النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
كتاب : الطلاق
٣٦٨٠ - (٣٥) قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: لَمَّا مَضَىْ تِسْعٌ
وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. بَدَأَ بِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ
أَنْ لاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْراً. وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ. أَعُدُّهُنَّ. فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ
وَعِشْرُونَ)) ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةٌ! إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرَأْ فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي
أَبَوَيْكِ)). ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾. حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ، وَاللَّهِ، أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ.
قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لاَ تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ. فَقَالَ
لَهَا النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّ اللَّه أَرْسَلَنِي مُّبِلِّغاً وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّنَا)).
قَالَ قَتَادَةُ: صَغَتْ قُلُوبُكُمَا. مَالَتْ قُلُوبُكُمَا .
ثم ههنا إشكال قوي، وهو أنه قد مَرَّ قول عمر في آخر حديث (٣٥٧٦): (ثم نزل نبي
الله لَّه ونزلت، فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله هير كأنما يمشي على الأرض ما يمسه
بيده، فقلت: يا رسول الله! إنما كنت في الغرفة تسعاً وعشرين) وظاهره يدل على أن النبي وَل
نزل عقب ما خاطبه عمر، فيلزم منه أن يكون عمر تأخر كلامه معه تسعاً وعشرين يوماً، وسياق
أول الحديث يدل على أنه تكلم معه في نفس اليوم الذي أخبر فيه باعتزال النبي وسل* أزواجه،
وكيف يمهل عمر تسعاً وعشرين يوماً لا يتكلم في ذلك، وهو مصرح بأنه لم يصبر ساعة في
المسجد، حتى قام ورجع إلى الغرفة واستأذن؟ وكذلك يستبعد جداً أن لا يطلع عمر على
اعتزاله ويّ تسعة وعشرين يوماً، ثم يطلع عليه في آخر يوم.
وأجاب عنه الحافظ بأن قوله: (فنزل) أي: بعد أن مضت المدة، ويستفاد منه أنه كان يتردد
إلى النبي ◌َّر في تلك المدة التي حلف عليها، فاتفق أنه كان عنده لعلَّلّ عند إرادته النزول، فنزل
معه، ثم خشي أن يكون نسي، فذكره كما ذكرته عائشة. كذا في فتح الباري (٩ - ٢٤٩ و ٢٥٠).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وههنا احتمال آخر، وهو أن يكون عمر مطلعاً على
اعتزاله ◌َّيه نساءه قبل مجيء جاره الأنصاري إليه، وكان يتردد إليه في هذه المدة، حتى إذا تمت
ثمانية وعشرون يوماً؛ شاع الخبر بأنه سي طلق نساءه، فأتاه جاره الأنصاري بهذا الخبر الجديد،
ففزع عمر إلى النبي ◌َّر في اليوم التاسع والعشرين وكلمه في ذلك ثم نزل معه وقال ما قال، والله
سبحانه وتعالى أعلم.

٢٠٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٦) - باب: المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها
٣٦٨١ - (٣٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
يَزِيدَ مَوْلَى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ
أَبَا عَمْرِو بْنَ حَقْصٍ طَلَّقَهَا الْبَنَّةَ .
(٦) - باب: المطلقة البائن لا نفقة لها
٣٦ - (١٤٨٠) - قوله: (حدثنا يحيى بن يحيى) هذا الحديث أشار إليه البخاري في باب
قصة فاطمة بنت قيس من كتاب الطلاق، وأخرجه في باب المطلقة إذا خشي عليها في مسكن
زوجها أن يقتحم عليها، وأخرجه النسائي في باب الرخصة في الطلاق الثلاث المجموعة (٢ :
٨٣)، وفي الرخصة في خروج المبتوتة من بيتها، وفي باب نفقة البائنة وفي نفقة الحامل المبتوتة
(٢: ١٠٢ و١٠٣)، وأبو داود في نفقة المبتوتة (١: ٣١١ - ٣١٣) من الطلاق، والترمذي في
باب المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة من الطلاق، وفي باب ما جاء أن لا يخطب الرجل
على خطبة أخيه من النكاح، وابن ماجه في باب من طلق ثلاثاً في مجلس واحد، رفي باب هل
تخرج المرأة في عدتها، وفي باب المطلقة ثلاثاً هل لها سكنى ونفقة، وأحمد في مسند فاطمة
بنت قيس (٦: ٤١١ - ٤١٧)، والبيهقي في باب مقام المطلقة في بيتها، وباب قول الله عز
وجل: ﴿إِلََّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] من كتاب العدد (٧: ٤٣١) وباب المبتوتة لا
نفقة لها من كتاب النفقات (٧: ٤٧١).
قوله: (عن فاطمة بنت قيس) هي القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس الذي وَلِيَ العراق
ليزيد بن معاوية، يقال: إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، وكانت من المهاجرات الأَوَل، وكانت
ذات جمال وعقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب رضيُته،
وخطبوا خطبتهم المأثورة، وقال الزبير: وكانت امرأة نجوداً، يعني نبيلة، قال أبو عمر: روى
عنها الشعبي وأبو سلمة، كذا في عمدة القاري (٩: ٦١٨).
قوله: (أن أبا عمرو بن حفص) اسمه عبد الحميد، وقال النسائي: أحمد، وقال غيره:
اسمه كنيته، وهو أبو عمرو بن حفص، ويقال: أبو حفص بن عمرو المخزومي، وهو ابن عم
خالد بن الوليد بن المغيرة، فخرج مع علي رظُبه لما بعثه النبي ◌َّه إلى اليمن، فبعث إليها بتطليقة
ثالثة بقيت لها، ومات هناك، وقيل: بقي إلى خلافة عمر نظريته، ورجح الحافظ الأول في فتح
الباري (٩: ٤٢١).
قوله: (طلقها البتة) يعني: طلقها طلاقاً بانت بها عنه وصارت مبتوتة، والذي يتلخص ومن
مجموع الروايات أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة، فبانت بها،
كما سيأتي عند المصنف في حديث (٣٥٨٦ و ٣٥٨٨).

٢٠٣
كتاب : الطلاق
وَهُوَ غَائِبٌ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرِ. فَسَخِطَتْهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ، مَالَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ.
فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلهَ فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لَّهُ. فَقَالَ: ((لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ)). فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي
بَيْتِ أُمْ شَرِيكٍ. ثُمَّ قَالَ: ((تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي. اعْتَدِي عِنْدَ ابْنٍ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ
رَجُلٌ أَعْمَى. تَضَعِينَ ثِيَابَكِ .
قوله: (وهو غائب) فيه أن حضور المرأة ليس بشرط لوقوع الطلاق.
قوله: (فأرسل إليها وكيله) وهو الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، كما سيأتي عند
المصنف من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في حديث (٣٥٨٨).
قوله: (بشعير) وفصلته في طريق أبي بكر بن أبي الجهم بخمسة آصع تمر وخمسة آصع
شعير، كما سيأتي في حديث (٣٦٠٠)، وقد وقع في طريق ابن أبي الجهم عند النسائي (عشرة
أقفزة، خمسة شعير وخمسة تمر)، وعند الترمذي (عشرة أقفزة، خمسة شعيراً خمسة براً) قال
الأبي: وكان إرسال هذا الشعير متعة فحسبته هي النفقة الواجبة عليه .
قوله: (فسخطته) أي: لم ترض بهذا القدر وتقالَّته، كما سيأتي.
قوله: (ليس لك عليه نفقة) سيأتي الكلام عليه .
قوله: (أم شريك) هي الأنصارية، قيل: هي بنت أنس بن رافع بن امرىء القيس بن زيد،
وقيل: بنت خالد بن حبيش الخزرجية، وقيل: هي بنت أبي العكر بن سمي، وذكرها ابن أبي
خيثمة من طريق قتادة قال: وتزوج النبي وَلّر أم شريك الأنصارية النجارية، وقال: إني أحب أن
أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرة الأنصار فلم يدخل بها، وقد أخرج مسلم في قصة
الجساسة في آخر الكتاب أنها كانت امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله عز وجل،
ينزل عليها الضيفان، هذا ملخص ما فى الإصابة للحافظ .
قوله: (اعتدي عند ابن أم مكتوم) وكان ابن عم لها، كما سيأتي في حديث (٣٦٠٤) وذكره
النسائي والدارمي أيضاً .
جواز نظر المرأة إلى الرجل:
قوله: (فإنه رجل أعمى) قال النووي: ((احتج بعض الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى
الأجنبي، بخلاف نظره إليها، وهذا قول ضعيف، بل الصحيح الذي عليه جمهور العلماء وأكثر
الصحابة أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي كما يحرم عليه النظر إليها لقوله تعالى: ﴿قُل
لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَدِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ [النور: ٣١] ولأن
الفتنة مشتركة وكما يخاف الافتتان بها، تخاف الافتتان به)) ثم احتج النووي بقوله ظلا لأم سلمة
وميمونة: ((أفعمياوان أنتما))؟ ثم قال: ((وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أم مكتوم فليس فيه

٠
٢٠٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَإِذَا حَلَلْتِ فَآَذِنِينِي)) قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْم
خَطَبَانِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((أَمَّا أَبُو جَهْمِ
إذن لها في النظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده من نظر غيرها، وهي مأمورة بغض بصرها فيمكنها
الاحتراز من النظر بلا مشقة، بخلاف بيت أم شريك)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وأما من قال بجواز نظر المرأة إلى الرجل فاستدل بما
أخرجه البخاري في باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم عن عائشة قالت: رأيت النبي وَله
يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى أكون أنا الذي أسأم)) وقال الحافظ
تحته: ((وظاهر الترجمة أن المصنف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبي، بخلاف
عكسه، وهي مسألة شهيرة، واختلف الترجيح فيها عند الشافعية، وحديث الباب يساعد من
أجاز، وقد تقدم في أبواب العيدين جواب النووي عن ذلك، بأن عائشة كانت صغيرة السن دون
البلوغ، أو كان قبل الحجاب .... ولكن تقدم ما يعكر عليه، وأن في بعض طرقه أن ذلك كان
بعد قدوم وفد الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة فكانت بالغة،
وكان ذلك بعد الحجاب)).
((وحجة من منع حديث أم سلمة المشهور: ((أفعمياوان أنتما؟)) وهو حديث أخرجه
أصحاب السنن، وإسناده قوي. والجمع بين الحديثين احتمال تقدم الواقعة، أو أن يكون في
قصة الحديث الذي ذكره نبهان (مولى أم سلمة) شيء يمنع النساء من رؤيته، لكون ابن أم مكتوم
أعمى، فلعله كان منه شىء ينكشف ولا يشعر به)).
ثم قال الحافظ: ((ويقوي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد
والأسواق والأسفار منتقبات، لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم
النساء، فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين. وبهذا احتج الغزالي على الجواز، فقال: لسنا
نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه، بل هو كوجه الأمرد في حق الرجل،
فيحرم النظر عنه خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا)) راجع فتح الباري (٩: ٢٧٧).
قوله: (فإذا حللت فآذنيني) يعني: إذا انقضت عدتك فأخبريني، كأنه ◌َّ و كان يريد منذ ذاك
أن يخطبها بأسامة بن زيد رؤيتها، وعليه فدل الحديث على جواز التعريض بالخطبة أثناء العدة.
قوله: (أبو جهم) هو ابن حذيفة القرشي العدوي، وهو غير أبي جهيم الذي روي عنه في
التيمم والمرور بين يدي المصلي، قال الزبير بن بكار: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة
الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمرين، حضر بناء الكعبة
مرتين حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة الذين تولوا دفن عثمان،
وأخرج البغوي من طريق حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: لما أصيب عثمان

٢٠٥
كتاب: الطلاق
فَلاَ يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ. وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوٌ لاَ مَالَ لَهُ.
أرادوا الصلاة عليه، فمنعوا، فقال أبو الجهم: دعوه فقد صلى الله عليه ورسوله وأخرج ابن أبي
عاصم عنه قال: ((لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلا خشية على عقلي)) كذا في
الإصابة للحافظ (٤ : ٣٥)
وثبت ذكره في الصحيحين من طريق عروة عن عائشة رضيها قالت: ((صلى النبي وَّل في
خميصة لها أعلام، فقال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها
ألهتني آنفاً عن صلاتي)) أخرجه البخاري في باب الأكسية والخمائص من كتاب اللباس (٢:
٨٦٥).
وهو الذي اشتهرت قصته في سقيه بعض شهداء يرموك، فقد روى ابن سابط أن أبا جهم
ابن حذيفة العدوي قال: ((انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شنة من ماء وإناء،
فقلت: إن كان به رمق سقيته من الماء، ومسحت به وجهه، فإذا أنا به ينشغ، فقلت له: أسقيك؟
فأشار أن نعم، فإذا رجل يقول (آ!) فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص
أخو عمرو بن العاص، فأتيته، فقلت أسقيك؟ فسمع آخر يقول: (آه)! فأشار هشام أن انطلق به
إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، ثم أتيت ابن عمي، فإذا
هو قد مات)) أخرجه عبد الله بن المبارك في باب هوان الدنيا على الله عز وجل من كتاب الزهد
والرقائق (ص: ١٨٥) حديث (٥٢٥).
قوله: (فلا يضع عصاه عن عاتقه) كناية عن كثرة ضربه للنساء، ووقع بذلك التصريح فيما
سيأتي من رواية ابن أبي الجهم عند المصنف، ولفظه: (وأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء)،
وفي طريق وكيع عنه: (منه شدة على النساء)، وفي روايته عند النسائي: (أما أبو جهم فرجل
شديد على النساء)، وفي رواية عبد الرحمن بن عاصم عند النسائي: (أما أبو الجهم فرجل
أخاف عليك قسقاسته) والقسقاسة: العصا، كما حكاه ابن الأثير في جامع الأصول (٨: ١٤١)
عن الأزهري، وبهذا يتبين خطأ من قال إنه كناية عن كثرة الأسفار.
قوله: (وأما معاوية فصعلوك) هو فقير لا مال له ولا اعتماد ولا احتمال، كما في مجمع
البحار أطلقه على معاوية مجازاً، ومبالغة في قلة ماله، ويؤخذ منه جواز المبالغة، وفي رواية
للنسائي (ترب لا مال له)، وفي أخرى له: (رجل أملق من المال)، وفي أخرى له: (غلام من
غلمان قريش لا شيء له).
ودل الحديث على أن المرأة لا بأس لها أن تنظر في مال خاطبها، هل يقدر على تكفلها
أم لا؟ فإن كان قليل المال بما يتعسر عليه أن يعول امرأة أعرضت عنه.
ودل الحديث أيضاً على أن بيان عيب الخاطب إلى المخطوبة في سياق المشورة ليس من
الغيبة المنهي عنها .

٢٠٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ)) فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ: ((انْكِحِي أُسَامَةَ)) فَنَكَحْتُهُ. فَجعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً،
وَاغْتَبَطْتُ به .
وفي الحديث فضيلة ظاهرة لمعاوية رضُبه، لأن النبي 18َ لم يذكر في وجه الإعراض عنه
إلا قلة ماله، والله سبحانه أعلم.
قوله: (انكحي أسامة بن زيد) استدل به الترمذي على أن خطبة الرجل على خطبة أخيه إنما
يحرم إذا علم من المرأة ركونها إلى الخاطب الأول، فأما إذا لم يعلم ذلك فلا بأس، وإلا لما
خطبها وي لأسامة بعد ما علم بخطبة أبي جهم ومعاوية يه، ولكن سيأتي في حديث (٣٥٩٦)
أن أسامة كان قد خطبها مع معاوية وأبي جهم وأنها قد ذكرت لرسول الله ولو خطبة هؤلاء
الثلاث جميعاً، فاختار رسول الله ﴿ أسامة بن زيد، وعليه فلا ينهض هذا الاستدلال بهذا
الحديث .
قوله: (فكرهته) لعلها كرهته لعدم كفاءته لها، لأنها قرشية وهو من الموالي، أو لكون
أسامة دميماً أسود، وبهذا تبين أن النكاح في غير الكفؤ لا بأس به إذا كان لأجل الدين والعلم
والخلق.
قوله: (فاغتبطت به) على البناء للمفعول، يعني: صارت مغبوطة تغتبطها النساء لحظ كان
لها من أسامة رُبه، وقيل: هو بالبناء للمعروف بمعنى المسرة، والله أعلم.
مسألة النفقة والسكنى للمبتوتة:
اعلم أن العلماء قد اتفقوا على وجوب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية، واختلفوا في
المبتوتة على ثلاثة أقوال مشهورة:
١ - قال أبو حنيفة وأصحابه: لها النفقة والسكنى على كل حال، سواء كانت حاملاً أو غير
حامل، وهو مذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وبه قال حماد وشريح والنخعي
والثوري وابن شبرمة والحسن بن صالح وعثمان البتي، وهو رواية عن ابن أبي ليلى.
٢ - قال أحمد وإسحاق وأهل الظاهر: لا نفقة لها ولا سكنى إلا إذا كانت حاملاً، وبه
قال الحسن البصري وعمرو بن دينار وطاوس وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشعبي، وروي ذلك
عن إبراهيم وابن أبي ليلى أيضاً.
٣ - قال الشافعي ومالك: لها السكنى على كل حال، ولا نفقة لها إلا إذا كانت حاملاً،
وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيدة، وروي ذلك عن ابن أبي
ليلى أيضاً. هذا ملخص ما في عمدة القاري (٩: ٦١٩) وأحكام القرآن للجصاص (٣: ٥٦٥)
سورة الطلاق.

٢٠٧
كتاب: الطلاق
احتج أحمد وإسحاق على عدم النفقة والسكنى بحديث الباب حديث فاطمة بنت
قیس ژا، فإنه صريح في عدم وجوبهما .
وأما الشافعي ومالك رحمهما الله فاستدلا بقول الله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن
وُجْدِكُمْ وَلَا نُضَارُوهُنَ لِيُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فإنه
سبحانه وتعالى جعل لها السكنى مطلقاً، وقيد وجوب النفقة بأن تكون حاملاً، والمفهوم حجة
عند الشافعي، فظهر أنه لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً .
وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فاستدل على مذهبه بالكتاب والأحاديث والآثار والقياس:
١ - قال الله عز وجل: ﴿وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٣)﴾ [البقرة: ٢٤١]
والمطلقات ههنا تعم الرجعية والمبتوتة، والمتاع يعم النفقة والكسوة، قال ابن جرير في تفسيره
(٢ - ٣٤٢): ((يعني: تعالى ذكره بذلك ولمن طلق من النساء على مطلقها من الأزواج متاع،
يعني بذلك ما يستمتع به من ثياب وكسوة ونفقة أو خادم إلخ)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ربما يخطر بالبال أن معنى النفقة في هذه الآية أظهر،
وذلك بدليل الآية التي سبقتها وهي: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَدْعًا
إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] والمتاع ههنا بمعنى النفقة والسكنى عند الجميع، وقد ساق
ابن جرير على ذلك أقوال جماعة من الصحابة والتابعين، فيمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى
أعقبه بحكم متاع المطلقات لما عسى أن يتوهم أن المتاع - وهو النفقة والسكنى - خاص
بالمتوفى عنها، فدفع هذا التوهم بقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ﴾ إلخ، والله سبحانه أعلم.
٢ - قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والسياق في
المطلقات ولا فرق بين المبتوتة والرجعية.
٣ - قال الله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ وَلَ نُضَازُوهُنَّ لُِضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ
أُؤْلَتِ حَمْلٍ فَأَنَفِقُواْ عَلَيْهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقد ذكر الإمام أبو بكر الجصاص تَفْهُ أن
هذه الآية تدل على وجوب النفقة على المطلق بوجوه ثلاثة؛
الأول: أن السكنى لما كانت حقاً في مال، وقد أوجبها الله بنص الكتاب، إذ كانت الآية
قد تناولت المبتوتة والرجعية، فقد اقتضى ذلك وجوب النفقة إذ كانت السكنى حقاً في مال،
وهي بعض النفقة .
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَ نُضَارُوهُنَّ﴾ والمضارة تقع في النفقة كما تقع في السكنى، (بل
وترك النفقة من أكبر الإضرار، كما يقول القرطبي في تفسيره (١٨ - ١٦٧).
الثالث: قوله تعالى ﴿لِنُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ والتضييق قد يكون في النفقة، وقال المارديني: ((فإن

٢٠٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قيل: المراد به السكنى إذ التضييق إنما هو في المكان، قلنا: هذا حمل للكلام على التكرار، إذ
السكنى مذكور أولاً لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم﴾، وفيما قلنا إثبات فائدة أخرى،
ولأن منع النفقة تضييق، ومنع السكنى ليس بتضييق، إذ الواجب أن تقيم في مكان واحد، فإذا
منعها منه تقيم حيث شاءت، وذلك توسعة، ذكر ذلك القدوري في التجريد)) كذا في الجوهر
النقي بهامش البيهقي (٧ - ٧٧٦).
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] فلا حجة في مفهومه، كما تقرر من
مذهب الحنفية، وإنما خصه الله سبحانه وتعالى بالذكر لأن مدة الحمل ربما تطول، فنبه بذلك
الناس على أن لا يحملهم طول المدة على ترك الإنفاق عليهن، وذكر أن ذلك واجب عليهم حتى
يضعن حملهن، ولم يكن هذا الشرط للاحتراز عن غير الحاملة.
والدليل على ذلك أن هذه الآية تنتظم الرجعية والمبتوتة كلتيهما، ولا خلاف أن الرجعية
لها النفقة وإن كانت غير حامل، فظهر أن مفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ﴾ غير معتبر في
حق الرجعية إجماعاً، فكذلك ينبغي في المبتوتة، وما أحسن ما قاله الجصاص تظّثُ في أحكام
القرآن (٣ - ٥٦٥ و٥٦٦)، تفسير سورة الطلاق:
وقوله تعال: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ قد انتظم المبتوتة والرجعية، ثم لا تخلو
هذه النفقة من أن يكون وجوبها لأجل الحمل، أو لأنها محبوسة عليه في بيته، فلما اتفق الجميع
على أن النفقة واجبة للرجعية بالآية لا للحمل، بل لأنها محبوسة عليه في بيته وجب أن تستحق
المبتوتة النفقة لهذه العلة، إذ قد علم ضمير الآية في علية استحقاق النفقة للرجعية، فصار كقوله
﴿فَأَنْفِقُواْ عَلَِهِنَ﴾ لعلة أنها محبوسة عليه في بيته، لأن الضمير الذي تقوم الدلالة عليه بمنزلة
المنطوق به)).
((ومن جهة أخرى، وهي أن نفقة الحامل لا تخلو من أن تكون مستحقة للحمل، أو لأنها
محبوسة عليه في بيته، فلو كانت مستحقة للحمل لوجب أن الحمل لو كان له مال أن ينفق عليها
من ماله، كما في نفقة الصغير في مال نفسه، فلما اتفق الجميع على أن الحمل إذا كان له مال
كانت نفقة أمه على الزوج لا في مال الحمل، دل على أن وجوب النفقة متعلق بكونها محبوسة
في بيته .... فإن قيل: فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب النفقة؟ قيل له: قد دخلت
فيه المطلقة الرجعية ولم يمنع نفي النفقة لغير الحامل، فكذلك في المبتوتة، وإنما ذكر الحمل
لأن مدته تطول وتقصر، فأراد إعلامنا وجوب النفقة مع طول مدة الحمل التي هي في العدة
أطول من مدة الحيض))(١).
(١) أحكام القرآن للجصاص (٣: ٥٦٥ و٥٦٦)، تفسير سورة الطلاق.

٢٠٩
كتاب : الطلاق
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ثم هناك وجه رابع لدلالة هذه الآية على وجوب النفقة
للمبتوتة، وذلك أن ابن مسعود به قرأ هذه الآية: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن
من وجدكم﴾ كما ذكره الآلوسي في روح المعاني (٢٨ - ١٣٩) سورة الطلاق ولا تنزل القراءة
الشاذة عن كونها في منزلة خبر الواحد.
٤ - أخرج الدارقطني في سننه (٤: ٢١، رقم: ٥٩ من كتاب الطلاق) من طريق حرب ابن
أبي العالية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي وَ ﴿ قال: ((المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة)) وقد
حقق العلامة العثماني في إعلاء السنن(١). أن رجاله ثقات على اختلاف في بعضهم، وكلهم
رجال مسلم إلا شيخ الدارقطني وشيخ شيخه .
واعترض عليه عبد الحق في أحكامه - كما حكى عنه الزيلعي - بأن أبا الزبير مدلس، فلا
يحتج بعنعنته عن جابر حتى يصرح بسماعه عنه، فكل ما رواه غير الليث عن أبي الزبير لا يحتج
به إذا لم يكن فيه سماع، وأجاب عنه العلامة العثماني في إعلاء السنن بأن مسلماً أورد عدة
أحاديث في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر، وهي غير مروية عن الليث(٢)، فتبين أن
القاعدة التي ذكرها عبد الحق غير مسلمة لدى الإمام مسلم، وإلا لما أورد هذه الطرق في
صحيحه .
واعترض عليه عبد الحق ثانياً بأن حرب بن أبي العالية لا يحتج به ولكنه من رجال مسلم،
كما في تهذيب التهذيب، وغاية أمره أنه راوٍ اختلفوا فيه، ومثله لا ينزل عن الحسن، وقال
المارديني: ((فإن قيل: حرب ضعفه ابن معين. قلنا: اختلف قوله فيه، كذا ذكر المزي وغيره،
وقد وثقه عبيد الله بن عمر القواريري، ويكفيه أن مسلماً أخرج له في صحيحه))(٣).
٥ - أخرج الطحاوي في شرح (معاني الآثار ٢ - ٣٥) من طريق حماد بن سلمة عن
حماد(٤) عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً، فأتت النبي ◌َّ فقال: لا نفقة
لك ولا سكنى، قال: فأخبرت بذلك النخعي، فقال: قال عمر بن الخطاب - وأخبر بذلك(٥) -
(١) إعلاء السنن (١١ : ١٠٤) باب أن المطلقة المبتوتة لها السكنى والنفقة.
(٢) قلت قد مر ذلك في باب جواز دخول مكة بغير إحرام من كتاب الحج في صحيح مسلم (١: ٤٣٩) فإنه
أخرج من طريق معاوية بن عمار الذهني عن أبي الزبير عن جابر بطرق مختلفة، وليس فيه ليث ولا تصريح
بسماع.
(٣) الجوهر النقي بهامش البيهقي كتاب النفقات (٧: ٤٧٧).
(٤) هو حماد ابن أبي سليمان، وقد صرح بذلك الجصاص في أحكام القرآن (٤: ٥٦٦).
(٥) يعني أخبر عمر نظريته بقصة فاطمة، وما رواه المارديني في الجوهر النقي عن القاضي إسماعيل صريح في
ذلك.

٢١٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لسنا بتاركي آية من كتاب الله تعالى وقول رسول الله وسلم لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعت
رسول الله ◌َو يقول: (لها السكنى والنفقة)، وأخرجه القاضي إسماعيل وابن حزم أيضاً، كما
ذكر عنهما المارديني في الجوهر النقي.
فهذا حديث مرفوع صريح في وجوب السكنى والنفقة للمبتوتة، وإبراهيم النخعي وإن لم
يدرك عمر، غير أن مراسيله صحيحة إلا حديثين، كما حكى المارديني عن ابن معين، وليس هذا
الحديث منهما، ذكر ابن عبد البر في التمهيد أن مراسيل النخعي صحيحة، وذكر بسنده عن
الأعمش: ((قلت للنخعي: إذا حدثتني حديثاً فأسنده، فقال: إذا قلت: عن عبد الله فاعلم أنه عن
غير واحد، وإذا سميت لك أحداً فهو الذي سميت)) قال أبو عمر: ((في هذا الخبر ما يدل على
أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده)»(١) وذكر في موضع آخر أن مراسيله عن ابن مسعود
وعمر صحاح كلها، وما أرسل منها أقوى من الذي أسند، حكاه يحي القطان وغيره كذا في
الجوهر النقي.
٦ - سيأتي عند المصنف في حديث الباب تحت الرقم ٣٥٩٧ من طريق أبي أحمد (وهو
الزبيري) عن عمار بن رزيق عن أبي إسحاق أن عمر بن الخطاب نظر ته قال بعد سماع حديث
فاطمة: ((لا نترك كتاب الله وسنة نبينا وَيقو لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى
والنفقة)) فقد صرح فيه عمر رضيله بأن قصة فاطمة معارضة بالكتاب والسنة جميعاً، وحكم الكتاب
والسنة في المبتوتة أن لها السكنى والنفقة، وقد تقرر في أصول الحديث أن قول الصحابي (السنة
كذا) في قوة الحديث المرفوع، فلو لم تكن عند عمر سنة مرفوعة في هذا الباب لما رد حديث
فاطمة .
واعترض عليه البيهقي بأن يحيى بن آدم قد رواه عن عمار بن رزيق ولم يقل فيه (وسنة
نبينا) وإنما هو تفرد من أبي أحمد الزبيري، ويحيى بن آدم أحفظ منه، وأجاب عنه المارديني بأنه
لا تعارض بين رواية يحيى بن آدم والزبيري، فإن الزبيري لم يخالفه، وإنما زاد زيادة لم يذكرها
يحيى، والزبيري أمام حافظ قال فيه محمد بن بشار: ما رأيت رجلاً أحفظ من الزبيري، فهذه
زيادة من ثقة فوجب أن تقبل .
ثم إن الزبيري لم يتفرد بهذه الزيادة، فإن له شواهد ومتابعات تالية :
(١) - سيأتي عند المصنف في هذا الباب (رقم: ٣٥٩٨) من طريق أحمد بن عبدة الضبي،
حدثنا أبو داود وحدثنا سليمان بن معاذ عن أبي إسحاق بهذا الإسناد نحو حديث أبي أحمد عن
عمار بن رزيق بقصته .
(١) التمهيد (١: ٣٧ و٣٨) باب بيان التدليس ومن يقبل نقله ويقبل مرسله إلخ.

٢١١
كتاب : الطلاق
٠
(٢) - أخرج البيهقي من طريق أشعث بن سوار، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن
الأسود عن عمر رضيُّه قال فيه (وسنة نبينا) واعترض عليه البيهقي بأن أشعث بن سوار ضعيف،
ولكنه يصلح للمتابعة لأنه وقد وثقه العجلي وابن معين، وقال ابن عدي: لم أجد لأشعث متناً
منكراً، إنما يغلط في الأحايين في الأسانيد ويخالف. وهو ممن أخرج له مسلم في المتابعات،
كما في ميزان الاعتدال.
(٣) - قال البيهقي: ((ورواه الحسن بن عمارة عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن الخليل عن
عمر نظُبه، قال فيه: وسنة نبينا)) ثم اعترض عليه البيهقي بأن الحسن بن عمارة ضعيف، والكلام
في الحسن بن عمارة معروف، ولكن أكثر ما نقموا عليه روايته عن الحكم، وأما روايته عن غيره
فلا تنزل عن كونها متابعة .
(٤) - أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٥ - ١٤٧) قال: ((حدثنا جرير عن مغيرة، قال:
ذكرت لإبراهيم حديث فاطمة بنت قيس فقال إبراهيم: لا ندع كتاب الله وسنة رسوله لقول امرأة
إلخ)) وذكر قول إبراهيم هذا من طريق وكيع عن سفيان عن سلمة ابن كهيل أيضاً. وبمثله أخرج
عبد الرزاق في مصنفه (باب عدة الحبلى ونفقتها ٧ - ٢٤ حديث: ١٢٠٢٧).
(٥) - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً (٥ - ١٤٨) قال: حدثنا وكيع قال نا جعفر بن
برقان عن ميمون بن مهران قال: قال عمر: ((لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة)).
فهذه متابعات خمسة لرواية أبي أحمد الزبيري، كلهم ذكروا الكتاب والسنة جميعاً، فلا
وجه لرد هذه الزيادة بمجرد الظن من غير دليل.
٧ - ثم إن مذهب أبي حنيفة تََّفُ مؤيد بآثار عمر وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله
وإبراهيم النخعي والشعبي وشريح كما أخرج عنهم ابن أبي شيبة، وسيأتي عند المصنف (رقم
٣٦٠٦). عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت: ما لفاطمة خير أن تذكر
هذا، قال: تعني قولها لا سكنى ولا نفقة، وأخرجه البخاري عن عروة أيضاً ولفظه: ((عن عائشة
أنها قالت ما لفاطمة ألا تتقي الله تعني في قولها لا سكنى ولا نفقة)) وقد أخرج الطحاوي أن
فاطمة كانت إذا ذكرت شيئاً من ذلك رماها أسامة بن زيد بما كان في يده؛ فهذا كله يدل على أن
المبتوتة تستحق السكنى والنفقة جميعاً عند هؤلاء الصحابة، وإنما أنكر عليها عمر نظر ته بمحضر
من أصحاب رسول الله ◌َّم فلم ينكر ذلك عليه منكر، فدل تركهم الإنكار عليه أن مذهبهم
کمذهبه .
وأما فاطمة بنت قيس رضيّا فالذي يظهر من مجموع الروايات أنها طلبت النقلة من بيت
زوجها لكونه في مكان وَحِشْ، وكانت تبذو وتطيل لسانها على أحمائها، فأخرجها النبي وَّه

٢١٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٨٢ - (٣٧) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمِ).
وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضاً: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيِّ) كِلايْهِمَا عَنْ أَبِي
حَازِم، عَن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ وَهِ. وَكَانَ
أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَّةَ دُونٍ. فَلَمَّا رَأَتْ ذُلِكَ قَالَتُ: وَاللَّهِ، لِأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ. فَإِنْ كَانَ لِي
نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيْئاً. قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذُلِكَ
لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((لاَ نَفَقَةَ لَكِ وَلاَ سُكْنَى)) .
٣٦٨٣ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ. فَأَخْبَرَتْنِي؛ أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ ظَلَّقَهَا.
فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ إِلَىْ رَسُولِ اللهِّ وَّهِ فَأَخْبَرَتْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((لَ نَفَقَةَ
لَكِ. فَانْتَقِلِي. فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَكُونِي عِنْدَهُ. فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى. تَضَعِينَ ثِيَابَكِ
عِنْدَهُ)) .
٣٦٨٤ _ (٣٨) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَيْبَانُ،
عَنْ يَحْيَى (وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ). أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ. أُخْتَ
الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، أَخْبِرَتْهُ؛ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا ثَلاَثاً. ثُمَّ انْطَلَقَ
إِلَى الْيَمَنِ. فَقَالَ لَهَا أَهْلُهُ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَّةٌ.
عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُِّنٍَّ﴾ [الطلاق: ١] وقد روي عن ابن عباس
في تفسير الفاحشة أنه قال: هو أن تبذو على أهله، كما أخرجه عنه عبد الرزاق(١).
وأما النفقة فقد ورد في حديث الباب أن وكيل زوجها أرسل إليها بنفقة شعير، ولكنها
تقالته، فيمكن أن يكون رسول الله ◌َو منعها من الزيادة عليها، فزعمت أن المبتوتة لا تستحق
النفقة، وإنما أنكر عمر عليها بهذا الزعم، ويحتمل أيضاً أنها لما انتقلت من بيت زوجها منعت
من النفقة أيضاً، لأن النفقة جزاء الاحتباس وقد فات. والله سبحانه أعلم، ثم رأيت
الجصاص تخلفهُ قد أول حديث فاطمة بعين ما ذكرت، فقال: «فلما كان سبب النقلة من جهتها
كانت بمنزلة الناشزة، فسقطت نفقتها وسكناها جميعاً)) راجع أحكام القرآن (٣: ٥٦٨) من سورة
الطلاق .
٣٧ - (٠٠٠) - قوله: (يعقوب بن عبد الرحمن القاري) هو بالياء المشددة، نسبة إلى قارة.
٣٨ - (٠٠٠) - قوله: (نفقة دون) كذا روي بالإضافة، وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى
(١) مصنف عبد الرزاق، كتاب النكاح باب إلا أن يأتين بفاحشة (٦: ٣٢٣ رقم: ١١٠٢٢).

٢١٣
كتاب: الطلاق
فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَه فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ. فَقَالُوا: إِنَّ أَبَا
حَفْصِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًاً. فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ.
وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ)). وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: ((أَنْ لاَ تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ)). وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمّ شَرِيكٍ. ثُمَّ
أَرْسَلَ إِلَيْهَا: ((أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ. فَانْطَلِقِي إِلَى ابْنِ أُمْ مَكْتُوم الأَعْمَى.
فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكٍ، لَمْ يَرَكِ)) فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا
رَسُولُ اللّهِ وَهِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةً .
٣٦٨٥ - (٣٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ.
ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا
أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. قَالَ: كَتَبْتُ ذُلِكَ مِنْ فِيهَا كِتَاباً. قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ
مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَطَلَّقَنِي الْبَثَّةَ. فَأَرْسَلْتُ إِلَى أَهْلِهِ أَبْتَغِي النَّفَقَّةَ. وَاقْتَصُوا الْحَدِيثَ بِمَعْنَىّ
حَدِيثٍ يَحْيَى بْنٍ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: ((لاَ
تَفُوتِینَا بِنَفْسِكِ)).
٣٦٨٦ - (٤٠) حدّثنا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. جَمِيعاً عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخَرَتْهُ؛ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ أَبِي عَمْرِو بْنِ
حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاَثِ تَظْلِيقَاتٍ. فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
الصفة، والدون: الرديء الحقير، قال الجوهري: ولا يشتق منه فعل، حكاه النووي.
قوله: (فانطلق خالد بن الوليد) قد سبق أن خالداً رظهبه كان ابن عم لأبي حفص زوج
فاطمة .
قوله: (لا تسبقيني بنفسك) يعني لا تفعلي شيئاً من تزويج نفسك قبل إعلامك لي بذلك،
وإنما قال ذلك رسول الله وَل لأنه كان يريد أن يخطبها بأسامة، وهذا هو التعريض بالخطبة،
وهو جائز لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
٣٩ - (٠٠٠) - قوله: (كتبت ذلك من فيها كتاباً) الكتاب هنا مصدر لكتبت، والمراد أنني
كتبت هذا الحديث بعد سماعه من فمها .
٤٠ - (٠٠٠) - قوله: (آخر ثلاث تطليقات) يعني: أنه قد طلقها طلقتين. ثم راجعها،
وكانت هذه الطلقة ثالثة، وقد مر في باب طلاق الثلاث ما أخرجه الدارقطني بخلافه، وأن ما
أخرجه المصنف هو الراجح.

٢١٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَسْتَفْتِيهِ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا. فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ الأَعْمَىَ. فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ
يُصَدِّقَهُ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا. وَقَالَ عُرْوَةُ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرِّتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةً بِنْتِ
قَيْسٍ.
٣٦٨٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ. حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ
عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. مَعَ قَوْلِ عُرْوَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذُلِكَ عَلَى
فَاطِمَةً.
٣٦٨٨ - (٤١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ) قَالاَ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ؛ أَنَّ أَبَا
عَمْرِو بْنَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْيَمَنِ. فَأَرْسَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ
فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ بِتَظْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْ طَلَاقِهَا وَأَمَرَ لَهَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِ وَعيَّاشَ بْنَ
أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَّةٍ فَقَالاَ لَهَا: وَاللَّهِ، مَالَكِ نَفَقةٌ إِلاَّ أَنْ تَكُونِي حَامِلاً. فَأَتَتِّ النَّبِيَّ ◌َِه
فَذَكَرَتْ لَهُ قَوْلَهُمَا. فَقَالَ: ((لاَ نَفَقَّةَ لَكِ)) فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الانْتِقَّالِ فَأَذِنَ لَهَا. فَقَالَتْ: أَيْنَ
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((إِلَى ابْنِ أُمْ مَكْثُوم)) وَكَانَ أَعْمَى. تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ وَلاَ يَرَاهَا. فَلَمَّا
مَضَتْ عِدَّتُهَا أَنْكَحَهَا النَّبِيُّ نَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا مَزْوَانُ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَسْأَلُهَا
عَنِ الْحَدِيثِ. فَحَدَّثَتْهُ بِهِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هُذَا الْحَدِيثَ إِلَّ مِنِ امْرَأَةٍ . سَنَأْخُذُ
بِالْعِضْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ، حِينَ بَلَغَهَا قَوْلُ مَرْوَانَ: فَبَيْنِي وَبَيْنَكُمُ
٤١ - (٠٠٠) - قوله: (فأذن لها) قال النووي: هذا محمول على أنه أذن لها في الانتقال
لعذر، وهو البذاءة على أحمائها أو خوفها أن يقتحم عليها أو نحو ذلك، وأما لغير حاجة فلا
يجوز لها الخروج وستأتي في الباب القادم مذاهب الفقهاء في هذا الصدد إن شاء الله.
قوله: (فأرسل إليها مروان) ووجه دخول مروان في هذه القصة ما أخرجه عبد الرزاق في
مصنفه (٧: ٢٢ حديث ١٢٠٢٥) عن معمر عن الزهري قال: ((أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن
عتبة أن عبد الله بن عمرو بن عثمان طلق وهو غلام شاب، في إمرة مروان، ابنة سعيد بن زيد،
وأمها ابنة قيس فطلقها ألبتة، فأرسلت إليها خالتها فاطمة بنت قيس، فأمرتها بالانتقال من بيت
زوجها عبد الله بن عمرو، فسمع ذلك مروان، فأرسل إليها، فأمرها أن ترجع إلى مسكنها،
فسألها ما حملها على الإنتقال، قبل أن تنقضي عدتها؟ فأرسلت تخبره أن فاطمة بنت قيس أفتتها
بذلك، وأخبرتها أن رسول الله وَّ رَ أفتاها بالخروج، أو قال: بالإنتقال، حين طلقها أبو عمرو بن
حفص المخزومي، فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة بنت قيس ليسألها عن ذلك)) ثم
ساق الحديث بمثل ما ذكره المصنف.
قوله: (سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها) العصمة هنا: الثقة والأمر القوي

٢١٥
كتاب: الطلاق
الْقُرْآنُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآيَةَ. قَالَتْ: هُذَا لِمَنْ
كَانَتْ لَهُ مُرَاجَعَةٌ. فَأَيُّ أَمْرِ يَحْدُثُ بَعْدَ الثَّلاثِ؟ فَكَيْفَ تَقُولُونَ: لاَ نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ
حَامِلاً؟ فَعَلاَمَ تَحْبِسُونَهَا؟
الصحيح الذي اعتصم به الناس وعملوا عليه ووقع في بعض النسخ (القضية) بدل (العصمة)، قاله
النووي والسنوسي .
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وفيه دليل على أن تعامل الناس كان بخلاف حديث فاطمة
بنت قيس في أمر السكنى، فهو حجة على من ينفي السكنى للمطلقة، وقد احتج المارديني بقول
مروان هذا على نفي النفقة أيضاً، ولكنه ضعيف، لأن سياق قول مروان في أمر السكنى
والخروج، وسيأتي قول فاطمة: فكيف تقولون لا نفقة لها؟ وهو يدل على أن مروان ومن وافقه
لا يثبتون النفقة للمبتوتة، والله أعلم.
قوله: (قالت: هذا لمن كانت له مراجعة) إلخ أرادت به الرد على قول مروان من منعه
المبتوتة من الانتقال من بيتها، واستدلت عليه بأن الآية إنما تضمنت نهي غير المبتوتة، بقرينة
قول الله سبحانه بعد ذلك: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، تقول: وأي أمر
يحدث بعد تمام الطلقات الثلاث؟ بخلاف غير المبتوتة، فإنها بصدد أن يحدث لمطلقها أمر، إما
بالإرتجاع، أو باستئناف نكاح.
وأجاب عنه الجصاص في أحكام القرآن (٣: ٥٦٤) بأن أول الآية ينتظم المبتوتة والرجعية
جميعاً، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُّهَا النَُّّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَةً وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ثُِّئَةٍ﴾ [الطلاق: ١] والدليل على
ذلك أن كل من أراد طلاق امرأته مأمور بهذه الآية أن يطلقها للعدة، ويدخل فيه من لم يبق من
طلاقها إلا واحدة، فهو مأمور أيضاً بأن يطلقها في طهرها فتبين أن أول الآية شامل لكل من أراد
الطلاق، سواء أراد الطلاق الرجعي أو البائن فكذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُهُنَّ﴾ يشمل الجميع.
أما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ
يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ١ و٢] بيان
لصورة مخصوصة مما سبق، وهو ما إذا طلقها طلاقاً رجعياً، وهو مثل قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ
يَتْرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه عام في البائن والرجعي، ولكن أعقبه الله سبحانه
بقوله: ﴿وَبُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَدِهِنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإنما هو حكم خاص في الرجعي، ولم يمنع ذلك أن
يكون قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] عاماً في الجميع.
قوله: (فعلام تحبسونها) اعترض منها على مروان بأنه يوجب للمبتوتة السكنى دون النفقة،
وحاصل اعتراضها أنكم لما لا توجبون النفقة فكيف تمنعونها من الخروج؟ مع أن النفقة جزاء

٢١٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٨٩ - (٤٢) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ وَحُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ
وَأَشْعَتُ وَمُجَالِدٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَدَاوُدُ. كُلُّهُمْ عَنِ الشَّعْبِيِّ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى
فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. فَسَأَلْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللّهِ وَ ه عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ.
فَقَالَتْ: فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهَ فِي السُّكْنَى وَالنَّفَقَةِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَجْعَلْ لِي سُكْنَى
وَلاَ نَفَقَّةً. وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أَبْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ .
٣٦٩٠ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ وَدَاوُدَ وَمُغِيرَةً
وَإِسْمَاعِيلَ وَأَشْعَثَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ
زُهَيْرٍ، عَنْ هُشَيْمٍ.
٣٦٩١ - (٤٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهُجَيْمِيُّ. حَدَّثَنَا
قُرَّةُ. حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَم. حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ. قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَتْحَفَتْنَا
بِرُطَبِ ابْنِ طَابٍ. وَسَقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ. فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثً أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي
بَعْلِي ثَلاَثً. فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ وَّرِ أَنْ أَعْتَدَّ فِي أَهْلِي.
٣٦٩٢ - (٤٤) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ
النَّبِّ ◌َِّ، فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلاثاً. قَالَ: (لَّيْسَ لَهَاً سُكْتَى وَلاَ نَفَقَةٌ)).
٣٦٩٣ - (٤٥) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا
عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. قَالَتْ: طَلَّقَنِي
زَوْجِي ثَلاَثًاً. فَأَرَدْتُ النُّقْلَةَ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ وََّ. فَقَالَ: ((انْتَقِلِي إِلَى بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ
عَمْرِو بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَاعْتَدِّي عِنْدَهُ)) .
٣٦٩٤ - (٤٦) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ. حَدَّثَنَا
عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: كُنْتُ مَعَ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ
الاحتباس، وهذا الاعتراض منها واقع على مذهب الشافعية، وأما الحنفية فإنهم يوجبون النفقة
مع السكنى، فلا ينهض قولها عليهم.
٤٣ - (٠٠٠) - قوله: (فأتحفتنا برطب ابن طاب وسقتنا سويق سلت) يعني: ضيفتنا برطب
ابن طاب، وهو نوع من تمر المدينة، وقد ذكر النووي أن أنواع تمر المدينة مائة وعشرون وأما
السلت فبضم السين، نوع من الحبوب، طبعه طبع الشعير في البرودة، ولونه لون الحنطة، ومن
ثم اختلفوا في بيعه بالحنطة أو الشعير متفاضلاً، وتمامه في شرح النووي.

٢١٧
كتاب: الطلاق
الأَعْظَمِ. وَمَعَنَا الشعْبِيُّ. فَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ بِحَدِيثٍ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّه لَمْ
يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً. ثُمَّ أَخَذَ الأَسْوَدُ كَفَّا مِنْ حَصَّى فَحَصَبَهُ بِهِ. فَقَالَ: وَيْلَكَ!
تُحَدِّثُ بِمِثْلِ هُذَا. قَالَ عُمَرُ: لَاَ نَتْرُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا بِهِ لِقَوْلِ امْرَأَةٍ. لاَ نَدْرِي
لَعَلَّهَا حَفِظَتَ أَوْ نَسِيَتْ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبِهِنٍَّ﴾ [الطلاق: ١].
٣٦٩٥ - (٠٠٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
مُعَاذٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ،
بِقِصَّتِهِ .
٣٦٩٦ - (٤٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي
بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرِ الْعَدَوِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: إِنَّ زَوْجَهَا
٤٦ - (٠٠٠) - قوله: (المسجد الأعظم) يريد مسجد الكوفة، فإن أبا إسحاق والأسود
والشعبي كلهم من أهل الكوفة.
قوله: (وسنة نبينا وَله) قد سبق أن البيهقي وغيره اعترضوا بأن هذه الزيادة غير محفوظة،
وسبق منا جوابه، وأن هذه الزيادة محفوظة مروية من الثقات.
قوله: (لعلها حفظت أو نسيت) قد ذكر بعض الأصوليين هذا الحديث وزادوا فيه:
((صدقت أم كذبت)) فتمسك به بعض ملاحدة عصرنا على أن الصحابة كان يكذب بعضهم بعضاً
في رواية الحديث فلا ثقة في رواياتهم أصلاً، ولكن ذلك جهل منهم بالأحاديث، فإن قوله
((صدقت أم كذبت)) إنما ذكره بعض الأصوليين من غير مراجعة كتب الحديث، فإنه لا يوجد في
شيء من الروايات إلا قول عمر (حفظت أو نسيت) قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود (٣ :
١٩٤): ((وما يرويه بعض الأصوليين لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم
كذبت، غلط ليس في الحديث، وإنما الذي في الحديث: حفظت أم نسيت)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: فغاية ما نقم عمر على فاطمة كونها لم تحفظ القصة
بتفاصيلها، وحاشاه أن يتهمها بالكذب على رسول الله والله. وحاصله أن خبرها ظني لا تقول به
حجة خلاف كتاب الله وخلاف السنن المشهورة، فقول عمر ربه من أكبر دلائل الحنفية على أن
خبر الواحد لا يجوز به تخصيص الكتاب ولا تقييده ولا الزيادة عليه .
٤٧ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي بكر بن أبي الجهم بن صخير) هكذا هو بالتصغير، ووقع في
بعض النسخ (صخر) والصواب المشهور هو الأول، وهو أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم،
ينسب إلى جده، ثقة من الرابعة كما في تقريب التهذيب.

٢١٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
طَلَّقَهَا ثَلاَثاً. فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةٌ. قَالَتْ: قَالَ لِي
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿: ((إِذَا حَلَلْتِ فَآَذِنِينِي)) فَآذَنْتُهُ. فَخَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ وَأَبُو جَهْم وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ تَرِبٌ لاَ مَالَ لَهُ. وَأَمَّا أَبُو جَهْم فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ
لِلنّسَاءِ. وَلْكِنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ)) فَقَالَتْ بِيَدِهَا هُكَذَا: أُسَامَةُ! أُسَامَةُ! فَقَالَ لَهَا رَّسُولُ اللَّهِ ◌َةُ :
((طَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ خَيْرٌ لَكِ)) قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَاغْتَبَطْتُ.
٣٦٩٧ - (٤٨) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ. قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: أَرْسَلَ إِلَيَّ زَوْجِي، أَبُو
عَمْرِو بْنُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِطَلاَقِي. وَأَرْسَلَ مَعَهُ بِخَمْسَةٍ آصُع تَمْرٍ،
وَخَمْسَةِ أَصُعِ شَعِيرٍ. فَقُلْتُ: أَمَالِي نَفَقَةٌ إِلَّ هَذَا؟ وَلا أَعْتَدُّ فِي مَنْزِلِكُمْ؟ قَالَ: لاَ. قَالَتْ:
فَشَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي. وَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَسِهِ. فَقَالَ: (كَمْ طَلَّقَكِ؟)) قُلْتُ: ثَلاَثًا. قَالَ:
((صَدَقَ. لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ. اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ عَمِّكِ ابْنِ أَمْ مَكْتُومٍ. فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ. تُلْقِي
ثَوْبَكِ عِنْدَهُ. فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ فَآَذِنِينِي)) قَالَتْ: فَخَطَبَنِي خُطَّابٌ. مِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ وَأَبُو
الْجَهْمِ. فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ مُعَاوِيَةَ تَرِبٌ خَفِيفُ الْحَالِ. وَأَبُو الْجَهْم مِنْهُ شِدَّةٌ عَلَى النِّسَاءِ.
(أَوْ يَضْرِبُ النِّسَاءَ، أَوْ نَحْوَ هُذَا) وَلَكِنْ عَلَيْكِ بِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ)) .
٣٦٩٨ - (٤٩) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم. حَذَّثَنَا سُفْيَانُ
الثَّوْرِيُّ. حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ. قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَلَى
فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. فَسَأَلْنَاهَا فَقَالَتْ: كُنَّتُ عِنْدَ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَخَرَجَ فِي
غَزْوَةِ نَجْرَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ. وَزَادَ: قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُهُ فَشَرَّفَنِي اللَّهُ
بِأبِي زَيْدٍ. وَكَرَّمَنِي اللَّهُ بِأبِي زَيْدٍ .
٣٦٩٩ - (٥٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
قوله: (فقالت بيدها هكذا) يعني أشارت بيدها كراهية لها لأسامة.
٤٨ - (٠٠٠) - قوله: (ضرير البصر) يسمى الأعمى ضريراً لأن به ضرر ذهاب العين.
قوله: (تلقى ثوبك) كذا هو في النسخ المعروفة، والقياس ((تلقين)»، ولكن ما في المتن لغة
صحيحة أيضاً، كما نبه عليه النووي.
قوله: (ترب) بفتح التاء وكسر الراء، هو الفقير، كأنه لا شيء عنده إلا التراب.
٤٩ - (٠٠٠) - قوله: (فشرفني الله بابن زيد) هكذا هو في أكثر النسخ، ووقع في بعضها
(بأبي زيد)) وهو صحيح أيضاً لأن أسامة كنيته أبو زيد.

٢١٩
كتاب : الطلاق
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو سَلَمَةَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، زَمَنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ .
فَحَدَّثَتْنَا؛ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا طَلاَقاً بَانًّا. بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ.
٣٧٠٠ - (٥١) وحدّثني حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ. حَدَّثَنَا
حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ الْبَهِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْچِي
ثَلاَثًاً. فَلَمْ يَجْعَلٌ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً.
٣٧٠١ - (٥٢) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي.
قَالَ: تَزَوَّجَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَكَمِ. فَطَلَّقُهَا فَأَخْرَجَهَا مِنْ
عِنْدِهِ. فَعَابَ ذُلِكَ عَلَيْهِمْ عُرْوَةٌ. فَقَالُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ قَدْ خَرَجَتْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ
فَأَخْبَرْتُهَا بِذْلِكَ فَقَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ خَيْرٌ فِي أَنْ تَذْكُرَ هذَا الْحَدِيثَ.
٥٢ - (٠٠٠) - قوله: (بنت عبد الرحمن بن الحكم) اسمها عمرة، على ما يظهر من شروح
البخاري، وعبد الرحمن هذا هو أخو مروان بن الحكم، ويحيى بن سعيد بن العاص كان أبوه
أمير المدينة لمعاوية، وهو أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، كذا في فتح الباري.
قوله: (فأخرجها من عنده) وفي رواية البخاري، ((فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة
إلى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها، قال مروان في حديث
سليمان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني)) فالظاهر من رواية البخاري أن الذي أخرجها هو
أبوها دون زوجها، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن زوجها أخرجها في مبدأ الأمر، ثم أمسكها
أبوها ولم يرض بأن يردها بعد إخراجها، والله سبحانه أعلم.
قوله: (ما لفاطمة بنت قيس خير أن تذكر) تعني: أنها تذكر هذا الحديث بما يوهم أن
حكم عدم النفقة والسكنى عام لسائر المبتوتات، مع أنه كان خاصاً بها لأنها انتقلت من بيت
زوجها لعذر الوحشة أو الاستطالة لسانها، وإنما منعت من النفقة لعدم الاحتباس، ولكنها لا
تذكر هذه الأعذار وتعمم الحديث، وقد أخرج البيهقي في كتاب العدد (٧: ٤٣٣) أن عائشة
كانت تقول لها: اتقي الله يا فاطمة، فقد علمت في أي شيء كان ذلك.
وفي ختام هذا الحديث يحسن بي أن أحكي عبارة للنووي كثّثه، حيث جمع ما في هذا
الحديث من فوائد، قال: ((واعلم أن في حديث فاطمة بنت قيس فوائد كثيرة، إحداها: جواز
طلاق الغائب، الثانية: جواز التوكيل في الحقوق في القبض والدفع، الثالثة: لا نفقة للبائن(١)،
الرابعة: جواز سماع كلام الأجنبية والأجنبي في الاستفتاء ونحوه، الخامسة: جواز الخروج من
منزل العدة للحاجة، السادسة: استحباب زيارة النساء الصالحات للرجال بحيث لا تقع خلوة
(١) هذا ذكره النووي على مذهبه، وقد حققنا فيما سبق خلافه.

٢٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٧٠٢ - (٥٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلاَثًاً.
وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ. قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ.
٣٧٠٣ - (٥٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ خَيْرٌ أَنْ تَذْكُرَ
هُذَا. قَالَ: تَعْنِيَ قَوْلَّهَا: لاَ سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةَ.
٣٧٠٤ - (٠٠٠) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى
فُلاَنَةَ بِنْتِ الْحَكَّم؟ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ. فَقَالَتْ: بِثْسَمًا صَنَعَتْ. فَقَالَ: أَلَمْ
تَسْمَعِي إِلَى قَوْلٍ فَأَطِمَةَ؟ فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لاَ خَيْرَ لَهَا فِي ذِكْرٍ ذُلِكَ.
(٧) - باب: جواز خروج المعتدة البائن،
والمتوفي عنها زوجها، في النهار، لحاجتها
٣٧٠٥ - (٥٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ
ابْنِ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح وَحَدَّثَنِي
محرمة لقوله ﴿ في أم شريك: ((تلك امرأة يغشاها أصحابي))، السابعة: جواز التعريض لخطبة
المعتدة البائن، الثامنة: جواز الخطبة على خطبة غيره إذا لم يحصل للأول إجابة، التاسعة :
جواز ذكر الغائب بما فيه من العيوب إذا كان للنصيحة، العاشرة: جواز استعمال المجاز
لقوله وشقيق: ((لا يضع العصا عن عاتقه ولا مال له))، الحادية عشرة: استحباب إرشاد الإنسان إلى
مصلحته وإن كرهها وتكرار ذلك عليه لقولها قال: انكحي أسامة فكرهته، ثم قال: انكحي
أسامة، الثانية عشرة: قبول نصيحة أهل الفضل والانقياد إلى إشارتهم وأن عاقبتها محمودة،
الثالثة عشر: جواز نكاح غير الكفؤ إذا رضيت به الزوجة والولي، لأن فاطمة قرشية وأسامة
مولى. الخامسة عشر: جواز إنكار المفتي على مفت آخر خالف النص أو عمم ما هو خاص لأن
عائشة أنكرت على فاطمة بنت قيس، السادسة عشر: استحباب ضيافة الزائر وإكرامه بطيب
الطعام والشراب سواء كان المضيف رجلاً أو امرأة)) كذا في شرح النووي تَظُّ.
(٧) باب: جواز خروج المعتدة البائن
والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها
٥٥ - (١٤٨٣) - قوله: (وحدثني محمد بن حاتم) إلخ هذا الحديث لم يخرجه البخاري،