النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ كتاب: صلاة الاستسقاء وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ)). ٢٠٨٥ - (١٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانِ الْجُعْفِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ). كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ، بِمِثْلِهِ. قوله: (أهلكت عاد بالدبور) إلخ: قال الأبي: ((فإن قلت: كل من الريحين وقع فيه نصر وهلاك، فبالصبا نصرته ◌َي وهلك قومه، وبالدبور نصر هود ظلَّلا وهلك قومه، فلما روعي في الصبا طرف النصرى وفي الدبور طرف الهلاك؟. قلت: روعي في كل من الريحين ما جاءت له فالصبا إنما جاءت لنصرته ال على الأحزاب، والدبور إنما جاءت لهلاك عاد حين عتوا)) اهـ. قال القاري: ((فالريح مأمورة تجيء تارة بنصرة قوم وتارة لإهلاك قوم، كما أن النيل كان ماء للمحبوبين ودماً للمحجوبين. وقال تعالى: ﴿يَنَارُ كُنِى بَرَّدًا وَسَلَمًا عَلَىّ إِنْزَهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] وقال عز وجل: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] ففي هذا كله إظهار للعلم والقدرة، وبيان أن الأشياء والعناصر مسخرة تحت الأمر والإرادة، رداً على الطبيعيين والحكماء المتفلسفين. قوله: (عن مسعود بن مالك) إلخ: هو ابن معبد الأسدي الكوفي مولى سعيد بن جبير. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم هذا الحديث الواحد. كذا في تهذيب التهذيب . ٤٤٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٠٠٠/١٠ - كتاب: الكسوف (١) - باب: صلاة الكسوف ٢٠٨٦ - (١) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ (وَاللَّغْظُ لَّهُ) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١). قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدٍ كتاب الكسوف قوله: (خسفت الشمس) إلخ: قال النووي: ((يقال: كسفت الشمس والقمر بفتح الكاف، وكسفا بضمها، وانكسفا وخسفا وخسفا وانخفا: بمعنى. (١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف، رقم (١٠٤٤) وباب خطبة الإمام في الكسوف، رقم (١٠٤٦) وباب هل يقول: كسفت الشمس أو خسفت، رقم (١٠٤٧) وباب التعوذ من عذاب القبر في الكسوف، رقم (١٠٥٠) وباب صلاة الكسوف في المسجد، رقم (١٠٥٦) وباب لا تنكسف الشمس لموت أحد ولا لحياته رقم (١٠٥٨) وباب الركعة الأولى في الكسوف أطول، رقم (١٠٦٤) وباب الجهر بالقراءة في الكسوف، رقم (١٠٦٥) و(١٠٦٦ وفي كتاب العمل في الصلاة، باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة، رقم (١٢١٢) وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر، رقم (٣٢٠٣) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، باب ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، رقم (٣٦٢٤) وفي كتاب النكاح، باب الغيرة، رقم (٥٢٢١) وفي كتاب الإيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ◌َ ، رقم (٦٦٣١). والنسائي في سننه، في كتاب الكسوف، باب الأمر بالنداء لصلاة الكسوف، رقم (١٤٦٦) وباب الصفوف في صلاة الكسوف، رقم (١٤٦٧) وباب نوع آخر من صلاة الكسوف، رقم (١٤٧١) و(١٤٧٢) وباب نوع آخر منه عن عائشة، رقم (١٤٧٣ - ١٤٧٨) وباب نوع آخر، رقم (١٤٨٢) وباب الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، رقم (١٤٩٥) وباب التشهد والتسليم في صلاة الكسوف، رقم (١٤٩٨) وباب القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف، رقم (١٥٠٠) وباب كيف الخطبة في الكسوف، رقم (١٥٠١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب صلاة الكسوف، رقم (١١٧٧) وباب من قال أربع ركعات، رقم (١١٨٠) وباب القراءة في صلاة الكسوف، رقم (١١٨٧) و(١١٨٨) وباب ينادي فيها بالصلاة، رقم (١١٩٠) وباب الصدقة فيها، رقم (١١٩١) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الكسوف، رقم (٥٦١) وباب ما جاء في صفة القراءة في الكسوف، رقم (٥٦٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الكسوف، رقم (١٢٦٣) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الصلاة عند الكسوف، رقم (١٥٣٥) و(١٥٣٧) و(١٥٣٨) وأحمد في مسنده (٦: ٣٢ و٥٣ و٧٦ و٨٧ و٩٨ و١٥٨ و١٦٤ و١٦٨). ٤٤٣ كتاب: الكسوف رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي. فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا. وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ. وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَامَ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ. وَهُوَ قال الحافظ تَّقُ: ((والكسوف لغة: التغير إلى سواد منه، كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس: اسودت وذهب شعاعها، واختلف في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أو لا ، كما سيأتي قريباً. قوله: (فأطال القيام جداً) إلخ: بكسر الجيم، وهو منصوب على المصدر، أي جَدَّ جَداً . وفي رواية ابن شهاب: ((فاقترأ قراءة طويلة)) وفي حديث ابن عباس: ((فقام قياماً طويلاً قدر نحو سورة البقرة)) وفي رواية لأبي داود: ((أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحواً من آل عمران)). قال في الدر المختار: ((ويطيل فيها الركوع والسجود والقراءة والأدعية والأذكار الذي هو من خصائص النافلة)). قال ابن عابدين كثّفُ: ((نقل ذلك في الشرنبلالية عن البرهان، أو لورود الأحاديث المذكورة في الفتح وغيره بذلك. قال القهستاني: ((يقرأ - أي في الركعتين - مثل البقرة وآل عمران، كما في التحفة. والإطلاق دال على أنه يقرأ ما أحب في سائر الصلاة كما في المحيط. اهـ. ويجوز تطويل القراءة وتخفيف الدعاء، وبالعكس، وإذا خفف أحدهما طول الآخر، لأن المستحب أن يبقى على الخشوع والخوف إلى انجلاء الشمس، فأي ذلك فعل فقد وجد. (جوهرة). قال الكمال: وهذا مستثنى من كراهة تطويل الإمام الصلاة، ولو خففها جاز، ولا يكون مخالفاً للسنة. ثم قال: والحق أن السنة التطويل، والمندوب مجرد استيعاب الوقت، أي بالصلاة والدعاء، كما في الشرنبلالية)). قوله: (وهو دون الركوع الأول) إلخ: قال الحافظ: ((واستدل به على أن الصلاة الكسوف هيأة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل، وقد وافق عائشة على رواية ذلك عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو متفق عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، كما تقدم في صورة الصلاة، وعن جابر عند مسلم، وعن علي عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة رواها الحفاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا)) اهـ. ٤٤٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ الروايات التي وردت في تعدد الركوع في صلاة الكسوف قلت: أما عائشة: فقد روى عنها أيضاً من وجه آخر: ((أن نبي الله وَّ صلى ست ركعات وأربع سجدات، أخرجه مسلم، وأحمد، والنسائي. ولها أيضاً من وجه آخر عند مسلم: ((يقوم قائماً، ثم يركع، ثم يقوم، ثم يركع ركعتين، في ثلاث ركعات وأربع سجدات)). وأما عبد الله بن عباس: ((فقد روى عنه أيضاً: ((أن النبي ◌َّ صلى في كسوف، فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم سجد، والأخرى مثلها)) أخرجه الترمذي، وصححه. وعنه أيضاً: ((أن النبي ◌َّ - صلى في كسوف، قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها)) وفي لفظ: ((صلى ثمان ركعات في أربع سجدات)) أخرجه أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبو داود. وأما عبد الله بن عمرو بن العاص: فقد روى عنه أيضاً ما يدل على وحدة الركوع في كل ركعة، أخرجه أبو داود من طريق حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه. والنسائي من طريق شعبة وعبد العزيز بن عبد الصمد عنه. والطحاوي من طريق سفيان الثوري عنه. وذكره البخاري في ((باب ما يجوز من البُصَاق والنفخ في الصلاة)) تعليقاً . قال الحافظ في شرحه: ((هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة، والطبري وابن حبان من طريق عطاء بن السائب عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض، لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره، لكن أخرجه ابن خزيمة وكذا الطحاوي من رواية سفيان الثوري عنه وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلي، وابن حبان، وليس هو من شرط البخاري)) اهـ. قلت: وكذا شعبة أيضاً ممن سمع منه قبل الاختلاط. قال في تهذيب التهذيب: ((فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثوري، وشعبة، وزهيراً وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب عنه: صحيح، ومن عداهم يتوقف فيه، إلا حماد بن سلمة، فاختلف قولهم، والظاهر أنه سمع منه مرتين: مرة مع أيوب - كما يؤمى إليه كلام الدارقطني - ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة، وسمع منه مع جرير وذويه، والله أعلم. قلت: وظني أن النسائي أشار إلى إعلال رواية الركوعين عنه، ونبه على أن هذه الرواية رواها علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي حفصة، فجعله من مسند عائشة، وعلي بن المبارك. قال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، كانت عنده كتب عن يحيى بن كثير بعضها سمعها، وبعضها عرض، وقال أبو داود: ثقة. وقال أيضاً: كان عنده كتابان: كتاب سماع، ٤٤٥ كتاب: الكسوف ٠٠ وكتاب إرسال. قلت لعباس العنبري: كيف يعرف كتاب الإرسال؟ قال: الذي عند وكيع عنه عن عكرمة من كتاب الإرسال، وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان ضابطاً متقناً. قلت: وقال ابن عمار عن يحيى بن سعيد: أما ما رويناه نحن عنه فما سمع، وأما ما روى الكوفيون عنه فمن الكتاب الذي لم يسمعه. وقال ابن عدي: ولعليٍّ أحاديث، وهو ثبت في يحيى، متقدم فيه، وهو عندي لا بأس به. ووثقه ابن المديني، وابن نمير، والعجلي، كذا في تهذيب التهذيب. وحديثه هذا عند النسائي، رواه عنه أبو زيد سعيد بن الربيع، وهو بصري، فالظاهر أنه من کتابه الذي سمع من یحیی بن أبي كثير. وأما مسند عبد الله بن عمرو بن العاص فقد رواه عن يحيى بن أبي كثير معاوية بن سلام. قال العجلي: دفع إليه يحيى بن أبي كثير كتاباً ولم يقرأه ولم يسمعه، ورواه عنه أيضاً شيبان النحوي، وهو أثبت في یحیی بن أبي کثیر. وأما جابر بن عبد الله: فقد ثبت عنه أيضاً ست ركعات بأربع، أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود . وأما علي فسيأتي عند المؤلف من طريق إسماعيل بن علية، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاووس، عن ابن عباس ثماني ركعات في أربع سجدات، وعن علي مثل ذلك، وللبزار من حديث علي ((أن في كل ركعة خمس ركوعات))، كما في الفتح. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وأما حديث ابن عمر: فقد رواه البزار من طريقين، في إحداهما: مسلم بن خالد، وهو ضعيف، وقد وثق، وفي الأخرى: عدي بن الفضل، وهو متروك. وروى البخاري ومسلم والنسائي منه من رواية قاسم بن محمد عن ابن عمر عن رسول الله رَله: ((الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا بحياته، ولكنهما آية من آيات الله، فإذا رأيتموها فصلوا)). وأما حديث أم سفيان عند الطبراني، فهو من طريق موسى بن عبد الرحمن عنها، قال الهيثمي: ((وموسى ابن عبد الرحمن هذا التابعي: لم أجد من ذكره، وبقية رجاله ثقات)). وأما حديث أبي هريرة: عند النسائي: فقد رواه من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه، واختلف أقوالهم في محمد بن عمرو، ونرجو أنه صالح الحديث، ولكن روايته عن أبي سلمة ينبغي فيها التبيين والتثبيت. قال ابن أبي خيثمة: ((سئل ابن معين عن محمد بن عمرو، فقال: ما زال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته، ثم يحدث به أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة)) اهـ. ٤٤٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ولعل حديث أبي سلمة هذا في الكسوف كان عن عبد الله بن عمرو، كما هو عند مسلم وغيره، فأخطأ فيه محمد بن عمرو وجعله من مسانيد أبي هريرة، ولم نقف إلى الآن على طريق لحديث أبي هريرة غير هذه الطريق. وأما ما رواه مالك من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة فليس فيه ذكر هذه الكيفية، والله أعلم. وأما أسماء بنت أبي بكر: فقد روى عنها فاطمة بنت المنذر، وصفية بنت شيبة: حديث الكسوف هذا، كما سيأتي عند مسلم، وأخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه، فليس فيه بيان صفة الصلاة من تعدد الركوع أو وحدته إلا في طريق عند البخاري في أبواب صفة الصلاة من طريق ابن أبي مليكة عن أسماء، وقد رواه أيضاً أحمد في مسنده من طريق محمد بن عباد بن عبد الله بن الزبير عنها: وفيه: ((فخرجت متلفعة بقطيفة للزبير، حتى دخلت على عائشة ورسول الله وَير قائم يصلي للناس، فقلت لعائشة: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء. قالت: فصليت معهم وقد كان رسول الله ( 18- فرغ من سجدته الأولى)) ثم ذكرت فيه ركوعين قبل السجود. ومحمد بن عباد هذا: لا يعرف حاله ولا سماعه من أسماء، وقد ترجم له في التهذيب، فلم يحكم عليه بشيء، وحديثه يدل على دخول أسماء في الصلاة في الركعة الثانية منها، وقد تجلاها الغشي من طول القيام، وحتى أخذت قربة من ماء فجعلت يصب عليها منها وهذه الحالة مظنة لقلة الضبط. وبالجملة: فعامة الأحاديث التي قوي تعويل القائلين بأثنية الركوع عليها قد اختلف فيها على رواتها، وبعض ما تمسكوا بها لا يخلو عن وهن أو نظر. الدليل لمن قال بوحدة الركوع في صلاة الكسوف وأما القائلون بوحدة الركوع في كل ركعة - وهم الحنفية -: فتمسكوا بأحاديث: منها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود، والنسائي، والترمذي في الشمائل، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((انكسفت على عهد رسول الله ێے، فقام څچلے، فلم یکد یرکع، ثم ركع، فلم یکد یرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع، وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك)). وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السائب)) انتهى. وهذا توثيق منه لعطاء، وقد أخرج له البخاري مقروناً بأبي بشر في الكوثر، وقد تقدم الكلام في هذا الإسناد والجواب عنه قريباً، فتذكر . ٤٤٧ كتاب: الكسوف ومنها: حديث سمرة بن جندب أخرجه أبو داود عن ثعلبة بن عباد، عن سمرة بن جندب، قال: ((بينا أنا وغلام من الأنصار نرمي غرضين لنا، حتى إذا كان الشمس قيد رمحين أو ثلاثة في عين الناظر من الأفق، اسودت حتى آضت كأنها تنومه(١)، فقال أحدنا لصاحبه: انطلق بنا إلى المسجد، فوالله ليحدثن شأن هذا الشمس لرسول الله وَ ل# في أمته حدثاً، قال: فدفعنا، فإذا هو بارز، فاستقدم فصلى، فقام كأطول ما قام بنا في صلاة قط، لا نسمع له صوتاً، ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتاً، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط لا نسمع له صوتاً، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، فوافق تجلي الشمس جلوسه في الركعة الثانية، ثم سلم، فحمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله)) هذه رواية أبي داود. وأخرجه النسائي، والترمذي، وابن ماجه، بعضهم مطولاً، وبعضهم مختصراً، وقد صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم. قال الحافظ في التلخيص: ((وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد، وقد قال ابن المديني: إنه مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، مع أنه لا راوي له إلا الأسود بن قيس، اهـ. فهو مجهول العين عند الأكثر، وقد تقدم في مقدمة هذا الشرح حكم المجهول والمستور واختلاف العلماء فیه، فليراجع(٢). ومنها: حديث النعمان بن بشير عند أبي داود: ((كسفت الشمس على عهد رسول الله (َلآ، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت)) وفي النسائي من حديث أبي قلابة عن النعمان بن بشير قالت: ((انكسفت الشمس على عهد رسول الله وَّر، فخرج يجر ثوبه فزعاً، حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلي حتى انجلت، قال: إن ناساً يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك، إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، إن الله إذا بدا لشيء من خلقه خشع له، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)). وروى معنى هذه الجملة الأخيرة الإمام أحمد في مسنده، والحاكم، وقال: على شرطهما. وأبو قلابة أدرك النعمان بن بشير، قاله أبو حاتم بعد ما نقل عن ابن معين: ((أبو قلابة عن النعمان بن بشير مرسل)) كما في نصب الراية. وقال العيني وابن التركماني رحمهما الله: صرح في الكمال بسماعه عن النعمان. وقال ابن حزم: أبو قلابة أدرك النعمان، وروى هذا الخبر عنه، وصرح ابن عبد البر بصحة هذا الحديث، وقال: من أحسن حديث ذهب إليه (١) قوله: (تنومة) هي نوع من نبات الأرض، فيها وفي ثمرها سواد قليل، النهاية (١: ١٩٩). (٢) انظر (١: ١٧٠ - ١٧٣). ٤٤٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان، وأبو قلابة أحد الأعلام، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي . وقد تأول الحافظ في قوله: ((فجعل يصلي ركعتين ركعتين)) بأن المراد من الركعتين: الركوعان، وسؤاله ظلَّلا كان بالإشارة. قال الشيخ الأنور قدس الله روحه: ((وهذا التأويل غير نافذ، لأن المسجد كان غاضّاً، وكان الناس مجتمعين، وفي الروايات ((أن البعض غشي عليه وألقى الماء على رأسه)) فقول السؤال بالإشارة في مثل هذه الحالة بعيد، وأيضاً قد أخرج الحافظ عن مصنف عبد الرزاق مرسلاً عن أبي قلابة وصححه وفيه أنه ظلّا كان يرسل رجلاً: هل انجلت ... )) وإذا صحّحه الحافظ فلا بدّ من قبوله سيما إذا كان المرسل مقبولاً عند الجمهور، وهو في مسند أحمد متصلاً، بحيث لا يقبل تأويل الحافظ، كما سيأتي)). والحديث أخرجه الطحاوي أيضاً، ولفظه: ((أن النبي ◌ّ كان يصلي في كسوف الشمس كما تصلون: رکعة وسجدتین)) . ومنها حديث قبيصة الهلالي أخرجه أبو داود، قال: ((كسفت الشمس على عهد رسول الله وَله، فهرج فزعاً يجر ثوبه، وأنا معه يومئذٍ بالمدينة، فصلى ركعتين ... )) الحديث، وفيه: ((فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) وأخرجه النسائي أيضاً، وأخرجه الطحاوي من طريقين، ففي طريقة الأولى: عن قبيصة البجلي، وفي الثانية: عن قبيصة الهلالي وغيره، وكل منهما صحابي على ما ذكره البعض، وذكر أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة أولاً: قبيصة الهلالي، فقال: سكن البصرة، وروى عن النبي ◌ّ أحاديث، ثم ذكر قبيصة آخر، فقال: قبيصة يقال: إنه البجلي، ويقال: الهلالي، سكن البصرة وروى عن النبي وَلِّلـ حديثاً: حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن قبيصة، قال: ((انكسفت الشمس على عهد رسول الله وَ لقر، فنادى في الناس، فصلى بهم ركعتين، فأطال فيهما، حتى انجلت الشمس، فقال: إن هذه الآية تخويف يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة)). وقال أبو نعيم: ((ذكر بعض المتأخرين قبيصة البجلي، وهو عندي قبيصة بن مخارق الهلالي، والبجلي وهم. قلت: رواية الطحاوي وكلام البغوي يدلان على أنهما اثنان. قوله: كأحدث صلاة)) يعني كأقرب صلاة. قال العيني كثّفُهُ: ((رواية البغوي ((كأخف صلاة)) يدل على أن المراد كما وقع صلاة من ٤٤٩ كتاب: الكسوف المكتوبة في الخفة، وهي صلاة الصبح، وأراد به أنه يصلي ركعتين الصبح بركوعين، وأربع سجدات، فافهم. ومنها: حديث ابن مسعود أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: ((انكسفت الشمس، فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم علا، فقام رسول الله (ّر فصلى ركعتين)) كذا في عمدة القاري. ومنها: حديث محمود بن لبيد قال: ((كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن رسول الله وَلقول، فقالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله وَلهر: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل، ألا وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد، ثم قام فقرأ فيما نرى بعض ((الر كتاب)) ثم ركع، ثم اعتدل، ثم سجد سجدتين، ثم قام، ففعل مثل ما فعل في الأولى)) أخرجه أحمد في مسنده. ومنها: حديث عبد الرحمن بن سمرة، أخرجه مسلم، كما سيأتي. وفيه: ((وقرأ سورتين، وركع ركعتين)) وأخرجه الحاكم، ولفظه: ((وقرأ سورتين في ركعتين)) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجا. وأخرجه النسائي ولفظه: ((فصلى ركعتين وأربع سجدات)). ومنها: حديث أبي بكرة، أخرجه البخاري، وفيه: ((فصلى بنا ركعتين انجلت الشمس، وظاهره - وكذا ظواهر حديث ابن مسعود، ومحمود بن لبيد وغيرهما - للحنفية القائلين بوحدة الركوع في كل ركعة، كما سيأتي في تقرير ابن الهمام. وزاد النسائي في حديث أبي بكرة بعد قوله: ((فصلى بنا ركعتين)): ((كما تصلون)) وفي سنن النسائي: ((أن النبي ◌ُّ صلى ركعتين مثل صلاتكم هذه)). وحمله ابن حبان والبيهقي على أن المعنى كما تصلون في الكسوف، لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عباس علمهم أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، كما روى ذلك الشافعي وابن أبي شيبة وغيرهما . قلت: وفي سنن أبي داود: ((أن سمرة بن جندب خطب أهل البصرة، وعلمهم صلاة الكسوف التي صلاها النبي ◌ُّه، وليس فيه تعدد الركوع، وقبيصة وعبد الرحمن بن سمرة أيضاً سكنا البصرة، وهما من رواة وحدة الركوع، فيمكن أن يقال: إن التشبيه في قول أبي بكرة ((كما تصلون)) أو ((مثل صلاتكم)) إن سلم كون المشبه به صلاة الكسوف: بالهيأة التي كانت عند أهل البصرة، فلعل هي الصلاة التي علمهم سمرة، لا ما علمهم ابن عباس، لا سيما إذا اضطربت الروايات في موقوف ابن عباس من حيث إثبات ركوعين، أو ثلاث، أو أربع، كما في الفتح، وركوع واحد كما في العمدة، ولا اضطراب في روايات سمرة وعدم ذكر أبي بكرة تعدد الركوع ٤٥٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم في رواية مع قوله: ((صلى بنا ركعتين)) ظاهره التشبيه بمطلق صلاة النافلة، أو بصلاة سمرة دون ابن عباس، والله أعلم. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: ((وورد أيضاً من حديث أبي بكرة، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمرو، والنعمان بن بشير: ((أنه صلى في الكسوف ركعتين كصلاة العيد)). قال أبو عمر بن عبد البر: وهي كلها آثار مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث أبي قلابة عن النعمان بن بشير: ((صلى بنا رسول الله وَطّر في الكسوف نحو صلاتكم يركع ويسجد ركعتين ركعتين، ويسأل الله، حتى تجلت الشمس)) فمن رجّح هذه الآثار لكثرتها وموافقتها لقياس أعني موافقتها لسائر الصلوات - قال: صلاة الكسوف ركعتان)) اهـ كذا في بداية المجتهد. وبهذا يظهر إفراط النووي كَثُ في نقله عن ابن عبد البر، حيث قال في مقام الرد على الكوفيين بعد ذكر أحاديث الركوعين: ((قال ابن عبد البر: وهذا أصح ما في هذا الباب، قال: وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة)) اهـ. وليس كذلك، فإنه صرح بتصحيح روايات وحدة الركوع، نعم! قد ضعف الروايات التي فيها زيادة على الركوعين، كما سيأتي. والعجب من صاحب ((الهدى)) أنه كيف أبهم في النقل عن الأئمة، وغالط نفسه فيه، حديث قال بعد ذكر ركوعين: ((وقد روى عنه أنه صلاها على صفات أخر، منها كل ركعة بثلاث ركوعات، ومنها كل ركعة بأربع ركوعات، ومنها أنها كأحد صلاة صليت، كل ركعة بركوع واحد، ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك، كالإمام أحمد، والبخاري، والشافعي، ويرونه غلطاً)) اهـ. ثم فصله فقال: ((قال الشافعي تغَّثُ - وقد يأله سائل فقال: روى بعضهم أن النبي ◌َّ صلى ثلاث ركعات في كل ركعة - قال الشافعي: فقلت له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لم لم تقل به أنت وهو زيادة على حديثكم - يعني حديث الركوعين في الركعة - فقلت: هو من وجهٍ منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجه نراه - والله أعلم - غلطاً. ثم قال: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث، فلم يخرج شيئاً منهن في الصحيح، لمخالفتهن ما هو أصح إسناداً، وأكثر عدداً، وأوثق رجالاً. وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي: أصح عنه: أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات، ثم قال: والمنصوص عن أحمد أخذه بحديث عائشة وحده، في كل ركعة ركوعان وسجودان، قال في رواية المروزي: وأذهب إلى صلاة الكسوف أربع ركعات، وأربع سجدات، في كل ركعة ركعتان وسجلتان، وأذهب إلى حديث عائشة: أكثر الأحاديث على هذا)) اهـ. قلت: كلامه هذا مقتبس من البيهقي، ولا يلزم من اختيار أحمد حديث عائشة وذهابه إليه، ٤٥١ كتاب: الكسوف وكذا من إعراض البخاري عن إخراج غيره في صحيحه، أو قوله بأن الحديث الفلاني أصح الأحاديث في الباب - تضعيف سائر الروايات، ولم يرد من واحد منهم التصريح بكونها ضعيفة، وأما الشافعي تَقْتُ فقد حكم بالانقطاع والغلط على تثليث الركوع في كل ركعة فقط، وهذا أيضاً حسب ما زعمه، وهو لا يستلزم تضعيف سائر الأحاديث منه، ولم ينقل صاحب ((الهدى)) ولا البيهقي، ولا غيرهما فيما نعلم عن هؤلاء الأئمة الثلاثة ما ينص على تضعيف كل ما ورد في ما سوى الركوعين وتغليطه، نعم! رجحوا أحاديث الركوعين، وذهبوا إليها، وأما غيرهم فقد صحح جماعة منهم الأحاديث التي فيها وحدة الركوع، كما مر، أو الزيادة على الركوعين، كما سيأتي. قال الشيخ ابن الهمام بعد نقل أكثر الأحاديث التي ذكرناها في معرض الاحتجاج للقائلين بوحدة الركوع: ((فهذه الأحاديث - منها الصحيح، ومنها الحسن - وقد دارت على ثلاثة أمور: منها: ما فيه أنه صلى ركعتين، ومنها: الأمر بأن يجعلوها كأحدث ما صلوه من المكتوبة، وهي الصبح، فإن كسوف الشمس كان عند ارتفاعها قدر رمحين، على ما في حديث سمرة، فأفاد أن السنة ركعتان. ومنها: ما فصل، فأفاد تفصيله أنها بركوع واحد، كما في حديث سمرة وابن عمرو بن العاص، وحمل الركعتين على أن في كل ركعة ركوعين خروج عن الظاهر، لا يقال: الركعة اسم للأفعال التي آخرها السجدتان وقبلهما ركوع، أعم من كونه واحداً أو أكثر، لأنا نمنعه، بل المتبادر من لفظ ((ركعة)) الأفعال المخصوصة التي هي قيام واحد، وقراءة واحدة، وركوع واحد، وسجدتان فهو مفهومها في عرف أهل الشرع، لا ما اشتمل على قراءتين وقيامين وركوعين، وأما في الصدر الأول فهي أيضاً كذلك، ويقال أيضاً لمجرد الركوع: فهو إما مشترك بين مجموع الأفعال التي منها الركوع الواحد وبينه، بدليل ما رووه عن عائشة عنها قالت: ((فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات)) والمراد عندهم أربع ركوعات، فسمت كل ركوع ركعة، وكذا ما في حديث ابن عمرو الذي رووه ((فركع ركعتين في سجدة)) وأما مجاز عرفي فيه، وهو الظاهر، لأنهم حيث أرادوه قيدوه بالقرينة الدالة عليه، كما في قوله: ((ركعتين في سجدة)) وقولها: ((أربع ركعات وأربع سجدات)) وحيث أرادوا الأول أطلقوا اسم ((الركعة)) و(الركعتين)) مع أن المجاز خير من الاشتراك، فظهر أن حقيقة لفظ ركعتين ما كان كل ركعة بركوع واحد، ومجازها المستعمل نفس الركوع الواحد، فإرادة قيامين وقراءتين وركوعين بعدهما سجودان بها : ليس بحقيقة ولا مجاز ثبت استعمالهم له)) اهـ. فإن قلت: إمكان الحمل عليه يكفي في الحمل عليه إذا أوجبه دليل، وقد وجد، وهو كون أحاديث الركوعين أقوى. قلنا: أحاديث الركوع الواحد أيضاً قوية، ورجحانها على أحاديث الركوعين من حيث إن بعضها لا يخلو عن نظر أو رهن، وأكثرها - وهو أعلاها وأشهرها - قد اختلف فيه على رواته، ٤٥٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كما تقدم تفصيله. وهذا الاختلاف وإن لم يوجب إطراح أحاديث الركوعين، لكنه لا يخلو عن إيهام ظنها، فوجب ترك روايات التعدد كلها إلى روايات غيرها، أي إلى أحاديث من روى توحد الركوع، ومنهم: سمرة بن جندب، وعبد الرحمن بن سمرة، وقد حضرا بعد نبذ أسهمها مُتَهَيَّئين مترقبين لما يحدثه ويّير في شأن الكسوف من الصلاة وغيرها، فالظاهر أن كل واحد منهما كان شديد الاعتناء بمراقبة أحوال النبي ويشير وضبط ما يحدثه من سنة الكسوف في ذلك اليوم، وقد أخبر عبد الرحمن بن سمرة نفسه في حديثه عند النسائي أنه أتى مما يلي ظهره، أي ظهر النبي ◌َّلر، وهو في المسجد، ولعله نبه بهذا على قرب موقفه من النبي وَّر وتمكنه من مشاهدة أحواله وَّل ر أقوى تمكن. ولو قلنا: إن الاضطراب شمل روايات الكسوف كلها، فغاية ما في الباب أنه يشمل الروايات الفعلية، فتبقى القولية - ((أي كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)) - سالمة من الاضطراب والمعارضة فيعمل بها . وإن قيل من جانب الشافعية: إن تشبيه النبي وَّر في الركعتين لا في الركوعات، فقال شيخنا المحمود قدس الله روحه: إن هذا عين جعل البديهي نظرياً، ولا يقبله أحد من العقلاء، ولا سيما في رواية البغوي ((كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة)) ولو تنزلنا عن هذه الأحاديث القولية أيضاً فيجب أن يصلي على ما هو المعهود من صفة الصلاة، ويكون متضمناً ترجح روايات الاتحاد ضمناً لا قصداً، وهو الموافق لروايات الإطلاق، أعني نحو قوله بَّ: ((فإذا كان ذلك فصلوا حتى ينكشف ما بكم)) وقد ذكر الحازمي في الوجه الثاني والعشرين من وجوه الترجيح أن يكون أحد الحديثين موافقاً للقياس دون الآخر فيترجح الأول ويتعين العدول إليه عن الثاني، وأحاديث وحدة الركوع أقيس وأقرب إلى السكون المطلوب في الصلاة المعبر عنه بالخشوع، فتترجَّح على غيرها، ويتعين المصير إليها)). قال الشيخ ابن الهمام: ((وعن هذا الاضطراب الكثير في روايات الكسوف وفق بعض مشايخنا بحمل روايات التعدد على أنه لما أطال في الركوع أكثر من المعهود جداً، ولا يسمعون له صوتاً - على ما تقدم في رواية - رفع من خلفه متوهمين رفعه، وعدم سماعهم الانتقال، فرفع الصف الذي يلي من رفع، فلما رأى من خلفه أنه وت لتر لم يرفع فلعلهم انتظروه على توهم أن يدركهم فيه، فلما يئسوا من ذلك رجعوا إلى الركوع، فظن من خلفهم أنه ركوع بعد ركوع منه وَّر، فرووا كذلك. ثم لعل روايات الثلاث والأربع بناء على اتفاق تكرار الرفع من الذي خلف الأول. قال مولانا الشيخ الشيخ خليل أحمد كثّفُ في بذل المجهود: ((وقد كان الحال أن رسول الله سير قام في يوم شديد الحر قياماً طويلاً، حتى جعلوا يخرون، بل غشي عليه بعضهم من طول القيام، وقد كشف له ﴾ أحوال عجيبة، فمرة يسبح، وتارة يكبر، وقد كشف له الجنة ٤٥٣ كتاب: الكسوف والنار، وقد اسودت الشمس حتى بدت النجوم، فلا يبعد أن يخفى حال الصلاة وكيفيتها على الذين كانوا على بعد من رسول الله وَّر، وظنوا ما لم يقع واقعاً، ولأجل هذا وقع الاختلاف في بيان كيفية الصلاة)) اهـ. قلت: وعندي في هذا تعسف، فإن الغلط في الفهم والالتباس لا يكون مضبوطاً منتظماً بحيث من يغلط في الركعة الأولى يغلط في الثانية أيضاً كذلك، فكل من روى الركوعين في الأولى روى في الثانية أيضاً ركوعين، وهكذا في الثلاث والأربع والخمسين وغيرها، وهذا بعيد جداً . قال الشيخ ابن الهمام كثّفُ: «هذا كله إذا كان الكسوف الواقع في زمنه وَّر مرة واحدة، فإن حمل على أنه تكرر مراراً على بعد أن يقع نحو ست مرات في نحو عشرين سنين، لأنه خلاف العادة - كان رأينا أولى أيضاً، لأنه لما لم ينقل تاريخ فعله المتأخر في الكسوف فقد وقع التعارض، فوجب الإحجام عن الحكم بأنه كان المتعدد على وجه التثنية أو الجمع ثلاثاً، أو أربعاً، أو خمساً، أو كان المتحد، فبقي المجزوم به استنان الصلاة مع التردد في كيفية معينة من المرويات فيترك ويصار إلى المعهود، ثم يتضمن ما قدمنا من الترجيح، والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال. قال بعض الفضلاء المصريين في تعليقه على المحلى: ((ولقد حاولت كثيراً أن أجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التي حصلت في مدة إقامة النبي وَلهو بالمدينة، وتكون رؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مراراً، فلم أوفق إلى ذلك إلا أني وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءاً صغيراً سماه (نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام) ألفه باللغة الفرنسوية وترجمه إلى العربية الأستاذ العلامة أحمد زكي باشا، وطبع في بولاق سنة ١١٣٠٥هـ وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذي إلي حصل في السنة العاشرة، وهو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ظلّلا، ومنه اتضح أن الشمس كسفت في المدينة المنورة في يوم الإثنين ٢٩ شوال سنة ١٠، الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية في الساعة ٨، والدقيقة ٣٠ صباحاً، وهو يرد أكثر الأقوال التي نقلت في تحديد يوم موت إبراهيم عليّلا، وعسى أن يكون هذا البحث والتحقيق حافزاً لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات التي حصلت بالمدينة في السنين العشر الأولى من الهجرة النبوية: أي إلى وقت وفاته وَاخلاء . قال: فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقق من صحة أحد المسلكين: إما حمل الروايات على تعدد الوقائع، وإما ترجيح الرواية التي فيها ركوعان في كل ركعة، وأنا أميل جداً إلى الظن بأن صلاة الكسوف لم تكن إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة ٤٥٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم محمود باشا الفلكي أنه حصل خسوف القمر في المدينة في يوم الأربعاء ١٤ جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق ٢٠ نوفمبر ٦٦٥ ولم يرد ما يدل على أن النبي ◌ُّ جمع الناس فيه لصلاة الخسوف ويؤيد هذا أن الأحاديث الواردة في صلاة الكسوف دالة بسياقها على أن هذه الصلاة كانت لأول مرة، وأن الصحابة لم يكونوا يعلمون: ماذا يصنع رسول الله وَلّر في وقتها، وأنهم ظنوا أنها كسفت لموت إبراهيم، وأن المدة بين موت إبراهيم ظلّلا وبين موت أبيه وَل لم تزد على أربعة أشهر ونصفه، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحاً في النقل، لتوافر الدواعي إلى نقله كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة، والله أعلم بالصواب)) اهـ. قلت: ثم نرجع إلى الكلام على عدد الركوعات، فنقول: روى الشيخ أبو منصور عن أبي عبد الله البلخي، أنه قال: إن الزيادة - أي في الركوعات - ثبتت في صلاة الكسوف لا للكسوف، بل لأحوال اعترضته، وآيات رآها في تلك الصلاة، حتى روى عن جابر في صحيح مسلم أنه ◌َّ تأخر في الصلاة وتأخر الصفوف خلفه حتى انتهينا)) وفي رواية: ((حتى انتهى إلى النساء، ثم تقدم وتقدم الناس معه، حتى قام في مقامه)) وفي حديث ابن عباس: ((عرضت على النبي ◌َّ النار، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضاً، وإذا رجع عرضت عليه الجنة فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه)) ولمسلم من حديث جابر: ((لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من نفحها، وما من شيء توعدونه إلا وقد رأيته في صلاتي هذه)) وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: ((لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم)) وفي حديث ابن عباس رضيُه: ((ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط، ورأيت أكثر أهلها النساء)» ومن طريق آخر عنه: ((فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناول شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، فقال: إني أريت الجنة، فتناولت منها عنقوداً، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) وفي حديث أسماء: ((فإذا امرأة (أي في النار) حسبت أنه قال: تخدشها هرة، قلت: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعاً)) إلخ وفي بعض الروايات المخرجة في سنن أبي داود نفخه وَّر، وقوله: ((أف أف! ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون)) وفي حديث عائشة عند مسلم قال: ((إني قد رأيتكم تفتنون في القبور كفتنة الدجال)). والحاصل أنه يَّر قد أرى أموراً غريبة في صلاته هذه، وباشر أفعالاً كثيرة استغربها الصحابة ﴿، فيجوز أن تكون زيادة الركوعات منه أيضاً باعتراض تلك الأحوال العجيبة، والواردات الغيبية، ورؤية الآيات العظيمة على انتظام وتناسب خاص من الله تعالى، فمن لا يعرفها لا يسمعه التكلم فيها، ويحتمل أنه فعل ذلك لأنه سنة، فلما أشكل الأمر لم يعدل عن المعتمد عليه إلا بيقين. وهذا التحقيق اللطيف قد كنا استفدناه من حضرة شيخنا المحمود قدس الله روحه في ٤٥٥ كتاب: الكسوف انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ. فَخَطَبَ النَّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ دروس الترمذي، ثم بعد سنين وصل كتاب (البدائع)) مطبوعة من مصر إلى الهند، فرأينا فيه خلاصته منقولة من أبي عبد الله البلخي، فلله الحمد على موافقته لما أفاده شيخنا المحقق تَّهُ الله تعالى . بقي الكلام في رفع الاختلاف الكثير في بيان عدد الركوع واضطراب روايات الراوي الواحد فيه، مع أن الظاهر وحدة الواقعة، فإما أن يرجح أحاديث الركوعين - كما قاله الأكثر - وإما أن يقال: إن منشأه ما رواه أبو داود من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير. والنسائي من طريق قتادة، عن أبي قلابة، عن قبيصة الهلالي، قال: ((كسفت الشمس على عهد رسول الله وَّر، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت)) وأصرح منه ما أخرجه أحمد في مسنده من طريق عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النعمان بن بشير، قال: ((انكسفت الشمس على عهد رسول الله وَلقر، فكان يصلي ركعتين، ثم يسأل، ثم يصلي ركعتين، ثم يسأل حتى انجلت الشمس)) فهذه الروايات لا سيما رواية أحمد تدل على أنه وَلقوله صلى في الكسوف أربع ركعات أو أزيد من ذلك، وقد صرح فقهاؤنا رحمهم الله تعالى بجواز أربع ركعات وأكثر منها في الكسوف، كما في البدائع، فيمكن أن يقال: إنه ◌َّر لعله ركع في شفع من صلاته ركوعاً في كل ركعة، وفي أخرى ركوعين، وفي بعضها ثلاثاً أو أربعاً، وعامة الصحابة رضيه لم يقصدوا بيان عدد الركعات، واهتموا ببيان كيفية الصلاة، والبعض منهم قد بينه، كالنعمان بن بشير، وقبيصة الهلالي، وأما الألفاظ التي يتبادر منها الاقتصار على الركعتين فقط فتحتمل الاختصار، والتأويل كما يظهر بأدنى تأمل، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قوله: (وقد تجلت الشمس) إلخ: في رواية ابن شهاب: ((انجلت الشمس قبل أن ينصرف، وذلك بين جلوسه في التشهد والسلام)) كما في حديث ابن عمرو في الصحيح: ((ثم جلس، ثم جلى عن الشمس، وللنسائي: ((ثم تشهد وسلم)). قال الحافظ: ((واستدل به على إطالة الصلاة حتى تقع الانجلاء)). وأجاب الطحاوي بأنه قال فيه: ((فصلوا وادعوا)) فدل على أنه إن سلم من الصلاة قبل الانجلاء يتشاغل بالدعاء حتى تنجلي، وقرره ابن دقيق العيد بأنه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكل منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدعاء ممتداً إلى غاية الانجلاء بعد الصلاة، فيصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصلاة ولا تكريرها . اختلاف العلماء في الخطبة في الكسوف قوله: (فخطب الناس) إلخ: قال الحافظ ابن حجر كثّفُ: ((اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث. ٤٥٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات روايات كثيرة. والمشهور عند المالكية أن لا خطبة لها، مع أن مالكاً روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم بأنه وَلّر لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور، وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة، وجميع ما ذكر من الكسوف وغيره هو: من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبي ◌َّر، فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف. نعم! نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته، ورد على من أنكر أصل الخطبة لثبوت ذلك صريحاً في الأحاديث، وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطبة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطاً، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم يقع، اهـ. قلت: وقد عقد النسائي باباً في القعود على المنبر بعد صلاة الكسوف، وأخرج فيه حديث عمرة عن عائشة، وفيه: «فلما انصرف قعد على المنبر، فقال: فيما يقول: إن الناس يفتنون في قبورهم كفتنة الدجال)) وقد روى أحمد في مسنده خطبة طويلة للنبي وّ ر من حديث سمرة بن جندب . قال في رد المحتار: «قال القهستاني: ولا يخطب عندنا فيها بلا خلاف، كما في التحفة، والمحيط، والكافي، والهداية، وشروحها، لكن في النظم: يخطب بعد الصلاة بالاتفاق، ونحوه في الخلاصة، قاضیخان، اهـ. وعلى الثاني يبتني ما مر في باب العيدين من عد الخطب عشراً، لكن المشهور: الأول، وهو الذي في المتون والشروح» اهـ. قال ابن الهمام: ((وما نقل من خطبته عليه الصلاة والسلام فليس بطريق قصد الشرعية، بل ٤٥٧ كتاب: الكسوف قَالَ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. وَإِنَّهُمَا لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا لدفع وهم من توهم أنه لموت إبراهيم ابنه وَّر، فهو بسبب عرض، وانقضى)) اهـ. ولا يخلو عن نظر كما سبق في كلام الحافظ. قال العلامة بهرام كثّفُ: ((وإنما لم نقل بالخطبة - وإن سمت عائشة ما ذكره وَله: خطبة - لأن جماعة من الصحابة - منهم: علي، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة - نقلوا صفة صلاة الكسوف، ولم يقل أحد منهم أنه خطب فيها، ولا يجوز أنه خطب وأغفلوه مع نقل كل واحد ما يتعلق بتلك الحال، فوجب حمل تسمية عائشة خطبة على معنى أنه أتى بكلام منظوم فيه حمد وصلاة وموعظة على سبيل ما يأتي في الخطبة)) انتهى. والله أعلم)). قوله: (من آيات الله) إلخ: قيل: المراد أن كسوفها آيتان، لأنه الذي خرج الحديث بسببه. قلت: يحتمل أن المراد أنهما ذاتاً وصفة آيتان، أو أراد أنهما إذا كانا آيتين فتغييرهما يكون مسنداً إلى تصرفه تعالى، لا دخل فيه لموت أو حياة، كشأن الآيات ومعنى كونهما آيتين أنهما علامتان لقرب القيامة أو لعذاب الله أو لكونهما مسخرين بقدرة الله تعالى وتحت حكمه وقيل إنهما من الآيات الدالة على وحدانيته تعالى وعظم قدرته، أو على تخويف العباد من بأسه وسطوته. كذا قال السندي في حاشيته على النسائي. ويؤيد الأخير قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِآلْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] وقوله وَّى: ((يخوف الله بهما عباده)). قوله: (لموت أحد) إلخ: وسبب هذا القول - كما ورد في بعض الروايات ــ ((أن ابناً للنبي وَّ - يقال له: إبراهيم - مات، فقال الناس في ذلك)) وفي رواية لابن حبان: ((فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم، وفي حديث النعمان بن بشير قال: ((إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء وليس كذلك ... )) الحديث. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض، وهو نحو قوله في الحديث الماضي في الاستسقاء: ((يقولون: مطرنا بنوء كذا)). قال الخطابي: ((كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي و * أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما)). قوله: (ولا لحياته) إلخ: استشكلت هذه الزيادة، لأن السياق إنما ورد في حق من ظن أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة. والجواب: أن فائدة ذكر الحياة دفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سبباً للفقدان: لا يكون سبباً للإيجاد فعمم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. وقال السندي: ((ذكر الحياة استطرادي)). وقال القاري: ((وفي شرح السنة: ((زعم أهل الجاهلية أن كسوف الشمس وكسوف القمر ٤٥٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رَأَيْتُمُوهُمَا فَكَبِّرُوا. وَادْعُوا اللَّهَ وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يوجب حدوث تغير في العالم من موت، وولادة، وضرر، وقحط، ونقص، ونحوها، فأعلم النبي ◌َ ﴿ أن كل ذلك باطل)). قوله: (فإذا رأيتموهما) إلخ: أي إذا رأيتم كسوف كل منهما، ووقع في رواية ابن المنذر: ((حتى ينجلي كسوف أيهما انكسف)) وهذا أصرح في المراد. قوله: (فكبروا وادعوا الله) إلخ: قال القاري: ((أي فاذكروا الله بالصلاة في غير الأوقات المكروهة، وبالتهليل والتسبيح والتكبير وسائر الأذكار في الوقت المكروه. قال: والأمر للاستحباب، فإن صلاة الكسوف سنة بالاتفاق)). قال الحافظ: ((وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأى من يعبد الشمس أو القمر، وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] على صلاة الكسوف، لأن الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزه عنه المعبود جل وعلا سبحانه وتعالى)). قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((والأصل فيها أن الآيات إذا ظهرت انقادت لها النفوس، والتجأت إلى الله، وانفكت عن الدنيا نوع انفكاك، فتلك الحالة غنيمة المؤمن، ينبغي أن يبتهل في الدعاء والصلاة وسائر أعمال البر، وأيضاً فإنها وقت قضاء الله الحوادث في عالم المثال، ولذلك يستشعر فيها العارفون الفزع، وفزع رسول الله وير عندها لأجل ذلك، وهي أوقات سريان الروحانية في الأرض، فالمناسب للمحسن أن يتقرب إلى الله في تلك الأوقات، وهو قوله ◌َّي في الكسوف في حديث النعمان بن بشير: ((فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع له)» وأيضاً فالكفار يسجدون للشمس والقمر، فكان من حق المؤمن إذا رأى آية عدم استحقاقهما العبادة: أن يتضرع إلى الله، ويسجد له، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَهُنَّ﴾ ليكون شعاراً للدين، وجواباً مسكتاً لمنكريه)). قوله: (يا أمة محمد) إلخ: قال القاري: ((فيه ذكر الباعث لهم على الامتثال، وهو نسبتهم إليه ◌َ لـ)». اهـ. قال الحافظ: ((وفيه معنى الإشفاق، كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله: ((يا بني)) كذا قيل. وكان قضية ذلك أن يقول: يا أمتي، لكن لعدوله عن المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف، لما في الإضافة إلى الضمير من الإشعار بالتكريم، ومثله: ((يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً ... )) الحديث)). قوله: (إن من أحد أغير) إلخ: ((إن)) نافية، أي ما من أحد، و((أغير)) بالنصب على أنه الخبر، وعلى أن ((من)) زائدة، ويجوز فيه الرفع على لغة تميم، أو ((أغير)) مخفوض صفة لـ((أحد)) والخبر محذوف، تقديره: موجود. ٤٥٩ كتاب: الكسوف يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ. يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيراً قوله: (أغير) إلخ: أفعل تفضيل من الغيرة - بفتح الغين المعجمة - وهي في اللغة: تغير يحصل من الحمية والأنفة، وأصلها في الزوجين والأهلين، وكل ذلك محال على الله تعالى، لأنه منزه على كل تغير ونقص، فيتعين حمله على المجاز. فقيل: لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر من يقصد إليهم: أطلق عليه ذلك، لكونه منع من فعل ذلك وزجر فاعله وتوعده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه. وقال ابن فورك: ((المعنى: ما أحد أكثر زجراً عن الفواحش من الله. وقال غيره: ((غيرة الله ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أو في أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيُِّ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا يَنْفُسِمُّ﴾ [الرعد: ١١]. وقال ابن دقيق العيد: ((أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤول على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة)). وقال القاري: ((الغيرة في الأصل كراهة شركة الغير في حقه، وغيرة الله تعالى كراهة مخالفة أمره ونهيه)) . قوله: (أن يزني) إلخ: متعلق بـ((أغير)) أي: أن يزني. قوله: (عبده) إلخ: أي على زنا عبده أو أمته، فإن غيرته تعالى وكراهيته ذلك أشد من غيرتكم وكراهيتكم على زنا عبدكم وأمتكم. قال الطيبي مكثّفُهُ: ((إن يزني: متعلق بـ((أغير)) وحذف الجار من ((أن)) مستمر، ونسبة الغيرة إلى الله تعالى مجاز محمول على غاية إظهار غضبه على الزاني، وإنزال نكاله عليه. ثم قال لوجه اتصاله بما قبله: لما خوف أمته من الخسوفين، وحرضهم على الطاعة والالتجاء إلى الله بالتكبير والدعاء والصلاة والتصدق: أراد أن يردعهم عن المعاصي كلها، فخص منها الزنا، وفخم شأنه، وندب أمته بقوله: يا محمد، ونسب الغيرة إلى الله، ولعل تخصيص العيد والأمة رعاية لحسن الأدب، لأن الغيرة أصلها أن تستعمل في الأهل والزوج، والله تعالى منزه عن ذلك، ويجوز أن تكون نسبة الغيرة إلى الله تعالى من باب الاستعارة المصرحة التبعية، شبه حال ما يفعل الله مع عبده الزاني من الانتقام وحلول العقاب بحال ما يفعل السيد بعبده الزاني من الزجر والتعزير كذا في المرقاة. قوله: (لو تعلمون ما أعلم) إلخ: قال الحافظ: ((أي من عظيم قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام، وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي، لأن علمه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه: لو علمتم من سعة رحمة الله وحلمه وغير ذلك ما أعلم: لبكيتم على ما فاتكم من ذلك)) اهـ. ٤٦٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً. أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟)). وَفِي رِوَايَةِ مَالِكِ: ((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتٍ اللَّهِ)). ٢٠٨٧ - (٢) حدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَّرَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ)) وَزَادَ أَيْضاً: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ! هَلْ بَلَّغْتُ)). ٢٠٨٨ - (٣) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَىُ. أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونسُ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَِّ. قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَىَ الْمَسْجِدِ. فَقَامَ وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ. فَاقْتَرَّأَ رَسُولُ اللَّهِ بَهَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً. ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً. هِيَ وفي حاشية السندي كثّفُ على النسائي: ((قال الباجي: يريد وَلقول أن الله قد خصه بعلم لا يعلمه غيره، ولعله ما رآه في مقامه من النار وشناعة منظرها. وقال النووي: لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة وما بعدها ما أعلم، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره: لبكيتم كثيراً، ويقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه)) اهـ. ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالاً، فالمراد التفصيل كعلمه بَلقر، فالمعنى: لو تعلمون ما أعلم كما أعلم. والله تعالى أعلم. قوله: (لضحكتم قليلاً) إلخ: أي لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادراً لغلبة الخوف واستيلاء الحزن. قال الحافظ: ((وفيه الزجر عن كثرة الضحك، والحث على كثرة البكاء، والتحقق بما سيصير إليه المرء من الموت والفناء، والاعتبار بآيات الله)). قوله: (ألا هل بلغت) إلخ: معناه ما أمرت به من التحذير والإنذار وغير ذلك مما أرسل به، والمراد تحريضهم على تحفظه، واعتناءهم به، لأنه مأمور بإنذارهم. قوله: (وصف الناس) إلخ: أي اصطفوا، يقال: صف القوم: إذا صاروا صفاً، ويجوز النصب، والفاعل محذوف، والمراد به النبي وتَالحياة. قوله: (فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) إلخ: فيه استحباب الجمع بين هذين اللفظين، وسبقت المسألة في صفة الصلاة فليراجع. ٠