النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ كتاب: الحج الْحَجِّ الآنَ. فَقَالَ: ((إِنَّ هُذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلْي بِالْحَجِ)) فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ. حَتَّى إِذَا طَهَرَتْ طَافَتْ بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. ثُمَّ قَالَ: ((قَدْ حَلَّلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ جَمِيعًا)) فَقَالَتْ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي أَنِّي لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَجَجْتُ. قَالَ: ((فَاذْهَبْ بِهَا، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ)) وَذُلِكَ لَيْلَةً الْحَصْبَةِ . ٢٩٣٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ ابْنُ حَاتِم: حَدَّثَنَا . وَقَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَّيْجِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُّ وَّرَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَهِيَ تَّبْكِي. فَذَكَّرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ إِلَى آخِرِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَبْلَ هُذَا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ. قوله: (أهللنا يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسبق بيانه، وفيه دليل لمذهب الشافعي وموافقيه، أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج، استحب له أن يحرم يوم التروية ولا يقدمه عليه، وسبقت المسألة ومذاهب العلماء فيها في أوائل كتاب الحج. قوله يخل *: (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج) هذا الغسل هو الغسل للإحرام، وقد سبق بيانه، وأنه يستحب لكل من أراد الإحرام بحج أو عمرة سواء الحائض وغيرها. قوله: (حتى إذا ظهرت) بفتح الطاء وضمها والفتح أفصح. قوله: (حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً) هذا صريح في أن عمرتها لم تبطل ولم تخرج منها، وأن. قوله ◌َّ: (ارفضي عمرتك ودعي عمرتك) متأول كما سبق بيانه واضحاً في أوائل هذا الباب. قوله: (حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال: قد حللت من حجك وعمرتك جميعاً) يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة: إحداها: أن عائشة رضي الله عنها كانت قارنة ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض المذكور متأول كما سبق. والثانية: أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد وهو مذهب الشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان. والثالثة: أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح، وموضع الدلالة أن رسول الله ولي أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف، فلو لم يكن السعي متوقفاً على تقدم الطواف عليه لما أخرته. واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت، وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضاً لثلاث خلون من ذي الحجة سنة عشر، كما ذكره أبو محمد بن حزم في كتاب حجة الوداع. ٣٤٢ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٩٣١ - (١٣٧) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذْ (يَعْنِي ابْنَ هِشَام) حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها، فِي حَجَّةٍ النَّبِيِّ ◌َِّ، أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ رَجُلاً سهلاً. إِذَا هَوِيَتِ الشَّيْءَ تَابَعَهَا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ، مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ مَطَرُ: قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا حَجَّتْ صَنَعَتْ كَمَا صَنَعَتْ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ وَلِ. ٢٩٣٢ - (١٣٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ مِنَّهَ مُهِلْيْنَ بِالْحَجّ. مَعَنَا النِّسَاءُ قوله: (وكان رسول الله ◌َ له رجلاً سهلاً إذا هويت الشيء تابعها عليه) معناه إذا هويت شيئاً لا نقص فيه في الدين، مثل طلبها الاعتمار وغيره أجابها إليه : وقوله: (سهلاً) أي سهل الخلق، كريم الشمائل، لطيفاً ميسراً في الخلق كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وفيه حسن معاشرة الأزواج، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] لا سيما فيما كان من باب الطاعة والله أعلم. قوله: (خرجنا مع رسول الله ◌َ﴿ مهلين بالحج معناه النساء والولدان) الولدان هم الصبيان، ففيه صحة حج الصبي والحج به، ومذهب مالك والشافعي وأحمد والعلماء كافة من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين فمن بعدهم أنه يصح حج الصبي، ويثاب عليه، ويترتب عليه أحكام حج البالغ، إلا أنه لا يجزيه عن فرض الإسلام، فإذا بلغ بعد ذلك واستطاع لزمه فرض الإسلام، وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال: لا يصح له إحرام ولا حج ولا ثواب فيه، ولا يترتب عليه شيء من أحكام الحج، قال: وإنما يحج به ليتمرن، ويتعلم ويتجنب محظوراته للتعلم، قال: وكذلك لا تصح صلاته، وإنما يؤمر بها لما ذكرناه، وكذلك عنده سائر العبادات، والصواب مذهب الجمهور لحديث ابن عباس رضي الله عنه: (أن امرأة رفعت صبياً فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم) والله أعلم. قوله: (ومسسنا الطيب) هو بكسر السين الأولى هذه اللغة المشهورة، وفي لغة قليلة بفتحها، حكاها أبو عبيد والجوهري، قال الجوهري: يقال مسست الشيء بكسر السين أمسه بفتح الميم مساً فهذه اللغة الفصيحة، قال: وحكى أبو عبيدة مسست الشيء بالفتح أمسه بضم الميم، قال: وربما قالوا مست الشيء يحذفون منه السين الأولى ويحولون كسرتها إلى الميم، قال: ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة. ٣٤٣ كتاب: الحج وَالْوِلْدَانُ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وََّ: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذِّ فَلْيَحْلِلْ)) قَالَ: قُلْنَا: أَيُّ الْحِلُّ؟ قَالَ: ((الْحِلُّ كُلُّهُ)) قَالَ: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثّيَابَ، وَمَسِسْنَا الطِّيبَ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّزْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ. وَكَفَانَا الطَّوَافُ الأَوَّلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَزْوَةِ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الإِلِ وَالْبَقَرِ. كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ. ٢٩٣٣ - (١٣٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رِضَي الله عنهما. قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ونَ، لَّمَّا أَحْلَلْنَا، أَنْ نُخْرِمَ إِذَا تَوَجَّهْنَا إِلَى مِنَّى. قَالَ: فَأَهْلَلْنَا مِنَ الأَبْطَحِ. ٢٩٣٤ - (١٤٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكِّرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه يَقُولُ: لَمْ يَطْفِ النَّبِيُّ وَّةِ، وَلاَ أَضْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، إِلاَّ طَوَافاً وَاحِداً. زَادَ فِي حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ : طَوَافَهُ الأَوَّلَ. قوله: (وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة) يعني القارن منا، وأما المتمتع فلا بد له من السعي بين الصفا والمروة في الحج بعد رجوعه من عرفات وبعد طواف الإفاضة. قوله: فأمرنا رسول الله وَل: (أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة) البدنة تطلق على البعير والبقرة والشاة، لكن غالب استعمالها في البعير، والمراد بها ههنا البعير والبقرة وهكذا قال العلماء: تجزي البدنة من الإبل والبقر كل واحدة منهما عن سبعة، ففي هذا الحديث دلالة الإجزاء كل واحدة منهما عن سبعة أنفس، وقيامها مقام سبع شياه، وفيه دلالة لجواز الاشتراك في الهدي والأضحية، وبه قال الشافعي وموافقوه، فيجوز عند الشافعي اشتراك السبعة في بدنة، سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين، وسواء كانوا مفترضين أو متطوعين، وسواء كانوا متقربين كلهم أو كان بعضهم متقرباً، وبعضهم يريد اللحم، روي هذا عن ابن عمر وأنس، وبه قال أحمد، وقال مالك: يجوز إن كانوا متطوعين ولا يجوز إن كانوا مفترضين، وقال أبو حنيفة: إن كانوا متقربين جاز سواء اتفقت قربتهم أو اختلفت، وإن كان بعضهم متقرباً وبعضهم يريد اللحم لم يصح الاشتراك. قوله: (أمرنا النبي وَّ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى قال: فأهللنا من الأبطح) الأبطح هو بطحاء مكة، وهو متصل بالمحصب. وقوله: إذا توجهنا إلى منى يعني: يوم التروية كما صرح به في الرواية السابقة، وفيه دليل لمذهب الشافعي وموافقيه أن الأفضل للمتمتع، وكل من أراد الإحرام بالحج من مكة أن لا يحرم به إلا يوم التروية، وقال مالك وآخرون: يحرم من أول ذي الحجة، وسبقت المسألة بأدلتها . ٣٤٤ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٩٣٥ - (١٤١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ . أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، فِي نَاسٍ مَعِي. قَالَ: أَهْلَلْنَا، أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وََّ، بِالْحَجِّ خَالِصاً وَحْدَهُ. قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ نَهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: ((حِلُّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ)). قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ. وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ. فَقُلْنَا: لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلاَّ خَمْسٌ، أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا. فَنَأْتِيَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ! قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا) قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ◌ِّهِ فِينَا. فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ. وَلَوْلاَ هَذِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ. وَلَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَذْيَ. فَحِلُوا)) فَحَللْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ وأما قوله: فأهللنا من بالأبطح، فقد يستدل به من يجوز للمكي والمقيم بها الإحرام بالحج من الحرم، وفي المسألة وجهان لأصحابنا: أصحهما. لا يجوز أن يحرم بالحج إلا من داخل مكة، وأفضله من باب داره، وقيل: من المسجد الحرام. والثاني: يجوز من مكة ومن سائر الحرم، وقد سبقت المسألة في باب المواقيت، فمن قال بالثاني احتج بحديث جابر هذا، لأنهم أحرموا من الأبطح وهو خارج مكة لكنه من الحرم، ومن قال بالأول وهو الأصح، قال: إنما أحرموا من الأبطح لأنهم كانوا نازلين به، وكل من كان دون الميقات المحدود فميقاته منزله، كما سبق في باب المواقيت والله أعلم. قوله: (لم يطف رسول الله وَيقر ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً وهو طوافه الأول) يعني النبي وَلّر ومن كان من أصحابه قارناً، فهؤلاء لم يسعوا بين الصفا والمروة إلا مرة واحدة. وأما من كان متمتعاً فإنه سعى سعيين، سعياً لعمرته ثم سعياً آخر لحجه يوم النحر، وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة للشافعي وموافقيه، في أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد للإفاضة وسعي واحد، وممن قال بهذا ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة وطاوس وعطاء والحسن البصري ومجاهد ومالك وابن الماجشون وأحمد وإسحاق وداود وابن المنذر، وقالت طائفة: يلزمه طوافان وسعيان، وممن قاله الشعبي والنخعي وجابر بن زيد وعبد الرحمن بن الأسود والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة، وحكي ذلك عن علي وابن مسعود، قال ابن المنذر: لا يثبت هذا عن علي رضي الله عنه. قوله: (صبح رابعة) هو بضم الصاد وكسرها. قوله: (فأمرنا أن نحل، قال عطاء: قال: حلوا وأصيبوا النساء، قال عطاء: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم) معناه لم يعزم عليهم في وطء النساء، بل أباحه ولم يوجبه، وأما الإحلال فعزم فيه على من لم یکن معه هدي. ٣٤٥ كتاب: الحج عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ. فَقَالَ: (بِمَ أَهْلَلْتَ؟)) قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ وَّهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((فَأَهْدٍ وَامْكُثْ حَرَاماً)) قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٍّ هَذياً. فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُم: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هُذَا أَمْ لأَبَدِ؟ فَقَالَ: (لأَبَدٍ)). قوله: (فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا المني) هو إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء. قوله: (فقدم علي من سعايته فقال: بم أهللت؟ قال: بما أهل به النبي ◌َّر، فقال له رسول الله وَله: فأهد وامكث حراماً، قال: وأهدى له علي رضي الله عنه هدياً) السعاية بكسر السين، قال القاضي عياض: قوله من سعايته أي من عمله في السعي في الصدقات، قال: وقال بعض علمائنا: الذي في غير هذا الحديث، أنه إنما بعث علياً رضي الله عنه أميراً لا عاملاً على الصدقات، إذ لا يجوز استعمال بني هاشم على الصدقات لقوله وثلر للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة حين سألاه ذلك: (أن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» ولم يستعملهما. قال القاضي: يحتمل أن علياً رضي الله عنه ولي الصدقات وغيرها احتساباً، أو أعطى عمالته عليها من غير الصدقة، قال: وهذا أشبه لقوله من سعايته، والسعاية تختص بالصدقة. هذا كلام القاضي، وهذا الذي قاله حسن، إلا قوله: إن السعاية تختص بالعمل على الصدقة فليس كذلك، لأنها تستعمل في مطلق الولاية، وإن كان أكثر استعمالها في الولاية على الصدقة، ومما يدل لما ذكرته حديث حذيفة السابق في كتاب الإيمان من ((صحيح مسلم، )) قال في حديث رفع الأمانة: ولقد أتى عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلماً ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه على ساعيه يعني: الوالي عليه والله أعلم. قوله: (فقدم علي رضي الله عنه من سعايته فقال: بم أهللت قال: بما أهل به النبي ◌ِّ، فقال له النبي ◌َّله: فاهد وامكث حراماً، قال: وأهدى له علي هدياً) ثم ذكر مسلم بعد هذا بقليل حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (قدمت على رسول الله وَّلتر وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: حججت؟ فقلت: نعم، فقال: (بم أهللت؟ قال قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي ◌َّل، قال: قد أحسنت طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل) وفي الرواية الأخرى عن أبي موسى أيضاً: (أن النبي ويتر قال له: بم أهللت؟ قال: أهللت بإهلال النبي ◌َّ، قال: هل سقت من هدي؟ قلت: لا، قال: طف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل) هذان الحديثان متفقان على صحة الإحرام معلقاً، وهو أن يحرم إحراماً كإحرام فلان، فينعقد إحرامه ويصير محرماً بما أحرم به فلان، واختلف آخر الحديثين في التحلل، فأمر علياً بالبقاء على إحرامه، وأمر أبا موسى بالتحلل، وإنما اختلف آخرهما لأنهما أحرما كإحرام النبي ◌َّ، وكان مع النبي ◌َّ الهدي فشاركه علي في أن معه الهدي، فلهذا أمره بالبقاء على إحرامه كما بقي النبي ◌َّر على إحرامه بسبب الهدي وكان قارناً، وصار علي رضي الله عنه قارناً . وأما أبو موسى فلم يكن معه هدي، فصار له حكم النبي ◌َّ لو لم يكن معه هدي، وقد ٣٤٦ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٩٣٦ - (١٤٢) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما. قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِّلَهُ بِالْحَجِّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ وَنَجْعَلَهَا عُمْرَةٌ. فَكَبُرَ ذُلِكَ عَلَيْنَا. وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنَا. فَبَلَغَ ذُلِكَ النَّبِيَّ ◌ََّ. فَمَا نَذْرِي أَشَيْءٌ بَلَغَهُ مِنَ السَّمَاءِ، أَمْ شَيْءٌ مِنْ قِبَلِ النَّاسِ. فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! أَحِلُوا. فَلَوْلاَ الْهَذْيُ الَّذِي مَعِي، فَعَلْتُ كَمَا فَعَلْتُمْ)) قَالَ: فَأَحْلَّلْنَا حَتَّى وَطِئْتَا النِّسَاءَ. وَفَعَلْنَا مَا يَفْعَلُ الْحَلاَلُ. حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ النَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أَهْلَلْنَا بِالْحَجِ. قال النبي ◌ّيه إنه لولا الهدي لجعلها عمرة وتحلل، فأمر أبا موسى بذلك، فلذلك اختلف أمره الله لهما، فاعتمد ما ذكرته فهو الصواب، وقد تأولهما الخطابي والقاضي عياض تأويلين غير مرضيين والله أعلم. قوله: (وأهدى له علي هدياً) يعني هدياً اشتراه لا أنه من السعاية على الصدقة، وفي هذين الحديثين دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يصح الإحرام معلقاً، بأن ينوي إحراماً كإحرام زيد فيصير هذا المعلق كزيد، فإن كان زيد محرماً بحج كان هذا بالحج أيضاً، وإن كان بعمرة فبعمرة، وإن كان بهما فبهما، وإن كان زيد أحرم مطلقاً صار هذا محرماً إحراماً مطلقاً، فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، ولا يلزمه موافقة زيد في الصرف، ولهذه المسألة فروع كثيرة مشهورة في كتب الفقه، وقد استقصيتها في ((شرح المهذب)) ولله الحمد. قوله: (فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: لأبد) وفي الرواية الأخرى: (فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ◌َ ﴿ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين لا بل لأبد أبد) واختلف العلماء في معناه على أقوال. أصحها وبه قال جمهورهم معناه أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود به بيان إبطال ما كانت الجاهلية تزعمه من امتناع العمرة في أشهر الحج. والثاني: معناه جواز القران وتقدير الكلام دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إلى يوم القيامة . والثالث: تأويل بعض القائلين بأن العمرة ليست واجبة، قالوا: معناه سقوط العمرة، قالوا: ودخولها في الحج معناه سقوط وجوبها، وهذا ضعيف أو باطل وسياق الحديث يقتضي بطلانه . والرابع: تأويل بعض أهل الظاهر أن معناه جواز فسخ الحج إلى العمرة، وهذا أيضاً ضعيف . قوله: (حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج) فيه دليل للشافعي وموافقيه ٣٤٧ كتاب: الحج ٢٩٣٧ _ (١٤٣) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرِ. حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَافِع. قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُتَمَتْعاً بِعُمْرَةٍ. قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بَأَرْبَعَةٍ أَيَّامٍ. فَقَالَ الْنَّاسُ: تَصِيرُ حَجَّتُكَ الآنَّ مَكِّيَّةً. فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ فَاسْتَفْتَيْتُهُ. فَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ رضي الله عنهما، أَنَّهُ حَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ عَامَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ. وَقَدْ أَهَلُوا بِالْحَجْ مُفْرَداً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: «أَحِلُوا مِنْ إِخْرَامِكُمْ. فَطُوقُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَصْرُوا وَأَقِيمُوا حَلاَلاً حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّزْوِيَةِ فَأَهِلُوا بِالْحَجُ. وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً)). قَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ قَالَ: ((افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ. فَإِنِّي لَوْلاَ أَنِّي سُقْتُ الْهَذْنَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِهِ. وَلكِنْ لاَ يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ. حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)) فَفَعَلُوا. أن المتمتع وكل من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج، فالسنة له أن يحرم يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، وقد سبقت المسألة مرات. وقوله: (وجعلنا مكة بظهر) معناه أهللنا عند إرادتنا الذهاب إلى منى. قوله: (حدثني جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أنه حج مع رسول الله ◌َّر عام ساق الهدي معه وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال رسول الله وَ لقر: أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة) اعلم أن هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره وقد أهلوا بالحج مفرداً فقال رسول الله وَلر: (اجعلوا إحرامكم عمرة وتحللوا بعمل العمرة)، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة، وقد اختلف العلماء في هذا الفسخ، هل هو خاص بالصحابة تلك السنة خاصة أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصاً بل هو باق إلى يوم القيامة، فيجوز لكل من أحرم بحج وليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويتحلل بأعمالها، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم في تلك السنة لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، ومما يستدل به للجماهير، حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي ذكره مسلم بعد هذا بقليل: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد وّير خاصة) يعني فسخ الحج إلى العمرة، وفي كتاب النسائي عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: (قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل لنا خاصة) وأما الذي في حديث سراقة: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: ((لأبد أبد)) فمعناه جواز الاعتمار في أشهر الحج كما سبق تفسيره، فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث، أن العمرة في أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة والله أعلم. ٣٤٨ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٩٣٨ - (١٤٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِيَ بِشْرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما. قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ مُهِلْنَ بِالْحَجِّ. فَأَمَرَنَا رَسُوَّلُ اللّهِ وَلَّهِ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً. وَنَحِلَّ. قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً . (١٨) - باب: في المتعة بالحج والعمرة ٢٩٣٩ - (١٤٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةً يُحدِّثُ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ. قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسِ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ. تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ. فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ. وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ. فَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ. وَأَبِتُوا نِكَاحَ هُذِهِ النِّسَاءِ. فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ، إِلَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ. قوله ير: (حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ فقال: افعلوا ما آمركم به فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به) هذا دليل ظاهر لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما في ترجيح الإفراد، وأن غالبهم كانوا محرمين بالحج، ويتأول رواية من روى متمتعين، أنه أراد في آخر الأمر صاروا متمتعين كما سبق تقريره في أوائل هذا الباب، وفيه دليل للشافعي وموافقيه في أن من كان بمكة وأراد الحج، إنما يحرم به من يوم التروية، وقد ذكرنا المسألة مرات. ١٨ - باب: في المتعة بالحج والعمرة قوله: (كان ابن عباس يأمرنا بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله وَّر فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة) وفي الرواية الأخرى عن عمر رضي الله عنه: (فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم) وذكر بعد هذا من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه كان يفتي بالمتعة، ويحتج بأمر النبي ◌َّ له بذلك، وقول عمر رضي الله عنه أن نأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى أمر بالإتمام، وذكر عن عثمان أنه كان ينهى عن المتعة أو العمرة، وأن علياً خالفه في ذلك وأهل بهما جميعاً، وذكر ٣٤٩ كتاب: الحج وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، بِهُذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ. فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ. وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ. ٢٩٤٠ - ١٤٦ - وحدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَام وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتَيْبَةُ. جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ. قَالَ خَلَفْ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما. قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ . فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَِّ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً. قول أبي ذر رضي الله عنه: (كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد رَّير خاصة)) وفي رواية (رخصة)). وذكر قول عمران بن حصين: (أن النبي ◌َّلير أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تفسخ ذلك) وفي رواية: (جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينه) قال المازري: اختلف في المتعة التي نهى عنها عمر في الحج فقيل هي فسخ الحج إلى العمرة، وقيل هي العمرة في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها. وقال القاضي عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى، أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج إلى العمرة، قال: ولهذا كان عمر رضي الله عنه يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما يضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة، أن فسخ الحج إلى العمرة كان مخصوصاً في تلك السنة، للحكمة التي قدمنا ذكرها، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾ هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضاً القران، لأنه تمتع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده، قال: ومن التمتع أيضاً فسخ الحج إلى العمرة، هذا كلام القاضي. قلت: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما، إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه، ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها. وقد سبقت هذه المسألة في أوائل هذا الباب مستوفاة والله أعلم، وأما قوله في متعة النكاح وهي نكاح المرأة إلى أجل، فكان مباحاً ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى الآن وإلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول ثم ارتفع، وأجمعوا على تحريمه، وسيأتي بسط أحكامه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. ٣٥٠ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١٩) - باب: حجة النبيّ وَله ٢٩٤١ - (١٤٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنْ حَاتِمٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ. فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ. فَأَهْوَىُ بِيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَتَزَعَ زِرِي الْأَعْلَى. ثُمَّ نَزَعَ زِرِي الأَسْفَلَ. ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَذْبَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلاَمٌ شَابٌ. فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ. يَا ابْنَ أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ. فَسَأَلْتُهُ. وَهُوَ أَعْمَى. وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلاَةِ. فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفاً بِهَا. كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا. وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ. فَصَلَّى بِنَا. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِ عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ. فَقَالَ بِيَدِهِ. فَعَقَدَ تِسْعاً. فَقَالَ: إِنَّ رَسُول اللَّهِ وَّهِ مَكَثَ ١٩ - باب حجة النبي وَالعمل ٢٩٤٢ - فيه حديث جابر رضي الله عنه، وهو حديث عظيم، مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من إفراد مسلم، لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه، وقد سبق الاحتجاج بنكت منه في أثناء شرح الأحاديث السابقة، وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه إن شاء الله تعالى. قوله: (عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فسأل عن القوم حتى انتهى إلي فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذٍ غلام شاب فقال: مرحباً بك يا ابن أخي سل عما شئت، فسألته وهو أعمى فحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه إلى جنبه على المشجب فصلى بنا) هذه القطعة فيها فوائد منها أنه يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (أمرنا رسول الله وَل﴿ أن ننزل الناس منازلهم) وفيه إكرام أهل بيت رسول الله وَ# كما فعل جابر بمحمد بن علي، ومنها استحباب قوله للزائر والضيف ونحوهما مرحباً، ومنها ملاطفة الزائر وتأنيسه بما يليق به، وهذا سبب حل جابر زري محمد بن علي ووضع یده بین ثدییه . وقوله: (وأنا يومئذٍ غلام شاب) فيه تنبيه على أن سبب فعل جابر ذلك التأنيس لكونه صغيراً، وأما الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه، ومنها جواز إمامة الأعمى ٣٥١ كتاب: الحج تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ أَذِّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرِ حَاجٌ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ. كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ. وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ. فَخَرَجْنَا مَعَهُ. حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ. فَأَرْسَلَتْ إِلَى للبصراء ولا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا أحدها: إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأن الأعمى أكمل خشوعاً لعدم نظره إلى الملهيات. والثاني: البصير أفضل لأنه أكثر احترازاً من النجاسات. والثالث: هما سواء لتعادل فضيلتهما، وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا وهو نص الشافعي، ومنها أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره. ومنها جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه . ومنها جواز تسمية الثدي للرجل، وفيه خلاف لأهل اللغة منهم من جوزه كالمرأة ومنهم من منعه، وقال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في الرجل ثندؤة، وقد سبق إيضاحه في أوائل كتاب الإيمان في حديث الرجل الذي قتل نفسه، فقال فيه النبي ◌َّر: (إنه من أهل النار). وقوله: (قام في نساجة) هي بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم، هذا هو المشهور في نسخ بلادنا، ورواياتنا لصحيح مسلم وسنن أبي داود، ووقع في بعض النسخ في ساجة بحذف النون، ونقله القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب، قال: والساجة والساج جميعاً ثوب كالطيلسان وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسي، قال: ومعناه ثوب ملفق، قال: قال بعضهم: النون خطأ وتصحيف، قلت: ليس كذلك. بل كلاهما صحيح ويكون ثوباً ملفقاً على هيأة الطيلسان. قال القاضي في ((المشارق)): الساج والساجة الطيلسان وجمعه سيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها خاصة. وقال الأزهري: هو طيلسان مقور ينسج كذلك، قال وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها وهي أقل. وقوله: (ورداؤه إلى جنبه على المشجب) هو بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم ثم باء موحدة، وهو اسم لأعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت . قوله: (أخبرني عن حجة رسول الله وَّر) هي بكسر الحاء وفتحها والمراد حجة الوداع. قوله: (أن رسول الله وَل﴿ مكث تسع سنين لم يحج) يعني مكث بالمدينة بعد الهجرة. قوله: (ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله وَل في حاج) معناه أعلمهم بذلك، وأشاعه بينم ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام، ويشهدوا أقواله وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب، وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يستحب للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها. ٣٥٢ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؛ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: ((اغْتَسِلِي. وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَخْرِمِي)). فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي الْمَسْجِدِ. ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ. حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ. نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ. مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ. وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذُلِكَ. وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذُلِكَ. وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذُلِكَ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ. وَهُوَ يَعْرِفُ قوله: (كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله وَ له) قال القاضي: هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج لأنه وَيّ أحرم بالحج، وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر: وما عمل من شيء عملنا به، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر إليهم، ومثله تعليق علي وأبي موسى إحرامهما على إحرام النبي وَثّل. قوله رَ* لأسماء بنت عميس وقد ولدت: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي) فيه استحباب غسل الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقل وفيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار، وهو أن تشد في وسطها شيئاً، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم، وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة بفتح الفاء، وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه والله أعلم. قوله: (فصلى ركعتين) فيه استحباب ركعتي الإحرام، وقد سبق الكلام فيه مبسوطاً. قوله: (ثم ركب القصواء) هي بفتح القاف وبالمد، قال القاضي: ووقع في نسخة العذري القصوى بضم القاف والقصر، قال: وهو خطأ، قال القاضي: قال ابن قتيبة كانت للنبي وَّ نوق القصواء والجدعاء والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء اسم لناقة النبي ◌َّ ولم تسم بذلك لشيء أصابها، قال القاضي: قد ذكر هنا أنه ركب القصواء، وفي آخر هذا الحديث خطب على القصواء، وفي غير مسلم (خطب على ناقته الجدعاء)، وفي حديث آخر: (على ناقة خرماء)، وفي آخر (العضباء) وفي حديث آخر: (كانت له ناقة لا تسبق)، وفي آخر: (تسمى مخضرمة)، وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان اسمها أو وصفها لهذا الذي بها خلاف ما قال أبو عبيد، لكن يأتي في كتاب النذر أن القصواء غير العضباء. كما سنبينه هناك، قال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة في الآذان، قال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه، وقال الأصمعي: والقصو مثله قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن اصطلمتا فهي صلماء، وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضاً، والمخضرمة المستأصلة والمقطوعة النصف فما فوقه، وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن، قال الحربي: فالحديث يدل على أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها، هذا آخر كلام القاضي، وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي وغيره: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله وَلّر والله أعلم. ١ ٣٥٣ كتاب: الحج تَأْوِيلَهُ. وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ. فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ! لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ. إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ. لاَ شَرِيكَ لَكَ)). وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهُذَا الَّذِي يُهِلُونَ بِهِ. فَلَمْ يُرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنْهُ. وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ نَّه تَلْبِيَتَهُ. قَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: لَسْنَا نَنْوِي إِلاَّ الْحَجَّ. لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ. حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ، قوله: (نظرت إلى مد بصري) هكذا هو في جميع النسخ مد بصري، وهو صحيح ومعناه منتهى بصري، وأنكر بعض أهل اللغة مد بصري وقال: الصواب مدى بصري وليس هو بمنكر بل هما لغتان المد أشهر. قوله: (بين يديه من راكب وماش) فيه جواز الحج راكباً وماشياً وهو مجمع عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] واختلف العلماء في الأفضل منهما فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء: الركوب أفضل اقتداء بالنبي بَّر، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أكثر نفقة، وقال داود: ماشياً أفضل لمشقته، وهذا فاسد لأن المشقة ليست مطلوبة. قوله: (وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله) معناه الحث على التمسك بما أخبركم عن فعله في حجته تلك. قوله: (فأهل بالتوحيد) يعني: قوله: لبيك لا شريك لك، وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك، وقد سبق ذكر تلبيتهم في باب التلبية. قوله: (فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله وَلثر عليهم شيئاً منه ولزم رسول الله وَ﴿ تلبيته) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه إشارة إلى ما روي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر، كما روي في ذلك عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوباً منك ومرغوباً إليك، وعن ابن عمر رضي الله عنه: لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل، وعن أنس رضي الله عنه: لبيك حقاً تعبداً ورقاً. قال القاضي: قال أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله وسلم، وبه قال مالك والشافعي والله أعلم. قوله: (قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة) فيه دليل لمن قال بترجيح الإفراد، وقد سبقت المسألة مستقصاة في أول الباب السابق. قوله: (حتى أتينا البيت) فيه بيان أن السنة للحاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم وغير ذلك. قوله: (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً) فيه أن المحرم إذا دخل ٣٥٤ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلاَثًاً وَمَشَى أَزْبَعاً. ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَرَأَ: ﴿وَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَكَانَ أَبِي يَقُولُ (وَلاَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ نََّ): كَانَ يَقْرَأُ فِي الزَّكْعَتَيْنِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) و ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)). ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَبِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] (أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)) فَبَدَأَ بِالصَّفَا. فَرَقِيَ عَلَيْهِ. حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. فَوَحَّدَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ. وَقَالَ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبع طوافات، وفيه أن السنة أيضاً الرمل في الثلاث الأول ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة، قال العلماء: الرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطا وهو الخبب، قال أصحابنا: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل بلا خلاف، ولا يسرع أيضاً في كل طواف حج، وإنما يسرع في واحد منها، وفيه قولان مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعي، ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور في طواف الإفاضة، ولا يتصور في طواف الوداع. والقول الثاني: أنه لا يسرع إلا في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا، ويسرع في طواف العمرة إذ ليس فيها إلا طواف واحد والله أعلم، قال أصحابنا: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، وهو أنه يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفاً، قالوا: وإنما يسن الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل على ما سبق تفصيله والله أعلم. وأما قوله: (استلم الركن) فمعناه مسحه بيده، وهو سنة في كل طواف، وسيأتي شرحه واضحاً حيث ذكره مسلم بعد هذا إن شاء الله تعالى. قوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقام بينه وبين البيت) هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ وعندنا فيه خلاف حاصله ثلاثة أقوال: أصحها: أنهما سنة. والثاني: أنهما واجبتان، والثالث: إن كان طوافاً واجباً فواجبتان وإلا فسنتان، وسواء قلنا واجبتان أو سنتان لو تركهما لم يبطل طوافه، والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حياً، ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه قال أصحابنا: يجوز ذلك، وهو خلاف الأولى، ولا يقال مكروه، وممن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وطاوس وعطاء أ ٣٥٥ كتاب: الحج شَرِيكَ لَهُ. لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ. أَنْجَزَ وَعْدَهُ. وَنَصَرَ عَبْدَهُ. وَهَزَمَ الأَخْزَابَ وَحْدَهُ)) ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذُلِكَ. قَالَ مِثْلَ هُذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى. حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى. وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر، ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء. قوله: (فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي وَير كان يقرأ في الركعتين: قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون) معنى هذا الكلام، أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر. قال: كان أبي يعني محمداً يقول إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر، بل عن جابر عن قراءة النبي ◌َّ في صلاة هاتين الركعتين . قوله: (﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿قُلْ يَأَيُهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]) معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد، وأماقوله: لا أعلمة ذكره إلا عن النبي ◌َّلتر فليس هو شكاً في ذلك، لأن لفظة العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبي ◌َّر، وقد ذكره البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: (أن النبي ◌َّي طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً، ثم صلى ركعتين قرأ فيهما: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ . قوله: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا) فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء، أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم. قوله: (ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبر وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة) في هذا اللفظ أنواع من المناسك منها: أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعي ومالك والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي ◌َّلّ قال: ((ابدؤوا بما بدأ الله به)) هكذا بصيغة الجمع، ومنها أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف، قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب الأول. قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك ٣٥٦ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ. فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا. حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ: ((لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَذْيَ. وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَذْيٌ فَلْيَحِلَّ. وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)). فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: شيئاً من المسافة بين الصفا والمروة فليلصق عقبيه بدرج الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهي إليه، قال أصحابنا: يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه، ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين فقط والصواب الأول. قوله ◌َير: (وهزم الأحزاب وحده) معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله وَلور يوم الخندق وكان الخندق. في شوال سنة أربع من الهجرة وقيل: سنة خمس. قوله: (ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة) هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وفيه إسقاط لفظة لا بد منها، وهي حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي فسقطت لفظة رمل ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وفي ((الموطأ)) حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه، وهو بمعنى رمل، هذا كلام القاضي، وقد وقع في بعض نسخ ((صحيح مسلم)) حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، كما وقع في ((الموطأ)). وغيره والله أعلم. وفي هذا الحديث استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعي وموافقيه. وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان إحداهما: كما ذكرنا، والثانية تجب عليه إعادته. قوله: (ففعل على المروة كما فعل على الصفا) فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا، وهذا متفق عليه. قوله: (حتى إذا كان آخر طواف على المروة) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع من المروة إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا فيكون ابتداء السبع من الصفا وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعي وأبو ٣٥٧ كتاب: الحج يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هُذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَىُ. وَقَالَ: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِ)) مَرَّتَيْنٍ ((لاَ بَلْ لأَبَدٍ أَبَدٍ)). وَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُذْنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رضي الله عنها مِمَّنْ حَلَّ. وَلَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً. وَاكْتَحَلَتْ. فَأَنْكَرَ بكر الصيرفي من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان والله أعلم. قوله: (فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟) إلى آخره، هذا الحديث سبق شرحه واضحاً في آخر الباب الذي قبل هذا، وجعشم بضم الجيم وبضم الشين المعجمة وفتحها ذكره الجوهري وغيره. قوله: (فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها) فيه إنكار الرجل على زوجته ما رآه منها من نقص في دينها، لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره. قوله: (فذهبت إلى رسول الله وَلقر محرشاً على فاطمة) التحريش الإغراء، والمراد هنا أن يذكر له ما يقتضي عتابها . قوله: (قلت إني أهل بما أهل به رسول الله وَلـ) هذا قد سبق شرحه في الباب قبله، وأنه يجوز تعليق الإحرام بإحرام كإحرام فلان. قوله: (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ◌َّير ومن كان معه هدي) هذا أيضاً تقدم شرحه في الباب السابق، وفيه إطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص، لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي، والمراد بقوله حل الناس كلهم أي معظهم، والهدي بإسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر وتخفف مع الإسكان. وأما قوله: (وقصروا) فإنما قصروا ولم يحلقوا، مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق في الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر، فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر والله أعلم. قوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج) يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة سبق بيانه، واشتقاقه مرات، وسبق أيضاً مرات أن الأفضل عند الشافعي وموافقيه، أن من كان بمكة وأراد الإحرام بالحج أحرم يوم التروية، عملاً بهذا الحديث، وسبق بيان مذاهب العلماء فيه، وفي هذا بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية وقد كره مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف السنة. قوله: (وركب النبي ◌ّلي فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) فيه بيان سنن: إحداها: أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف، أن ٣٥٨ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ذُلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهُذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِيٍّ يَقُولُ، بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ مُحَرِّشاً عَلَى فَاطِمَةَ. لِلَّذِي صَنَعَتْ. مُسْتَفْتِياً لِرَسُولِ اللّهِ وَيهِ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ. فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذُلِكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ. مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ المشي أفضل، وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب، إلا في مواطن المناسك، وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينها. والسنة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس، والثالثة أن يبيت بمنى هذه الليلة، وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع. قوله: (ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. قوله: (وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة) فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى، لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعاً، فالسنة أن ينزلوا بنمرة، فمن كان له قبة ضربها، ويغتسلون للوقوف قبل الزوال، فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم عليه السلام، وخطب بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جداً، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر والعصر جامعاً بينهما، فإذا فرغوا من الصلاة ساروا إلى الموقف. وفى هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى، وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر. وقوله: (بنمرة) هي بفتح النون وكسر الميم هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات. قوله: (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) معنى هذا، أن قريشاً كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة يقال له: قزح، وقيل: إن المشعر الحرام كل المزدلفة وهو بفتح الميم على المشهور، وبه جاء القرآن، وقيل: بكسرها، وكان سائر العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات، فظنت قريش أن النبي وَلل يقف في المشعر الحرام على عادتهم ولا يتجاوزه فتجاوزه النبي وَّل إلى عرفات لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: ١٩٩] أي سائر العرب غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من الحرم، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله فلا نخرج منه. قوله: (فأجاز رسول الله ◌َليل حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس) أما قوله أجاز، فمعناه جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات. ٣٥٩ کتاب: الحج الْحَجَّ؟)) قَالَ: قُلْتُ؛ اللَّهُمَّ! إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: ((فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلاَ تَحِلُّ)) قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَذْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ◌َهِ مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا. إِلاَّ النَّبِيَّ نَّهَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى. فَأَهَلُوا بِالْحَجِّ. وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ. فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ وَله وَلاَ تَشُكُ قُرَيْشٌ إِلاَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ وأما قوله: (حتى أتى عرفة) فمجاز، والمراد قارب عرفات لأنه فسره بقوله: وجد القبة قد ضربت بنمرة فنزل بها، وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جميعاً خلاف السنة. قوله: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس) أما القصواء فتقدم ضبطها وبيانها واضحاً في أول هذا الباب. وقوله: (فرحلت) هو بتخفيف الحاء أي: جعل عليها الرحل. وقوله: (بطن الوادي) هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون، وليست عرنة من أرض عرفات عند الشافعي والعلماء كافة إلا مالكاً فقال: هي من عرفات. وقوله: (فخطب الناس) فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية، ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة: إحداها: يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية: هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات، والثالثة: يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق. قال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى والله أعلم. قوله وَله: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا) معناه متأكدة التحريم شديدته، وفي هذا دليل لضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياساً. قوله **: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمانئا دم ابن ربيعة بن الحارث کان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذیل وربا الجاهلية موضوعة وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي لم يتصل بها قبض، وأنه لا قصاص في قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام. وأما قوله بَير: (تحت قدمي) فإشارة إلى ٣٦٠ الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ. فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةً. فَنَزَلَ بِهَا. حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَضْوَاءِ. فَرُحِلَتْ لَهُ. فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي. فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ. كَحُزْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هذَا. فِي بَلَدِكُمْ هَذَا. أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعْ. وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ. وَإِنَّ أَوَّلَ دَمِ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ. كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ. وَرِبَّا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعْ. وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُ رِبَانَا. رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ. فَإِنَّهُ إبطاله. وأما قوله وَ *: (وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة) فقال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل اسمه حارثة، وقيل: آدم، قال الدار قطني: وهو تصحيف وقيل اسمه تمام، وممن سماه آدم الزبير بن بكار، قال القاضي عياض: ورواه بعض رواه مسلم دم ربيعة بن الحارث، قال: وكذا رواه أبو داود، قيل: هو وهم والصواب ابن ربيعة لأن ربيعة، عاش بعد النبي ◌َّه إلى زمن عمر بن الخطاب، وتأوله أبو عبيد فقال: دم ربيعة لأنه ولي الدم فنسبه إليه، قالوا: وكان هذا الابن المقتول طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن بكر قاله الزبير بن بكار. قوله ◌َّير في الربا: (أنه موضوع كله) معناه الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث، لأن الربا هو الزيادة، فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الرد والإبطال. قوله ◌َير: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله) فيه الحث على مراعاة حق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك، وقد جمعتها أو معظمها في ((رياض الصالحين)). وقوله *: (أخذتموهن بأمان الله) هكذا هو في كثير من الأصول، وفي بعضها بأمانة الله. قوله ◌َّ: (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) قيل معناه قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ وقيل: المراد كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله وَل و إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم، وقيل: المراد بإباحة الله والكلمة قوله تعالى: ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآِ﴾ [النساء: ٣] وهذا الثالث هو الصحيح، وبالأول قال الخطابي والهروي وغيرهما، وقيل: المراد بالكلمة الإيجاب والقبول، ومعناه على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها والله أعلم. قوله ◌َله: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح) قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها، لأن ذلك يوجب حدها، ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه، وقال القاضي عياض: كانت