النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
كتاب: الرضاع
هُرَيْرَةَ. وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
النسائي والطحاوي وأحمد، فإنه منظلَّل قال لها: ((وأما أنت فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخ)) كما
مر، فالأمر بالاحتجاب ههنا ليس بالنظر إلى الباطن فحسب، وإنما هو مقتضى الظاهر والباطن
جميعاً، فلا علاقة لهذا الحديث بمسألة نفاذ القضاء باطناً .
ولو سلم إثبات نسبه منه، فقد صرح النووي تتّتُ بأن الأمر بالاحتجاب لم يكن إلا
للاحتياط، وقد ذكر الحافظ في الفتح أن كثيراً من الشافعية جعلوه من خصائص أمهات
المؤمنين، ولو كان هذا الأمر مبنياً على عدم نفاذ القضاء في الباطن لكان أمراً واجباً عاماً، ولا
معنى حينئذ للقول بالاحتياط والخصوصية، والله سبحانه أعلم.
هذا، وستأتي هذه المسألة بتفاصيلها في كتاب الأقضية إن شاء الله تعالى.
٥ - مسألة ثبوت المصاهرة من الزنا:
قال الحافظ في الفتح (١٢ - ٣٢): ((واستدل به (يعني بحديث الباب) على أن لوطأ الزنا
حكم وطأ الحلال في حرمة المصاهرة، وهو قول الجمهور (ومنهم الحنفية). ووجه الدلالة أمر
سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزاني، وقال مالك في المشهور عنه،
والشافعي: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوج أم التي زنى بها وبنتها، وزاد الشافعي،
ووافقه ابن الماجشون: والبنت التي تلدها المزني بها. ولو عرفت أنها منه.
((قال النووي: هذا احتجاج باطل، لأنه على تقدير أن يكون من الزنا فهو أجنبي من
سودة، لا يحل لها أن تظهر له، سواء ألحق بالزاني أم لا، فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة
من الزنا، كذا قال (يعني النووي) وهو رد للفرع برد الأصل، وإلا فالبناء الذي بنوه صحيح)"
انتهى كلام الحافظ .
قال العبد الضعيف: لعله يريد أن هذا الاستدلال إنما يتم على مذهب من يعترف بأن
النبي ◌َ ر ألحق الولد بزمعة، ووجه الدلالة أنه غلّلا ألحق الولد بزمعة بحكم الفراش، مع أنه كان
مخلوقاً من الزنا في نفس الأمر، فراعى رسول الله وَ ◌ّ ر الجانبين، فقضى بالولد لعبد رعاية لجانب
الفراش، وأمر سودة بالاحتجاب، لأنه كان من ماء عتبة في نفس الأمر، فدل ذلك على أن ماء
الزنا مؤثر في أحكام الحجاب، وليس ذلك إلا لأنه يحدث صهراً .
وأما على تقدير ما حققنا من أنه نظّلا لم يلحق الولد بزمعة، فلا حجة فيه لأحد في مسألة
المصاهرة، وراجع لبقية أدلة الحنفية في هذه المسألة إعلاء السنن (١١ - ٢٠) باب من زنى بامرأة
حرمت عليه أمها وبنتها .
تواتر هذا الحديث:
ثم إن حديث ((الولد للفراش)) قد عده السيوطي من الأحاديث المتواترة، كما في تكملة

١٠٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ. وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ أَوْ أَبِي
سَلَمَةَ. وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمٍَ.
(١١) - باب: العمل بإلحاق القائف الولد
٣٦٠٢ - (٣٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ:
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُوراً،
شرح المهذب للمطيعي (١٦ - ٤٠٠)، وقال ابن عبد البر: هو من أصح ما يروى عن النبي وَّل
جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة، وراجع لأسمائهم فتح الباري (١٢ - ٣٣) وعمدة
القاري (١١ - ١١٠) وشرح المهذب (١٦ - ٤٠٠) والله سبحانه وتعالى أعلم، وعلمه أتم
وأحكم.
(١١) - باب: العمل بإلحاق القائف الولد
القائف: من يتتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع قافة، يقال:
فلان يقوف الأثر ويقتافه قيافة، مثل قفى الأثر واقتفاه، كذا في عمدة القاري (٧ - ٥٢٣) وقال
الحافظ: سمي بذلك لأنه يقفو الأثر أي يتبعها، فكأنه مقلوب من القافي، كذا في فتح الباري
(١٢ : ٤٨).
وكان يقال: في علوم العرب ثلاثة: السيافة والعيافة والقيافة، فالسيافة: شم تراب
الأرض، فيعلم بها الاستقامة على الطريق أو الخروج عنها، والعيافة: زجر الطير والطيرة
والتفاؤل ونحو ذلك، والقيافة اعتبار الشبه بإلحاق النسب، كذا في شرح الأبي.
٣٨ - (١٤٥٩) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في باب صفة النبي وتَالعقد
ومناقب زيد بن حارثة من كتاب المناقب، وفي باب القائف من الفرائض، والنسائي وأبو داود
في باب القافة من الطلاق، والترمذي في الولاء، وابن ماجه في الأحكام.
قوله: (دخل علي) وحاصل القصة أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة
لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما أخبر مجزز القائف بأن
بينهما شبهاً، سر النبي و # بذلك لأن الجاهلية كانت تعتمد قول القائف، فكان قوله زاجراً لهم
عن الطعن في النسب.
قال الحافظ: ((وقد أخرج عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن أم أسامة - وهي أم أيمن
مولاة النبي وَّلو - كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود، .... قال عياض لو صح أن أم أيمن
كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة، لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود، قلت: يحتمل

١٠٣
كتاب: الرضاع
تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ. فَقَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً نَظَرَ آنِفاً إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ
زَيْدٍ. فَقَالَ: إِنَّ بَعْضَ هُذِهِ الأَقْدَامِ لَمِنْ بَعْضٍ)).
٣٦٠٣ - (٣٩) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً.
(وَاللَّفْظُ لِعَمْرِو) قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَ
عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ ذَاتَ يَوْم مَسْرُورَاً. فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزاً الْمُدْلِجِيَّ
أنها كانت صافية، فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار لذلك)). كذا في فتح الباري (١٢ -
٤٩)(١).
قوله: (تبرق أسارير وجهه) الأسارير مفردها سر، وجمعه أسرار وسرار وسرر، وجمع
جميعها أسارير، وهي في الأصل خطوط الكف من باطنها، ثم قد يطلق السر على خط الوجه
والجبهة، قال أبو عمرو: الأسارير: هي الخطوط التي في الجبهة من التكسر فيها، كذا في تاج
العروس للزبيدي.
قوله: (أن مجززا) الصحيح أنه بكسر الزاي الأولى، خلافاً لما ضبطه ابن عيينة من
فتحها. كذا ذكر ابن ماكولا في الإكمال (٧ - ٢٢٨ و٢٢٩) وذكر مصعب الزبيري والواقدي أنه
سمي مجززاً، لأنه كان إذا أخذ أسيراً في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه. قال الحافظ: وعلى هذا
فكان له اسم غير مجزز، لكني لم أر من ذكره، وكان مجزز عارفاً بالقيافة، وذكره ابن يونس
فيمن شهد فتح مصر، وقال: لا أعلم له رواية. كذا في الفتح.
٣٩ - (٠٠٠) - قوله: (المدلجي) ضبطه النووي بضم الميم وإسكان الدال وكسر اللام،
وهو منسوب إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة، وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد،
والعرب تعترف لهم بذلك، حتى قال بعضهم: لا قيافة إلا في بني مدلج وبني أسد. ولكن
الصحيح أنها ليست مختصة بهم، فقد كان عمر رُّه قائفاً، وهو قرشي ليس مدلجياً ولا أسدياً
كما حققه الحافظ في الفتح.
قوله: (إن بعض هذه الأقدام لمن بعض) يعني أن بعضها يشبه بعضاً، وكان قول مجزز هذا .
تصريحاً بأن بينهما نسباً من حيث القيافة، ومن أجل ذلك سر النبي وَّر، لكون قوله قاطعاً لما
يتوهمه أهل الجاهلية في نسب أسامة څله.
(١) إلى هنا كتبت في حياة والدي مولانا الشيخ المفتي محمد شفيع كثّفُ في شعبان سنة ١٣٩٦ هـ ثم توقفت عن
تأليف هذا الشرح في رمضان، وتوفي والدي تنته للحادي عشر من شوال سنة ١٣٩٦ هـ وعدت إلى التأليف
التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة ١٣٩٦ هـ اللهم اغفر لوالدي وأسكنه بحبوحة جنانك في مقعد صدق
عند جوار رحمتك وأوصل إليه ثواب هذا التأليف.

١٠٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
دَخَلَ عَلَيَّ. فَرَأَىْ أُسَامَةَ وَزَيْداً وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا. وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا. فَقَالَ:
((إِنَّ هُذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ)).
مسألة ثبوت النسب بالقيافة
ثم اختلفت مذاهب الفقهاء في العمل بقول القائف في أمور الأنساب، فقال أبو حنيفة
وصاحباه والثوري وإسحق: لا عبرة بالقيافة أصلاً، وقال الشافعي: يعتبر قول القائف فيما أشكل
من وطيين محترمين، كالمشتري والبائع يطان الجارية المبيعة في طهر قبل الاستبراء من الأول،
فتأتي بولد لستة أشهر فصاعداً من وطءٍ الثاني، ولِدون أربع سنين من وطأ الأول، قال الشافعي :
فحينئذ نرجع إلى القائف، فإن ألحقه بأحدهما لحق به، فإن أشكل عليه أو نفاه عنهما ترك الولد
حتى يبلغ، فينتسب إلى من يميل إليه منهما. وقال مالك في المشهور عنه: يعتبر قول القائف في
مثل هذه الصورة في الإماء دون الحرائر، وروي عنه إثباته فيهما، هذا ملخص ما في شرح
النووي. وصورة اعتبار القيافة في الحرائر عند الشافعي تغلُّ أن يطأ الرجل زوجة الغير بشبهة
ويدعي الزوج أن الولد من ذلك الواطىء، فحينئذ يعرض الولد على القافة ولا يصار إلى اللعان،
كما في المهذب وشرحه (١٦ - ٤٠٦) من كتاب اللعان.
وأما الحنفية فلا عبرة عندهم بالقيافة، فإذا وطىء المشتري جاريته قبل الاستبراء من
البائع، واحتملت المدة اللحوق بكليهما، يثبت نسب الولد منهما جميعاً، ولا يصار إلى قول
القائف .
استدل الشافعي ومن وافقه بحديث الباب، فإن سرور النبي 98 بقول القائف يدل على أنه
معتبر شرعاً، فلولا أنه معتبر في الشرع لما اتخذه وَلّ حجة على أهل الجاهلية .
وأجاب عنه الحنفية بأن أسامة كان نسبه قد ثبت من زيد من قبل، ولم يحتج النبي ◌َّ في
ذلك إلى قول أحد، ولولا ذلك لما نسب أسامة إلى زيد، وإنما سر النبي وَّه بقول القائف ههنا
لكونه كافاً لأهل الجاهلية عن الطعن فيه، لا لأنه كان حجة في الشرع. وهذا كما أن الهلال
يثبت بالرؤية أو الشهادة، فلو حكم الحاكم بثبوت الهلال على قواعد الشرع، ثم وافقه قول أحد
الفلكيين، فإنما يسر به الحاكم المسلم، لا لأن قوله حجة في الدين، بل لأنه يكف الألسنة،
ويقطع الأوهام.
واستدلوا أيضاً بما أخرجه البخاري في باب التلاعن في المسجد أن النبي ◌َّ قال في
قضية عويمر العجلاني: ((إن جاءت به أحمر قصيراً كأنه وحرة، فلا أراها إلا قد صدقت وكذب
عليها، وإن جاءت به أسود أعين ذا إليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها)) ومثله ما سيأتي في اللعان
عند المصنف في قصة هلال بن أمية أن رسول الله وسلم قال: ((أبصروها، فإن جاءت به أبيض
سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن
سحماء)) وهذه هي القيافة والحكم بالشبه .

١٠٥
كتاب: الرضاع
٣٦٠٤ - (٤٠) وحدّثناه مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ
وأجاب عنه أصحابنا الحنفية بأن معرفته وغير ذلك من طريق الوحي لا القيافة، والحق أن
الاستدلال ينقلب عليهم، لأنه لو كانت القيافة معتبرة لكانت شرعية اللعان تختص بما إذا لم يشبه
المرميُّ به، أشبه الزوج أو لا، لحصول الحكم الشرعي حينئذ بأنه ليس ابناً للنافي، وهو يستلزم
الحكم بكذبها في نسب الولد، كذا في إعلاء السنن (١١ - ٢٢٣ باب إذا ادعى رجلان بولد).
واستدل الحنفية بما أخرجه الشيخان: ((عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي بَّر، فقال: يا
رسول الله! ولد لي غلام أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال:
حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم، قال: فأنى ذلك؟ قال: لعل نزعه عرق، قال: فلعل
ابنك هذا نزعه». انتهى، واللفظ للبخاري في باب إذا عرض بنفي الولد من كتاب اللعان،
وسيأتي عند المصنف في آخر اللعان.
وأجاب عنه بعض الشافعية بأن الحديث إنما يدل على إلغاء الشبه إذا كان معارضاً للفراش
ونحن لا نقول بالشبه عند وجود الفراش، وإنما نصير إليه حيث يتعارض فراشان محترمان.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: موضع استدلالنا من الحديث قوله ظلّا: ((فلعل ابنك هذا
نزعه عرق)) فإنه يدل على أن القيافة لا حجة فيها أصلاً، لأن الشبه ربما يأتي من عرق بعيد،
فشبهة نزع العرق هي العلة المنصوصة في إلغاء الشبه، وهي موجودة في جميع الصور، سواء
ثبت فراش واحد أو تعارض الفراشان، فلا تعتبر القيافة في الشرع أبداً .
ويدل على مذهب الحنفية أيضاً ما مر في الباب السابق من حديث وليدة زمعة، فإنه وَ لَه قد
وجد في الابن شبهاً بيناً بعتبة، ولكنه لم يلحقه به، مع أنه لم يكن يعارضه فراش قوي، فهذه
حجة ظاهرة على إلغاء الشبه مطلقاً .
ودليلنا الثالث ما أخرجه الطحاوي في باب الولد يدعيه الرجلان من كتاب القضاء
والشهادة (٢ - ٢٩٤) عن سماك عن مولى لبني مخزومة قال: ((وقع رجلان على جارية في طهر
واحد، فعلقت الجارية، فلم يدر من أيهما هو؟ فأتيا عمر يختصمان في الولد، فقال عمر: ما
أدري كيف أقضي في هذا؟ فأتيا علياً، فقال: هو بينكما، يرثكما وترثانه، وهو للباقي منكما))
وفي إسناده مولى لبني مخزومة مجهول، ولكن أخرجه عبد الرزاق من طريق سفيان الثوري عن
قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن علي أنه: ((أتاه رجلان وقعا على امرأة في طهر واحد، فقال:
الولد بينكما، وهو للباقي منكما)) وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن حسين بن علي عن زائدة
عن سماك عن حنش عن علي، وهذا السند على شرط مسلم، كما في الجوهر النقي (٢ - ٢٥٦)
وحنش هذا هو ابن عبد الله، ويقال: ابن علي بن عمرو السبائي نزيل إفريقية، ثقة من الثالثة من
رجال مسلم والأربعة، وليس هو حنش بن قيس الرحبي، كذا في إعلاء السنن (١١ - ٢٢٤).

١٠٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَلَ قَائِفٌ وَرَسُولُ اللَّهِ بَلَ شَاهِدٌ. وَأُسَامَةُ بْنُ
ويستنبط لمذهبنا أيضاً ببعض آثار عمر رظله، أخرجها الطحاوي، راجع لتفصيلها شرح
معانى الآثار، وإعلاء السنن.
ثم اعترض علينا الشافعية من حيث النظر العقلي أن ثبوت نسب المولود من الوالد إنما
يكون لأنه مخلوق من مائه، ونحن نتيقن أنه غير مخلوق من ماء رجلين، لأن كل واحد منهما
أصل للولد، كالأم، بمنزلة البيض للفرخ، الحب للحنطة، فكما لا يتصور فرخ واحد من
بيضتين، وسنبلة واحدة من حبتين، فكذلك لا يتصور ولد واحد من مائين، وهذا لأنه إذا وصل
أحد المائين في الرحم، انسد فم الرحم، فلا يخلص إليه الماء الثاني، فإذا تعذر القضاء بالنسب
منهما جميعاً يرجع إلى قول القائف.
وأجاب عنه شمس الأئمة السرخسي بقوله: ((إن ثبوت النسب من الرجل باعتبار الفراش،
لا باعتبار انخلاقه من مائه، لأن ذلك لا طريق إلى معرفته، ولا باعتبار الوطء، لأنه سر عن غير
الواطئين، فأقام الشرع الفراش مقامه تيسيراً، فقال ◌َله: ((الولد للفراش))، وكل واحد من البينتين
يعتمد على ما علم به من الفراش، والحكم المطلوب من النسب الميراث والنفقة والحضانة
والتربية، وهو يحتمل الاشتراك، فيقضى به بينهما، وهو الجواب عن قوله إنه لا يتصور خلاق
الولد من الماءين، فإن السبب الظاهر متى أقيم مقام المعنى الخفي تيسيراً، سقط اعتبار معنى
الباطن، مع أن ذلك يتصور بأن يطأها أحدهما، فلا يخلص الماء إلى أحدهما حتى يطأها
الثاني، فيخلص الماآن إلى الرحم معاً، ويختلط الماآن، فيتخلق منهما الولد، بخلاف البيضتين
والحبتين، لأنه لا تصور للاختلاط فيهما)).
وقال السرخسي قبل أسطر: ((وحجتنا في إبطال المصير إلى قول القائف أن الله تعالى شرع
حكم اللعان بين الزوجين عند نفي النسب، ولم يأمر بالرجوع إلى قول القائف، فلو كان قوله
حجة لأمر بالمصير إليه عند الاشتباه، لأن قول القائف رجم بالغيب، ودعوى لما استأثر الله عز
وجل بعلمه، وهو ما في الأرحام، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: ٣٤]، ولا
برهان له على هذه الدعوى، وعند انعدام البرهان كان في قوله قذف المحصنات، ونسبة الأولاد
إلى غير الآباء، ومجرد الشبه غير معتبر، فقد يشبه الولد أباه الأدنى، وقد يشبه الأب الأعلى))
انتهى من المبسوط (١٧ - ٧٠) كتاب الدعوى، باب الدعوى في النتاج.
أحكام أخرى
قال الحافظ: ((وفي الحديث جواز الشهادة على المنتقبة، والاكتفاء بمعرفتها من غير رؤية
الوجه، وجواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد، وقبول شهادة من يشهد قبل أن
يستشهد عند عدم التهمة، وسرور الحاكم بظهور الحق لأحد الخصمين عند السلامة من الهوى)).
كذا في فتح الباري (١٢ - ٤٩) قبيل كتاب الحدود.

١٠٧
كتاب: الرضاع
زَيْدٍ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مُضْطَجِعَانِ. فَقَالَ: إِنَّ هُذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. فَسُرَّ بِذَلِكَ
النَّبِيُّ وَّهُ وَأَعْجَبَهُ. وَأَخْبَرَ بِهِ عَائِشَةَ.
٣٦٠٥ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجَ. كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ،
بِهِذَا الإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ يُونُسَ: وَكَانَ مُجَزِّزٌ قَائِفاً .
(١٢) - باب: قدر ما تستحقه البكر والثيب
من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف
٣٦٠٦ - (٤١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
(وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ) قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ .
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمّ
سَلَمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ سِهِ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًاً. وَقَالَ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى
أَهْلِكِ هَوَانٌ. إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ. وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)).
(١٢) - باب: قدر ما تستحقه البكر والثيب إلخ
٤١ - (١٤٦٠) - قوله: (عن أم سلمة) هذا الحديث لم يخرجه البخاري، وأخرجه مالك
وأبو داود وابن ماجه والدارمي والدارقطني، كلهم في النكاح، وأخرجه أحمد في مسند أم سلمة
(٦ - ٢٩٢ و٢٩٥ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣١٤ و٣٣٠ و٣٣١).
قوله: (إنه ليس بك على أهلك هوان) كذا في الروايات المشهورة، ووقع في رواية أبي
بكر بن عبد الرحمن وعبد العزيز ابن بنت أم سلمة عند أحمد (٦ - ٣٠٧ و٣٢٠): (إن بك على
أهلك كرامة). واختلفوا في معناه، فقال بعضهم: المراد بالأهل نفسه و 8 والباء متعلقة بهوان،
يعني ليس اقتصاري على الثلاثة لهوانك عليّ، ولا لعدم رغبتي فيك.
وقال آخرون: المراد بالأهل قبيلتها والباء سببية، يعني لا يلحق أهلك بسببك هوان.
راجع بذل المجهود (٣ - ٣٨).
قوله: (وإن سبعت لك سبعت لنسائي) هذا يدل على مذهب الحنفية في وجوب القسم عند
النكاح الجديد أيضاً، فإنه وَّ لم يرض أن تنفرد أم سلمة بأيام دون سائر الأزواج.
وجملة القول في المسألة أن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب القسم عند النكاح على زوجته
السابقة، فقال أكثر الفقهاء: يقيم عند الجديدة سبعاً إذا كانت بكراً، وثلاثاً إن كانت ثيبا، وتكون
هذه الأيام خارجة عن القسم، ثم يقسم بعد ذلك بينها وبين القديمة. وهو قول الشعبي والنخعي
ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وابن المنذر.

١٠٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وقال بعضهم: للبكر ثلاث وللثيب ليلتان، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن
وخلاس بن عمرو ونافع، ونحوه قال الأوزاعي.
وقال آخرون: لا فضل للجديدة في القسم، فإن أقام عندها شيئاً قضاه للباقيات، لأنه
فضلها بمدة فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعاً، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف
ومحمد والحكم وحماد، هذا ملخص ما في المغني لابن قدامة (٧ - ٤٤).
احتج أهل القول الأول بما سيأتي عند المصنف عن أنس رضي به قال: ((إذا تزوج البكر على
الثيب أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً)).
واحتج أهل القول الثاني بما أخرجه الدارقطني (٢ - ٢٨٤، نكاح - ١٤٤) عن عائشة عن
النبي وَ ل﴿ قال: ((البكر إذا نكحها رجل، وله نساء، لها ثلاث ليال، وللثيب ليلتان)). والجواب أن
في سنده الواقدي، وهو متروك في الأحكام.
وأما الحنفية ومن وافقهم فاستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنّ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُوا فَوَجِدَةٌ ﴾ [النساء: ٣]
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَنْ تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآِ وَلَوْ حَرَّصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ [النساء: ١٢٩] وعموم قوله ◌َّ: ((من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء
يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً)) أخرجه الخمسة والدارمي وابن حبان والحاكم عن
أبي هريرة، وقال: إسناده على شرط الشيخين، كما في نيل الأوطار. وقد روت عائشة رضيؤها أن
النبي ◌ّ﴿ كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: ((اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك
ولا أملك)) رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم، وقال الترمذي: يعني به الحب والمودة،
كذا فسره أهل العلم.
فهذه النصوص تدل بأجمعها على أن العدل واجب في كل ما يملكه الإنسان، ولا شك أن
العمل بالقسم منذ بداية النكاح الجديد مما يملكه الرجل قطعاً، فلا وجه لترك القسم في هذه
الأيام، بل الزوجة القديمة في تلك الأيام أحرى بأن يؤلف الرجل قلبها .
وأما قوله ظلَّلا في حديث أنس: ((إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً إلخ)). فمعناه
عند الحنفية أن يغير طريق التناوب لا أن يترك القسم، فيقيم عند الجديدة سبعاً ثم يقسم للقديمة
سبعاً، وليس معناه أن لا يحاسب بهذه الأيام السبعة .
ويدل عليه قوله علّ لأم سلمة في حديث الباب: ((إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك
سبعت لنسائي)) فإنه لو كانت الأيام الثلاثة حقاً خالصاً للثيب الجديدة لكان إذا أقام عندها سبعاً،
كانت ثلاث منهن غير محسوبة عليها، ولوجب أن يكون لسائر النساء أربع أربع، لأنه لم يزد
على حق أم سلمة إلا أربعة أيام.

١٠٩
كتاب: الرضاع
.
وأما قوله ظلّل في الحديث الآتي: ((وإن شئت ثلثت ثم درت)) فإن هذه الزيادة ليست ثابتة.
في جميع الروايات، ويمكن أن تكون مدرجة من أحد الرواة، كما أشار إليه الإمام محمد في
كتاب الحجة (٣ - ٢٤٩)، ولو صحت هذه الزيادة لكان معناها عندنا: إن شئت ثلثت لك وثلثت
النسائي، لا أن تكون الثلاث خالصة لأم سلمة، وهذا التأويل أولى لتنطبق هذه الرواية على
النصوص العامة التي سردناها، وقال الإمام محمد: ((إذا جاء الحديث عن رسول الله رَالخ
فاختلف الرواة ظننا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو أهنى وأهدى (١)، وما حق
المتزوجة والأخرى بالحرمة لها إلا سواء، وما نرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آثر
متزوجة على غيرها ولا آثر بكراً على ثيب، وما حدهما وحرمتهما إلا سواء، وما نرى رسول
الله وَلو قال لأم سلمة إلا كما روينا: (إن شئت سبعت لك وسبعت لهن، وإن شئت درت عليك
وعليهن) وهذا أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما قلتم، والحديث الذي رويتم معناه
عندنا على ما قلنا، لأنه قال: (إن شئت سبعت لك وسبعت لهن، وإن شئت ثلثت لك ودرت
عليهن) فهذا معناه عندنا: إن شئت ثلثت لك ودرت عليهن ثلاثاً ثلاثاً كما ثلثت لك، لأن أول
الحديث يدخل على آخره، لأنه لم يكن يرى لها تفضيلاً في أوله عليهن حين قال: (إن شئت
سبعت لك وسبعت عليهن) فكذلك الأمر في آخره، إنما معناه أن أدور عليهن بمثل ما فعلت بك))
كذا في كتاب الحجة على أهل المدينة، للإمام محمد تخَّهُ (٣ - ٢٥٢ و ٢٥٣).
فإن قيل: قد جاء في روايةٍ ما يدل على أن الثلاث كانت خالصة لأم سلمة رضيُها، فقد
أخرج الدار قطني (٣ - ٢٨٤) عن أم سلمة أن رسول الله : ﴿ل قال لها: ((إن شئت أقمت معك ثلاثاً
خالصة لك، وإن شئت سبعت لك، ثم سبعت لنسائي، فقالت: تقيم معي ثلاثاً خالصة))
فالجواب عنه بوجوه:
الأول: أن مدار إسناده الواقدي، وهو ضعيف جداً، فلا ينهض للاستدلال.
والثاني: أن الواقدي نفسه قد روى عن عائشة مرفوعاً: ((البكر إذا نكحها رجل وله نساء،
لها ثلاث ليال، وللثيب ليلتان)» كما مر عن الدارقطني، وإذا تعارضا تساقطا .
والثالث: أن هذ الحديث قد أخرجه ابن أبي حاتم في علله (١ - ٤٠٥ رقم: ١٢١٣) من
طريق أبي قتيبة عن إسرائيل عن أبي إسحق عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أم سلمة أن
(١) قلت: يشير الإمام محمد تخلفهُ إلى قول عبد الله بن مسعود رضي الله: (إذا حدثتكم عن رسول الله وَ لل فظنوا
برسول الله * الذي هو أهناه وأهداه واتقاه) أخرجه ابن ماجه في باب تعظيم حديث رسول الله والز من
مقدمة سننه (ص - ٤) وإلى قول علي ر ◌ُله: (إذا حدثتم عن رسول الله : ﴿ حديثاً فظنوا برسول الله بَّ أهناء
وأتقاه وأهداه) أخرجه أحمد في سننه (١ - ١٢٢ و ١٢٦).

١١٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٦٠٧ - (٤٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
النبي وَلا لما خطبها قال لها: ((إن شئت سبعت لك سبعت النسائي، وإن شئت زدت في مهرك
وزدت في مهورهن)) ورجاله كلهم ثقات، وفيه أنه صل* قال لها ذلك حين خطبها، فكان يرى
تسويتها لسائر أزواجه قبل التزوج بها في كل شيء، حتى في المهر، فكيف يصح أنه أقام عندها
ثلاثاً خالصة.
مبحث طريق التناوب في القسم
ثم قد دل الحديث على مذهب الحنفية وغيرهم في أنه يجوز الزيادة على يوم وليلة في
القسم، فيجوز أن يقسم لهن يومين يومين، وثلاثاً ثلاثاً، وما شاء، وذهب جماعة من أهل العلم
إلى أنه لا يزاد في القسم على يوم وليلة، اقتداءاً بالنبي وَلّر، وبه قال مالك وأبو ثور وأبو إسحاق
المروزي من الشافعية، وحمل الشافعي ذلك على الأولوية والاستحباب ونص على جواز القسم
ليلتين ليلتين وثلاثاً ثلاثاً، وقال في المختصر: وأكره مجاوزة الثلاث، فحمله الأكثرون على
المنع، ونقل عن نصه في الإملاء أنه كان يقسم مياومة ومشاهرة ومسانهة، قال الرافعي: فحملوه
على ما إذا رضين، ولم يجعلوه قولا آخر، وحكي عن صاحب التقريب أنه يجوز أن يقسم سبعاً
سبعاً، وعن الشيخ أبي محمد الجويني وغيره أنه تجوز الزيادة ما لم تبلغ التربص بمدة الإيلاء،
وقال إمام الحرمين: لا يجوز أن يبني القسم على خمس سنين مثلاً، وحكى الغزالي في الوسيط
وجها أنه لا تقدير بزمان ولا توقيت أصلاً، فإنما التقدير إلى الزوج، كذا في عمدة القاري، باب
المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها (٩ - ٤٩٩).
وقال صاحب الهداية: ((والاختيار في مقدار الدور إلى الزوج، لأن المستحق هو التسوية
دون طريقه)) واعترض عليه ابن الهمام في الفتح بأن هذا الإطلاق لا يمكن اعتباره على صرافته،
فإنه لو أراد أن يدور سنة ما يظن إطلاق ذلك له، بل لا ينبغي أن يطلق له مقدار مدة الإيلاء،
وهو أربعة أشهر، وإذا كان وجوبه للتأنيس ودفع الوحشة وجب أن تعتبر المدة القريبة، وأظن
أكثر من جمعة مضارة إلا أن يرضيا به .
وأجاب عنه ابن نجيم في البحر (٣ - ٢١٩) فقال: ((والظاهر الإطلاق، لأنه لا مضارة
حيث كان على وجه القسم، لأنها مطمئنة بمجيء نوبتها، والحق له في البداءة بمن شاء)) وأفتى
في الدر المختار بأنه لا يبلغ مدة الإيلاء إلا برضاها (رد المحتار ٣ - ٢٠٣) وهو أعدل الأقوال
إن شاء الله تعالى.
ثم هذا الاختلاف كله في استقلال الزوج بتقدير المدة، أما إذا قدر المدة برضاهن جميعاً،
فلا خلاف في جوازه، مهما كانت المدة طويلة، كما في شرح الأبي.

١١١
كتاب: الرضاع
أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ
سَلَّمَةَ، وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا: ((لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ. إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ.
وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّئْتُ ثُمَّ دُرْتُ)) قَالَتْ: ثَلُثْ.
٣٦٠٨ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةً. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ) عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ. عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ فَدَخَلَّ عَلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ: ((إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ. لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلنَّيْبِ ثَلاَثٌ)).
٣٦٠٩ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
حُمَيْدٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٣٦١٠ - (٤٣) حدّثني أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا حَفْصٌ (يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ)
٤٢ - (٠٠٠) - قوله: (عن .... أبي بكر بن عبد الرحمن) في طريق مالك، وليس فيه:
(عن أبيه)، إذن فهو مرسل، ومن ثم استدركه الدارقطني على مسلم، ظناً منه بأنه خلاف ما
اشترطه من الصحة، وهذا الاستدراك منه فاسد، لأن مسلما تَّتُ إنما بين اختلاف الرواة في
وصله وإرساله، وقد أخرج من قبل رواية سفيان، وهي متصلة، ومذهبه ومذهب محققي
المحدثين أن الحديث إذا روي متصلاً ومرسلاً حكم بالاتصال، ووجب العمل به، لأنها زيادة
ثقة. هذا ملخص ما قاله النووي.
قوله: (ثلث) اختارت التثليث مع أخذها بثوبه حرصاً على طول إقامته وَ لّر عندها، لأنها
رأت أنه إذا سبع لها وسبع لغيرها لم يقرب رجوعه إليها، كذا في شرح الأبي.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولا يدل هذا الحديث على أنه وَ ◌ّل﴿ أقام عند أم سلمة ثلاثاً
خالصة لها، وإنما طلبت أم سلمة الزيادة على الثلاث في أول الأمر، لأنها كانت تعرف أن
القسم ليس بواجب عليه وّل*، فيمكن له أن يزيد في نوبتها بما لا يزيد على غيرها، ولكنها لما
سمعت منه ظلّلا أنه لا يرضى بترك القسم، امتنعت عن الزيادة، لئلا يبعد عوده إليها، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
(٠٠٠) - وأما قوله: (إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع وللثيب ثلاث) فمعناه عندنا
أنني إنما أقمت عندك ثلاثاً عملاً بالسنة، ولا يسن للثيب فوق الثلاث، ولكن الزيادة مباحة، فلا
فضل في الزيادة شرعاً، وإنما يكون تطييباً لقلبك، فإن طابت نفسك بالزيادة على أن أحاسبك
كما حاسبت في الثلث، زدت في إقامتي عندك.

١١٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ
سَلَمَةَ. ذَكَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ تَزَوَّجَهَا. وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، هُذَا فِيهِ. قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ
لَكِ وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِي. وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي)) .
٣٦١١ - (٤٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَىُ. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيْبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعاً. وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ
عَلَى الْبِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًاً .
قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ. وَلَكِنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ كَذْلِكَ.
٣٦١٢ - (٤٥) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
أَيُّوبَ وَخَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِّ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعاً.
قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ.
٤٤ - (١٤٦١) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب إذا تزوج
البكر على الثيب، وباب إذا تزوج الثيب على البكر، ومالك في الرضاع، باب المقام عند البكر
والأيم، وأبو داود، (رقم: ٢١٢٤ في النكاح)، باب في المقام عند البكر، والترمذي، (رقم:
١١٣٩ في النكاح)، باب ما جاء في القسمة للبكر والثيب.
قوله: (إذا تزوج البكر) إلخ قد مر أن معناه عندنا أن يغير طريق التناوب، لا أن يترك
القسم. قال ابن العربي: والحكمة في ذلك أنه نظر إلى تحصيل الألفة والمؤانسة، وأن يستوفي
الزوج لذته من الثانية، فإن لكل جديدة لذة، ولما كانت البكر حديثة عهد بالرجل وحديثة
بالاستصعاب والنفار، لا تلين إلا بجهد، فشرعت لها الزيادة على الثيب، لأنه ينفي نفارها
ويسكن روعها، وهي في ذلك بخلاف الثيب، لأنها مارست الرجال، وهذه حكمة، والدليل إنما
هو قول الشارع وفعله. كذا في شرح الأبي.
قوله: (السنة كذلك) إذا قال الصحابي: (السنة كذا) أو (من السنة كذا) فهو في حكم
المرفوع، كقوله: (قال ◌َ(9)، وهذا هو مذهب جمهور المحدثين، كما تقرر في أصول الحديث،
قال النووي: وجعله بعضهم موقوفاً، وليس بشيء. ولذلك قال خالد: ولو قلت إنه رفعه
لصدقت) يعني أن قوله (من السنة كذا) صريح في رفعه .

١١٣
كتاب: الرضاع
(١٣) - باب: القسم بين الزوجات، وبيان أن السنة
أن تكون لكل واحد ليلة مع يومها
٣٦١٣ - (٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ. حَدَّثَنَا
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: كَانَ لِلنَّبِّ وَّهِ تِسْعُ نِسْوَةٍ. فَكَانَ إِذَا قَسَمَ
(١٣) باب: القسم بين الزوجات إلخ
٤٦ - (١٤٦٢) - قوله: (عن أنس) إلخ، هذا الحديث مما انفرد بإخراجه مسلم، ولم
يخرجه غيره من الأئمة الستة.
قوله: (تسع نسوة) وهن اللاتي توفي عنهن وَلير: سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة،
وزينب، وأم حبيبة، وجويرية، وصفية، وميمونة رضي الله عنهنَّ، وهذا ترتيب تزويجه إياهن،
واختلف في ريحانة هل كانت زوجة أو سرية، وهل ماتت قبله أو لا؟ كذا في باب كثرة النساء
من فتح الباري (٩ - ٩٨ و ٩٩).
الحكمة في كثرة أزواجه ولقد
قال الشافعي: خص الله سبحانه رسول الله صل# بأن فرض عليه أشياء خفضها على غيره
زيادة في تقدسه ◌ّي، وأباح له أشياء حرمها على غيره زيادة في تكريمه وترفيعه، فمن هذا النوع
الزيادة على الأربع، أبيحت ليزداد في نفوس العرب إجلالاً وفخامة، فإنها كانت تتفاخر بالقدرة
على النكاح. وأيضاً فإنه كان ◌َلقر من كمال القوة واعتدال المزاج بالمنزلة التي شهدت بكمالها
الآثار، ومن كان كذلك كانت دواعي هذا الباب أغلب عليه.
وأيضاً إنما منع غيره من الزيادة على أربع خوفاً من عدم العدل، كما أشارت إليه آية ﴿فَإِنْ
خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ فَوَجِدَةٌ﴾ وهذه العلة مرتفعة في حقه بَّه. ويشهد لأن هذه علة المنع في غيره أن الله
سبحانه أباح لغيره من الإماء ما يقدر عليه لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣] لما لم
يكن للإماء حق في الوطأ فيخاف عدم العدل فيه.
وأيضاً، لا يجوز عليه الاستمتاع بما لا يحل له، ولا التطلع إلى ما في أيدي الرجال،
وكانت الحال حينئذ لم تتسع لكسب الإماء، فوسع عليه في الحرائر، واختار له أفضل النوعين:
ولهذا قال بعض السلف: لا يجوز له نكاح حرائر الذميات، بخلاف غيره من أمته، قال غيره:
ولئلا تكون الكافرة أماً للمؤمنين. كذا في شرح الأبي.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وقد ذكر شيخ مشايخنا حكيم الأمة التهانوي قدس الله
سره حكمة أخرى في كثرة أزواجه ويتر، وهي أنه عليه الصلاة والسلام قد بعث إلى هذا العالم
ليكون أسوة حسنة في كل شيء، وليقتدي به أمته في كل ناحية من نواحي الحياة. وكان يجب

١١٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بَيْنَهُنَّ لاَ يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الأُولَى إِلاَّ فِي تِسْعِ. فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا .
فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. فَجَاءَتْ زَيْنَبُ. فَمَدَّ يَدَّهُ إِلَيْهَا. فَقَالَتْ: هَذِهِ زَيْنَبُ. فَكَفَّ النَّبِيُّ ◌ِل
لذلك أن لا يخفى على أمته شيء من حياته الفردية والاجتماعية، وأن تطلع الأمة على أحوال
بيته وخلوته بذلك القطع وبتلك الاستفاضة التي اطلعت بها على أحواله خارج البيت. وإن هذه
الأحوال لا تنكشف على أحد إلا بأزواجه وَ لفر، ولذلك بلغ عدد أزواجه ظلثلا بعد خديجة الكبرى
عشرة أزواج، فإن العشر أقل عدد التواتر، ولما بلغ عدد نسائه إلى العشرة نهاه الله تعالى عن
الزيادة على هذا العدد، كما قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ الْنِسَآءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب:
٥٢] إلخ وراجع التفسير الكبير.
وفي هذا العدد من النساء ثلاث لطائف ذكرها الشيخ التهانوي تغّفه: الأول: أنه أقل جمع
الكثرة. والثاني: أنه أقل عدد التواتر. والثالث: أنه موافق لعدد السنين التي أقام فيها رسول
الله ◌َلّر بالمدينة. كذا في رسالته (كثرة الأزواج لصاحب المعراج) ومَّ.
ومما يؤيد ذلك أنه 18 لم يقض شبابه وفتوته إلا مع امرأة ثيبة أسن منه بكثير، مع ما
عرضت عليه من صفايا أبكار العرب، ولم تكثر أزواجه إلا بعد ما بلغ الثالث والخمسين من
عمره. وكانت كلهن ثيبات، سوى عائشة رضيّا. أفهل يفعل ذلك من لا يريد إلا قضاء الشهوة
وتسكين الشبق؟ كلا! ثم كلا! وإنما كان غرضه عُلَّا أن تبلغ أحوال بيته إلى الأمة بتلك
الاستفاضة التي بلغت بها أحواله خارج البيت، ولم يكن ذلك إلا بأن لا تقل نساءه من عشرة.
ولذلك نرى أن نحواً من نصف الدين لم يبلغنا إلا بواسطة أزواجه وَ اليه .
قوله: (فكن يجتمعن كل ليلة) إلخ. قال النووي: فيه أنه يستحب للزوج أن يأتي كل امرأة
في بيتها، ولا يدعوهن إلى بيته. لكن لو دعا كل واحدة في نوبتها إلى بيته كان له ذلك، وهو
خلاف الأفضل. اهـ.
وقال الأبي: فيه أنه لا يأتي غير صاحبة القسم في بيتها لغير ضرورة، وأما اجتماعهن في
بيتها فجائز برضاها، وإلا فلها المنع. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وهو المذهب عندنا، فقد
ذكر ابن نجيم عن الجوهرة: ((ولا يجامع المرأة في غير يومها، ولا يدخل بالليل على التي لا
قسم لها، ولا بأس بأن يدخل عليها بالنهار لحاجة، ويعودها في مرضها في ليلة غيرها، فإن ثقل
مرضها فلا بأس بأن يقيم عندها حتى تشفى أو تموت)) كذا في البحر الرائق (٣ - ٢١٩).
قوله: (فمدَّ يده إليها) هذا يحتمل معنيين: الأول؛ أن يكون ضمير المؤنث لعائشة،
فالمعنى حينئذ أنه ظلَّا لم يشعر بقدوم زينب، فمدَّ يَدَهُ إليها طناً منه بأنه معها في خلوة، فلما
أخبرته عائشة بقدوم زينب كف يده عنها، وعلى هذا يستنبط منه أن الرجل لا ينبغي له الاستمتاع
بزوجته بمحضر من ضرتها .

١١٥
كتاب: الرضاع
يَدَهُ. فَتَقَاوَلَتَا حَتَّى اسْتَخَبَتَا. وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذُلِكَ. فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا.
فَقَالَ: اخْرُجْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَى الصَّلاَةِ. وَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ. فَخَرَجَ
النَّبِيُّ ◌َ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: الآنَ يَقْضِي النَّبِيُّ وَّهِ صَلاَتَهُ فَيَجِيءُ أَبُو بَكْرٍ فَيَفْعِلُ بِي وَيَفْعَلُ.
فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َِّّهِ صَلاَتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ. فَقَالَ لَهَا قَوْلاً شَدِيداً، وَقَالَ: أَتَصْنَعِينَ هُذَا؟
والاحتمال الثاني: أن يكون الضمير لزينب، والمعنى حينئذ أنه ولو لم يعرف زينب لظلام
البيت، وظنها عائشة، فمد يده إليها، فلما أخبرته عائشة بأنها زينب، كف يده عنها، لأن الليلة
كانت لعائشة، والبيوت يومئذ لم تكن فيها مصابيح. وعلى هذا يؤخذ منه أن الزوج لا يستمتع
بالمرأة في غير ليلتها .
قوله: (فتقاولتا) لم يذكر في هذا الحديث تفصيل التقاول، وربما يخطر بالبال أن تفصيله
ما أخرجه ابن ماجه في باب حسن معاشرة النساء (١ - ١٤٢) عن عائشة قالت: ((ما علمت حتى
دخلت عليَّ زينب بغير إذنٍ وهي غضبى، ثم قالت: يا رسول الله! أحسبك إذا أقلبت لك بنية أبي
بكر دريعتها (١)، ثم أقبلتْ عليّ، فأعرضتُ عنها حتى قال النبي ◌َّ: دونك فانتصري، فأقبلتُ
عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فيها، ما ترد عليّ شيئاً، فرأيت النبي (َل ﴿ يتهلل وجهه))
فيمكن أن تكون قصة هذا الحديث وقصة حديث الباب واحدة، والله سبحانه أعلم.
قوله: (حتى استخبتا) هو افتعال من السخب، وهو اختلاط الأصوات وارتفاعها، ويقال
أيضاً صخب بالصاد، ووقع في بعض النسخ: (استحثتا) (من الاستحثاء) وبهذا اللفظ أثبته ابن
الأثير في جامع الأصول معزيا إلى مسلم، قال النووي: ومعناه إن لم يكن تصحيفا أن كل واحدة
حثت في وجه الأخرى التراب، وفي بعض النسخ الأخرى: (استخبثتا، أي: قالتا الكلام
الرديء، وفي بعضها (استحيتا) من الاستحياء.
قوله: (وأقيمت الصلاة) قال الأبي والسنوسي: يدل أن المقاولة كانت قبل الصبح ودامت
إلى إقامة الصلاة. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لم لا يمكن أن تكون بين المغرب والعشاء؟
بل هو الأظهر عندي لما قال أنس في هذا الحديث: ((فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها)»
وظاهر أن هذا الاجتماع لا يكون في آخر الليل، وإنما يكون في أوله بعد صلاة المغرب.
قوله: (وأحث في أفواههن التراب) لم يرد بذلك حقيقته، وإنما هو مبالغة في التسكيت
وزجر لهن عن رفع الأصوات عند رسول الله وَالله .
(١) البنية تصغير بنت، أرادت به تحقير عائشة، وكذلك الدريعة تصغير درعة، وهي قميص النساء، وقال في
النهاية: أرادت به ساعديها، وغرضها أن تحويل ساعدي عائشة يكفيك لشدة حبك لها فلا تلتفت إلى النساء
الأخر، كذا في إنجاح الحاجة.

١١٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٤) - باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها
٣٦١٤ _ (٤٧) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلاَخِهَا مِنْ سَوْدَةً بِنْتِ
زَمْعَةَ. مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قَالَتْ:
وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي وَلّر من حسن الخلق وملاطفة الجميع، وفيه فضيلة
لأبي بكر وظُّّه وشفقته ونظره في المصالح، وفيه إشارة المفضول على صاحبه الفاضل بمصلحته،
والله أعلم.
(١٤) باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها
٤٧ - (١٤٦٣) - قوله: (عن عائشة) أخرجه البخاري في كتاب الهبة، باب هبة المرأة لغير
زوجها وفي النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها، وأبو داود في باب القسم بين
النساء، وابن ماجه في باب المرأة تهب يومها إلخ، وأحمد في مسند عائشة (٦ - ٦٨ و ٧٧) غير
أنهم لم يذكروا الجزء الأول من الحديث، وهو قولها: (ما رأيت امرأة إلخ).
قوله: (أن أكون في مسلاخها) المسلاخ: الجلد، والمراد من كونها في مسلاخها أن تكون
هي، هي بعينها، قال السنوسي: تمنت أن تكون على مثل حالها في الأوصاف التي استحسنت
منها، لأنها كانت حديدة القلب حازمة مع عقل ودين.
قوله: (من سودة بنت زمعة) بن قيس بن عبد شمس، القرشية العامرية، كان تزوجها
السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو فهاجرا جميعاً إلى الحبشة، فلما قدم بها إلى مكة
توفي تَظُه، فتزوجها رسول الله ◌َ﴿ بعد خديجة سنة عشر، خطبها رسول الله وض ليه بوساطة خولة
بنت حكيم، وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن إبراهيم مرسلاً، قال: قالت سودة لرسول الله إليه:
صليت خلفك الليلة فركعت بي، حتى أمسكت أنفي مخافة أن يقطر الدم، فضحك، وكانت
تضحكه بالشيء أحياناً. ماتت في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال: ماتت سنة أربع
وخمسين، ورجحه الواقدي، روى عنها ابن عباس ويحيى بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة،
هذا ملخص ما في طبقات ابن سعد (٨ - ٥٧)، والإصابة (٤ - ٣٣١).
قوله: (من امرأة فيها حدة) قال القاضي: (من) هنا للبيان واستفتاح الكلام اهـ. ويمكن أن
يكون قولها (من امرأة) بدلا من قولها (من سودة) إلخ.
قال النووي: ((ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك، بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ولكن يرده ما أخرجه ابن عبد البر في ترجمة سودة من
الاستيعاب (٤ - ٣١٨) من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ((ما من
الناس أحد أحب إليّ من أن أكون في مسلاخه من سودة بنت زمعة، إلا أن بها حدة)) وصححه

١١٧
کتاب: الرضاع
فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَلِعَائِشَةَ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
تا
الحافظ في الإصابة أيضاً؛ فإن هذا اللفظ صريح في أنها أرادت به النقد على
٠
قوله: (فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله (وَل ـ لعائشة) وتفصيله ما أخرجه أبو داود
(باب القسم ١ - ٢٩١) عن عائشة، قالت: ((يا ابن أختي! كان رسول الله وَ ل قول لا يفضل بعضنا
على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً، فيدنو من كل
امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة
حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله وَله: يا رسول الله! يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول
الله ◌َّ منها. قالت: نقول: في ذلك أنزل الله عز وجل، وفي أشباهها، أراه قال: ﴿وَإِنِ آَمْرَأَةُ
خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] وتابعه ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد في وصله،
ورواه سعيد بن منصور عن ابن أبي الزناد مرسلا، وأخرج الترمذي والبيهقي (٧ - ٢٩٧) وابن
جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ﴾ إلخ (٥ - ١٨٣) مثله عن ابن عباس.
ولكن أخرج ابن سعد ما يدل على أنه فعاليّا طلقها ثم راجعها، فقال: ((أخبرنا مسلم بن
إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي برزة أن النبي ◌ّ# بعث إلى سودة
بطلاقها، فلما أتاها جلست على طريقه لبيت عائشة، فلما رأته قالت: أنشدك بالذي أنزل عليك
كتابه واصطفاك على خلقه، لم طلقتني؟ ألموجدة وجدتها فيّ؟ قال: لا. قالت: فإني أنشدك
بمثل الأولى لما راجعتني، وقد كبرت ولا حاجة لي في الرجال، ولكني أحب أن أبعث في
نسائك يوم القيامة. فراجعها النبي ◌ّ، قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول
الله (وَّر)) كذا في طبقات ابن سعد (٨ - ٥٤) وهو مرسل رجاله ثقات، كما في فتح الباري (٩ .
٢٧٤) .
وأخرج عبد الرزاق في (باب كيف كان النبي ( 8* يطلق) من مصنفه (٦ - ٢٣٩ حديث:
١٠٦٥٧) عن أبي حنيفة عن الهيثم أو أبي الهيثم: ((أن النبي ◌ّلهو طلق سودة تطليقة، فجلست له
في طريقه، فلما مَرَّ سألته الرجعة، وأن تهب قسمها منه لأي أزواجه شاء، رجاء أن تبعث يوم
القيامة زوجته، فراجعها وقبل ذلك)) وأخرجه أيضاً ابن سعد من طريق الواقدي عن حاتم بن
إسماعيل عن أبي حنيفة، ولم يذكر الهيثم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويمكن التطبيق بين هذه المراسيل وبين ما مرٌّ من
الموصولات بأن سودة خشيت الطلاق، ثم طلقها النبي ◌َّر، ثم تنازلت سودة عن حقها في
القسم، وجمع علي القارىء بين هذه الروايات بأنه وَ لي طلقها رجعية، فخافت أن تنقضي عدتها
دون رجوع، فتنازلت، وراجع المرقاة (٦: ٢٦٢) قبيل باب عشرة النساء.
وأما الحكمة في طلاقه و # إياها، مع كونها أقدم نسائه صحبة، فالذي يظهر لهذا العبد
الضعيف أنه سي* لم يكن يريد أن يفارقها رأساً، ولكنه وَّهُ بُعِثَ معلماً للكتاب مفسراً له، ولو لم

١١٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَوَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةً يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ
سَوْدَةً .
يطلُّق أحداً من نسائه بقيت أحكام الطلاق خالية عن أسوته الحسنة، فطلقها بَّير، ثم راجعها،
لتتبين سنته في الطلاق والرجعة كما تبينت في سائر نواحي الحياة، وليعلم تفسير قول الله عز
وجل: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُوزًا أَوْ إِعَرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء:
١٢٨] وإلا فلا يتصور من مثله 8* أن يفارق زوجته طالت صحبته معها لمحض كبر سنها، والله
سبحانه أعلم.
قوله: (قد جعلت يومي منك لعائشة) قال النووي: ((فيه جواز هبتها نوبتها لضرتها، لأنه
حقها، لكن يشترط رضا الزوج بذلك، لأن له حقاً في الواهبة، فلا يفوته إلا برضاه، ويجوز أن
تهب للزوج فيجعل الزوج نوبتها لمن شاء)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا على مذهب الشافعية، فإنه إذا عينت الواهبة ضرة،
وجب عندهم أن يصرف الرجل نوبتها إلى تلك الضرة بخصوصها، وأما الحنفية فقد اختلفت
أقوال المشايخ في ذلك، فقال ابن نجيم: ((ولعل مشايخنا لم يعتبروا هذا التفصيل لأن هذه الهبة
إنما هي إسقاط عنه، فكان الحق له، سواء وهبت له أو لصاحبتها، فله أن يجعل حصة الواهبة
لمن شاء)) كذا في البحر الرائق (٣: ٢٢٠) ونازعه في النهر، وأقر ابن الهمام قول الشافعية،
ورجحه الشامي في رد المحتار (٣: ٢٠٧).
ثم للواهبة الرجوع متى شاءت اتفاقاً بيننا وبين الشافعية، كما هو مصرح في متون الحنفية
من الكنز وغيره، وذلك لما أخرجه البيهقي عن خالد بن عرعرة قال: سمعت علي بن أبي
طالب رَظُه يقول في قوله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ إلخ قال: ((هو الرجل تكون عنده
امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت، أو تكون دميمة فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون
عندها ليلة وعند الأخرى ليالي، ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوى
بينهما)) كذا في السنن الكبرى للبيهقي (٧: ٢٩٧) باب المرأة ترجع فيما وهبت من يومها من
كتاب القسم والنشوز.
قوله: (يومها ويوم سودة) قال النووي: ((معناه أنه كان يكون عند عائشة في يومها، ويكون
عندها أيضاً في يوم سودة، لا أنه يوالي لها اليومين، والأصح عند أصحابنا أنه لا يجوز الموالاة
للموهوب لها إلا برضى الباقيات، وجوزه بعض أصحابنا بغير رضاهن وهو ضعيف)). قلت:
وهو مذهب مشايخ الحنفية أيضاً؛ فقد حكى ابن عابدين عن ابن الهمام قال: ((والأظهر عندي أن
ليس له ذلك (أي: الموالاة) إلا برضا التي تليها في النوبة، لأنها قد تتضرر بذلك)) راجع رد
المحتار (٣: ٢٠٧).

١١٩
کتاب: الرضاع
٣٦١٥ - (٤٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو
النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا
يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا شَرِيكٌ. كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام، بِهِذَا الإِسْنَادِ؛ أَنَّ سَوْدَةً لَمَّا كَبِرَتْ،
بِمَعْنَى حَدِيثٍ جَرِيرٍ. وَزَادَ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ: قَالَثَّ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي.
٣٦١٦ - (٤٩) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ.
٤٨ - (٠٠٠) - قوله: (وكانت أول امرأة تزوجها بعدي) هذا نص من عائشة في أنه عليَّا
نكحها قبل سودة، وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل، وكذلك قال يونس عن ابن شهاب كما
في الاستيعاب لابن عبد البر (٤ - ٣١٧) ولكن ذكر ابن سعد عن الواقدي أنها كانت أول امرأة
تزوجها رسول الله وَل بعد خديجة، وأنه تزوجها قبل تزوج عائشة، وهو قول قتادة وأبي عبيدة.
قال الحافظ في الفتح (٩: ٢٧٤): «وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة
بالاتفاق، وقد نبه على ذلك ابن الجوزي)».
٤٩ - (١٤٦٤) - قوله: (عن عائشة) إلخ هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة
الأحزاب وفي باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد، من النكاح، ومالك في الرضاع، والنسائي
في الباب الأول من النكاح، وابن ماجه في باب التي وهبت نفسها إلخ من النكاح، وأحمد في
مسند عائشة (٦: ١٥٨) والبيهقي في باب ما أبيح له من الموهوبة (٧: ٥٥).
قوله: (كنت أغار) قال الطيبي: معناه أعيب لأن من غار عاب، ويدل عليه قولها في
الآخر: أما تستحي أن تهب المرأة نفسها للرجل، وهو هنا تقبيح وتنفير لئلا تهب النساء أنفسهن
فتكثر النساء عنده، كذا في شرح الأبي والسنوسي.
قلت: ويدل عليه أيضاً أن أحمد أخرجه من طريق محمد بن بشر بلفظ: ((عن عائشة أنها
كانت تعير النساء اللاتي وهبن إلخ)) وكذلك أخرجه بهذا اللفظ الإسماعيلي في معجمه كما ذكره
الحافظ في التفسير من الفتح (٨: ٤٠٤).
ولقد علمت عائشة رضيها أن الله سبحانه أباح له هذا خاصة، وأن النساء معذورات
ومشكورات في ذلك لعظيم بركته وَير، ولكن حملها على ذلك القول غيرتها عليه وَّل، وقد
تنافس الصحابة والسلف في تقريب ما لمسه من ثوب ونحوه، وكادوا يقتتلون على وضوئه
والتبرك بكل أثر من آثاره، وأين ذلك كله من هذا القرب العظيم الذي لم يتمكن منه أحد سوى
زوجاته، ونقل السنوسي في شرحه لمسلم عن بعض العلماء أنه ذكر زوجاته - * فتمنى أن يكون
واحدة منهن، وحق له ذلك.
قوله: (على اللاتي وهبن أنفسهن) وهذا ظاهر في أن الواهبات أكثر من واحدة، وهن

١٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿نُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَنْ
◌َشَاءٌ وَمَنِ أَبْنَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَّلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ، مَا أَرَىْ رَبَّكَ إِلَّ يُسَارِعُ لَكَ
فِي هَوَاكَ .
خولة بنت حكيم، وفاطمة بنت شريح، وليلى بنت الحطيم، وقد فصل الحافظ أسماءهن في
التفسير من فتح الباري.
وأخرج الطبري بإسناد حسن عن ابن عباس: ((لم يكن عند رسول الله وَ الر امرأة وهبت
نفسها له)) ذكره الحافظ وقال: والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان
مباحاً، لأنه راجع إلى إرادته، لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] راجع فتح
الباري (٨ - ٤٠٤).
قوله: (فلما أنزل الله عز وجل) إلخ اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة
أقوال :
الأول: أنه إباحة له وَ لهو في ترك القسم، ومعنى الإرجاء والإيواء أن يؤخر من شاء منهن
ويبيت مع من شاء، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن
وقتادة وأبي رزين وغيرهم.
الثاني: أنه إباحة له * في طلاق بعض أزواجه وإمساك بعض، وأنه كان همّ بطلاق
بعضهن، فقلن له: لا تطلقنا واقسم لنا ما شئت، فكان يقسم لبعضهن قسماً مستوياً، وهن اللاتي
آواهن، ويقسم للباقي ما شاء، وهن اللاتي أرجأهن.
والثالث: أن الآية في الواهبات، وهو تخيير له 8* أن يقبل من شاء منهن ويرد من شاء.
وحديث عائشة في الباب يؤيد هذا القول الأخير والذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال
الثلاثة. هذا ملخص ما في فتح الباري.
ثم قد اتفقت كلمة أصحاب السير أنه * لم يعمل بهذه الرخصة في ترك القسم، وإنما كان
يقسم لهن جميعاً، فقد أخرج البخاري في كتاب التفسير عن عائشة رضيعاثّا: ((أن رسول الله ولو كان
يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِ مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُقْوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءٌ وَمَنِ
أَبْتَغَيْتَ مِمَنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١].
قوله: (ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك) تعني: ماأرى الله إلا موجداً لما تريد
وترضى بلا تأخير، منزلاً لما تحب وتختار. قال الأبي والسنوسي: ((هذا إكرام أبرزته الغيرة
والإدلال، وإلا فإضافة الهوى إليه ◌َّ مباعد لما يجب على الخلق من تعظيمه، ولو أبدلت
(هواك) (بمرضاتك) كان أولى)). قلت: إن البساطة فيما بين الزوجين لا حاجة فيها إلى هذه