النص المفهرس

صفحات 1-20

مَكتالترفيع الْ لِفُهُ
تأليف
محمّد حَقِيبُ الْبُتْمَانِىُّ
مُراجَعَة وتَقيقِه وتكمَة
يَحْمُودُ ستَاكِرٌ
كتاب الرضاع - كتاب الطلاق - كتاب اللعان
كتاب البيوع - كتاب المساقاة - كتاب العتق
٠٠
الجزء الأول
دَارُ اعْيَاء التراث العربيّ
بَيروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة للناشر
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على
إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Copyright @
All rights reserved
All rights of this publication are reserved exclusively to DAR
EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of
this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho-
tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or
saved on a retrievable system distributed in any form or by any
means, without the prior written permission of the publisher.
الطبعة الأولى
م
2006 . 1426
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش
ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107
هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717
Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache
P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250
Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717

.

٥
تقريظ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
تقريظ
من العلامة المحقق الفقيه المحدث
الشيخ عبد الفتاح أبي غدة الحلبي حفظه الله تعالى
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وفي طليعتهم سيدنا محمد المصطفى،
وبعد، فإن خير ما بين به كلام ربنا الكريم، وفسر به نظم القرآن العظيم، هو حديث سيدنا رسول
الله الصادق الأمين، صلوات الله وسلامه عليه، ورضوانه عن صحابته الأكرمين، وتابعيهم
بإحسان إلى يوم الدين.
وإن خدمة كلام سيدنا رسول الله وسل*، لمن خدمة القرآن الكريم ذاته، الذي هو مصدر
الشريعة الغراء، والعزة القعساء، وسعادة الدارين لمن أراد الاهتداء. وقد قيض الله الكريم
لخدمة السنة وعلومها من أول يوم: رجالاً أفذاذاً، وفحولاً أفواجاً، قاموا بحفظها
وضبطها، وحملها وروايتها، وشرحها ودرايتها، ونقلها بأقصى الضبط والدقة عن سيد الأنبياء،
إلى المؤمنين الأصفياء، حتى كانت ميسرة محفوظة، ومفسرة محظوظة، لم يعهد للعلماء عناية
بعلم كعنايتهم بها .
وإن من أهم ما اعتنى بها علماء السنة المطهرة: صحيحي البخاري ومسلم رضي الله
عنهما، وأجزل الأجر لهما، ولقد حظي كتاب البخاري بالنصيب الأوفر، والقسط الأزخر، وهو
بذلك قمين وخليق، وجدير وحقيق.
أما كتاب مسلم فكانت العناية به دون العناية بكتاب البخاري، وهو من حيث الصيغة
الحديثية في سياقة أحاديثه، أعذب مورداً وأروى مشرباً. وقد خدمه بالشرح والعناية علماء كبار،
وفحول أبرار، كان من آخرهم محقق العصر، ومجمع الفضائل الغر الزهر، مولانا الإمام الهمام
شبير أحمد العثماني رحمه الله تعالى. فكان كتابه الذي شرح به ((صحيح مسلم)) كما سماه: ((فتح
الملهم بشرح صحيح مسلم))، وانتهى به شرحاً إلى كتاب الرضاع، ثم اخترمته المنية قبل بلوغ
الأمنية .
فكان من الحق على عارفيه، والناهلين من موارد علمه وخالفيه، أن ينهضوا بإتمام جميله
وإكمال صنيعه، فاستنهض شيخنا العلامة الأكبر والمفتي الأعظم مولانا محمد شفيع رحمه الله
تعالى: همة نجله الذكي، والعلامة اللوذعي، المحدث النجيب، والفقيه الأديب الأريب، محمد

٦
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تقي العثماني، لإتمام ((فتح الملهم))، عرفاناً منه رحمه الله تعالى بمقام الشيخ الشارح وحقه،
وأداء منه لهذا الحق على يد نجله البارع المفيد.
فكتب حفظه الله تعالى من حيث انتهى العلامة شبير أحمد العثماني، محتذياً مسلكه في
التحقيق والإيفاء، وباذلاً جهده في أن يكون الإكمال بموضع اللبنة من ذلك البنا، وسيقع عمله
بإذن الله وعونه موقع الكمال، وبشكره المسفيدون بما أسد لهم من الإفادات والتحقيقات النادرة
المثال. أتم الله عليه النعمة لإتمام ما به شرع، وتقبل منه ما أجاد به ونفع، والله يعينه ويتولاه،
ويكرمني بصالح دواته، وهو الذي يتولى الصالحين.
وكتبه الفقير إليه تعالى
عبد الفتاح أبو غدة
في كراتشى بدار العلوم
ظهر يوم الأربعاء ٩ ربيع الأول سنة ١٤٠٢ هـ

٧
تقريظ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
تقريظ
من العلامة المحقق الفقيه المحدث
الشيخ عبد الفتاح أبي غدة الحلبي حفظه الله تعالى
هذا ما كنت قرظت به الكتاب ((تكملة شرح صحيح مسلم)) في سنة ١٤٠٢ هـ، وهو هلال
من أول أجزائه، ومستهل بدوه ونمائه، وأما الآن فقد تمّ بدره، واكتمل زهره وعطره، وأخذ
مقامه بين شروح السنة المطهرة للكتاب العظيم ((صحيح مسلم)) فما أجدره بالثناء والتقريظ،
والكشف عن مزاياه النادرة، ومحاسنه الفاخرة، وقد جاء بحمد الله يسرّ الناظرين، ويقرّ عيون
الباحثين والدارسين، شرحاً جليلاً وسفراً حفيلاً، يتلو أصله ((فتح الملهم)) - بفتح من المنعم - في
التحقيق والإيفاء.
ولا عجب في ذلك، فالمؤلف عالم ابن عالم إمام، وحَبْرٍ فقيه رفيع المقام، فهو نجل
شيخنا العلامة الجليل المفتي الأكبر، والمحدث الفقيه الأبصر، مولانا الشيخ محمد شفيع
العثماني الديوبندي، رحمات الله عليه، وإحسانه العظيم إليه .
وقد استوفى المؤلف حفظه الله تعالى في كتابه هذا شرح كل كلمة غريبة في متن الحديث،
وإيضاح كل جملة مشكلة وعبارة مستعصية منه، كما تعرض فيه لحل مواضع الإشكال في
الأسانيد من حيث الصناعة الحديثية، مع ضبط الأسماء والأنساب المشكلة، والتعريف -
باختصار وإيجاز - بالرواة النقلة إذا اقتضى المقام ذلك، ونبّه في بعض الأحيان على لطائف
الإسناد بطريقة المحدثين .
ووفّي البحث حقه من العرض والتحقيق في نقل مذاهب الأئمة، وسرد أدلة كل مذهب عند
الكلام على أحاديث الأحكام، التي اختلفت فيها الأنظار، من حيث الرواية أو الدراية، مع
ترجيح الراجح من الأقاويل المختلفة رواية ودراية بكل نصفة واتزان، متجنيا التعصب والتعسّف
لمذهب بعينه .
ومن مزاياه في أمثال هذه الأبحاث تلخيص كلام الحفاظ والفقهاء المتقدمين، وتقريبه إلى
الأذهان بتنسيق وتنظيم بديعين، بحيث يسهل على القارىء فهمه وتناوله، وهذا سوى الإفادة
والتحقيقات التي خاطره أبو عذرتها وابن بجدتها، وسرى ما منحه الله تعالى عليه من النزاهة
البالغة والأدب الجسم في المناقشات والمحاورات كلها .

٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وهذه ميزة عظيمة أن ألّف ((الشرح)) على ضوء إفادات الأئمة والعلماء السالفين من
المتقدمين والمتأخرين، مع عزو كل قول إلى قائله ومصدره بأمانة ودقة، فلم يكن المؤلف حفظه
الله تعالى كبعض من بعض عن كلام الأئمة اغتراراً بفهمه وعلمه، أو يناقشهم مناقشة النّد للند،
بل كان في غاية الأدب والتقدير للأئمة والعلماء السالفين.
وفي ذلك تربية لقراء كتابه من الطلبة أن يتصفوا بهذه الصفة الحميدة، فقد نبت في هذه
الأيام نابتة ديدنهم تصغير شأن الكبار، وتقديم أنفسهم في المضمار، و(التعالم) أمام النظار،
متأثرين بنشوة الاغترار !!
ومما زاد في حسن هذا الشرح ونفعه أن المؤلف جاء في شرح الأحاديث بزيادات وتتمات
فيها، وردت في الطرق الأخرى التي لم يخرجها الإمام مسلم وأخرجها غيره من أئمة الحديث
أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، إذ السنة المطهرة في كتبها المعتبرة مائدة واحدة،
وفي هذا المنهج أكبر عون لإيضاح مواضع الإشكال والإبهام في متون الأحاديث وأسانيدها،
فإن الروايات يفسّر بعضها بعضاً، والباب إذا لم تجمع طرقه، لم يظهر نسقه وعبقه.
وفي ثنايا ((الشرح)) أبحاث مهمة منثورة من علل الحديث، على منهج حديثي صرف، تفيد
القارىء وتتم المقام، وفي غضون أبحاثه الفقيهة والحديثة مناقشات علمية متينة لكلام الشراح
كالحافظ ابن حجر وغيره، واستدراكات هامة لا بد منها في استيفاء البحث.
وفي ((الشرح)) أيضاً ردود قوية على طوائف أهل الزيغ مع دفع شكوك أهل البدع والأهواء
من السالفين أو الخالفين، ودحض لشبهات المستشرقين والمستغربين من المعاصرين، ببيان
واضح متین، وأسلوب مقنع رصین .
ومن المزايا التي تفرد بها هذا الشرح ما التزم به المؤلف، من شرح أحكام القضايا الفقهية
المعاصرة تحت ما يناسبها من الأحاديث، وفي ذلك إفادة غالية، وتبصير لأهل العلم بالفقه
والحديث في آن واحد، ووصل للقديم بالحديث، وفيه أيضاً تبيين أن السنة النبوية من حيث
قواعدها الجامعة وضوابها الشاملة، تنير أحكام المسائل الحوادث والواقعات المتجددة مهما
تنوعت وتلونت.
وزاد المؤلف في إفادة القراء بما كتبه من المقدمات القيمة التي قدمها أمام كل كتاب من
كتب ((صحيح مسلم))، لتكون مناراً للقارىء في دخوله إلى ذلك الكتاب، وفيها الفوائد والطوائف
للباحثين والمثقفين.
وكل ذلك يتحلى بسهولة التعبير، وفصاحة البيان، ونصاعة الأسلوب، وما إلى ذلك من
المزايا النادرة والمحاسن الفاخرة، التي يتمتع بها في الشرح والحمد لله.
فجزى الله تعالى مؤلفه الأخ الشيخ العلامة اللوزعي، المحدث الفقيه الألمعي القاضي

٩
تقريظ
محمد تقي العثماني عن العلم وأهله خيراً، وأجزل مثوبته في الدنيا والآخرة، وأطال بقاءه في
عافية وسرور وحياة طيبة، ووفقه لأمثال هذا الأثر الجليل من الأعمال الصالحة، النافعة
الرابحة، في دنياه وعقباه، وأكرمني بصالح دعواته في خلواته وجلواته، وهو الذي يتولى
الصالحين.
و کتبه
الفقير إليه تعالى عبد الفتاح أبو غدة
في الرياض ١٤١٥/٨/٨ هـ

١١
تصدير
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَ
تصدير
بقلم العلامة المحقق الشيخ
الدكتور يوسف القرضاوي، جامعة قطر
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن
اتبع هداه. (أما بعد)
فإن السنة النبوية المشرفة هي المصدر الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم. وهي البيان
النظري، والتطبيق العملي لكتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِنُبَيِنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ
إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل، آية: ٤٤].
وقد هيأ الله عز وجل لهذه السنة المطهرة في كل عصر وفي كل مصر رجالاً، يخدمونها
بأنواع شتى من الخدمة: جمعاً لها وذبًا عنها، وردا للمفتريات عليها، ودفعاً للشبهات عنها،
وتصنيفاً لكتبها وتعريفاً برواتها، وتمحيصاً لأسانيدها، وشرحاً لمتونها، ونشراً لدعوتها، وتبليغاً
لرسالتها، وتعليماً لحقائق عقائدها، وأسرار شرائعها، ومكارم أخلاقها، ومحاسن آدابها .
وقد كان لعلماء شبه القارة الهندية - التي تشمل اليوم الهند وباكستان وبنجلاديش - نصيب
وافر من خدمة السنة: تحقيقاً وتخريجاً وتعليقاً وشرحاً ونشراً.
ولا زال العالم الإسلامي في مشرقه ومغربه ينتفع بالمصادر والكتب الحديثية التي نشرت
أول ما نشرت على يد علماء الهند، في حيدرآباد وغيرها، وقد صورت بعد ذلك في بلاد شتى،
طبق الأصل الهندي .
وكان لهؤلاء العلماء الأجلاء في مجال الشرح والتعليق لكتب السنة المعروفة والمتداولة
سهم وافر، ونصيب مرقوق، وخصوصاً الكتب الستة والموطأ، ومشكاة المصابيح، وغيرها .
وقد نوه الداعية الإسلامي الكبير العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي - مد الله في
عمره في خدمة الإسلام - ببعض ما قام به علماء الهند الكبرى في خدمة السنة وشرحها في تقديمه
لكتاب (بذل المجهود في حل أبي داود) للعلامة المحدث الكبير الشيخ خليل أحمد السها

١٢
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
زنفوري، ولكتاب (أوجز المسالك إلى موطأ مالك) للعلامة شيخ الحدي مولانا محمد زكريا
الكاندهلوي، فأغنانا - حفظه الله - بهذا التقديم الجامع النافع عن التنبيه على ذلك أو التذكير به.
ومن المعلوم المقرر لدى علماء الأمة أن صحيحي البخاري ومسلم هما أعظم كتب السنة،
وأصح كتب الإسلام بعد القرآن. ولكل منهما مزاياه وخصائصه، كما يعرف ذلك أهل العلم
والحديث.
ولكن صحيح البخاري حظي من عناية العلماء، بالشرح والتحليل والاستنباط أكثر مما لقيه
صحیح مسلم قديماً وحديثاً .
ومن قرأ كتاب مثل (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون) وجد شروح البخاري
أضعاف شروح مسلم .
ولعلماء الهند في شرح البخاري: (عون الباري) للملك العالم صديق حسن خان و(فيض
الباري) لمحدث عصره الفقيه العلامة الشيخ أنور الكشميري و(لامع الدراري) للفيه المحدث
الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي .
ولهم في شرح مسلم (السراج الوهاج) لصاحب (عون الباري) ثم هذا الشرح المسمى (فتح
الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم) للعلامة المحدث الفقيه مولانا شبير أحمد العثماني، الذي
قدر الله أن يوافيه الأجل قبل أن يكمله، إنما بلغ إلى آخر كتاب النكاح.
وقد ادخر القدر فضل إكماله وإتمامه - إن شاء الله - لعالم جليل من أسرة علم وفضل ((ذرية
بعضها من بعض)) هو الفقيه ابن الفقيه، صديقنا العلامة الشيخ محمد تقي العثماني، بن الفقيه
العلامة المفتي مولانا محمد شفيع رحمه الله وأجزل مثوبته، وتقبله في الصالحين.
وقد أتاحت لي الأقدار أن أتعرف عن كثب على الأخ الفاضل الشيخ محمد تقي، فقد
التقيت به في بعض جلسات الهيئة العليا للفتوى والرقاية الشرعية للمصارف الإسلامية، ثم في
جلسات مجمع الفقه الإسلامي العالمي، وهو يمثل فيه دولة باكستان، ثم عرفته أكثر فأكثر، حين
سعدت به معي عضواً في الهيئة الشرعية لمصرف فيصل الإسلامي بالبحرين، والذي له فروع عدة
في باكستان .
وقد لمست فيه عقلية الفقيه المطلع على المصادر، المتمكن من النظر والاستنباط، القادر
على الاختيار والترجيح، والواعي لما يدور حوله من أفكار ومشكلات - أنتجها هذا العصر -
الحريص على أن تسود شريعة الإسلام وتحكم في ديار المسلمين.
ولا ريب أن هذه الخصائص تجلّت في شرحه لصحيح مسلم، وبعبارة أخرى: في تكملته
لفتح الملهم.

١٣
تصدير
فقد وجدت في هذا الشرح: حسن المحدث، وملكة الفقيه، وعقلية المعلم، وأناة
القاضي، ورؤية العالم المعاصر، جنباً إلى جنب.
ومما يذكر له هنا: أنه لم يلتزم بأن يسير على نفس طريقة شيخه العلامة شبير أحمد، كما
نصحه بذك بعض أحبابه، وذلك لوجود وجيهة ذكرها في مقدمته .
ولا ريب أن لكل شيخ طريقته وأسلوبه الخاص، الذي يتأثر بمكانه وزمانه وثقافته،
وتيارات الحياة من حوله، ومن التكلف الذي لا يحمد محاولة العالم أن يكون نسخة من غيره،
وقد خلقه الله مستقلاً .
لقد رأيت شروحاً عدة لصحيح مسلم، قديمة وحديثة، ولكن هذا الشرح للعلامة محمد
تقي هو أولاها بالتنويه، وأوفاها بالفوائد والفرائد، وأحقها بأن يكون هو (شرح العصر) للصحيح
الثاني.
فهو موسوعة بحق، تتضمن بحوثاً وتحقيقات حديثية، وفقهية، ودعوية وتربوية. وقد هيأت
له معرفته بأكثر من لغة، ومنها الإنجليزية، وكذلك قراءته لثقافة العصر، وإطلاعه على كثير من
تياراته الفكرية، أن يعقد مقارنات شتى بين أحكام الإسلام وتعاليمه من ناحية، وبين الديانات
والفلسفات والنظريات المخالفة من ناحية أخرى وأن يبين هنا أصالة الإسلام وتميزه، كما فعلى
في قدمة كتاب الطلاق ج ١ من التكملة ص ١٢٠ - ١٣٤.
ومثل ذلك حديثه في مقدمة كتاب العتق عن (الرق في الإسلام) ج ١ ص ٢٦٣ - ٢٧٢
وحديثه عن (الاقتصاد في الإسلام) في مقدمة كتاب البيوع، وبيان فضل هذا الاقتصاد، وحقيقة
الثروة الملكية ونقد الرأسمالية والاشتراكية ... إلخ كما في الصفحات ٣٠٠ - ٣١٣.
ومن ذلك حديثه عن (مسألة ملكية الأرض) وهو يشرح حديث جابر: ((من كانت له فضل
أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبي فليمسك أرضه)) حديث (٣٨٠٠) ص ٤٤٥ وردد على
بعض المستغربين الذين يعتسفون في الاستدلال بمجملات القرآن، على منع ملكية الأرض،
أنظر: ص ٤٤٥ - ٤٥٢.
ونحو ذلك حديثه في (باب الحوالة) عن الأوراق المالية الرائجة والكمبيالات والشيك
المصرفي والعملة الورقية. وما إلى ذلك. (ص ٥١٤ - ٥٢٠).
وأمثال ذلك كثير في كتب وأبواب شتى.
ومما يذكر لصاحب التكملة هنا بالثناء والتقدير:
حرصه على نقل المذاهب والأقوال بأمانة. وعرضها بأدلتها بإنصاف، وترجيحه ما يوجبه

١٤
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الدليل منها. وإن كان غير المذهب الحنفي الذي هو مذهبه ومذهب أسرته وأهل بلده، والذي
نشأ عليه وتعمق في الاطلاقع عليه أصولاً وفروعاً .
كما في تعليقه على ثبوت خيار الرد للمشتري في حديث (المصراة) وإن صدره لا ينشرح
بأنه لم يكن شرعاً عاماً، وأنه لا مخالفة فيه للأصول الصحيحة، وما قاله الحنفية في تقسيم اللبن
إلى ما كان وقت العقد، وما حدث بعده. لا يبدو كافياً في صرف الحديث عن ظاهره: (١/
٣٤٥) ومن ذلك ترجيحه مذهب الصاحبين والجمهور من وجوب القصاص بالقتل بالمثقل في
زماننا الذي كثر فيه القتل.
ونحو ذلك ترجيحه ثبوت أحاديث القضاء بشاهد ويمين، وحملها على أحوال العذر التي
لا يتيسر فيها الحصول على نصاب الشهادة الذي أرشدت إليه آية سورة البقرة ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِجَالِكُمْ﴾ (٢/ ٥٦٤، ٥٦٥).
وتأييده لفتوى المتأخرين من علماء الحنفية بالأخذ بقول الشافعية في مسألة الظفر
المعروفة. ونقل عن شارح الكنز (الحموي) وعن صاحب (الدر المختار) وعن ابن العابدين، ما
يدل على ذلك (٢/ ٥٨٠، ٥٨١) إلى غير ذلك من الأمثلة.
ولا أنكر أن هذه الأمثلة ليست كثيرة في الكتاب، ولكنها موجودة، وهي بالنسبة لمن
يعرف المدرسة الهندية ومدى تمسكها بالمذهب الحنفي، والمبالغة في تأييده والانتصار له، لها
قيمتها ودلالتها على إنصاف صاحبها وتحرره من غلو العصبية المذهبية إلى حد كبير.
ومما أعجبني هنا نقله عن والده العلامة محمد شفيع، رحمه الله، تلك الكلمة المخلصة
المضيئة بنور الحق، حين قال لجماعة من الطلاب:
((لا بأس أن تكونوا حنفية في مذهبكم الفقهي، ولكن إياكم وأن تتكلفوا جعل الحديث
النبوي حنيفاً!))
فما أصدقها من نصيحة، وما أبلغها من كلمة!
إن الكتاب حافل بالعلم، ثري بالتحقيق، يلمس فيه قارئه جهداً صادقاً مضنياً، بذله
صاحبه، غير ضنين به، ولا متثاقل عنه، كل ذلك بأسلوب بين، وبعد عن الإلغاز والتعقيد. فجاء
- بحمد الله وتوفيقه - جامعاً بين الأصالة والمعاصرة، محققاً لآمال كثير من طلاب العلم،
وعشاق السنة، ومحبى الفقه.
قد أالف المصنف حفظه الله في بعض ما ذهب إليه، أو اختاره ورجحه من أحكام وآراء،
وهذا أمر طبيعي نظراً لاختلاف البيئة بمؤثراتها الفكرية والنفسية والاجتماعية. والإنسان - وإن
بلغ في العلم ما بلغ - ابن زمانه ومكانه وثقافته، وهذه سنة الله في البشر. ولكن لا يملك المرء

١٥
تصدير
مع هذا الاختلاف - وهو قليل - إلا أن يحترم علم المؤلف ورأيه، ويقدر اجتهاده وإخلاصه،
ويثني على حرصه على طلب الحق والبحث عنه بكل ما يستطيع.
وقد اقترحت عليه حين يطبع الكتاب كله من جديد أن يضيف من (كيسه) حواشي وتعليقات
على شرح العلامة شبير، تقرب القسم الأول من الكتاب بالقسم الأخير منه، كما أمرد لو ضبط
متون الأحاديث من صحيح مسلم بالشكل، مساعدة للقارىء على قراءتها صحيحة.
شكر الله لصديقنا العلامة، وجزاه عن العلم والفقه والسنة خير ما يجزي به العلماء
الصادقين، وجعلنا وإياه من الذين يعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الدوحة جمادى الأولى ١٤١٢ هـ
الموافق نوفمبر ١٩٩١ م
الفقير إلى عفو ربه
يوسف القرضاوي

.

١٧
تصدير
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
تصدير
بقلم فضيلة العلامة الشيخ محمد المختار السلّامي
حفظه الله تعالى مفتي جمهورية تونس
الحمد لله الذي خص نبيه بالعصمة، وأنزل عليه الكتاب فأشرقت على لسانه فصوص
الحكمة. وأتم بوحيه إليه سوابع النعمة. ففتح بسنته عن القلوب أقفالها. وأطلق العقول من أسار
الجمود فكسر أغلالها .
اللهم صل وسلم على من كان فضلك عليه عظيماً، وأعليته مقاماً وسلمت عليه مع ملائكة
قدسك تسليماً. سيدنا ومولانا محمد أفضل العالمين، وكنز العارفين، وعلى آله وصحبه
الطاهرين الطيبين، وعلى زوجاته أمهات المؤمنين، صلاة وسلاماً يضوع نشرهما مضاعفاً إلى يوم
الدین.
أما بعد فإن حكمة العلي القدير، فيما أجرى عليه لطائف التقدير، لتدعو إلى التدبر
والاعتبار، والتأمل فيما أودعه الله في ذلك من أسرار. فقد اختص كتاب الجامع الصحيح لأبي
الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري في العدوة المغربية من العالم الإسلامي بمزيد
العناية، فشرحه أئمة متقنون، وعلماء راسخون، كل منهم ينظر في الجهد الذي قام به سلفه،
فيبني عليه ويكلمه. شرحه الإمام أبو عبد الله المازري وسمي كتابه بالمعلم. ونظر الإمام أبو
الفضل عياض فواصل عمل سلفه وأضاف إليه وسمى شرحه ((إكمال المعلم)) وتلاه الشيخ أبو عبد
الله محمد بن خلقة الوشتاتي، وسمي كتابه ((إكمال إكمال المعلم)) ثم جاء من بعدهم الشيخ
السنوسي فاختصر وأضاف وسمي كتابه «بمكمل إكمال الإكمال».
وقام العلامة النابه الفقيه المحدث، القاضي محمد تقي العثماني بالعدوة الشرقية. بباكستان
براً بمن جمع فيه الشيخ والوالد. لما طلب منه إتمام ما شرع فيه الداعية المجاهد، الشيخ شبير
أحمد العثماني رحمة الله عليه وعنون كتابه بتكملة فتح الملهم.
وقد أكرمني حفظه الله وأعانه، فوصلني وصله الله بالبر والتقوى، وبالجزاء الأوفى،
بالأجزاء الثلاثة التي تم طبعها. وإن جهده شكر الله له لحقيق بالتنويه. وإن منهجه في الشرح
لمنهج العالم الفقيه، والمحدث الحافظ والبصير النافذ، الواسع الاطلاع تحمل في عزم ما يغنى
الدارس لشرحه، عن الرجوع للأسفار، أو تحمل مشاق الرحلة والأسفار. وهيأ قطوف لباب

١٨
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
المعرفة الحديثية دانية، في حلة المليحة الغائية. وذلك بتدقيق السند والتعريف بالرجال وضبط
أسمائهم ثم التعمق في نص الحديث شرحاً واستنباطاً وتحقيقاً لآراء الفقهاء وضبطها. وإنك
لواجد من تضلعه بمذهب الإمام أبي حنيفة ما يضىء لك مغالق بقيت مقفلة داهراً، فيفتض جواهر
منت في أصدافها بكراً .
ويتميز عن غيره من الشروح بأنه الكتاب الذي خترق الأزمان فيعيش معك في هذا العصر،
بما يضطرب فيه من قضايا، فتجد من شجاعته المستنيرة بورع العالم المؤمن، ما يضع أمام
عقلك وقلبك وجهة نظرة جامعة بين التعليل والتأصيل كالاقتصاد في الإسلام. والأوراق النقدية
والضمان وتعدد القضاة ونقض الأحكام ... ويضاف لذلك قوته في الرد على ما يلبسه المبطلون
من مطاعن. فيكشف عن جرثومة انحرافهم. وتهافت آرائهم. ويحرص كلما ظفر بفائدة مهمة في
بطون الكتب التي فترت العزائم عن مخالطتها، وضعفت الهمم عنها. يحرص على تخصيصها
بالذكر والتنبيه .
وليس لي في الختام إلا أن أدعو طلبة العلم للإقبال على هذا الكتاب. وأن يتوجه كل من
انتفع به إلى الله العلي الأعلى أن يجزل مثوبة المؤلف. وأن يفتح على بصيرته وقلبه وعقله بما
فتح به على أوليائه. وأن يجعل عمله مكفول الجزء عنده. وأن يسعده بعونه ليبلغ عمله في شرح
صحيح مسلم كمال النهاية .
تونس ٢٠ شوال ١٤١٢ - ٢٣ إبريل ١٩٩٢
محمد المختار السلامي
مفتي الجمهورية التونسية

١٩
تصدير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
تقريظ
من العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي حفظه الله تعالى
ندوة العلماء لكناؤ (الهند)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد وآله
أجمعين ومن تبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن صحيح مسلم - فضلاً عن كونه من الصحاح الستة باتفاق أهل الفن، والنقاد
وقبول الأمة لهذا الحكم - يمتاز بمزايا شأن الأعمال العلمية، والمجهودات الفنية التي تصدر عن
رجال قد يشتركون في فن وفي عصر، وفي الإخلاص والجهد، ويلتقون على أساتذة وأئمة هذا
الشأن - ((فطرة الله التي فطر الناس عليها)).
نذكر بعضها وأهمها :
١ - هو أسهل متناولاً من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به، جمع فيه
طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها، وأورده في أسانيده المتعددة، وألفاظه المختلفة، ويسهل على
الطالب النظر في وجوهه، واستثمارها، وتحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه .
٢ - ومما يمتاز به صحيح مسلم أن مسلماً رحمه الله يسوق الحديث بكامله في الباب
الواحد، - ولو كان الحديث طويلاً - كما هو الحال في المزية الأولى، حيث يجمع طرقه فيه،
ولا يكرر ذلك في أبواب أو كتب مختلفة إلا نادراً.
٣ - ومما يمتاز به صحيح مسلم أنه ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد، ولم يمازجه
غير صحيح من أقوال التابعين، وأتباع التابعين، والنصوص الفقهية ولم يتصد استنباط الأحكام.
٤ - ومما يمتاز به صحيح مسلم اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة، حدثنا فلان وفلان -
واللفظ لفلان - وإذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث أو صفة الراوي، أو نسبه، أو
نحو ذلك، فإنه يبينه، كما يمتاز صحيح مسلم بأنه ثاني مصنف يجمع الحديث الصحيح المجرد،
إذ الأول صحيح البخاري(١).
(١) مقتبس من رسالة ((المدخل إلى دراسات الحديث النبوي الشريف)) للكاتب، طبع المجمع الإسلامي العلمي
في ندوة العلماء، لكناؤ (الهند).

٢٠
الجزء الأول من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ويقول العلامة الإمام الشيخ عبد العزيز ابن الإمام حكيم الإسلام الشيخ أحمد بن عبد الله
الرحيم المعروف بالشيخ ولي الله الدهلوي.
«إن الإمام مسلم قد أودع في صحيحه عجائب فن الحديث خصوصاً في سرد الأسانيد،
وحسن سياق المتون بورع تام وتحرِّ لا شك فيه، لا في الرواية وتلخيص الطرق مع الاختصار
وضبط الانتشار إلى حد لا نظير له فيه، لذلك فضل الحافظ أبو علي النيسابوري صحيح مسلم
على مؤلفات هذا العلم، فقال:
((ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم)) وذهب الجماعة من المغاربة إلى ذلك،
ودليلهم أن شرط مسلم أنه لا يسرد حديثاً إلا الحديث الذي رواه تابعيان عن اثنين من الصحابة،
وهكذا في الجميع من الطبقات من تبع التابعين ومن دونهم (١).
ولا بد هنا من التنويه بأن شرح النووي لمسلم يمتاز من بين شروح الحديث بخصائص
ومزايا، ترجع إلى إخلاص الشارح وربّانيته واقتداره على الشرح والإيضاح في سهولة ويسر،
منها إحداث الذوق والمناسبة بالحديث النبوي الشريف في نفوس القراء، وقد جربه الكاتب في
عهد الطلب والدراسة الأولى للحديث.
ويطول استعراض الشروح والتعليقات على صحيح مسلم مدى العصور والأجيال، وعلى
مستويات من البحث والتنقيح، والنفع والإفادة.
وقيض الله في عصرنا الحاضر وفي محيطنا العلمي والديني والتأليفي، العلامة الشيخ شبير
أحمد العثماني الديويندي المتوفي سنة ١٣٦٩ هـ لشرح صحيح مسلم، وكان جديراً بذلك، قديراً
عليه، لرسوخه في العلوم الشرعية وتضلعه منها، مع صحة العقيدة وسلامة الفكر، وما يحتاج إليه
الجيل الإسلامي الجديد، والعصر الحديث، من تحقيقات وإقناعات علمية عقلية كلامية، وما
يقتضيه الزمان من بسط في بعض المواضع، وإيجاز في بعضها، وما أثير في هذا العهد من
بحوث وتساؤلات وتشكيكات لتأثير الحضارة الغربية، والنظم التعليمية الأجنبية، مع بيان أسرار
الشريعة، مستفيداً في ذلك من كتب الإمام ولي الله الدهلوي رحمه الله، والإمام الغزالي رحمه
الله، والشيخ محي الدين ابن عربي رحمه الله، مع الاستدلال للمذهب الحنفي في القضايا
الشرعية، وإيضاحه مع البحث المقارن، والدراسة المقارنة، ونقل ما انتقل من جيل إلى جيل من
الدراسين لكتب الحديث والمدرسين لها، من تحقيقات أساتذة هذه المدرسة الحديثية الحنفية،
وما جاء منها في كتاب مطمور أو مغمور، لم يكن يمتناول طلبة هذا الفن، مع إعطاء مذاهب
غير المذهب الحنفي، حقها من لعرض الصحيح، والبحث المنصف.
(١) بستان المحدثين (بالفارسية) للعلامة الإمام الشيخ عبد العزيز الدهلوي ص ١٠٤ - ١٠٥.
هذا ما ذكره الشيخ عبد العزيز الدهلوي رحمه الله نقلاً عن بعض المغاربة، ولكن التزام الإماء مسلم بهذا
الشرط في صحيحه لا يخلد من نظر .