النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب: صلاة العيدين
(٢) - باب: ترك الصلاة، قبل العيد وبعدها، في المصلى
٢٠٥٤ - (١٣) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحِى أَوْ
فِظْرٍ. فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ. لَمْ يُصَلِّ قَبْلُهَا وَلاَّ بَعْدَهَا. ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ. فَأَمَرَهُنَّ
على سبيل المبالغة، أي يخرجن على كل حال، ولو اثنتين في جلباب)) اهـ.
قال النووي: ((والجلباب قال النضر بن شميل: هو ثوب أقصر وأعرض من الخمار، وهي
المقنعة، تخطىء به المرأة رأسها، وقيل: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطي بها صدرها
وظهرها، وقيل: هو كالملاءة والملحفة. وقيل: هو الإزار، وقيل الخمار)).
أقوال العلماء في التنفل قبل صلاة العيد
وبعدها هل هو مندوب، أو مباح، أو مكروه
قوله: (لم يصل قبلها ولا بعدها) إلخ: قال الحافظ: ((ليس في حديث الباب ما يدل على
المواظبة، فيحتمل اختصاصه بالإمام دون المأموم، أو بالمصلى دون البيت، وقد اختلف السلف
في جميع ذلك فذكر ابن المنذر عن أحمد أنه قال الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون
يصلون قبلها لا بعدها، المدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قال الأوزاعي والثوري الحنفية،
وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة، وبالثالث قال الزهري، وابن جريج، وأحمد. وأما مالك
فمنعه في المصلى، وعنه في المسجد روايتان. وقال الشافعي في الأم، ونقله البيهقي عنه في
المعرفة، بعد أن روى حديث ابن عباس حديث الباب ما نصه: وهكذا يجب للإمام أن لا يتنفل
قبلها ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك. ثم بسط الكلام في ذلك.
وقال الرافعي يكره للإمام التنفل قبل العيد وبعدها، وقيده في البويطي بالمصلى، وجرى
على ذلك الصميري، فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها ممطلقاً إلا للإمام في موضع الصلاة.
وأما النووي في شرح مسلم فقال: ((قال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في
الصلاة قبلها ولا بعدها، فإن حمل كلامه على المأموم وإلا فهو مخالف لنص الشافعي المذكور.
ويؤيد ما في البويطي حديث أبي سعيد: ((أن النبي ◌َّ كان لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا
رجع إلى منزله صلى ركعتين)) أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال
إسحاق، ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنقل في المصلى، وقال ابن العربي:
(١) قوله: (عن ابن عباس) قد تقدم تخريج هذا الحديث تحت رقم (٢٠٥٣) فاتحة كتاب صلاة العيدين. فارجع
إليه .

٤٠٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِالصَّدَقَةِ. فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَتُلْقِي سِخَابَهَا .
٢٠٥٥ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ
نَافِعِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. جَمِيعاً عَنْ غُنْدَرٍ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٣) - باب: ما يُقرأ به في صلاة العيدين
٢٠٥٦ - (١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ
((التنفل في المصلى لو فعل لنقل، ومن أجازه رأى أنه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن
النبي ◌ُّلقر لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى)) انتهى.
قلت: وما نقله من مذهب الحنفية ففيه قصور، قال ابن الهمام في الفتح: ((وعامة المشايخ
على كراهة التنفل قبلها في المصلى والبيت، وبعدها في المصلى خاصة، لما في الكتب الستة
عن ابن عباس: ((أن النبي ◌َّ خرج فصلى بهم العيد، لم يصل قبلها ولا بعدها))، وأخرج
الترمذي عن ابن عمر: ((أنه خرج في يوم عيد، فلم يصل قبلها ولا بعدها، وذكر أن النبي وَلّ
فعله)) صححه الترمذي، وهذا النفي بعد الصلاة محمول عليه في المصلى، لما روى ابن ماجه
فذكر حديث أبي سعيد الذي حسن إسناده الحافظ كثّفُ وروى أحمد بمعناه كما في المنتقى،
وهكذا حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً عند أحمد: ((لا صلاة يوم العيد قبلها ولا بعدها)) كما في
نيل الأوطار وشرح الإحياء - إن صح - يحمل على المصلى دون البيت، والله أعلم.
وفي رد المحتار: ((قال في منح الغفار: أقول: وهكذا استدل به (أي بحديث ابن عباس،
حديث الباب) الشراح على الكراهة، وعندي في كونه مفيداً للمدعي نظر، لأن غاية ما فيه أن
ابن عباس حكى أنه عليه الصلاة والسلام خرج فصلى بهم العيد ولم يصل .... إلخ وهذا لا
يقتضي أن ترك ذلك كان عادة له، وبمثل هذا لا تثبت الكراهة، إذ لا بد لها من دليل خاص،
كما ذكره صاحب البحر)) اهـ.
قلت: لكن ذكر العلامة نوح أفندي: ((أن لا وجه الاستدلال ما ذكروه في كراهة التنفل بعد
طلوع الفجر بأكثر من ركعتيه من أنه ومليار كان حريصاً على الصلاة، فعدم فعله يدل على الكراهة،
إذ لولاها لفعله مرة بياناً للجواز» اهـ.
قلت: هذا مسلم فيما إذا تكرر منه ذلك، أما عدم الفعل مرة: فلا، وليس في حديث ابن
عباس المار ما يفيد التكرار، فافهم.
قوله: (وتلقى سخابها) إلخ: بكسر المهملة، ثم معجمة، ثم موحدة، هو قلادة من عنبر أو
قرنفل، أو غيره، ولا يكون فيه خرز، وقيل: هو خيط فيه خرز، وسمي سخاباً لصوت خرزه عند
الحركة، مأخوذ من السخب، وهو اختلاط الأصوات، يقال: بالصاد والسين، وجمعه: سخب،
ککتاب، وكتب، كذا في الفتح.

٤٠٣
كتاب: صلاة العيدين
سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدِ اللَّيْنِيَّ: مَا
كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فِي الأَضْحَى وَالْفِظْرِ؟ فَقَالَ: كَانَّ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِقَ والقرآن
المجيد))، وَ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)).
٢٠٥٧ - (١٥) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ. حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ،
عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ (١)؛ قَالَ:
سَأَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: عَمَّا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؟ فَقُلْتُ: بـ ((اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ))، وَ((قَ والقرآن المجيد)).
قوله: (عن عبيد الله أن عمر بن الخطاب) إلخ: قال النووي تغذّفُهُ: ((وفي الرواية الأخرى
عن عبيد الله عن أبي واقد قال: ((سألني عمر بن الخطاب ... )) هكذا هو في جميع النسخ،
فالرواية الأولى مرسلة، لأن عبيد الله لم يدرك عمر، ولكن الحديث صحيح بلا شك، متصل من
الرواية الثانية، فإنه أدرك أبا واقد بلا شك، وسمعه بلا خلاف، فلا عتب على مسلم حينئذٍ في
روايته، فإنه صحيح متصل، والله أعلم)).
قوله: (سال أبا واقد الليثي) إلخ: قال النووي: ((قالوا: يحتمل أن عمر رَبه شك في
ذلك، فاستثبته، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو نحو هذا من المقاصد، قالوا: ويبعد أن عمر لم
يكن يعلم ذلك مع شهوده صلاة العيد مع رسول الله ثلټ مرات، وقربه منه. اهـ.
قال العراقي: ((ويحتمل أن عمر كان غائباً في بعض الأعياد عن شهوده، وأن ذلك الذي
شهده أبو واقد كان في عيد واحد أو أكثر، قال: ولا عجب أن يخفى على الصاحب الملازم
بعض ما وقع من مصحوبه، كما في قصة الاستئذان ثلاثاً، وقول عمر: ((خفي على هذا من
رسول الله (#، ألهاني الصفق بالأسواق)) انتهى.
وأبو واقد الليثي - بالقاف - اسمه الحارث بن عوف، أو ابن مالك، واسمه عوف بن
الحارث ابن أسد، المدنى، الصحابي
ـبه .
قوله: (وقاف والقرآن المجيد) إلخ: قال الشوكاني بعد ذكر الأحاديث الواردة في الباب:
((وأكثر أحاديث الباب تدل على استحباب القراءة في العيدين بـ((سبح اسم ربك الأعلى))
(١) قوله: (أبا واقد الليثي) الحديث أخرجه النسائي في سننه،، في كتاب صلاة العيدين، باب القراءة في
العيدين ب(ق)) و((اقتربت)) رقم (١٥٦٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقرأ في الأضحى
والفطر، رقم (١١٥٤) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في القراءة في العيدين، رقم
(٥٣٤) و(٥٣٥) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القراءة في صلاة
العيدين، رقم (١٢٨٢) وأحمد في مسنده (٥: ٢١٨ و٢١٩).

٤٠٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤) - باب: الرخصة في اللعب، الذي لا معصية فيه، في أيام العيد
٢٠٥٨ - (١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ.
و((الغاشية)) وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، وذهب الشافعي إلى استحباب القراءة فيهما بـ(ق))
و((اقتربت)) لحديث أبي واقد، واستحب ابن مسعود القراءة فيهما بأوساط المفصل من غير تقييد
بسورتين معينتين. وقال أبو حنيفة والهادوية: ليس فيه شيء مؤقت، وروى ابن أبي شيبة: ((أن أبا
بكر قرأ في يوم عيد بالبقرة، حتى رأيت الشيخ يمتد من طول القيام)) وقد جمع النووي بين
الأحاديث، فقال: كان في وقت يقرأ في العيدين بـ(ق)) و((اقتربت)) وفي وقت ((بسبح)) و((هل أتاك))
وقد سبقه إلى مثل ذلك الشافعي تَذَقُ .
(ووجه الحكمة) في القراءة في العيدين بالسور المذكورة أن في سورة (سبح)) الحث على
الصلاة وكماة الفطر، على ما قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، في تفسير قوله
تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّى ﴿ وَذَكَرَ أَسْمَ رَبِّهِ، فَصَلَّ ﴾﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] فاختصت الفضيلة بها
كاختصاص الجمعة بسورتها، وأما الغاشية فللموالاة بين (سبح)) وبينها، كما بين ((الجمعة))
و(المنافقين)) وأما سورة ((ق)) و((اقتربت)) فنقل النووي تَُّ في شرح مسلم عن العلماء: أن ذلك
لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه
بروز الناس في العيد ببروزهم في البعث، وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر)) اهـ.
وقال صاحب البدائع من أصحابنا: ((وقد روى عن رسول الله وَ﴾ ((أنه كان يقرأ في صلاة
العيد (سبح اسم ربك الأعلى)) و((هل أتاك حديث الغاشية)) فإن تبرك بالاقتداء برسول الله وَّل في
قراءة هاتين السورتين في أغلب الأحوال فحسن، لكن يكره أن يتخذ بهما حتماً، لا يقرأ فيها
غيرهما، لما ذكرنا في الجمعة، ويجهر بالقراءة، كذا ورد النقل المستفيض عن النبي وَلّ بالجهر
به، وبه جرى التوارث من الصدر الأول إلى يومنا هذا)) اهـ.
قوله: (وعندي جاريتان) إلخ: قال الحافظ: ((وفي العيدين لابن أبي الدنيا من طريق فليح،
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة. باب أصحاب الحراب في
المسجد، رقم (٤٥٤) و(٤٥٥) وفي كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد، رقم (٩٤٩) و(٩٥٠
وباب سنة العيدين لأهل الإسلام، رقم (٩٥٢) وباب إذا فاته العيد يصلي ركعتين، رقم (٩٨٧) و(٩٨٨)
وفي كتاب الجهاد، باب الدرق، رقم (٢٩٠٦) و(٢٩٠٧) وفي كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول
النبي ◌َّلر يا بني أرفدة، رقم (٣٥٢٩) و(٣٥٣٠) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب مقدم النبي ◌َّ وأصحابه
المدينة، رقم (٣٩٣١) وفي كتاب النكاح، باب حسن المعاشرة مع الأهل، رقم (٥١٩٠) وباب نظر المرأة
إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة، رقم (٥٢٣٦) والنسائي في سننه في كتاب صلاة العيدين، باب ضرب =

٤٠٥
كتاب: صلاة العيدين
تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ، يَوْمَ بُعَاثٍ. قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:
أَبِمُزْ مُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ بَ؟ وَذُلِكَ فِي يَوْم عِيدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّى: (يَا
عن هشام بن عروة: ((وحمامة وصاحبتها تغنيان)) وإسناده صحيح، ولم أقف على تسمية الأخرى))
اهـ.
ثم قال في ((باب النسوة التي يهدين المرأة إلى زوجها)) من ((أبواب النكاح)): ((وفي حديث
جابر عند المحاملي: ((أدركيها يا زينب)) - امرأة كانت تغني بالمدينة - ويستفاد منه تسمية المغنية
الثانية في القصة التي وقعت في حديث عائشة الماضي في العيدين، حيث جاء فيه: ((دخل عليها
وعندها جاريتان تغنيان)) وكنت ذكرت هناك أن اسم إحداهما ((حمامة)) كما ذكره ابن أبي الدنيا
في كتاب العيدين له بإسناد حسن وإني لم أقف على اسم الأخرى وقد جوزت الآن أن تكون هي
زينب هذه.
قوله: (بما تقاولت به الأنصار) إلخ: أي قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء.
قوله: (يوم بعاث) إلخ: بضم الموحدة، وبعدها مهملة، وآخره مثلثة. قال عياض ومن
تبعه: ((أعجمها أبو عبيدة وحده، وقال ابن الأثير في الكامل: أعجمها صاحب العين - يعني
الخليل، وحده، وكذا حكى أبو عبيدة البكري في معجم البلدان عن الخليل، وجزم أبو موسى
في ذيل الغريب بأنه تصحيف، وتبعه صاحب النهاية.
قال البكري: هو موضع من المدينة على ليلتين. وقال أبو موسى النهاية: هو اسم حصن
للأوس. وفي كتاب أبو الفرج الإصفهاني في ترجمة أبي قيس ابن الأسلت: هو موضع في دار
بني قريظة، فيه أموال لهم، وكان موضع الوقعة في مزرعة لهم هناك، ولا منافاة بين القولين.
وقال صاحب المطالع: الأشهر فيه ترك الصرف. كذا في الفتح.
قال النووي: ((وهو يوم جرت فيه بين قبيلتي الأنصار: الأوس والخزرج في الجاهلية
حرب، وكان الظهور فيه للأوس)).
قوله: (وليستا بمغنيتين) إلخ: أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات
بذلك. قال القرطبي، وليس الغناء عادة لهما. قاله النووي.
قوله: (أبمزمور الشيطان) إلخ: بضم الميم الأولى، وفتحها، والضم أشهر، ولم يذكر
الدف يوم العيد، رقم (١٥٩٤) اللعب بين يدي الإمام يوم العيد، رقم (١٥٩٥) وباب اللعب في المسجد
=
ونظر النساء إلى ذلك، رقم (١٥٩٦) و(١٥٩٧) وباب الرخصة في الاستماع إلى الغناء وضرب الدف يوم
العيد، رقم (١٥٩٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب النكاح، باب الغناء والدف، رقم (١٨٩٨) وأحمد في
مسنده (٦: ٣٣ و٨٤ و٩٩ و١٢٧ و١٣٤).

٤٠٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَبًا بَكْرٍ ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً. وَهُذَا عِيدُنَ)(١).
القاضي غيره. ويقال أيضاً: مزمار - بكسر الميم - وأصله صوت بصفير، والزمير: الصوت
الحسن، ويطلق على الغناء أيضاً. قاله النووي.
قوله: (إن لكل قوم عيداً) إلخ: أي لكل من الطوائف عيد، كالنيروز والمهرجان. وفي
النسائي وابن حبان بإسناد صحيح عن أنس: ((قدم النبي والتر المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما،
فقال: قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما: يوم الفطر، والأضحى)) واستنبط منه كراهة الفرح في
أعياد المشركين، والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنيفة، فقال: من
أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيماً لليوم: فقد كفر بالله تعالى)).
قوله: (وتضربان) إلخ: أي بالدف، كما هو مصرح في الروايات. قال عياض: «فيه جواز
اللعب بالدف في الأفراح ما لم يكثر، والدف هو المدور المغشى من جهة واحدة، المسمى
بالغربال.
(قلت): في الغريبين ((الدف الجنب، ومنه: دفتا المصحف، شبهتا بجنبين، وسمي به
الشكل المعروف، لأنه متخذ من جلد الجنب)).
قوله: (مسجی بثوبه) إلخ: أي مغطی به.
قوله: (فانتهزهما أبو بكر) إلخ: أي زجرهما بكلام غليظ عن الغناء بحضرته وَّه.
قوله: (فإنها أيام عيد) إلخ: قال الحافظ: ((ففيه تعليل الأمر بتركهما، وإيضاح خلاف ما
ظنه الصديق من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه وَل*، لكونه دخل فوجده مغطى بثوبه، فظنه نائماً،
فتوجه له الإنكار عن ابنته من هذه الأوجه، مستصحباً لما تقرر عنده من منع الغناء واللهو، فبادر
إلى إنكار ذلك قياماً عن النبي وسلم بذلك، مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبي ◌َّ الحال،
وعرفه الحكم مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد أي يوم سرور شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا كما
لا ينكر في الأعراس، وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصديق إنكار شيء أقره
النبي ◌َّ؟ وتكلف جواباً لا يخفى تعسفه.
ويحتمل أن يكون أبو بكر ظن أن النبي وسل* نام، فخشي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته،
فبار إلى سد هذه الذريعة)) كذا في الفتح.
ويمكن أن يقال: إن أبا بكر أيضاً لم يكن يعتقد تحريم مثل هذا الغناء الذي شاهده في
بيت ابنته، ولكنه اعتقده مباحاً بإباحة مرجوحة، وفهم من إعراضه وَ﴿ أيضاً نفي انبغائه، وأطلق
(١) وفي نسخة: ((وحدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا الحسن بن بشر، نا أبو أسامة، عن هشام بن عروة،
عن أبيه بهذا الحديث)). من المؤلف تخلّثُ تعالى.

٤٠٧
کتاب: صلاة العيدين
٢٠٥٩ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ
هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِيهِ: جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفِّ.
عليه مزمار الشيطان باعتبار جنس الغناء، لا بالنظر إلى هذا الفرد الخاص ورأى أن مواضع أهل
الخير والصلاح - ولا سيما سيدهم وقدوتهم - ينبغي أن تنزه عن اللهو واللغو مطلقاً، وإن لم يكن
فيه إثم، وحمل سكوته وّير على لينه وحسن خلقه وإغماضه عن فعل ما لا يخرج عن حد
الإباحة، وإن كان غير مرضي عنده، فمنعه رسول الله وَّ ر من التغليظ والتشديد فيه، ونبه على أن
إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، كما قاله الحافظ. وأنه يغتفر بل يندب فيها من التوسع
في المباحات ما لا يحمد ولا يندب في غيرها، والله تعالى أعلم.
استدلال المتصوفة على إباحة الغناء وسماعه بالآلات والرد عليهم
قال الحافظ: ((واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء وسماعه بآلة
وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة بقولها: ((وليستا بمغنيتين)) فنفت عنهما من طريق
المعنى ما أثبته لهما باللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت، وعلى الترنم الذي تسميه العرب
النصب - بفتح النون، وسكون المهملة - وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنياً، وإنما يسمى
بذلك من ينشد بتمطيط، وتكسير، وتهييج، وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش، أو تصريح.
قال القرطبي: قولها: ((وليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يعرف الغناء، كما يعرفه المغنيات
المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك
الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما
من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه. قال: وأما ما ابتدعته المتصوفة في ذلك فمن قبيل ما لا
يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد
ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة، وتقطيعات
متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك
يثمر سني الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل المخرفة والله المستعان)) اهـ.
وينبغي أن يعكس مرادهم ويقرأ ((سيىء)) عوض النون الخفيفة المكسورة بغير همزٍ، بمثناة
تحتانية ثقيلة مهموزاً .
ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات، كالعود
ونحوه، وأما التفافه وَ لّر بثوبه ففيه إعراض عن ذلك، لكون مقامه يقتضي أن يرتفع عن الإصغاء
إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره، إذ لا يقر على
باطل، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتاً وكيفية، تقليلاً
لمخالفة الأصل، والله أعلم» اهـ.

٤٠٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وفي المرقاة: ((قال الأشرف: فيه دليل على أن السماع وضرب الدف غير محظور، لكن
في بعض الأحيان، أما الإدمان عليه فمكروه، ومسقط للعدالة، ماح للمروءة.
قال ابن الملك: في الحديث دليل على أن ضرب الدف جائز إذا لم يكن له جلاجل، وفي
بعض الأحيان، وأن إنشاد الشعر الذي ليس بهجو ولا سب: جائز)).
وفي فتاوى قاضيخان: ((استماع صوت الملاهي - كالضرب بالقضيب ونحو ذلك - حرام
ومعصية، وإن سمع بغتة فلا إثم عليه، ويجب عليه أن يجتهد كل الجهد حتى لا يسمع.
وأما قراءة أشعار العرب فما كان فيها من ذكر الفسق والخمر والغلام: مكروه، لأنه ذكر
الفواحش)) اهـ.
وفي الدر المختار: ((وكره كل لهو لقوله عليه الصلاة والسلام: ((كل لهو المسلم حرام إلا
ثلاثة: ملاعبته أهله، وتأديبه لفرسه، ومناضلته بقوسه)) اهـ.
قال ابن عابدين كثّفُ: ((قوله: ((وكره كل لهو)) أي كل لعب وعبث، فالثلاثة بمعنى واحد،
كما في شرح التأويلات، والإطلاق شامل لنفس الفعل واستماعه، كالرقص، والسخرية،
والتصفيق وضرب الأوتار من الطنبور، والبربط، والرباب، والقانون، والمزمار، والصنج،
والبوق، فإنها كلها مكروهة، لأنها زي الكفار، واستماع ضرب الدف والمزمار وغير ذلك
حرام، وإن سمع بغتة يكون معذوراً، ويجب أن يجتهد أن لا يسمع)). قهستاني.
وفي الدر المختار من كتاب الحظر والإباحة قبيل فصل اللبس: ((دلت المسألة على أن
الملاهي كلها حرام، ويدخل عليهم بلا إذنهم لإنكار المنكر. قال ابن مسعود: ((وصوت اللهو
والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء النبات)).
قلت: وفي البزازية: ((استماع صوت الملاهي - كضرب قضيب ونحوه - حرام، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((استماع الملاهي معصية، والجلوس عليه فسق، والتلذذ بها كفر)) أي بالنعمة،
فصرف الجوارح إلى غير ما خلق لأجله كفر بالنعمة لا شكر، فالواجب كل الواجب أن يجتنب
كي لا يسمع، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام أدخل إصبعه في أذنه عند سماعه، وأشعار
العرب ۔ لو فیھا ذکر الفسق ـ تکره)) انتهى.
قال العلامة ابن عابدين تغلُّ بعد نقل أقوال: ((زاد في الجوهرة: وما يفعله متصوفة زماننا
حرام، لا يجوز القصد والجلوس إليه، ومن قبلهم لم يفعل كذلك، وما نقل أنه ظلّلا سمع
الشعر: لم يدل على إباحة الغناء، ويجوز حمله على الشعر المباح المشتمل على الحكمة
والوعظ، وحديث تواجده عليه الصلاة والسلام لم يصح.
وكان النصراباذي يسمع فعوتب، فقال: إنه خير من الغيبة، فقيل له: هيهات بل زلة
السماع شر من كذا وكذا سنة يغتاب الناس.

٤٠٩
كتاب: صلاة العيدين
وقال السري: شرط الواجد في غيبته أن يبلغ إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لا يشعر فيه
بوجع. اهـ.
قلت: وفي التتارخانية عن العيون: ((إن كان السماع سماع القرآن والموعظة يجوز، وإن
كان سماع غناء فهو حرام بإجماع العلماء، ومن أباحه من الصوفية فإن تخلى عن اللهو، وتحلى
بالتقوى، واحتاج إلى ذلك احتياج المريض إلى الدواء، وله شرائط ستة: أن لا يكون فيهم
أمرد، وأن تكون جماعتهم من جنسهم، وأن تكون نية القوال الإخلاص، لا أخذ الأجر
والطعام، وأن لا يجتمعوا لأجل طعام أو فتوح، وأن لا يقوموا إلا مغلوبين، وأن لا يظهروا
وجدا إلا صادقين.
والحاصل أنه لا رخصة في السماع في زماننا، لأن الجنيد تغذّثُ تعالى تاب عن السماع في
زمانه)) اهـ.
وقال الحافظ ابن القيم في مدارج السالكين: ((فالقلب يعرض له حالتان: حالة حزن
وأسف على مفقود، وحالة فرح وطرب بموجود، وله بمقتضى هاتين الحالتين عبوديتان، فله
بمقتضى الحالة الأولى عبودية الرضاء، وهي للسابقين، والصبر، وهي لأصحاب اليمين، وله
بمقتضى الحالة الثانية عبودية الشكر، والشاكرون فيها أيضاً نوعان: سابقون وأصحاب يمين،
فاقتطعته النفس والشيطان عن هاتين العبوديتين بصوتين أحمقين فاجرين هما للشيطان لا
للرحمن: صوت الندب والنياحة عند الحزن وفوات المحبوب، وصوت اللهو والمزمار والغناء
عند الفرح وحصول المطلوب، فعوضه الشيطان بهذين الصوتين عند تينك العبوديتين، وقد أشار
النبي ◌َّل﴿ إلى هذا المعنى بعينه في حديث أنس: ((إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت
ويل عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة)) ووافق ذلك راحة من النفس وشهوة ولذة وسرت فيها
تلك الرقائق، حتى تعبد بها من قل نصيبه من النور النبوي، وقل مشربه من العين المحمدية،
وانضاف ذلك إلى صدق وطلب وإرادة مضادة لشهوات أهل الغي وأهل البطالة، ورأوا قساوة
قلوب المنكرين لطريقتهم، وكثافة حجبهم، وغلظة طباعهم، وثقل أرواحهم، وصادف ذلك
تحريكاً لسواكنهم، وانقياد للواعج الحب، وإزعاجاً للنفوس إلى أوطانها الأولى، ومعاهدها التي
سبيت منها، والنفوس الطالبة المرتاضة الساترة لا بد لها من محرك يحركها، وحاد يحدوها،
وليس لها من حادي القرآن عوض عن حادي السماع، فتركب من هذه الأمور إيثار منهم
للسماع، ومحبة صادقة له تزول الجبال عن أماكنها، ولا تفارق قلوبهم إذ هو مشير عرماتهم،
ومحرك سواكنهم، ومزعج بواطنهم، فدواء مثل صاحب هذا الحال أن ينقل بالتدريج إلى سماع
القرآن بالأصوات الطيبة، مع الإمعان في تفهم معانيه، وتدبر خطابه قليلاً إلى أن يخلع من قلبه
سماع الآلات، ويلبس محبة سماع الآيات، ويصير ذوقه وشربه وحاله ووجده فيه، فحينئذٍ يعلم

٤١٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هو من نفسه أنه لم يكن على شيء ويتمثل حينئذٍ بقول القائل:
إلى غاية ما فوقها لي مطلب
وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى
تيقنت أني إنما كنت ألعب
فما تلاقينا وعاينت حسنها
ومنافاة النوح للصبر والغناء للشكر أمر معلوم بالضرورة من الدين، لا يمترى فيه إلا أبعد
الناس من العلم والإيمان، فإن الشكر هو الاشتغال بطاعة الله، لا بالصوت الأحمق الفاجر الذي
هو للشيطان، وكذلك النوح ضد الصبر.
ثم قال: وأما قولهم (أي أي حماة الغثاء والسماع): من أنكر على أهله فقد أنكر على كذا
وكذا ولي الله: فحجة عامية، نعم! إذا أنكر أولياء الله على أولياء الله كان ماذا؟ فقد أنكر عليهم
من أولياء الله من هو أكثر منهم عدداً، وأعظم عند الله وعند المؤمنين منهم قدراً، وأقرب بالقرون
المفضلة عهداً، وليس من شرط ولي الله العصمة، وقد تقاتل أولياء الله في صفين بالسيوف، ولما
سار بعضهم إلى بعض كان يقال: ((سار أهل الجنة إلى أهل الجنة)) وكون ولي الله يرتكب
المحظور المكروه متأولاً أو عاصياً: لا يمنع ذلك الإنكار عليه، ولا يخرجه عن أصل ولاية
الله، وهيهات هيهات! أن يكون أحد من أولياء الله المتقدمين حضر هذا السماع المحدث
المشتمل على هذه الهيئة التي تفتن القلوب أعظم من فتنة المشروب، حاشا أولياء الله من ذلك!
وإنما السماع الذي اختلف فيه مشايخ القوم اجتماعهم في مكان خال من الأغيار، يذكرون الله
ويتلون شيئاً من القرآن، ثم يقوم بينهم قوال ينشدهم شيئاً من الأشعار المزهدة في الدنيا، المرغبة
في لقاء ومحبته وخوفه ورجاءه والدار الآخرة، وينبههم على بعض أحوال من غدرة أو غفلة، أو
بعد، أو انقطاع، أو تأسف على فائت، أو تدارك الفارط، أو وفاء بعهد، أو تصديق بوعد، أو
ذكر قلق وشوق، أو خوف فرقة، أو صد، وما جرى هذا المجرى، فهذا السماع الذي اختلف
فيه القوم، لا سماع المكاء والتصدية والمعازف والخماريات، عشق الصور من المردان
والنسوان، وذكر محاسنها ووصالها وهجرانها، فهذا لو سئل عنه من سئل من أولى العقول:
لقضى بتحريمه، وعلم أن الشرع لا يأتي بإباحته، وأنه ليس على الناس أضر منه ولا أفسد
لعقولهم وقلوبهم وأديانهم وأموالهم وأولادهم وحريمهم منه، والله أعلم.
قال: وقد صح عن النبي وسي﴿ تحريم المعازف، وأن في أمته من يستحلها بأصح إسناد (كما
في صحيح البخاري من كتاب الأشربة) وأجمع أهل العلم على تحريم بعضها، وقال جمهورهم
بتحریم جملتها)) اهـ.
وأما كلام ابن حزم في حديث البخاري ودعوى انقطاعه فقد رده الحفاظ، وأجابوا عنه كما
بسط في الفتح وغيره.
قال النووي: ((واختلف العلماء في الغناء (أي الغناء المجرد عن المعازف) فأباحه جماعة

٤١١
كتاب: صلاة العيدين
من أهل الحجاز، وهي رواية عن مالك، وحرمه أبو حنيفة وأهل العراق، ومذهب الشافعي
كراهته، وهو المشهور من مذهب مالك.
واحتج المجوزون بهذ الحديث، وأجاب الآخرون بأن هذا الغناء إنما كان في الشجاعة
والقتل والحذق في القتال، ونحو ذلك مما لا مفسدة فيه، بخلاف الغناء المشتمل على ما يهيج
النفوس على الشر، ويحملها على البطالة والقبيح.
قال القاضي: إنما كان غناءهما بما هو من أشعار الحرب والمفاخرة بالشجاعة والظهور
والغلبة، وهذا لا يهيج الجواري على شر، ولا إنشادهما لذلك من الغناء المختلف فيه، وإنما
هو رفع الصوت بالإنشاد، ولهذا قالت: ((وليستا بمغنيتين)) أي ليستا ممن يغتني بعادة المغنيات
من: التشويق، والهوى، والتعريض بالفواجش، والتشبيب بأهل الجمال، وما يحرك النفوس
ويبعث، والغزل، كما قيل: ((الغناء رقية الزنا)) وليستا أيضاً ممن اشتهر وعرف بإحسان الغناء
الذي فيه تمطيط وتكسير وعمل وتحرك وعمل تحرك الساكن، ويبعث الكامن، ولا ممن اتخذ
ذلك صنعة وكسباً، والعرب يسمى الإنشاد غناء، وليس هو من الغناء المختلف فيه، بل هو
مباح، وقد استجازت الصحابة غناء العرب الذي هو مجرد الإنشاد والترنم، وأجازوا الحداء،
وفعلوه بحضرة النبي ◌َّ، وفي هذا كله إباحة مثل هذا وما في معناه، وهذا ومثله ليس بحرام،
ولا يجرح الشاهد) اهـ.
قلت: وأما التغني بالأشعار المشتملة على ذكر المعازف والخمر الساقي وكؤوس الشراب
ودنانه بطريق الاستعارة والكناية عن الله سبحانه وتعالى ومحبته، والواردات القلبية ونحوها، كما
يوجد في كلام بعض شعراء العجم المتصوفين - فهذا أيضاً لا يخلو عندي عن كراهة، لسوء
التعبير، وقبح العنوان.
قال الحافظ ابن القيم كثُّ في شرح قول صاحب المنازل: ((السكر في هذا الباب اسم
يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب)): ((وهذا المعنى لم يعبر عنه القرآن والسنة، ولا العارفون
من السلف بالسكر أصلاً، وإذنما ذلك من اصطلاح المتأخرين، وهو بئس الاصطلاح، فإن لفظ
((السكر)) و((المسكر)) من الألفاظ المذمومة شرعاً وعقلاً، وعامة ما يستعمل في السكر المذموم
الذي يمقته الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾
[النساء: ٤٣] وعبر به سبحانه عن الهول الشديد الذي يحصل للناس عند قيام الساعة، فقال تعالى:
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ويقال: فلان أسكره
حب الدنيا، وكذلك يستعمل في سكر الهوى المذموم، فأين أطلق الله سبحانه وتعالى أو رسوله
أو الصحابة أو أئمة الطريق المتقدمون على هذا المعنى الشريف الذي هو من أشرف أحوال
محبيه وعابديه: اسم ((السكر)) المستعمل في سكر الخمر وسكر الفواحش، كما قال تعالى عن

٤١٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٢٠٦٠ - (١٧) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو؛
أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا. وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي
أَيَّامٍ مِنَّى. تُغْنِيَانٍ وَتَضْرِبَانٍ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مُسَجَّى بِثَوْيِهِ. فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ. فَكَشَفَ
رَسُولُ اللَّهِ بَيْهِ عَنْهُ. وَقَالَ: ((دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ)) وَقَالَتْ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ
] فوصف بالسكر أرباب الفواحش
:
قوم لوط: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
وأرباب الشراب المسكر، فلا يليق استعماله في أشرف الأحوال والمقامات، ولا سيما في قسم
الحقائق، والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة.
وأيضاً فمن المعلوم أن هذا الحال يحصل في الجنة عند رؤية العرب تعالى، وسماع كلامه
على أتم الوجوه، ولا يسمى سكراً، ونحن لا ننكر المعنى المشار إليه بهذا الاسم، وإنما المنكر
تسمية بهذ الاسم، ولا سيما إذا انضاف إلى ذلك اسم الشراب، وتسمية المعازف بالخمر
والواردات بالكؤوس والله - جل جلاله - بالساقي: فهذه الاستعارات والتسمية هي التي فتحت
هذا الباب)) اهـ.
قال الحافظ: ((وفي حديث الباب أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، وفيه جواز
دخول الرجل على ابنته، وهي عند زوجها إذا كان له بذلك عادة، وتأديب الأب بحضرة الزوج
وإن تركه الزوج، إذا التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء، وفيه الرفق
بالمرأة واستجلاب مودتها، وأن مواضع أهل الخير تنزه عن اللغو واللهو، وإن لم يكن فيه إثم
إلا بإذنهم، وفيه أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستكره مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في
ذلك افتئات على شيخه، بل هل أدب منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه، وفيه فتوى التلميذ
بحضرة شيخه بما يعرف من طريقته .
واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكة، لأنه وَلقر لم ينكر
على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج، ولا
يخفى أن محمل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك، والله أعلم)).
قوله: (وقالت: رأيت رسول الله) إلخ: هذا حديث آخر، وقد جمعهما بعض الرواة،
وأفردهما بعضهم.
قوله: (يسترني بردائه) إلخ: قال الحافظ: ((يدل على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب،
ويدل على جواز نظر المرأة إلى الرجل عند الأمن من الفتنة.
وأجاب بعض من منع بأن عائشة كانت إذ ذاك صغيرة، وفيه نظر، لما ذكرنا، وادعى
بعضهم النسخ بحديث: ((أفعُمياوان أنتما؟)) وهو حديث مختلف في صحته.

٤١٣
كتاب: صلاة العيدين
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ. وَأَنَا جَارِيَةٌ. فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ
السِّنِّ.
٢٠٦١ - (١٨) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ، لَقَذَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ لَّهَ يَقُومُ
عَلَى بَابٍ حُجْرَتِي. وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ.
قال: ويتعقب بقوله: ((يسترني بردائه)) على الزين بن المنير كثُّ في استنباطه من بعض
ألفاظ الحديث جواز اكتفاء المرأة بالتستر بالقيام خلف من تستتر به من زوج أو ذي محرم إذا قام
مقام الرداء، لأن القصة واحدة وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر بالرداء.
قوله: (وأنا أنظر إلى الحبشة وهو يلعبون) إلخ: أي أنظر إلى لعبهم، كما في الطريق
الآتية: ((لكي أنظر إلى لعبهم)) ففيه جواز النظر إلى اللهو المباح.
قوله: (وأنا جارية) إلخ: الجارية في النساء بمعنى الغلام في الرجال. قاله القرطبي.
قوله: (فاقدر واقدر) إلخ: بضم الدال من: قدرت الشيء: إذا نظرت فيه، ودبرته. أي
انظروا وتأملوا، أو من المقدار، أي فاقدروا من الزمان مقدار وقفه الجارية الصغيرة في العمر
والحريصة على ما تتلهى به من اللعب وغيره كم يكون قدر مكثها في النظر إلى اللعب! فإني
مكثت ذلك القدر، تريد طول مكثها ومصابرة النبي وّير معها، وكمال رعايته لحالها. كذا في
المرقاة .
قال الحافظ: ((وفيه حسن خلقه وير مع أهله، وكرم معاشرته، وفضل عائشة، وعظيم
محلها عنده)) .
قوله: (العربة) إلخ: بفتح العين، وكسر الراء، والباء الموحدة، ومعناها: المشتهية للعب،
المحبة له. قال النووي وقيل: العربة: الغنجة (١)، وامرأة عاربة، أي ضاحكة)).
قوله: (يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله وَل38) إلخ: فيه جواز ذلك في المسجد، ومن
ادعى نسخه فليس معه دليل، وحكى عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد. قال القاري: ((في
المسجد: أي في رحبة المسجد المتصلة به، وكانت تنظر إليهم من باب الحجرة، وذلك من داخل
المسجد. فقالت: ((في المسجد)) الاتصال الرحبة به، أو دخلوا المسجد لتضايق الموضع بهم،
وإنما سومحوا فيه لأن لعبهم بالحراب كان يعد من عدة الحرب مع أعداء الله تعالى، فصار عبادة
بالقصد، كالرمي. قال تعالى جل جلاله: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] اهـ.
(١) قوله: (الغَنِجَة: يقال: غَنِجَت (س) غَنَجاً: تدللت على زوجها بملاحة، كأنها تخالفه وليس بها خلاف،
فهي غَنِجَةٌ ومِغْنَجْ. كذا في المعجم الوسيط (٢: ٦٧٠.

٤١٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَىْ لَعِبِهِمْ. ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي. حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ. فَاقْدُرُوا قَدْرَ
الْجَارِيَّةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ .
٢٠٦٢ - (١٩) حدّثني هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى (وَاللَّفْظُ
لِهَارُونَ) قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنَا عَمْرٌو؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ حَدَّثَهُ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: دَخَّلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ.
فَاضْطَجَعَ عَلَىِ الْفِرَاشِ. وَحَوَّلَ وَجْهَهُ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي. وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ
عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَلهَ. فَقَّالَ: ((دَعْهُمَا)) فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا
قال الحافظ واللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان مع مواقع
الحروب، والاستعداد للعدو.
وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة
الدين وأهله جاز فيه.
وقال الزين بن المنير: سماه لعباً - وإن كان أصله التدريب على الحرب، وهو من الجد
- لما فيه من شبه اللعب، لكونه يقصد إلى الطعن، ولا يفعله، ويوهم بذلك قرنه، ولو كان أباه
أو ابنه)) .
قوله: (إلى لعبهم) إلخ: بفتح اللام وكسر العين، وبكسر أوله وسكون ثانية، في المصباح : .
لعب يلعب لعباً - بفتح اللام وكسر العين - يجوز تخفيفه بكسر اللام وسكون العين.
قال ابن قتيبة: ولم يسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون. اهـ كلامه.
لكن في القاموس. لعب كفرح، لعباً ولِعباً ولعباً .
قوله: (حتى أكون أنا التي أنصرف) إلخ: والمعنى أنه لم يكن يعجل علي بالرجوع إلى
داخل حجرتي، بل كان يخليني على مهلة.
قوله: (فانتهرني) إلخ: وتقدم في رواية ((فانتهرهما)) أي الجاريتين، ويجمع بأنه شرك بينهن
من الانتهار والزجر، أما عائشة فتقريرها، وأما الجاريتان فلفعلهما .
قوله: (مزمار الشيطان) إلخ: بكسر الميم، بمعنى الغناء، أو الدف، لأن المزمارة
والمزمار مشتق من الزمير، وهو الصوت الذي له الصفير، ويطلق على الصوت الحسن، وعلى
الغناء، وسميت به الآلة المعروفة التي يزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي، فقد
تشغل القلب عن الذكر.
قوله: (فلما غفل) إلخ: أي أبو بكر پله.
قوله: (غمزتهما فخرجتا) إلخ: فيه دلالة على أنها مع ترخيص النبي ◌َّ لها في ذلك،

٤١٥
کتاب: صلاة العيدين
فَخَرَجَتَا. وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُودَانُ بِالذَّرَقِ وَالْحِرَابِ. فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ. وَإِمَّا
راعت خاطر أبيها وخشيت غضبه عليها، فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر
للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها. والله أعلم. قاله الحافظ.
قوله: (بالدرق والحراب) إلخ: جمع درقة - بفتحتين وقاف ـ الحجفة، وأراد بها الترس من
جلود ليس فيه خشب ولا عصب، كذا في مجمع البحار.
والحراب: بكسر الحاء، جمع الحربة، وهي رمح قصير.
قوله: (فإما سالت رسول الله وَ﴿) إلخ: هذا تردد منها فيما كان وقع له: هل كان أذن لها
في ذلك ابتداء منه، أو عن سؤال منها. وهذا بناء على أن ((سألت)) - بسكون اللام - على أن
كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، فيكون كلام الراوي، فلا ينافي مع ذلك قوله ((وإما قال:
تشتهين تنظرين؟)) وقد اختلف الروايات عنها في ذلك، فيجمع بينهما بأنها التمست منه فأذن لها .
وفي رواية النسائي من طريق أبي سلمة عنها: ((دخل الحبشة يلعبون)) فقال لي النبي ◌َله: يا
حميرا، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم))، إسناده صحيح. ولم أوفي حديث صحيح ذكر
((الحميرا)) إلا في هذا (١). كذا في الفتح.
(١) هكذا في ((فتح الباري)) (٢: ٤٤٤، باب الحراب والدرق يوم العيد): ((ولم أر في حديث صحيح ذكر
الحميراء إلا في هذا)).
وقال القاري تخلُ في ((المصنوع في معرفة الحديث الموضوع)) (ص ٢١١ و٢١٢): ((قال المزي: كل حديث
فيه: ((يا حميرا)) فهو موضوع إلا حديثاً عند النسائي)).
وأطلق ابن القيم نثُ، فقال في ((المنار المنيف في الصحيح والضعيف)) (ص ٦٠): ((وكل حديث فيه: ((يا
حميرا)) أو ذكر ((الحميرا فهو كذب مختلق)).
قال شيخنا العلامة المفضال المحدث الكبير الشيخ عبد الفتاح أو غدة حفظه الله تعالى: ((وهذا الحصر من
هذين الحافظين - يعني المزي وابن حجر رحمهما الله تعالى - غير سديد، فقد ثبت ذكر (الحميرا) في
حديثين آخرين إلى هذا الحديث .... )) كذا في تعليقاته الحافلة الممتعة على ((المصنوع في معرفة الحديث
الموضوع)) (ص: ٢١٢).
وقال في تعليقاته على ((المنار المنيف)) (ص ٦٠): ((وهذه الكلية غير مسلمة، فقد صحت ثلاثة أحاديث،
جاء فيها ذكر الحمیرا)).
قال الشيخ: ((قال الإمام بدر الدين الزركشي كلّثُ في كتابه ((الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة»
ص ٦١ - ٦٢، أثنا تعديد خصائصها منًا:
((السابعة والعشرون: جاء في حقها: ((حذوا شطر دينكم عن الحميرا)). وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين
ابن كثير كَّلُ عن ذلك، فقال: كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزي ◌ُّ تعالى يقول: كل حديث فيه
ذكر الحميرا باطل إلا حديثاً في الصوم في ((سنن النسائي)).
قلت : - القائل ابن كثير -: وحديثاً آخر في ((سنن النسائي)) أيضاً عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل =

٤١٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟)) فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ. خَدِّي عَلَى خَدِهِ. وَهُوَ يَقُولُ:
(دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ)) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: ((حَسْبُكِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَاذْهَبِي)) .
قوله: (خدي على خده) إلخ: أي متلاصقين، وهي جملة حالية بدون واو، كما قيل في
قوله تعالى: ﴿أَهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] وفي رواية أبي سلمة: ((فوضعت ذقني
على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده)).
قوله: (وهو يقول: دونكم) إلخ: بالنصب على الظرفية، بمعنى الإغراء، والمغري به
محذوف، وهو لعبهم بالحراب. وفيه: إذن وتنهيض لهم وتنشيط.
قوله: (يا بني أرفدة) إلخ: بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح. قيل: هو
لقب للحبشة. وقيل: هو اسم جنس لهم. اسم جدهم الأكبر. وقيل: المعنى يا نبي الإماء.
وزاد أبو عوانة في صحيحه ((فإنهم بنو أرفدة)) كأنه يعني أن هذا شأنهم وطريقتهم. وهو من
الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم.
قال المحب الطبري: ((فيه تنبيه على أنه يغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، لأن الأصل في
المساجد تنزيهها عن اللعب، فيقتصر على ما ورد فيه النص)) انتهى.
وروى السراج من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة، أنه وَ* قال يومئذٍ: ((لتعلم
يهود أن في ديننا فسحة، إني بحنيفية سمحة)) وهذا يشعر بعدم التخصيص.
قوله: (حتى إذا مللت) إلخ: بكسر اللام الأولى. قال الحافظ: ((وفي رواية الزهري:
((حتى أكون أنا الذي أسأم وفي رواية يزيد بن رومان عند النسائي: ((أما شبعت أما شبعت؟
الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي: يا حميرا أتحبين أن تنظري إليهم؟. وإسناده صحيح.
=
وروى الحاكم في ((مستدركه)) ٣: ١١٩ حديث أم سلمة رضيوهنا قالت: ذكر النبي ◌َّ* خروج أمهات المؤمنين،
فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حميرا ألا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي، وقال: إن وليت من أمرها
شيئاً فارفق بها. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وبم يخرجاه. وقال الذهبي:
عبد الجبار لم يخرج له)). بزيادة وتصويب.
قال العلامة الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية» ٧: ٢٥٧ بعد ذكر القسطلاني حديث أم سلمة هذا من
رواية الحاكم والبيهقي: ((حديث صحيح فيه: يا حميرا، فيرد به على زاعم أن كل حديث في ذلك -
موضوع)). انتهى.
ويقصد الزرقاني بالزاعم المشار إليه المؤلف الشيخ ابن القيم كثُّ تعالى، إذ قال ذلك في كتابه هنا .
قال عبد الفتاح: ولعل حديثي النسائي إليهما في ((سننه الكبرى))، فإني لم أجدهما في ((الصغرى)) المطبوعة،
ولا أشار إليهما النابلسي في ((ذخائر المواريث)» فالله أعلم)». انظر المنار المنيف ص ٦٠ - ٦١ والمصنوع
١١٢ - ٢١٣).

٤١٧
كتاب: صلاة العيدين
٢٠٦٣ - (٢٠) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ. قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌْ يَزْفِنُونَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي الْمَسْجِدِ. فَدَعَانِي النَّبِيُّ وَلَهُ. فَوَضَعْتُ
رَأْسِي. عَلَى مَنْكِبِهِ. فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبَهِمْ. حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ.
٢٠٦٤ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرَا:
فِي الْمَسْجِدِ .
٢٠٦٥ - (٢١) وحدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم الْعَمِّيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ .
كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمِ (وَاللَّفْظُ لِعُقْبَةَ) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنٍ جُرَيْجٍ. قَالَ:
قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده)) وله من رواية أبي سلمة عنها: ((قلت: يا
رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك؟ قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حب النظر
إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه)) وهذا مشعر بأن ذلك وقع بعد أن
صارت لها ضرائر وأرادت الفخر عليهن. وفي رواية ابن حبان: ((إن ذلك وقع لما قدم وفد
الحبشة)) وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذٍ خمس عشرة سنة.
قال عياض: ((وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب، لأنه إنما يكره لهن النظر
إلى المحاسن، والاستلذاذ بذلك. ومن تراجم البخاري عليه ((باب نظر المرأة إلى الحبش
ونحوهم من غیر ريبة)) .
وقال النووي: أما النظر بشهوة وعند خشية الفتنة: فحرام اتفاقاً. وأما بغير شهوة:
فالأصح أنه محرم. وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة. وهذا
قد تقدمت الإشارة إلى ما فيه. قال: أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم
وأبدانهم، وإن وقع بلا قصد أمكن أن تصرفه في الحال)) انتهى.
قوله: (يزفنون) إلخ: بفتح الياء، وإسكان الزاي، وكسر الفاء، ومعناه: ((يرقصون)) وحمله
العلماء على التوثب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئته الراقص، لأن معظم
الروايات إنما فيها لعبهم بحرابهم، فيتأول هذه اللفظة على موافقة سائر الروايات. قاله
النووي كلّثُ .
وقال الحافظ تَّقُهُ: ((واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب، للتدريب
على الحرب، والتنشيط عليه، واستنبط منه جواز المثاقفة لما فيها من تمرين الأيدي على آلات
الحرب)).
قوله: (وعقبة بن مكرم) إلخ: بفتح الراء.

٤١٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ. أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ، لِلَعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّي
أَرَاهُمْ. قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ. وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ. وَهُمْ
يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ .
قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ أَوْ حَبَشٌ. قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ: بَلْ حَبَشٌ.
٢٠٦٦ - (٢٢) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ(١). قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَهَ بِحِرَابِهِمْ. إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ. فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ يَخْصِبُهُمْ بِهَا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((دَعْهُمْ. يَا
عُمَرٌ !)).
قوله: (قال عطاء: فرس أو حبش) إلخ: قال النووي: ((هو شك من عطاء: هل هم من
الفرس أو من الحبش؟ وأما ابن عتيق فقد جزم أنهم حبش)).
قوله: (وقال لي ابن عتيق) إلخ: قال عياض: ((كذا لشيوخنا، وعند الباجي. وقال ابن
عمير: وفي نسخة قال ابن أبي عتيق)).
قال النووي: ((قال صاحب المصابيح: ((الصواب ابن عمير، لأنه المذكور في السند)).
قوله: (فأهوى إلى الحصباء) إلخ: ممدود هي الحصى الصغار. وقوله: ((يحصبهم)) بكسر
الصاد، أي: يرميهم بها. وهذا الظنة أن ذلك لا يليق بالمسجد، ولعله لم يعلم أن النبي ◌َّ في
المسجد. قال الأبي: ((ومستنده في الإنكار قاعدة تنزيه المساجد. والله أعلم)).
(١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب اللهو بالحراب
ونحوها، رقم (٢٩٠١) والنسائي في سننه، في كتاب صلاة العيدين، باب اللعب في المسجد يوم العيد
ونظر النساء إلى ذلك، رقم (١٥٩٧) وأحمد في مسنده (٢: ٣٠٨ و٥٤٠).

٤١٩
كتاب: صلاة الاستسقاء
بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحِيَةِ
٠٠٠/٩ - كتاب: صلاة الاستسقاء
٢٠٦٧ - (١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
كتاب صلاة الاستقساء
الاستقساء: هو الدعاء بطلب السقيا، وهي المطر من الله تعالى عند حصول الجدب على
وجه مخصوص، وسقاه وأسقاه: بمعنى.
وثبت الاستقساء بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقصة نوح عليه الصلاة والسلام من قوله: ﴿فَقُلْتُ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾﴾ [نوح: ١٠، ١١]، وشرع من قبلنا شرع لنا، إذ قصه الله ورسوله
من غير إنكار، وهذا كذلك.
ورسوله ◌َقد استسقى.
والإجماع: ظاهر على الاستقساء.
وقال النووي في الروضة: ((المراد بالاستقساء سؤال الله أن يسقى عباده عند حاجتهم، وله
أنواع: أدناها الدعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة، فرادى أو مجمعين لذلك. وأوسطها: الدعاء
خلف الصلوات، وفي الخطبة الجمعة، ونحو ذلك. وأفضلها: الاستقساء بركعتين وخطبتين.
قال: ويستوي في استحباب الاستقساء: أهل القرى، والأمصار، والبوادي، والمسافرون، ويسن
لهم جميعاً الصلاة والخطبة، ولو انقطعت المياه ولن تمس إليها حاجة في ذلك الوقت لم
يستقسوا، ولو انقطعت عن طائفة من المسلمين واحتاجت استحب لغيرهم أن يصلوا ويستسقوا
لهم یسألوا الزیادة لأنفسهم)) اهـ.
وقال القسطلاني: ((الاستقساء ثلاثة أنواع: أحدها: أن يكون بالدعاء مطلقاً، فرادى
ومجتمعين .
وثانيها: أن يكون بالدعاء خلف الصلوات، ولو نافلة. كما في البيان، وغيره عن
الأصحاب، خلافاً للنووي، حيث قيده في شرح مسلم ((بالفرائض وفي خطبة الجمعة)).
وثالثها: وهو الأفضل - بالصلاة والخطبتين. وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد. وعن

٤٢٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَبِي بَكْرٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيم يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ الْمَازِيَّ(١) يَقُولُ: خَرَجَ
رَسُولُ اللّهِ وَ لِهِ إِلَى الْمُصَلَّى
أحمد: لا خطبة وإنما يدعو ويكثر الاستغفار. والجمهور على سنية الصلاة، خلافاً لأبي حنيفة))
اهـ. وسيأتي البحث في ذلك.
قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((وقد استسقى النبي ◌َّر لأمته مرات على
أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى مبتذلاً، ومتواضعاً، فصلى
بهم ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب واستقبل فيها القبلة فيها يدعوا ويرفع يديه، وحول
رداءه. وذلك لأن لاجتماع المسلمين في مكان واحد بأقصى هممهم واستغفارهم وفعلهم
الخيرات - أثراً عظيماً في استجابة الدعاء، والصلاة أقرب أحوال العبد من الله ورفع اليدين
حكاية من التضرع التام والابتهال العظيم، تنبه النفس على التخشع. وتحويل رداءه حكاية عن
تقلب أحوالهم، كما يفعل المستغيث بحضرة الملوك)) اهـ.
قلت: والخلاصة عندي أن الاستسقاء حقيقته طلب السقي من الله تعالى، فهو الدعاء
لإنزال الغيث، وروحه الاستغفار والتوبة كما أن روح الصلاة الخشوع، وصورته الكاملة: الدعاء
مع الصلاة بهيأتها الاجتماعية المأثورة. والله أعلم.
قوله: (خرج رسول الله ربّله إلى المصلى) إلخ: أفاد ابن حبان: ((أن خروجه وَلّ إلى
(١) قوله: (عبد الله بن زيد المازني) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الاستسقاء، باب
الاستسقاء وخروج النبي وَلقر في الاستسقاء، رقم (١٠٠٥) وباب تحويل الرداء في الاستسقاء، رقم (١٠١١
و١٠١٢) وباب الدعاء في الاستسقاء قائماً، رقم (١٠٢٣) وباب الجهر بالقراءة في الاستسقاء، رقم
(١٠٢٤) وباب كيف حوّل النبي ◌َّر ظهره إلى الناس، رقم (١٠٢٥) وباب صلاة الاستسقاء ركعتين، رقم
(١٠٢٦) وباب الاستسقاء في المصلى، رقم (١٠٢٧) وياب استقبال القبلة في الاستسقاء، رقم (١٠٢٨)
وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء مستقبل القبلة، رقم (٦٣٤٣) والنسائي في سننه، في كتاب الاستسقاء،
باب خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء، رقم (١٥٠٦) وباب الحال التي يستحب للإمام أن يكون عليها
إذا خرج، رقم (١٥٠٨) وباب تحويل ظهره إلى الناس عند الدعاء في الاستسقاء، رقم (١٥١٠) وباب
تقليب الإمام الرداء عند الاستسقاء، رقم (١٥١١) وباب متى يحول الإمام رداءه، رقم (١٥١٢) وباب رفع
الإمام يديه، رقم (١٥١٣) وباب الصلاة بعد الدعاء، رقم (١٥٢٠) وباب كم صلاة الاستسقاء، رقم
(١٥٢١) وباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء، رقم (١٥٢٣). وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة،
باب جماع أبواب صلاة الاستسقاء وتفريعها، رقم (١١٦١) - ١١٦٤) وباب في أي وقت يحول رداءه إذا
استسقى، رقم (١١٦٦ و١١٦٧) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء،
رقم (٥٥٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء،
رقم (١٢٦٧) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب صلاة الاستسقاء، رقم (١٥٤١) و(١٥١٢) وأحمد
في مسنده (٤: ٣٩ و٤٠ و٤١ و٤٢).