النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ كتاب: الطلاق قَالَ: لَمْ أَسْمِعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ الأَبِيِهِ). ٣٦٥٥ - (١٤) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَال ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ (مَوْلَى عَزَّةً) يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُّوِ الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ذُلِكَ. كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضاً؟ فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ خَائِضٌٍ. عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَهِ. فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ تَلِ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ مَ: ((لِيُرَاجِعْهَا)) فَرَدَّهَا. وَقَالَ: ((إِذَا طَهَرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ)). قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلْقُوهُنَّ فِي قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ). ٣٦٥٦ - (٠٠٠) وحدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. نَحْوَ هذِهِ الْقِصَّةِ. ٣٦٥٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ (مَوْلِى عُرْوَةً) يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو ١٣ - (٠٠٠) - قوله: (قال: لم أسمعه يزيد على ذلك - لأبيه) هذه المقولة قائلها ابن طاوس، والضمير في قوله: (لم أسمعه) عائد إلى أبيه طاوس، ومراده أني سمعت من أبي هذا القدر من الحديث فقط، ولم أسمعه يزيد على ذلك شيئاً، وهنا انتهى كلام ابن طاوس، ثم أراد ابن جريج تلميذ ابن طاوس أن يفسر قول أستاذه، ويبين مرجع الضمير في المنصوب في قوله: (لم أسمعه)، فقال ابن جريج: (لأبيه) يعني: أن الضمير في قوله (لم أسمعه) مسوق لأبيه. قال النووي: ولو قال (أي: ابن جريج): (يعني أباه) لكان أوضح. ١٤ - (٠٠٠) - قوله: (فطلقوهن في قبل عدتهن) قال النووي: هذه قراءة ابن عباس وابن عمر وهي شاذة لا تثبت قرآنا بالإجماع. قال الأبي: وفي قراءة ابن مسعود: (لقبل طهرهن)، قال القشيري وغيره: وهي قراءة تفسير، قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وكان بعض الصحابة يزيدون في ألفاظ القرآن شيئاً لتفسيرها، ولما كان القرآن محفوظاً في الزبر والصدور لم يكن يخاف من ذلك أيُّ تحريف في القرآن، فمثل هذه الزيادات يقال لها قراءة تفسير، والصحيح أنها ليست من القرآن ولا من قراآتها، وإنما هي تفسير من الصحابة للقرآن، وإطلاق لفظ القراءة عليها تجوز، راجع لتحقيقه (النشر في القراءات العشر) لابن الجزري (١ - ٣١ و٣٢) وشرح الموطأ الزرقاني (١ - ٢٥٥) والإتقان (١ - ٧٩). ١٦٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ. بِمِثْلِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ. وَفِيهِ بَعْضُ الزِّيَادَةِ. قَالَ مُسْلِمُ: أَخْطَأَ حَيْثُ قَالَ: عُرْوَةَ. إِنَّمَا هُوَ مَوْلَى عَزَّةً. (٢) - باب: طلاق الثلاث ٣٦٥٨ _ (١٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. (وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِع) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ. قَالَ: كَانَ الطَّلاَقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَأَبِيَ بَكْرِ وَسَنَتَيْنٍ مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ، طَلاَقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجِلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ. (٠٠٠) - قوله: (وفيه بعض الزيادة) هي الزيادة التي أخرجها أبو داود: ((قال عبد الله : فردها علي ولم يرها شيئاً)) وقد مر الكلام عليها تحت حديث ٣٥٤٢. وأشار الحافظ ابن حجر في الفتح (٩ - ٣٠٨) إلى أن مسلماً طوى هذه الزيادة عمداً، لأنها مخالفة لما رواه أكثر الحفاظ، فلم يذكرها في صحيحه لكونها شاذة أو منكرة، وصنيع مسلم دليل للجمهور على أن الطلاق في الحيض واقع، والله سبحانه أعلم. قوله: (قال مسلم) إلخ يريد أن عبد الرحمن بن أيمن إنما هو مولى لعزة، وقد أخطأ الراوي في هذا الطريق حيث جعله مولى لعروة. وإن هذا الخطأ إنما نشأ من عبد الرزاق، لأنه هو الذي أخرجه في مصنفه (٦ - ٣٠٩ رقم: ١٠٩٦٠) هكذا، وأما ابن جريج فقد مر في حديث (٣٥٥٩) أنه قد روى عنه الحجاج بن محمد (مولى عزة) دون (عروة)، فضمير الفاعل في قول مسلم (أخطأ) راجع إلى عبد الرزاق. (٢) - باب: طلاق الثلاث ١٥ - (١٤٧٢) - قوله: (حدثنا إسحاق) إلخ أخرجه أيضاً النسائي وأبو داود في الطلاق، وأحمد في حديث ابن عباس (١ - ٣١٤) ولم يخرجه البخاري. قوله: (طلاق الثلاث واحدة) قوله: (طلاق الثلاث) بدل من قوله (كان الطلاق)، وقوله (واحدة) منصوب على أنه خبر كان، يعني: كانت الطلقات الثلاثة تعد واحدة في هذه العصور المباركة إذا نطق بها الرجل في مجلس واحد بنية التأكيد. قوله: (كانت لهم فيه أناة) الأناة بفتح الهمزة بمعنى المهلة، يعني كانت لهم فيه مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة، وجعلها في مجمع البحار (الأناءة) ممدودة وفرق بينها وبين (الأناة) المقصورة بأن المقصورة في معنى المهلة، والممدودة بمعنى التثبت وترك العجلة، ولم أجدها ١٦٣ كتاب: الطلاق فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ. ممدودة في شيء من الروايات إلا في مجمع البحار، فإنه ذكر الحديث تحت لفظ (الأناءة) دون (الأناة)، والله أعلم. قوله: (فلو أمضيناه عليهم) يعني: لكان حسناً، فالجزاء محذوف، أو يقال: (لو) ههنا للتمني لا للشرط، فلا حاجة إلى تقدير جزاء. قوله: (فأمضاه عليهم) يعني اعتبر الطلقات الثلاثة في القضاء محرمة على سبيل التغليظ ولو نطق بها الرجل في مجلس واحد بنية التأكيد. واعلم أن ههنا مسألتين: هل يجوز إيقاع الثلاث معاً؟ الأولى: هل يجوز إيقاع الطلقات الثلاثة معاً؟ فقال أبو حنيفة ومالك: إنه بدعة محرمة، وهو رواية عن أحمد، اختارها أبو بكر وأبو حفص، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وقال الشافعي: إنه غير محرم، إلا أن المستحب أن لا يجمع الثلاث في طهر، كما في المهذب للشيرازي (٢ - ٧٩) وهو مذهب أبي ثور وداود، ورواية عن أحمد اختارها الخرقي، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف والشعبي، كما في المغني لابن قدامة (٧ - ١٠٢). احتج الشافعي بقصة عويمر العجلاني، وفيها عند البخاري: ((فلما فرغا (يعني: من اللعان) قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً)» وفي رواية أحمد: ((ظلمتها إن أمسكتها، هي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق)) كما في نيل الأوطار (٦ - ١٥١) ولم ينكر عليه رسول الله سير في جمعه الطلقات الثلاثة في مجلس واحد، فدل على أنه غير محرم . واستدل أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما بما أخرجه النسائي (٢ - ٨٢) عن محمود بن لبيد قال: ((أخبر رسول الله وَّل عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟)) وسنده صحيح كما في الجوهر النقي، وقال ابن كثير: إسناده جيد كما في نيل الأوطار، وقال الحافظ في الفتح (٩ - ٣١٥): ((رجاله ثقات، لكن محمود بن لبيد ولد في عهد النبي ◌َّ ولم يثبت له منه سماع، وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيها بالسماع)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: غايته أن يكون مرسل صحابي، وهو حجة باتفاق بيننا وبين الشافعية، فلا يقدح في صحة الحديث. ١٦٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم واستدل الحنفية أيضاً بما أخرجه سعيد بن منصور عن أنس أن عمر كان إذا أُتي برجل طلق امرأته ثلاثاً أوجع ظهره، ذكره الحافظ في الفتح (٩ - ٣١٥) وقال: ((سنده صحيح)). ومعظم الروايات التي سوف تأتي في مسألة وقوع الطلقات الثلاثة جميعاً تدل على مذهب الحنفية في أنه لا يجوز جمعها في مجلس واحد. وأما قصة عويمر العجلاني فقد أجاب عنها الجصاص بقوله : ((هذا الخبر لا يصح للشافعي الاحتجاج به، لأن من مذهبه أن الفرقة قد كانت وقعت بلعان الزوج قبل لعان المرأة، فبانت منه ولم يلحقها طلاق، فكيف كان ينكر عليها طلاقاً لم يقع ولم يثبت حكمه؟ فإن قيل: فما وجهه على مذهبك؟ قيل له: جائز أن يكون ذلك قبل أن يسن الطلاق للعدة ومنع الجمع بين التطليقات في طهر واحد، فلذلك لم ينكر عليه الشارع التيلا، وجائز أيضاً أن تكون الفرقة لما كانت مستحقة من غير جهة الطلاق لم ينكر عليه إيقاعها الطلاق» كذا في أحكام القرآن للجصاص (١ - ٤٥٤). هل تعد الطلقات الثلاث واحدة؟ والمسألة الثانية: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس واحد أو بكلمة واحدة، هل يقعن جميعاً؟ وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: مذهب الأئمة الأربعة وجماهير العلماء من السلف والخلف، وهو أنه يقع به الثلاث جميعاً، وتصير المرأة بها مغلظة لا تحل لزوجها الأول حتى تنكح زوجاً غيره. وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر عبد الله بن عمرو وابن مسعود وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم، كما في المغني لابن قدامة (٧ - ١٠٤) وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي والحسن بن علي وعبادة بن الصامت رضيه أيضاً كما سيأتي. والثاني: أنه لا يقع بها شيء، وهو مذهب الشيعة الجعفرية كما جزم به الحلي الشيعي في شرائع الإسلام (٢ - ٥٧) وحكاه النووي عن الحجاج بن أرطاة وابن مقاتل ومحمد بن إسحاق أيضاً . والثالث: مذهب بعض أهل الظاهر وابن تيمية وابن القيم رحمهم الله، وهو أنه لا تقع بها إلا طلقة واحدة رجعية، وحكاه ابن قدامة عن عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعمرو بن دينار أيضاً، ولكنه غير موثوق به عن طاوس وعطاء: أما طاوس فلما أخرج الحسين بن علي الكرابيسي في أدب القضاء: أخبرنا علي بن عبد الله (وهو ابن المديني) عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن طاوس أنه قال: ((من حدثك عن طاوس أنه كان يروي طلاق الثلاث واحدة كذبه)). وأما عطاء، فلما روى ابن جريج، قال: قلت لعطاء: ((أسمعت ابن عباس يقول: طلاق البكر الثلاث واحدة؟ قال: لا، بلغني ذلك عنه)) ذكرهما العلامة ١٦٥ كتاب: الطلاق ٠٠ الكوثري كثّفُ في رسالته ((الإشفاق على أحكام الطلاق)) (ص - ٣٣ مطبعة مجلة الإسلام بمصر). احتج أهل الظاهر بحديث الباب، حيث صرح فيه ابن عباس رضيته بأن الطلقات الثلاثة كانت تعد واحدة على عهد رسول الله وَله، وبما رواه أحمد وغيره من قصة ركانة بن عبد العزيز بن عبد يزيد: ((عن عكرمة مولى ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو المطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، قال: فسأله رسول الله وَلل كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً، قال: فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت، قال: فراجعها)) كذا نقله ابن تيمية في فتاواه (٣ - ٢٢) وليس عندهم غير هذين الحديثين . أدلة الجمهور في وقوع الثلاث معاً: أما الجمهور فعندهم أحاديث كثيرة تدل على وقوع الطلقات الثلاثة وإن نطق بها الرجل في مجلس واحد، وإليك بعضاً منها : ١ - أخرج البخاري في باب من جوز الطلاق الثلاث عن عائشة: ((أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت، فطلق، فسئل النبي وَله: أتحل للأول؟ قال: لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول)) ومال الحافظ في الفتح (٩ - ٣٢١) إلى أن هذه الواقعة غير واقعة امرأة رفاعة، قال الحافظ: ((فالتمسك بظاهر قوله: طلقها ثلاثاً، فإنه ظاهر في كونها مجموعة)). ٢ - وأخرج البخاري أيضاً في ذلك الباب قصة عويمر العجلاني في اللعان، حيث قال فيها عويمر بعد اللعان: ((كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وَ الله)) قال العلامة الكوثري: ((ولم يرد في رواية من الروايات أنه ظلّلا أنكر عليه ذلك، فدل على وقوع الثلاث مجموعة، لأن الرسول و لو لم يكن ليدع الناس يفهمون وقوع الثلاث بلفظ واحد لو لم يكن هذا الفهم صحيحاً، وقد فهم منه ذلك الأمة جمعاء حتى ابن حزم حيث قال: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته، ولولا وقوع الثلاث مجموعة لأنكر ذلك عليه)) انتهى من (الإشفاق على أحكام الطلاق) ص - ٢٩. ٣ - أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٧ - ٣٣٦) عن سويد بن غفلة قال: ((كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي رضيُبه، فلما قتل علي رُّّه قالت: لتهنئك الخلافة، قال: بقتل علي تظهرين الشماتة؟ إذهبي فأنت طالق يعني ثلاثاً، قال فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى، ثم قال: لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الأقراء أو ثلاثاً مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجاً ١٦٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم غيره لراجعتها)). وإسناده صحيح، قاله ابن رجب الحنبلي الحافظ بعد أن ساق هذا الحديث في كتابه (بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة) كما في الإشفاق (ص - ٢٤) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ - ٣٣٩ باب متعة الطلاق) عن الطبراني وقال: وفي رجاله ضعف وقد وثقوا). ٤ - وقد مر ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد فيمن طلق امرأته ثلاثاً فغضب عليه رسول الله وَ﴾، وذكره ابن العربي معارضاً لحديث ابن عباس في الباب، فقال: ((ويعارضه حديث محمود بن لبيد، فإن فيه التصريح بأن الرجل طلق ثلاثاً مجموعة، ولم يرده النبي وَ لو بل أمضاه)) قال العلامة الكوثري: ((لعله يريد رواية غير رواية النسائي (لأنه ليس في رواية النسائي ما يصرح بإمضائها) وأبو بكر بن العربي حافظ واسع الرواية جداً، أو أراد أنه لو كان رده لذكر في الحديث، وغضبه ظلَّلا أيضاً يدل على وقوعها، وكفى هذا فيما يريده)). ٥ - أخرج الطبراني قصة طلاق ابن عمر امرأته حائضاً، وزاد في آخرها: ((يا رسول الله! لو طلقتها ثلاثاً كان لي أن أراجعها؟ قال: إذا بانت منك وكانت معصية)) قال الهيثمي بعد إيراده في مجمع الزوائد (٤ - ٣٣٦): ((رواه الطبراني وفيه علي بن سعيد الرازي، قال الدارقطني: ليس بذاك، وعظمه غيره، وبقية رجاله ثقات)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: علي بن سعيد الرازي قد ترجمه الذهبي في ميزان الاعتدال (٣ - ١٣١ ترجمة ٥٨٥٠) فقال: ((حافظ رحال جوال، قال الدار قطني: ليس بذاك، تفرد بأشياء، قلت: سمع جبارة بن المغلس وعبد الأعلى بن حماد، روى عنه الطبراني والحسن بن رشيق والناس. قال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ)) فتبين أنه لم يتكلم فيه إلا الدارقطني، وإنما تكلم فيه بألفاظ لينة، ولم يرض عليها الذهبي، ووثقه إسرائيل بن يونس وجعله الذهبي حافظاً، فلا يرد حديث مثله، ويشهد له ما مر عند المصنف (حديث ٣٥٤) من طريق نافع: (قال: فكان ابن عمر إذا سئل عن الرجل يطلق امرأته وهي حائض، يقول: وأما أنت طلقتها ثلاثاً فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك وبانت منك)) فظاهره أنه سمع ذلك عن رسول الله ◌َالچ . ٦ - واحتج النسائي على وقوع الثلاث جميعاً بقصة فاطمة بنت قيس، وفيها: ((إنه قد أرسل إليها بثلاث تطليقات، قالت: فقال رسول الله وَ له: إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة)) وقد ورد عند الدارقطني (٤ - ١١ و١٢) من طريق أبي سلمة: ((طلق حفص بن عمرو بن المغيرة فاطمة بنت قيس بكلمة واحدة ثلاثاً)) مما يدل على أن هذه الثلاث كانت مجموعة، فعلى هذا احتجاج النسائي بهذه القصة صحيح؛ ولكن ورد عند مسلم ما يعارضه، حيث جاء فيه: ((طلقها آخر ثلاث تطليقات))، وفي بعض الروايات: ((طلقها طلقة كانت بقيت من طلاقها)) مما يدل على أن الثلاث لم تكن مجموعة، فالراجح أن قصة فاطمة بنت قيس لا يصح ١٦٧ كتاب: الطلاق الاحتجاج بها لتعارض الروايات، أو لكون رواية مسلم راجحة على رواية الدارقطني، والله أعلم . ٧ - أخرج عبد الرزاق (٦ - ٣٩٣) والطبراني، واللفظ له، عن عبادة بن الصامت قال: ((طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله وَلير فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق أمنا ألفاً، فهل، له من مخرج؟ قال: إن أباكم لم يتق الله تعالى فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه)). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ - ٣٣٨ باب فيمن طلق أكثر من ثلاث): ((وفيه عبيد الله بن الوليد الوصافي العجلي، وهو ضعيف)) قلت: قال فيه أحمد: ((يكتب حديثه للمعرفة)) كما في الميزان (٣ - ١٧) فلذلك ذكرت حديثه هذا اعتضاداً لا استقلالاً. ٨ - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه (٦ - ٣٩٣ حديث: ١١٣٤٠) من طريق الثوري عن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب أنه رفع إلى عمر رجل طلق امرأته ألفاً، وقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر ظله بالدرة، وقال: ((إنما يكفيك من ذلك ثلاثة)) وأخرجه البيهقي (٧: ٣٣٤) أيضاً من طريق شعبة عن سلمة بن كهيل وكلا الطريقين رجالهما رجال الجماعة. ٩ - وأخرج البيهقي (٧ - ٣٣٤) من طريق سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن شقيق سمع أنس بن مالك يقول: قال عمر بن الخطاب رَُّبه في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، قال: ((هي ثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره)) وكان إذا أتي به أوجعه. ١٠ - وأخرج عبد الرزاق (٧ - ٣٩٤) عن إبراهيم بن محمد عن شريك بن أبي نمر قال: جاء رجل إلى علي، فقال: إني طلقت امرأتي عدد العرفج، قال: تأخذ من العرفج ثلاثاً وتدع سائره، قال إبراهيم: وأخبرني أبو الحويرث عن عثمان بن عفان مثل ذلك وشريك بن أبي نمر صدوق يخطىء، كما في التقريب، ولكن يشهد له ما أخرجه البيهقي (٧: ٣٣٤) من طريقين عن علي رَُّه فيمن طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، قال: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره. ١١ - أخرج مالك في موطئه (طلاق البكر ص: ٢٠٧) عن عطاء بن يسار قال: ((جاء رجل يسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يمسها، قال عطاء: فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال لي عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاصّ، والواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره» . ١٢ - أخرج عبد الرزاق (حديث ١١٣٤٣) عن معمر عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين، وإني سألت فقيل لي: قد بانت مني، فقال ابن مسعود: لقد أحبوا أن يفرقوا بينك وبينها، قال: فما تقول رحمك الله؟ . فظن أنه سيرخص له - فقال: ثلاث تبينها منك، وسائرها عدوان. ١٦٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٣ - وأخرج عبد الرزاق (١١٣٤٤) عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: ((من طلق امرأته ثلاثاً، طلقت وعصى ربه)) وأخرج البيهقي من طريق عبيد الله ابن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: ((إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل لم تحل له حتى تنكح زوجاً غیرہ)) . ١٤ - وأخرج مالك في الموطأ (باب طلاق البكر ص ٢٠٨): ((عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري أنه كان جالساً مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، قال: فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال عبد الله بن الزبير: إن هذا الأمر ما بلغ لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما ثم اتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجاً غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك. وإن هذا الحديث يرشدنا إلى أن هؤلاء الخمسة من الصحابة (عبد الله بن الزبير وعاصم ابن عمر وأبو هريرة وابن عباس وعائشة) كانوا متفقين على وقوع الطلقات الثلاثة بكلمة واحدة، أما مذهب أبي هريرة وابن عباس فظاهر، وأما عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فلأنهما استصعبا هذه المسألة في غير المدخول بها، فلو كان عدد الثلاث لغواً في المدخول بها لما استصعبا ذلك وأفتيا بعدم الوقوع في غير المدخول بها بالطريق الأولى، وإنما استصعبا المسألة لأنها كانت في غير المدخول بها وأما عائشة رضيُنا فلأن الظاهر من سياق القصة أنها كانت حاضرة عندما أفتى أبو هريرة وابن عباس بذلك. فهؤلاء فقهاء الصحابة أمثال عمر وعلي وعثمان وابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن عمرو وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير وعاصم بن عمر وعائشة كلهم مطبقون على وقوع الثلاث ولو نطق بها الرجل في مجلس واحد، وكفى بهم حجة واستناداً . الجواب عن الأدلة المعارضة: وأما حديث ابن عباس رضيبه في الباب فقد أجاب عنه الجمهور بأجوبة مختلفة بسطها الحافظ في الفتح (٩: ٣١٦ - ٣١٩) وأحسنها عندي جوابان: الأول: أن هذا الحديث قد ورد في صورة خاصة، وهي أن يكرر الرجل لفظ الطلاق بنية التأكيد لا بنية التأسيس، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكانوا أولاً على سلامة صدورهم يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار فأمضاه عليهم قضاء. ١٦٩ كتاب: الطلاق ٠٠ وهذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر: ((إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة)» وكذا قال النووي: إن هذا أصح الأجوبة. والثاني: أن قوله (ثلاثاً) محمول على أن المراد بها لفظ (البتة) كما سيأتي في حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضاً، وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها (البتة) والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن (البتة) إذا أطلقت حمل على الثلاث، إلا أن يريد المطلق واحدة فيقبل. فكأن بعض رواة الحديث حمل لفظ (البتة) على الثلاث لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث وإنما المراد لفظ (البتة). وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. كذا في فتح الباري. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويؤيده أن الصحابة أجمعوا في عهد عمر على صحة ما قضى به عمر، ولم ينكر أحد ذلك، ولو كان قضاءه قضاء مبتدعاً - والعياذ بالله - أو كان مخالفاً لقضاء رسول الله ولو لما رضي بذلك أحد من الصحابة فضلاً عن جميعهم. حتى أن ابن عباس نفسه - وهو الذي يروي حديث الباب وحديث ركانة كليهما - كان يفتي بلزوم الثلاث كما علمت آنفاً، وقد أخرج أبو داود بسند صححه الحافظ في الفتح من طريق مجاهد قال: ((كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس! يا ابن عباس! إن الله قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجاً، عصيت ربك وبانت منك امرأتك)). فلا يظن بابن عباس أنه كان عنده حكم من النبي وَّر ثم يفتي بخلافه إلا لمعنى ظهر له، وراوي الخبر أعلم من غيره بما روى. وأما حديث ركانة الذي يحتج به ابن تيمية وغيره فهو ما أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثاً في مجلس واحد، فقال النبي ◌َّ: ((إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت، فارتجعها)). والجواب عنه أن قصة طلاق ركانة قد اضطربت الروايات فيها، فروي عنه أنه طلق امرأته ثلاثاً كما في حديث ابن عباس عند أحمد، وروي عنه أنه طلق امرأته بلفظ (البتة) كما في حديث ركانة نفسه عند أبي داود، ولذلك أعلَّه البخاري بالاضطراب وضعفه ابن عبد البر في التمهيد، كما في التلخيص للحافظ (٣ - ٢١٣ رقم: ١٦٠٣) ورواية ابن عباس عند أحمد جعلها الجصاص وابن الهمام منكرة لمخالفته لرواية الثقات الأثبات الذين رووه بلفظ (البتة) وجعلها الحافظ ابن حجر معلولة في التلخيص الحبير. وإن أبا داود تَغْلَفُ قد رجح في سننه أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، لما أخرجه هو من ١٧٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم طريق آل بيت ركانة، وأهل البيت أدرى بالقصة من غيره، قال الحافظ في الفتح (٩ - ٣١٦): ((وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثاً، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: والحاصل أن ركانة ظله إنما طلق امرأته بقوله (أنت طالق البتة) ولم ينو بذلك إلا طلاقاً واحداً، فصدقه النبي وسل﴿ وأذن له بأن ينكحها مرة أخرى، وهو المراد بالارتجاع في الحديث، وزعم بعض الرواة أن المراد بالبتة ثلاث تطليقات فروى الحديث بلفظ الثلاث. ولو سلم أن الأمر على عكس ما قلنا، وأن ركانة كان طلق امرأته ثلاثاً، فرواه بعضهم بلفظ (ألبتة)، فلم يجعله رسول الله وسير طلاقاً واحداً إلا بعد أن حلفه بأنه لم ينو بذلك إلا تطليقة واحدة، لما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي، وفيه: ((فأخبر بذلك النبي وَلّ وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله عرضله: والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله وَ له)) فانظر كيف حلفه رسول اله وَله مرتين على أنه لم ينو إلا واحدة، وقدمنا أن دعوى نية التأكيد كانت مسموعة في القضاء على عهد النبي ومَثقه لخلو الزمان عن الكذب والخديعة، ولو كانت الطلاق الثلاث تعد واحدة على الإطلاق كما يزعمه ابن تيمية ومن وافقهم، لم يكن رسول الله وقدر ليحلفه على إرادة الواحدة، لأنه لا حاجة إلى النية حينئذ ولا فائدة في التحليف، فإن ابن تيمية ومن وافقه لا يشترطون النية في ذلك، وإنما يجعلون الثلاث واحدة ولو نواها المطلق ثلاثاً . فغاية ما يدل عليه حديث ركانة أن النبي وَ الر صدقه قضاءاً في نية التأكيد، وهو مسلم عندنا، وليس فيه ما يدل على أن الثلاث واحدة ولو نطقها الرجل بنية التأسيس، فسقط الاحتجاج به مطلقاً . ثم قال القرطبي: ((وحجة الجمهور في اللزوم من حيث النظر ظاهرة جداً، وهو أن المطلقة ثلاثاً لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجاً غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعاً وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشرع اتفاقاً في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال الولي: أنكحتك هؤلاء الثلاث، في كلمة واحدة انعقد، كما لو قال: أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذا في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. واحتج من قال إن الثلاث إذا وقعت مجموعة حملت على الواحدة بأن من قال: أحلف بالله ثلاثاً لا يعد حلفه إلا يميناً واحدة، فليكن المطلق مثله. وتعقب باختلاف الصيغتين، فإن المطلق ينشىء طلاق امرأته وقد جعل أمد طلاقها ثلاثاً، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً، فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحالف فلا أمد لعدد أيمانه، فافترقا كذا في فتح الباري. ١٧١ كتاب: الطلاق ٣٦٥٩ _ (١٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِع (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لإِبْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلاَثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلاَثًاً مِنَ إِمَارَةٍ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ. ٣٦٦٠ - (١٧) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لإِبنِ عَبَّاسٍ: هَاتٍ مِنْ هَنَاتِكَ. أَلَمْ يَكُنِ الطَّلاَّقُ الثَّلاَثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذُلِكَ. فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلاَقِ. فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ. (٣) - باب: وجوب الكفارة على من حرّم امرئته ولم ينو الطلاق ٣٦٦١ - (١٨) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامِ (يَعْنِي الدَّسْتَوَائِيَّ) قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيد بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قال الحافظ: ((وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد النبي ◌َّ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث، للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحداً في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، والله أعلم)). ١٧ - (٠٠٠) - قوله: (هات من هناتك) (الهنات) جمع (هن) مخففاً ومشدداً، وهو كناية عن شيء لا يذكر باسمه، وربما يطلق على خصال من الشر، كما في مجمع البحار. وقال النووي: المراد بهناتك: أخبارك وأمورك المستغربة. (٣) - باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق ١٨ - (١٤٧٣) - قوله: (عن ابن عباس) إلخ هذا الأثر أخرجه أيضاً البخاري في باب لم تحرم ما أحل الله لك من الطلاق، وابن ماجه في باب الحرام من الطلاق، وأخرجه أحمد في مسند ابن عباس (١ - ٢٢٥) وفيه أثر عمر أيضاً يوافقه. ١٧٢ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي الْحَرَامِ : يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٣٦٦٢ - (١٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ بِشْرِ الْحَرِيرِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ (يَعْنِي ابْنَ سَلاَّم) عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ أَنَّ يَعْلَى بْنَ حَكِيم أُخْبَرَهُ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسِ قَالَ: إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُشْرَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٣٦٦٣ - (٢٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَّيْرٍ يَّخْبِرُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِهُ قوله: (يقول في الحرام: يمين) إلخ يعني: إذا قال الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام فهو عند ابن عباس يمين يكفرها، واستدل عليه بفعل النبي ◌ُّر حيث حرم عليه بعض نسائه كما سيأتي ثم في قوله: (أنت عليَّ حرام) أربعة عشر مذهباً للفقهاء ذكرها النووي كثّفُ، وحكمه عند الحنفية أن المتكلم بذلك يُسأل عن نيته، فإن نوى به الإيلاء أو الظهار أو الطلاق الواحد البائن أو الطلقات الثلاثة قبلت نيته، وإن لم ينو شيئاً فهو إيلاء عند المتقدمين من مشايخ الحنفية، وطلاق بائن عند المتأخرين، وعليه الفتوى لغلبة العرف، وفي صورتين لا يقبل دعواه في النية، الأولى: أن يدعي أنه تكلم بذلك كذباً، فيرد قوله، ويجعل إيلاء عند المتقدمين، وطلاقاً بائناً عند المتأخرين، والثانية: أن ينوي بذلك طلاقين اثنين، فإنما تقع واحدة بائنة، لأن الاثنين عدد محض لا عبرة بنيته. هذا محصل ما في رد المحتار من باب الإيلاء (٣ - ٤٣٤). وأثر ابن عباس عندنا محمول على الصور التي ذكرنا أنها إيلاء. وقال الشافعي: إن نوى الطلاق أو الظهار فهو على حسب ما نوى وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا ظهار لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، ولا يكون ذلك يميناً، وإن لم ينو شيئاً ففيه قولان للشافعي، أصحهما يلزمه كفارة يمين، والثاني أنه لغو لا شيء فيه، ولا يترتب عليه شيء من الأحكام. كذا في شرح النووي، وراجعه لبقية المذاهب، وراجع كتب الفقه للفروع. ٢٠ - (١٤٧٤) - قوله: (حدثني محمد بن حاتم) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في الباب الثامن من الطلاق، وفي تفسير سورة التحريم، وفي الباب الخامس والعشرين من الأيمان، وفي باب ما يكره من احتيال المرأة للزوج في كتاب الحيل، وأخرجه أبو داود في الباب الحادي عشر من الأشربة والنسائي في الباب السابع والعشرين من الطلاق، وفي العشرين من الأيمان، وفي الرابع من النساء. وأخرجه أحمد في مسند عائشة (٦ - ٢٢١). ١٧٣ كتاب: الطلاق كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلاً. قَالَتْ: فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ؛ أَنَّ أَيََّنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ وَّرَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ ذُلِكَ لَهُ. فَقَالَ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ لَهُ)) فَنَزَلَ: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَ اللَّهُ لَكِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِن نَنُوبَا﴾ [التحريم: ١ - ٤] (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةً) قوله: (فتواطأت) كذا في النسخ المصرية، ووقع في النسخ الهندية (فتواطيت) بالياء، ومثله وقع في نسخة النووي، فقال: ((هكذا هو في النسخ (فتواطيت) وأصله (فتواطأت) بالهمز، أي: اتفقت)) ووقع في رواية الحسن بن محمد بن الصباح عند البخاري في الطلاق (فتواصيت). قوله: (أيتنا ما دخل) (ما) ههنا زائدة، وهي محذوفة في رواية الحسن عند البخاري في الطلاق . قوله: (ريح مغافير) المغافير بفتح الميم جمع المغفور بضم الميم، وذكر البخاري أن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرمث، وهو من الشجر التي ترعاها الإبل، وهو من الحمض، وفي الصمغ المذكور حلاوة، وذكر أبو زيد الأنصاري أن المغفور يكون أيضاً في العشر وفي الثمام والسلم والطلح، كذا في فتح الباري. وقال النووي: له رائحة كريهة ينضحه شجر يقال له العرفط. واختلف في ميم مغفور، فقيل: زائدة، وهو قول الفراء، وعند الجمهور إنها من أصل الكلمة، ويقال له أيضاً مغفار بكسر أوله، قاله الحافظ في الفتح. ثم لا يظن بمثل عائشة ﴿ثقا أنها احتالت بالكذب، وإنما كان نوعاً من التورية، وذلك أن تسأل رسول الله وَ﴾ (أكلتَ مغافير؟) بما يفهم منه أنها وجدت منه ريح مغافير، لا أن تصرح بالكذب، وهذا ظاهر في الرواية الآتية حيث قالت فيها عائشة: ((فقولي له: يا رسول الله! أكلتَ مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح؟)) فكل ذلك استفهام، وأما التصريح الذي وقع في هذه الرواية بأنها وجدت منه ريح مغافير، فلعله تصرف من أحد الرواة، والله سبحانه أعلم. قوله: (ولن أعود له) وزاد في رواية هشام بن يوسف عند البخاري في التفسير: (وقد حلفت، ولا تخبري بذلك أحداً) وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله: فنزل ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِمُ مَا أَعَلَّ اللّهُ لَكٌ﴾ [التحريم: ١] قال عياض: حذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد، فصار النظم مشكلاً، فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف، كذا في فتح الباري. قوله: (فنزل ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَمَلَّ اللَّهُ لَكِّ﴾) هذا صريح في أن سبب نزول الآية قصة العسل، وهو أحد الأقوال في تفسير الآية، والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم رسول الله وَل # مارية القبطية على نفسه وحلفه أن لا يطأها . وذكر الحافظ في باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها من نكاح الفتح (٩ - ٢٥٣) رواية ١٧٤ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِ حَدِينًا﴾ [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: (بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً). ٣٦٦٤ - (٢١) حدّثنا أَبُو كُريْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ هِ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ . أخرجها ابن مردويه من طريق يزيد بن رومان عن عائشة، وفيها ما يجمع بين القولين، فإنه زاد في آخر قصة العسل متصلاً: ((فلما كان يوم حفصة استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقاً، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أشهدك أنها عليَّ حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله وَ﴾ قد حَرَّم أمته، فنزلت)). فتبين من هذه الرواية أن القصتين قد وقعتا معاً(١)، ونزلت الآية بعدهما، فصح نسبتها إلى كلا السببين، والله أعلم. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وبهذا الجمع تظهر مناسبة هذا الحديث بالترجمة، فإما أن يكون واضع الترجمة يشير إلى أن آية التحريم نزلت في قصة العسل وقصة مارية معاً، وفي قصة مارية وقع تحريم المرأة، وهو المقصود بالترجمة، وإما أن يكون ذلك إشارة إلى أن قصة العسل وأمثالها صارت سبباً لإيلاء رسول الله وَ ﴿ من نسائه كما سيأتي تفصيله في الباب اللاحق. وبهذا يظهر وجه قول ابن عباس في الحديث السابق ((إذا حرم الرجل عليه امرأته فهي يمين يكفرها)) وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٢١ - (٠٠٠) - قوله: (يحب الحلواء والعسل) ليس ذلك من عطف الخاص على العام كما زعم بعضهم، وإنما العام الذي يدخل فيه الجميع هو الحلو بضم الحاء، ووقعت الحلواء في أكثر الروايات بالمد، وفي بعضها بالقصر، وقال الخطابي وتبعه ابن التين: لم يكن حبه وَليّ لها على معنى كثرة التشهي لها وشدة نزاع النفس إليها، وإنما كان ينال منها إذا أحضرت إليه نيلاً صالحاً، فيعلم بذلك أنها تعجبه، ويؤخذ منه جواز اتخاذ الأطعمة من أنواع شتى، وكان بعض أهل الورع يكره ذلك، ولا يرخص أن يأكل من الحلاوة إلا ما كان حلوه بطبعه كالتمر والعسل، وهذا الحديث يرد عليه، وإنما تورع عن ذلك من السلف من آثر تأخير تناول الطيبات إلى الآخرة مع القدرة على ذلك في الدنيا تواضعاً لا شحاً. كذا في كتاب الأطعمة من فتح الباري (٩ - ٤٨٣) . وذكر أبو منصور الثعالبي في فقه اللغة أن حلوى النبي ◌َّ التي كان يحبها هي المجيع (١) وهذا كله على تقدير صحة قصة مارية، ومن العلماء من أنكر صحتها، كالنسائي تقدّفه. ١٧٥ كتاب: الطلاق فَكَانَ، إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، دَارَ عَلَى نِسَائِهِ، فَيَدْنُو مِنْهُنَّ. فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ. فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ. فَسَقَتْ رَسُولَ اللّهِ بِّهِ مِنْهُ شَرْبَةٌ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ، لَنَحْتَالَنَّ لَهُ. فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِسَوْدَةَ . بالجيم وزن عظيم، وهو تمر يعجن بلبن. وفيه ردٌّ على من زعم أن المراد بالحلوى أنه وَ ل* كان يشرب كل يوم قدح عسل يمزج بالماء، وأما الحلوى المصنوعة فما كان يعرفها، وقيل: المراد بالحلوى الفالوذج، لا المعقودة على النار، والله أعلم. قاله الحافظ في الفتح. قوله: (فكان إذا صلى العصر دار) كذا للأكثر، وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة، فقال: الفجر، أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد، ويساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس، ففيها: ((وكان رسول الله وَل إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن كان عندها)) الحديث أخرجه ابن مردويه، ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلاماً ودعاءاً محضاً، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة أو نقول: إنه كان في أول النهار تارة وفي آخره تارة ولم يكن مستمراً في واحد منهما: ولكن المحفوظ في حديث عائشة ذكر العصر، ورواية حماد بن سلمة شاذة وراجع عمدة القاري (٩ - ٥٤٩). قوله: (فسألت عن ذلك) ووقع بيان ذلك فى رواية يزيد بن رومان عن عائشة عند ابن مردويه ولفظه: ((فقالت عائشة لجارية عندها حبشية يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل)) ذكره الحافظ في باب موعظة الرجل ابنته من النكاح (٩ - ٢٥٣). قوله: (عكة من عسل) العكة بضم العين آنية السمن أصغر من القربة وجمعه عكك، كما في القاموس، وكان هذا العسل من الطائف، كما هو مصرح في حديث ابن عباس عند ابن مردويه وذكره الحافظ. قوله: (لنحتالن له) قال الكرماني: كيف جاز على أزواج رسول الله وَل﴿ الاحتيال؟ فأجاب بأنه من مقضيات الغيرة الطبيعية للنساء وهو صغيرة معفو عنها مكفرة، كذا في عمدة القاري. قوله: (فذكرت ذلك لسودة) قد اختلفت الروايات في تسمية التي كان رسول الله وَ ل يشرب عندها العسل، وفي تسمية من احتالت خلافها، فقد مر في رواية عبيد بن عمير أن صاحبة العسل زينب، والمتظاهرتان عائشة وحفصة، وفي رواية هشام بن عروة أن صاحبة العسل حفصة، والمتظاهرات عائشة وسودة وصفية، وكلتا الروايتين أخرجهما الشيخان، وأخرج ابن مردويه من ١٧٦ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ، فَإِنَّهُ سيَدْنُو مِنْكِ. فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان، ووقع في تفسير السدي أن شرب العسل كان عند أم سلمة، أخرجه الطبري وغيره . فأما رواية السدي فهي مرجوحة بلا ريب، لإرسالها وشذوذها وللكلام المعروف في السدي، وأما الروايات الثلاثة الأخرى فمال الحافظ ابن حجر والعيني والكرماني والأصيلي إلى حملها على تعدد الوقائع، قالوا: وما المانع أن تكون قصة حفصة سابقة؟ فلما قيل له ما قيل، تركَ الشربَ من غير تصريح بتحريم ولم ينزل في ذلك شيء، ثم لما شرب في بيت زينب تظاهرت عائشة وحفصة على ذلك القول فحرم حينئذ العسل، فنزلت الآية. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولكن هذا التوجيه بعيد جداً، لكون المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين فكيف برسول الله وَر؟ ولأنه قد صرح في رواية هشام بن عروة أن سودة قالت: (سبحان الله! والله لقد حرمناه)) فإنه يدل بظاهره على أن رسول الله وَ لو كان قد حرم العسل في قصة حفصة، لا أنه ترك الشرب من غير تصريح بتحريم كما زعموا، فالأصح عندي ما اختاره القاضي عياض والقرطبي والنووي من أن رواية عبيد بن عمير هي الراجحة على غيرها، فصاحبة العسل هي زينب والمتظاهرتان عائشة وحفصة، وذلك لوجوه: الأول: أن طريق عبيد بن عمير أثبت إسناداً، كما صرح به النسائي والأصيلي والنووي والحافظ ابن حجر وغيرهم. والثاني: أنه أوفق بكتاب الله تعالى حيث قال: ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ إلخ [التحريم: ٤] و﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] كل ذلك بصيغة التثنية، وذلك يدل على أنهما كانتا اثنتين كما في رواية عبيد بن عمير، بخلاف رواية هشام، فإنها تدل على أنهن كن ثلاثاً . والثالث: أن البخاري أخرج عن عائشة أن نساء النبي وب لر كن حزبين: أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب، وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب. فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل، ولهذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها، بخلاف حفصة وسودة فإنهما كانتا من حزب عائشة. والرابع: أن روايات عبيد بن عمير مؤيدة بروايات عمر بن الخطاب وابن عباس رضيه، فإنه قد ثبت في حديثيهما أن المتظاهرتين عائشة وحفصة. فهذا كله مما يرجح رواية عبيد، وكأن الأسماء انقلبت على أحد الرواة في روايات هشام وابن أبي مليكة، صرح بذلك النووي وغيره والله سبحانه أعلم. وتعقبه الكرماني فقال: ((متى جوزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات)) ولكن الجواب عن ذلك سهل، لأن وقوع الأوهام في الأسماء وفي غيرها مما لا يتأثر به أصل الحديث شائع في ١٧٧ كتاب: الطلاق سَيَقُولُ لَكِ: لاَ. فَقُولِي لَهُ: مَا هُذِهِ الرِّيحُ؟ (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ) فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَقْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ. فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ . وَسأَقُولُ ذُلِكَ لَهُ. وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ. فَلَمَّا دَخِّلَ عَلَى سَوْدَةَ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِتَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي. وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقاً مِنْكِ. فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ قَالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: ((لاَ)) قَالتْ: فَمَا هُذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: ((سَقَتْنِي حَفْصةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ)) قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذُلِكَ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةً فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذُلِكَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: ((لاَ حَاجَةَ لِي بِهِ)). قَالَتْ تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ، لَقَدْ حَرَمْنَاهُ. روايات الأئمة الحفاظ، وذلك لا يقدح في الوثوق بأصل الحديث، كما سبق في أول كتاب الرضاع في تسمية أفلح عم عائشة من الرضاع؛ وقال الحافظ ابن حجر: ((لا يلزم من وهم الراوي في لفظةٍ من الحديث أن يطرح حديثه كله)) راجع فتح الباري (٩ - ٢٤٩) باب موعظة الرجل ابنته من النكاح تحت حديث عمر: قوله: («فصليت صلاة الفجر مع النبي اَلّ". قوله: (جرست) أي: رعت، وقال الخليل: جرست النحل العسل تجرسه (من باب نصر) جرساً، إذا لحسته، وقال الحافظ: لا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل، كذا في فتح الباري. قوله: (العرفط) بضم العين والفاء من شجر العضاه، والعضاه كل شجر له شوك، ويقال: هو نبات له ورقة عريضة تفرش على الأرض له شوكة حجناء وثمرة بيضاء كالقطن مثل زر القميص خبيث الرائحة، يلحسه النحل، فقيل: هو الشجر الذي صمغه المغافير. قاله العيني. قوله: (كدت أن أبادئه) وفي بعض الروايات (أبادره) وفي بعضها (أناديه) والمعنى أني كنت أهاب عائشة وأخاف أن تغضب عليَّ إذا أنا أبطأت في سؤال رسول الله وَ لّ عما علمتني عائشة، فكدت أن أبادره بالسؤال عن ذلك وهو بالباب قبل أن يدخل البيت. وإنما كانت سودة تهاب عائشة لما تعلم من مزيد حب النبي وَلّ إياها فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها، وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي وَّة، ولا تحتمل ذلك، فهذا معنى خوفها منه، قاله الحافظ. قوله: (فلما دخل على حفصة) يعني في اليوم الثاني. قوله: (سبحان الله! والله لقد حرمناه) قالت ذلك تندماً على ما فعلت، وفيه إشارة إلى ورعها، لأنها وافقت أولاً على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل، ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل، ولكن أنكرت بعد ذلك أنه ١٧٨ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا : اسْكُتِي. (٠٠٠) قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْقَاسِم. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، بِهِذَا، سَوَاءَ. وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيٍّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ (٤) - باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلا بالنية ٣٦٦٥ - (٢٢) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حِ وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ يترتب عليه منع النبي ◌َّر من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل، فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك، ولم تجسر على التصريح بالإنكار، ولا راجعت عائشة بعد ما قالت لها (اسكتي) بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها، كذا في فتح الباري. قوله: (اسكتي) كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر ما دبرته، من احتيالها لحفصة. وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي ◌ّ﴿ حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به، حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدراً . ثم في هذا الحديث فوائد؛ منها: أن الغيرة مجبولة في النساء طبعاً فالغيراء تعذر في ما يقع منها من احتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان، قاله الحافظ. ومنها: أن عماد القسم الليل، وأن النهار يجوز فيه الاجتماع بالجميع بشرط ترك المجامعة إلا مع صاحبة النوبة . ومنها : أن الأدب استعمال الكنايات فيما يستحيى من ذكره، كما في قوله في الحديث ((فيدنو منهن)) والمراد التقبيل والتحضين لا مجرد الدنو. ومنها: أن فيه فضيلة الحلواء والعسل لمحبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياهما . ومنها أن فيه بيان صبر النبي وسل و غاية ما يكون، ونهاية حلمه وكرمه الواسع. كذا في عمدة القاري (٩ - ٥٥١). (٤) - باب: بيان أن تخييره امرأته لا يكون طلاقاً إلا بالنية ٢٢ - (١٤٧٥) - قوله: (أن عائشة قالت) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم، وفي تفسير الأحزاب، والنسائي في الباب الثاني من النكاح وفي باب التوقيت في الخيار من الطلاق، والترمذي في تفسير الأحزاب، وابن ماجه في باب ١٧٩ كتاب: الطلاق رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ بِتَخْبِيرٍ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي. فَقَالَ: ((إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً. فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأُمِرِي أَبَوَيْكِ)) قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ الرجل يخير امرأته من الطلاق، وأحمد في مسند عائشة (٦ - ١٠٣ و ١٦٣ و٢٤٨). قوله: (بتخيير أزواجه) اختلفت الروايات في سبب هذا التخيير، فورد في بعضها أن سببه قصة المتظاهرتين وهي قصة العسل، كما عند البخاري في باب موعظة الرجل ابنته من النكاح، وفي بعضها أن سببه سؤال النفقة، كما سيأتي عند المصنف في حديث جابر نظريته، وفي بعضها غير ذلك، ولما كانت هذه القصص متقاربة ربما اختلطت على من لم يعرف حقيقة الأمر، فلنورد لك هذه القصص مرتبة. فاعلم أن غضبه وَّل من أزواجه واعتزاله عنهن وتخييرهن كان لأسباب متعددة متوالية، فوقعت أولاً قصة العسل، ثم قصة مارية رؤيتنا إن صحت، فحرم رسول الله وَّر العسل على نفسه من أجل ذلك، فنزلت آيات التحريم، ثم اجتمعت أزواج النبي ونَ﴿ عليه يسألنه زيادة النفقة كما سيأتي في حديث جابر، وحدثت بعض الأمور الأخرى التي ستأتي هناك، فآلى رسول الله اليه من أزواجه واعتزلهن شهراً، كما سيأتي في حديث عمر وابن عباس، حتى إذا فرغ من إيلائه نزلت آية التخيير التي خير من أجلها رسول الله وَ له نساءه بين المكث معه وبين الفراق. هذا ما يتلخص من فتح الباري (٨: ٤٠٠ تفسير الأحزاب و ٩: ٢٥٣ و٢٥٤ باب موعظة الرجل ابنته من النكاح)، والله سبحانه أعلم. قوله: (فلا عليك أن لا تعجلي) أي: فلا بأس عليك في التأني وعدم العجلة حتى تشاوري أبويك. قوله: (حتى تستأمري أبويك) أي: تطلبي منهما أن يبينا لك رأيهما في ذلك، ووقع في حديث جابر: ((حتى تستشيري أبويك)) وزاد محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة: ((إني عارض عليك أمراً، فلا تفتاني فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان)) أخرجه أحمد والطبري. ويستفاد منه أن أم رومان كانت يومئذ موجودة، فيرد به على من زعم أنها ماتت سنة ست من الهجرة، فإن التخيير كان في سنة تسع، كذا في فتح الباري (٨: ٤٠١). قوله: (قد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه) ووقع في رواية عمرة عن عائشة في هذه القصة: ((وخشي رسول الله (َ﴾ حداثتي)) والمراد أن رسول الله وَل﴿ إنما أمرها باستثمار أبويها خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الشق الآخر. وفيه منقبة عظيمة لعائشة من وجوه: الأول: أنه وَلجر بدأ بها قبل سائر الأزواج، وما ذلك إلا لفضيلتها عنده. والثاني: أن النبي ◌َّه لم يكن يحب فراقها، حتى عند التخيير، ولذلك أمرها باستشارة أبويها، حباً لها ونصحاً لأمرها. ١٨٠ الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَتَهَا ، وَلِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ ٢٨ فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَمِعْكُنَّ سَرَاحًا جميلًا اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٨ -٢٩] قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هذا ٢٩ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعلَ أَزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ بِ لهِ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ. ٣٦٦٦ - (٢٣) حدّثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عبَّادٍ، عَنْ عَاصِم، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يَسْتَأْذِنْنَا. إِذَا كَانَ فِي يَوْمَ الْمَرْأَةِ مِنَّا. بَعْدَمَا نزَلَتْ: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُغْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَآءٌ﴾ [الأحزاب: ٥١] فَقَالَتْ لَهَاَ مُعَاذَةُ : فَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا اسْتَأْذَنَكِ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أَقُولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ لَمْ أُوْثِرْ أَحَداً عَلَى نَفْسِي . والثالث: أنها لم تتوقف في اختيار رسول الله سير فدل ذلك على كمال عقلها وصحة رأيها مع حداثة سنها، ظّنا وأرضاها . قوله: (﴿إِن كُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا﴾) إلخ الظاهر من الآيات والأحاديث أن النبي ◌َّ خيرهن بين الدنيا فيطلقهن، وبين الآخرة فيمسكهن، وهذا القدر متفق عليه، ثم اختلف العلماء هل كان رسول الله ◌َّ﴿ فوض إليهن الطلاق، أم وعدهن بالطلاق عند اختيارهن الدنيا؟ فالظاهر من أحاديث عائشة هو الأول، وهو قول مجاهد والشعبي ومقاتل، واختار الحسن وقتادة الثاني، وهو المؤيد بما أخرجه أحمد عن علي قال: ((لم يخير رسول الله صلو نساءه إلا بين الدنيا والآخرة)). هذا ملخص ما في عمدة القاري (٩ - ٩٥) وفتح الباري (٨ - ٤٠١). قوله: (في أي هذا أستأمر)؟ تعني أن الأمر واضح لا حاجة فيه إلى مشاورة الأبوين، وفي رواية محمد بن عمرو: ((فقلت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أوامر أبوي أبا بكر وأم رومان، فضحك)) وفي رواية عمر بن أبي سلمة عند الطبري: (ففرح). ٢٣ - (١٤٧٦) - قوله: (حدثنا سريج بن يونس) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير الأحزاب وأبو داود في النكاح، والنسائي في عشرة النساء. قوله: (يستأذننا إذا كان في يوم المرأة منا) تعني: أنه وَّ إذا كان في نوبة إحدانا وأراد التوجه إلى الأخرى استأذن صاحبة النوبة، وقولها: (في يوم المرأة) بإضافة اليوم إلى المرأة، ويروي: (في اليوم المرأة) بنصب المرأة، والمراد اليوم الذي تكون فيه نوبتها. وأما قول الله تعالى: ﴿تُرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، فقد مَرَّ تفسيره في باب جواز هبتها نوبتها لضرتها في أواخر كتاب الرضاع. قوله: (لم أوثر أحداً) قال النووي: هذه المنافسة فيه وسلو ليست لمجرد الاستمتاع ولمطلق