النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
كتاب: الحج
قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ! حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَا عَائِشَةُ! لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ
الْحِجْرٍ. فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ)) فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةً: لاَ تَقُلْ
هُذَا. يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هذَا.
قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ، لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ.
(٧٠) - باب: جدر الكعبة وبابها
٣٢٣٦ - (٤٠٥) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ. حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ
أَبِي الشّعْنَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، عَنِ الْجَدْرِ
أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: ((إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ
النَّفَقَةُ)) قلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: ((فَعَلَ ذُلِكَ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ
شَاؤُوا. وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لَنَظَرْتُ أَن
أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ)).
٣٢٣٧ - (٤٠٦) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ (يعْنِي ابْنَ
مُوسَى) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشّعْثَاءِ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةً.
قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّرَ عَنِ الْحِجْرِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي الأَخِوَصِ.
وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً لاَ يُضْعَدُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِسُلَّم؟ وَقَالَ: ((مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ
قُلُوبُهُمْ)) .
قوله: (فقال الحرث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم
المؤمنين تحدث) هذا فيه الانتصار للمظلوم، ورد الغيبة، وتصديق الصادق إذا كذبه إنسان.
والحرث هذا تابعي. وهو: الحرث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة.
٧٠ - باب: جدر الكعبة وبابها
قولها: (سألت رسول الله (َّ﴿ عن الجدر) وفي آخر الحديث: (لنظرت أن أدخل الجدر في
البيت) هو بفتح الجيم وإسكان الدال المهملة. وهو الحجر. وسبق بيان حكمه. قوله امَّ في
حديث سعيد بن منصور: (ولولا أن قومك حديث عهدهم في الجاهلية) هكذا هو في جميع النسخ
في الجاهلية، وهو بمعنى: بالجاهلية كما في سائر الروايات. والله أعلم.
٤٨٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٧١) - باب: الحج عن العاجز لزمانة
وهرم ونحوهما، أو للموت
٣٢٣٨ - (٤٠٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ رَدِيْفَ
رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَشْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ. فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ.
فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِ الآخَرِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ
فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَذْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً. لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ.
أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ) وَذُلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
٣٢٣٩ - (٤٠٨) حدّثني عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنٍ جُرَيْج، عَنِ ابْنِ
شِهَاب. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسَ، عَنِ الْفَضْلِ؛ أَنَّ أَمْرَأَةً مِنْ خَطَّعَمَ قَالَّتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخْ كَبِيرٌ. عَلَّيْهِ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجْ. وَهُوَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيّ
٧١ - باب: الحج عن العاجز لزمانة
وهرم ونحوهما أو للموت
٣٢٣٨ - قوله: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله وَلر، فجاءته امرأة من خثعم
تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه فجعل رسول الله ◌َلا يصرف وجه الفضل إلى الشق
الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع
أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم وذلك في حجة الوداع).
وفي الرواية الأخرى: (فحجي عنه). هذا الحديث فيه فوائد: منها جواز الإرداف على
الدابة إذا كانت مطبقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة في الاستفتاء، والمعاملة وغير
ذلك. ومنها تحريم النظر إلى الأجنبية. ومنها: إزالة المنكر باليد لمن أمكنه، ومنها جواز النيابة
في الحج عن العاجز المأيوس منه بهرم، أو زمانة، أو موت. ومنها جواز حج المرأة عن الرجل.
ومنها: بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وحج عنهما وغير ذلك. ومنها:
وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه، مستطيع بغيره، كولده. وهذا مذهبنا لأنها قالت: أدركته
فريضة الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة. ومنها: جواز قول: حجة الوداع وأنه لا
يكره ذلك. وسبق بيان هذا مرات. ومنها: جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها. وهو
مذهبنا، ومذهب الجمهور جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب. وهو، الزمانة، والهرم
ونحوهما. وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج
حجة الإسلام. قال القاضي: وحكي عن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا
٠
٤٨٣
كتاب: الحج
عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ بَهِ: ((فَحُجِّي عَنْهُ)) .
(٧٢) - باب: صحة حج الصبيّ، وأجر من حج به
٣٢٤٠ _ (٤٠٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ.
جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ
كُرَيْبٍ مَوْلَّى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَ. لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ. فَقَالَ: ((مَنِ
الْقَوْمُ؟)) قَالُوا: الْمُسْلِّمُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: ((رَسُولُ اللَّهِ)) فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا
فَقَالَتْ: أَلِهِذَا حَجّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ. وَلَكِ أَجْرٌ)) .
٣٢٤١ - (٤١٠) حدّثنا أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ،
غيره. وهي رواية عن مالك وإن أوصى به. وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن
فرضه ونذره، سواء أوصى به أم لا، ويجزي عنه. ومذهب الشافعي وغيره أن ذلك واجب في
تركته. وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة في حج التطوع على أصح القولين. واتفق العلماء على جواز
حج المرأة عن الرجل إلا الحسن بن صالح فمنعه. وكذا يمنعه. من منع أصل الاستنابة مطلقاً.
والله أعلم.
٧٢ - باب: صحة حج الصبي وأجر من حج به
٣٢٤٠ - قوله: (لقي ركباً بالروحاء فقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟
قال: رسول الله) وَّر. الركب أصحاب الإبل خاصة. وأصله أن يستعمل في عشرة فما دونها.
وسبق في مسلم في الأذان، أن الروحاء مكان على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة. قال القاضي
عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً، فلم يعرفوه وَّل، ويحتمل كونه نهاراً، لكنهم لم يروه ◌َّل
قبل ذلك لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم. ولم يهاجروا قبل ذلك.
قوله: (فرفعت امرأة صبياً لها فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر) فيه حجة للشافعي،
ومالك وأحمد وجماهير العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه، وإن كان لا يجزيه عن
حجة الإسلام، بل يقع تطوعاً، وهذا الحديث صريح فيه. وقال أبو حنيفة: لا يصح حجه. قال
أصحابه: وإنما فعلوه تمريناً له ليعتاده، فيفعله إذا بلغ. وهذا الحديث يرد عليهم. قال القاضي: لا
خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان، وإنما منعه طائفة من أهل البدع، ولا يلتفت إلى
قولهم. بل هو مردود بفعل النبي ◌ّر وأصحابه، وإجماع الأمة. وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه
هل ينعقد حجه وتجري عليه أحكام الحج، وتجب فيه الفدية ودم الجبران، وسائر أحكام البالغ؟
فأبو حنيفة يمنع ذلك كله. ويقول: إنما يجب ذلك تمريناً على التعليم، والجمهور يقولون: تجري
٤٨٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا. فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِهَذَا حَجٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ. وَلَكِ أَجْرٌ)).
٣٢٤٢ - (٤١١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ؛ أَنَّ امْرَأَةٌ رَفَعَتْ صَبِيّاً فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِهِذَا حَجِّ؟
قَالَ : ((نَعَمْ. وَلَكِ أَجْرٌ)) .
٣٢٤٣ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. بِمِثْلِهِ .
(٧٣) - باب: فرض الحج مرة في العمر
٣٢٤٤ - (٤١٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ
عليه أحكام الحج في ذلك، ويقولون حجه منعقد يقع نفلاً، لأن النبي وَلّ جعل له حجاً. قال
القاضي: وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام، إلا فرقة شذت. فقالت: يجزئه.
ولم تلتفت العلماء إلى قولها .
قوله وقوله: (ولك أجر) معناه: بسبب حملها له وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم وفعل ما يفعله
المحرم. والله أعلم. وأما الولي الذي يحرم عن الصبي، فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي
ماله. وهو أبوه أو جده أو الوصي أو القيم من جهة القاضي، أو القاضي أو الإمام. وأما الأم فلا
يصح إحرامها عنه، إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة القاضي. وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام
العصبة، وإن لم يكن لهم ولاية المال، هذا كله إذا كان صغيراً لا يميز، فإن كان مميزاً أذن له
الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي أو أحرم الولي عنه، لم ينعقد على الأصح، وصفة إحرام
الولي عن غير المميز، أن يقول بقلبه: جعلته محرماً. والله أعلم.
٧٣ - باب: فرض الحج مرة في العمر
٣٢٤٤ - قوله : (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا، فقال رجل: أكل عام
يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها: ثلاثاً. فقال رسول الله مَّه: لو قلت نعم لوجبت ولما
استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على
أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) هذا الرجل السائل
هو الأقرع بن حابس. كذا جاء مبيناً في غير هذه الرواية، واختلف الأصوليون في أن الأمر هل
يقتضي التكرار. والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه. والثاني: يقتضيه. والثالث: يتوقف فيما زاد
على مرة على البيان فلا يحكم باقتضائه ولا يمنعه، وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف،
٤٨٥
كتاب: الحج
مُسْلِمِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَ:
(أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَّيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُوا)) فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَام؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ!
فَسَكَتَ. حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثَاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَوْ قُلْتُ نَعَمْ. لَوَجَبَتَْ. وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)).
لأنه سأل فقال: أكل عام، ولو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه، لم يسأله. ولقال له
النبي وَله: لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا، وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل
استظهاراً واحتياطاً. وقوله: (ذروني ما تركتكم) ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار. قال الماوردي:
ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر لأن الحج في اللغة قصد فيه تكرر، فاحتمل
عنده التكرار من جهة إلاشتقاق، لا من مطلق الأمر، قال: وقد تعلق بما ذكرناه عن أهل اللغة
ههنا. من قال: بإيجاب العمرة، وقال: لما كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل
عمران: ٩٧] يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحج لا يجب
إلا مرة. كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة لأنه لا يجب قصده لغير حج وعمرة
بأصل الشرع.
وأما قوله ◌َّطيار: (لو قلت نعم، لوجبت). ففيه دليل للمذهب الصحيح، أنه مَليل كان له أن
يجتهد في الأحكام ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي. وقيل: يشترط. وهذا القائل يجيب عن
هذا الحديث بأنه لعله أوحى إليه ذلك. والله أعلم.
قوله ◌َ له: (ذروني ما تركتكم) دليل على أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا حكم قبل ورود
الشرع. وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين. لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
قوله وَله: (فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن
جوامع الكلم التي أعطيها وَّر. ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها. فإذا عجز
عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل،
غسل الممكن. وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن. وإذا
وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم أو نحو ذلك وأمكنه البعض فعل الممكن.
وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن. وأشباه هذا كثيرة غير
منحصرة. وهي مشهورة في كتب الفقه. والمقصود التنبيه على أصل ذلك. وهذا الحديث موافق
لقول الله تعالى: ﴿فَنَقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وأما قوله تعالى: ﴿ أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾ [آل
عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم) والثاني
وهو الصحيح أو الصواب، وبه جزم المحققون أنها ليست منسوخة، بل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله
ما استطعتم﴾ مفسرة لها ومبينة للمراد بها، قالوا: وحق تقاته هو امتثال أمره واجتناب نهيه. ولم
يأمر سبحانه وتعالى إلا بالمستطاع، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:
٤٨٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ قَالَ: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ. فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى
أَنْبِيَائِهِمْ. فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ)).
(٧٤) - باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره
٣٢٤٥ - (٤١٣) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ
الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَخْبَرَنِي نَافِعْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: (لاَ تُسَافِر
الْمَرْأَةُ ثَلاثَاً، إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَخْرَمِ)) .
٣٢٤٦ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ.
ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. بِهِذَا الإِسْنَادِ.
فِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: فَوْقَ ثَلاَثٍ. وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ: (ثَلاثَةً إِلَّ وَمَعَهَا
ذُو مَخْرَمِ».
٢٨٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ﴾ [الحج: ٧٨] والله أعلم.
وأما قوله مَّظهر: (وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) فهو علی إطلاقه، فإن وجد عذر يبيحه كأكل
الميتة عند الضرورة، أو شرب الخمر عند الإكراه، أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره أو نحو ذلك،
فهذا ليس منهياً عنه في هذا الحال. والله أعلم. وأجمعت الأمة على أن الحج لا يجب في العمر،
إلا مرة واحدة. بأصل الشرع. وقد تجب زيادة بالنذر، وكذا إذا أراد دخول الحرم لحاجة، لا
تتكرر كزيارة وتجارة. على مذهب من أوجب الإحرام لذلك بحج أو عمرة. وقد سبقت المسألة
في أول كتاب الحج. والله أعلم.
٧٤ - باب: سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره
٣٢٤٥ - قوله وَ *: (لا تسافر المرأة ثلاثاً، إلا ومعها ذو محرم) وفي رواية: (فوق ثلاث)
وفي رواية: (ثلاثة) وفي رواية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاث ليال،
إلا ومعها ذو محرم) وفي رواية: (لا تسافر المرأة يومين من الدهر، إلا ومعها ذو محرم منها أو
زوجها) وفي رواية: (نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين) وفي رواية: (لا يحل لامرأة مسلمة تسافر
مسيرة ليلة إلا ومعها ذو حرمة منها) وفي رواية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر
مسيرة يوم، إلا مع ذي محرم) وفي رواية: (مسيرة يوم وليلة) وفي رواية: (لا تسافر امرأة إلا مع
ذي محرم). هذه روايات مسلم. وفي رواية لأبي داود: (لا تسافر بريداً) والبريد مسيرة نصف
يوم. قال العلماء: اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين، واختلاف المواطن، وليس في النهي
عن الثلاثة تصريح بإباحة اليوم أو الليلة أو البريد. قال البيهقي: كأنه ◌َّر سئل عن المرأة تسافر
٤٨٧
كتاب: الحج
٣٢٤٧ - (٤١٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لاِمِرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَخْرَمٍ)).
٣٢٤٨ _ (٤١٥) حدّثنا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ
قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ (وَهُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ) عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ:
سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثاً فَأَعْجَبَنِي. فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ بَ؟ قَالَ: فَأَقُولُ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وََّ مَا لَمْ أَسْمَعْ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((لاَ تَشُدُّوا
الرِّحَالَ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَىْ)).
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنٍ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَخْرَمَ مِنْهَا، أَوْ زَوْجُهَا)).
٣٢٤٩ - (٤١٦) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَّا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ قَالَ:
ثلاثاً بغير محرم، فقال: لا. وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا. وسئل عن سفرها يوماً،
فقال: لا. وكذلك البريد. فأدى كل منهم ما سمعه، وما جاء منها مختلفاً عن راو واحد، فسمعه
في مواطن فروى تارة هذا، وتارة هذا، وكله صحيح. وليس في هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه
اسم السفر. ولم يرد ◌ّ تحديد أقل ما يسمى سفراً. فالحاصل أن كل ما يسمى سفراً تنهى عنه
المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام، أو يومين أو يوماً أو بريداً أو غير ذلك. لرواية
ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) وهذا يتناول
جميع ما يسمى سفراً. والله أعلم. وأجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا
استطاعت لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله بَّ: (بني
الإسلام على خمس) الحديث، واستطاعتها كاستطاعة الرجل، لكن اختلفوا في اشتراط المحرم
لها، فأبو حنيفة يشترطه لوجوب الحج عليها إلا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل.
ووافقه جماعة من أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي. وحكي ذلك أيضاً عن الحسن البصري،
والنخعي، وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي في المشهور عنه:
لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها. قال أصحابنا: يحصل الأمن بزوج أو محرم أو
نسوة ثقات. ولا يلزمها الحج عندنا إلا بأحد هذه الأشياء. فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها.
لكن يجوز لها الحج معها. هذا هو الصحيح. وقال بعض أصحابنا: يلزمها بوجود نسوة أو امرأة
واحدة. وقد يكثر الأمن ولا تحتاج إلى أحد بل تسير وحدها في جملة القافلة وتكون آمنة.
والمشهور من نصوص الشافعي، وجماهير أصحابه، هو الأول. واختلف أصحابنا في خروجها
لحج التطوع، وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التي ليست واجبة. فقال بعضهم:
٤٨٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ أَرْبَعاً. فَأَعْجَبْنَنِي وَأَنَقْتَنِي. نَهَى أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَة يَوْمَيْنِ إِلاّ
وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَخْرَمٍ. وَاقْتَصَّ بَاقِي الْحَدِيثِ.
يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات، كحجة الإسلام. وقال الجمهور: لا يجوز إلا مع زوج أو
محرم. وهذا هو الصحيح الأحاديث الصحيحة، وقد قال القاضي: واتفق العلماء على أنه ليس لها
أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم. إلا الهجرة من دار الحرب. فاتفقوا على أن
عليها أن تهاجر منها إلى دار الإسلام وإن لم يكن معها محرم. والفرق بينهما أن إقامتها في دار
الكفر حرام، إذا لم تستطع إظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها. وليس كذلك التأخر عن
الحج، فإنهم اختلفوا في الحج هل هو على الفور أم على التراخي؟ قال القاضي عياض: قال
الباجي هذا عندي في الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة، فتسافر كيف شاءت في كل الأسفار بلا
زوج ولا محرم. وهذا الذي قاله الباجي: لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة
الشهوة ولو كانت كبيرة. وقد قالوا: لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع في الأسفار من سفهاء الناس،
وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينه ومروءته وخيانته ونحو
ذلك والله أعلم. واستدل أصحاب أبي حنيفة برواية ثلاثة أيام لمذهبهم أن قصر الصلاة في السفر
لا يجوز إلا في سفر يبلغ ثلاثة أيام. وهذا استدلال فاسد. وقد جاءت الأحاديث بروايات مختلفة
كما سبق وبينا مقصودها. وأن السفر يطلق على يوم وعلى بريد وعلى دون ذلك. وقد أوضحت
الجواب عن شبهتهم إيضاحاً بليغاً في باب صلاة المسافر من ((شرح المهذب)). والله أعلم.
قوله ◌َمليار: (إلا ومعها ذو محرم) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن جميع المحارم
سواء في ذلك. فيجوز لها المسافرة مع محرمها بالنسب، كابنها وأخيها وابن أخيها وابن أختها
وخالها وعمها، ومع محرمها بالرضاع كأخيها من الرضاع وابن أخيها وابن أختها منه ونحوهم،
ومع محرمها من المصاهرة كأبي زوجها وابن زوجها، ولا كراهة في شيء من ذلك. وكذا يجوز
لكل هؤلاء الخلوة بها، والنظر إليها من غير حاجة، ولكن لا يحل النظر بشهوة لأحد منهم. هذا
مذهب الشافعي والجمهور، ووافق مالك على ذلك كله إلا ابن زوجها فكره سفرها معه لفساد
الناس بعد العصر الأول، ولأن كثيراً من الناس لا ينفرون من زوجة الأب نفرتهم من محارم
النسب. قال: والمرأة فتنة. إلا فيما جبل الله تعالى النفوس عليه من النفرة عن محارم النسب،
وعموم هذا الحديث يرد على مالك والله أعلم. واعلم أن حقيقة المحرم من النساء التي يجوز
النظر إليها والخلوة بها والمسافرة بها. كل من حرم نكاحها على التأبيد. بسبب مباح لحرمتها.
فقولنا: على التأبيد احتراز من أخت المرأة وعمتها وخالتها ونحوهن. وقولنا: بسبب مباح احتراز
من أم الموطوءة بشبهة. وبنتها فإنهما تحرمان على التأبيد، وليستا محرمين لأن وطء الشبهة لا
يوصف بالإباحة، لأنه ليس بفعل مكلف، وقولنا لحرمتها احتراز من الملاعنة، فإنها محرمة على
التأبيد بسبب مباح، وليست محرماً، لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظاً. والله أعلم ..
٤٨٩
كتاب: الحج
٣٢٥٠ - (٤١٧) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِ: ((لاَ
تُسَافِرِ الْمَّرْأَةُ ثَلاَثَاً، إِلاَّ مَعَ ذِي مَخْرَم)).
٣٢٥١ - (٤١٨) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. جَمِيعاً عَنْ مُعَاذِ بْنِ
هِشَامٍ. قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذْ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُذْرِيِّ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَيِّ قَالَ: ((لاَ تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، إِلَّ مَعَ ذِي مَخْرَمِ)).
٣٢٥٢ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
بِهُذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِ، إِلَّ مَعَ ذِي مَخْرَم)).
٣٢٥٣ - (٤١٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ
قوله ◌َّة: (لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد
الأقصى) فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة ومزيتها على غيرها، لكونها مساجد الأنبياء
صلوات الله وسلامه عليهم، ولفضل الصلاة فيها. ولو نذر الذهاب إلى المسجد الحرام لزمه قصده
لحج أو عمرة، ولو نذره إلى المسجدين الآخرين. فقولان: للشافعي أصحهما عند أصحابه :
يستحب قصدهما ولا يجب، والثاني: يجب. وبه قال كثيرون من العلماء. وأما باقي المساجد
سوى الثلاثة، فلا يجب قصدها بالنذر ولا ينعقد نذر قصدها. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة .
إلا محمد بن مسلمة المالكي فقال: إذا نذر قصد مسجد قباء لزمه قصده، لأن النبي وَل# كان يأتيه
كل سبت راكباً وماشياً. وقال الليث بن سعد: يلزمه قصد ذلك المسجد. أي مسجد كان. وعلى
مذهب الجماهير لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شيء. وقال أحمد: يلزمه كفارة يمين. واختلف العلماء
في شد الرحال وأعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة. كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى
المواضع الفاضلة ونحو ذلك. فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام. وهو الذي
أشار القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين
والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره. قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة، إنما هي في شد الرحال إلى
هذه الثلاثة خاصة والله أعلم.
قوله: (فأعجبنني وآنقنني) قال القاضي: معنى آنقنني: أعجبتني. وإنما كرر المعنى لاختلاف
اللفظ. والعرب تفعل ذلك كثيراً للبيان والتوكيد. قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ
وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] والصلاة من الله الرحمة. وقال تعالى: ﴿فَكُواْ مِمَّا غَنِعْتُمْ حَلًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:
٦٩] والطيب هو الحلال. ومنه قول الحطيئة:
ألا حبذا هند وأرض بها هند
والنأي هو: البعد.
وهند أتى من دونها النأي والبعد
٤٩٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ، إِلاَّ
وَمَعَهَا رَجُلٌ ذُو حُزْمَةٍ مِنْهَا)) .
٣٢٥٤ - (٤٢٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ.
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَرِ. قَالَ: ((لاَ يَجِلُّ لامْرَأَةٍ
تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةً يَوْمٍ، إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمِ».
٣٢٥٥ - (٤٢١) وحدّثنا يَخْيَى بْنُ يَخْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَىْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ
تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةً يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا)) .
قوله: (حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن
أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله وَ لجر قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر
تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم منها) هكذا وقع هذا الحديث في نسخ بلادنا، عن سعيد
عن أبيه، قال القاضي عياض: وكذا وقع في النسخ عن الجلودي وأبي العلاء والكسائي. وكذا
رواه مسلم في الإسناد السابق قبل هذا، عن قتيبة عن الليث عن سعيد عن أبيه. وكذا رواه
البخاري ومسلم من رواية ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه قال: واستدرك الدارقطني عليهما
إخراجهما هذا عن ابن أبي ذئب، وعلى مسلم إخراجه إياه. عن الليث عن سعيد عن أبيه وقال:
الصواب عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه. واحتج بأن مالكاً ويحيى بن أبي كثير وسهيلاً
قالوا: عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يذكروا عن أبيه. قال: والصحيح عن مسلم في حديثه
هذا عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه. وكذا ذكره أبو
مسعود الدمشقي، وكذا رواه معظم رواة ((الموطأ)) عن مالك. قال الدارقطني: ورواه الزهراني
والقروي عن مالك. فقالا: عن سعيد عن أبيه هذا كلام القاضي. قلت: وذكر خلف الواسطي في
الأطراف أن مسلماً رواه عن يحيى بن يحيى عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وكذا
رواه أبو داود في كتاب الحج من ((سننه)) والترمذي في النكاح عن الحسن بن علي عن بشر بن
عمر عن مالك عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه أبو
داود في الحج أيضاً، عن القعنبي والعلاء عن مالك عن يوسف بن موسى عن جرير كلاهما عن
سهيل عن سعيد عن أبي هريرة. فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه. فلعله سمعه من
أبيه عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه. فرواه تارة كذا وتارة كذا، وسماعه من أبي
هريرة صحيح معروف. والله أعلم.
قوله ◌َله: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) هذا استثناء منقطع، لأنه متى كان
٤٩١
كتاب: الحج
٣٢٥٦ - (٤٢٢) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّل) حَدَّثَنَا
سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: ((لاَ يَحِلُّ لإِمْرَأَةٍ
أَنْ تُسَافِرَ ثَلاثَاً، إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا)).
٣٢٥٧ - (٤٢٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَّةً.
قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لاَ يَحِلُّ لَاِرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَراً يَكُونُ
ثَلاثَةَ أَيَّام فَصَاعِداً، إِلَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْتُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا)).
٣٢٥٨ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
وَكِيعْ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٣٢٥٩ - (٤٢٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كِلاَهُمَا عَنْ سُفْيَانَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِّي مَعْبَدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ
ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَخْطُبُ يَقُولُ: ((لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ وَمَعَهَا ذُو
مَخْرَمِ. وَلاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّ مَعَ ذِي مَخْرَم)) فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّ امْرَأَتِي
معها محرم لم تبق خلوة. فتقدير الحديث: لا يقعدن رجل مع امرأة إلا ومعها محرم.
وقوله تعالى: (ومعها ذو محرم) يحتمل أن يريد محرماً لها، ويحتمل أن يريد محرماً لها أو
له، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء، فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم
لها كابنها وأخيها وأمها وأختها، أو يكون محرماً له، كأخته وبنته وعمته وخالته، فيجوز القعود
معها في هذه الأحوال، ثم إن الحديث مخصوص أيضاً بالزوج، فإنه لو كان معها زوجها كان
كالمحرم، وأولى بالجواز. وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما، فهو حرام باتفاق
العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره، كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك. فإن
وجوده كالعدم. وكذا لو اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام. بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة
أجانب. فإن الصحيح جوازه. وقد أوضحت المسألة في ((شرح المهذب)) في باب صفة الأئمة في
أوائل كتاب الحج. والمختار أن الخلوة بالأمرد الأجنبي الحسن كالمرأة فتحرم الخلوة به، حيث
حرمت بالمرأة. إلا إذا كان في جمع من الرجال المصونين. قال أصحابنا: ولا فرق في تحريم
الخلوة حيث حرمناها بين الخلوة في صلاة أو غيرها. ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة، بأن
يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق أو نحو ذلك. فيباح له استصحابها، بل يلزمه ذلك إذا خاف
عليها لو تركها. وهذا لا اختلاف فيه، ويدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك.
والله أعلم.
٤٩٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
خَرَجَتْ حَاجَّةً. وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ((انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ)).
٣٢٦٠ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، بِهذَا
الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
٣٢٦١ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَذَّثَنَا هِشَامٌ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ)
الْمَخْرَومِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ((لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ
وَمَعَهَا ذُو مَخْرَمٍ».
(٧٥) - باب: ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره
٣٢٦٢ - (٤٢٥) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ
ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَلِيًّا الأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَّى بَعِيرِهِ خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلاثَاً، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَنَ
[الزخرف: ١٣ - ١٤]. اللَّهُمَّ!
١٤
الَّذِى سَخَرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ
إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هُذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَىُ. وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى. اللَّهُمَّ! هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا
قوله: (فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا
وكذا. قال: انطلق فحج مع امرأتك) فيه تقديم الأهم من الأمور المتعارضة، لأنه لما تعارض
سفره في الغزو، وفي الحج معها. رجح الحج معها، لأن الغزو يقوم غيره فيه مقامه عنه، بخلاف
الحج معها .
قوله: (وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا هشام يعني: ابن سليمان المخزومي عن ابن جريج بهذا
الإسناد نحوه. ولم يذكر: ولا يخلون رجل بامرأة، إلا ومعها ذو محرم) هذا آخر الفوات الذي لم
يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان من مسلم. وقد سبق بيان أوله عند أحاديث: رحم الله
المحلقين والمقصرين. ومن هنا قال أبو إسحاق: حدثنا مسلم بن الحجاج. قال: وحدثني
هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج أخبرني أبو الزبير
الحديث، وهو أول الباب الذي ذكره متصلاً بهذا. والله أعلم.
٧٥ - باب: استحباب الذكر إذا ركب دابته متوجهاً لسفر حج
أو غيره وبيان الأفضل من ذلك الذكر
٣٢٦٢ - قوله: (كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: ﴿سُبْحَنَ اُلَّذِى
سَخَرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] إلى آخره) معنى مقرنين: مطيقين أي: ما كنا
٤٩٣
كتاب: الحج
هُذَا. وَاطْوٍ عَنَّا بُعْدَهُ. اللَّهُمَّ! أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ. وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ. اللَّهُمَّ! إِنِّي
أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ، فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ)). وَإِذَا رَجَعَ
قَالَهُنَّ. وَزَادَ فِيهِنَّ: ((آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبَِّا حَامِدُونَ)) .
٣٢٦٣ - (٤٢٦) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَاصِم
الأَخْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّرَ، إِذَا سَافَرَ، يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءٍ
السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ
وَالْمَالِ .
نطيق قهره واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا. وفي هذا الحديث استحباب هذا الذكر عند
ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت فيه أذكار كثيرة جمعتها في كتاب ((الأذكار)).
قوله ◌َ له: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال
والأهل) الوعثاء بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة وبالمد، وهي: المشقة والشدة
والكآبة، بفتح الكاف وبالمد. وهي: تغير النفس من حزن ونحوه. والمنقلب بفتح اللام المرجع.
قوله: (والحور بعد الكون) هكذا هو في معظم النسخ من ((صحيح مسلم)) بعد الكون
بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون. وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في ((صحيح
مسلم))، قال القاضي: وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة ((صحيح مسلم))، قال: ورواه العذري
بعد الكور بالراء قال: والمعروف في رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون قال القاضي: قال
إبراهيم الحربي. يقال: إن عاصماً وهم فيه وأن صوابه ((الكور)) بالراء. قلت: وليس كما قال
الحربي بل كلاهما روايتان. وممن ذكر الروايتين جميعاً الترمذي في ((جامعه))، وخلائق من
المحدثين. وذكرهما أبو عبيد وخلائق من أهل اللغة وغريب الحديث. قال الترمذي بعد أن رواه
بالنون. ويروى بالراء أيضاً ثم قال: وكلاهما له وجه، قال: ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى
الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية. ومعناه الرجوع من شيء إلى شيء من الشر. هذا كلام
الترمذي، وكذا قال غيره من العلماء. معناه بالراء والنون جميعاً الرجوع من الاستقامة أو الزيادة
إلى النقص. قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها. ورواية النون
مأخوذة من الكون. مصدر كان يكون كوناً. إذا وجد واستقر. قال المازري في رواية الراء. قيل:
أيضاً إن معناه: أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها. يقال كار عمامته، إذا لفها
وحارها إذا نقضها. وقيل نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها
على الرأس. وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع قولهم: حار
بعد ما كان. أي: أنه كان على حالة جميلة فرجع عنها والله أعلم.
٤٩٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٢٦٤ - (٤٢٧) وحدّثنا يَخْيَى بْنُ يَخْيَى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً.
ح وَحَدَّثَنِي حَامِد بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ. كِلاَهُمَا عَنْ عَاصِم، بِهُذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدٍ: فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ بْنِ خَازِمٍ قَالَ: يَبْدَأُ
بِالأَهْلِ إِذَا رَجَعَ. وَفِي رِوَايَتِهِمَا جَمِيعاً: ((اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَغْنَاءِ السَّفَرِ)).
(٧٦) - باب: ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره
٣٢٦٥ _ (٤٢٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ) حَدَّثَنَا يَحْيَى (وَهُوَ
الْقَطَّانُ) عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، إِذَا
قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ أَوِ السَّرَايَا أَوِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَذْفَدٍ، كَبََّ ثَلاَثًاً، ثُمّ
قَالَ: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحِمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ. لِرَبِّنَا حَامِدُونَ. صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ
الأَخْزَابَ وَحْدَهُ)) .
٣٢٦٦ - (٠٠٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةً) عَنْ
أَيُّوبَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ. كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، بِمِثْلِهِ. إِلاَّ
حَدِيثَ أَيُّوبَ. فَإِنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ.
قوله وَلـ: (ودعوة المظلوم) أي: أعوذ بك من الظلم، فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم.
ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. ففيه التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه.
٧٦ - باب: ما يقال إذا رجع من سفر الحج وغيره
٣٢٦٥ - قوله: (قفل من الجيوش) أي: رجع من الغزو. وقوله: (إذا أوفى على ثنية أو فدفد
كبر) معنى أوفى ارتفع وعلا. والفدفد بفائين مفتوحتين بينهما دال مهملة ساكنة. وهو: الموضع
الذي فيه غلظ وارتفاع. وقيل: هو الفلاة التي لا شيء فيها. وقيل: غليظ الأرض ذات الحصى.
وقيل: الجلد من الأرض في ارتفاع وجمعه فدافد.
قوله زيتالخر: (آيبون) أي راجعون.
قوله ◌َ﴾: (صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) أي: صدق وعده في
إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده سبحانه ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾
٤٩٥
كتاب: الحج
٣٢٦٧ - (٤٢٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً، عَنْ يَحْيَى بْنِ
أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَِّّ وَِّ، أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ
عَلَى نَاقَتِهِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ: ((آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)) فَلَمْ يَزَلْ
يَقُولُ ذُلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ.
٣٢٦٨ - (٠٠٠) وحدّثنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. حَدَّثَنَا يَخْيَى بْنُ
أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ ◌ََِّّ، بِمِثْلِهِ.
(٧٧) - باب: التعريس بذي الحليفة، والصلاة بها
إذا صدر من الحج أو العمرة
٣٢٦٩ - (٤٣٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ. فَصَلَّى بِهَا. وَكَانَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذُلِكَ.
٣٢٧٠ - (٤٣١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعٍ. قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ
الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ. الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يُنِيخُ بِهَا. وَيُصَلِي بِهَا.
٣٢٧١ - (٤٣٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيِّبِيُّ. حَدَّثَنِي أَنَسٌ (يَعْنِي أَبَا ضَمْرَةَ)
عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ، إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ،
أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ. الَّتِي كَانَ يُنِيْخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَرِ.
و(هزم الأحزاب وحده) أي: من غير قتال من الآدميين، والمراد الأحزاب الذين اجتمعوا يوم
الخندق، وتحزبوا على رسول الله وَلير فأرسل الله عليهم ريحاً، وجنوداً لم تروها. وبهذا يرتبط.
قوله {وَله: (صدق الله. تكذيباً لقول المنافقين، والذين في قلوبهم مرض. ما وعدنا الله
ورسوله إلا غروراً) هذا هو المشهور. أن المراد أحزاب يوم الخندق. قال القاضي وقيل: يحتمل
أن المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن والله أعلم.
٧٧ - باب: استحباب النزول ببطحاء ذي الحليفة والصلاة بها
إذا صدر من الحج والعمرة وغيرهما فمر بها
٣٢٦٩ - قوله يلي: (أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، فصلى قال: وكان ابن عمر يفعل
ذلك). وفي الرواية الأخرى: (أن النبي ◌َّر أتي في معرسه بذي الحليفة، فقيل له إنك ببطحاء
٤٩٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٢٧٢ - (٤٣٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَّ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ
مُوسَى (وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ)، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَرَ أَتِيَ فِي مُعَرَّسِهِ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ. فَقِيلَ لَهُ: ((إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارِّكَةٍ)).
٣٢٧٣ - (٤٣٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ (وَاللَّفْظُ
لِسُرَيْج) قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ أَنِيَ، وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنٍ
الْوَادِي. فَقِيلَ: ((إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ)).
قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ.
يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي. بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الْقِبْلَةِ. وَسَطاً مِنْ ذُلِكَ.
(٧٨) - باب: لا يحج البيت مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان
وبيان يوم الحج الأكبر
٣٢٧٤ - (٤٣٥) حدّثنْي هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. حِ وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى
الثُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ
مباركة). قال القاضي: المعرس موضع النزول. قال أبو زيد: عرس القوم في المنزل، إذا نزلوا به
أي وقت كان من ليل أو نهار. وقال الخليل والأصمعي: التعريس النزول في آخر الليل. قال
القاضي: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع الحاج، ليس من مناسك الحج. وإنما فعله من
فعله من أهل المدينة تبركاً بآثار النبي وَلّر، ولأنها بطحاء مباركة. قال: واستحب مالك النزول
والصلاة فيه، وأن لا يجاوز حتى يصلي فيه، وإن كان في غير وقت صلاة، مكث حتى يدخل
وقت الصلاة فيصلي. قال: وقيل إنما نزل به ◌َّر في رجوعه حتى يصبح، لئلا يفجأ الناس أهاليهم
ليلاً. كما نهى عنه وَلّ صريحاً في الأحاديث المشهورة. والله أعلم.
٧٨ - باب: لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان
وبيان يوم الحج الأكبر
٣٢٧٤ - قوله: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه في
الحجة التي أمره عليها رسول الله وَّر قبل حجة الوداع في رهط، يؤذن في الناس يوم النحر. لا
يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) قال ابن شهاب: وكان حميد بن عبد الرحمن
٤٩٧
كتاب: الحج
الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرِ الصُّدِيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا
رَسُولُ اللَّهِ وَ. قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فِي رَهْطِ، يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ: ((لاَ يَحُجُّ بَعْدَ
الْعَامِ مُشْرِكٌ. وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُزَيَانٌ)).
قَالَ ابْنُ شِهَابِ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ.
مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ أَبِيَ هُرَيْرَةً.
(٧٩) - باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة
٣٢٧٥ - (٤٣٦) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَخْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبِ. أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ، عَنِ ابْنٍ
الْمُسَّيَّبِ. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ
عَبْدأَ مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ. وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ. فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هُؤُلاَءِ؟».
يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر. من أجل حديث أبي هريرة رضي الله عنه. معنى قول
حميد بن عبد الرحمن إن الله تعالى قال: ﴿وَأَذَنْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾
[التوبة: ٣] ففعل أبو بكر وعلي وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة. هذا الأذان يوم النحر بإذن
النبي ◌ّ* في أصل الأذان، والظاهر أنه عين لهم يوم النحر، فتعين أنه يوم الحج الأكبر، ولأن
معظم المناسك فيه. وقد اختلف العلماء في المراد بيوم الحج الأكبر، فقيل: يوم عرفة، وقال
مالك والشافعي والجمهور: هو يوم النحر. ونقل القاضي عياض عن الشافعي أنه يوم عرفة. وهذا
خلاف المعروف من مذهب الشافعي، قال العلماء: وقيل: الحج الأكبر للاحتراز من الحج
الأصغر، وهو العمرة، واحتج من قال هو يوم عرفة. بالحديث المشهور: (الحج عرفة) والله
أعلم .
قوله ◌َّيهو: (لا يحج بعد العام مشرك) موافق لقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا
الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام
ههنا الحرم كله، فلا يمكن مشرك من دخول الحرم. بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم، لا
يمكن من الدخول بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به. ولو دخل خفية ومرض ومات. نبش
وأخرج من الحرم.
قوله ◌َّه: (ولا يطوف بالبيت عريان) هذا إبطال لما كانت الجاهلية عليه من الطواف بالبيت
عراة. واستدل به أصحابنا وغيرهم، على أن الطواف يشترط به ستر العورة. والله أعلم.
٧٩ - باب فضل يوم عرفة
٣٢٧٥ - قوله ياء: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة،
٤٩٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٣٢٧٦ - (٤٣٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَّأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى
أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((الَّعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْتَهُمَا. وَ الْحَجُّ الْمَبْرُورُ، لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ)).
٣٢٧٧ - (٠٠٠) وحدّثناه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ
الأُمَوِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي.
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ. جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً،
عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ.
وإنه ليدنو. ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء) هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم
عرفة وهو كذلك. ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام. فلأصحابنا وجهان: أحدهما
تطلق يوم الجمعة لقوله وقَله: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة) كما سبق في ((صحيح
مسلم))، وأصحهما يوم عرفة للحديث المذكور في هذا الباب. ويتأول حديث يوم الجمعة على أنه
أفضل أيام الأسبوع. قال القاضي عياض: قال المازري معنى: يدنو في هذا الحديث. أي تدنو
رحمته وكرامته. لا دنو مسافة ومماسة، قال القاضي: يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى
السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة، لما يرى من تنزل الرحمة.
قال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة،
ومباهاة الملائكة بهم. عن أمره سبحانه وتعالى. قال: وقد وقع الحديث في ((صحيح مسلم))
مختصراً. وذكره عبد الرزاق في («مسنده)) من رواية ابن عمر قال: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا
فيباهي بهم الملائكة يقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً غبراً يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم
یروني. فكيف لو رأوني)) وذكر باقي الحديث.
باب: فضل الحج والعمرة
٣٢٧٦ - قوله وهي: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) هذا ظاهر في فضيلة العمرة وأنها
مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين. وسبق في كتاب الطهارة بيان هذه الخطايا، وبيان الجمع بين
هذا الحديث، وأحاديث تكفير الوضوء للخطايا، وتكفير الصلوات وصوم عرفة وعاشوراء. واحتج
بعضهم في نصرة مذهب الشافعي، والجمهور في استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مراراً.
قال مالك وأكثر أصحابه: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة. قال القاضي وقال آخرون: لا
يعتمر في شهر أكثر من عمرة. واعلم أن جميع السَّنة وقت للعمرة، فتصح في كل وقت منها، إلا
٤٩٩
كتاب: الحج
٣٢٧٨ - (٤٣٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيِى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَقَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ،َ رَجَعَ كَمَّا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) .
٣٢٧٩ - (٠٠٠) وحدّثناه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةً وَأَبِي الأَخْوَصِ. ح
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلُّ هُؤُلاَءٍ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعاً:
((مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرَفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ)) .
٣٢٨٠ - (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، مِثْلَهُ.
في حق من هو متلبس بالحج، فلا يصح اعتماره حتى يفرغ من الحج. ولا تكره العمرة عندنا لغير
الحاج في يوم عرفة والأضحى والتشريق وسائر السنة، وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء.
وقال أبو حنيفة: تكره في خمسة أيام: يوم عرفة والنحر وأيام التشريق. وقال أبو يوسف: تكره في
أربعة أيام، وهي: عرفة والتشريق، واختلف العلماء في وجوب العمرة. فمذهب الشافعي
والجمهور أنها واجبة. وممن قال به: عمر وابن عمر وابن عباس وطاوس وعطاء وابن المسيب
وسعيد بن جبير والحسن البصري ومسروق وابن سيرين والشعبي وأبو بردة ابن أبي موسى
وعبد الله بن شداد والثوري وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وداود. وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور
هي: سنة، وليست واجبة. وحكي أيضاً عن النخعي.
قوله وقيل: (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) الأصح الأشهر أن المبرور هو الذي لا
يخالطه إثم. مأخوذ من البر وهو الطاعة. وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول، أن يرجع خيراً
مما كان، ولا يعاود المعاصي. وقيل هو الذي لا رياء فيه. وقيل الذي لا يعقبه معصية. وهما
داخلان فيما قبلهما. ومعنى ليس له جزاء إلا الجنة. أنه لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفيره
بعض ذنوبه بل لا بد أن يدخل الجنة. والله أعلم.
قوله وَلـ: (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه) قال القاضي: هذا
من قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والرفث اسم للفحش من القول. وقيل: هو
الجماع. وهذا قول الجمهور في الآية، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] يقال رفث ورفث بفتح الفاء وكسرها يرفث ويرفث ويرفث بضم الفاء وكسرها
وفتحها، ويقال أيضاً: أرفث بالألف، وقيل الرفث التصريح بذكر الجماع. قال الأزهري: هي
كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة. وكان ابن عباس يخصصه بما خوطب به النساء،
قال: ومعنى كيوم ولدته أمه. أي: بغير ذنب، وأما الفسوق فالمعصية. والله أعلم.
٥٠٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٨٠) - باب: النزول بمكة للحاج، وتوريث دورها
٣٢٨١ - (٤٣٩) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ
عَفَّانَ أَخْبَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسِّولَ اللَّهِ! أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكّةً؟
فَقَالَ: ((وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ؟)).
وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ. وَلَمْ يَرِثُهُ جَعْفَرٌ وَلاَ عَلِيٍّ شَيْئاً. لأَنَّهُمَا كَانَا
مُسْلِمَيْنِ. وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ.
٣٢٨٢ - (٤٤٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ.
جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. قَالَ ابْنُ مِهْرَانَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيْنَ تَنْزِلُ
غَداً؟ وَذُلِكَ فِي حَجَّتِهِ، حِينَ دَنَوْنَا مِنْ مَكّةَ. فَقَالَ: ((َوَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلاً)).
٣٢٨٣ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةً. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
أَبِي حَفْصَةَ وَزَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
٨٠ - باب: نزول الحاج بمكة وتوريث دورها
٣٢٨١ - قوله: (يا رسول الله أتنزل في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو
دور؟) وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب، ولم يرثه جعفر ولا علي شيئاً، لأنهما كانا
مسلمين. وكان عقيل وطالب كافرين. قال القاضي عياض: لعله أضاف الدار إليه وَله لسكناه
إياها، مع أن أصلها كان لأبي طالب، لأنه الذي كفله، ولأنه أكبر ولد عبد المطلب فاحتوى على
أملاك عبد المطلب، وحازها وحده لسنه، على عادة الجاهلية. قال: ويحتمل أن يكون عقيل باع
جميعها، وأخرجها عن أملاكهم، كما فعل أبو سفيان وغيره بدور من هاجر من المؤمنين. قال
الداودي: فباع عقيل جميع ما كان للنبي ◌ّ ولمن هاجر من بني عبد المطلب.
وقوله : (وهل ترك لنا عقيل من دار) فيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه: أن مكة فتحت
صلحاً، وأن دورها مملوكة لأهلها، لها حكم سائر البلدان في ذلك فتورث عنهم. ويجوز لهم
بيعها ورهنها وإجارتها وهبتها والوصية بها وسائر التصرفات. وقال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي
وآخرون: فتحت عنوة. ولا يجوز شيء من هذه التصرفات. وفيه أن المسلم لا يرث الكافر. وهذا
مذهب العلماء كافة، إلا ما روي عن إسحاق بن راهويه وبعض السلف: أن المسلم يرث الكافر.
وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم. وستأتي المسألة في موضعها مبسوطة إن شاء الله تعالى. والله
أعلم.