النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
كتاب: الكسوف
أَذْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى. ثُمَّ کَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً. هُوَ أَذْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ قَالَ:
(سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) ثُمَّ سَجَدَ (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُوِ الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ) ثُمَّ
فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الأُخْرَىُ مِثْلَ ذُلِكَ. حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَانْجَلَتِ
الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ. ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ. فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا
فَاقْزَعُوا لِلصَّلاَةِ)). وَقَالَ أَيْضاً: ((فَصَلُوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَنْكُمْ)). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
(رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هُذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ. حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفاً مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ
وَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِمُ.
قوله: (فافزعوا للصلاة) إلخ: بفتح الزاي، أي التجئوا وتوجهوا، وفيه إشارة إلى المبادرة
إلى المأمور به، وأن الالتجاء إلى الله عند المخاوف بالدعاء والاستغفار سبب لمحو ما فرط من
العصيان، يرجى به زوال المخاوف، وأن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة والآجلة،
نسأل الله تعالى رحمته وعفوه وغفرانه .
قال القاري: ((فكأن في إرادة هذه الآيات من الله سبحانه وتعالى تنبيهاً على أن لنا أن
نعطي النور والكمال، وبيد قدرتنا الفناء والزوال، فاخشوا من زوال نور الإيمان، وافزعوا إلى
الله بالصلاة والذكر والذكر والقرآن، وكان ◌َّه إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، فإن الصلاة جامعة
للأذكار والدعوات، وشاملة للأفعال والحالات، وتريح من كل هم، وتفرج من كل غم)).
قوله: (حتى يفرج الله عنكم) إلخ: أي حتى يزول عنكم هذا العارض الذي يخاف كونه
مقدمة عذاب.
قوله: (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم) إلخ: قال الحافظ السيوطي: ((هذه الرواية
أصح من حديث أسماء: ((ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا)) حتى قال الكرماني:
((فيه دلالة على أنه رأى ذاته تعالي المقدسة في ذلك المقام)) بناء على عموم الشيء له تعالى،
لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] والعقل لا يمنعه، لكن بينت رواية
الباب أن كل شيء مخصوص بالموعود كفتن الدنيا وفتوحها، والجنة والنار، لكن قد يقال: هو
تعالى داخل في الموعود، لأن الناس يرونه تعالى في الجنة، فليتأمل. كذا في حاشية السندي
على النسائي. وسيأتي حديث جابر في الباب، وفيه: ((أنه عرض على كل شيء تولجونه،
فعرضت على الجنة ... )) الحديث، وهذا يفسر قوله: ((ما وعدتم)) والله أعلم.
قوله: (أن آخذ قطفاً) إلخ: بكسر فسكون، عنقود، وروى أكثرهم بالفتح، وإنما هو
بالكسر. ذكره في المجمع.
قوله: (جعلت أقدم) إلخ: قال النووي: ((ضبطناه بضم الهمزة، وفتح القاف، وكسر الدال

٤٦٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(وَقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ) وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ
المشددة، ومعناه: أقدم نفسي أو رجلي، وكذا صرح القاضي عياض بضبط، وضبطه جماعة:
أقدم، بفتح الهمزة الهمزة وإسكان القاف وضم الدال، وهو من الإقدام (والصحيح من القدوم)
و كلاهما صحيح.
قوله: (وقال المرادي: أتقدم) إلخ: أي قال محمد بن سلمة المرادي: أتقدم، مكان
((أقدم)) وهذا واضح.
قوله: (ولقد رأيتم جهنم) إلخ: رؤية الجنة والنار هذه الظاهر أنها رؤية الجنة والنار هذه
الظاهر أنها رؤية عين فمنهم من حمله على أن الحجب قد كشفت له دونهما، فرآهما على
حقيقتهما، وطويت المسافة بين الرائي: والمرئي، حتى أمكنه أن يتناول من الجنة، وفي حديث
جابر: ((ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه)) وقال في رؤية النار: ((حين
رأيتموني تأخرت مخافة أن تصيبني من نفحها، وهذا أشبه بظاهر هذا الخبر، وهذا كما فرج
له ** عن المسجد الأقصى حين وصفه لقريش، وحينئذٍ يكون معنى قوله: ((في عرض هذا
الحائط)) كما في رواية: ((من جهته وناحيته)) ومنهم من حمله على أنهما مثلتا له في الحائط، كما
تنطبع الصور في المرآة، فرأى جميع ما فيهما، ويؤيده حديث أنس: ((لقد عرضت على الجنة
والنار آنفاً في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي وفي رواية: (لقد مثلت) وفي أخرى: ((لقد
صورت)) ولا يرد على هذا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة، لأنا نقول: هو شرط
عادي، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصاً للنبي وَلقر، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة
الظهر، ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مراراً على صور مختلفة، وأبعد من قال: إن
المراد بالرؤية رؤية العلم. قال القرطبي: لا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما
على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق
لنبيه و ﴿ إدراكاً خاصاً به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، كذا في الفتح.
قلت: ولقد عد الشيخ العارف ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: هذه القصة من الرؤية
المثالية، حيث قال في ((باب ذكر عالم المثال)): ((اعلم أنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن في
الوجود عالماً غير عنصري يتمثل فيه المعاني بأجسام مناسبة لها في الصفة، ويتحقق هنالك
الأشياء قبل وجودها في الأرض نحواً من التحقق، فإذا وجدت كانت هي هي بمعنى من معاني
هو هو، وإن كثيراً من الأشياء مما لا جسم لها عند العامة تنتقل وتنزل، ولا يراها جميع
الناس .... )) إلى أن قال في حديث صلاة الكسوف، ((صورت لي الجنة والنار)) وفي لفظ: ((بيني
جدار القبلة)) وفيه: ((أنه بسط يده ليتناول عنقوداً من الجنة، وأنه تكعكع من النار، ونفخ من
حرها، ورأى فيها سارق الحجج، والامرأة التي ربطت الهرة حتى ماتت، ورأى في الجنة امرأة
مؤمسة سقطت الكلب، ومعلوم أن تلك المسافة لا تسع للجنة والنار بأجسامهما المعلومة عند
العامة، والله أعلم)).

٤٦٣
كتاب: الكسوف
يَخْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضاً، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ. وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ. وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ
السَّوَائِبَ)). وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ((فَاقْزَعُوا لِلصَّلاَةِ». وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
٢٠٨٩ - (٤) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. قَالَ: قَالَ
الأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابِ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنَّ عَائِشَةَ؛ أَنَّ
الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ بَلِهِ. فَبَعَثَ مُنَادِياً ((الصَّلاَةُ جَامِعَةٌ)) فَاجْتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ
فَكَبَّرَ. وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنٍ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .
٢٠٩٠ - (٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم. أَخْبَرَنَا عَبْدُ
الرَّحْمُنِ بْنُ نَمِرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُخْبِرُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ جَهَرَ
فِي صَلاَّةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ. فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنٍ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
قوله: (يحطم بعضها بعضاً) إلخ: لشد تلهيبها واضطرابها، كأمواج البحر التي يحطم
بعضها بعضاً.
قوله: (حين رأيتموني تأخرت) إلخ: فيه التأخر عن مواضع العذاب الهلاك، قاله
النووي كذّثهُ .
قوله: (عمر بن لحی) إلخ: بضم اللام، وفتح الحاء، وتشديد الياء، وعمرو هذا أول من
غير دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة وأخواتها المذكورات
في الآية.
قال السندي: «أي شرع لباقي قريش أن يتركوا النوق ويعتقوها من الحمل والركوب ونحو
ذلك للأصنام نعوذ بالله تعالى من ذلك.
قوله: (الصلاة جامعة) إلخ: بنصب الصلاة)) على الإغراء، و((جامعة)) على الحال، أي
احضروا الصلاة حال كونها جامعة، ويرفعهما على أن ((الصلاة)) مبتدأ، و((جامعة)) خبره،
ومعناه: ذات جماعة. وقيل: ((جامعة)) صفة والخبر محذوف، تقديره احضروها، وعن بعض
العلماء: يجوز نصبهما، ورفعهما، ورفع الأول ونصب الثاني، وعكسه. قال الأبي: ((ومعنى
((جامعة)): جامعة الناس في المسجد)).
أقوال العلماء في الجهر بالقراءة
والإخفاء بها في صلاة الكسوف والخسوف
قوله: (جهر في صلاة الخسوف) إلخ: استدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة
ممن لم ير ذلك بذلك على كسوف القمر، وليس بجيد، لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من
وجه آخر عن الوليد بلفظ: ((كسفت الشمس في عهد رسول الله وَطّ ر .... )) فذكر الحديث، وكذا

٤٦٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٩١ - (٠٠٠) قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ(١)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ
النَّبِيِّ بَِّ؛ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنٍ. وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ .
رواية الأوزاعي صريحة في الشمس، واستدل بعضهم على ضعف رواية عبد الرحمن بن نمر هذا
في الجهر بأن الأوزاعي لم يذكر في روايته الجهر، وهذا ضعيف، لأن من ذكر حجة على من لم
يذكر، لا سيما والذي لم يذكره لم يتعرض لنفيه، وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعي عند أبي
داود والحاكم من طريق الوليد بن مزيد عنه، ووافقه سليمان بن كثير وغيره، وقد تابعهم على ذكر
الجهر عن الزهري عقيل عند الطحاوي، وإسحاق بن راشد عند الدارقطني، وهذه طرق يعضد
بعضها بعضاً يفيد مجموعها الجزم بذلك، وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعاً وموقوفاً، أخرجه
ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر،
وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربي من المالكية. وقال الطبري يخير بين الجهر
والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر. كذا في الفتح.
قال الشيخ ابن الهمام تَّفُ: ((وروى أحمد وأبو يعلى في مسنديهما عن ابن عباس:
((صليت مع النبي ◌َّ الكسوف فلم أسمع منه حرفاً من القراءة)) وفيه ابن لهيعة. ورواه أبو نعيم
في الحلية من طريق الواقدي عن ابن عباس، قال: ((صليت إلى جنب رسول الله وَّل يوم كسفت
فلم أسمع له قراءة)) ورواه البيهقي في المعرفة من الطريقين، ثم طريق الحكم بن أبان كما رواه
الطبراني، ثم قال: وهؤلاء وإن كانوا لا يحتج بهم، ولكنهم عدد روايتهم توافق الرواية
الصحيحة عن ابن عباس في الصحيحين: ((أنه وَل ◌ُ قرأ نحواً من سورة البقرة)) قال الشافعي كثُّهُ:
فيه دليل على أنه لم يسمع ما قرأ، إذ لو سمعه لم يقدره بغيره، ويدفع حمله على بعده رواية
الحكم بن أبان: ((صليت إلى جنبه .... )) ويوافق أيضاً رواية محمد بن إسحاق بإسناده عن عائشة
قالت: «فحزرت قراءته)).
وأما حديث سمرة فتقدم، وفيه: ((لا نسمع له صوتاً)) قال الترمذي: حسن صحيح. والحق
أن تقدير ابن عباس ظُه لسورة البقرة لا يستلزم عدم سماعه، لأن الإنسان قد ينسى المقروء
المسموع بعينه، وهو ذاكر لقدره، فيقول: قرأ نحو سورة كذا، فالأولى حمله على الإخفاء لا
بالنظر إلى هذه الدلالة بل بالنظر إلى ما تقدم من حديث: ((صليت إلى جنب رسول الله وَالقر) وإذا
حصل التعارض وجب الترجيح بأن الأصل في صلاة النهار الإخفاء)) اهـ.
وبما قال البيهقي: إن الزهري قد انفرد برواية الجهر، كما صرح به الإمام أحمد كَّتُهُ، وهو
وإن كان حافظاً فالعدد أولى بالحفظ من واحد. وقال بعضهم: في حديث سمرة يحتمل أنه لم
يسمعه لبعده، وكونه في أخريات الناس، كما قال ابن حزم أنه ليس في حديث ((أن النبي ◌َّ لم
(١) وسيأتي تخريج حديث ابن عباس في التعليقة الآتية.

٤٦٥
كتاب: الكسوف
٢٠٩٢ - (٠٠٠) وحدّثنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ
ابْنَ عَبَّاسٍ(١) كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ. بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ
عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ.
٢٠٩٣ - (٦) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ (حَسِبْتُهُ
يُرِيدُ عَائِشَةَ) أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ بِهَ. فَقَامَ قِيَاماً شَدِيداً. يَقُومُ قَائِماً
يجهر)) وإنما فيه: ((لا نسمع له صوتاً)) وصدق سمرة في أنه لم يسمعه، ولو كان بحيث يسمعه
لسمعه كما سمعته عائشة فيها التي كانت قريباً من القبلة في حجرتها، وكلاهما صادق)) اهـ.
فحصل الجمع بين حديث عائشة وحديث سمرة، وثبت الجهر في صلاة الكسوف.
قلت: وكون عائشة في حجرتها محل نظر، وسيأتي التصريح بخروجها في نسوة إلى
المسجد في حديث عمرة عنها، وعلى هذا: فكيف يمكن أن تسمع عائشة، وهي في صف
النساء، ولا يسمع سمرة وهو في صف الرجال؟ نعم! يحتمل أن يكون النبي وَّ قد جهر فيها
ببعض الآيات، كما كان يسمعهم الآية والآيتين أحياناً في الصلاة السرية، ولم يجهر بسائر
السورة، وحينئذٍ فلا منافاة بين حديث عائشة وسائر الأحاديث الدالة على الإسرار، والله سبحانه
وتعالى أعلم بالصواب.
قوله: (حسبته يريد عائشة) إلخ: قال النووي: ((هكذا هو في نسخ بلادنا، وكذا نقله
القاضي عن الجمهور، وعن بعض رواتهم: «من أَصَدِّق حديثه يريد عائشة)) ومعنى اللفظين
(١) قوله: (عن ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الإيمان، باب كفران العشير، وكفر
دون كفر، رقم (٢٩) وفي كتاب الصلاة، باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء ما يعبد فأراد به الله،
رقم (٤٣١) وفي كتاب الأذان، باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، رقم (٧٤٨) وفي كتاب الكسوف،
باب صلاة الكسوف جماعة، رقم (١٠٥٢) وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر، رقم (٣٢٠٢)
وفي كتاب النكاح، باب كفران العشير، وهو الزوج .... ، رقم (٥١٩٧) والنسائي في سننه، في كتاب
الكسوف، باب كيف صلاة الكسوف، رقم (١٤٦٨) و(١٤٦٩) وباب نوع آخر من صلاة الكسوف، رقم
(٤٧٠ وباب قدر القراءة في صلاة الكسوف، رقم (١٤٩٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من
قال أربع ركعات، رقم (١١٨١) و(١١٨٣) وباب القراءة في صلاة الكسوف، رقم (١١٨٩) والترمذي في
جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الكسوف، رقم (٥٦٠) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب الصلاة عند الكسوف، رقم (١٥٣٤) و(١٥٣٦) وأحمد في مسنده (١: ٢١٦ و ٢٩٨ و٢٤٦
و٣٥٨).

٤٦٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ يَرْكَعُ. ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ. ثُمَّ يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ. رَكْعَتَيْنٍ فِي ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ.
فَانْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)) ثُمَّ يَرْكَعُ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ
قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ
متغاير، فعلى رواية الجمهور له حكم المرسل إن قلنا بمذهب الجمهور: أن قوله أخبرني الثقة
ليس بحُجَّةٍ، وقال في الجوهر النقي: و((حسبته)) بمعنى ظننته والظن هو الطرف الراجح من طرفي
الحكم إذا لم يكن جازماً، والوهم هو المرجوح منهما على ما عرف في أصول الفقه، فالظن
قسيم الوهم، فكيف يجعل بمعناه؟ وعلى تقدير تسليم ذلك قد تقدم أن مسلماً أخرجه من وجه
آخر عن قتادة، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة بلا شك ولا مرية.
قوله: (في ثلاث ركعات وأربع سجدات) إلخ: فيه إثبات ثلاث ركوعات في ركعة من
صلاة الكسوف، وكذا فيما بعده من رواية قتادة، وهكذا في حديث جابر الآتي في الباب، وفي
حديث ابن عباس عند الترمذي، وصححه.
قال الشوكاني: ((وهذه الأحاديث الصحيحةَ تُردُّ ما تقدم على ابن عبد البر والبيهقي من أن
ما خالف أحاديث الركوعين معلل أو ضعيف، وما تقدم عن الشافعي وأحمد والبخاري من
عدهم لما خالف أحاديث الركوعين: غلطاً)) اهـ.
وقال الحافظ أبو محمد بن حزم تغّفه بعد أحاديث الركوع والركوعين والثلاث والأربع
والخمس: ((كل هذا في غاية الصحة)).
وقال ابن دقيق العيد في شرح عمدة الأحكام بعد ذكر الركوعين: ((قد صح غير ذلك أيضاً،
وهو ثلاث ركعات وأربع ركعات في ركعة)) اهـ.
وقال البيهقي: ((قال الشيخ: ومن أصحابنا من ذهب إلى تصحيح الأخبار الواردة في هذه
الأعداد، وأن النبي وسير فعلها مرات: مرة ركوعين في كل ركعة، ومرة ثلاث ركوعات في كل
ركعة، ومرة أربع ركوعات في كل ركعة، فأدى كل منهم ما حفظ، وأن الجميع جائز، وكأنه وَيه
كأن يزيد في الركوع إذا لم ير الشمس قد تجلت، ذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه، ومن بعدهم
محمد بن إسحاق ابن خزيمة، وأبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الضبعي، وأبو سليمان
الخطابي، واستحسنه أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر صاحب الخلافيات، وبالله التوفيق،
والذي أشار إليه الشافعي كثّفُ من الترجيح: أصح. والله أعلم)).
قال ابن التركماني في الجوهر النقي: ((بل ما قاله هؤلاء الجماعة أصح، لأنا قدمنا أن هذه
الأعداد كلها صحيحة، وفي ترجيح الشافعي تَّتُ للركعتين في ركعة: تخطئه بقية الرواة، وفيما
قاله أولئك: لا. وقال ابن رشد في القواعد: الأولى هو التخيير، فإن الجمع أولى من الترجيح))
اهـ.

٤٦٧
كتاب: الكسوف
يَكْسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوْفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ
كُسُوفاً، فَاذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَنْجَلِيَا)) .
٢٠٩٤ - (٧) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ
(وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ). حَدَّثَنِي أَبِي،ٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَّيْرٍ،
عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وَلَهِ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
(٢) - باب: ذكر عذاب القبر في صلاة الخسوف
٢٠٩٥ - (٨) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ)
قوله: (يخوف الله بهما) إلخ: قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: ((ربما يعتقد بعضهم أن
الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: ((يخوف الله بهما عباده)) وليس بشيء، لأن الله أفعالاً على
حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك. وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء
من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم
قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب - حدث عندهم الخوف لقوة
ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها،
وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقاً في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفاً
لعباد الله تعالى.
وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة
وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، والحاكم بلفظ: ((إن الشمس
والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله إذا تجلى لشيء
من خلقه خشع له وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها،
قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلاً من أصول الشريعة.
قال السندي: ((قال ابن القيم: إسناد هذه الزيادة لا مطعن فيه، ورواته ثقات حفاظ. ولكن
لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة. ولهذا لا توجد في سائر أحاديث
الكسوف، فقد روى حديث الكسوف عن النبي والر بضعة عشر صحابياً، فلم يذكر أحد منهم في
حديثه هذه اللفظة، فمن ههنا نشأ احتمال الإدراج.
وقال السبكي: قول الفلاسفة صحيح كما قال الغزالي، لكن إنكار الغزالي هذه الزيادة غير
جيد، فإنه مروي في النسائي وغيره. وتأويله ظاهر، فأي بعد في أن العالم بالجزئيات ومقدر
الكائنات سبحانه: يقدر في أزل الأزل خسوفهما بتوسط الأرض بين القمر والشمس. ووقوف
جرم القمر بين الناظر والشمس، ويكون ذلك وقت تجلية سبحانه وتعالى عليهما، فالتجلي سبب

٤٦٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ؛ أَنَّ هُودِيَّةً أَتَتْ عَائِشَةَ تَسْأَلُهَا. فَقَالَتْ: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ
الْقَبْرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يُعَذَّبُ النَّاسُ فِي الْقُبُورِ؟ قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((عَائِذاً بِاللَّهِ)).
لكسوفهما، وقضت العادة بأنه يقارن توسط الأرض ووقوف جرم القمر لا مانع من ذلك، ولا
ينبغي منازعة الفلاسفة فيما قالوا إذا دلت عليه براهين قطعية. انتهى.
قلت: ويحتمل أن المراد إذا بدا أي بدو الفاعل للمفعول، أي إذا تصرف في شيء من
خلقه بما يشاء: خشع له، أي قبل ذلك، ولم يأت عنه)) اهـ والله أعلم.
قال الحافظ: ((والحديث الذي رده الغزالي قد اشتبه غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت
من حيث المعنى أيضاً، لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال
انطمست الأنوار لهيبة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
قوله: (عائذاً بالله) إلخ: زاد في رواية البخاري: ((من ذلك)).
قال ابن السيد: ((عائذاً)) منصوب على المصدر الذي يجيء على مثال ((فاعل)) كقولهم:
عوفي عافية، أو على الحال المؤكدة النائبة مناب المصدر، والعامل فيه محذوف، كأنه قال:
أعوذ بالله عائذاً، ولم يذكر الفعل، لأن الحال نائبة عنه، وروى بالرفع، أي: أنا عائذ، وكأن
ذلك كان قبل أن يطلع النبي ◌َّر على عذاب القبر. قاله الحافظ.
ثم قال في كتاب الجنائز: ((ووقع عند مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة
قالت: ((دخلت على امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور قالت:
فارتاع رسول الله وَّر، وقال: إنها يفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله وَليت
أنه أوحى إليَّ أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة: فسمعت رسول الله وَلّ يستعيذ من عذاب
القبر))، قال: وفي حديث الباب موافقة الرواية الزهري، وأنه وَّر لم يكن علم بذلك، وأصرح منه
ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي، عن عائشة: ((أن
يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله
عذاب القبر، قالت: فقلت: يا رسول الله وَلقول، هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب
دون يوم القيامة، ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو
ينادي بأعلى صوته: أيها الناس، استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق)) وفي هذا
كله أنه ﴿ إنما علم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر، كما تقدم تاريخ صلاة
الكسوف في موضعه.
وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدمة مكية، وهي قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[إبراهيم: ٢٧] وكذلك الآية الأخرى المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].

٤٦٩
كتاب: الكسوف
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَباً. فَخَسَفَتِ الشَّمْسُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجْتُ فِي
نِسْوَةٍ بَيْنَ ظَهْرَى الْحُجَرِ فِي الْمَسْجِدِ. فَأَتَىْ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ مِنْ مَرْكَبِهِ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى
مُصَلاَّهُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ. فَقَامَ وَقَامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً ثُمَّ
رَكَعَ. فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ. فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعَ
رُكُوعاً طَوِيلاً. وَهُوَ دُونَ ذُلِكَ الرُّكُوعِ. ثُمَّ رَفَعَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشََّمْسُ. فَقَالَ: ((إِنِّي قَدْ
رَأَنْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ».
والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف
بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون، وإن التحق بهم من كان له حكمهم
من الكفار، فالذي أنكره النبي ◌ّي﴿ إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدّين، ثم أعلم وَلّ أن
ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم، فجزم به وحذر منه، وبالغ في الاستعاذة منه تعليماً لأمته
وإرشاداً، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى)) اهـ.
قوله: (ذات غداة مركباً) إلخ: أي المركب الذي كان فيه بسبب موت ابنه إبراهيم. قاله
الحافظ المُ .
قوله: (بين ظهري الحجر) إلخ: أي بينها، وفي البخاري: ((بين ظهراني الحجر)) بفتح
الظاء المعجمة، والنون، على التثنية.
قال الحافظ: ((والحجر: بضم المهملة، وفتح الجيم، جمع حجرة - بسكون الجيم - قيل:
المراد بين الحجر، والنون والياء زائدتان. وقيل: بل الكلمة كلها زائدة، والمراد بالحجر بيوت
أزواج النبي (وَّر، وكانت لاصقة بالمسجد)).
قوله: (في المسجد) إلخ: قال الحافظ: ((فيه تصريح بكون عائشة في المسجد)) اهـ. لا في
حجرتها، كما زعم ابن حزم في المحلى. والله أعلم.
قوله: (حتى انتهى إلى مصلاه) إلخ: أي رجع إلى مسجده ولم يصلها ظاهراً، وصح أن
السنة في صلاة الكسوف أن تصلي في المسجد، ولولا ذلك لكانت صلاتها في الصحراء أجدر
برؤية الانجلاء، والله أعلم.
قوله: (تفتنون في القبور) إلخ: أي تمتحنون وتختبرون.
قوله: (كفتنة الدجال) إلخ: قال الكرماني: وجه الشبه بين الفتنتين الشدة والهول
والهموم)).
وقال الباجي: شبهها بها لشدتها، وعظم المحنة بها، وعدم الثبات معها)).
قال النووي: ((أي فتنة شديدة جداً، وامتحاناً هائلاً، ولكن يثبت الله الذين آمنوا بالقول
الثابت .

٤٧٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَتْ عَمْرَةُ: فَسَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: فَكُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، بَعْدَ ذُلِكَ، يَتَعَوَّذُ
مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ .
٢٠٩٦ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ. بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثٍ
سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ.
(٣) - باب: ما عرض على النبي وَّ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار
٢٠٩٧ - (٩) وحدّثني يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ
هِشَامِ الدَّسْتَوَائِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ(١). قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ
عَلَىَ عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِأَصْحَابِهِ. فَأَطَالَ
الْقِيَامَ. حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُونَ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ رَفَعَ
قوله: (بعد ذلك يتعوذ) إلخ: وفي البخاري: ((ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر))
وترجم له البخاري: ((التعوذ من عذاب القبر في الكسوف)).
قال ابن المنير في الحاشية: ((مناسبة التعوذ عند الكسوف أن ظلمة النهار بالكسوف تشابه
ظلمة القبر وإن كان نهاراً، والشيء بالشيء يذكر، فيخاف من هذا كما يخاف من هذا فيحصل
الاتعاظ بهذا في التمسك بما ينجي من غائلة الآخرة)).
قوله: (ثم رفع فأطال) إلخ: فيه تطويل الاعتدال الذي يليه السجود. قال النووي: ((هذه
رواية شاذة مخالفة، فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو
الركوع)).
وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمرو أيضاً، ففيه:
(ثم ركع فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى
قيل: لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد ثم يسجد)).
لفظ ابن خزيمة من طرق الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه، والثوري سمع من
عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح، ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين
(١) قوله: (عن جابر بن عبد الله) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الكسوف، باب نوع آخر، رقم
(١٤٧٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من قال أربع ركعات، رقم (١١٧٨) و(١١٧٩) وأحمد
في مسنده (٣: ٣١٧ و٣٧٤ و٣٨٢).

٤٧١
كتاب: الكسوف
فَأَطَالَ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ. ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْواً مِنْ ذَاكَ. فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ
سَجَدَاتٍ. ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ. فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ. حَتَّى لَوْ
تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفاً أَخَذْتُهُ (أَوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفاً) فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ. وَعُرِضَتْ عَلَيَّ
النَّارُ. فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا. رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا. وَلَمْ تَدَعْهَا
تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ. وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ
السجدتين إلا في هذا، وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا
كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية. كذا في الفتح.
قوله: (تولجونه) إلخ: أي تدخلونه من جنة، ونار، وقبر، ومحشر، وغيرها.
قوله: (تناولت منها قطفاً) إلخ: القطف - بكسر القاف -: العنقود، وهو فعل بمعنى
المفعول، كالذبح بمعنى المذبوح. ومعنى: ((تناولت)) أردت أن أتناول لقربه، فلم يصل يدي
إليه، أي فلم يقدر لي، وبدالي أن لا أفعل، كما تدل عليه الروايات الآتية في الباب، والله
أعلم .
قوله: (تعذب في هرة) إلخ: أي لأجل هرة، وفي شأنها .
قوله: (خشاش الأرض) إلخ: قال النووي: ((بفتح الخاء المعجمة، وهي هوامها
وحشراتها. وقيل: صغار الطير، وحكى القاضي فتح وكسرها وضمها، والفتح هو المشهور.
قال القاضي: في هذا الحديث المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنها عذبت عليها
بالنار، قال: ويحتمل أنها كانت كافرة، فزيد في عذابها بذلك. هذا كلامه وليس بصواب، بل
الصواب المصرح به في الحديث أنها عذبت بسبب الهرة، وهو كبيرة، لأنها ربطتها وأصرت على
ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة كما هو مقرر في كتب الفقه وغيرها،
وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة».
قال السندي تغذفه: ((والحاصل أن الهرة في النار مع المرأة، لكن لا لتعذب الهرة، بل
لتكون عذاباً في حق المرأة)».
قوله: (ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك) إلخ: قال الدارقطني: تقدم في حدیث یونس،
عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن الذي رآه في النار: عمرو بن لحى الذي سيب
السوائب، وهو الصواب. كذا في شرح المواهب.
وقال الأبي ناقلاً عن القرطبي: ((اسم لحى: مالك، ولحى لقب له، وسماه في الآخر
عمرو بن مالك، وسماه في الآخر أبا ثمامة وفي الآخر في رواية: عمرو بن عامر الخزاعي،
ولحى هو ابن قمعة بن إلياس بن مضر.

٤٧٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ. وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ إِلاَّ لِمَوْتٍ
عَظِيمٍ. وَإِنَّهُمَا آَيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُرِيكُمُوهُمَا. فَإِذَا خَسَفَا فَصَلَّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ)) .
٢٠٩٨ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، عَنْ
هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. إِلَّ أَنَّهُ قَالَ: ((وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً)).
وَلَمْ يَّقُلْ: ((مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ)).
٢٠٩٩ - (١٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ. (وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِيٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: أَنْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ. يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَصَلَّى
بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَع سَجَدَاتٍ. بَدَأَ فَكَبَّرَ. ثُمَّ قَرَأَ فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ. ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا
قَامَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى. ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ. ثُمَّ
رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَرَأَ قِرَاءَةٌ دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ. ثُمَّ رَكَعَ نَحْواً مِمَّا قَامَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ
مِنَ الرُّكُوعِ. ثُمَّ اِنْحَدَّرَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنٍ. ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ أَيْضاً ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ. لَيْسَ
فِيهَا رَكْعَةٌ إِلاَّ الَّتِي قَبْلَهَا أَظْوَلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا. وَرُكُوعُهُ نَخْواً مِنْ سُجُودِهِ. ثُمَّ تَأَخَّرَ
وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ. حَتَّى انْتَهَيْنَا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ) ثُمَّ تَقَدَّمَ
قوله: (يجر قصبه) إلخ: بضم القاف، وإسكان الصاد، وهي الأمعاء.
قوله: (يوم مات إبراهيم بن رسول الله ( *) إلخ: من مارية القبطية، وهو ابن ثمانية عشر
شهراً، أو أكثر، كما في المرقاة. وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من
الهجرة. وقد تقدم في شرح أول أحاديث الباب نقلاً عن الفاضل محمود باشا الفلكي: أن
الكسوف وقع في شوال من السنة العاشرة، والله أعلم.
قوله: (تأخرت الصفوف خلفه) إلخ: في رواية عبد الرزاق: حتى إن الناس ليركب بعضهم
بعضاً)).
قوله: (حتى انتهى إلى النساء) إلخ: الظاهر أن هذا التأخر والتقدم من خصائصه وَلأول
لواردات غيبية عرضت له وَّة في تلك الحالة.
وقال النووي تخلفهُ: «فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليل بما دون
ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا: الثلاث متتابعات تبطلها، ويتأولون هذا الحديث على أن
الخطوات كانت متفرقة لا متوالية، ولا يصح تأويله على أنه كان خطوتين، لأن قوله: ((انتهينا
إلى النساء)) يخالفه)) اهـ فليتأمل.

٤٧٣
كتاب: الكسوف
وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ. حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ. فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ.
فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانٍ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. وَإِنَّهُمَا لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ
أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لِمَوْتِ بَشَرٍ) فَإِذَا رَأَنْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ. مَا
مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلاَتِي هَذِهِ. لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ. وَذُلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي
تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا. وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي
النَّارِ. كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ. فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي. وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ
ذَهَبَ بِهِ. وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا. وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ
خَشَاشِ الأَرْضِ. حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً. ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ. وَذُلِكُمْ حِينَ رَأَنْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى
قُمْتُ فِي مَقَامِي. وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ. ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ
لاَ أَفْعَلَ. فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلاَتِي هذِهِ)).
٢١٠٠ - (١١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ،
قوله: (في مقامه) إلخ: أي في مصلاه.
قوله: (حتى آضت الشمس) إلخ: قال النووي: ((هو بهمزة ممدودة، هكذا ضبطه جمع
الرواة ببلادنا، وكذا أشار إليه القاضي، قالوا: ومعناه: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف،
وهو من آض يئيض: إذا رجع، ومنه قولهم: أيضاً: وهو مصدر منه.
قوله: (من لفحها) إلخ: قال عياض: لفح النار: ضرب من لهبها، ومنه قوله تعالى:
﴿َلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] والنفخ: أخف من اللفح، قال تعالى: ﴿وَلَيِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ
مِّنْ عَذَابٍ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] أي أدنى شيء منه .
قوله: (صاحب المحجن) إلخ: بكسر الميم، وهو عصا معوجة الطرف، كان يسرق بها
الحاج إذا غفلوا، فإن انتبه إليه أرى من نفسه أن ذلك تعلق بمحجنه عن غير قصد. قاله
السنوسي.
قوله: (ثم جيء بالجنة) إلخ: دل هذا الحديث على أن رؤية الجنة كانت متأخرة عن رؤية
النار.
قوله: (وأنا أريد أن أتناول) إلخ: بين سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر عن زيد بن
أسلم أن التناول المذكور كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية)) كذا في الفتح.
قوله: (فما من شيء توعدونه) إلخ: وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: ((لقد رأيت منذ
قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم)).

٤٧٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ (١)؛ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَدَخَلْتُ
عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي. فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ يُصَلُّونَ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ.
فَقُلْتُ: آيَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْقِيَامَ جِدًّا. حَتَّى تَجَلَّنِي الْغَشْيُّ.
قوله: (عن هشام عن فاطمة) إلخ: هي امرأة هشام، وبنت عمه: المنذر، ففيه رواية
الأقران.
قوله: (عن أسماء) إلخ: هي بنت أبي بكر الصديق زوج الزبير بن العوام، وهي جدة هشام
وفاطمة جميعاً .
قوله: (ما شأن الناس) إلخ: أي لما رأيت من اضطرابهم.
قوله: (يصلون) إلخ: أي مجتمعين في غير وقت الجماعة.
قوله: (برأسها إلى السماء) إلخ: أي انكسفت الشمس.
قوله: (فقلت آية) إلخ: أي هذه آية؟ أي علامة، ويجوز حذف همزة الاستفهام وإثباتها .
قوله: (حتى تجلاني الغشى) إلخ: بمثناة، وجيم، ولام مشددة، وجلال الشيء ما غطى
به، والغشى: بفتح الغين، وإسكان الشين المعجمتين، وتخفيف الياء، ويكسر الشين وتشديد
الياء أيضاً، هو طرف من الإغماء. والمراد به هنا الحالة القريبة منه، فأطلقته مجازاً، ولهذا
قالت: ((فجعلت أصب على رأسي الماء)) أي في تلك الحال ليذهب، ووهم من قال بأن صبها
كان بعد الإفاقة.
وقال ابن بطال: ((الغشى مرض يعرض من طول التعب والوقوف، وهو ضرب من الإغماء
(١) قوله: (عن أسماء) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة
اليد والرأس، رقم (٨٩) وفي كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ إلا من العشي المثقل، رقم (١٨٤) وفي
كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد، رقم (٩٢٢) وفي كتاب الكسوف، باب صلاة
النساء مع الرجال في الكسوف، رقم (١٠٥٣) وباب من أحب العتاقة في كسوف الشمس، رقم (١٠٥٤)
وباب قول الإمام فيخطبة الكسوف: أما بعد، رقم (١٠٦١) وفي كتاب السهو، باب الإشارة في الصلاة،
رقم (١٢٣٥) وفي كتاب الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر، رقم (١٣٧٣) وفي كتاب العتق، باب ما
يستحب من العتاقة في الكسوف أو الآيات، (٢٥١٩) و(٢٥٢٠) وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب
الاقتداء بسنن رسول الله وَّلية، رقم (٧٢٨٧) والنسائي في سننه، في كتاب الكسوف، باب التشهد والتسليم
في صلاة الكسوف، رقم (١٤٩٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الصدقة فيها، رقم (١١٩٢)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الكسوف، رقم (١٢٦٥)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة عند الكسوف، رقم (١٥٣٩) و(١٥٤٠) وأحمد في
مسنده (٦: ٣٤٥ و٣٤٩ و ٣٥٠ و٣٥١ و ٣٥٥).

٤٧٥
كتاب: الكسوف
فَأَخَذْتُ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ إِلَى جَنْبِي. فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي أَوْ عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ.
قَالَتْ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَخَطَبَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ النَّاسَ.
فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ. مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي
هُذَا. حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ. وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيباً أَوْ مِثْلَ فِتْتَةِ الْمَسِيحِ
الدَّجَّالِ. (لاَ أَدْرِي أَّ ذُلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهِذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا
الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ. (لاَ أَدْرِي أَّ ذُلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ،
جَاءَنَا بِالْبَيْنَاتِ وَالْهُدَىْ. فَأَجَبْنَا وَأَطَعْنَا. ثَلاَثَ مِرَارٍ. فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ. قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنَّكَ لَتُؤْ مِنُ
بِهِ. فَتَمْ صَالِحاً.
إلا أنه دونه، وإنما صبت أسماء الماء على رأسها مدافعة له، ولو كان شديداً لكان كالإغماء،
وهو ينقض الوضوء بالإجماع)) انتهى.
قوله: (حتى الجنة والنار) إلخ: قال الزرقاني: ((مفاده أنه لم يرهما قبل، مع أنه رآهما ليلة
المعراج، وهو قبل الكسوف بزمان، وأجيب بأن المراد هنا في الأرض، بدليل قوله: ((في مقامي
هذا)) أو باختلاف الرؤية.
قوله: (قريباً أو مثل) إلخ: بالتنوين في الأول، وتركه في الثاني، أو قالت أسماء: ((قريباً
من فتنة المسيح الدجال)) أو قالت: ((مثل فتنة المسيح الدجال)) والشك من فاطمة.
قوله: (فيؤتى أحدكم) إلخ: والآتي له ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر،
والآخر: النكير. رواه الترمذي وابن حبان، لكن قال: منكر ونكير، بدون ((أل)) وذكر بعض
الفقهاء أن هذا اسم اللذين يسألان المذنب، واسم اللذين يسألان المطيع: مبشرو بشير.
قوله: (ما علمك بهذا الرجل) إلخ: ولم يقل: ((برسول الله)) لئلا يكون تلقينا للحجة قال
عياض: ((يحتمل أن مثل للميت في قبره، والأظهر أنه سمي له)). انتهى. يعني لأنه المتبادر من
قوله في الصحيحين عن أنس: ((فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد)) وكذا في رواية
ابن المنكدر عن أسماء عند أحمد، ولأحمد من حديث عائشة: ((ما هذا الرجل الذي كان
فیکم؟)).
قوله: (فأما المؤمن أو الموقن) إلخ: أي المصدق بنبوته.
قوله: (جاءنا بالبينات) إلخ: المعجزات الدالة على نبوته.
قوله: (والهدى) إلخ: أي الدلالة الموصلة إلى البغية.
قوله: (فأجبنا وأطعنا) إلخ: بحذف ضمير المفعول فيهما للعلم به .
قوله: (فتم صالحاً) إلخ: أي منتفعاً بأعمالك، إذا لصلاح: كون الشيء في حد الانتفاع.

٤٧٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ
وفي حديث أبي سعيد عند سعيد بن منصور: ((فيقال له: نم نومة عروس، فيكون في أحلى نومة
نامها أحد حتى يبعث)) وللترمذي في حديث أبي هريرة: ((ويقال له: نم، فينام نومة الذي لا
يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك)) ولابن حبان وابن ماجه من حديث
أبي هريرة، وأحمد من حديث عائشة، ويقال له: ((على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن
شاء الله)).
قوله: (فأما المنافق) إلخ: أي من لم يصدق بقلبه بنبوته، والمرتاب هو الشاك. وفي بعض
الأحاديث: ((وأما الكافر أو المنافق)) وفي بعضها: ((فإن كان فاجراً أو كافراً)) وفي بعضها غير
ذلك.
قال الحافظ بعد ذكر اختلاف الألفاظ: ((فاختلفت هذه الرواية لفظاً، وهي مجتمعة على أن
كلاً من الكافر والمنافق يسأل عنه. ففيه تعقب على من زعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي
الإيمان، إن محقاً وإن مبطلاً، ومستندهم في ذلك: ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير
- أحد كبار التابعين - قال: ((إنما يفتن رجلان: مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل عنه عن
محمد، ولا يعرفه)) وهذا موقوف، والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل: مرفوعة مع كثرة
طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول. وقد مال ابن عبد البر إلى الأول، وقال: ((الآثار تدل على
أن الفتنة لمن كان منسوباً إلى أهل القبلة، وأما الكافر الجاحد فلا يسأل عن دينه)).
وتعقبه ابن القيم في كتاب الروح، وقال: ((في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر
والمسلم، قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ
وَيُضِلُّ اَللَّهُ الَّْلِمِينَ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وفي حديث أنس في البخاري: ((وأما المنافق والكافر)) بواو
العطف، وفي حديث أبي سعيد: ((فإن كان مؤمناً .... )) فذكره، وفيه: ((وإن كان كافراً)) وفي
حديث البراء: ((وإن كان الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا .... )) فذكره، وفيه: ((فيأتيه منكر
ونكيراً .... )) الحديث أخرجه أحمد)).
وهذه المسألة هل تختص بهذه الأمة أم وقعت على الأمم قبلها؟ ظاهر الأحاديث الأول،
وجنح ابن القيم إلى الثاني. وقال: ليس في الأحاديث ما ينفي المسألة عمن تقدم من الأمم،
وأنما أخبر النبي ◌َّ أمته بكيفية امتحانهم في القبور، لا أنه نفى ذلك عن غيرهم، قال: والذي
يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم، وإقامة الحجة عليهم،
كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة)).
قال ابن عابدين كَّلُهُ: ((ولكن رد عليه الحافظ السيوطي كَّتُهُ وقال: ما قاله ابن عبد البر هو
الأرجح، ولا أقول سواه)).

٤٧٧
كتاب: الكسوف
(لاَ أَدْرِي أَيَّ ذُلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ) فَيَقُولُ: لاَ أَدْرِي. سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً فَقُلْتُ)).
٢١٠١ - (١٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ. قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ. وَإِذَا هِيَ تُصَلِّي.
فَقُلْتُ: مَّا شَأْنُ النَّاسِ؟ وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ.
٢١٠٢ - (١٣) أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ. قَالَ: لاَ تَقُلْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ. وَلَكِنْ قُلْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ.
٢١٠٣ - (١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْجٍ. حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي
بَكْرٍ؛ أَنَّهَّا قَالَتْ: فَرِعَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْماً. (قَالَتْ: تَعْنِي يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ) فَأَخَذَ دِرْعاً حَتَّى
أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ. فَقَامَ لِلنَّاسِ قِيَاماً طَوِيلاً. لَوْ أَنَّ إِنْسَاناً أَتَّى لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ رَكَعَ، مَا
حَدَّثَ أَنَّهُ رَكَعَ، مِنْ طُولِ الْقِيَامِ.
قوله: (فيقول لا أدري) إلخ: وفي حديث البراء: ((هاه هاه لا أدري)).
قوله: (لا تقل كسفت الشمس) إلخ: قال الحافظ كثّفُهُ: ((هذا موقوف صحيح، لكن
الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طريق كثيرة، والمشهور في
استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري أنه
أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسه، وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في
القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث، ولا شك أن مدلول الكسوف لغة
غير مدلول الخسوف، لأن الكسوف: التغير إلى سواد، والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل
في الشمس: كسفت أو خسفت، لأنها تتغير، ويلحقها النقص - ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم
من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان. وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء في الانتهاء.
وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء. وبالخاء لبعضه. وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف
لتغيّرہ)) .
قوله: (فزع النبي 18َّ) إلخ: قال القاضي: ((يحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو الخوف،
كما في الرواية الأخرى: ((يخشى أن تكون الساعة)) ويحتمل أن يكون معناه الفزع الذي هو
المبادرة إلى الشيء)).
قوله: (فأخذ درعاً حتى أدرك بردائه) إلخ: قال النووي: ((معناه أنه لشدة سرعته واهتمامه
بذلك أراد أن يأخذ رداءه، فأخذ درع بعض أهل البيت سهواً، ولم يعلم ذلك لاشتغال قلبه بأمر
الكسوف، فلما علم أهل البيت أنه ترك رداءه لحقه به إنسان)).

٤٧٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢١٠٤ - (١٥) وحدّثني سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
بِهذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَقَالَ: قِيَاماً طَوِيلاً. يَقُومُ ثُمَّ يَرْكَعُ. وَزَادَ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْمَرَّأَةِ
أَسَنَّ مِنِّي. وَإِلَى الأُخْرَى هِيَ أَسْقَمُ مِنِّي.
٢١٠٥ - (١٦) وحدّثني أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّنُ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ.
حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدٍ
النَّبِيِّ وَِّ. فَفَزِعَ، فَأَخْطَأَ بِدِرْعٍ، حَتَّى أُدْرِكَ بِرِدَائِهِ بَعْدَ ذُلِكَ. قَالَتْ: فَقَضَيْتُ حَاجَتِي ثُمَّ
جِئْتُ وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ. فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَائِماً. فَقُمْتُ مَعَهُ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ حَتَّى
رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ. ثُمَّ أَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ، فَأَقُولُ هُذِهِ أَضْعَفُ مِنِّي، فَأَقُومُ.
فَرَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ. حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ - خُيّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ
يَرْکَعْ .
٢١٠٦ - (١٧) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ. حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ
أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١). قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدٍ
رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ وَالنَّاسُ مَعَهُ. فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً قَدْرَ نَحْوٍ سُورَةٍ
الْبَقَرَةِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً. ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ
رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ قَامَ قِيَاماً طَوِيلاً،َ وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ
الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَاماً طَوِيلاً، وَهُوَّ
دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً، وَهُوَ دُّونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ انْصَرَفَ
وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ. فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانٍ مِنَ آيَاتِ اللَّهِ. لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ
أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذُلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئاً فِي
قوله: (هي أسن مني) إلخ: وفي الأخرى: ((هي أسقم مني)) أي فأستحيي أن أجلس وهي
قائمة .
قوله: (قدر نحو سورة البقرة) إلخ: هكذا هو في النسخ: ((قدر نحو)) وهو صحيح، ولو
اقتصر على أحد اللفظين لكان أصح. وهذا يشعر بترك الجهر بالقراءة في هذه الصلاة، كما
تقدم .
قوله: (تناولت شيئاً) إلخ: أي أردت تناول شيء، كما سبق.
(١) قد تقدم تخريج حديث ابن عباس ﴿ تحت حديث رقم (٢١٠٥).

٤٧٩
كتاب: الكسوف
مَقَامِكَ هُذَا. ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ. فَقَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ. فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُوداً. وَلَوْ أَخَذْتُهُ
لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَرَأَنْتُ النَّارَ. فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَراً قَطُ. وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا
النِّسَاءَ)) قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((بِكُفْرِهِنَّ) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ((بِكُفْرِ الْعَشِيرِ.
وَبِكُفْرِ الإِحْسَانِ. لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ،
قوله: (ولو أخذته) إلخ: واستشكل مع قوله: ((تناولت)) وأجيب بحمل التناول على تكلف
الأخذ لا حقيقة الأخذ، وقيل: تناولت، أي: وضعت يدي عليه بحيث كنت قادراً على تحويله،
لكن لم يقدر لي قطفه، ولو أصبته أي لو تمكنت من قطفه. وقيل: الإرادة مقدرة، أي أردت أن
أتناول، ثم لم أفعل.
قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى، والدنيا فانية، لا
يجوز أن يؤكل فيه ما لا يفنى، وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان من إيمانهم بالشهادة لا بالغيب،
فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفساً إيمانها. وقيل: لأن الجنة جزاء الأعمال، والجزاء لا
يقع إلا في الآخرة. كذا في الفتح.
قوله: (لأكلتم منه ما بقيت الدنيا) إلخ: قال الحافظ: ((حكى ابن العربي في قانون التأويل
عن بعض شيوخه، قال: معنى قوله: ((أكلتم منه)) إلخ: أن يخلق في نفس الأكل مثل الذي أكل
دائماً ، بحيث لا يغيب عن ذوقه.
وتعقب بأنه رأى فلسفي مبني على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال، والحق
أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وإذا قطعت خلقت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل
ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه)).
قوله: (فلم أر كاليوم منظراً قط) إلخ: أي: لم أر منظراً مثل منظر رأيته اليوم، فحذف
المرئي وأدخل كاف التشبيه على اليوم، لبشاعة ما رأى فيه، وبعده عن المنظر المألوف. وقيل:
الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظراً .
قوله: (يكفرن العشير) إلخ: أي المعاشر، كالزوج، وفيه إطلاق الكفر على كفران
الحقوق، وإن لم يكن ذلك الشخص كافراً بالله تعالى. وقد سبق شرح هذه الجمل في ((باب بيان
نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله)) من كتاب الإيمان،
فليراجع.
قوله: (ويكفرن الإحسان) إلخ: كأنه بيان لقوله: ((يكفرن العشير)) لأن المراد كفر إحسانه،
لا كفر ذاته، فالجملة مع الواو مبينة للأولى، نحو أعجبني زيد وكرمه، والمراد بكفر الإحسان:
تغطيته أو جحده)) ويدل عليه آخر الحديث.
قوله: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر) إلخ: الدهر: منصوب على الظرفية، والمراد منه

٤٨٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئاً، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَظُ)).
٢١٠٧ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ (يَعْنِي ابْنَ عِيسَى).
أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هُذَا الإِسِّنَادِ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْنَاكَ
تگعْگعْتَ.
(٤) - باب: ذكر من قال إنه ركع ثمان ركعات في أربع سجدات
٢١٠٨ - (١٨) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِهِ حِينَ كَسَفَتِ
الشَّمْسُ، ثُمَانَ رَكَعَاتٍ، فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ .
مدة عمر الرجل، أو الزمان كله، مبالغة في كفرانهن، وليس المراد بقوله: ((أحسنت)) مخاطبة
رجل بعينه، بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطباً، فهو خاص لفظاً، عام معنى.
قوله: (ثم رأت منك شيئاً) إلخ: قليلاً لا يوافق غرضها من أي نوع كان، فالتنوين للتقليل.
قوله: (ما رأيت منك خيراً قط) إلخ: بيان للتغطية المذكورة، وليس المراد خطاب رجل
بعينه، بل كل من يتأتى أن يخاطب، فهو خاص لفظاً عام معنى.
قوله: (تكعكعت) إلخ: أي لو توقفت وأحجمت، قال الهروي وغيره: يقال تكعكع
الرجل، وتكاعي، وكع وكوعاً: إذا أحجم وجبن.
قوله: (ثمان ركعات في أربع سجدات) إلخ: أي ركع ثمان مرات، كل أربع في ركعة،
وسجد سجدتین في کل ركعة.
قال البيهقي في هذا الحديث: ((وحبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات، فقد كان
يدلس، ولم أجد ذكر سماعه عن طاووس، ويحتمل أن يكون حمله من غير موثوق به عن
طاووس».
قال العلامة ابن التركماني في الجوهر النقي: ((قلت: حبيب من الأثبات الأجلاء، ولم أر
أحداً عده من المدلسين. ولو كان كذلك فإخراج مسلم لحديثه هذا في صحيحه دليل على أنه
ثبت عنده أنه متصل، وأنه لم يدلس فيه، وكذلك أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفي
الصحيحين من حديث حبيب بلفظ العنعنة شيء كثير، وذلك دليل على أنه ليس بمدلس، أو أنه
ثبت من خارج أن تلك الأحاديث متصلة.
قال البيهقي: وقد روى سليمان الأحول عن طاووس عن ابن عباس من فعله أنه صلاها
ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعاً.
قلت: مذهب الشافعي والمحدثين أن العبرة لما روى الراوي لا لما رأى، والرواية
۔۔