النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب: الحج
٢٨٩٩ - (١٠٨) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلاَنِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشِ
(قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرِو) حَدَّثَنَا
رَبَاحٌ (وَهُوَ ابْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ) عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ
لِضُبَاعَةَ رضي الله عنها: ((حُجِي، وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِي خَيْثُ تَخْبِسُنِي)) .
وَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ: أَمَرَ ضُبَاعَةَ.
(١٦) - باب: صحة إحرام النفساء، واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض
٢٩٠٠ _ (١٠٩) حدّثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً.
كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدَةَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ
بِمُحمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، بِالشَّجَرَةِ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَبَا بَكْرٍ، يَأْمُرُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ.
٢٩٠١ - (١١٠) حدّثنا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحمِيدِ،
أبلغ كفاية، وفي هذا الحديث دليل على أن المرض لا يبيح التحلل إذا لم يكن اشترطه في حال
الإحرام والله أعلم. وأما ضباعة فبضاد معجمة مضمومة ثم موحدة مخففة وهي ضباعة بنت
الزبير بن عبد المطلب كما ذكره مسلم في الكتاب، وهي بنت عم النبيّ وَّ، وأما قول صاحب
الوسيط هي ضباعة الأسلمية فغلط فاحش والصواب الهاشمية.
قوله: (فأدركت) معناه أدركت الحج ولم تتحلل حتى فرغت منه.
١٦ - باب: صحة إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام وكذا الحائض
٢٩٠٠ - فيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (نفست أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي
بكر بالشجرة فأمر رسول الله وَلقي أبا بكر رضي الله عنه يأمرها أن تغتسل) قولها نفست أي ولدت،
وهي بكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان المشهورة ضمها، والثانية فتحها، سمي نفاساً لخروج
النفس وهو المولود والدم أيضاً، قال القاضي: وتجري اللغتان في الحيض أيضاً، يقال: نفست أي
حاضت بفتح النون وضمها، قال: ذكرهما صاحب الأفعال، قال: وأنكر جماعة الضم في الحيض
وفيه صحة إحرام النفساء والحائض واستحباب اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن
مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب، وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب،
والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج، إلا الطواف وركعتيه لقوله بَيّر: (اصنعي ما
يصنع الحاج غير أن لا تطوفي) وفيه أن ركعتي الإحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحج لأن أسماء لم
تصلهما .

٣٢٢
1 1mt
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله
عنهما. فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، حِينَ نُفِسَتْ بِذِي الْحُلَيْفَةِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ أَمَرَ
أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِّلَ وَتُهِلَّ.
(١٧) - باب: بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران،
وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحلّ القارن من نسكه
٢٩٠٢ - (١١١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَ لَه عَامَ
وقوله: (نفست بالشجرة).
١٢١٠ - وفي رواية: (بذي الحليفة) وفي رواية: (بالبيداء) هذه المواضع الثلاثة متقاربة
فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرف ذي الحليفة، قال القاضي: يحتمل أنها نزلت
بطرف البيداء لتبعد عن الناس، وكان منزل النبيّ ◌َل # بذي الحليفة حقيقة، وهناك بات وأحرم،
فسمي منزل الناس كلهم باسم منزل إمامهم.
١٧ - باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع
والقران وجواز إدخال الحج على العمرة ومتى يحل القارن من نسكه
٢٩٠٢ - قولهم: حجة الوداع سميت بذلك لأن النبيّ وَّو ودع الناس فيها ولم يحج بعد
الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من الهجرة، اعلم أن أحاديث الباب متظاهرة على جواز إفراد
الحج عن العمرة، وجواز التمتع والقران، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهي
الوارد عن عمر وعثمان رضي الله عنهما فسنوضح معناه في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى،
والإفراد أن يحرم بالحج في أشهره ويفرغ منه، ثم يعتمر، والتمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج
ويفرغ منه ثم يحج من عامه، والقران أن يحرم بهما جميعاً، وكذا لو أحرم بالعمرة وأحرم بالحج
قبل طوافها صح وصار قارناً، فلو أحرم بالحج ثم أحرم بالعمرة فقولان للشافعي: أصحهما: لا
يصح إحرامه بالعمرة، والثاني: يصح ويصير قارناً بشرط أن يكون قبل الشروع في أسباب التحلل
من الحج، وقيل: قبل الوقوف بعرفات، وقيل: قبل فعل فرض، وقيل: قبل طواف القدوم أو
غيره. واختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل؟ فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها
الإفراد ثم التمتع ثم القران، وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع. وقال أبو حنيفة وآخرون:
أفضلها القران، وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي، والصحيح تفضيل الإفراد، ثم التمتع ثم
القران، وأما حجة النبي ◌َّ، فاختلفوا فيها هل كان مفرداً أم متمتعاً أم قارناً؟ وهي ثلاثة أقوال

٣٢٣
كتاب: الحج
حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ
الْعُمْرَةِ. ثُمَّ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً)) قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ. لَمْ أَطُفْ
للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعاً وادعت أن حجة النبي وَلّ كانت
كذلك، والصحيح أنه وَ ◌ّ كان أولاً مفرداً، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار
قارناً، وقد اختلفت روايات أصحابه رضي الله عنهم في صفة حجة النبي بَّر حجة الوداع، هل
كان قارناً أم مفرداً أم متمتعاً؟ وقد ذكر البخاري ومسلم رواياتهم كذلك، وطريق الجمع بينها ما
ذكرت أنه و لو كان أولاً مفرداً ثم صار قارناً، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران
اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق. وقد ارتفق
بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة في الاقتصار على فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها،
وقد جمع بينها أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب صنفه في حجة الوداع خاصة، وادعى
أنه وَ* كان قارناً وتأول باقي الأحاديث والصحيح ما سبق، وقد أوضحت ذلك في شرح المهذب
بأدلته وجميع طرق الحديث وكلام العلماء المتعلق بها.
واحتج الشافعي وأصحابه في ترجيح الإفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن
عباس وعائشة وهؤلاء لهم مزية في حجة الوداع على غيرهم، فأما جابر فهو أحسن الصحابة
سياقة لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروج النبيّ وَّر من المدينة إلى آخرها،
فهو أضبط لها من غيره، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذاً بخطام ناقة النبيّ وَّ في حجة
الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله، وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن
مكشفات الرؤوس وإني كنت تحت ناقة النبي ◌ِّر يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج.
وأما عائشة فقربها من رسول الله بَّر معروف، وكذلك اطلاعها على باطن أمره وظاهره
وفعله في خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه
في الدين والفهم الثاقب معروف، مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله وَّة التي لم يحفظها
غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، ومن دلائل ترجيح الإفراد، أن الخلفاء الراشدين
رضي الله عنهم بعد النبيّ وَّ أفردوا الحج وواظبوا على إفراده، كذلك فعل أبو بكر وعمر
وعثمان رضي الله عنهم، واختلف فعل علي رضي الله عنه، ولو لم يكن الإفراد أفضل وعلموا
أن النبيّ بِّلهول حج مفرداً لم يواظبوا عليه، مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الإسلام ويقتدى بهم في
عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله وَايه؟ .
وأما الخلاف عن علي رضي الله عنه وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وقد ثبت في
الصحيح ما يوضح ذلك، ومنها أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع وذلك لكماله، ويجب الدم
في التمتع والقران، وهو دم جبران لفوات الميقات وغيره فكان ما لا يحتاج إلى جبر أفضل،
ومنها أن الأمة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة، وكره عمر وعثمان وغيرهما التمتع
أ

٣٢٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِالْبَيْتِ، وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَشَكَوْتُ ذُلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ
وَامْتَشِطِي. وَأَهِلْي بِالْحَجُّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ) قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي
وبعضهم التمتع والقران فكان الإفراد أفضل والله أعلم. فإن قيل: كيف وقع الاختلاف بين
الصحابة رضي الله عنهم في صفة حجته وَّر، وهي حجة واحدة، وكل واحد منهم يخبر عن
مشاهدة في قضية واحدة؟ قال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث، فمن
مجيد منصف، ومن مقصر متكلف، ومن مطيل مكثر، ومن مقتصر مختصر. قال: وأوسعهم في
ذلك نفساً أبو جعفر الطحاوي الحنفي فإنه تكلم في ذلك في زيادة على ألف ورقة، وتكلم معه
في ذلك أبو جعفر الطبري، ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة، ثم المهلّب والقاضي أبو عبد الله بن
المرابط والقاضي أبو الحسن بن القصار البغدادي، والحافظ أبو عمرو بن عبد البر وغيرهم.
قال القاضي عياض: وأولى ما يقال في هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من
اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث، أن النبيّ وَلّ أباح للناس فعل هذه
الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها، ولو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزىء، فأضيف
الجميع إليه وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبيّ وَّر، إما لأمره به، وإما
لتأويله عليه .
وأما إحرامه بَّه بنفسه فأخذ بالأفضل، فأحرم مفرداً للحج، وبه تظاهرت الروايات
الصحيحة، وأما الروايات بأنه كان متمتعاً فمعناها أمر به، وأما الروايات بأنه كان قارناً فإخبار
عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم
وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية، إلا من كان معه هدي وكان هو رَّر ومن معه هدي، في آخر
إحرامهم قارنين، بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج، وفعل ذلك مواساة لأصحابه وتأنيساً
لهم في فعلها في أشهر الحج، لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج، ولم يمكنه التحلل
معهم بسبب الهدي، واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم، فصار وَ لي قارناً في آخر أمره. وقد
اتفق جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه وقال: لا
يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة، واختلفوا في إدخال العمرة على الحج،
فجوزه أصحاب الرأي وهو قول الشافعي لهذه الأحاديث، ومنعه آخرون، وجعلوا هذا خاصاً
بالنبي ◌ّ لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج، قال: وكذلك يتأول قول من قال كان متمتعاً
أي تمتع بفعل العمرة في أشهر الحج وفعلها مع الحج، لأن لفظ التمتع يطلق على معان،
فانتظمت الأحاديث واتفقت. قال: ولا يبعد رد ما ورد عن الصحابة من فعل مثل ذلك إلى مثل
هذا مع الروايات الصحيحة أنهم أحرموا بالحج مفرداً، فيكون الإفراد إخباراً عن فعلهم أولاً ،
والقران إخباراً عن إحرام الذين معهم هدي بالعمرة ثانياً، والتمتع لفسخهم الحج إلى العمرة، ثم
إهلالهم بالحج بعد التحلل منها، كما فعل كل من لم يكن معه هدي، قال القاضي: وقد قال

٣٢٥
كتاب: الحج
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَاعْتَمَرْتُ. فَقَالَ: ((هذِهِ مَكانُ
عُمْرَتِكِ)) فَطَافَ، الَّذِينَ أَهَلُوا بِالْعُمْرَةِ، بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَزْوَةِ. ثُمَّ حَلُّوا. ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً
آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى لِحَجْهِمْ. وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا
طَوَافاً وَاحِداً.
٢٩٠٣ - (١١٢) وحدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدْي.
حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِّ؛
أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََِّّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ
بعض علمائنا أنه أحرم وَ ل﴿ إحراماً مطلقاً منتظراً ما يؤمر به من إفراد أو تمتع أو قران، ثم أمر
بالحج ثم أمر بالعمرة معه في وادي العقيق بقوله: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في
حجة. قال القاضي: والذي سبق أبين وأحسن في التأويل، هذا آخر كلام القاضي عياض، ثم
قال القاضي في موضع آخر بعده: لا يصح قول من قال أحرم النبيّ وَّ إحراماً مطلقاً مبهماً،
لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة مصرحة بخلافه، قال الخطابي: قد
أنعم الشافعي ببيان هذا في كتابه ((اختلاف الحديث)) وجود الكلام. قال الخطابي: وفي اقتصاص
كل ما قاله تطويل، ولكن الوجيه والمختصر من جوامع ما قال أن معلوماً في لغة العرب جواز
إضافة الفعل إلى الآمر، كجواز إضافته إلى الفاعل، كقولك: بنى فلان داراً إذا أمر ببنائها، وضرب
الأمير فلاناً إذا أمر بضربه، ورجم النبي ◌َّر ماعزاً وقطع سارق رداء وأصفران، وإنما أمر بذلك
ومثله كثير في الكلام، وكان أصحاب رسول الله وَّ منهم المفرد والمتمتع والقارن كل منهم يأخذ
عنه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه، فجاز أن تضاف كلها إلى رسول الله بَّر على معنى أنه أمر بها
وأذن فيها. قال: ويحتمل أن بعضهم سمعه يقول: لبيك بحجة، فحكى عنه أنه أفرد وخفي عليه
قوله وعمرة فلم يحك إلا ما سمع، وسمع أنس وغيره الزيادة، وهي لبيك بحجة وعمرة ولا ينكر
قبول الزيادة، وإنما يحصل التناقض لو كان الزائد نافياً لقول صاحبه، فأما إذا كان مثبتاً له وزائداً
عليه فليس فيه تناقض، قال: ويحتمل أن الراوي سمعه يقول لغيره على وجه التعليم، فيقول له
لبيك بحجة وعمرة على سبيل التلقين، فهذه الروايات المختلفة ظاهراً ليس فيها تناقض، والجمع
بينها سهل كما ذكرنا والله أعلم.
قوله تل : (من كان معه هدي) يقال هدي بإسكان الدال وتخفيف الياء، وهدي بكسر الدال
وتشديد الياء، لغتان مشهورتان الأولى أفصح وأشهر، وهو اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام،
وسوق الهدي سنة لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة.
قوله: (عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَّر عام حجة
الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله وَّه: من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة). وفي

٣٢٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِحَجِّ. حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيَحْلِلْ. وَمَنْ
أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَأَهْدَى، فَلا يَحِلُّ حَتَّى يَتْحَرَ هَذْيَهُ. وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَلْيَتِمَّ حَجَّهُ)) قَالَتْ عَائِشَةُ
رضي الله عنها: فَحِضْتُ. فَلَمْ أَزَلْ حَائِضاً حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ.
فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجِّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ. قَالَتْ:
فَفَعَلْتُ ذُلِكَ. حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجَّتِي، بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي
بَكْرٍ. وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ. مَكَانَ عُمْرَِي، الَِّي أَذْرَكَنِي الْحَجُّ وَلَمْ أَحْلِلْ مِنْهَا.
٢٩٠٤ - (١١٣) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ بََّ عَامَ حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ. فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. وَلَمْ أَكُنْ سُقْتُ الْهَدْيَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَذْيٌّ،
فَلْيُهْلَلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ لاَ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً)) قَالَتْ: فَحِضْتُ. فَلَمَّا
دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي؟
قَالَ: (انْقُضِي رَأْسَكِ. وَامْتَشِطِي. وَأَمْسِكِي عَنِ الْعُمْرَةِ. وَأَهِلْي بِالْحَجِّ)) قَالَتْ: فَلَمَّا
قَضَيْتُ حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَني، فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ. مَكَانَ
عُمْرَتِي الَّتِي أَمْسَكْتُ عَنْهَا.
الرواية الأخرى قالت: (خرجنا مع رسول الله ◌َّير في حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل
بحج، قالت: ولم أهل إلا بعمرة) قال القاضي عياض: اختلفت الروايات عن عائشة فيما أحرمت
به اختلافاً كثيراً، فذكر مسلم من ذلك ما قدمناه، وفي رواية لمسلم أيضاً عنها: (خرجنا لا نرى إلا
الحج). وفي رواية القاسم عنها: (خرجنا مهلين بالحج). وفي رواية: (لا نذكر إلا الحج) وكل
هذه الروايات صريحة في أنها أحرمت بالحج. وفي رواية الأسود عنها: (نلبي لا نذكر حجاً ولا
عمرة) قال القاضي: واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة فقال مالك: ليس العمل على
حديث عروة عن عائشة عندنا قديماً ولا حديثاً، وقال بعضهم: يترجح أنها كانت محرمة بحج،
لأنها رواية عمرة والأسود والقاسم، وغلطوا عروة في العمرة، وممن ذهب إلى هذا القاضي
إسماعيل، ورجحوا رواية غير عروة على روايته، لأن عروة قال في رواية حماد بن زيد عن هشام
عنه: حدثني غير واحد أن النبيّ وَّر قال لها: (دعي عمرتك)، فقد بان أنه لم يسمع الحديث
منها، قال القاضي رحمه الله: وليس هذا بواضح لأنه يحتمل أنها ممن حدثه ذلك، قالوا أيضاً:
ولأن رواية عمرة والقاسم نسقت عمل عائشة في الحج من أوله إلى آخره، ولهذا قال القاسم عن
رواية عمرة: أنبأتك بالحديث على وجهه، قالوا: ولأن رواية عروة إنما أخبر عن آخر أمر عائشة،
والجمع بين الروايات ممكن، فأحرمت أولاً بالحج كما صح عنها في رواية الأكثرين، وكما هو
الأصح من فعل النبيّ وَ لّر وأكثر أصحابه، ثم أحرمت بالعمرة حين أمر النبيّ ◌َّ أصحابه بفسخ

٣٢٧
كتاب: الحج
٢٩٠٥ - (١١٤) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ شَهِ. فَقَالَ: ((مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ
بِحَجْ وَعُمْرَةٍ، فَلْيَفْعَلْ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجِّ، فَلْيُهِلَّ. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ))
قَالَتْ عَائِشةُ رضي الله عنها: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِحَجِّ. وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ. وَأَهَلَّ نَاسٌ
بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَأَهَلَّ نَاسٌّ بِعُمْرَةٍ. وَكُنْتُ فِيَمَنْ أَهلَّ بِالْعُمْرَةِ.
٢٩٠٦ - (١١٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَام،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعٌ.
مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ
فَلْيُهِلَّ. فَلَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) قَالَتْ: فَكَانَ مِنَ الْقَوْمِ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ
الحج إلى العمرة، وهكذا فسره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها في آخر الأمر ولم
يذكر أول أمرها.
قال القاضي: وقد يعارض هذا بما صح عنها من إخبارها عن فعل الصحابة واختلافهم في
الإحرام، وأنها أحرمت هي بعمرة، فالحاصل أنها أحرمت بحج ثم فسخته إلى عمرة حين أمر
الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة والتحلل منها وإدراك الإحرام بالحج،
أمرها النبيّ وَّر بالإحرام بالحج، فأحرمت فصارت مدخلة للحج على العمرة وقارنة.
وقوله وير: (ارفضي عمرتك) ليس معناه إبطالها بالكلية والخروج منها، فإن العمرة والحج
لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد فراغها، بل معناه
ارفضي العمل فيها، وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، فأمرها وَل
بالإعراض عن أفعال العمرة وأن تحرم بالحج، فتصير قارنة وتقف بعرفات وتفعل المناسك كلها،
إلا الطواف فتؤخره حتى تطهر وكذلك فعلت، قال العلماء: ومما يؤيد هذا التأويل.
قوله {88* في رواية عبد بن حميد: (وامسكي عن العمرة) ومما يصرح بهذا التأويل،
رواية مسلم بعد هذا في آخر روايات عائشة عن محمد بن حاتم عن بهز عن وهيب عن
عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت
حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها وقد أهلت بالحج فقال لها النبيّ وَّه يوم النفر: (يسعك
طوافك لحجك وعمرتك) فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج هذا
لفظه .
فقوله وَيلر: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)، تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزئة،
وأنها لم تلغها وتخرج منها، فيتعين تأويل ارفضي عمرتك، ودعي عمرتك على ما ذكرناه من
رفض العمل فيها وإتمام أفعالها والله أعلم.
.
---------..

٣٢٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَهَلَّ بِالْحَجِّ. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. فَأَذْرَكَنِي يَوْمُ
عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِي. فَشَكَوْتُ ذُلِكَ إِلَى النَّبِيِّ نََّ. فَقَالَ: ((دَعِي
عُمْرَتَكِ. وَانْقُضِي رَأْسَكِ. وَامْتَشِطِي. وَأَهِلْي بِالْحَجِّ)) قَالَتْ: فَفَعَلْتُ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةً
الْحَصْبَةِ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّنَا، أَرْسَلَّ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي وَخَرَجَ بِي
إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَضَى اللَّهُ حَجَّنَا وَعُمْرَتَنَا.
وَلَمْ يَكُنْ فِي ذُلِكَ هَذْيٌّ وَلاَ صَدَقَةٌ وَلاَ صَوْمٌ.
وأما قوله ◌َّ ر في الرواية الأخرى لما مضت مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم:
(هذه مكان عمرتك) فمعناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج، كما حصل لسائر
أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة وتحللوا منها
قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة،
وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي وَّر يوم النفر: (يسعك
طوافك لحجك وعمرتك)، أي وقد تما وحسبا لك جميعاً، فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل
لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبيّ وَلّر: (هذه مكان عمرتك أي التي كنت
تريدين حصولها منفردة غير مندرجة)، فمنعك الحيض من ذلك، وهكذا يقال في قولها يرجع
الناس بحج وعمرة وارجع بحج أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لي عمرة
منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثير أفعالها، وفي هذا تصريح بالرد على من يقول القران
أفضل والله أعلم.
وأما قوله بَّه: (انقضي رأسك وامتشطي) فلا يلزم منه إبطال العمرة، لأن نقض الرأس
والامتشاط جائزان عندنا في الإحرام بحيث لا ينتف شعراً، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر، وتأول
العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة، بأن كان في رأسها أذى فأباح لها الامتشاط كما
أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى، وقيل ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل
تسريح الشعر بالأصابع للغسل لإحرامها بالحج، لا سيما إن كانت لبدت رأسها كما هو السنة،
وكما فعله النبيّ ◌َّ، فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه
والله أعلم.
قولها: (وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) هذا دليل على أن
القارن يكفيه طواف واحد عن طواف الركن، وأنه يقتصر على أفعال الحج، وتندرج أفعال العمرة
كلها في أفعال الحج، وبهذا قال الشافعي، وهو محكي عن ابن عمر وجابر وعائشة ومالك وأحمد
وإسحاق وداود. وقال أبو حنيفة: يلزمه طوافان وسعيان، وهو محكي عن علي بن أبي طالب
وابن مسعود والشعبي والنخعي والله أعلم.
1
.

٣٢٩
كتاب: الحج
٢٩٠٧ - (١١٦) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ لِهِلاَلِ ذِي الْحِجَّةِ. لَاَ نَرَى
إِلاَّ الْحَجَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ)) وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَبْدَةً.
٢٩٠٨ - (١١٧) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رضي الله عنها. قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّ هُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِي الْحِجَّةِ. مِنَّا مَنْ أَهَلَّ
بِعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ. فَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمَا، وَقَالَ فِيهِ: قَالَ عُزْوَةُ فِي ذُلِكَ: إِنَّهُ قَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا. قَالَ
هِشَامٌ: وَلَّمْ يَكُنْ فِي ذُلِكَ هَدْيٌ وَلاَ صِيَامٌ وَلاَ صَدَقَةٌ.
قوله: (عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجنا مع رسول الله ومدير عام حجة الوداع فأهللنا
بعمرة ثم قال رسول الله وَير: من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل
منهما جميعاً) قال القاضي عياض رحمه الله: الذي تدل عليه نصوص الأحاديث في صحيحي
البخاري ومسلم وغيرهما من رواية عائشة وجابر وغيرهما، أن النبيّ وَّ إنما قال لهم هذا القول
بعد إحرامهم بالحج في منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف كما جاء في رواية عائشة، أو بعد
طوافه بالبيت وسعيه كما جاء في رواية جابر، ويحتمل تكرار الأمر بذلك في الموضعين، وأن
العزيمة كانت آخراً حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة.
قولها: (خرجنا مع رسول الله والقر عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج
حتى قدمنا مكة فقال رسول الله وَله: من أحرم بعمرة ولم يهد فليتحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى
فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه) هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي
حنيفة وأحمد وموافقیهما، في أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتی ینحر
هديه يوم النحر، ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته
وحل له كل شيء في الحال، سواء كان ساق هدياً أم لا، واحتجوا بالقياس على من لم يسق
الهدي، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شيء، كما لو تحلل المحرم بالحج، وأجابوا
عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التي ذكرها مسلم بعدها، والتي ذكرها قبلها عن عائشة
قالت: خرجنا مع رسول الله وَّير عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله وَلَّهُ: (من
كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً). فهذه الرواية مفسرة
للمحذوف من الرواية التي احتج بها أبو حنيفة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج
ولا يحل حتى ينحر هديه، ولا بد من هذا التأويل، لأن القضية واحدة والراوي واحد، فيتعين
الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه والله أعلم.

٣٣٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٩٠٩ - (١١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. أَنَّهَا قَالَتْ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهَ عَامَ خِجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ. وَمِنَّ مَنْ أَهَلَّ بِحَجْ
وَعُمْرَةٍ. وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجْ. وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ بِلَهَ بِالْحَجِّ. فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَخَلَّ.
وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ .
٢٩١٠ - (١١٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. جَمِيعاً
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم،َ عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ وََّ، وَلاَ نَرَى إِلَّ الْحَجَّ. حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِسَرِفَ، أَوْ قَرِيباً مِنْهَا، حِضْتُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ وَّرِ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ: ((أَنَفِسْتِ)) (يَعْنِي
الْحَيْضَةَ قَالَتْ): قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((إِنَّ هُذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ. فَاقْضِي مَا يَقْضِي
قوله ويلي: (وأمسكي عن العمرة) فيه دلالة ظاهرة على أنها لم تخرج منها، وإنما أمسكت
عن أعمالها وأحرمت بالحج فأدرجت أعمالها بالحج كما سبق بيانه، وهو مؤيد للتأويل الذي
قدمناه في قوله ◌َّير: (ارفضي عمرتك ودعي عمرتك) أن المراد رفض إتمام أعمالها لا إبطال أصل
العمرة .
قولها: (فأردفني) فيه دليل على جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقة، وقد تظاهرت
الأحاديث الصحيحة بذلك، وفيه جواز إرداف الرجل المرأة من محارمه والخلوة بها وهذا مجمع
عليه .
قوله ◌َّ: (من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد
أن يهل بعمرة فليهل) فيه دليل لجواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك وإنما اختلفوا
في أفضلها كما سبق.
قولها: (فلما كانت ليلة الحصبة) هي بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، وهي التي بعد
أيام التشريق، وسميت بذلك لأنهم نفروا من منى فنزلوا في المحصب وباتوا به.
قولها: (خرجنا مع رسول الله وَير في حجة الوداع موافين لهلال ذي الحجة) أي مقارنين
الاستهلاله، وكان خروجهم قبله لخمس يقبض من ذي القعدة، كما صرحت به رواية عمرة التي
ذكرها مسلم بعد هذا من حديث عبد الله بن مسلمة عن سليمان بن بلال عن يحيى عن عمرة.
قوله وير: (من أراد منكم أن يهل بعمرة فليهل فلولا أني أهديت لأهللت بعمرة) هذا مما
يحتج به من يقول بتفضيل التمتع، ومثله قوله وَالر: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت
الهدي) ووجه الدلالة منهما، أنه وَّ لا يتمنى إلا الأفضل، وأجاب القائلون بتفضيل الإفراد،

٣٣١
كتاب: الحج
الْحَاجُّ. غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي)). قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ،وَهِ عَنْ نِسَائِهِ
بِالْبَقَرِ .
بأنه ◌َّ إنما قال هذا من أجل فسخ الحج إلى العمرة الذي هو خاص لهم في تلك السنة، خاصة
لمخالفة الجاهلية، ولم يرد بذلك التمتع الذي فيه الخلاف، وقال: هذا تطييباً لقلوب أصحابه،
وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إلى العمرة، كما صرح به في الأحاديث التي بعد هذا، فقال
لهم ◌َّ هذا الكلام ومعناه ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتكم به إلا سوقي الهدي، ولولاه
لوافقتكم، ولو استقبلت هذا الرأي، وهو الإحرام بالعمرة في أشهر الحج من أول أمري لم أسق
الهدي، وفي هذه الرواية تصريح بأنه بَّه لم يكن متمتعاً.
قولها: (فقضى الله حجنا وعمرتنا ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم) هذا محمول
على إخبارها عن نفسها أي لم يكن علي في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم، ثم إنه مشكل من
حيث أنها كانت قارنة، والقارن يلزمه الدم وكذلك المتمتع، ويمكن أن يتأول هذا على أن المراد
لم يجب علي دم ارتكاب شيء من محظورات الإحرام، كالطيب وستر الوجه، وقتل الصيد،
وإزالة شعر وظفر وغير ذلك، أي لم أرتكب محظوراً فيجب بسببه هدي أو صدقة أو صوم، هذا
هو المختار في تأويله، وقال القاضي عياض: فيه دليل على أنها كانت في حج مفرد لا تمتع ولا
قران، لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما إلا داود الظاهري فقال: لا دم على القارن،
هذا كلام القاضي، وهذا اللفظ وهو قوله: (ولم يكن في ذلك هدي ولا صدقة ولا صوم)، ظاهره
في الرواية الأولى أنه من كلام عائشة، ولكن صرح في الرواية التي بعدها بأنه من كلام هشام بن
عروة، فيحمل الأول عليه ويكون الأول في معنى المدرج.
قولها: (خرجنا موافين مع رسول الله وَلَّ لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج) معناه لا نعتقد
أنا نحرم إلا بالحج، لأنا كنا نظن امتناع العمرة في أشهر الحج.
قولها: (حتى إذا كنا بسرف) هو بفتح السين المهملة وكسر الراء، وهو ما بين مكة
والمدينة، بقرب مكة على أميال منها، قيل ستة، وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنا
عشر ميلاً.
قوله : (أنفست) معناه أحضت، وهو بفتح النون وضمها لغتان مشهورتان، الفتح أفصح
والفاء مكسورة فيهما، وأما النفاس الذي هو الولادة فيقال فيه نفست بالضم لا غير.
قوله ◌َّ في الحيض: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) هذا تسلية لها وتخفيف لهمها،
ومعناه أنك لست مختصة به، بل كل بنات آدم يكون منهن هذا، كما يكون منهن، ومن الرجال
البول والغائط وغيرهما، واستدل البخاري في صحيحه في كتاب الحيض بعموم هذا الحديث،
على أن الحيض كان في جميع بنات آدم، وأنكر به على من قال إن الحيض أول ما أرسل ووقع

٣٣٢
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٩١١ - (١٢٠) حدّثني سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلاَنِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلمَةَ الْمَاجِشُونُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَوَ لاَ نَذْكُرُ إِلَّ
الْحَجّ. حَتَّى جِثْنَا سَرِفَ فَطَمِثْتُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ: ((مَا
يُبْكِيانِ؟)) فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ خَرَجْتُ الْعَامَ. قَالَ: ((مَالَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟))
قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((هذَا شَيْءٌ كَتَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ. افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ
تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَظْهُرِي)) قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لِأَضْحَابِهِ :
((اجْعَلُوهَا عُمْرَةً)) فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ. قَالَتْ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َِلـ
وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ. ثُمَّ أَهَلُوا حِينَ رَاحُوا. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ طَهَرْتُ.
فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَِّ فَأَفَضْتُ. قَالَتْ: فَأُتِينَا بِلَحْم بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هُذَا؟ فَقَالُوا: أَهْدَى
رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَضَّبَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرْجِعُ النَّاسُ
بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ؟ قَالَتْ: فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْدَفَنِي عَلَى جَمَلِهِ.
في بني إسرائيل. قوله ◌َّ: (فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي) معنى
اقضي: افعلي، كما قال في الرواية الأخرى: (فاصنعي) وفي هذا دليل على أن الحائض والنفساء
والمحدث والجنب يصح منهم جميع أفعال الحج وأقواله وهيآته، إلا الطواف وركعتيه، فيصح
الوقوف بعرفات وغيره كما ذكرنا، وكذلك الأغسال المشروعة في الحج تشرع للحائض، وغيرها
ممن ذكرنا، وفيه دليل على أن الطواف لا يصح من الحائض وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا في
علته على حسب اختلافهم في اشتراط الطهارة للطواف، فقال مالك والشافعي وأحمد: هي شرط،
وقال أبو حنيفة: ليست بشرط، وبه قال داود. فمن شرط الطهارة قال: العلة في بطلان طواف
الحائض عدم الطهارة، ومن لم يشترطها قال: العلة فيه كونها ممنوعة من اللبث في المسجد.
قولها: (وضحى رسول الله ◌َّلو عن نسائه بالبقر) هذا محمول على أنه وَلّ استأذنهن في
ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه، واستدل به مالك في أن التضحية بالبقر
أفضل من بدنة، ولا دلالة فيه لأنه ليس فيه ذكر تفضيل البقر ولا عموم لفظ، إنما هي قضية عين
محتملة لأمور فلا حجة فيها لما قاله، وذهب الشافعي والأكثرون إلى أن التضحية بالبدنة أفضل من
البقرة لقوله تعالى: (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما
قرب بقرة) إلى آخره.
قولها: (فطمئت) هو بفتح الطاء وكسر الميم أي حضت، يقال: حاضت المرأة وتحيضت
وطمئت وعركت بفتح الراء، ونفست وضحكت وأعصرت وأكبرت كله بمعنى واحد، والاسم منه

٣٣٣
كتاب: الحج
قَالَتْ: فَإِنِّي لِأَذْكُرُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، أَنْعُسُ فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ. حَتَّى
جِثْنَا إِلَي التَّنْعِيمِ. فَأَهْلَلْتُ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ. جَزَاءَ بِعُمْرَةِ النَّاسِ الَّتِي اعْتَمَرُوا.
٢٩١٢ - (١٢١) وحدّثني أَبُو أَيُّوبَ الْغَيْلاَنِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: لَبِّيْنَا بِالْحَجِّ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ
حِضْتُ. فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَأَنَا أَبْكِي. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ الْمَاحِشُونِ .
غَيْرَ أَنَّ حَمَّاداً لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ: فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ النَّبِيِّ بَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي الْيَسَارَةِ ثُمَّ
أَهْلُوا حِينَ رَاحُوا. وَلاَ قَوْلُهَا: وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ أَنْعُسُ فَيُصِيبُ وَجْهِي مُؤْخِرَةُ الرَّخْلِ.
٢٩١٣ - (١٢٢) حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ. حَدَّثَنِي خَالِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. ح
الحيض والطمس والعراك والضحك والإكبار والإعصار، وهي حائض وحائضة في لغة غريبة
حكاها الفراء، وطامث وعارك ومكبر ومعصر، وفي هذه الأحاديث جواز حج الرجل بامرأته وهو
مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته، واختلف السلف هل
المحرم لها من شروط الاستطاعة؟ وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج
الفرض، فقال جمهور العلماء: ليس له منعها منه، وللشافعي فيه قولان: أحدهما لا يمنعها منه
كما قال الجمهور، وأصحهما له منعها، لأن حقه على الفور والحج على التراخي، قال أصحابنا:
ويستحب له أن يحج بزوجته الأحاديث الصحيحة فيه.
قولها: (ثم أهلوا حين راحوا) يعني الذين تحللوا بعمرة وأهلوا بالحج حين راحوا إلى منى،
وذلك يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة، وفيه دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه، أن الأفضل
فيمن هو بمكة أن يحرم بالحج يوم التروية، ولا يقدمه عليه وقد سبقت المسألة.
قولها: (أنعس) هو بضم العين.
قولها: (فأهللت منها بعمرة جزاء لعمرة الناس) أي تقوم مقام عمرة الناس وتكفيني عنها.
قولها: (خرجنا مع رسول الله وَلي- مهلين بالحج في أشهر الحج وفي حرم الحج وليالي الحج)
قولها: (حرم الحج) هو بضم الحاء والراء كذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن
جمهور الرواة، قال: وضبطه الأصيلي بفتح الراء، قال: فعلى الضم كأنها تريد الأوقات والمواضع
والأشياء والحالات، أما بالفتح فجمع حرمة أي ممنوعات الشرع ومحرماته، وكذلك قيل للمرأة
المحرمة بنسب حرمة وجمعها حرم، وأما قولها في أشهر الحج، فاختلف العلماء في المراد بأشهر
الحج في قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فقال الشافعي وجماهير العلماء
من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: هي شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة تمتد إلى
الفجر ليلة النحر، وروي هذا عن مالك أيضاً، والمشهور عنه شوال وذو القعدة وذو الحجة
بكماله، وهو مروي أيضاً عن ابن عباس وابن عمر والمشهور عنهما ما قدمناه عن الجمهور.

٣٣٤
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَرَ أَفْرَدَ الْحَجّ.
٢٩١٤ - (١٢٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
عَنْ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللّهِ وَ مُهِلِينَ بِالْحَجِّ فِي أَشَهُرِ الْحَجْ. وَفِي حُرُمِ الْحَجِّ. وَلَيَالِي الْحَجِّ. حَتَّى نَزَلْنَا
بِسَرِفَ. فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنْكُمْ هَذْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةٌ،
فَلْيَفْعَلْ. وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَذِيٌّ، فَلاَ)) فَمِنْهُمُ الآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا. مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذِيٌّ.
فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَكَانَ مَعَهُ الْهَذْيُّ. وَمَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَهُمْ قُوَّةٌ. فَدَخَلَ عَلَيَّ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَأَنَا أَبْكِي. فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكِ؟)) قُلْتُ: سَمِعْتُ كَلامَكَ مَعَ أَصْحَابِكَ،
فَسَمِعْتُ بِالعُمْرَةِ (فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ) قَالَ: ((وَمَالَكِ؟)) قُلْتُ: لاَ أُصَلِّي. قَالَ: ((فَلاَ يَضُرُّكِ.
فَكُونِي فِي حَجِّكِ. فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا. وَإِنَّمَا أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ. كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا
كَتَبَ عَلَيْهِنَّ)) قَالَتْ: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنَّى فَتَطَهَّرْتُ ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ. وَنَزَلَ
قولها: (فخرج إلى أصحابه فقال: من لم يكن معه منكم هدي فأحب أن يجعلها عمرة
فليفعل، ومن كان معه هدي فلا فمنهم الآخذ بها والتارك لها ممن لم يكن معه هدي) وفي الحديث
الآخر بعد هذا أنه بَّر قال: (أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون) وفي حديث
جابر: (فأمرنا أن نحل) يعني بعمرة، وقال في آخره: قال: (فحلوا، قال: فحللنا وسمعنا وأطعنا)
وفي الرواية الأخرى: (أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا
حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا الذي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها
متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به). هذه الروايات صريحة في أنه ◌َّر أمرهم بفسخ
الحج إلى العمرة أمر عزيمة وتحتم، بخلاف الرواية الأولى، وهي قوله ◌َّر: (من لم يكن معه
هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل) قال العلماء: خيرهم أولاً بين الفسخ وعدمه ملاطفة لهم
وإيناساً بالعمرة في أشهر الحج، لأنهم كانوا يرونها من أفجر الفجور، ثم حتم عليهم بعد ذلك
الفسخ، وأمرهم به أمر عزيمة وألزمهم إياه، وكره ترددهم في قبول ذلك، ثم قبلوه وفعلوه إلا من
كان معه هدي والله أعلم.
قولها: (سمعت كلامك مع أصحابك فسمعت بالعمرة) كذا هو في النسخ فسمعت بالعمرة،
قال القاضي: كذا رواه جمهور رواة مسلم، ورواه بعضهم فمنعت العمرة وهو الصواب.
قولها: (قال ومالك قلت لا أصلي) فيه استحباب الكناية عن الحيض ونحوه مما يستحيى منه
ويستشنع لفظه، إلا إذا كانت حاجة كإزالة وهم ونحو ذلك.
7

٣٣٥
كتاب: الحج
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ الْمُحَصَّبَ. فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: ((اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الْحَرَم
فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ لْتَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَإِنِي أَنْتَظِرُكُمَا هُهُنَا)) قَالَّتْ: فَخَرَجْنَا فَأَهْلَلْتُ. ثُمَّ طُفْتٌ
بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَجِثْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ. فَقَالَ: ((هَلْ
فَرَغْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. فَأَذَنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ. فَخَرَجَ فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلاَةِ
الصُّبْحِ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
٢٩١٥ - (١٢٤) حدّثني يَخْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ الْمُهَلَّبِيُّ. حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:
مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجْ مُفْرَدَاً. وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ. وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ .
٢٩١٦ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمْيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ.
أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ: جَاءَتْ عَائِشَةُ حَاجَّةً.
٢٩١٧ - (١٢٥) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يعْنِي ابْنَ
بِلاَلٍ) عَنْ يَخْيَى (وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) عَنْ عَمْرَةَ. قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ لِخَمْسِ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلاَ نَرَى إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا
مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ مَنْ لُمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذِيّ، إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
أَنْ يَحِلَّ. قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّخْرِ بِلَخْم بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هُذَا؟
قوله يلي: (اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة) فيه دليل لما قاله العلماء: أن من كان
بمكة وأراد العمرة فميقاته لها أدنى الحل، ولا يجوز أن يحرم بها من الحرم، فإن خالف وأحرم
بها من الحرم وخرج إلى الحل قبل الطواف أجزأه ولا دم عليه، وإن لم يخرج وطاف وسعى
وحلق ففيه قولان للشافعي :
أحدهما لا تصح عمرته حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف ويسعى ويحلق.
والثاني: وهو الأصح يصح وعليه دم لتركه الميقات، قال العلماء: وإنما وجب الخروج
إلى الحل ليجمع في نسكه بين الحل والحرم، كما أن الحاج يجمع بينهما فإنه يقف بعرفات،
وهي في الحل، ثم يدخل مكة للطواف وغيره، هذا تفصيل مذهب الشافعي، وهكذا قال جمهور
العلماء: أنه يجب الخروج الإحرام العمرة إلى أدنى الحل، وأنه لو أحرم بها في الحرم ولم
يخرج لزمه دم، وقال عطاء: لا شيء عليه، وقال مالك: لا يجزئه حتى يخرج إلى الحل.
قال القاضي عياض: وقال مالك: لا بد من إحرامه من التنعيم خاصة، قالوا: وهو ميقات
المعتمرين من مكة، وهذا شاذ مردود، والذي عليه الجماهير أن جميع جهات الحل سواء، ولا
تختص بالتنعيم والله أعلم.
T

٣٣٦
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ عَنْ أَزْوَاجِهِ.
قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هُذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: أَتَتْكَ، وَاللَّهِ! بِالْحَدِيثِ
عَلَى وَجْهِهِ.
٢٩١٨ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ
يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ
أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، بِهُذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَهُ.
٢٩١٩ - (١٢٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. ح وَعَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَّتْ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنٍ وَأَصْدُرُ بِنُسُكِ وَاحِدٍ؟ قَالَ: ((انْتَظِرِي. فَإِذَا طَهَرْتٍ
فَاخْرُجِي إِلَىِ التَّنْعِيمِ. فَأَهِلِي مِنْهُ. ثُمَّ أَلْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وَكَذَا (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ غَداً) وَلَّكِنَّهَا عَلَى
قَدْرِ نَصَبِكِ أَوْ (قَالَ): نَفَقَتِكِ)).
٢٩٢٠ - (١٢٧) وحدّثنا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ وَإِبْرَاهِيمَ. قَالَ: لاَ أَعْرِفُ حَدِيثَ أَحَدِهِمَا مِنَ الآخَرِ؛ أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنٍ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
٢٩٢١ - (١٢٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا.
وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله
عنها قَالَتْ؛ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَ ◌ّه وَلاَ نَرَىَ إِلاَّ أَنَّهُ الْحَجُّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ تَطَوَّفْنَا
بِالْبَيْتِ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الْهَذْيَ أَنْ يَحِلّ. قَالَتْ: فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ
سَاقَ الْهَدْيَ. وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ الْهَدْيَ. فَأَحْلَلْنَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِضْتُ. فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ.
فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قَالَتْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا
بِحَجَّةٍ؟ قَالَ: ((أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتٍ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟)) قَالَتْ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: ((فَاذْهَبِي مَعَ
أَخِيكِ إِلَى النَّتْعِيمِ. فَأَهِلْي بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا)) .
قَالَتْ صَفِيَّةُ: مَا أُرَانِي إِلاَّ حَابِسَتَكُمْ. قَالَ: ((عَقْرَى حَلْقَى. أَوَ مَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ
قوله ◌َله: (ولكنها على قدر نصبك أو قال: نفقتك) هذا ظاهر في أن الثواب والفضل في
العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة، والمراد النصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة. قولها: (قالت
صفية: ما أراني إلا حابستكم، قال: عقرى حلقى أو ما كنت طفت يوم النحر؟ قالت: بلى، قال:
لا بأس انفري) معناه أن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها حاضت قبل طواف الوداع، فلما أراد

٣٣٧
كتاب: الحج
النَّخْرِ؟)) قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: ((لاَ بَأْسَ. انْفِرِي)).
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَقِيَّنِي رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ وَهُوَ مُضْعِدٌ مِنْ مَأَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا. أَوْ أَنَا
مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا .
وَقَالَ إِسْحَاقُ: مُتَهَبِّطَةٌ وَمُتَهَبٌِّ.
٢٩٢٢ - (١٢٩) وحدّثناه سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ؛ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ نُلَّبِي. لاَ
نَذْكُرُ حَجّاً وَلاَ عُمْرَةً. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَنْصُورٍ .
النبي ◌َّ الرجوع إلى المدينة قالت: ما أظنني إلا حابستكم لانتظار طهري وطوافي للوداع، فإني
لم أطف للوداع وقد حضت، ولا يمكنني الطواف الآن، وظننت أن طواف الوداع لا يسقط عن
الحائض، فقال النبي وَّهر: (أما كنت طفت طواف الإفاضة يوم النحر؟ قالت: بلى، قال: يكفيك
ذلك) لأنه هو الطواف الذي هو ركن ولا بد لكل أحد منه، وأما طواف الوداع فلا يجب على
الحائض. وأما قوله ◌َلير: (عقرى حلقى) فهكذا يرويه المحدثون بالألف التي هي ألف التأنيث،
ويكتبونه بالياء ولا ينونونه، وهكذا نقله جماعة لا يحصون من أئمة اللغة وغيرهم عن رواية
المحدثين، وهو صحيح فصيح، قال الأزهري في ((تهذيب اللغة)): قال أبو عبيد: معنى عقرى
عقرها الله تعالى، وحلقى حلقها الله، قال: يعني عقر الله جسدها وأصابها بوجع في حلقها، قال
أبو عبيد: أصحاب الحديث يروونه عقرى حلقى وإنما هو عقرا حلقا، قال: وهذا على مذهب
العرب في الدعاء على شيء من غير إرادة وقوعه، قال شمر: قلت لأبي عبيد: لم لا تجيز عقرى؟
فقال: لأن فعلى تجيء نعتاً ولم تجىء في الدعاء، فقلت: روى ابن شميل عن العرب مطيرى
وعقرى أخف منها فلم ينكره، هذا آخر ما ذكره الأزهري. وقال صاحب ((المحكم)): يقال للمرأة
عقرى حلقى معناه عقرها الله وحلقها أي: حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها، قال: فعقرى
ههنا مصدر كدعوى، وقيل معناه تعقر قومها وتحلقهم لشؤمها، وقيل العقرى الحائض، وقيل
عقرى حلقى أي عقرها الله وحلقها، هذا آخر كلام صاحب ((المحكم))، وقيل معناه جعلها الله
عاقراً لا تلد، وحلقى مشؤومة على أهلها، وعلى كل قول فهي كلمة كان أصلها ما ذكرناه ثم
اتسعت العرب فيها، فصارت تطلقها ولا تريد حقيقة ما وضعت له أولاً، ونظيره تربت يداه، وقاتله
الله ما أشجعه، وما أشعره والله أعلم.
وفي هذا الحديث دليل على أن طواف الوداع لا يجب على الحائض، ولا يلزمها الصبر
لطهرها لتأتي به، ولا دم عليها في تركه، وهذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه
القاضي عن بعض السلف وهو شاذ مردود.

٣٣٨
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٩٢٣ - (١٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعاً
عَنِ غُنْدَرٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
الْحُسَيْنِ، عَنْ ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَ
رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لأَرْبَعِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ. فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ. فَقُلْتُ:
مَنْ أَغْضَبَكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ. قَالَ: ((أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ
فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ؟)) (قَالَ الْحَكَمُ: كَأَنَّهُمْ يَتَرَدَّدُونَ أَحْسِبُ) وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا
اسْتَذْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الْهَذْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَّهُ، ثُمَّ أَحِلُ كَمَا حَلُّوا)).
٢٩٢٤ - (١٣١) وحدّثناه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكِم.
سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها. قَالَتْ: قَدِمَ النَّبِيُّ وَّهِ لَأَزْبَعِ
أَوْ خَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ غُنْدَرٍ. وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّكَّ مِنَ الْحَكْمِ فِي قَوْلِهِ:
يَتَرَدَّدُونَ.
٢٩٢٥ - (١٣٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا
وقولها: (فدخل علي وهو غضبان فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النار؟ قال:
أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون) أما غضبه بَّر فلانتهاك حرمة الشرع
وترددهم في قبول حكمه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ سَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فغضبِالَّ لما
ذكرناه من انتهاك حرمة الشرع، والحزن عليهم في نقص إيمانهم بتوقفهم، وفيه دلالة لاستحباب
الغضب عند انتهاك حرمة الدين، وفيه جواز الدعاء على المخالف لحكم الشرع والله أعلم.
قوله ◌َله: (أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون، قال الحكم: كأنهم يترددون
أحسب) قال القاضي: كذا وقع هذا اللفظ وهو صحيح، وإن كان فيه إشكال، قال: وزاد إشكاله
تغيير فيه وهو. قوله: قال الحكم: كأنهم يترددون، وكذا رواه ابن أبي شيبة عن الحكم، ومعناه أن
الحكم شك في لفظ النبيّ بَّ هذا مع ضبطه لمعناه، فشك هل قال يترددون أو نحوه من الكلام؟
ولهذا قال بعده: أحسب أي أظن أن هذا لفظه، ويؤيده قول مسلم بعده في حديث غندر، ولم
يذكر الشك من الحكم في قوله يترددون والله أعلم.
قوله وخطير: (ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي) هذا دليل على جواز
قول لو في التأسف على فوات أمور الدين ومصالح الشرع، وأما الحديث الصحيح في أن لو تفتح
عمل الشيطان، فمحمول على التأسف على حظوظ الدنيا ونحوها، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة
في استعمال لو في غير حظوظ الدنيا ونحوها، فيجمع بين الأحاديث بما ذكرناه والله أعلم.

٣٣٩
كتاب: الحج
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاؤُسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ. فَقَدِمَتْ وَلَمْ
تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ. فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا. وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ. فَقَالَ لَهَا
النَّبِيُّ وَّةَ، يَوْمَ النَّفْرِ: ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجْكِ وَعُمْرَتِكِ)) فَأَبَتْ. فَبَعَثَ بِهَا مَعَ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
٢٩٢٦ - (١٣٣) وحدّثني حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ. حَدَّثَنِي
إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِع. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها،
أَنَّهَا حَاضَتْ بِسُّرِفَ. فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ. فَقَالَ لَّهَّا رَسُولُ اللّهِ ◌َ: ((يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ
بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ)).
٢٩٢٧ - (١٣٤) وحدّثنا يَخْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا
قُرَّةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ. حَدَّثَتْنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ. قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ
رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ
أَبِي بَكْرِ أَنْ يَنْطِلِقَ بِهَا إِلَى النَّنْعِيمِ. قَالَتْ: فَأَزْدَفَنِي خَلْفَهُ عَلَى جَمَلِ لَهُ. قَالَتْ: فَجَعَلْتُ
أَزْفَعُ خِمَّارِي أَحْسُرُهُ عَنْ عُنُقِي. فَيَّضْرِبُ رِجْلِي بِعِلَّةِ الرَّاحِلَةِ. قُلْتُ لَهُ: وَهَلْ تَرَى مِنْ أَحَدِ؟
قَالَتْ: فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ. ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ وَهُوَ بِالْحَصْبَةِ.
قوله وَل: (يجزي عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك) فيه دلالة ظاهرة على
أنها كانت قارنة ولم ترفض العمرة رفض إبطال، بل تركت الاستمرار في أعمال العمرة بانفرادها،
وقد سبق تقرير هذا في أول هذا الباب، وسبق هناك الاستدلال أيضاً بقوله وَاليه: (هنا يسعك
طوافك لحجك وعمرتك).
قوله في حديث صفية بنت شيبة: (عن عائشة فجعلت أرفع خماري أحسره عن عنقي
فيضرب رجلي بعلة الراحلة، قلت له: وهل ترى من أحد؟ قالت: فأهللت بعمرة) أما قولها أحسره
فبكسر السين وضمها لغتان أي أكشفه وأزيله، وأما قولها بعلة الراحلة، فالمشهور في النسخ أنه بياء
موحدة، ثم عين مهملة مكسورتين، ثم لام مشددة ثم هاء، وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى:
وقع في بعض الروايات نعلة يعني بالنون، وفي بعضها بالباء، قال: وهو كلام مختل قال: قال
بعضهم: صوابه ثفنة الراحلة أي فخذها، يريد ما خشن من مواضع مباركها، قال أهل اللغة: كل
ما ولي الأرض من كل ذي أربع إذا برك فهو ثفنة، قال القاضي: ومع هذا فلا يستقيم هذا الكلام
ولا جوابها لأخيها بقولها وهل ترى من أحد، ولأن رجل الراكب قل ما تبلغ ثفنة الراحلة، قال:
وكل هذا وهم، قال: والصواب فيضرب رجلي بنعلة السيف يعني: أنها لما حسرت خمارها
ضرب أخوها رجلها بنعلة السيف، فقالت: وهل ترى من أحد، هذا كلام القاضي.
:
:
أ
:

٣٤٠
الجزء السادس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٩٢٨ - (١٣٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَمْرِو. أَخْبَرَهُ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرِ أَمَرَهُ أَنْ
يُرْدِفَ عَائِشَةَ، فَيُعْمِرَهَا مِنَ الَّْعِيمِ.
٢٩٢٩ - (١٣٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ. جَمِيعاً عَنِ اللَّيْثِ بْنِ
سَعْدٍ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثْ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه؛ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا
مُهِلْيْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَ لَهَ بِحَجِّ مُفْرَدٍ. وَأَقْبَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها بِعُمْرَةٍ. حَتَّى إِذَا كُنَّا
بِسَرِفَ عَرَكَتْ. حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا طُفْنَا بِالْكَعْبَةِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ أَنْ يَحِلَّ
مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَذْيٌ. قَالَ: فَقُلْنَا: حِلُّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الْحِلُّ كُلُّهُ)) فَوَاقَعْنَا النِّسَاءَ. وَتَطَيِّبْنَا
بِالطَّيْبِ. وَلَبِسْنَا ثِيَابَنَا. وَلَيْسَ بَيْنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلاَّ أَرْبَعُ لَيَالٍ. ثمَّ أَهْلَلْنَا يَوْمَ النَّرْوِيَةِ. ثُمَّ دَخَلَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها. فَوَجَدَهَا تَبْكِي. فَقَالَ: ((مَا شَأْتُكِ؟)) قَالَتْ:
((شَأْنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ. وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ. وَلَمْ أَحْلِلْ. وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ. وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى
قلت: ويحتمل أن المراد فيضرب رجلي بسبب الراحلة أي يضرب رجلي عامداً لها في
صورة من يضرب الراحلة، ويكون قولها بعلة معناه بسبب، والمعنى أنه يضرب رجلها بسوط أو
عصا أو غير ذلك حين تكشف خمارها عن عنقها غيرة عليها، فتقول له هي: وهل ترى من أحد
أي نحن في خلاء ليس هنا أجنبي أستتر منه، وهذا التأويل متعين أو كالمتعين، لأنه مطابق للفظ
الذي صحت به الرواية وللمعنى ولسياق الكلام فتعين اعتماده والله أعلم.
قولها: (وهو بالحصبة) هو بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين أي بالمحصب.
قولها: (فلقيني رسول الله وَّلجر وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو
منهبط منها). وقالت في الرواية الأخرى: (فجئنا رسول الله وَّهر وهو في منزله فقال: هل فرغت؟
فقلت: نعم، فأذن في أصحابه فخرج فمر بالبيت وطاف). وفي الرواية الأخرى: (فأقبلنا حتى أتينا
رسول الله وَلقر وهو بالحصبة) وجه الجمع بين هذه الروايات أنه وَل بعث عائشة مع أخيها بعد
نزوله المحصب، وواعدها أن تلحقه بعد اعتمارها، ثم خرج هو ◌ّ بعد ذهابها فقصد البيت
ليطوف طواف الوداع، ثم رجع بعد فراغه من طواف الوداع، وكل هذا في الليل وهي الليلة التي
تلي أيام التشريق، فلقيها وَّ وهو صادر بعد طواف الوداع وهي داخلة لطواف عمرتها، ثم فرغت
من عمرتها ولحقته بَّ وهو بعد في منزله بالمحصب، وأما قولها: فأذن في أصحابه فخرج فمر
بالبيت وطاف، فيتأول على أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وأن طوافه ومسير كان بعد خروجها إلى
العمرة، وقبل رجوعها، وأنه فرغ قبل طوافها للعمرة.
قوله في حديث جابر: (أن عائشة عركت) هو بفتح العين والراء، ومعناه حاضت يقال:
عركت تعرك عروكاً كقعدت تقعد قعوداً.