النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب: صلاة الاستسقاء فَاسْتَسْقَى. المصلى للاستقساء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة. قال النووي: ((فيه: استحباب الخروج للاستسقاء إلى الصحراء، لأنه أبلغ في الافتقار والتواضع)». قال العلامة الزبيدي الحنفي في شرح الإحياء: واستحب أصحابنا أيضاً: الخروج إلى الصحراء لاتباع السنة، ولأنه يحضرها غالب الناس والصبيان والحيض والبهائم وغيرهم، فالصحراء أوسه لهم وأليق، واستثنوا المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فيجتمعون فيهما لشرف المحل ولزيادة فضله ونزول الرحمة به . قال الأوزاعي: ((وعليه عمل السلف والخلف، لفضل البقعة واتساعها)). وقاس بعض أصحابنا المتأخرين عليهما أيضاً المسجد النبوي، لاتحاد كل من الثلاثة في التعليل الذي ذكروا. وحمل بعضهم عدم ذكره فيما استثنى: على ضيق المسجد النبوي - غير ظاهر، لأن من هو مقيم بالمدينة المنورة لا يبلغ قدر الحاج، وعند اجتماع جملتهم يشاهد اتساع المسجد الشريف في أطرافه)) اهـ. قال ابن عابدين تَُّ ناقلاً عن الإمداد: («فينبغي الاجتماع للاستسقاء فيه، إذ لا يستغاث وتستنزل الرحمة في المدينة بغير حضرته ومشاهدته سي# في كل حادثة. وتوقف الدواب بالباب كما في المسجد الحرام والأقصى)). اهـ. قوله: (فاستسقى) إلخ: قال الحافظ: ((وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء وأنها ركعتان إلا ما روى عن أبي حنيفة كثّفُ أنه قال: يبرزون للدعاء والتضرع، وإن خطب لهم فحسن، ولم يعرف الصلاة. هذا هو المشهور عنه. ونقل أبو بكر الرازي عنه: التخيير بين الفعل والترك. وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى الاستسقاء والبروز إلى ظاهر المصر، لكن حكى القرطبي عن أبي حنيفة أيضاً: أنه لا يستحب الخروج. وكأنه اشتبه عليه بقوله: في الصلاة)) اهـ. وقال ابن رشد في بداية المجتهد: ((الذي يدل عليه اختلاف الآثار في ذلك ليس عندي فيه شيء أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قد استسقى على المنبر، لا أنها ليست من سننه، كما ذهب إليه أبو حنيفة)) اهـ. قلت: أما مذهب أبي حنيفة تََّفُهُ: فعبارات أصحابنا وغيرهم مضطربة في حكايته، والذي ترجح عند شيخنا وعند بعض محدثي فقهائنا رحمهم الله: أنه لا ينكر جواز الصلاة في الجماعة واستحبابها، بل أنكر السنية المصطلحة عند الفقهاء. وإليه يشير ما في ((الهداية)) وهذا لفظه: ((قال ٤٢٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً جاز، وإنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار، لقوله: ﴿فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴾ [نوح: ١٠] ورسول الله وَالله استسقى ولم ترو عنه الصلاة. وقالا: يصلي الإمام ركعتين، لما روى أن النبي وَليّ فيه ركعتين كصلاة العيد. رواه ابن عباس. قلنا: فعله مرة وتركه أخرى، فلم يكن سنة)) اهـ. قال الشيخ ابن الهمام في شرحه: ((قوله)) استسقى ولم ترو عنه الصلاة)) يعني في ذلك: الاستسقاء. فلا يرد أنه غير صحيح كما قال الإمام الزيلعي المخرج، ولو تعدى بصره إلى قدر سطر حتى رأى قوله في جوابهما: ((قلنا فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة)) لم يحمله على النفي مطلقاً وإنما يكون سنة ما واظب عليه، ولذا قال شيخ الإسلام: فيه دليل على الجواز عندنا، يجوز لو صلوا بجماعة لكن ليس بسنة)) اهـ. وجزم به في ((غاية البيان)) معزياً إلى ((شرح الطحاوي))، وذكر العلامة ابن أمير الحاج في ((الحلية)): ((أن ما ذكره الإسلام متجه من حيث الدلیل، فلیکن علیه التعويل)) اهـ. وقال في شرح المنية الكبير، بعد سوقه الأحاديث والآثار: ((فالحاصل أن الأحاديث لما اختلف في الصلاة بالجماعة وعدمها على وجه لا يصح به إثبات السنية: لم يقل أبو حنيفة بسنيتها، ولا يلزم منها قوله بأنها بدعة، كما نقله عنه بعض المتعصبين، بل هو قائل بالجواز)) اهـ. قلت: والظاهر أن المراد به الندب والاستحباب لقوله في الهداية: ((قلنا: إنه فعله عليه الصلاة والسلام مرة وتركه مرة أخرى، فلم يكن سنة)) اهـ. قال ابن عابدين: أي لأن السنة ما واظب عليه والفعل مرة، مع الترك أخرى يفيد الندب. تأمل. والسنة لا تثبت بمثله، بل بالمواظبة. كذا في التبيين. وثبت أن عمر بن الخطاب نظ له استسقى ولم يصل، ولو كانت سنة لما تركها، لأنه كان أشد الناس اتباعاً لسنة رسول الله وَله . قال أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنفه)): حدثنا وكيع، عن عيسى بن حفص بن عاصم، عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه قال: ((خرجنا مع عمر بن الخطاب نستسقي، فما زاد على الاستغفار)). حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبي: ((أن عمر بن الخطاب خرج يستسقي، فصعد المنبر، فقال: ﴿أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَقَّارًا ﴿ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ١١ ﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] استغفروا ربكم إنه كان وَيُعْدِذِكُ بِأَمَوَلٍ وَيَنِينَ وَيَجْعَل ◌َّكُمْ جَنَّتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا غفاراً، ثم نزل فقالوا: يا أمير المؤمنين، لو استسقيت! فقال: لقد طلبته بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر)). ٤٢٣ كتاب: صلاة الاستسقاء وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أسلم العجلي، قال: خرج أناس مرة يستسقون، وخرج إبراهيم معهم، فلما فرغوا قاموا يصلون، فرجع إبراهيم ولم يصل معهم)). حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي يستسقى، قال: فصلى المغيرة، فرجع إبراهيم حيث رآه صلى)). قوله: (وحول رداءه) إلخ: وفي البخاري عن المسعودي عن أبي بكر بن محمد: ((قلب رداءه: جعل اليمين على الشمال)). وزاد فيه ابن ماجه وابن خزيمة: ((والشمال على اليمين)). وله شاهد عن أبي داود، وفي بعض الروايات أبي داود: ((استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه)). وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به #8# من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. والجمهور على استحباب التحويل فقط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك، إذ ليس في الأحاديث التي استدل بها عليه ما يدل على أنه سنة أو مندوب لكل إمام مع عدم فعله لعلّ* في غيره من الأوقات، كما في حديث الصحيحين وغيره. قال البخاري: ((باب ما قيل: إن النبي ◌َّير لم يحول رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة)) وذكر فيه حديث أنس أن رجلاً شكا إلى النبي ◌َّ ر هلاك المال وجهد العيال فدعا الله يستسقى ولم يذكر أنه حول رداءه ولا استقبل القبلة، فاستنبط منه الجواز لا السنية، كما استنبطنا منه عدم للسنية صلاتها. وأخرجه البخاري أيضاً في الاستئذان، ومسلم والنسائي في الصلاة، ولا يلزم من عدم قوله بسنية الصلاة والتحويل قوله بأنه بدعة، كما نقله عن بعض المتعصبين المشنعين عليه، وعدم فعل الصحابة - كعمر وغيره - أدل دليل على عدم سنيته. قال في ((الهداية)) ((وما رواه (أي من تحويل الرداء) كان تفاؤلاً)). اهـ. قال ابن الهمام: ((اعترف بروايته ومنع استنانه، لأنه فعل الأمر لا يرجع إلى معنى العبادة)» اهـ. ونظر في كلام صاحب الهداية صاحب العناية فقال: ((هب أنه ظلّ تفاءل بذلك، فليتفاءل كل من يبتلي بذلك تأسياً به عليّلها. ثم أجاب عنه بأن النبي و 9 يجوز أن يكون علم بالوحي أن الحال ينقلب إلى الخصب متى قلب الردآء، وهذا مما لا يأتي من غيره، فلا فائدة في التأسي ظاهراً فيما ينفيه القياس)) اهـ. وفيه كلام سيأتي. وهذا كله عند أبي حنيفة كفُّهُ. وقال محمد: ((يقلب الإمام ردائه إذا مضى صدر من خطبته، فإن كان مريعاً جعل أعلاه أسفله، وأسفله أعلاه، وإن كان مدوراً جعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن، وإن كان قباء جعل البطانة خارجاً والظهارة داخلاً)) (حلية). ٤٢٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. ٢٠٦٨ - (٢) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ. قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ وَهَ إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَىَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. وَقَلَبَ رِدَاءَهُ. وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ٢٠٦٩ - (٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ عَبَّدَ بْنَ تَمِيمِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ خَرِّجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَشَّقِي. وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ، اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. وعن أبي يوسف تَُّ روايتان، واختار القدوري قول محمد، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك (نهر) وعليه الفتوى، كما فيشرح ((درر البحار)). قال في النهر: ((أما القوم فلا يقبلون أرديتهم. قال محمد: وما روى أن القوم فعلوه محمول على أنهم فعلوه له بَّر، كخلع النعال ولم يعلم به)). قال ابن الهمام: ((تقريره الذي هو من الحجج ما كان من علمه، ولم يدل شيء مما روى على علمه بفعلهم، ثم تقريره، بل اشتمل على ما هو ظاهر في عدم علمه به، وهو ما تقدم من رواية أنه إنما حول بعد تحويل ظهره إليهم) اهـ. قلت: وفيه نظر، فإنه وَلو كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه. فالظاهر علمه ◌َلّ به، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم. وأما الحكمة في هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه. وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه، عن جابر، ورجح الدارقطني إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. كذا في الفتح. قوله: (حين استقبل القبلة) إلخ: ظاهره أن التحويل وقع حال الاستقبال. وهو قول كثير من الشافعية . وفي بعض روايات حديث الباب ((فحول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه. وهذا يدل على تأخير التحويل من الاستقبال. وهو ظاهر كلام الشافعي ثَّهُ. قوله: (وأنه لما أراد أن يدعوا استقبل القبلة) إلخ: أنه يسن في وقت الدعاء أن يستقبل ٤٢٥ كتاب: صلاة الاستسقاء ٢٠٧٠ - (٤) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمِ الْمَازِنِيُّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْماً يَسْتَسْقِي. فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ. يَدْعُو اللَّهَ. وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. القبلة، ويستدبر القوم، لأن الدعاء مستقبلها أفضل. فإذا استقبل له في الخطبة الأولى، لم يعده في الثانية . قال النووي: ((ويلحق باستحباب استقبال القبلة للدعاء: الوضوء والغسل والأذكار والقراءة وسائر الطاعات، إلا ما خرج بدليل كالخطبة)). كذا في شرح الإحياء. قال الحافظ: ((وقد ورد في استقبال القبلة في الدعاء من فعل النبي وَلّ عدة أحاديث .... )) ثم ذكر حديثين لعمر، وحديثين لابن مسعود، وحديثاً لعبد الرحمن بن طارق، عن أبيه . قوله: (أنه سمع عمه) إلخ: هو عبد الله بن زيد المازني الأنصاري، المذكور في الرواية السابقة. قوله: (فجعل إلى الناس ظهره) إلخ: قال الحافظ: ((والفرق بين تحويل الظهر واستقبال القبلة أنه في ابتداء التحويل وأوسطه: يكون منحرفاً، حتى يبلغ الانحراف غايته فيصير مستقبلاً)) اهـ. قوله: (ثم صلى ركعتين) إلخ: وهكذا وقع في صحيح البخاري بلفظ ((ثم)) من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري. واستدل به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح ((بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة)). وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه. والمرجح عند الشافعية والمالكية (وكذا عند محمد بن الحسن تغذُّهُ) الثاني أعد الصلاة قبل الخطبة، وإليه رجع مالك. قال الحافظ: ((ويمكن الجمع بين مختلف الروايات بأنه و لو بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب. فاقتصر بعض الرواة على شيء، وبعضهم على شيء، وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، فلذا وقع الاختلاف. قال: وقال القرطبي: يعتضد القول، بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها بالعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة)). وقال القسطلاني ((في شرح مسلم)): ((إن لفظ ((ثم)) إنما وقع في رواية لهما (أي للبخاري ومسلم). وأكثر الروايات عندهما، وعند غيرهما: ((وصلى ركعتين)) بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، وفي كثير من الأحاديث التصريح ((بأنه وَ ي خطب بعد الصلاة))، فعلم أن لفظة ((ثم)) وهم من الراوي)) اهـ. ٤٢٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (١) - باب: رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء ٢٠٧١ - (٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، عَنْ شُعْبَةً، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ(١). قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ. حَتَّى يُرَى بَیَاضُ إِبْطَيْهِ . ٢٠٧٢ - (٦) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَّةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ ◌ّهِ اسْتَسْقَىَ. فَأَشَارَ بِظَهْرٍ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ . قوله: (يرفع يديه في الدعاء حتى يرى) إلخ: أي في الاستسقاء، والمراد رفع رفعاً بليغاً زائداً على ما كان يعتاده في عامة الدعوات، ومعنى قوله: ((حتى يرى)) إلخ: أي لو لم يكن عليه ثواب كما في المرقاة. قوله: (فأشار بظهر كفيه إلى السماء) إلخ: قالوا: فعل هذا تفاؤلاً بتقلب الحال ظهراً لبطن، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصب ما فيه من الأمطار. كما قال: إن الكف إذا جعل بطنها إلى الأرض انصب ما فيها من الماء. وقيل: من أراد دفع بلاء من القحط ونحوه فليجعل ظهر كفه إلى السماء، ومن سأل نعمة من الله فليجعل بطن كفه إلى السماء. وروى أحمد أنه عليه الصلاة السلام كان يفعل الأول إذا استعاذ. والثاني إذا سأل. اهـ. اعلم أن الرفع ليس على وفي قطب الإرشاد)) للعلامة العارف فقير الله الجلال آبادي: ((ثم إطلاقه، إذ لا يستحب إلا فيما ورد به السنة، ولا يرفع في نحو حال الطواف كما يفعله العامة حين يدعوا بعض الأئمة. وفي المبسوط عن محمد بن الحنفية قال: الدعاء أربعة: دعاء رغبة، ودعاء رهبة، ودعاء تضرع، ودعاء خفية، ففي دعاء الرغبة يجعل بطن كفيه نحو السماء، وفي دعاء الرهبة يجعل ظهور كفيه إلى وجهه كالمستغيث من الشيء، وفي دعاء التضرع يعقد الخنصر (١) قوله: (عن أنس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الاستسقاء، باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، رقم (١٠٣٠) وباب رفع الإمام يديه في الاستسقاء، رقم (١٠٣١) وفي كتاب المناقب، باب صفة النبي ◌َّر، رقم (٣٥٦٥) وفي كتاب الدعوات، باب رفع الأيدي في الدعاء، (٦٣٤١) والنسائي في سننه، في كتاب الاستسقاء، باب كيف يرفع (أي يده في الدعاء) رقم (١٥١٤) وفي كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ترك رفع الدين في الدعاء في الوتر، رقم (١٧٤٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، رقم (١١٧٠) و(١١٧١) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، رقم (١٥٤٣) وأحمد في مسنده (٣: ١٥٣ و١٨١ و٢٠٩ و٢١٦ و٢٤١ و٢٥٩ و ٢٨٢). ٤٢٧ كتاب: صلاة الاستسقاء ٢٠٧٣ - (٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَعَبْدُ الأَعْلَىُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مَ ◌ّهَ كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّ فِي الاسْتِسْقَاءِ. حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ. غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ . والبنصر ويحلق الإبهام والوسطى، ويشير بالسبابة ودعاء الخفية ما يجعله المرء في نفسه، يعني ليس فيه رفع، لأن في الرفع إعلاناً، كذا في شرح المنية لإبراهيم الحلبي)) اهـ. وكأنه تفسير لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ بُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقوله تعالى: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥] ولا أعلم مأخذ هذا التفصيل. فالله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (إلا في الاستسقاء) إلخ: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وهي كثيرة، وقد أفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيها عدة أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله: ((حتى يرى بياض إبطيه)) ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما إلى جهة وجهه، حتى حاذتاه، وبه حينئذٍ يرى بياض إبطيه. وأما صفة اليدين في ذلك فلما رواه مسلم من روايته ثابت عن أنس: أن رسول الله ﴿﴿ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء)) ولأبي داود من حديث أنس أيضاً: ((كان يستسقي هكذا، ومد يديه، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه)). وحاصله أن الرفع في الاستسقى يخالف غيره: إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه - مثلاً - وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كل منهما: ((حتى يرى بياض إبطيه)) بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، سرد منها النووي في الأذكار، وفي شرح المهذب: جملة، وعقد لها البخاري أيضاً في الأدب المفرد باباً. اهـ كذا في الفتح من أبواب الاستسقاء والدعوات. قال الأبي: ((قال الشافعي: معنى الحديث لا يرفعهما. كل الرفع، حتى تجاوزوا رأسه، ٤٢٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٠٧٤ - (٠٠٠) وحدّثنا ابن الْمُثَنَّى. حَذَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ، نَحْوَهُ. (٢) - باب: الدعاء في الاستسقاء ٢٠٧٥ - (٨) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ(١)؛ أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. مِنْ بَابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ الْقَضَاءِ. ويرى بياض إبطيه، لو لم يكن عليه ثوب إلا في الاستسقاء، لأنه ثبت رفع الأيدي في كل أدعيته». قوله: (عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم) إلخ: فيه بيان أن قتادة قد سمعه من أنس، فانتفى احتمال تدليس قتادة. قوله: (كان نحو دار القضاء) إلخ: قال الحافظ: فسر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمارة، وليس كذلك، وإنما هي دار عمر بن الخطاب، وسميت: دار القضاء، لأنها بيعت في قضاء دينه، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر، ثم طال ذلك، فقيل لها: دار القضاء. ذكره الزبير بن بكار بسنده إلى ابن عمر. وذكر عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي غسان المدني، سمعت ابن أبي فديك عن (١) قوله: (عن أنس بن مالك) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب رفع اليدين في الخطبة، رقم (٩٣٢) وباب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، رقم (٩٣٣) وفي كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في المسجد الجامع، رقم (١٠١٣) وباب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، رقم (١٠١٤) وباب الاستسقاء على المنبر، رقم (١٠١٥) وباب من اكتفى بصرة الجمعة في الاستسقاء، رقم (١٠١٦) وباب الدعاء إذا انقطعت السبل من كثرة المطر، رقم (١٠١٧) وباب ما قيل إن النبي وَّر لم يحول رداءه في الاستسقاء يوم الجمعة، رقم (١٠١٨) وباب إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم، رقم (١٠١٩) وباب الدعاء إذا كثر المطر: ((حوالينا ولا علينا)) رقم (١٠٢١) وباب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء، رقم (١٠٢٩) وباب من تمطر في المطر حتى يتحادر على لحيته، رقم (١٠٣٣) وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم (٣٥٨٢) وفي كتاب الأدب، باب التبسم والضحك، رقم (٦٠٩٣) وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء غير مستقبل القبلة، رقم (٦٣٤٢) والنسائي في سننه، في كتاب الاستسقاء، باب متى يستسقي الإمام، رقم (١٥٠٥) وباب كيف يرفع، رقم (١٥١٦) وباب ذكر الدعاء، رقم (١٥١٨) و(١٥١٩) وباب مسألة الإمام رفع إذا خاف الضر فيه رقم (١٥٢٨) وباب رفع الإمام يديه عند مسألة إمساك المطر، رقم (١٥٢٩) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، رقم (١١٧٤) و(١١٧٥) وأحمد في مسنده (٣: ١٨٧ و١٩٤ و٢٤٥ و٢٥٦ و٢٦١ و٢٧١). ٤٢٩ كتاب: صلاة الاستسقاء وَرَسُولُ اللَّهِ بَلِهِ قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَائِماً. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ. فَادْعُ اللَّهَ يُغِثْنَا. قَالَ: عمه: كانت دار القضاء لعمر، فأمر عبد الله وحفصة أن يبيعها عند وفاته في دين كان عليه، فباعوها من معاوية، وكانت تسمى دار القضاء. وقد صارت بعد ذلك إلى مروان، وهو أمير المدينة، فلعلها شبهة من قال: إنها دار الإمارة. وجاء في تسميتها: ((دار القضاء)) قول آخر، رواه عمر بن شبة في أخبار المدينة: كانت دار القضاء لعبد الرحمن بن عوف. وإنما سميت دار القضاء، لأن عبد الرحمن بن عوف اعتزل فيها ليالي الشورى، حتى قضى الأمر فيها، فباعها بنو عبد الرحمن من معاوية بن أبي سفيان. قال عبد العزيز: فكانت فيها الدواوين وبيت المال، ثم صيرها السفاح رحبة للمسجد. وزاد أحمد في رواية ثابت عن أنس: ((إني لقائم عند المنبر))، فأفاد بذلك قوة ضبطه للقصة لقربه، ومن ثم لم يرد هذا الحديث بهذا السياق كله إلا من روايته . قوله: (فاستقبل رسول الله وَّه) إلخ: الظاهر أنه لم يصل تحية المسجد. قوله: (ثم قال: يا رسول الله) إلخ: فيه جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة، وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة، لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم، وترك الابتداء بالسؤال، ومنه قول أنس: ((كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية، فيسأل رسول الله (وَل ... )) قال الحافظ كَُّ. وقال الأبي: ((لم يقع منهم ما وقع من الرجل، لأن الصبر إمشاق، وعدم التسبب في كشفها أرجح، وهم يفعلون الأفضل)). قوله: (هلكت الأموال) إلخ: أي المواشي، كما ورد في رواية، وفي أخرى: ((هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. قوله: (وانقطعت السبل) إلخ: والمراد بذلك أن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها. وقيل: المراد نفاد ما عند الناس من الطعام، أو قلته، فلا يجدون ما يحملونه ويجلبونه إلى الأسواق. قوله: (فادع الله يغثنا) إلخ: يجوز الضم في ((يغثنا)) على أنه من الإغاثة، وبالفتح، على أنه من الغيث، ويرجح الأول قوله وَّير: ((اللهم أغثنا))، وجائز أن يكون من الغوث، أو من الغيث، والمعروف في كلام العرب: غثنا، لأنه من الغوث. وقال ابن القطاع: غاث الله عباده غيئاً وغياثاً: سقاهم المطر، وأغاثهم: أجاب دعائهم، ويقال: غاث وأغاث بمعنى، والرباعي أولى. قال الحافظ: ((فيه سؤال الدعاء من أهل الخير، ومن يرجى منه القبول، وإجابتهم لذلك، ومن ٤٣٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَرَفَعَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَدَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ أَغِثْنَا.)). قَالَ أَنَسٌ: وَلاَ وَاللَّهِ، مَا نَرَىُ فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلاَ قَزَعَةٍ. وَمَا بَيْنَا وَبَيْنَ سَلْعِ مِنْ بَيْتٍ وَلاَ دَارٍ . قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ. فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ انْتَشَّرَتْ. ثُمَّ أَمْطَرَتْ. أدبه بث الحال لهم قبل الطلب، لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه، فترجى الإجابة عنده)). قوله: (فرفع رسول الله وَ له يديه) إلخ: زاد النسائي: ((ورفع الناس أيديهم مع رسول الله وَليه يدعون))، وزاد في رواية شريك: ((حذاء وجهه))، وفي بعض الروايات: ((حتى رأيت بياض إبطيه))، وفي بعضها: فنظر إلى السماء. قوله: (اللهم أغثنا) إلخ: فيه تكرار الدعاء ثلاثاً، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، والدعاء به على المنبر، ولا تحويل فيه، ولا استقبال، والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدل على أنه نواها مع الجمعة. قوله: (من سحاب) إلخ: أي مجتمع. قوله: (ولا قزعة) إلخ: بفتح القاف والزاي، بعدها مهملة أي سحاب متفرق، قال ابن سيده: القزع: قطع من السحاب رقاق، زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف. قوله: (وما بيننا وبين سلع) إلخ : - بفتح المهملة، وسكون اللام -: جبل معروف بالمدينة، وقد حكى أنه بفتح اللام. قوله: (من بيت ولا دار) إلخ: أي يحجبنا عن رؤيته، وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقوداً لا مستتراً ببيت ولا غيره. ووقع في رواية ثابت عند البخاري، قال أنس: ((وإن السماء لفي مثل الزجاجة، أي لشدة صفائها، وذلك مشعر بعدم السحاب أيضاً. قوله: (فطلعت من ورائه) إلخ: أي ظهرت من وراء سلع، وكأنها نشأت من جهة البحر، لأن وضع ((سلع)» يقتضي ذلك. قوله: (مثل الترس) إلخ: أي مستديرة لا مثله في القدر، لأن في رواية أبي عوانة: ((فنشأت سحابة مثل رجل الطائر، وأنا أنظر إليها، وهذا يشعر بأنها كانت صغيرة، وفي رواية: («فهاجت ريح أنشأت سحاباً، ثم اجتمع وأخرى، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض وأخرى، حتى ثار السحاب أمثال الجبال))، أي لكثرته، وفيه: ((ثم لم ينزل عن منبره، حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته))، وكلها في الصحيحين. وهذا يدل على أن السقف وكف، لأنه كان من جريد النخل. قوله: (فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت) إلخ: أمطرت بالهمزة، رباعياً، وهذا ٤٣١ كتاب: صلاة الاستسقاء قَالَ: فَلاَ وَاللَّهِ، مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سَبْتاً. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذُلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِماً. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ يشعر بأنها استمرت مستديرة، حتى انتهت إلى الأفق، فانبسطت حينئذٍ، وكان فائدته تعميم الأرض بالمطر. كذا في شرح المواهب. قوله: (ما رأينا الشمس سبتاً) إلخ: بفتح السين وسكون الموحدة، وفوقية، كناية عن استمرار الغيم الماطر وهذا في الغالب، وإلا فقد يستمر المطر والشمس بادية، وقد تحجب الشمس بغير مطر. قال الحافظ تغّثُ: ((كذا رواه الأكثر بلفظ: ((سبتاً)) أحد الأيام، أي أسبوعاً، من تسمية الشيء باسم بعضه، كما يقال: جمعة، ويقال: أراد قطعة من الزمان، قاله في النهاية. وقال المحب الطبري: أي جمعه، وفيه تجوز، لأن السبت الأول لم يكن مبتدأ ولا الثاني منتهى، وعبر أنس بذلك، لأنه من الأنصار، وكانوا جاوروا اليهود، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم، وإنما سموا الأسبوع سبتاً لأنه أعظم الأيام عند اليهود، كما أن الجمعة كذلك عند المسلمین. وقال ثابت في الدلائل: الناس يقولون: معناه من سبت إلى سبت، وإنما هو قطعة من الزمان، وصحفه الداودي، فرواه: ((ستاً)) بكسر السين، وشد الفوقية، ورد بأنه لم ينفرد به، فقد رواه الحمسي والمستمبي هنا ((ستاً)) وكذا رواه سعيد بن منصور وأحمد من وجهين آخرين عن أنس، وكأن من ادعى التصحيف استبعد اجتماع قوله: ((ستاً)» مع قوله في رواية للبخاري: ((سبعاً)» وليس بمستبعد، لأن من قال: ((ستاً)) أراد: ستة أيام تامة، ومن قال ((سبعاً)) أضاف إليها يوماً ملفقاً من الجمعتين، وقد رواه مالك عن شريك عن أنس بلفظ: ((فمطرنا من جمعة إلى جمعة)) وللبخاري عن إسحاق عن أنس: ((فمطرنا يومئذٍ، ومن الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه، حتى الجمعة الأخرى)». قوله: (ثم دخل رجل من ذلك الباب) إلخ: ظاهره أنه غير الأول، لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وقد قال شريك في آخر هذا الحديث هنا: ((سألت أنس: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري)) وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير، فالظاهر أن القاعدة المذكورة محمولة على الغالب، لأن أنساً من أهل اللسان، وقد تعددت، وفي بعض الروايات الصحيحة: ((فأتى الرجل)) معرفاً باللام، وفي بعضها: ((فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى)) وهذا يقتضي الجزم بكونه واحداً، فلعل أنساً تذكره بعد أن نسيه، أو نسيه بعد أن كان تذكرة. قوله: (هلكت الأموال) إلخ: أي المواشي بعدم الرعي، أو عدم ما يكنها لكثرة الماء، وفي رواية النسائي: ((من كثرة الماء)). . ٤٣٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ. فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا عَنَّا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يَدَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ حَوْالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ عَلَى الآَكَامِ قوله: (وانقطعت السبل) إلخ: لتعذر سلوك الطريق من كثرة الماء، ولابن خزيمة: ((واحتبس الركبان)) وفي رواية: ((تهدمت البيوت)) وأخرى: ((هدم البناء وغرق المال)) فهو بسبب غير السبب الأول. قوله: (يمسكها عنا) إلخ: بالجزم، جواب الأمر، والرفع، أي فهو يمسكها. وفي رواية: ((أن يمسكها)) أي الأمطار، أو السحابة، أو السماء، والعرب تطلق على المطر: سماء، زاد في رواية: ((فتبسم)) وفي أخرى: (لسرعة ملال ابن آدم)). قوله: (اللهم حولنا) إلخ: وفي بعض النسخ: ((حوالينا)) بفتح اللام، وهما صحيحان، وفي حذف، تقديره: اجعل، أو أمطر، والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور. قوله: (ولا علينا) إلخ: أي ولا تنزله علينا. قال الحافظ: ((فيه بيان للمراد بقوله: ((حوالينا)). والإكام: بكسر الهمزة. وقد تفتح وتمد، جمع ((أكمة)) بفتحات. قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع. وقال الداودي: هي أكبر من الكدية. وقال القزاز: هي التي من حجر واحد، وهو قول الخليل. وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض. وقال الثعالبي: الأكمة: أعلى من الرابية، وقيل: دونها . قال الحافظ: ((وفيه الأدب في الدعاء، حيث لم يدع برفع المطر مطلقاً، لاحتمال الاحتياج إلى استمراره، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع، ويستنبط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها، بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة. أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل وإن كان مقام الأفضل التفويض، لأنه وَله كان عالماً وقع لهم من الجدب، وآخر السؤال في ذلك تفويضاً لربه، ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك بياناً للجواز، وتقريراً لسنة هذه العبادة الخاصة، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة نفع الله به)) . قوله: (اللهم على الإكام) إلخ: فيه بيان المراد بقوله: ((حوالينا)). قال في المواهب: ((والإكام: بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد، جمع أكمة بفتحات، التراب المجتمع. وقيل الجبل الصغير وقيل ما ارتفع من الأرض. اهـ وقيل: غير ذلك)). قال الزرقاني: ((ظاهر ما في المواهب أن كلاً من الإكام والآكام جمع أكمة، وفي المصباح: جمع أكمة: إكام، مثل جبل وجبال، وجمع إكام أكم بضمتين، مثل كتاب وكتب، وجمع أكم الآكام، مثل عنق وأعناق)) اهـ. ٤٣٣ كتاب: صلاة الاستسقاء وَالظّرَابٍ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ)) فَانْقَلَعَتْ. وَخْرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَسَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَهُوَ الرَّجُلُ الأَوَّلُ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي. ٢٠٧٦ - (٩) وحدّثنا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ. حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَخْطَبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. إِذْ قَامَ أَعْرَابِيٍّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَاهُ. وَفِيهِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا)) قَالَ: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَّةٍ إِلاَّ تَفَرَّجَتْ. حَتَّى رَأَيْتُ قوله: (والظراب) إلخ: بكسر الظاء المعجمة، وآخره موحدة، جمع ظرب، بكسر الراء، وقد تسكن، الجبل المنبسط ليس بالعالي، قاله القزاز. وقال الجوهري: الرابية الصغيرة. قوله: (وبطون الأودية) إلخ: والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولم تسمع ((أفعلة)) جمع فاعل إلا الأودية جمع واد، وفيه نظر . وزاد مالك في رواية: ((رؤوس الجبال)) كذا في الفتح. قوله: (ومنابت الشجر) إلخ: جمع ((منبت)) بكسر المودة، أي ما حولها مما يصلح أن ينبت فيه، لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر. قوله: (فانقطعت) إلخ: وفي أكثر النسخ: ((فانقلعت)) أي السماء أو السحابة الماطرة، أي أمسكت عن المطر على المدينة. وفي رواية مالك: ((فانجابت عن المدينة انجياب الثوب)) أي خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه. وفي رواية: ((فما هو إلا أن تكلم وَل# بذلك تمزق السحاب، حتى ما نرى منه شيئاً)) أي في المدينة. وللبخاري: ((فجعل السحاب يتصدع عن المدينة يريهم الله كرامة نبيه وإجابة دعوته)). قوله: (وخرجنا نمشي في الشمس) إلخ: قال الحافظ: ((وفي الحديث علم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام عقبه، أو معه ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة)). قوله: (أهو الرجل الأول) إلخ: أي السائل الثاني هل هو السائل الأول أو غيره؟ قوله: (قال لا أدري) إلخ: تقدم اختلاف الروايات فيه، فلعل أنساً كان يتردد تارة ويجزم أخرى باعتبار ما يغلب على ظنه، كما أفاده الحافظ. قوله: (أصابت الناس سنة) إلخ: أي قحط. قوله: (بناحية) إلخ: أي من السماء. قوله: (إلا تفرجت) إلخ: بفتح الفوقية، والفاء والراء المشددة، والجيم، أي إلا تقطع السحاب وزال عنها، امتثالاً لأمره وَله. ٤٣٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمَدِينَةَ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ. وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْراً. وَلَمْ يَجِىءْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلاَّ أَخْبَرَ بِجَوْدٍ. ٢٠٧٧ - (١٠) وحدّثني عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ. قَالاً: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَّالِكٍ. قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. فَقَامَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَصَاحُوا. وَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَحَطَ الْمَطَرُ، قوله: (في مثل الجوبة) إلخ: بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، هي الحفرة المستديرة الواسعة. والمراد هنا: الفرجة في السحاب. وقال الخطابي: المراد بها هنا: الترس. قوله: (وادي قناة) إلخ: بفتح القاف والنون الخفيفة، علم على أرض ذات مزارع بناحية أحد، واديها أحد أودية المدينة المشهورة. قاله الحازمي. قال النووي: ((وفي رواية للبخاري: ((وسال الوادي قناة)) وهذا صحيح على البدل، والأول صحيح، وهو عند الكوفيين على ظاهره، وعند البصريين يقدر فيه محذوف في رواية للبخاري: وسال الوادي وادي قناة. قوله: (شهراً) إلخ: أي جرى فيه الماء من المطر شهراً . قوله: (إلا أخبر بجود) إلخ: بفتح الجيم وسكون الواو، المطر الغزير. وهذا يدل على أن المطر استمر فيما سوى المدينة. فقد يشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: ((هلكت الأموال وانقطعت السبل)) لم يرتفع الإهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوبه . ويمكن الجواب: بأن المراد أن المطر استمر حول المدينة من الآكام والظراب وبطون الأودية، لا في الطريق المسلوكة، ووقوع المطر في بقعة دون بقعة كثير، ولو كانت تجاورها، وإذا جاز ذلك جاز أن يجود للماشية أماكن تكنها وترعى فيها بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيزول الإشكال. أفاده الحافظ تَّقُ. كذا في الفتح. وقال الأبي: ((ويحتمل أن يريد بالناس الواحد، من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وإنما قال لهم واحد)). قوله: (فقام إليه الناس وصاحوا) إلخ: الروايات السابقة ظاهرها أن السائل رجل واحد. قال الحافظ: ((وأما قوله: ((فقام الناس فصاحوا)) فلا يعارض ذلك، لأنه يحتمل أن يكونوا سألوه بعد أن سأل، ويحتمل أنه نسب ذلك إليهم لموافقة سؤال السائل ما كانوا يريدونه من طلب دعاء النبي ◌َّ لهم)). قوله: (قحط المطر) إلخ: هو بفتح القاف، وفتح الحاء وكسرها، أي أمسك. ٤٣٥ كتاب: صلاة الاستسقاء وَاحْمَرَّ الشَّجَرُ، وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ مِنْ رِوَايَةٍ عَبْدِ الأَعْلَى: فَتَقَشَّعَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ. فَجَعَلَتْ تُمْطِرُ حَوَالَيْهَا. وَمَا تُمْطِرُ بِالْمَدِينَةِ قَظْرَةٌ. فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَإِنَّهَا لَفِي مِثْلِ الإِكْلِيلِ. ٢٠٧٨ - (١١) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، بِنَحْوِهِ. وَزَادَ: فَأَلَّفِّ اللَّهُ بَيْنَ السَّحَابِ. وَمَكَثْنَا حَتَّى رَأَيْتُ الرَّجُلَ الشَّدِيدَ تُهِمُّهُ نَفْسَّهُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ. ٢٠٧٩ - (١٢) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي أُسَامَةُ؛ أَنَّ حَفْصَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَ أَعْرَابِيٍّ إِلَى رَسُولِ اللّهِ إِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَزَادَ: فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلاَءُ حِينَ تُطْوَى. قوله: (واحمر الشجر) إلخ: واحمرارها كناية عن يبس ورقها، لعدم شربها الماء، أو لانتثاره، فتصير الشجر أعواداً بغير ورق. قوله: (فتقشعت) إلخ: أي زالت. قوله: (وما تمطر بالمدينة قطرة) إلخ: بضم التاء من ((تمطر))، وبنصب ((قطرة)). قوله: (لفي مثل الإكليل) إلخ: بكسر الهمزة وسكون الكاف، كل شيء دار من جوانبه. واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط بها، وهو من ملابس الملوك كالتاج. قوله: (حتى رأيت الرجل الشديد) إلخ: أي القوي. قوله: (تهمه نفسه) إلخ: قال النووي: ((ظبطناه بوجهين: فتح التاء مع ضم الهاء، وضم التاء مع كسر الهاء، يقال: همه الشيء وأهمه، أي: اهتم له. ومنهم من يقول: همه أذابه، وأهمه : غمه)). ولابن خزيمة في رواية حميد: ((حتى أهم الشاب القريب الدار الرجوع إلى أهله)). قوله: (ثنا ابن وهب قال: حدثني أسامة) إلخ: هو أسامة بن زيد الأيلي مولاهم، مشهور، هو شيخ ابن وهب. روى عنه الكبار: الثوري، وابن المبارك، ووكيع، خرج عنه مسلم وحده. قاله الأبي ناقلاً عن عياض كثُّ. قوله: (كأنه الماحين تطوى) إلخ: في مجمع البحار: ((هو بالضم والمد، جمع ملاءة، وهي الإزار والريطة. وقيل: الجمع ملأ بغير مد، والأول أثبت، شبه تفرق واجتماع بعضه إلى بعض في أطراف السماء بالإزار إذا جمع أطرافه وطوى)). ٤٣٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٢٠٨٠ - (١٣) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ(١). قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ مَطَرٌ. قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ ثَوْبَهُ. حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ صَنَعْتَ لهُذَا؟ قَالَ: ((لأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَىْ))(٢). (٣) - باب: التعوّذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر ٢٠٨١ - (١٤) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ (يَعْنِي ابْنَ بِلاَلٍ) عَنْ جَعْفَرِ (وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ) عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةً(٣) زَوْجَ قوله: (فحسر رسول الله وَ﴿ ثوبه) إلخ: أي كشف بعض ثوبه. قال الطيبي: ((أي عن بدنه)). وقال القاري: ((الأظهر عن رأسه))، لكن في رواية الحاكم: ((حسر ثوبه عن ظهره)). قوله: (حتى أصابه من المطر) إلخ: قال القاري: ((وروى الشافعي تَُّ بإسناد ضعيف: ((أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سال السيل قال إقربوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهراً فنتطهر منه، ونحمد الله عليه)) وقد سئل ابن عباس عن ذلك، فقال: ((أو ما قرأت: ((وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً (٤) فأحب أن ينالني من بركته)). قال في رد المحتار: ((ويستحب الدعاء عند نزول الغيث، وأن يخرج إليه عند نزوله ليصيب جسده منه)). قوله: (حديث عهد بربه) إلخ: قال القاري: ((أي جديد النزول بأمر ربه، فيكون كالطفل الصغير، والنبت، والزهر في الربيع ما اختلط بالمخلطين، ولا تؤثر فيه مباشرة العاصين. قال (١) قوله: (عن أنس) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب ما جاء في المطر، رقم (٥١٠٠) وأحمد في مسنده (٣: ١٣٣ و٢٦٧). (٢) وفي نسخة بعد هذا الحديث: ((حدثنا أبو أحمد، أخبرنا السراج، قال: نا قتيبة، قال: أنا جعفر بن سليمان، بمثل معناه)). من المؤلف تغلّثُ تعالى. (٣) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: وهو يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، رقم (٣٢٠٦) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الأحقاف، باب ((فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ..... )) رقم (٤٨٢٨) و(٤٨٢٩) وفي كتاب الأدب، باب التبسم والضحك، رقم (٦٠٢٩)) وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب ما يقول إذا هاجت الريح، رقم (٥٠٩٨) و(٥٠٩٩) والترمذي في جامعه، في كتاب التفسير، باب من سورة الأحقاف، رقم (٣٢٥٧) وفي كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا هاجت الريح، رقم (٣٤٤٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا رأى السحاب والمطر، رقم (٣٨٨٩ - ٣٨٩١) وأحمد في مسنده (٦: ١٣٧ و١٩٠). (٤) قآ ١٠ هكذا في ((المرقاة)) للقاري (٣: ٣٣٤) والآية ((ونزلنا ... )) مكان ((أنزلنا)). ٤٣٧ كتاب: صلاة الاستسقاء النَّبِيِّ وَّهِ تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذُلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَذْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ، سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذُلِكَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: ((إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَاباً سُلْطَ عَلَى أُمَّتِي)). وَيَقُولُ، إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: ((رَحْمَةٌ)). ٢٠٨٢ - (١٥) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجِ يُحَدِّثُنَا، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ عَائِشَةً، زَوْجِ النَّبِيِّ وَّةِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِّ ◌َه إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَاً، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. التوربشتي كفُّ: ((أراد أنه قريب عهده بالفطرة، وأنه هو الماء المبارك الذي أنزله الله تعالى من المزن ساعتئذٍ، فلم تمسه الأيدي الخاطئة، ولم تكدره ملاقاة أرض عبد عليها غير الله)). قال المظهر: ((فيه تعليم لأمته أن يتقربوا ويرغبوا في ما فيه خير وبركة)). قوله: (والغيم) إلخ: أي السحاب. قوله: (عرف ذلك) إلخ: أي التغير. قال الطيبي: ((أي ظهر أثر الخوف في وجهه مخافة أن يحصل من ذلك السحاب أو الريح مافيه ضرر الناس، دل نفي الضحك البليغ أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فرحاً لاهياً بطراً، ودل إثبات التبسم على طلاقه وجهه، ودل أثر خوفه من رؤية الغيم أو الريح على رأفته ورحمته على الخلق، وهذا هو الخلق العظيم)). قوله: (وأقبل وأدبر) إلخ: أي لا يستقر في حال من الخوف. قوله: (فإذا مطرت) إلخ: أي السحاب، يقال: مطرت السماء، وأمطرت، بمعنى. قوله: (سربه) إلخ: كان سروره لزوال سبب الخوف ونزول رحمة الله تعالى. قوله: (وذهب عنه ذلك) إلخ: أي زال عنه ذلك الأثر الذي حصل بسبب الخوف. وفي رواية لأبي داود والنسائي: ((كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء ترك العمل، فإن كشف حمد الله، فإن أمطرت قال: اللهم صيباً نافعاً)). قوله: (إني خشيت أن يكون عذاباً) إلخ: قال النووي: «فيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه ◌ّي أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره لزوال سبب الخوف)). قوله: (إذا رأى المطر: رحمة) إلخ: أي هذا رحمة. قاله النووي كَذُّهُ. قوله: (إذا عصفت الريح) إلخ: أي اشتد هبوبها . قوله: (خيرها) إلخ: أي خير ذاتها، وخير ما فيها من منافعها كلها . قوله: (وخير ما أرسلت به) إلخ: أي بخصوصها في وقتها، وهو بصيغة المفعول، وفي نسخة بالبناء للفاعل. قال الطيبي كثّفُ: ((يحتمل الفتح على الخطاب))، و((شر ما أرسلت)) على ٤٣٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ)) قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَذْبَرَ. فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ. فَعَرَفْتُ ذُلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: ((لَعَلَّهُ، يَا عَائِشَةُ، كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ : بناء المفعول، ليكون من قبيل ((أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم)) وقوله وَيقول: ((الخير كله بيديك والشر ليس إليك)) كذا في المرقاة. قوله: (وشر ما أرسلت به) إلخ: على بناء المفعول فيجميع النسخ، قاله القاري تَّثُ في المرقاة . قوله: (وإذا تخيلت السماء) إلخ: أي تغيمت وتخيل منها المطر. قال الطيبي: السماء هنا بمعنى السحاب، وتخيلت السماء: إذا ظهر في السماء أثر المطر. وفي النهاية: ومنه: ((إذا رأى المخيلة أقبل وأدبر)) والمخيلة: موضع الخيال، وهو الظن، كالمظنة، وهي السحابة الخليقة بالمطر. قوله: (تغير لونه) إلخ: من خشية الله، ومن رحمته على أمته، وتعليماً لهم في متابعته. قوله: (وخرج ودخل) إلخ: أي خرج من البيت تارة، ودخل أخرى. قوله: (سرى عنه) إلخ: بضم المهملة وتشديد الراء، بلفظ المجهول، أي كشف الخوف وأزيل عنه. في النهاية: ((يقال: سروت الثوب وسرويته إذا خلعته، والتشديد فيه للمبالغة. وتجويز ابن حجر كثّهُ التخفيف مخالف للأصول. كذا في المرقاة. قوله: (لعله يا عائشة كما قال قوم عاد) إلخ: أي لعل هذا السحاب مثل الذي قال في حقه قوم عاد: ((هذا عارض ممطرنا)) قال الحافظ: ((وفي الحديث تذكر ما يذهل المرء عنه مما وقع للأمم الخالية، والتحذير من السير فيسبيلهم خشية من وقوع مثل ما أصابهم، وفيه شفقته بَير على أمته ورأفته بهم، كما وصفه الله تعالی. قال ابن العربي: ((فإن قيل: كيف يخشى النبي ولو أن يعذب القوم وهو فيهم، مع قوله تعالى : : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. والجواب: أن الآية نزلت بعد هذه القصة، ويتعين الحمل على ذلك، لأن الآية دلت على كرامة له رَ﴾ رفعه، فلا يتخيل انحطاط درجته أصلاً. قلت: ويعكر عليه أن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة إشعار بأنه كان يواظب على ذلك من صنيعه: ((كان إذا رأى فعل كذا)) والأولى في الجواب: ((أن يقال: إن في آية الأنفال احتمال التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت، أو مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله. وأولى من الجميع أن يقال: خشي على من ليس هو فيهم ٤٣٩ كتاب: صلاة الاستسقاء ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. ٢٠٨٣ - (١٦) وحدّثني هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ مُسْتَجْمِعاً ضَاحِكاً. حَتَّى أَرَىْ مِنْهُ لَهَوَاتِّهِ. إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَىْ غَيْماً أَوْ رِيحاً، عُرِفَ ذُلِكَ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَى النَّاسَ، إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ، فَرِحُوا. رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ. وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ، عَرَفْتُ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ؟ قَالَتْ: فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ. قَدْ عُذُّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ. وَقَدْ رَأَىْ قَوْمُ الْعَذَابَ فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضُ مُخْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. أن يقع بهم العذاب، أما المؤمن فشفقة عليه لإيمانه، وأما الكافر فلرجاء إسلامه، وهو بعث رحمة للعالمين. قوله: (هذا عارض ممطرنا) إلخ: أي سحاب عرض ليمطر قال: تعالى رداً عليهم: ﴿بَلَ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ - أي من العذاب - رِيعُ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ اُلْمُجْرِمِينَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥] فظهرت منه ريح، فأهلكتهم، فلا يجوز لأحد أن يأمن من عذاب الله تعالى. قوله: (مستعجماً) إلخ: قال النووي: المستجمع: المجد في الشيء القاصد له. قوله: (حتى أرى منه لهواته) إلخ: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة على الحنك قاله الأصمعي. قوله: (إنما كان يتبسم) إلخ: قال الطيبي: ((فإن قلت: كيف الجمع بين هذا الحديث وبين ما روى أبو هريرة في حديث الأعرابي من ظهور النواجذ، وذلك لا يكون إلا عند الاستغراق في الضحك وظهور اللهوات؟ قلت: ما قالت عائشة: ((لم يكن)) بل قالت: ((ما رأيت)) وأبو هريرة شهد ما لم تشهده عائشة، وأثبت ما ليس في خبرها، والمثبت أولى بالقبول من النافي، أو كان التبسم على سبيل الأغلب وظهور النواجذ على سبيل الندرة، أو المراد بالنواجذ مطلق الأسنان أي لا أواخرها». قال ميرك ((جوابه الأول غير سديد، لأن ظهور النواجذ ثبت في حديث عائشة أيضاً، أي حديثها الذي رواه أبو داود في الاستسقاء، ولفظه: ((فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه كما في المشكاة. ٤٤٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤) - باب: في ريح الصبا والدبور ٢٠٨٤ - (١٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١)، عَنِ النَّبِيِّ وََّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالصَّبَا. قوله: (نصرت بالصبا) إلخ: بفتح المهملة بعدها باء مقصورة، يقال لها: القبول - بفتح القاف ـ لأنها تقابل باب الكعبة، إذ مهبها من مشرق الشمس، وضدها: الدبور، وهي التي أهلكت بها قوم عاد، ومن لطيف المناسبة كون القبول نصرت أهل القبول، وكون الدبور أهلكت أهل الإدبار، وأن الدبور أشد من الصبا، لما سندركه في قصة عاد أنها لم يخرج منها إلا قدر ﴾ [الحاقة: ٨] ولما علم الله يسير، ومع ذلك استأصلتهم. قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّنْ بَاقَِةِ رأفة نبيه وَ ﴿ بقومه رجاء أن يسلموا سلط عليهم الصبا، فكانت سبب رحيلهم عن المسلمين لما أصابهم بسببها من الشدة، ومع ذلك فلم تهلك منهم أحد، ولم تستأصلهم. ومن الرياح أيضاً: الجنوب والشمال، فهذه الأربع تهب من الجهات الأربع، وأي ربح هبت من بين جهتين منها يقال لها: النكباء، بفتح النون، وسكون الكاف، بعدها موحدة، ومد، كذا في الفتح. قلت: ولا منافاة بين حديث ابن عباس هذا وبين ما يقتضيه حديث عائشة الذي قبله من قولها: ((وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه)) فإن الخشية من شيء لا تستلزم ترتب ما يخشى منه عليه، بل لا يبعد أن يرتب الله سبحانه وتعالى عليه ضد ما كان يخشى منه ببركة هذه الخشية، والله أعلم. قال الحافظ تقذفُ: (يشير ◌َّ﴿ بقوله: نصرت بالصبا)) إلى قوله تعالى في قصة الأحزاب: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَأْ﴾ [الأحزاب: ٩] وروى أحمد من حديث أبي سعيد قال: ((قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله؟ قد بلغت القلوب الحناجر، قال: نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح، فهزمهم الله عز وجل بالریح)». (١) قوله: (عن ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الاستسقاء، باب قول النبي ◌َّ: نصرت بالصبا، رقم (١٠٣٥) وفي كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: وهو الذي يرسل الرياح بين يدي رحمته، رقم (٣٢٠٥) وفي كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: وإلى عاد أخاهم هوداً، رقم (٣٣٤٣) وفي كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، رقم (٤١٠٥) وأحمد في مسنده (١: ٢٢٨ و٣٢٤ و٣٤١ و٣٥٥ و٣٧٣). قال القاري تثاثُ عن هذا الحديث في ((مرقاة المفاتيح)) (٣: ٣٤٠): ورواه النسائي، قاله ميرك ولكني لم أجده في ((السنن الصغرى)) لخ. والله أعلم.