
فهذه نماذج يسيرة من تلك الواقعات الطيبة التي يزخر بها التاريخ الإسلامي، لا يمكننا
استقصاؤها في هذا المقام، وإنما أوردناها لتُقْتَبَسَ منها صورة المجتمع الإسلامي، ولنحك ههنا
ما ذكره العلامة النواب صديق حسن خان عن النجم الوهاج أنه: ((أعتق النبي وَلغير ثلاثاً وستين

٢٦٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نسمة عدد سني عمره وعد أسماءهم، قال: ((وأعتقت عائشة تسعاً وستين وعاشت كذلك، وأعتق
أبو بكر كثيراً، وأعتق العباس سبعين عبداً)) رواه الحاكم، وأعتق عثمان وهو محاصر عشرين،
وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين بالفضة، وأعتق عبد الله بن عمر ألفاً، واعتمر ألف عمرة،
وحج ستين حجة، وحبس في سبيل الله ألف فرس، وأعتق ذو الكلاع الحميري في يوم واحد
ثمانية آلاف عبد، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة)) راجع فتح العلام، شرح بلوغ
المرام، كتاب العتق (٢: ٣٣٢).
فهؤلاء ثمانية رجال فقط، قد أعتقوا تسعة وثلاثين ألفاً وثلاث مائة واثنتين وعشرين
(٣٩٣٢٢) رقيقاً! تستطيع أن تقيس عليه مدى سخاوة المسلمين في إعتاق عبيدهم، ومن كان هذا
حاله في الإعتاق، كيف لا تكون معاملته بعبيده الأرقاء معاملة أخوية كريمة؟
فهذا هو الاسترقاق في الإسلام، وهذه نتائجها! ولنسرد ههنا بعض الشهادات من قبل أهل
الغرب، الذين شاهدوا أحوال الأرقاء في الإسلام، فيقول الكاتب الفرنسي موسيو آبو: ((إن
الاسترقاق ليس بعيب في البلاد الإسلامية، حتى أن جميع سلاطين القسطنطينية، الذين كانوا
أمراء المؤمنين، كلهم ولدوا من بطون الجواري، ولم ينقص ذلك من شجاعتهم أو
بسالتهم .... وكان أمراء مصر ربما يشترون العبيد فيعلمونهم ويربونهم ثم يزوجونهم بناتهم،
وإذا سبرت أحوال أمراء القاهرة وحكامها ورؤساء جنودها، وجدت أن معظمهم ممن بيع في
صباه بما بين ثمانمائة إلى ألف ومائتين)).
وإن ليدي بلنت، وهي امرأة إنكليزية ساحت في بلاد العرب، تكتب في أحوال رحلة نجد
حوارها مع رجل عربي: ((وكان هناك شيء لا يجد ذلك الرجل معقولاً وهو أنه لماذا حرمت
الدولة الإنكليزية تجارة العبيد؟ فقلنا له: إن ذلك مقتضى حمية الإنسانية، فأجاب أنه لا ظلم في
تجارة العبيد، وهل رآنا أحد نعامل عبيدنا معاملة سوء؟ والواقع أن هذا الجواب قد أفحمنا، فإننا
لم نستطع أن ندلَّ ذلك الرجل على مثال واحد من سوء المعاملة مع العبيد فيما رأيناه طول إقامتنا
في العرب، والحق أن العبد عند العرب لا يكون خادماً لهم، وإنما يكون ابناً لهم محبوباً)).
إن هذه الأقوال وأمثالها قد حكاها الأستاذ غوستاف لي بون في كتابه المعروف (تمدن
العرب)، ثم قال في آخرها: ((إن هؤلاء الأوروبيين الذين يريدون منع تجارة العبيد في البلاد
الشرقية وإن كانوا ناصحين للإنسانية بحسن نية، ولكن أهل الشرق لا يقبلون ذلك ويقولون ما
لهؤلاء النصحاء المشفقين على الحبش، يكرهون أهل الصين بمدافعهم وقنابلهم على شراء
الأفيون ويفعلون من إماتة نفوس وسفك دماء في سنة واحدة ما لا يفعله الاسترقاق في عشر
سنوات)) راجع الترجمة الأردية لتمدن العرب (ص: ٣٤٨).

٢٦٥
كتاب: العتق
رد من زعم أن الاسترقاق منسوخ:
إن كثيراً من أهل أوروبا اعترضوا في هذه القرون الأخيرة على حكم الاسترقاق في
الإسلام جاهلين أو متجاهلين عن شروطه وحدوده، وحكمته وآثاره البالغة في التاريخ، فقامت
طائفة، من بين ظهراني المسلمين يعتذرون عن الإسلام ويطبقونه على مقتضى أهواء أهل الغرب،
فقالوا: إن الإسلام لا يباح فيه الاسترقاق اليوم، إنما كان مباحاً في أول الإسلام، ثم نسخت
هذه الإباحة في أواخر حياة النبي وَلّر، وممن قام في الهند بهذه الدعوى السخيفة الباطلة الكاتب
المعروف باسم (جراغ علي) وكان رفيقاً من رفقاء سرسيد أحمد خان، فإنه كتب لإثبات هذه
الدعوى مقالة في كتابه ((أعظم الكلام في ارتقاء الإسلام)) وجاء فيها بأدلة ركيكة تضحك الثكلى،
ولسنا بحاجة إلى سرد هذه الأدلة والرد عليها، فإنها مما يحكم ببطلانها كل من له أدنى مسكة
بالدين وعلمه، ولكنه جاء في هذا الكتاب بأغلوطة ربما تخفى على بعض الناس فنريد أن نذكرها
ونجيب عنها :
وذلك أنه استدل بقوله تعالى في سورة محمد بَّهِ: ﴿حَّ إِذَا أَنْخَتُمُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ
وَإِمَّا فِدَآءٌ﴾ [محمد: ٤] وقال: إن الله تعالى لم يذكر في أسارى الحرب إلا سبيلين: المن والفداء،
ولم يذكر القتل والاسترقاق، فتبين أنهما كانا مأمورين في مبدأ الإسلام. ولكن نسختهما هذه
الآية بعد ذلك.
ولما كانت هذه الأغلوطة ربما تلبس الأمر على كثير من الناس، فلنجب عنها بشيء من
التفصيل .
فاعلم أنه لا دلالة في هذه الآية على تحريم الاسترقاق ونسخ إباحته أصلاً، وذلك بوجوه:
١ - لو تأملنا في ألفاظ الآية رأينا أنها لا تنفي الاسترقاق، لأن كلمة (إما) لا تدل على
الحصر أصلاً، ولذلك تستعمل هذه الكلمة في معنى منع الجمع أيضاً، كما في قولهم: ((جالس
إما الحسن وإما زيداً)) فإنه لا ينافي مجالسة غيرهما .
وقال ابن هشام: ((ولإما خمسة معان: أحدهما: الشك، نحو جاءني إما زيد وإما عمرو،
إذا لم تعلم الجائي منهما، والثاني: الإبهام، نحو ﴿ وَءَاخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَوُبُ
عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦]، والثالث: التخيير، نحو ﴿إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]،
﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّ أَنْ تَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].
.... والرابع: الإباحة، تعلم إما فقهاً وإما نحواً، وجالس إما الحسن وإما ابن
سيرين .... والخامس: التفصيل، نحو ﴿إِنَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] كذا في مغني اللبيب
لابن هشام (١ : ٦٠) حرف الهمزة.

٢٦٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
فتبين أن ((إما)) ليس من معناها الحصر، نعم إذا استعملت هذه الكلمة بين شيئين متناقضين
تأتي للحصر، لا لأنه من معاني كلمة (إما)، بل لتناقض الشيئين عقلاً، ولما كان المن والفداء
في الآية يمكن ارتفاعهما بشيء ثالث عقلاً تبين أن (إما) ليس للحصر في الآية وإنما هو في حال
الإباحة بطريق منع الجمع، دون الإنفصال الحقيقي.
إذا عرفت هذا فالآية إنما ذكرت طريقين مباحين في ضمن الأسارى من غير أن تنفي ما
سواهما، وإنها ساكتة عن غيرهما وليست نافية، فإذا ثبت الاسترقاق أو القتل بأدلة أخرى
شرعية، فالآية لا تعارضها ولا تأباها، وقد ثبت الاسترقاق بأدلة قطعية أخرى كما سيأتي إن شاء
الله، فلا يمكن الرد عليها بهذه الآية.
وأما الحكمة في أن الله تعالى: قد اكتفى ههنا على المن والوفداء، ولم يذكر القتل
والاسترقاق، فهي أن القتل والاسترقاق كانا شائعين معروفين لا يشك أحد في جوازهما عند
نزول القرآن، وإنما كان الشك في جواز المن والفداء فبين الله سبحانه أمرهما .
وأجاب عنه الإمام الرازي بطريق آخر، فقال في تفسيره (٧: ٥٠٨): ((إما وإنما للحصر(١)
وحالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين، بل يجوز القتل والاسترقاق والمر والفداء، نقول:
هذا إرشاد، فذكر الأمر العام الجائز في سائر الأجناس، والاسترقاق غير جائز في أسرى
العرب، فإن النبي ◌َّر كان معهم، فلم يذكر الاسترقاق، وأما القتل فلأن الظاهر في المثخن
الإزمان، ولأن القتل ذكره بقوله: فضرب الرقاب، فلم يبق إلا الأمران)).
٢ - ثم إذا تأملنا كلمة (المن) فإنها ربما تشمل الاسترقاق أيضاً، فإن المن أن يفك الأسير
من غير عوض مالي ولا يقتل، وذلك حاصل في الاسترقاق أيضاً، ولذلك يقول الزمخشري في
الكشاف (٤: ٣١٦): ((ويجوز أن يراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمن عليهم
فيخلوا بقبولهم الجزية، وكونهم من أهل الذمة)). فلو أخذ: هذا التفسير - ولا مانع منه أصلاً(٢) -
فالاسترقاق مذكور في هذه الآية، وليس منفياً ولا مسكوتاً عنه .
٣ - قد نزلت بعد هذه الآية آيات تدل على جواز الاسترقاق، ولو كانت آية المن والفداء
ناسخة للاسترقاق، لما نزلت هذه الآيات بعدها .
(١) تقدم أن (إما) ليس للحصر، ففيه مسامحة من الإمام الرازي تظلّثهُ .
(٢) وهذا التفسير مستفاد من قول الحسن البصري، فإنه كان يكره أن يقتل الأسير، ويتلو: ﴿فإما منا بعد وإما
فداء﴾ ويستنبط منه أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يديه إن يقتله، ولكنه بالخيار في ثلاثة منازل: إما أن
يمن أو يفادي، أو يسترق، كما في تفسير القرطبي (١٦: ٢٢٨)، ويلزم منه أنه أدخل الاسترقاق في المن،
وهو الذي يظهر لي من التأمل في تفسير ابن جرير (٢٦: ٢٤ و٢٥)، فإن كلامه يشير إلى أن المن يشمل
الاسترقاق، والله أعلم.

٢٦٧
كتاب: العتق
وتفصيل ذلك أن سورة محمد مكية عند بعض التابعين، مثل سعيد بن جبير والضحاك وعند
الثعلبي، كما حكاه القرطبي في تفسيره (١٦: ٣٢٣)، ومدنية في قول الجمهور، إلا أنها نزلت
في حوالي غزوة بدر، إما قبل الغزوة كما يدل عليه تفسير ابن عباس في تنوير المقياس (١) وإما
بعد غزوة بدر، كما في تفسير ابن كثير (٤: ١٧٣)، فلا يجاوز زمن نزولها سنة ٢ من الهجرة.
وقد نزلت بعد ذلك آيات تالية : .
قال تعالى في آية المحرمات: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]،
وهذه الآية نزلت في سبايا أوطاس، فقد مر في باب جواز وطىء المسبية بعد الاستبراء من هذا
الكتاب حديث أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري: ((أن رسول الله وَ ل* يوم حنين بعث جيشاً
إلى أوطاس، فلقوا عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناس من أصحاب
رسول الله وَلو تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله عز وجل في
ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن))
فأباح الله سبحانه في هذه الآية الاسترقاق وتسرّي السبايا، مع أنها نزلت بعد آية المن والفداء،
فلو كان الاسترقاق نسخ بآية المن والفداء، كيف نزلت هذه الإباحة في سنة (٨ هـ).
وقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىِّ ءَاتَّيْتَ أُجُورَهُنَ وَمَا
مَكَتْ يَمِينُكَ مِقَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فأباح الله سبحانه لرسوله وَّر أن يتسرى بسبايا
جاءته فيئاً، ومعروف أنه لم تأته سبية فيئاً في غزوة بدر، ولا في غزوة أحد، والأحزاب، وإنما
جاءته في غزوة خيبر وغيرها من الغزوات المتأخرة، فهذا الحكم متأخر لا محالة عن آية المن
والفداء.
ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِنْ بَعْدُ وَلَّ أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
حُسْتُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكْ﴾ [الأحزاب: ٥٢] وقال ابن كثير في تفسيره (٣: ٥٠١): ((ذكر غير واحد
من العلماء كابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم أن هذه الآية
نزلت مجازاة لأزواج النبي و 8* ورضاً عنهن على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله،
والدار الآخرة لما خيرهن رسول الله صل # كما تقدم في الآية، فلما اخترن رسول الله وَ ل# كان
جزاؤهن أن الله قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجاً غيرهن ولو
أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري، فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه تعالى رفع عنه الحرج في
(١) تنوير المقياس، المطبوع في مجموعة تفاسير أربعة (٥: ٥٩٢)، ومعروف أن تنوير المقياس لا يصح سنده
إلى ابن عباس، غير أني ذكرته على سبيل الاحتمال.

٢٦٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ذلك، ونسخ حكم هذه الآية وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج، لتكون المنة
لرسول الله وَ عليهن)».
فدل قول ابن كثير على أن هذه الآية نزلت بعد التخيير، والتخيير كان سنة تسع من
الهجرة، كما حققه الحافظ في الفتح، تفسير الأحزاب (٨: ٤٠١) وفي باب موعظة الرجل ابنته
من النكاح (٩: ٢٥٠) فلا جرم نزلت هذه الآية في سنة تسع أو بعدها، وفيها إباحة الاسترقاق
والتسري بالسبايا .
وبطريق آخر، فإن قول ابن كثير دل صريحاً على أنه وَل و لم يتزوج امرأة بعد نزول هذه
الآية، وكانت آخر امرأة تزوجها رسول الله و 8* ميمونة، تزوجها سنة سبع في عمرة القضاء، كما
ذكره ابن سعد في طبقاته (٨: ١٣٢)، فلا جرم كانت هذه الآية بعد سنة سبع، وعلى كل، فالآية
نزلت بعد آية المن والفداء بكثير، وفيها إباحة الاسترقاق والتسري.
٤ - وقد ثبت عن النبي ونَ﴾ الاسترقاق في غير موضع بعد نزول هذه الآية، فإنه سبى نساء
بني قريظة وأولادهم، وهو بعد الأحزاب بقليل، وقد سبى نساء خيبر، ومنهن صفية أمَّ
المؤمنين رضيثنا، وسبى نساء بني المصطلق، ومنهن جويرية أم المؤمنين رؤيتنا، وسبى نساء أوطاس
كما تقدم، ونساء هوازن، وقسمهن بين الغانمين، وكانت آخر كلمة نطق بها رسول الله وَ ال
((الصلاة، وما ملكت أيمانكم)) كما تقدم من رواية ابن ماجه وأبي داود، وفيه جواز الاسترقاق،
واعتراف بملك اليمين، فلا حكم أحكم من هذا، ولا احتمال فيه للنسخ أصلاً، لأنه آخر كلام
الرسول الكريم ◌َلـ
ثم لم يزل الاسترقاق أمراً معمولاً به عند الأمة في عهد الصحابة ومن بعدهم ولم ينكر
أحد ذلك، أفكانوا جميعاً - والعياذ بالله - جاهلين عن آية المن والفداء؟ أو لم يكن أحد منهم
يفهم القرآن؟ أو كانوا لا يبالون بأحكام الله سبحانه؟ هل يستطيع أحد أن يتصور ذلك من هؤلاء
الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين، الذين بذلوا نفوسهم وأموالهم في سبيل إبلاغ الدين
الحنيف، ولم يخافوا في ذلك لومة لائم؟
فالحق الواضح الصريح أن الاسترقاق مباح في الإسلام بأحكامه وحدوده التي سبقت، لم
ينسخه شيء، وفيه الحكم التي أسلفناها، والقول بنسخه مردود مخالف للإجماع، لا حجة له في
الأدلة الشرعية .
تنبيه:
وينبغي أن يُتَنَّبَه هنا إلى شيء مهم، وهو أن أكثر أقوال العالم قد أحدثت اليوم معاهدةٌ فيما
بينها، وقررت أنها لا تسترق أسيراً من أسارى الحروب، وأكثر البلاد الإسلامية اليوم من شركاء

٢٦٩
كتاب: العتق
٣٧٤٩ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ
هذه المعاهدة، ولا سيما أعضاء (الأمم المتحدة)، فلا يجوز لمملكة إسلامية اليوم أن تسترق
أسيراً ما دامت هذه المعاهدة باقية. وأما هل يجوز إحداث مثل هذا العهد؟ فلم أرى حكمه
صريحاً عند المتقدمين، والظاهر أنه يجوز، لأن الاسترقاق ليس بشيء واجب، وإنما هو مباح
من بين المباحات الأربعة، والخيار فيها للإمام، ويبدو من أحكام فضل العتق وغيره أن التحرر
أحب إلى الشريعة الإسلامية، فلا بأس بإحداث مثل هذا العهد ما دامت الأقوام الأخرى موافقة
عليه غير ناقضة له، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
١ - (١٥٠١) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشركة، باب تقويم
الأشياء بين الشركاء وباب الشركة في الرقيق، وفي العتق، باب إذا أعتق عبداً أو عبدين بين اثنين
أو أمة بين الشركاء، وباب كراهية التطاول على الرقيق، وأخرجه مالك وأبو داود وابن ماجه في
العتق، والترمذي في الأحكام، والنسائي في البيوع، باب الشركة لغير مال، وباب الشركة في
الرقيق، وأخرجه المصنف أيضاً في صحبة المماليك (رقم: ٤٠٩٥).
قوله: (من أعتق شِرْكاً له) هو بكسر الشين وسكون الراء، يعني: نصيباً منه، وهو في
الأصل مصدر أطلق على متعلقه، وهو العبد المشترك. ولا بد من إضمار (جزء) أو ما أشبهه لأن
المشترك هو الجملة أو الجزء المعين منها، كذا في فتح الباري (٥: ١٠٨).
قوله: (في عبد) اعلم أن هذا الحديث قد أخبر بحكم إعتاق عبد مشترك بين رجلين، وفي
هذه المسألة خلاف بين الفقهاء، ولا بد قبل دراسة هذه الأحاديث من الإطلاع عليه. فاختلفوا
في هذه المسألة على ستة أقوال بسطها النووي، ولكن المعروف فيها ثلاثة مذاهب:
الأول: مذهب أبي حنيفة، وهو أن من أعتق نصيبه وهو موسر فقد عتق نصيبه وبقي نصيب
شريكه، فشريكه بالخيار، إن شاء أعتق حصته، وإن شاء ضمن المعتق في حصته بتقويم عدل،
وإن شاء استسعى العبد، ويكون العبد كمكاتب، فإن أعتق أو استسعى فالولاء بينهما نصفان وإن
ضمن المعتق فالولاء للمعتق فقط، ويجوز له أن يرجع على العبد بما ضمن. وأما إذا كان
المعتق معسراً فلا سبيل إلى تضمينه، والشريك حينئذ بين خيارين: إما أن يعتق حصته، وإما أن
يستسعي العبد.
الثاني: مذهب أبي يوسف ومحمد، وهو أن من عتق نصيبه وهو موسر فقد عتق جميع
العبيد، ويجوز لشريكه أنه يضمن المعتق في حصته بتقويم عدل ولا يرجع به المعتق على العبد،
وإن كان المعتق معسراً فليس له إلا أن يستسعي العبد، والولاء للمعتق فقط في الوجهين.
والثالث: مذهب الشافعي وأحمد، أن من أعتق نصيبه وهو موسر فقد عتق جميع العبد،

٢٧٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ويجوز لشريكه أن يضمن المعتق، كمذهب الصاحبين، وأما إذا أعتق نصيبه وهو معسر فقد عتق
نصيب المعتق فقط، والشريك على ملكه يقاسمه كسبه، أو يخدمه يوماً ويخلى لنفسه يوماً، ولا
سعاية عليه، وهو مذهب المالكية، إلا أنهم قالوا في اليسار: لا يعتق نصيب شريك المعتق إلا
بدفع القيمة إليه. هذا ملخص ما في الهداية وعمدة القاري وشرح النووي.
ويتلخص خلاف هؤلاء في شيئين: الأول: هل يتجزأُ العتق أو لا؟ فعند أبي حنيفة يتجزأ
مطلقاً، وعند أبي يوسف ومحمد لا يتجزأُ مطلقاً، وعند الأئمة الحجازيين يتجزأُ إذا كان المعتق
معسراً، ولا يتجزأ إن كان موسراً.
والثاني: هل يجوز لشريك المعتق أن يستسعي العبد في حصته في صورة من هذه الصور؟
فعند أبي حنيفة يجوز، سواء كان المعتق موسراً أو معسراً، وعند الأئمة الثلاثة لا يجوز في
الوجهين، وعند أبي يوسف ومحمد، يجوز في الإعسار، ولا يجوز في اليسار.
التجزي في العتق:
ودليل أبي حنيفة كثُّ في تجزي الإعتاق حديث الباب عن ابن عمر ضًا، حديث قال
فيه وَّليه: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) فإنه صريح في ثبوت التجزي في العتق، وهو حديث أخرجه
البخاري من طريق مالك، وأصرح منه ما أخرجه الدارقطني في كتاب المكاتب (٤: ١٢٤) عن
ابن عمر رضيُه بلفظ: ((وإلا عتق منه ما عتق ورق منه ما بقي)).
ودليله الثاني ما أخرجه أبو داود في المراسيل، والبيهقي في باب من أعتق مملوكه شقصاً
(١٠: ٢٧٤) وأحمد في مسند عمرو بن سعيد (٢: ٢٥٨) عن إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده
قال: ((كان لهم غلام يقال له طهمان أو ذكوان، فأعتق جده نصفه، فجاء العبد إلى النبي وقَل
فأخبره فقال النبي ◌َّر: تعتق في عتقك وترق في رقك، قال: فكان يخدم سيده حتى مات)) وأعله
البيهقي بتفرد عمر بن حوشب. قلت: قال الهيثمي في زوائده (٤: ٢٤٨): ((رواه أحمد، وهو
مرسل ورجاله ثقات))، وأعله البيهقي أيضاً بأن جد إسماعيل بن أمية عمرو بن سعد ليس له
صحبة، وقد رده المارديني في الجوهر النقي بأن ابن حبان وابن مندة وابن الجوزي أثبتوا له
صحبة، وغايته أن يكون مرسل صحابي صغير، ومراسيل الصحابة مقبولة إجماعاً، وقال شيخنا
العثماني في إعلاء السنن (١١: ٢١١): ((والظاهر أن لا إرسال، وإن عمرو بن سعيد روى القصة
عن مولاه ذكوان، يدل عليه صنيع الحافظ ابن حجر حيث ذكر الأثر في مسانيد ذكوان في
الإصابة)» .
ودليله الثالث ما أخرجه البيهقي (في باب من قال يعتق بالقول ويدفع القيمة ١٠: ٢٧٨).
عن محمد بن عمرو بن سعيد أن بني سعيد بن العاص كان لهم غلام، فأعتقهم كلهم إلا رجلاً

٢٧١
كتاب: العتق
الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ
مِنْهُ مَا عَتَقَ)) .
واحداً، فذهب إلى رسول الله وَل* يستشفع به على الرجل، فوهب الرجل نصيبه للنبي وَليل،
فأعتقه، فكان العبد يقول: أنا مولى رسول الله وَلقر، والرجل يقال له رافع أبو البهي)) وأخرجه
الطبراني أيضاً، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤: ٢٤٨): ((ومحمد بن عمر هذا لم أعرفه
وبقية رجاله رجال الصحيح)). وأجاب عنه البيهقي بأن: ((هذا يدل إن صح على أنه لم يعتق
باللفظ)) ولعله يعني أن المراد من إعتاقه وَ*ل في الحديث القضاء بعتقه، لا إعتاقه باللفظ، ولكن
تأويله هذا على كونه بعيداً يرده صريحاً قول العبد: أنا مولى رسول الله وَّر، فإنه لا يكون مولى
له إلا إذا أعتقه لفظاً .
وقد ذكر شيخنا العثماني في إعلاء السنن (١١: ٢١٢ و٢١٣) دلائل أخرى تدل على تجزي
العتق، وفي هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى.
ثبوت السعاية:
وأما المسألة الثانية، وهي ثبوت السعاية، فدليل أبي حنيفة كَُّ فيها ما سيأتي في متن
الكتاب من حديث أبي هريرة، وفيه: ((فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه)) فإنه
صريح في ثبوت السعاية عند إعسار المعتق، وأما عند يساره فلم أر ذكر السعاية في شيء من
الروايات، ولكن لا يوجد نفيها أيضاً، فيقول أبو حنيفة تقلّثه: لما ثبت أن العتق يتجزى فنصف
العبد رقيق على حاله، وقد دلت الأحاديث على أنه لا يجوز إدامته على هذا الرق، فيختار لإزالة
هذا الرق كل طريق معهود في الشرع، وهو إما أن يعتق الشريك نصيبه، وإما أن يضمن المعتق
قيمة حصته، وإما أن يستسعي العبد.
وأما ما قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله من أن حديث أبي هريرة قد دل على التضمين
في اليسار والسعاية في الإعسار، وهذه قسمة وإنها تنافي الشركة، فيجيب عنه أبو حنيفة تخلفه بأن
هذه القسمة غير حاصرة، فإنه يجوز للشريك أن يعفو من الضمان في اليسار، وأن يعفو عن
السعاية في الإعسار باتفاق بيننا وبينكم، فلم تكن القسمة حاصرة عندكم أيضاً، وحينئذ فيختار
لإزالة رقه كل ما عرفناه معهوداً في الشرع.
قوله: (وعتق عليه العبد) ظاهره أن العبد يعتق بكامله بعد أداء القيمة، ففيه حجة لأبي
حنيفة في تجزي العتق في اليسار أيضاً، وفيه حجة لمالك أيضاً، حيث يحصل العتق عنده بأداء
القيمة لا بالعتق الأول أو التقويم، كما هو مذهب بعض الفقهاء.
قوله: (فقد عتق منه ما عتق) بفتح العين فيهما، فإن العتق لازم، واحتج به الأئمة الثلاثة
على نفي السعاية، فإنها لو كانت مشروعة لذكرها النبي ◌ّ ههنا، والجواب من قبل الحنفية أن

٢٧٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٥٠ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. جَمِيعاً عَنِ اللَّيْثِ بْنِ
سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. حٌّ وَحَدَّثَنَا أَبُوِ الرَّبِيعِ وَأَبُو
كَامِلِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ. حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، خَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ
سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَّةَ. ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرِّنِي أُسَامَةُ.
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبِ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمَعْنَىٌّ حَدِيثٍ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ .
(١) - باب: ذكر سعاية العبد
٣٧٥١ _ (٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى) قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّصْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ
نَهِيكِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّرْ قَالَ، فِي الْمَمْلُوهُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُغْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ:
((يَضْمَنُ)) .
٣٧٥٢ - (٣) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
السعاية مذكورة في حديث أبي هريرة له الآتي قريباً، وحديث ابن عمر ساكت عنها فيحمل
الساكت على الناطق، ونقول: قد ذكر رسول الله و ◌َ ر أن نصف العبد يبقى رقيقاً عند إعسار معتق
النصف الأول، ولم يذكر حكم ما بعده، وقد ذكره في حديث أبي هريرة أنه يستسعي.
على أن زيادة قوله: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) مختلف في رفعها، وقد نبه عليه المصنف
في صحبة المماليك والبخاري في كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل،
فقال في آخر حديث ابن عمر: ((قال: لا أدري قوله عتق منه ما عتق من قول نافع أو في الحديث
من النبي ◌َێ)).
[(١) - باب: ذكر سعاية العبد]
٢ - (١٥٠٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الشركة، باب
الشركة في الرقيق، وباب تقويم الأشياء بين الشركاء بقيمة عدل، وفي العتق، باب إذا أعتق عبداً
بين اثنين أو أمة بين الشركاء، وباب كراهية التطاول على الرقيق، ومسلم أيضاً في الأيمان
والنذور، باب من أعتق شركا له في عبد، وأبو داود في العتق (رقم: ٣٩٣٤ إلى ٣٩٣٩)،
والترمذي في الأحكام، رقم ١٣٤٨ باب ما جاء في العبد يكون بين الرجلين فيعتق أحدهما
نصيبه .

٢٧٣
كتاب: العتق
عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرٍ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ شِقْصَاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَخَلَاَصُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ. فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
٣ - (١٥٠٣) - قوله: (شقصاً له) بكسر الشين وسكون القاف وهو النصيب قليلاً أو كثيراً،
ويقال له الشقيص أيضاً بزيادة الياء مثل نصف ونصيف، وقال ابن دريد: الشقص هو القليل من
كل شيء، وقال القزاز: لا يكون إلا القليل من الكثير، كذا في عمدة القاري (٦: ١٧٣).
قوله: (فخلاصه في ماله) وفي رواية للبخاري في الشركة: ((فعليه خلاصه في ماله)) يعني:
فعليه أداء قيمة الباقي من ما له ليتخلص من الرق، وفي هذا اللفظ ما يقوي قول أبي حنيفة في
تجزي العتق، فإن النبي وَّل جعل خلاصه من الرق موقوفاً على أداء المال، ومعنى ذلك أن نصفه
رقيق ما لم يدفع المال إلى الشريك، وقدمنا أن عدم ذكر السعاية في صورة يسار المعتق لا
يستلزم ذكر عدمها، فيخير الشريك بين التضمين والسعاية والإعتاق، لأن حكم الحديث غير
حاصر عند الجميع، ولذلك جاز له أن يعفو المعتق عن قيمة نصيبه، فيعتق بغير شيء.
قوله: (فإن لم يكن له مال استسعي العبد) فيه حجة ظاهرة للحنفية في ثبوت السعاية،
واعترض عليه بعض الشافعية وغيرهم بأن هذه الزيادة ليست مرفوعة، وإنما هي من قول قتادة،
لأن شعبة وهشاماً لم يذكرا هذه الزيادة في رواياتهم عن قتادة، وجعلها همام من قول قتادة ولم
يرفعها، وشعبة وهشام أثبتُ في قتادة من غيره. وقد ذكر النووي ههنا أقوال غير واحد من
المحدثين الذين رجحوا رواية شعبة وقالوا إن إسقاط ذكر السعاية أولى في هذا الحديث.
والجواب عنه أن كلاً من البخاري ومسلم قد أخرجا هذه الزيادة بما يدل على أنها صحيحة
ثابتة عندهما، وقد ترجم عليها البخاري بقوله: ((باب إذا أعتق نصيباً في عبد وليس له مال
استسعى العبد غير مشقوق عليه عند الكتابة)) وقال الحافظ في الفتح (٥: ١١١) ((أشار البخاري
بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله في حديث ابن عمر: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) أي: وإلا فإن
كان المعتق لا مال له فقد تنجز عتق الجزء الذي كان يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه إلى أن
يستسعي العبد .... وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعاً والحكم برفع الزيادتين
معاً)) وهو عين ما يقوله الحنفية.
وقد ذكر العيني في الشركة من عمدة القاري (٦: ١٧٨) أن سعيد بن أبي عروبة لم ينفرد
بهذه الزيادة، وإنما تابعه عليها يحيى بن صبيح عند الطحاوي والحميدي، والحجاج وأبان
وموسى بن حلف عند البيهقي، وجرير بن حازم عند مسلم، كلهم ذكروا الاستسعاء في الحديث،
وإذا سكت شعبة وهشام عن الاستسعاء لم يكن ذلك حجة على ابن أبي عروبة، لأنه ثقة قد زاد
عليهما شيئاً، فالقول قوله، كيف وقد وافقه على ذلك جماعة، وقال ابن حزم: هذا خبر في غاية
الصحة، فلا يجوز الخروج عن الزيادة التي فيه، وقد رواه عنه يزيد بن هارون وعيسى بن يونس

٢٧٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٥٣ - (٤) وحدّثناه عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عِيسَى (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: ((إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوَّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ.
ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ. غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ)).
٣٧٥٤ - (٠٠٠) حدّثني هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي.
قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ بِهِذَا الإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ. وَذَكَرَ فِي
الْحَدِيثِ: قُوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ .
(٢) - باب: إنما الولاء لمن أعتق
٣٧٥٥ - (٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ .
وجماعة كثيرة ذكرهم صاحب التمهيد، ولم يختلفوا عليه في أمر السعاية، منهم عبدة بن
سليمان، وهو أثبت الناس سماعاً من ابن أبي عروبة، وقال صاحب الاستذكار: وممن رواه عنه
كذلك روح بن عبادة ويزيد بن زريع وعلي بن مسهر ويحيى بن سعيد ومحمد بن بكر ويحيى بن
أبي عدي، ولو كان هذا الحديث غير ثابت كما زعمه الشافعي لما أخرجه الشيخان، والله أعلم.
٤ - (٠٠٠) - قوله: (قيمة عدل) هذا من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، والعدل مصدر
أريد به اسم الفاعل، والمعنى ((قيمة عادلة)) لا زيادة فيها ولا نقص.
قوله: (غير مشقوق عليه) يعني: لا يجوز أن يقوم العبد بقيمة غالية يشق على العبد السعاية
فيها، وأوله بعض الشافعية بأن المراد من الاستسعاء في هذا الحديث على تقدير ثبوته استخدام
العبد بقدر نصيب الشريك الذي لم يعتق، ووجهوه بأنه و لو نهى أن يشق على العبد، فلو كانت
السعاية لازمة عليه بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل له قيمته لكان له فيه غاية
المشقة، والمراد من قوله ظلَّل: ((غير مشقوق عليه)) أن يستخدم العبد برفق لا مشقة له فيه.
ولا يخفى ما في هذا التوجيه البعيد من تكلف، ويرده قوله ظلّلا في هذا الحديث بعينه:
((إن لم يكن له مال قوم عليه العبد قيمة عدل)) فإنه إن كان المراد من الاستسعاء الاستخدام فأية
حاجة تدعو إلى تقويم عدل؟، على أن السعاية إذا أطلقت لا يراد بها في العرف إلا سعي العبد
في الاكتساب لنيل الحرية.
[(٢) - باب: إنما الولاء لمن أعتق]
٥ - (١٥٠٤) - قوله: (عن عائشة) هذه قصة عتق بريرة، أخرجها البخاري في العتق باب ما
يجوز من شروط المكاتب، وباب بيع الولاء وهبته، وباب استعانة المكاتب وسؤاله الناس،
وباب بيع المكاتب إذا رضي، وباب إذا قال المكاتب: اشترني وأعتقني، وفي المساجد، باب

٢٧٥
كتاب: العتق
تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا. فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلاَءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ
لِرَسُولِ اللّهِ وَلِهِ فَقَالَ: ((لاَ يَمْنَعُكِ ذُلِكِ. فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) .
ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد، وفي الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج
النبي وَلقر، وفي البيوع، باب البيع والشراء من النساء، وفي الهبة، باب قبول الهدية، وفي
الشروط، باب الشروط في البيع، وباب ما يجوز من شروط المكاتب، وباب الشروط في
الولاء، وباب المكاتب وما لا يحل من الشروط التي تخالف كتاب الله، وفي الطلاق، باب
شفاعة النبي ◌ّ في زوج بريرة، وفي الأيمان والنذور، باب إذا أعتق في الكفارة لمن يكون
ولاءه، وفي الفرائض، باب الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وباب ميراث السائبة، وباب إذا
أسلم على يديه، وباب ما يرث النساء من الولاء، وأخرجه أيضاً مالك في العتق، باب مصير
الولاء لمن أعتق، والترمذي في الولاء والباب الأخير من الوصايا، وأبو داود في العتق، باب
في بيع المكاتب إذا فسخت الكتابة، والنسائي في البيوع، باب بيع المكاتب، وباب المكاتب
يباع قبل أن يقضي من كتابته شيئاً، وابن ماجه في الطلاق، باب خيار الأمة إذا أعتقت، وفي
العتق، باب المكاتب، وأحمد في مسند عائشة (٦: ٣٣ و٤٢ و٤٥ و٨١ و١١٥ و١٣٥ و١٧٠
و١٧٢ و١٨٩ و١٩٠ و٢١٣ و٢٧١)، وفي مسند ابن عباس (١: ٢٨١)، وفي مسند عبد الله بن
عمر (٢: ٣٠ و١٠٠ و١١٣).
قوله: (تشتري جارية) وهي بريرة فيّا، كما هو مصرح في الروايات الآتية، وهي بوزن
فعيلة مشتقة من البرير، وهو ثمر الأراك، وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة، كمبرورة، أو
بمعنى فاعلة، كرحيمة، هكذا وجهه القرطبي، والأول أولى، لأنه ◌َّ غير اسم جويرية وكان
اسمها برة، وقال: ((لا تزكوا أنفسكم)) فلو كانت بريرة من البر لشاركتها في ذلك. وكانت بريرة
الناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم، وقيل: لناس من بني هلال، وكانت تخدم عائشة قبل
أن تعتق، كما يظهر من حديث الإفك، وعاشت إلى خلافة معاوية، وتفرست في عبد الملك بن
مروان أنه يلي الخلافة فبشرته بذلك، وروى هو ذلك عنها. هذا ملخص ما في فتح الباري (٥ :
١٣٧) والإصابة (٤: ٢٤٥) والاستيعاب، وذكر العيني في طلاق عمدة القاري (٩: ٥٧٤) أنها
كانت نبطية أو قبطية.
قوله: (لا يمنعك ذلك) إلخ استدل به ابن أبي ليلى على أن الشرط الفاسد لا يفسد به
البيع، وإنما يفسد الشرط فقط، لأنه سي أجاز لعائشة أن تشترط الولاء للبائعين، ثم قضى بجواز
البيع وكون الولاء لعائشة على خلاف الشرط، وسيأتي في طريق أبي أسامة ما هو أصرح في
الاشتراط، وهو قوله وَليل: ((اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء)) فإنه يدل بصراحة على أن
الاشتراط لا يفسد البيع، وإن كان الشرط لغواً .
وأما عند الجمهور فالشرط الفاسد يفسد البيع، وذكروا في التقصي عن قصة بريرة وجوهاً :
::

٢٧٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٥٦ - (٦) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ؛ أَنَّ
١ - حكى الخطابي بسنده في معالم السنن (٥: ٣٩١) عن القاضي يحيى بن أكثم أنه أنكر
هذه الرواية، وأنه وَيَ أجاز الاشتراط لعائشة، لأن رسول الله وص له لا يأمر بغرور إنسان ولكن رده
الخطابي وآخرون بأن القصة ثابتة بأسانيد صحيحة لا مجال لإنكارها.
٢ - كان النبي ول﴿ أذن لعائشة في نفس البيع، ولا في اشتراط الولاء لهم، وأخرج
الطحاوي هذه القصة في بيوع معاني الآثار (٢: ١٨١) بما يؤيده، ولفظه: ((إن عائشة قالت لها:
إن أحب أهلك أن أعطيهم ذلك، تريد الكتابة، صبة واحدة فعلت، ويكون ولاؤك لي، فلما
عرضت عليهم بريرة ذلك قالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، فقال رسول الله دولية
لعائشة رضينا: لا يمنعك ذلك منها، اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق)) ثم فسره الطحاوي
بأن عائشة لم تكن أرادت الشراء في أول الأمر، وإنما أرادت أن تقضي عنها كتابتها بشرط أن
يكون الولاء لعائشة، فأبى ذلك أهلها، فأمرها النبي وَلّ أن تعقد معهم الشراء، فيكون الولاء
لها، وأما خطبة النبي وَلله بقوله: ((ما بال أقوام يشترطون شروطاً في كتاب الله إلخ)) فكان ذلك
إنكاراً منه * على عائشة في اشتراطها الولاء لنفسها عند قضاء كتابتها.
وأما ما ورد في الرواية الآتية من قوله: ((واشترطي لهم الولاء)) فأجاب عنه الطحاوي
والمزني على تقدير ثبوته أن اللام في قوله: (لهم) بمعنى (على) كما [في] قوله تعالى: ﴿وَإِنْ
أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] والمعنى: اشترطي عليهم أن يكون الولاء لك، ورده الخطابي والنووي
وابن دقيق العيد وغيرهم.
٣ - قال النووي: الأصح في تأويل الحديث في هذه القصة الخاصة أن هذا الشرط خاص
في قصة عائشة، وهي قضية عين لا عموم لها، والحكمة في إذنه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع
عادتهم في ذلك وزجرهم عن مثله، كما أذن لهم وَلّ في الإحرام بالحج في حجة الوداع، ثم
أمرهم بفسخه وجعله عمرة بعد أن أحرموا بالحج، وإنما فعل ذلك ليكون أبلغ في زجرهم
وقطعهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد تحتمل المفسدة اليسيرة لتحصيل
مصلحة عظيمة، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل.
٤ - قال ابن الجوزي: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارناً للعقد،
فيحمل على أنه كان سابقاً للعقد، فيكون الأمر بقوله: ((اشترطي)) مجرد الوعد ولا يجب الوفاء
به، وتعقبه الحافظ في باب استعانة المكاتب من الفتح (٥: ١٤٠) باستبعاد أنه وسلم يأمر شخصاً
أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد.
٥ - وأغرب ابن حزم فقال: كان الحكم ثابتاً بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع
الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزاً فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته وصّلو، وبقوله: ((إنما

٢٧٧
كتاب: العتق
عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ عَائِشَةَ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا. وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا
شَيْئاً. فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ. فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ
الولاء لمن أعتق)) وقال الحافظ بعد حكايته: لا يخفى بعد ما قال، وسياق طرق هذا الحديث
تدفع في وجه هذا الجواب.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذه الأجوبة الخمسة من أقوى ما قيل في هذا الحديث
من قبل الجمهور، ولكن في كل واحد منها نظر، والذي يظهر لهذا العبد الضعيف والله سبحانه
أعلم - أن الشرط الفاسد الذي يفسد به البيع هو ما كان وفاؤه في اختيار العبد، فأما إذا كان
الشرط مما يخرج وفاؤه عن اختيار الإنسان عقلاً أو شرعاً فإنه لا يفسد البيع كما إذا قال البائع:
بعتك هذا الثوب على أن لا تجب عليك صلاة، أو بعتك هذا الثوب على أن لا يرث منك
بنوك، فهذه شروط لا اختيار للعبد في وفائها، فحينئذ تلغو هذه الشروط ولا يفسد البيع، ويدل
على ذلك قول صاحب الهداية في باب البيع الفاسد ((ولو كان - أي الشرط - لا يقتضيه العقد ولا
منفعة فيه لأحد لا يفسده وهو الظاهر من المذهب، كشرط أن لا يبيع المشتري الدابة المبيعة،
لأنه انعدمت المطالبة، فلا يؤدي إلى الربا ولا إلى المنازعة)) فتبين منه أن الشرط المفسد ما أدى
إلى الربا أو إلى المنازعة، والشرط الذي ليس وفاؤه في اختيار الإنسان لا يؤدي إلى الربا ولا
إلى المنازعة ولا يكون له مطالب، فيلغو الشرط ويصح البيع، ولما كان الولاء حقاً لا يثبت
شرعاً إلا للمعتق، كان اشتراطه للبائع مما لا اختيار للمشتري في وفائه، فيلغو الشرط وينعقد
البيع، فالمراد من قوله ◌َلجر: ((لا يمنعك ذلك)) ((أو اشترطي لهم الولاء)) أن ذكر هذا الشرط
وعدمه سواء في الحكم، فاشترطي أو لا تشترطي، يرجع الولاء إلى المعتق في كل حال.
ولعل الخطابي تقذفُ يريد هذا المعنى حيث يقول: ((وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان
كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبه ولا ينتقل نسبه عنه ولو نسب إلى غيره،
فكذلك إذا أعتق عبداً ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه عنه أو أذن في نقله عنه لم ينتقل، فلم
يعبأ باشتراطهم الولاء، وقيل: اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ونحو ذلك، لأن ذلك غير
قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولاً
شهيراً يخطب به على المنبر ظاهراً، إذ هو أبلغ في النكير وأوكد في التعبير)) حكاه الحافظ في
باب استعانة المكاتب من فتح الباري (٥: ١٤٠). وستأتي مسألة الشرط في البيع بتفاصيلها في
أواخر كتاب المساقاة قبيل كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى.
٦ - (٠٠٠) - قوله: (أن أقضي عنك كتابتك) ظاهر هذا اللفظ يدل على أن عائشة لم ترد
الاشتراء، وإنما أرادت أن تؤدي بدل الكتابة من قبل بريرة، على أن يكون الولاء لها، وذلك
مشكل، لأنها لا تكون محقة في مطالبة الولاء حينئذ، فإن أداء بدل الكتابة تبرع لا ينقل الولاء
إلى المتبرع، ولكن سيأتي في رواية أبي أسامة عن هشام عند المصنف ما يزيل هذا الإشكال،

٢٧٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلاَ ؤُكِ لِي، فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا. فَأَبَوْا. وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ
عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ. وَيَكُونَ لَنَا وَلاَ ؤُكِ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَقَالَ لَهَا
رَسُولُ اللّهِ وَِّ: (ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي. فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ:
((مَا بَالُ أَنَاسِ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ،
فإن لفظه: ((إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة وأعتقك، ويكون الولاء لي فعلت)) وهذا
يدل على أنها لم ترد التبرع بأداء بدل الكتابة، وإنما أرادت أن تشتريها شراء صحيحاً ثم تعتقها،
إذ العتق فرع ثبوت الملك، ويؤيده قوله عليّلا في هذا الحديث: ((ابتاعي فأعتقي)) وما مر في
حديث ابن عمر: ((أنها أرادت أن تشتري جارية وتعتقها)) ويدل عليه أيضاً ما أخرجه البخاري
قبيل كتاب الهبة من طريق أيمن، وفيه: ((دخلت بريرة وهي مكاتبة فقالت: اشتريني فأعتقيني))
والله سبحانه أعلم.
قوله: (ابتاعي فأعتقي) استدل به من أجاز بيع المكاتب، لأن بريرة رؤيتها كانت مكاتبة
وأجاز رسول الله وَ و بيعها، وهو قول أحمد وعطاء والليث وأبي ثور والنخعي ومالك في رواية
عنه، وقالوا: إنه يمضي في كتابته بعد البيع، فإن أدى عتق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه، وإن عجز
فهو عبد له، كما في عمدة القاري (٦: ٢٥٠). وقال أبو حنيفة والشافعي وبعض المالكية: لا
يجوز بيع المكاتب حتى يعود رقيقاً بالعجز عن أداء بدل الكتابة، ولكن الأمر سهل عند أبي
حنيفة كثّفُ، وذلك لأنه يجوز عنده بيع المكاتب إذا رضي هو بالبيع، قال صاحب الهداية: ((ولو
رضي المكاتب بالبيع ففيه روايتان، والأظهر الجواز)) وقال البابرتي في العناية: ((لأن عدمه كان
لحقه، فلما أسقط حقه برضاه انفسخت الكتابة وجاز البيع، وروي في النوادر أنه لا يجوز)) راجع
فتح القدير باب البيع الفاسد: (٥: ١٨٩).
وقصة بريرة رينا ظاهرة في أنها رضيت بالبيع، ولذلك ترجم عليها البخاري («باب بيع
المكاتب إذا رضي))، ومما ينبغي أن يتنبه له ههنا أن العيني تغلفهُ حكى مذهب أبي حنيفة تَّهُ
تحت باب في جملة من يقول بعدم جواز البيع وإن رضي المكاتب به، ولعله مسامحة منه تخذته،
والصحيح ما أسلفنا عن الهداية وشرحها .
قوله: (من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله) وقد فسره عمر أو ابن عمر رضيّا بقوله: ((كل
شرط خالف كتاب الله فهو باطل وإن اشترط مائة شرط)) أخرجه البخاري في أواخر كتاب
الشروط تعليقاً، وقال الحافظ في الفتح (٥: ١٣٦) من كتاب العتق: ((المراد بما ليس في كتاب
الله ما خالف كتاب الله، وقال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو
إجماع الأمة، وقال ابن خزيمة: ليس في كتاب الله: أي ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه، لا
أن كل من شرط شرطاً لم ينطق به الكتاب يبطل، لأنه قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل
الشرط، ويشترط في الثمن شروط من أوصافه أو من نجومه ونحو ذلك فلا يبطل .... وقال

٢٧٩
كتاب : العتق
فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِئَةَ مَرَّةٍ. شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ)).
٣٧٥٧ - (٧) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ إِلَيَّ .
فَقَالَتْ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِشَّعِ أَوَاقٍ. فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ
اللَّيْثِ، وَزَادَ: فَقَالَ: ((لاَ يَمْنَعُكِ ذُلِكَ مِنْهَا. انَتَاعِي وَأَعْتِقِي))، وَقَأَلَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَامَ
رَسُولُ اللَّهِنَ ◌ّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ)) .
٣٧٥٨ - (٨) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ.
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنَّ
أَهْلِي كَاتَّبُونِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي تِسْعِ سِنِينَ. فِي كُلِّ سَنَةٍ أُوْقِيَّةٌ. فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ لَهَا: إِنْ
شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَأُعْتِقَكِ، وَيَكُونَ الْوَلاَءُ لِي، فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ
لأَهْلِهَا. فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءُ لَهُمْ. فَأَتَثْنِي فَذَكَرَتْ ذُلِكَ. قَالَتْ: فَانْتَهَرْتُهَا. فَقَالَتْ:
القرطبي: قوله ليس في كتاب الله: أي: ليس مشروعاً في كتاب الله تأصيلاً ولا تفصيلاً، ومعنى
هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون
تفصيله، كالصلاة، ومنها ما أصل أصله كدلالة الكتاب على أصلية السنة والإجماع، وكذلك
القياس الصحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلاً فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلاً)).
قوله: (وإن شرط مائة مرة) ووقع في بعض الروايات (مائة شرط) والأول معناه تأكيد
الشرط الواحد بتكريره مائة مرة، ومعنى الثاني تكثير الشروط، وكلا المعنيين صحيح، فإن
الشروط الفاسدة باطلة مهما أكدها الرجل أو كررها أو كثَّر عددها.
قوله: (شرط الله أحق وأوثق) صيغة التفضيل ههنا ليست على حقيقتها وإنما هي للمبالغة
المحضة، قال الحافظ في الفتح (٥: ١٤٠): ((وقد وردت صيغة أفعل لغير التفضيل كثيراً،
ويحتمل أن يقال: ورد ذلك على ما اعتقدوه من الجواز)).
٨ - (٠٠٠) - قوله: (أن أعدها لهم عدة واحدة) تعني أدفعها إليهم دفعة واحدة، ويستنبط
منه أن العد في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأن المعاملة في ذلك الوقت
كانت بالأواقي، والأوقية أربعون درهماً، وزعم المحب الطبري أن أهل المدينة كانوا يتعاملون
بالعد إلى مقدم رسول الله # المدينة، ثم أمروا بالوزن. وفيه نظر، لأن قصة بريرة متأخرة عن
مقدمه بنحو من ثمان سنين، لكن يحتمل قول عائشة أعدها لهم عدة واحدة، وليس مرادها حقيقة
العد، ويؤيده قولها في طريق عمرة باب بيع المكاتب من البخاري: ((أن أصب لهم ثمنك صبة
واحدة)) كذا في فتح الباري (٥: ١٤٢).
قوله: (فانتهرتها، فقالت) ظاهره أن فاعل (قالت) بريرة، وعليه يختل المعنى، ولكن ذكر

٢٨٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَهَا اللَّهِ إِذاً. قَالَتْ: فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا .
وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ. فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)) فَفَعَلْتُ. قَالَتْ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ
عَشِيَّةً. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَمَا بَالُ أَقْوَامِ يَشْتَرِطُونَ
شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِنْ
كَانَ مِائَةَ شَرْطِ. كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُ. وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ. مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ
فُلاَنَاً وَالْوَلاَءُ لِي. إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)).
الأبي والسنوسي أن فاعل (قالت) عائشة وليست بريرة، وإنما أخبرت عائشة عن نفسها أنها
انتهرتها، ثم فسر الراوي انتهارها إياها بقوله: فقالت: لاها الله إلخ، وعليه يستقيم الكلام وإن
كان خلاف الظاهر، والله أعلم.
قوله: (لاها الله إذا) قال ابن الأثير في جامع الأصول (٨: ٩٨): هذا من ألفاظ القسم،
كأنه قال: لا والله إذا، فيجعلون الهاء مكان الواو، وذكر النووي تَثُ أن صوابه: (لا هاء الله ذا)
ومعناه: ((لا والله هذا ما أقسم به)) وقد رواه بعضهم بغير الهمزة بعد (ها) وبإثبات الألف قبل
(ذا)، وكلاهما مرجح عند المحدثين كما بسطه النووي تَُّ .
قوله: (فاشترطي لهم الولاء) كذا في أكثر الروايات، وذكر الطحاوي أن المزني حدثه بهذا
الحديث عن الشافعي بلفظ (أشرطي) بهمزة قطع من باب الإفعال، ثم وجهه بأن معناه: أظهري
لهم حكم الولاء، والإشراط: الإظهار، قال أوس بن حجر يذكر رجلاً نزل من رأس جبل بجبل
إلى نبعة ليقطعها ليتخذ منها قوساً :
فأشرط فيها نفسه وهو معصـ
ـصم
وألقى بأسباب له وتوكلا
يعني: جعل نفسه علماً لذلك الأمر، ومنه قيل: أشراط الساعة أي: علاماتها .
ولكن ضعف الحافظ هذا التوجيه في باب استعانة المكاتب من الفتح (٥: ١٣٩) وقال:
((أنكر غيره هذه الرواية، والذي في مختصر المزني والأم وغيرهما عن الشافعي كرواية الجمهور))
ورده العيني في العمدة (٦: ٢٥٠) فقال: ((لا مجال لإنكارها، لأن كل واحد من الطحاوي
والمزني ثقة ثبت لا يشك فيما روياه، ولا يلزم أن يكون هذا الذي نقله الطحاوي عن المزني أن
يكون الشافعي ذكره في الأم، والمزني أعرف بحاله)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لو ثبتت
رواية المزني فلا تخلو من شذوذ، فبناء تفسير الحديث على هذه الرواية مما لا ينبغي. والله أعلم.
قوله: (ما بال رجال) فيه حسن الأدب والعشرة إذ لم يواجههم بالخطاب، ولا صرح
بأسمائهم، قاله الأبي.
قوله: (إنما الولاء لمن أعتق) اللام في الولاء للعهد، والمراد ولاء العتاقة بقرينة ما قبله،