النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب: اللعان
قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ادْخُلْ. فَوَاللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ، هَذِهِ السَّاعَةَ، إِلاَّ حَاجَةٌ.
فَدَخَلْتُ. فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً. مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشْوُهَا لِيفٌ. قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ!
الْمُتَلاَعِنَانِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! نَعَمْ. إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذُلِكَ فُلاَنُ بْنُ
فُلاَنٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ
تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ. وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلٍ ذُلِكَ. قَالَ: فَسَكْتَ النَّبِيُّ ◌ََّ فَلَمْ
يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذُلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلَّتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ هُؤُلاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦ -٩] فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ
وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ. قَالَ: لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ
بِالْحَقِّ، مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ
عَذَابِ الآخِرَةِ قَالَتْ: لاَ. وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنَّهُ لَكَاذِبٌ. فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ
شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِينَ. ثُمَّ ثَنَّى
بِالْمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ
كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا .
قوله: (قال ابن جبير) يعني: قال ابن عمر: أأنت ابن جبير؟
قوله: (ما جاء بك هذه الساعة إلا حاجة) قال الأبي: فيه أنه لا يشق على العالم ومن
يحتاج إليه في أوقات راحتهم، قلت: وفيه أيضاً أن المحتاج إليه إذا علم من القرائن أن الآتي
إليه في أوقات راحته إنما جاء لضرورة عرضت له، لا ينبغي أن يضجر له، بل يزوره ببشاشة .
قوله: (مفترش برذعة) البرذعة والبردعة: ما يفرش على ظهر البعير، وفيه زهادة ابن عمر
وتواضعه وتقلله من الدنيا .
قوله: (ليف) هو الكلأ اليابس.
قوله: (ووعظه وذكره) هذا الوعظ كان قبل اللعان، فينبغي أن يتخذ سنة في وعظ
المتلاعنين قبل الشروع في اللعان، وقال الشافعي: يعظ كلاً منهما قبل تمام الرابعة، وقيل:
الخامسة، تمسكاً بما في البخاري من حديث ابن عباس في هلال بن أمية أنه وعظه عند
الخامسة، كذا في شرح الأبي.
قوله: (فبدأ بالرجل) لأنه الذي بدأ الله سبحانه به، وهي سنة الحكم، ولأنه القاذف وقد
لزمه الحد، فأيمانه كالشهادة على دعواه فتسقط عنه الحد.
قوله: (ثم فرق بينهما) فيه دليل ظاهر للحنفية على أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان، وإنما

٢٤٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي
تقع بحكم الحاكم بعد اللعان، وهو مذهب الثوري، ورواية عن أحمد، وقال مالك والشافعي :
تقع الفرقة بنفس اللعان. ثم قال مالك وغالب أصحابه: تقع الفرقة بعد فراغ المرأة، وقال
الشافعي وأتباعه وسحنون من المالكية: تقع بعد فراغ الزوج، وتظهر فائدة الخلاف في التوارث،
لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علق طلاق امرأة بفراق أخرى ثم لاعن الأخرى،
كذا في فتح الباري، باب اللعان ومن طلق بعد اللعان (٩: ٣٩٣).
وأجاب الشافعية عن حديث الباب أن الفرقة وقعت بنفس اللعان، وإنما أخبرهما النبي وَالله
بوقوع الفرقة، فعبر عنه الراوي بقوله ((فرق بينهما)) ولكن رده الجصاص في أحكام القرآن (٣ :
٣٦٩) بأنه صرف للكلام عن حقيقته من غير حاجة، فإن نسبة التفريق إلى النبي ◌َّ﴿ تقتضي أن
تقع الفرقة بفعله، وذلك إنما يصح على قول الحنفية.
والحجة الثانية للحنفية في هذا الباب ما سبق في قصة عويمر العجلاني، أنه قال بعد
الفراغ من اللعان: ((كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها)) ثم طلقها ثلاثاً، فإن فيه إخباراً منه
بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من النكاح، إذ لو كانت الفرقة قد وقعت قبل ذلك
لاستحال قوله «كذبت عليها إن أمسكتها)) وهو غير ممسك لها، فلما أخبر بعد اللعان بحضرة
النبي ◌ّ أنه ممسك لها ولم ينكره النبي سير دل ذلك على أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان، إذ غير
جائز أن يقر النبي وتر أحداً على الكذب ولا على استباحة نكاح قد بطل، فثبت أن الفرقة لم تقع
بنفس اللعان.
ومما يدل على ذلك صريحاً ما أخرجه أبو داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري وغيره
عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في خبر عويمر وامرأته، قال: ((فطلقها ثلاث تطليقات عند
رسول الله صل فأنفذه رسول الله وَّةٍ، وكان ما صنع عند النبي وَّل سنة، قال سهل: حضرت هذا
عند رسول الله وَ﴿ فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق منهما ثم لا يجتمعان أبداً))، فإنه
صريح في أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان، وأن رسول الله وَ ﴿ أنفذ تطليق عويمر بعد اللعان، وأن
السنة أن يفرق بينهما بعد الفراغ من الأيمان.
وأخرج البخاري في باب صداق الملاعنة عن ابن عمر قال: ((فرق النبي ◌َّ بين أخوي بني
العجلان وقال: الله يعلم إن أحدكما لكاذب، فهل منكما تائب؟ فأبيا .... ففرق بينهما)) وسيأتي
عند المصنف أيضاً .
وأخرج البخاري أيضاً في باب التفريق بين المتلاعنين عن ابن عمر قال: ((لا عن النبي وَيّ
بين رجل وامرأة من الأنصار وفرق بينهما)) وسيأتي عند المصنف روايات كثيرة في حديث ابن
عمر كلها تصرح بالتفريق بعد اللعان، ولم أجد للشافعي ◌ََّثُ حديثاً يدل بهذه الصراحة على وقوع
الفرقة بلعان الزوج وحده، ولذلك قال الإمام أبو بكر الجصاص «قول الشافعي في إيقاعه الفرقة

٢٤٣
كتاب: اللعان
سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلاَعِنَيْنِ، زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ.
فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ. فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ
ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ .
٣٧٢٧ - (٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ.
(وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) عَنْ عَمْرِوَ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه لِلْمُتَلاَعِنَيْنِ: ((حِسَابُكُمَا عَلَى
اللَّهِ. أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ. لَاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا)) .
بلعان الزوج خارج عن أقاويل سائر الفقهاء وليس له فيه سلف)» وراجع لتفصيل المسألة أحكام
القرآن للجصاص (٣: ٣٦٧ إلى ٣٧٢) وإعلاء السنن (١١: ١٦٥).
٥ - (٠٠٠) - قوله: (حسابكما على الله) يعني: لا سبيل في الدنيا إلى معرفة الصادق
وعقاب الكاذب منكما، وإنما يحاسبكم الله في الآخرة، وفيه أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب
واحد منهما وإن علمنا كذب أحدهما على الإبهام، قاله النووي، وفيه أن البينتين إذا تعارضتا
تساقطتا، حكاه الأبي عن الخطابي.
قوله: (أحدكما كاذب) ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، والمراد بيان أنه
يلزم الكاذب التوبة، وقال الداودي: إنما قاله قبل اللعان تحذيراً لهما منه، والأول أظهر وأولى
بسياق الكلام، حكاه النووي عن القاضي. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: فعلى ما رجحه
القاضي والنووي يظهر ترجيح مذهب الحنفية في أن الفرقة لا تقع بنفس اللعان، لأنه وَالر دعاهما
إلى التوبة بعد اللعان، فلما أبيا فرق بينهما، كما هو ظاهر من سياق الحديث، فلو كانت الفرقة
تقع بنفس اللعان، لما كان لهذه الدعوة بعد اللعان معنى، ولما ذكر الراوي التفريق بعد هذه
الدعوة .
ثم ذكر القاضي - وتبعه النووي - أن في قوله وَ لير (أحدكما كاذب) رداً على من قال من
النحاة أن لفظ (أحد) لا يستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم: لا يستعمل إلا في
الوصف، وأنها لا توضع موضع (واحد)، وقد أجازه المبرد، وجاء في هذا الحديث في غير
وصف ولا نهي، وبمعنى (واحد)، ولكن رد عليه الفاكهي فقال: هذا من أعجب ما وقع للقاضي
مع براعته وحذقه، فإن الذي قاله النحاة إنما هو في (أحد) التي للعموم نحو ((ما في الدار من
أحد)) وأما (أحد) بمعنى (واحد) فلا خلاف في استعمالها في الإثبات، نحو ﴿قُلّ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
[الإخلاص: ١] ونحو (فشهادة أحدهم) ونحو (أحدكما كاذب)، كذا في فتح الباري، باب
قول الإمام للمتلاعنين إن أحدكما كاذب.
قوله: (لا سبيل لك عليها) يعني: لا تسليط لك عليها، فلا تصدق أنت في اتهامها من غير

٢٤٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي؟ قَالَ: ((لاَ مَالَ لَكَ. إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ
مِنْ فَرْجِهَا. وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا)) .
قَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ
ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ.
٣٧٢٨ - (٦) وحدّثني أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: فَرَّقَ رَسُوَّلُ اللَّهِ وَرَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ. وَقَالَ: ((اللَّهُ
يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ. فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟)).
٣٧٢٩ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ. سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ
جُبَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ اللِّعَانِ؟ فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ وََّ بِمِثْلِهِ.
٣٧٣٠ - (٧) وحدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ
بينة، ولا تحد للزنا بمجرد قولك، أو المراد أنه لا يبقى بينكما نكاح بعد اللعان.
قوله: (يا رسول الله مالي)؟ يعني: أين يذهب مالي الذي أعطيتها صداقاً؟ هل يرد إلي؟
قوله: (لا مال لك) يعني: ليس لك أن تسترد منها مهرها الذي أعطيتها، لأنك قد استوفيته
بدخولك عليها وتمكينها لك من نفسها، ثم أوضح و ◌ّر ذلك بتقسيم مستوعب، فقال: إن كنت
صادقاً فيما ادعيته عليها فقد استوفيت حقك منها قبل ذلك، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد
لك من مطالبتها، لئلا تجمع عليها الظلم في عرضها ومطالبتها بمال قبضته منك قبضاً صحيحاً
تستحقه .
قوله: (فهو بما استحللت من فرجها) يستفاد منه أن الملاِنة لو أكذبت نفسها بعد اللعان
وأقرت بالزنا وجب عليها الحد، لكن لا يسقط مهرها، كذا في فتح الباري.
ثم إن الإجماع قد انعقد بحكم حديث الباب على أن الملاعنة المدخول بها تستحق جميع
الصداق والخلاف في غير المدخول بها، فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلقات
قبل الدخول، وقال أبو الزناد والحكم وحماد: بل لها جميعه، وقال الزهري لا شيء لها أصلاً،
وروي عن مالك نحوه، كذا في عمدة القاري.
٦ - (٠٠٠) - قوله: (بين أخوي بني العجلان) يعني: بين زوجين كلاهما من بني عجلان،
ففيه تغليب الأخ على الأخت، والأخوة إما عمومية دينية، أو خصوصية قبيلية، أفاده محمد
ذهني .
قوله: (فهل منكما تائب)؟ يعني: فهل للكاذب منكما أن يتوب؟ وفيه استحباب عرض
التوبة على المذنب، وفي صحيح البخاري أنه والقر قال ذلك ثلاث مرات.

٢٤٥
كتاب: اللعان
لِلْمِسْمَعِيِّ وَابْنِ الْمُثَنَّى) قَالُوا: حَدَّثَنَا مُعَاذْ (وَهُوَ ابْنُ هِشَامِ) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةً،
عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: لَمْ يُفَرِّقِ الْمُصْعَبُ بَيَّنَ الْمُتَلاَعِنَيْنِ. قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ
ذُلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللّهِ وَهَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ.
٣٧٣١ - (٨) وحدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ
رَجُلاً لاَ عنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ
بِأُمِّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
٨ - (١٤٩٤) - قوله: (قلت لمالك) هذا الحديث رواه يحيى بن يحيى بطريق العرض على
شيخه مالك بن أنس تخلّفُهُ، وأخرجه أيضاً البخاري عنه في اللعان وفي الفرائض، وأبو داود في
الطلاق، والترمذي في النكاح، والنسائي وابن ماجه في الطلاق كلهم عن مالك كثُّهُ .
قوله: (وألحق الولد بأمه) ههنا مسائل:
الأولى: أن هذا الحديث صريح في أن الرجل إذا نفى ولد امرأته ولا عنها من أجل ذلك
انتفى نسبه منه وألحق الولد بالأم، وهو مذهب جماهير الفقهاء، وخالفهم عامر الشعبي وابن أبي
ذئب وبعض أهل المدينة فيما حكى عنهم الطحاوي والعيني، فقالوا: إن الرجل إذا نفى ولد
امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به، واحتجوا بقوله وَالر: ((الولد للفراش وللعاهر الحجر))، قالوا:
الفراش يوجب حق الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة، فليس لها إخراجه منه بلعان ولا
غيره، وحديث الباب حجة عليهم.
الثانية: قال أصحابنا: إذا كان القذق بنفي الولد بحضرة الولادة أو بعدها بيوم أو يومين
ونحو ذلك من مدة يأخذ فيها التهنئة وتبتاع آلات الولادة عادة صح ذلك، فإن نفاه بعد ذلك لا
ينتفي، ولم يوقت أبو حنيفة تغلّفه لذلك وقتاً، وروي عنه أنه وقت لذلك سبعة أيام، ووقته أبو
يوسف ومحمد بأكثر النفاس، وهو أربعون يوماً، واعتبر الشافعي تَغْلَفُهُ الفور فقال: إن نفاه على
الفور انتفى، وإلا لا، كذا في عمدة القاري.
الثالثة: روي عن أحمد أن الولد ينتفي بمجرد اللعان ولو لم يتعرض الرجل لذكره في
اللعان، كما حكاه الحافظ عنه في الفتح، ولكنه مخالف لما عليه الجمهور من أنه لا بد للانتفاء
من نفي الزوج لأن اللعان لم يشرع لنفي الولد وإنما شرع لدفع حد القذف عن الزوج وحد الزنى
عن المرأة، فلو كان الرجل يتهمها بالزنى ولكن يستلحق ولدها لحقه من غير شك.
الرابعة: معنى قوله (ألحق الولد بأمه) صيره لها وحدها ونفاه عن الزوج، ليدعى بأمه لا
بزوجها، ولذلك لا يجري التوارث بينه وبين زوجها، وإنما يجري التوارث بينه وبين أمه كما
تقدم في حديث سهل بن سعد (رقم: ٣٥٢٤) وشرحه. وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أباً

٢٤٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٣٢ - (٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ.
حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لاَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ
بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَامْرَأَتِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا .
٣٧٣٣ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
يَحْيَى (وَهُوَ الْقَطَّانُ) عَنْ عُبِيْدِ اللَّهِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
٣٧٣٤ - (١٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَان بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: إِنَّا، لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فِي الْمَسْجِدِ. إِذْ جَاءَ رَجُلٌ
مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ؛
وأماً، فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه وهو قول ابن مسعود وواثلة
وطائفة ورواية عن أحمد، وأما عند الحنفية فتأخذ الجميع في هذه الصورة، لكن الثلث بالفرض
والباقي بالرد كما أسلفنا في شرح حديث سهل بن سعد قته .
الخامسة: استدل بعض الناس بحديث الباب على أن الولد المنفي باللعان لو كان بنتاً حل
للملاعن نكاحها، لأنه لا نسب بينها وبين الملاعن، وهو وجه شاذ لبعض الشافعية، والأصح
قول الجمهور أنها تحرم لأنها ربيبته في الجملة، كذا في فتح الباري.
١٠ - (١٤٩٥) - قوله: (حدثنا زهير بن حرب .... عن عبد الله) يعني: ابن مسعود، وهذا
الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه أبو داود من طريق عثمان بن أبي شيبة وابن ماجه من
طريق عبدة بن سليمان كلهما في اللعان وأحمد في مسند ابن مسعود من طريق أبي عوانة عن
الأعمش (١ : ٤٢١) ومن طريق عبد الرحمن بن محمد المحاربي عنه (١: ٤٤٨).
قوله: (إنا ليلة الجمعة) كذا في نسخ صحيح مسلم، ووقع عند أبي داود (إنا لليلة جمعة)
بزيادة لام التأكيد على الليلة وحذف لام التعريف من الجمعة، وفي رواية المحاربي عند أحمد:
(بينا نحن في المسجد ليلة جمعة)) وفي رواية أبي عوانة عنده: ((كنا جلوساً عشية الجمعة في
المسجد)).
قوله: (رجل من الأنصار) كذا وقع مبهما في سائر الروايات واستظهر شيخنا السهار نفوري
في البذل أنه عويمر العجلاني والأظهر عندي أنه هلال بن أمية لأن سياق هذا الحديث يناسب
سياق قصة هلال، فإن قوله وقي: (اللهم افتح) إنما روي في قصة هلال ولم يرو في قصة عويمر
مثل ذلك، وإنما قال له ◌َ﴾: ((قد نزل فيك وفي صاحبتك إلخ)) كما سبق في حديث سهل بن
سعد، ثم قد زاد أحمد من طريق أبي عوانة في آخر الحديث: ((قال: فكان الرجل أول من ابتلي
به)) وهذا عين ما ذكروه في قصة هلال، كما سيأتي في حديث ابن عباس، والله أعلم.

٢٤٧
كتاب: اللعان
وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظِ. وَاللَّهِ! لأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُول اللَّهِ وَلِهِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَى
رَسُولَ اللَّهِ وَلِ فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ
قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظِ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ! افْتَحْ)) وَجَعَلَ يَدْعُو. فَنَزَلَتْ آيَةُ
اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجُهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾، هَذِهِ الْآيَاتُ. فَابْتُلِيَ
بِهِ ذُلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ. فَجَاءَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ فَتَلاَعَنَا. فَشَهِدَ الرَّجُلُ
أَزْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ
الْكَاذِبِينَ. فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَهْ)) فَأَبَتْ فَلَعَنَتْ. فَلَمَّا أَدْبَرَا قَالَ:
(لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ جَعْداً)) فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْداً.
٣٧٣٥ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ جَمِيعاً عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
نَحْوَهُ.
٣٧٣٦ - (١١) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
مُحَمَّدٍ. قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. وَأَنَا أُرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْماً. فَقَالَ: إِنَّ هِلاَلَ بْنَ
قوله: (اللهم افتح) قال الخطابي في معالم السنن: معناه: اللهم احكم، أو بين الحكم
فيه، والفتاح: الحاكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]
قلت: وقد وقع هكذا مفسراً في رواية أبي عوانة عند أحمد (١: ٤٢٢) بلفظ: (اللهم احكم).
قوله: (مه) هي كلمة كف وزجر، يعني: انتهي عما تريدينه من اللعان واعترفي بالحق، فإن
عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكأن النبيَّ ◌ََّ غلب على ظنه كذبها، ولذلك قال رَّه في
آخر الحديث: ((لعلها أن تجيء به أسود جعداً)) يعني: على خلاف شبه صاحب الفراش، فجاءت
به كما وصف ◌َّر، وقد ورد في قصة هلال في حديث ابن عباس عند البخاري وأبي داود وغيره
أن المرأة تلكأت بعد ذلك ونكصت، حتى ظن الصحابة أنها سترجع، ولكنها قالت: لا أفضح
قومي سائر اليوم، فمضت، وقال رسول الله وَّه في آخره: ((لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي
ولها شأن)).
١١ - (١٤٩٦) - قوله: (سألت أنس بن مالك) هذه قصة هلال بن أمية برواية أنس رضي ◌ُاته، ولم
يخرجها بروايته من بين أصحاب الصحاح إلا المصنف والنسائي في باب اللعان في قذف الرجل
زوجته برجل بعينه، وباب كيف اللعان، وأخرجه أيضاً أحمد (٣: ١٤٢) في مسندات أنس.
قوله: (هلال بن أمية) هو الأنصاري الواقفي من بني واقف، شهد بدراً وهو أحد الثلاثة
الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فتيب عليهم.

٢٤٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أُمَيَّةَ قَدَفَ امْرَأَتَهُ
قوله: (قذف امرأته) وتمام هذه القصة ما أخرجه أحمد في مسنده (١: ٢٣٨) عن ابن
عباس قال: ((لما نزلت ﴿وَلَِّنَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَهُمْ
شَهْدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال
رسول الله ◌َ﴾: يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله! لا تلمه
فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا على أن
يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله تعالى
ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي
بأربعة شهداء؟ فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قالوا: فما لبثوا يسيراً حتى جاء هلال بن
أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينيه
وسمع بأذنيه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله إني جئت
أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله وَلقر ما جاء به
واشتد عليه واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول
الله ◌َلل هلال بن أمية ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله
لي منها مخرجاً، فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم
أني لصادق، ووالله إن رسول الله * يريد أن يأمر بضربه، إذ أنزل الله على رسول الله وليه
الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من
الوحي فنزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] الآية فسريّ
عن رسول الله وَ﴾ فقال: أبشر يا هلال! فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً، فقال هلال: قد كنت
أرجو ذاك من ربي عز وجل، فقال رسول الله وَله: أرسلوا إليها، فجاءت، فقرأها رسول الله وَاله
عليهما وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول
الله لقد صدقت عليها، فقالت: كذب، فقال رسول الله وَ له: لا عنوا بينهما، فقيل لهلال: اشهد،
فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل: يا هلال اتق الله فإن
عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله
لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من
الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت في الخامسة قيل
لها: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك
العذاب، فتلكأت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله
عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله وَلقول بينهما، وقضى أنه لا يدعى ولدها لأب ولا
ترمى هي به، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها

٢٤٩
كتاب: اللعان
بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ. وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكِ لأُمِّهِ. وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لاَعَنَ فِي الإِسْلاَمِ.
قَالَ: فَلاَ عَنَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَيْهِ: «أَبْصِرُوهَا. فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ سَبِطاً
عليه ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: إن جاءت به
أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً، خدلج الساقين
سابغ الإليتين فهو للذي رميت به، فجاءت به جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الإليتين، فقال
رسول الله و چ: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر
وکان یدعی لأمه وما يدعى لأبيه)).
قوله: (بشريك بن سحماء) بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وهي أمه، واسم أبيه
عبدة بن مغيث، وذكر مقاتل في تفسيره أن والدة شريك التي يقال لها سحماء، كانت حبشية،
وقيل: كانت يمانية، وذكر أبو نعيم في الصحابة أن لفظ شريك صفة له لا اسم، وأنه كان شريكاً
لرجل يهودي يقال له ابن سحماء، فعلى هذا يتعين كتابة ألف بين شريك وابن سحماء ولكنه قول
شاذ، ويقال: إن شريك بن شحماء بعثه أبو بكر الصديق رسولاً إلى خالد بن الوليد باليمامة،
ويقال: إنه شهد مع أبيه أحداً، روى ذلك ابن سعد عن الواقدي، كذا في الإصابة.
قوله: (كان أخا البراء بن مالك لأمه) هذا بظاهره مشكل، لأن البراء بن مالك شقيق
أنس بن مالك، فعلى هذا ينبغي أن يكون أخاً لأنس أيضاً من أمه، وأم أنس هي أم سليم، ولم
تكن سحماء، ولا تسمى سحماء، وذكر الحافظ في باب يبدأ الرجل بالتلاعن من الفتح هذا
الإشكال ثم رفعه بقوله: ((فلعل شريكاً كان أخاه من الرضاعة)) ويقويه أنه لو كان أخاه من أمه لما
ذكر أنس أنه كان أخاً للبراء بن مالك من أمه، وإنما قال: كان أخي من أمي، فلما لم ينسبه إلى
نفسه ونسبه إلى أخيه البراء فقط، تبين أن الأخوة ما كانت بينه وبين أنس، وإنما كانت بينه وبين
البراء فقط، وهذا إنما يمكن في أخوة الرضاع، والله سبحانه أعلم.
قوله: (وكان أول رجل لاعن في الإسلام) هذا هو المحقق، وقد تقدم في شرح حديث
سهل بن سعد أن آية اللعان إنما نزلت في هلال بن أمية، ولما كانت قصة عويمر العجلاني قريبة
منه، ربما ذكروها في سبب النزول، وقد تقدم وجه الجمع بين الروايات هناك.
قوله: (أبصروها) قد تقدم أن امرأة هلال قد ظهر كذبها بالأمارات والقرائن، وغلب على
ظن رسول الله ﴿ أنها كاذبة، فلعله ◌َلو أراد تبرئة هلال بن أمية ظُه في أنظار العامة، لأنه من
الصحابة البدريين الأجلاء، ولذلك أمرهم بالنظر في شبه الولد، لئلا يبقى في صدور الناس ما
يتهم هلالاً بالكذب، وتظهر براءته بالإمارات الظاهرة إن لم تظهر بالبينة والقضاء، والله أعلم.
قوله: (سبطاً) بفتح السين وسكون الباء، وقيل: بكسرها، فسره النووي والأبي بالمسترسل
الشعر، ولكن فسره ابن الأثير في جامع الأصول والفتني في مجمع البحار بممتد الأعضاء تام

٢٥٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ فَهُوَ لِهَلالٍ بْنِ أُمَيَّةَ. وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ جَعْداً حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ
لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ)) قَالَ: فَأَنْبِثْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَّ جَعْداً حَمْشَ السَّاقَيْنِ.
٣٧٣٧ - (١٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ وَعِيسَى بْنُ حَمَّادِ الْمِصْرِيَّانِ
(وَاللَّفْظُ لإِبْنِ رُمْح) قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَّاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلاَعُنُ عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ. فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذُلِكَ قَوْلاً. ثُمَّ انْصَرَفَ.
الخلق، والأصل أن السبط إذا وصف به الشعر أريد به المسترسل منه، وإذا وصف به الرجل
أريد به تام الخلق، وكلا المعنيين ههنا سائغ.
قوله: (قضيء العينين) يعني: فاسد العينين بكثرة دمع أو حمرة، وقضيءَ الثوب يَقْضَأُ،
كحذر يحذر: إذا تفرزو تشقق، كما في مجمع البحار، وقضئت القربة: عفنت وتهافتت وطال
مكثها في مكان ففسدت، وقضيء الرجل قضأ وقضوء: دخله عيب، كما في شرح الأبي.
قوله: (وإن جاءت به أكحل) يعني: أسود كالكحل جعداً بفتح الجيم وسكون العين، إذا
وصف به الشعر فهو ضد السبط، يعني: ما كان فيها التواء، وإذا وصف به الرجل فهو معصوب
الخلق شديد الأسر، أو القصير المتردد، أو البخيل، فإذا أردنا بالسبط في الفقرة الأولى:
المسترسل الشعر فالمراد ههنا ضده، وإن أردنا بالسبط هناك تام الخلق ممتد الأعضاء فالمراد
هنا القصير المتردد، والله أعلم.
قوله: (حمش الساقين) بفتح الحاء وسكون الميم، يعني: رقيقيهما، والحموشة الدقة.
قوله: (جاءت به أكحل) يعني: على خلاف شبه هلال بن أمية، وقد أسلفنا عن عكرمة
فيما أخرجه أحمد عن ابن عباس أن ولدها صار بعد ذلك أميراً على مصر، وكان يدعى لأمه وقد
حقق الحافظ في الفتح (٩: ٤٠١ باب قول النبي وكلير: لو كنت راجماً امرأة إلخ) أن المراد مصر
من الأمصار، لا البلد المشهور.
١٢ - (١٤٩٧) - قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطلاق،
باب قول النبي و * لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمته، وباب قول الإمام اللهم بَيِّنُ، وفي
المحاربين، باب من أظهر الفاحشة والتلطخ والتهمة بغير بينة، وفي التمني، باب ما يجوز من
اللَّوِّ قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾، وأخرجه النسائي في الطلاق. باب قول الإمام اللهم بين،
وابن ماجه في الحدود، باب من أظهر الفاحشة، وأحمد في مسند ابن عباس (١: ٣٣٦).
قوله: (فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً) المراد به ما تقدم في حديث سهل بن سعد أنه
سأل رسول الله و لو ما أمره به عويمر العجلاني من قوله: ((لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً
أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟)) واعلم أن حديث سهل بن سعد، حديث ابن عباس هذا من طريق

٢٥١
كتاب: اللعان
فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلاً. فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهِذَا إِلاَّ
لِقَوْلِي. فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ. وَكَانَ ذُلِكَ الرَّجُلُ
مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْم، سَبِطَ الشَّعَرِ. وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ، خَدْلاً،
آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْمِ. فَقَّالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ! بَيِّنْ)) فَوَضَعَتْ شَبِيهاَ بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ
القاسم، كلاهما في قصة واحدة وهي قصة عويمر العجلاني، بخلاف حديث ابن عباس من
طريق عكرمة الذي أخرجه البخاري مختصراً، وأبو داود وأحمد مفصلاً فإنه في قصة أخرى،
وهي قصة هلال، وقد نقلناه بتمامه في شرح الحديث السابق، ولا مانع من أن يروي ابن عباس
القصتين معاً، ويؤيد التعدد اختلاف السياقين وخلو أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين
القصتين من المغايرة، كما حققه الحافظ في فتح الباري.
قوله: (فأتاه رجل من قومه) هو عويمر العجلاني، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أمية، فإنه
لا قرابة بینه وبین عاصم.
قوله: (فقال عاصم ما ابتليت بهذا إلا بقولي) تقدم في شرح حديث سهل أن عويمر بن
عمرو كانت تحته بنت عاصم أو بنت أخيه، فلذلك أضاف الابتلاء إلى نفسه، وقوله ((إلا بقولي))
يعني بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع ذلك في أهل بيتي، فقد وقع في مرسل
مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم: ((فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا والله بسؤالي عن
هذا الأمر بين الناس، فابتليت به)) حكاه الحافظ في الفتح.
قوله: (وكان ذلك الرجل) يعني: الذي رمی امرأته، وهو عويمر.
قوله: (مصفراً) وقد ورد في حديث سهل عند البخاري في باب التلاعن في المسجد ما
يدل على أن عويمر كان أحمر، ويمكن الجمع بأن ذاك لونه اللأصلي، والصفرة عارضة.
قوله: (خدلا) ضبطه النووي والأبي بفتح الخاء وسكون الدال، وضبطه الحافظ بفتح الدال
وتشديد اللام، وقيل: إنه بكسر الدال، والكل سائغ في اللغة، والمراد به ممتلىء الساقين، وقال
ابن فارس: ممتلىء الأعضاء، وقال الطبري: لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم.
قوله: (آدم) يعني : لونه قريب من السواد.
قوله: (اللهم بين) قال ابن العربي: ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما
فقط، بل معناه أن تلد ليظهر الشبه، ولا يمتنع دلالتها بموت الولد مثلاً فلا يظهر البيان،
والحكمة فيه ردع من شاهد ذلك عن التلبس بما وقع، لما يترتب على ذلك من القبح ولو اندرأ
الحد، كذا في فتح الباري.
قوله: (فوضعت شبيهاً بالرجل) ظاهر هذا السياق أن اللعان وقع بعد وضع الولد، ولكن
قدمنا أن رواية ابن عباس هذه متعلقة بقصة عويمر، وقد مَرَّ في قصته من حديث سهل أن اللعان

٢٥٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا. فَلاَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ، فِي
الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (لَوْ رَجَمْتُ أَحَداً بِغَيْرِ بَيْنَةٍ رَجَمْتُ هُذِهِ؟)) فَقَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ. تِلْكَ امْرَأَةٌ كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الإِسْلاَمِ السُّوءَ.
٣٧٣٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي
أُوَيْسٍ. حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ) عَنْ يَحْيَى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الْمُتَلاَعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بِمِثْلٍ
حَدِيثَ اللَّيْثِ وَزَادَ فِيهِ، بَعْدَ قَوْلِهِ كَثِيرَ اللَّحْمِ، قَالَ: جَعْداً قَطَطاً .
وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله (فلاعن) معقبة بقوله ((فأخبره بالذي وجد
عليه امرأته))، وأما قوله: ((وكان ذلك الرجل مصفراً)) إلى آخره فهو كلام معترض بين الجملتين،
كذا حققه الحافظ في الفتح.
قوله: (فقال رجل لابن عباس) هذا الرجل هو عبد الله بن شداد بن الهاد، كما سيأتي من
طريق أبي الزناد عند المصنف.
قوله: (تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) يعني: تظهر عليها قرائن تدل على أنها
بغي تتعاطى الفاحشة، فقد وقع في طريق عروة عن ابن عباس عند ابن ماجه: ((لو كنت راجماً
أحداً لغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها)) ولكن لم
يثبت عليها الزنى بطريق شرعي من الإقرار أو البينة مما يوجب عليها الحد، وفيه أنه لا يقام
الحد بمجرد الشياع والقرائن، بل لا بد من بينة أو اعتراف.
ثم قال الداودي: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء، وتعقبه الحافظ بأن ابن عباس
لم يسمها، فلا يثبت به جواز عيب رجل مسمى بعينه، فإن أراد إظهار العيب الإبهام فمحتمل،
ولكن في قول الحفظ نظراً ظاهراً، لأن الداودي لا يستدل بقول ابن عباس، وإنما يستدل
بقوله وَله: ((لو رجمت أحداً بغير بينة لرجمت هذه)) ولا يخفى أن إشارته هل كانت إلى امرأة
معينة يعرفها الجميع، فتبين أن من سلك مسالك السوء جاز عيبه ليكون الناس منه على حذر،
والله أعلم.
(٠٠٠) - قوله: (قططا) بفتح الطاءين، وقيل: بكسر الأولى، صفة مبالغة للجعد، يعني
شديد الجعودة والتقبض كشعر السودان، كذا في مجمع البحار.
ثم قد يستدل بهذه الأحاديث من يعتبر القيافة في ثبوت الأنساب، والحق أن هذه
الأحاديث حجة لمخالفيهم، لأن القيافة لو كانت معتبرة في الشرع والقضاء لما شرع اللعان،
ولما ترك رسول الله ◌َل# امرأة عويمر وهلال من غير حد بعد ما تبين بالشبه كذبهما، وهذا البحث
قد مر بجميع أطرافه في باب العمل بإلحاق القائف الولد فراجعه.

٢٥٣
كتاب: اللعان
٣٧٣٩ - (١٣) وحدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو) قَالاَ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ.
وَذُكِرَ الْمُتَلاِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((لَوْ كُنْتُ
رَاجِماً أَحَداً بِغَيْرِ بَيَِّةٍ لَرَجَمْتُهَا؟)) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لاَ. تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ
فِي رِوَايَتِهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ .
٣٧٤٠ _ (١٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْن سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ) عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
أَرَأَيْتَّ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((لاَ)) قَالَ سَعْدٌ: بَلَى،
وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَله: ((اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ)).
١٤ - (١٤٩٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه أبو
داود في كتاب الديات، باب من وجد رجلاً مع أهله فقتله، وأخرجه ابن ماجه في الحدود، باب
الرجل يجد مع امرأته رجلاً، وأخرجه النسائي أيضاً .
قوله: (عن سهيل، عن أبيه) هو سهيل بن أبي صالح يروي عن أبيه أبي صالح ذكوان
السمان المدني .
قوله: (سعد بن عبادة) هو الصحابي المشهور سيد بني خزرج، وقد ذكر ابن عباس أن
رسول الله ◌َو كانت له في المواطن كلها رايتان، راية المهاجرين مع علي، وراية الأنصار مع
سعد بن عبادة، وكان من الأسخياء المعروفين بسخائهم، وعن محمد بن سيرين: كان سعد بن
عبادة يعشي كل ليلة ثمانين من أهل الصفة، وروى الدارقطني في كتاب الأسخياء عن هشام بن
عروة عن أبيه قال: كان منادي سعد ينادي على أطمه: من كان يريد شحماً ولحماً فليأت سعداً،
وقصته في تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة، وخرج إلى الشام، فمات بحوران سنة خمس عشرة،
كذا في الإصابة .
قوله: (بلى والذي أكرمك بالحق) قال الخطابي في معالم السنن (٦: ٣٣٢): ((يشبه أن
تكون مراجعة سعد للنبي وَلفر طمعاً في الرخصة، لا رداً لقوله وَّر، فلما أبى ذلك رسول الله وَاليه
وأنكر عليه قوله، سكت سعد وانقاد)) ومما يدل على ذلك ما أسلفنا من رواية ابن عباس عند
أحمد، وفيها: ((فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله تعالى، ولكني
تعجبت إلخ)).
قوله: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم) فيه إشارة إلى أن سعد بن عبادة إنما يقول هذا من
غيرته المحمودة التي جبل عليها، ولا يقصد بذلك مخالفة النبي ◌ّر، وتمام هذه القصة ما

٢٥٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٤١ - (١٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسى. حَدَّثَنَا مَالِكٌ،
عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَغْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ وَجَدْتُ
مَعَ امْرَأَتِيَّ رَجُلاً، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
٣٧٤٢ - (١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ
بِلاَلٍ. حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلاً، لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (نَعَمْ))
قَالَ: كَلاَّ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقُّ! إِنْ كُنْتُ لأَعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذُلِكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ :
(اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ. إِنَّهُ لَغَيُورٌ. وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي)).
٣٧٤٣ - (١٧) حدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْن
الْجَحْدَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لأَّبِي كَامِلٍ) قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِّكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ
وَرَّادٍ (كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ)، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً
مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ عَنْهُ. فَبَلَغَ ذُلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ فَقَالَ:
أخرجه ابن ماجه عن سلمة بن المحبق، قال: ((قيل لأبي ثابت سعد بن عبادة حين نزلت آية
الحدود، وكان رجلاً غيوراً، أرأيت لو أنك وجدت مع امرأتك رجلاً أي شيء كنت تصنع؟
قال: كنت ضاربهما بالسيف، أنتظر حتى أجيء بأربعة؟ إلى ما ذاك قد قضى حاجته وذهب؟ أو
أقول: رأيت كذا وكذا فتضربوني الحد ولا تقبلوا لي شهادة أبداً؟ قال: فذكر ذلك للنبي وَلّ
فقال: كفى بالسيف شاهداً، ثم قال: لا! إني أخاف أن يتتابع في ذلك السكران والغيران)) ويظهر
منه أن رسول الله ◌َ ﴿ أيد سعداً في مبدء الأمر، ثم قال: لا أفتي بذلك، لأني لو أفتيت بذلك
تتابع الناس في القتل واعتذروا بأنهم رأوا المقتول على فاحشة.
١٦ - (٠٠٠) - قوله: (إنه لغيور) بضم الياء وتخفيفها، وقد مر ما يدل على شدة غيرته في
رواية ابن عباس الطويلة عند أحمد، وفيها: ((قالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، والله ما
تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة له قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة
غیرته)) .
١٧ - (١٤٩٩) - قوله: (عن المغيرة بن شعبة) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح،
باب الغيرة، وفي الحدود باب من رأى مع امرأته رجلاً فقتله، وفي الرد على الجهمية والتوحيد،
باب قول النبي ◌ُّو لا شخص أغير من الله تعالى، والدارمي في النكاح، باب الغيرة، وأحمد في
مسند المغيرة (٤ : ٢٤٨).
قوله: (غير مصفح عنه) بكسر الفاء يعني غير ضارب بصفح السيف وهو عرضه وجانبه،

٢٥٥
كتاب: اللعان
((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةٍ سَعْدٍ؟ فَوَاللَّهِ، لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ.
والمراد أني لا أضربه بعرض السيف كما يضرب للتأديب وإنما أضربه بحده، كما يضرب للقتل.
ثم ضبطه الأكثرون بكسر الفاء، على أنه صفة للضارب حال منه، وقيل: إنه بفتح الفاء على أنه
صفة للسيف حال منه، وأما قوله: ((عنه)) فلم يثبت في رواية البخاري وأحمد والدارمي، وقد نبه
مسلم أيضاً في الرواية الآتية على كونه ساقطاً، وادعى ابن الجوزي أنه وهم من أحد الرواة،
وكأن راوياً من الرواة ظن أنه من الصفح بمعنى العفو، فأتى له بصلة ((عن))، والأمر ليس كما
ظن، فإنما هو من صفح السيف، حكاه الحافظ عن ابن الجوزي في الفتح، كتاب النكاح، باب
الغيرة .
حكم من قتل رجلاً وجده مع امرأته:
قوله: (أتعجبون من غيرة سعد؟) تمسك بهذا التقرير من قال: إن من وجد رجلاً يزني
بامرأته فقتله فلا شيء عليه، وتفصيل المسألة أنه إن أثبت ذلك بأربعة شهود فالجمهور على أنه لا
يقتص منه، وهو قول أبي حنيفة كَُّهُ، وأما إن جاء بشاهدين على أنه قتله بهذا السبب فقال
الجمهور: يقتص منه، وقال أحمد وإسحاق: لا قصاص عليه، كما حكاه الحافظ في شرح
حديث سهل من لعان الفتح، وهذا حكم القضاء، وأما فيما بينه وبين الله، فيسع له قتل الرجل
إن كان ثيبا وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، صرح به الحافظ والنووي والشامي.
حجة الجمهور ما أخرجه مالك في الأقضية من الموطأ عن علي أنه قال في مثله: ((إن لم
يأت بأربعة شهداء فليعط برمته)) يعني: يقاد منه.
وأما حديث الباب فقد وقع ههنا مختصراً، وقد ورد في حديث سلمة بن المحبق عند ابن
ماجه ما يوضحه ويدل على قول الجمهور، وهو ما رويناه تحت قوله: ((اسمعوا إلى ما يقول
سيدكم))، وفيه أن النبي وَلّ قال في مبدأ الأمر: ((كفى بالسيف شاهداً)) ثم أتبعه بقوله: ((لا، إني
أخاف أن يتتابع في ذلك السكران والغيران)) فقوله الأول حكم الديانة، وقوله الثاني حكم
القضاء.
وقد أطال الشامي في هذا المبحث في باب التعزيز، وقال: ((وحاصله أنه يحل ديانة لا
قضاء، فلا يصدقه القاضي إلا ببينة)) والظاهر أن المراد بينة الزنى، وهي أربعة شهود، وهي
المصرح بها في قول علي رظُه. ثم قد ذكر الشامي في آخره: ((والظاهر أنه يأتي هنا التفصيل
المذكور في السرقة، وهو ما في البزازية وغيرها: إن لم يكن لصاحب الدار بينة، فإن لم يكن
المقتول معروفاً بالشر والسرقة قتل صاحب الدار قصاصاً، وإن كان متهماً به فكذلك قياساً، وفي
الاستحسان: تجب الدية في ماله لورثة المقتول، لأن دلالة الحال أورثت شبهة في القصاص، لا
في المال)) والله سبحانه أعلم.

٢٥٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي. مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. وَلاَ شَخْصَ
أَغْيَرُ مِنَّ اللّهِ. وَلاَ شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذُلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ
مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وَلاَ شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ. مِنْ أَجْلِ ذُلِكَ وَعَدَ اللَّهُ
الْجَنَّةَ» .
٣٧٤٤ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمِيْرٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: غَيْرَ مُصْفَحٍ. وَلَمْ يَقُلْ عَنْهُ.
٣٧٤٥ - (١٨) وحدّثناه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ) قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ:
قوله: (والله أغير مني) قال عياض وغيره في تفسير الغيرة: هي مشتقة من تغير القلب
وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين،
ويحتمل أن تكون الغيرة في حق الله الإشارة إلى تغيير حال فاعل ذلك، وقال ابن العربي: التغير
محال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله بلازمه كالوعيد أو إيقاع العقوبة بالفاعل، ومن
أشرف وجوه غيرته تعالى اختصاصه قوماً بعصمته، يعني فمن ادعى شيئاً من ذلك لنفسه عاقبه.
وأشد الآدميين غيرة رسول الله وَّر، لأنه كان يغار لله ولدينه، ولهذا كان لا ينتقم لنفسه. هذا
ملخص ما في فتح الباري، كتاب النكاح، باب الغيرة.
قوله: (لا شخص أغير من الله) الشخص في الحقيقة جرم الإنسان، والشخص بهذا التفسير
محال على الله سبحانه، فالمراد: لا أحد، كذا حققه الأبي.
قوله: (أحب إليه العذر) هو برفع ((أحب)) خبر مقدم لقوله ((العذر)) وخبر ((لا)) محذوف،
والتقدير: لا أحد موجود، وبفتح ((أحب)) صفة لقوله ((شخص)) و((العذر)) فاعله، وخبر (لا))
محذوف .
والمراد من العذر ههنا الإعذار، يعني أنه تعالى مع شدة غيرته يحب أن لا يعذب أحداً
حتى يعذره، ولذلك بعث الأنبياء والمرسلين.
قوله: (المدحة) بكسر الميم، بمعنى المدح، يعني أنه تعالى وعد الجنة ورغب فيها، ليكثر
الناس مدحه ويسألوه إياها .
١٨ - (١٥٠٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطلاق، باب إذا
عرض بنفي الولد، وفي المحاربين، باب ما جاء في التعريض، وأبو داود في الطلاق، باب إذا
شك في الولد، والنسائي في الطلاق باب إذا عرض بامرأته وسكت في ولده، وابن ماجه في

٢٥٧
كتاب: اللعان
جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ وَّرَ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَماً أَسْوَدَ. فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَمَا أَلْوَانُهَا؟)) قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: ((هَلْ فِيهَا
مِنْ أَوْرَقَ؟)) قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُزْقاً. قَالَ: ((فَأَنَّى أَتَاهَا ذُلِكَ؟)) قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ.
قَالَ: ((وَهُذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ)).
النكاح، باب الرجل يشك في ولده، وأحمد في مسند أبي هريرة (٢: ٢٣٣ و٢٣٤ و٢٣٩ و٢٧٩
و٤٠٩).
قوله: (رجل من بني فزارة) وسيأتي في رواية أبي سلمة أنه كان أعرابياً، وقد ذكر الحافظ
في الفتح أن اسمه ضمضم بن قتادة، أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في المبهمات من طريق
قطبة بنت عمرو بن هرم أن مدلوكاً حدثها أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من
بني عجل، فشكى إلى النبي ◌َّ.
قوله: (ولدت غلاماً أسود) وزاد في حديث ابن عمر عند ابن ماجه: ((وإنا أهل بيت لم
يكن فينا أسود قط)) والمراد إظهار الشك في كون الولد منه، واستدل به الجمهور على أن
التعريض بالقذف ليس قذفاً، ولا يجب به الحد، حتى يصرح بالنفي لأن النبي ◌َّ لم يعده
قاذفاً، وروي عن المالكية أنه يجب به الحد إذا كان يفهم منه القذف، وأجابوا عن حديث الباب
بأنه لم يكن قذفاً ولا تعريضاً به، وإنما كان سؤالاً، والتعريض إنما يجب به الحد إذا كان على
سبيل المواجهة والمشاتمة، والصحيح أنه لا يتم به استدلال الجمهور، نعم يدل على مذهبهم أن
الشريعة فرقت بين التعريض والتصريح في أمر الخطبة، فيجوز التعريض بها في العدة ولا يجوز
التصريح، فليكن أمر القذف كذلك، بل أولى، لأن الحدود تندرىء بالشبهات، والله أعلم.
قوله: (قال: حمر) وفي رواية محمد بن معصب عند أحمد (٢: ٤٠٩): (رمك) بدل
قوله: (حمر) وهو جمع أرمك بمعنى الأبيض المائل إلى الحمرة.
قوله: (أورق) هو الذي فيه سواد ليس بصاف، ومنه قيل للرماد أورق وللحمامة ورقاء.
قوله: (عسى أن يكون نزعه عرق) العرق هنا: الأصل من النسب تشبيهاً بعرق الثمرة ويقال
منه فلان عريق في الأصالة أي أن أصله متناسب، وكذا معرق في الحسب وفي اللؤم، ومعنى
نزعه: جذبه لشبهه، يقال: نزع الولد إلى أبيه، ونزع له ونزعه أبوه والمعنى: يحتمل أن يكون في
أصولها من هو باللون المذكور فاجتذبه إليه فجاء على لونه .
ثم قد أرشد الحديث إلى عدة مسائل :
١ - إن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف
لونه .

٢٥٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٤٦ - (١٩) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ ابْنُ
رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمُرٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ.
حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. نَحْوَ حَدِيْثٍ
ابْنِ عُيَيْنَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَدَتِ امْرَأَتِي غُلاَماً أَسْوَدَ. وَهُوَ
حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الانْتِفَاءِ مِنْهُ.
٣٧٤٧ - (٢٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ). قَالاً:
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أُغْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللّهِ وَّهَ فَقَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاماً
أَسْوَدَ. وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ وَّهِ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إِيلٍ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((مَا
أَلْوَانُهَا؟)) قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: ((فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فَأَنَّى
هُوَ؟)) قَالَ: لَعَلَّهُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((وَهْذَا لَعَلَّهُ
يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ)).
٣٧٤٨ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَّةً كَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ بِنَحْوِ
حَدِيثِهِم.
٢ - إن الشبه ليس حجة شرعية، فلا تعتبر القيافة في الأنساب، وقد مر الكلام في باب
إلحاق القائف الولد من كتاب الرضاع.
٣ - ويؤخذ منه صحة القياس والاعتبار بالنظير، لأن النبي وَلّ قاس اختلاف الألوان في
الآدميين بالاختلاف في ألوان الإبل.
٤ - ويؤخذ منه أيضاً أن الرجل ينبغي له أن يشاور شيخه أو أستاذه في أمور أسرته وأهله.
٢٠ - (٠٠٠) - قوله: (وإني أنكرته) يعني: كرهته، وليس هو من الإنكار بمعنى النفي،
وإلا صار قوله قذفاً .
(٠٠٠) - قوله: (بلغنا أن أبا هريرة) قال الحافظ: إن ذلك يشعر بأن هذا الحديث كان عند
الزهري عن غير واحد، وإلا لو كان عن واحد فقط، كسعيد مثلاً لاقتصر عليه، ومما يدل عليه
أن الزهري رواه عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة كليهما، والله سبحانه أعلم. قد تم بحول
الله سبحانه شرح كتاب اللعان، ووقع الفراغ منه ليوم الإثنين التاسع عشر من شهر جمادى الثانية
سنة ألف وأربعمائة من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، وفقنا الله تعالى لإكمال باقي
الأبواب، وهو المستعان وعليه التكلان.

٢٥٩
كتاب: العتق
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
(٢٠) - كتاب: العتق
كتاب العتق
العتق مصدر من عتق العبد يعتق، كضرب يضرب، عتقاً وعتاقاً وعتاقة وعتوقاً، إذا صار
حراً، وقال ابن فارس: العين والتاء والقاف أصل صحيح يجمع معنى الكرم خلقة وخلقاً ومعنى
القدم، ثم نقل عن ابن الأعرابي قوله: كل شيء بلغ إناه فقد عتق، وسمي العبد عتيقاً لأنه بلغ
غايته، راجع معجم مقاييس اللغة لابن فارس (٤: ٢١٩ و٢٢١).
والعتق والعتاق لغة عبارتان عن القوة، ومنه عتاق الطير، يقال لجوارحها، وعتق الفرخ إذا
قوي على الطيران، وفرس عتيق إذا كان سابقاً، وذلك عن قوته، وقيل للقديم عتيق لقوة سبقه،
وللخمر إذا تقادمت لقوة تأثيرها. والعتق أيضاً يقال للجمال، ومنه سمي سيدنا أبو بكر الصديق
عتيقاً لجماله، وقيل: لقدمه في الخير، وقيل غير ذلك.
وأما شرعاً فقد فسره في المغرب بالخروج عن المملوكية، ووجه مناسبته بمعناه اللغوي أنه
قوة حكمية يصير المرء بها أهلاً للشهادة والولاية والقضاء.
ومن عادة الفقهاء والمحدثين أنهم يذكرون كتاب العتاق بعد كتاب الطلاق متصلاً، وذلك
لما بينهما من مناسبات كثيرة، منها أن كلاً منهما رفع قيد وإسقاط ملك، إلا أن العتق إسقاط
لملك الرقبة، والطلاق إسقاط لملك البضع. ومنها أن كلاً منهما يسري من البعض إلى الكل،
فلو طلق الرجل جزءاً شائعاً من المرأة طلقت المرأة بأجمعها، وكذلك العبد إذا أعتق بعضه عتق
كله حالاً أو مالاً، ومنها أن كلاً منهما لا يقبل الفسخ بعد الثبوت.
قال ابن الهمام في فتح القدير (٣: ٣٥٧): ((ولا يخفى ما في العتاق من المحاسن، فإن
الرق أثر الكفر، فالعتق إزالة أثر الكفر، وهو إحياء حكمي لأثر حكمي لموت حكمي، فإن
الكافر ميت معنى، فإنه لم ينتفع بحياته ولم يذق حلاوتها العليا، فصار كأنه لم يكن له روح،
قال تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي: كافر فهديناه. ثم أثر ذلك الكفر الرق
الذي هو سلب أهليته لما تأهل له العقلاء، من ثبوت الولايات على الغير من إنكاح البنات
والتصرف في المال، والشهادات، وعلى نفسه، حتى لا يصح نكاحه ولا بيعه ولا شراؤه،

٢٦٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وامتنع أيضاً بسبب ذلك عن كثير من العبادات كصلاة الجمعة والحج والجهاد وصلاة الجنائز
وفي هذا كله من الضرر ما لا يخفى، فإنه صار بذلك ملحقاً بالأموات في كثير من الصفات،
فكان العتق إحياءً له معنى)).
((ولذا - والله أعلم - كان جزاؤه عند الله تعالى، إذا كان العتق خالصاً لوجهه الكريم،
الإعتاق من نار الجحيم، التي هي الهلاك الأكبر، قوبل إحياؤه معنى باحيائه معنى أعظم إحياء،
كما وردت به الأخبار عن سيد الأخيار، منها الحديث الذي ذكره المصنف (يعني صاحب
الهداية) رواه الستة في كتبهم عن أبي هريرة رضيه عن النبي وَلر قال: «أيما امرىء مسلم أعتق
امرأ مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من النار)). وفي لفظ: ((من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله
بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار، حتى الفرج بالفرج». أخرجه الترمذي في الأيمان
والنذور، ورواه ابن ماجه في الأحكام، والباقون في العتق. وأخرج أبو داود وابن ماجه عن
كعب بن مرة عن النبي والقر: ((أيما رجل مسلم أعتق رجلاً مسلماً كان فكاكه من النار، وأيما
امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار)). وزاد أبو داود: ((وأيما رجل أعتق
امرأتين مسلمتين إلا كانتا فكاكه من النار، يجزىء مكان عظمين منهما عظماً من عظامه)).
وأما سبب العتق المثبت له فقد يكون دعوى النسب، وقد يكون نفس الملك في القريب،
وقد يكون الإقرار بحرية عبد إنسان، حتى لو ملكه عتق، وقد يكون بالدخول في دار الحرب،
فإن الحربي لو اشترى عبداً مسلماً فدخل به إلى دار الحرب ولم يشعر به عتق عند أبي حنيفة،
وكذا زوال يده عنه، بأن هرب من مولاه الحربي إلى دار الإسلام، وقد يكون باللفظ المخصوص
للإعتاق، وهو نفسه ركن الإعتاق اللفظي الإنشائي.
وأما شرطه فأن يكون المعتق حراً بالغاً عاقلاً، وحكمه زوال الرق عنه، وصفته في الإعتاق
الاختياري أنه مندوب إليه غالباً .
الرق في الإسلام
ويحسن بنا قبل الشروع في شرح أحاديث العتق أن نورد ههنا مقالة وجيزة نبحث فيها عن
حقيقة الرق ومكانته في الإسلام، فإنه قد كثر الشغب على المسلمين من قبل أصحاب الغرب
ومقلديهم في إباحة الرق وقد زعمه الناس في هذا الزمان وصمة على جبين الدين، ومثاراً للشبه
ضد الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
ومنشؤُ الخطأ في هذا الصدد أن أهل الغرب وأتباعهم يقيسون أرقاء الإسلام على أرقاء
اليونانيين والروميين والأوروبيين، الذين كانوا يعيشون في نهاية من البؤس والتعاسة والشقاء، لا
يعترف لهم بإنسانية، ولا يعرف لهم حق، وليس لهم في المدنية أدنى نصيب.