النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب: كتاب فضائل القرآن
صَلَّيْنَا الْظُهْرَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنَا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لاقْتَطَعْنَاهُمْ. فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ وَُّ
ذَلِكَ. فَذَكَرَ ذُلِكَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَالَ وَقَالُوا: إِنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ
الأَوْلادِ. فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ، قَالَ: صَفَّنَا صَفَّيْنٍ. وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ. قَالَ
فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ﴿ وَكَبَّرْنَا. وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا. ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ. فَلَمَّا
قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي. ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي. فَقَامُوا مَقَامَ
الأَوَّلِ. فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ ◌ّهِ وَكَبَّرْنَا. وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا. ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ.
وَقَامَ الثَّانِي. فَلَمَّا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِ، ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعاً، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ.
قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: ثُمَّ خَصَّ جَابِرٌ أَنْ قَالَ: كَمَا يُصَلِّي أُمَرَاؤُكُمْ هَؤُلاءِ.
١٩٤٤ - (٣٠٩) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي، حَذَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبِيْرٍ،
قررته أن صلاة الخوف بعسفان غير صلاة الخوف بذات الرقاع. وأن جابراً روى القصتين معاً،
فأما رواية أبي الزبير عنه ففي قصة عسفان، وأما رواية أبي سلمة، ووهب بن كيسان، وأبي
موسى المصري عنه: ففي غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة محارب وثعلبة، وإذا تقرر أن أول ما
صليت صلاة الخوف في عسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعد الخندق، قريظة، وقد
صليت صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، وهي بعد عسفان، فتعين تأخرها عن الخندق وعن
قريظة وعن الحديبية، أيضاً، فيقوي القول بأنها بعد خيبر، لأن غزوة خيبر كانت عقب الرجوع
من الحديبية)) اهـ.
قال ابن الهمام: ويؤيد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى الأشعري شهد غزوة ذات الرقاع، كما
في الصحيحين عن أبي موسى: ((أنه شهد غزوة ذات الرقاع، وأنهم كانوا يلفون على أرجلهم
الخرق لما نقبت، فسميت غزوة الرقاع.
وفي مسند أحمد والسنن: ((أن مروان بن الحكم سأل أبا هريرة: هل صليت مع
رسول الله وَ﴿ صلاة الخوف؟ قال: نعم: قال متى؟ قال: عام غزوة نجد، وهذا يدل على أنها
بعد غزوة خيبر، فإن إسلام أبي هريرة ربه كان في غزوة خيبر، وهي بعد الخندق، فهي بعد ما
هو بعد، فمن جعلها قبل الخندق فقد وهم.
قوله: (لو ملنا عليهم ميلة) إلخ: أي حملنا عليهم حملة واحدة، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ
اُلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَيْكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢].
قوله: (هي أحب إليهم من الأولاد) إلخ: هكذا وقع في بعض النسخ: ((الصف الأول)) ولم
يقع في أكثرها ذكر ((الأول))، والمراد الصف المقدم الآن، كذا في الشرح.
قوله: (عن صالح بن خوات) إلخ: قال الحافظ: ((بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الواو،

٢٦٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ صَلَّى بِأَضْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ. فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ
صَفَّيْنِ. فَصَلَّى بِالَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً. ثُمَّ قَامَ. فَلَمْ يَزَلْ قَائِماً حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُمْ رَكْعَةً،
ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ كَانُوا قُدَّامَهُمْ. فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً. ثُمَّ فَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا
رَكْعَةً. ثُمَّ سَلَّمَ.
١٩٤٥ - (٣١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ
وآخره مثناة، أي ابن جبير بن النعمان الأنصاري، وصالح تابعي ثقة، ليس له في البخاري إلا
هذا الحديث الواحد، وأبوه أخرج ه البخاري في الأدب المفرد، وهو صحابي جليل أول
مشاهده أحد، ومات بالمدينة سنة أربعين.
قوله: (عن سهيل بن أبي حثمة) إلخ: بفتح المهملة، وسكون المثناة، واسمه عبد الله،
وقيل: عامر، وقيل: اسم أبيه عبد الله، وأبو حثمة جَدُّه، واسمه عامر بن ساعدة، وهو أنصاري
من بني الحارث بن الخزرج، اتفق أهل العلم بالأخبار على أنه كان صغيراً في زمن النبي وَّر،
إلا ما ذكر ابن أبي حاتم عن رجل من ولد سهل، أنه حدثه أنه بايع تحت الشجرة، وشهد
المشاهدة إلا بدراً، وكان الدليل ليلة أحد، وقد تعقب هذا جماعة من أهل المعرفة، وقالوا: إن
هذه الصفة لأبيه، وأما هو فمات النبي ◌َّر وهو ابن ثمان سنين، وممن جزم بذلك الطبري، وابن
حبان، وابن السكن، وغير واحد، وعلى هذا فتكون روايته لقصة صلاة الخوف مرسلة.
قوله: (صلى بأصحابه في الخوف) إلخ: وهذه الصفة قد اختارها الشافعي ومالك
رحمهما الله، كما تقدم بسطه .
قوله: (ثم سلم) إلخ: قال الحافظ تثلثُهُ: ((واختلفوا في كيفية رواية سهل بن أبي حثمة في
موضع واحد، وهو أن الإمام هل يسلم قبل أن تأتي الطائفة الثانية بالركعة الثانية، أو ينتظرها في
التشهد ليُسلّمُوا معه؟ فبالأول قال المالكية، وزعم ابن حزم أنه لم يرد عن أحد من السلف القول
بذلك، والله أعلم.
(١) قوله: (عن سهل بن أبي حثمة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب المغازي، باب غزوة ذات
الرقاع، رقم (٤١٣١) والنسائي في سننه، في كتاب صلاة الخوف، رقم (١٥٣٧) و(١٥٥٤) وأبو داود في
سننه، في كتاب الصلاة، باب من قال: يقوم صف مع الإمام وصف وجاه العدو .... ، رقم (١٢٣٧) وبا
من قال: إذا صلى ركعة وثبت قائماً أتموا لأنفسهم ركعة، رقم (١٢٣٩) والترمذي في جامعه، في كتاب
الصلاة، باب ما جاء في صلاة الخوف، رقم (٥٦٥) و(٥٦٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة
والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الخوف، رقم (١٢٥٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب في
صلاة الخوف، رقم (١٥٣٠) و(١٥٣١) وأحمد في مسنده (٣: ٤٤٨).

٢٦٣
كتاب: كتاب فضائل القرآن
رُومَانَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَِّه(١)، يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، صَلاَةَ
الْخَوْفِ؛ أَنَّ طَائِقَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ الْعَدُوِّ. فَصَلَّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً. ثُمَّ ثَبَتَ
قَائِماً وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَقُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ. وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَىُ فَصَلَّى
بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ. ثُمَّ ثَبَتَ جَالِساً. وَأَتَمُّوا لأَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ.
١٩٤٦ - (٣١١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ.
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ، عَنْ جَابِرٍ (٢)؛ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ.
حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ وَهُ.
قوله: (عن من صلى رسول الله وَ*) إلخ: قال: قيل: إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي
حثمة، لأن القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي
حثمة، وهذا هو الظاهر من رواية البخاري، ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير، لأن أبا
أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه، فقال: عن صالح بن خوات، عن
أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه خوات بن جبير، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره،
ويحتمل أن صالحاً سمعه من أبيه، ومن سهل بن أبي حثمة، فلذلك يبهمه تارة، ويعينه أخرى،
إلا أن تعيين كونها كانت ذات الرقاع إنما هو في روايته عن أبيه، وليس في رواية صالح عن
سهل: أنه صلاها مع النبي ◌َّر. كذا في الفتح.
قوله: (يوم ذات الرقاع) إلخ: قال النووي: ((هي غزوة معروفة كانت سنة خمس من
الهجرة بأرض غطفان من نجد، سميت ذات الرقاع لأن أقدام المسلمين نقبت من الحفاء فلفوا
عليها الخرق، هذا هو الصحيح في سبب تسميتها. وقد ثبت هذا في الصحيح عن أبي موسى
الأشعري ظُه، وقيل: سميت لجبل هناك يقال له: الرقاع، لأن فيه بياضاً وحمرة وسواداً،
وقيل: سميت بشجرة هناك يقال له: ذات الرقاع، وقيل: لأن المسلمين رقعوا راياتهم، ويحتمل
أن هذه الأمور كلها وجدت فيها».
(١) قوله: (عن صالح بن خوات عن من صلى مع رسول الله (َّه) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في
كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، رقم (٤١٢٩) والنسائي في سننه، في كتاب صلاة الخوف، رقم
(١٥٣٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب من قال: إذا صلى ركعة وثبت قائماً أتموا لأنفسهم
ركعة .... ، رقم (١٢٣٨) وابن ماجه في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الخوف، رقم
(٥٦٧).
(٢) قوله: (عن جابر) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في
السفر عند القائلة، رقم (٢٩١٠) وباب تفرّق الناس عن الإمام عند القائلة والاستظلال بالشجر، رقم
(٢٩١٣) وفي كتاب المغازي باب غزوة ذات الرقاع، رقم (٤١٣٤ - ٤١٣٦) والنسائي في سننه، في كتاب
صلاة الخوف، رقم (١٥٥٣) و(١٥٥٥).

٢٦٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ. فَأَخَذَ سَيْفَ
نَبِيِّ اللّهِ وَّهِ فَاخْتَرَطَهُ. فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهِ: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: ((لا)) قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ
مِنِّي؟ قَالَ: ((اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ)) قَالَ:
قوله: (وجاه العدو) إلخ: بكسر الواو، وضمها، يقال: وجاهه وتجاهه: أي قبالته.
قوله: (عن أبي سلمة عن جابر) إلخ: الظاهر أن القصة التي رواها أبو سلمة غير القصة
التي رواها أبو الزبير وعطاء، كما سبق تحقيقه.
قوله: (على شجرة ظليلة) إلخ: أي كثيرة الظل.
قوله: (تركناها لرسول الله (*) إلخ: قال القاري: ((لعدم الخيمة له، يعني فكذا فعلنا
بذات الرقاع، ونزل ◌ّلل تحت شجرة للاستراحة إلى حين الاجتماع.
قوله: (فجاء رجل من المشركين) إلخ: اسمه غورث بن الحارث، وغورث: وزن جعفر،
وقيل: بضم أوله - وهو بغين معجمة، وراء ومثلثة - مأخوذ من الغرث، وهو الجوع، ووقع عند
الخطيب بالكاف بدل المثلثة، وحكى الخطابي فيه: ((غويرث)) بالتصغير، وحكى عياض أن بعض
المغاربة قال في البخاري: بالعين المهملة، قال: وصوابه بالمعجمة.
قوله: (فأخذ سيف رسول الله (وَ(*) إلخ: لكونه نائماً أو غافلاً عنه.
قوله: (فاخترطه) إلخ: أي سلّه من غمده، وهو غلافه.
قوله: (فمن يمنعك مني) إلخ: أي في هذا الحال، وفي رواية عند البخاري قال: ((من
يمنعك مني ثلاث مرات)).
قال الحافظ: ((هو استفهام إنكار، أي لا يمنعك مني أحد، لأن الأعرابي كان قائماً،
والسيف في يده، والنبي ◌َّر جالس لا سيف معه، ويؤخذ من مراجعة الأعرابي له في الكلام أن
الله سبحانه وتعالى منع نبيه وَّي منه، وإلا فما أحوجه مراجعته مع احتياجه إلى الحظوة عند قومه
بقتله، وفي قول النبي ◌َّر في جوابه: الله يمنعني منك إشارة إلى ذلك، ولذلك أعادها الأعرابي،
فلم يزده على ذلك الجواب وفي ذلك غاية التهكم به وعدم المبالاة به أصلاً)) ..
قوله: (الله يمنعني منك) إلخ: أي الذي سلطك علي هو يمنعني منك، إذ لا حول ولا قوة
إلا بالله.
قال الطيبي: ((كان يكفي في الجواب أن يقول: رسول الله وَله: الله، فبسط اعتماداً على
الله، واعتضاداً بحفظه وكلاءته. قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
قال الأبهري: ((وفيه دلالة على فرط شجاعته، وصبره على الأذى، وحلمه على الجهال)).
وقال القرطبي: ((هذا يدل على أنه سير كان في الوقت لا يحرسه أحد من الناس، بخلاف

٢٦٥
كتاب: كتاب فضائل القرآن
فَتَهَذَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَأَغْمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ. قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ. فَصَلَّى
بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنٍ. قَالَ: فَكَانَتْ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَهِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ. وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ.
ما كان عليه في أول الأمر. فإنه كان يحرس، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾
لكن قد قيل: إن هذه القصة سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِِ﴾ وذلك فيما
أخرجه ابن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: ((كنا إذا نزلنا
طلبنا للنبي وَلي أعظم شجرة وأظلها، فنزل تحت شجرة، فجاء رجل فأخذ سيفه، فقال: يا
محمد، من يمنعك مني؟ قال: والله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا إسناد
حسن، فيحتمل إن كان محفوظاً أن يقال: كان مخيراً في اتخاذ الحرس، فتركه مرة لقوة يقينه،
فلما وقعت هذه القصة ونزلت هذه الآية ترك ذلك. قاله الحافظ في الفتح.
قوله: (فتهدده أصحاب رسول الله) إلخ: ظاهر هذه الآية يشعر بأنهم حضروا القصة، وأنه
إنما كان رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل وقع في صحيح البخاري من طريق
سنان بن سنان، قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﴿ يدعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابي
جالس، فقال رسول الله وَيقول: إن هذا اخترط سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتاً،
فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت له: الله، فها هو ذا جالس، ولم يعاقبه رسول الله (وَلِيٌ)) وفي
رواية للبخاري في الجهاد بعد قوله: ((قلت: الله)): ((فشام السيف)) والمراد أغمده، وهذه الكلمة
من الأضداد، يقال: شامه إذا استلّه وشامه إذا أغمده. قاله الخطابي وغيره.
وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنه حيل بينه وبينه: تحقق صدقه،
وعلم أنه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه، ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله :
((قال: الله)): ((فدع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه النبي ◌َّ، وقال: من يمنعك
أنت مني؟ قال: لا أحد، قال: قم فاذهب لشأنك، فلما ولي قال: أنت خير مني)).
وأما قوله في الرواية: ((فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه)) فيجمع مع رواية ابن إسحاق بأن
قوله: (فاذهب)) كان بعد أن أخبر الصحابة بقصته، فمن عليه لشدة رغبة النبي ◌َّ في استئلاف
الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤاخذه بما صنع، بل عفا عنه، وقد ذكرا لواقدي في نحو هذه
القصة أنه أسلم، وأنه رجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير، ووقع في رواية ابن إسحاق التي
أشرت إليها: ((ثم أسلم بعد)).
قوله: (وللقوم ركعتان) إلخ: قال بعض العلماء: أي ركعتان مع الإمام، ولعلهم كانوا
مقيمين، كما قالوا في حديث ابن عباس، وفي الخوف ركعة، أي مع الإمام إذا كانوا مسافرين،
ويرد هذا التأويل ما في المشكاة ناقلاً عن شرح السنة عن جابر: ((أن النبي ◌َّ كان يصلي
بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نحل، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاء طائفة

٢٦٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٤٧ - (٣١٢) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. أَخْبَرَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي
ابْنَ حَسَّانَ)، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، (وَهُوَ ابْنُ سَلَّم). أَخْبَرَنِي يَحْيَى. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ جَابِراً أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ صَلَّى مَّعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ صَلاَةَ الْخَوْفِ. فَصَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ صَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنٍ. فَصَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ وَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ.
أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم)) قال ميرك: ورواه النسائي هكذا مختصراً، ورواه أبو داود
والنسائي أيضاً من حديث أبي بكرة مطولاً .
قال ابن الهمام: ((روى أبو داود عن أبي بكرة قال: ((صلى النبي ◌َّل في خوف الظهر،
فصف بعضهم خلفه، وبعضهم بإزاء العدو، فصلى ركعتين، ثم سلم، فانطلق الذين صلوا معه،
فوقفوا موقف أصحابهم، ثم جاء أولئك، فصلوا خلفه، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم، فكانت
لرسول الله ( # أربعاً، ولأصحابه ركعتين)).
قال علي القاري: ((ولا إشكال في ظاهر الحديث على مقتضى مذهب الشافعي، فإنه
محمول على حالة القصر، وقد صلى بالطائفة الثانية نفلاً، وعلى قواعد مذهبنا مشكل جداً، فإنه
لو حمل على السفر لزم اقتداء المفترض بالمتنفل، وهو غير صحيح عندنا، فلا يحمل عليه فعله
عليه الصلاة والسلام، وإن حمل على الحضر يأباه السلام على رأس كل ركعتين، اللهم إلا أن
يقال: هذا من خصوصياته. وأما القوم فأتموا ركعتين أخريين بعد سلامه، واختار الطحاوي أنه
كان في وقت كانت الفريضة تصلي مرتين، والله أعلم)) اهـ.
وقد تقدم الكلام عليه في باب القراءة في العشاء، تحت حديث معاذ بن جبل، فراجعه.
ويحتمل على بعد أن تكون الصلاة رباعية، ويكون سلامه وَلّر مع الطائفة الأولى سلام
التشهد، كما في بذل المجهود. والله تعالى أعلم بالصواب.

٢٦٧
كتاب: الجمعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
٠٠٠/٧ - كتاب: الجمعة
١٦٥/٠٠٠ - باب: كتاب الجمعة
١٩٤٨ - (١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرٍ. قَالاً:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ(١)؛ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ،
كتاب الجمعة
قوله: (عن نافع عن عبد الله) إلخ: قال الحافظ في التلخيص: ((ولهذا الحديث طرق
كثيرة، وعد أبو القاسم ابن مندة من رواة نافع عن ابن عمر، فبلغوا ثلاث مائة، وعد من رواه
غير ابن عمر، فبلغوا أربعة وعشرين صحابياً، وقد جمعت طرقه عن نافع، فبلغوا مائة وعشرين
نفساً)).
قوله: (أن يأتي الجمعة) إلخ: بضم الميم على المشهور، وقد تسكن، وحكى عن الفراء
فتحها .
واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية: ((العروبة))
بفتح العين، وضم الراء، وبالموحدة:
(١) قوله: (عن عبد الله) أي ابن عمر - ﴿ه - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب
فضل الغسل يوم الجمعة، رقم (٨٧٧) وباب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان
وغيرهم، رقم (٨٩٤) وباب الخطبة على المنبر، رقم (٩١٩) والنسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب
الأمر بالغسل يوم الجمعة، رقم (١٣٧٨) وباب حض الإمام في خطبته على الغسل يوم الجمعة، رقم
(١٤٠٦ - ١٤٠٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة، رقم
(٤٩٢) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة، رقم
(١٠٨٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الغسل يوم الجمعة، رقم (١٥٤٤) وأحمد في مسنده
(٢: ٣ و٩ و٣٥ و٣٧ و٤٢ و٤٨ و٥١ و٥٣ و٥٥ و٥٧ و٦٤ و٧٥ و٧٧ و٧٨ و١٠١ و١٠٥ و١٥٥ و١٢٠
و١٤١ و ١٤٥ و١٤٩).

٢٦٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَلْيَغْتَسِلْ)) .
فقيل: سمي بذلك لأن خلق آدم جمع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان أخرجه أحمد وابن
خزيمة وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هريرة، ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً بإسناد
قوي، وأحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف، وهذا أصح الأقوال.
ويليه ما أخرجه عبد بن حميد، عن ابن سيرين، بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار
مع أسعد بن زرارة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فصلّى بهم وذكّرهم، فسمّوه الجمعة
حين اجتمعوا إليه، ذكره ابن أبي حاتم موقوفاً. كذا في الفتح وقيل غير ذلك، وذكر ابن القيم في
((الهدى)) ليوم الجمعة اثنين وثلاثين خصوصية، من شاء الاطلاع عليها فليراجعه.
قوله: (فليغتسل) إلخ: قال الشيخ ولي الله الدهلوي قدس الله روحه: ((ثم مست الحاجة
إلى بيان وجوب الجمعة والتأكيد فيه ..... وإلى استحباب التنظيف بالغسل، والسواك،
والتطيب، ولبس الثياب، لأنها من مكملات الطهارة، فيتضاعف التنبه لخلة النظافة، وهو
قوله رقم9: ((لولا أن لشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)) ولأنه لا بد لهم من يوم يغتسلون فيه
ويطيبون، لأن ذلك من محاسن ارتفاقات بني آدم، ولما لم يتيسر كل أمر بذلك يوم الجمعة،
لأن التوقيت به يحض عليه ويكل الصلاة، وهو قوله بَير: ((حق على كل مسلم أن يغتسل في كل
سبعة أيام يوم يغسل فيه رأسه وجسده)) ولأنه كانوا عملة أنفسهم، وكان لهم إذا اجتمعوا ريح
كريح الضأن، فأمروا بالغسل، ليكون رفعا لسبب التنفر وادعى للاجتماع، بينه ابن عباس
وعائشة
ـ)(١) .
اختلاف العلماء في وجوب الغسل يوم الجمعة وفرضيته وسنيته
قال علماؤنا رحمهم الله: وسن الغسل للجمعة لما روى الترمذي، وأبو داود، والنسائي،
وأحمد في مسنده، والبيهقي في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه، وابن عبد البر في الاستذكار،
عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال قال رسول الله وَليقول: ((من توضأ يوم الجمعة فبها
ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) حسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم، كما في المرقاة، وكذا
نقل ابنه عنه تصحيحه، كما في حاشية الدراية. وقال النووي: ((حديث حسن في السنن مشهور،
مع ما هو المشهور من الاختلاف في سماع الحسن من سمرة، وقد عنعن هذا الحديث، ومعنى
قوله: ((فبها ونعمت)) أي فبالسنة أخذ ونعمت هذه الخصلة، وقيل: فبالرخصة أخذ ونعمت
الخصلة هذه، والضمير في ((فبها)) يعود إلى غير المذكور، وهو جائز إذا كان مشهوراً، وكون
الغسل للجمعة سنة غير واجب: مذهب جمهور العلماء وفقهاء الأمصار، وهو المعروف من
مذهب مالك وأصحابه)).
(١) حجة الله البالغة (٢: ٢٩) الجمعة.

٢٦٩
كتاب: الجمعة
قال الحافظ: ((وإلى فرضية الغسل ذهب أهل الظاهر، وهي إحدى الروايتين عن أحمد،
وقد حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة، وعمار بن ياسر، وغيرهما وحكاه ابن حزم عن عمر،
وجمع جم من الصحابة، ومن بعدهم، ثم ساق الرواية عنهم، لكن ليس فيها عن أحد منهم
التصريح بذلك إلا نادراً، وإنما اعتمد في ذلك على أشياء محتملة، كقول سعد: «ما كنت أظن
مسلماً يدع غسل يوم الجمعة)) وحكاه ابن المنذر والخطابي عن مالك، وقال القاضي عياض
وغيره: ليس ذلك بمعروف في مذهبه، قال ابن دقيق العيد: ((قد نص مالك على وجوبه، فحمله
من لم يمارس مذهبه على طاهره، وأبى ذلك أصحابه)) اهـ.
والرواية عن مالك بذلك في التمهيد، وفيه أيضاً من طريق أشهب، عن مالك، أنه سئل
عنه، فقال: حسن وليس بواجب. وحكاه بعض المتأخرين عن ابن خزيمة من أصحابنا، وهو
غلط عليه، فقد صرح في صحيحه بأنه على الاختيار)) اهـ.
وتمسك القائلون بالوجوب بحديث الباب، فقال: حسن وليس بواجب. وحكاه بعض
المتأخرين عن ابن خزيمة من أصحابنا، وهو غلط عليه، فقد صرح في صحيحه بأنه على
الاختيار)) اهـ.
وتمسك القائلون بالوجوب بحديث الباب، أي قوله ◌َلتر: ((فليغتسل)) والأمر للوجوب،
وبما روى البخاري ومسلم من حديث الخدري أن رسول الله وَّر قال: ((غسل يوم الجمعة واجب
على كل محتلم)).
وقد أجاب الجمهور عنه بثلاثة أجوبة: أحدها: أن الوجوب قد كان، ونسخ.
ودفع بأن الناسخ وإن حسنه الترمذي وصححه أبو حاتم لا يقوى قوة حديث الوجوب،
وليس فيه تاريخ أيضاً، فعند التعارض يقدم يقدم الموجب.
ثانيهما: أنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، كما يفيده حديث ابن عباس أنه سئل عن
غسل يوم الجمعة: ((أواجب هو؟ فقال: لا، ولكنه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس
بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف، ويعلمون،
وكان مسجدهم ضيقاً، فلما آذى بعضهم بعضاً قال النبي ◌ِّر: ((أيها الناس إذا كان هذا اليوم
فاغتسلوا)) قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكفوا العمل، ووسع
المسجد)) أخرجه أبو داود، والطحاوي، وإسناده حسن.
ولأبي عوانة من حديث ابن عمر نحوه، وصرح في آخره بأنه وَّ قال حينئذٍ: ((من جاء
منكم الجمعة فليغتسل)) وشاهده حديث عائشة الآتي في الباب.
والحاصل أن ابن عباس لم ينكر ورود الأمر بالاغتسال، بل أثبته كما هو المصرح في

٢٧٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
نفس هذه الرواية، وفيما رواه البخاري عن طاووس: ((قلت لابن عباس: ذكروا أن رسول الله وَليقول
قال: ((اغتسلوا يوم الجمعة، واغتسلوا رؤوسكم، وإن لم تكونوا جنباً وأصيبوا من الطيب)) قال
ابن عباس: أم الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري)) ولكن الظاهر من كلامه أنه ادعى أن الأمر
الإيجابي بالاغتسال قد انتهى بانتهاء علته، وأما بقاء الاستحباب الأكيد فهو لا ينفيه، وليس
لأحد سبيل إلى نفيه، والأصل في كل حكم أن يبقى ما دامت العلة باقية، وينتهي بانتهاءها، وأما
بقاء الحكم والمسبب بعد زوال العلة والسبب كما في الرمل والجمار: فقد يقع نادراً لمصلحة
خاصة توجد هناك، فلا يسلم بقاء الحكم بعد زوال علته، لكونه خلاف الأصل، إلا أن يثبت من
خارج أنه باق بعد، ولم يرتفع مع ارتفاع علته، فليتأمل.
وثالثها: أن المراد بالأمر: الندب من أول أمر، وبالوجوب: الثبوت شرعاً، على وجه
التأكيد، كأنه قال: ((وغسل يوم الجمعة واجب في الأخلاق الكريمة وحسن السنة)).
قال الإمام الشافعي بعد أن أورد حديثي ابن عمر وأبي سعيد: ((احتمل قوله: ((واجب))
معنيين: الظاهر منهما أنه واجب، فلا تجزىء الطهارة لصلاة الجمعة إلا بالغسل، واحتمل أنه
واجب في الاختيار وكرم الأخلاق والنظافة)) ثم استدل للاحتمال الثاني بقصة عثمان مع عمر
التي ستأتي في الباب، قال: ((فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج
للغسل ــ دل ذلك على أنهما قد علما أن الأمر بالغسل للاختيار)) اهـ.
قال الحافظ: ((وعلى هذا الجواب عول أكثر المصنفين في هذه المسألة، كابن خزيمة،
والطبري، والطحاوي، وابن حبان، وابن عبد البر وهلم جراً، وزاد بعضهم فيه: أن من حضر
الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعاً منهم على أن الغسل ليس شرطاً في صحة الصلاة،
وهو استدلال قوي، وقد نقل الخطابي وغيره الإجماع على أن الجمعة بدون الغسل مجزئة، لكن
حكى الطبري عن قوم أنهم قالوا بوجوبه، ولم يقربوا: إنه شرط، بل هو واجب مستقل تصح
الصلاة بدونه، كان أصله قصد التنظيف وإزالة الروائح الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من
الملائكة والناس، وهو موافق لقول من قال: يحرم أكل الثوم على من قصد الصلاة في الجماعة
ويرد عليهم أنه يلزم من ذلك تأثيم عثمان، والجواب أنه كان معذوراً، لأنه إنما تركه ذاهلاً عن
الوقت، مع أنه يحتمل أن يكون قد اغتسل في أول النهار، لما ثبت في صحيح مسلم عن
حمران: أن عثمان لم يكن يمضي عليه يوم حتى يفيض عليه الماء، وإما لم يعتذر بذلك لعمر
كما اعتذر عن التأخر، لأنه لم يتصل غسله بذهابه إلى الجمعة، كما هو الأفضل.
وعن بعض الحنابلة: التفصيل بين ذي النظافة وغيره، فيجب على الثاني دون الأولى، نظراً
إلى العلة، حكاه صاحب ((الهدى)) وحكى ابن المنذر عن إسحاق بن راهويه أن قصة عمر وعثمان
تدل على وجوب الغسل لا على عدم وجوبه من جهة ترك عمر الخطبة، واشتغاله بمعاتبة عثمان

٢٧١
كتاب: الجمعة
وتوبيخ مثله على رؤوس الناس، لو كان ترك الغسل مباحاً لما فعل عمر ذلك وإنما لم يرجع
عثمان للغسل لضيق الوقت، إذ لو فعل لفاتته الجمعة، أو لكونه كان اغتسل كما تقدم)) اهـ.
قلت: الظاهر أن عمر أنكر أولاً على عثمان ﴿ّ ترك التبكير الذي ليس لواجب، بقوله:
((أية ساعة هذه)) ثم لما اعتذر عثمان عنه عاد بإنكار على تركه الاغتسال بقوله: ((والوضوء أيضاً))
ولا نرى في نكيره على هذا التفريط شيئاً من الشدة والتغليظ ما يزيد على نكيره السابق، مع أن
الاغتسال لو كان فرضاً، والتبكير مندوباً: كان اللازم أن يشتد إنكاره على ترك الفرض أزيد مما
وقع على ترك المندوب، وكان اللائق أن يهتم عثمان به أيضاً بالاعتذار عن الثاني فوق ما
اعتذر عن الأول، والواقع خلافه، فهذه قرينة على عدم وجوب الغسل عندهم، كما نبه عليه
الشافعي ربه، والله أعلم.
ومن القرائن المشعرة بعدم الوجوب أنه و 98 قرنه بما لا يجب اتفاقاً، كما سيأتي في الباب
من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله وسلم قال: ((غسل يوم الجمعة على كل محتلم،
وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه)) ومعلوم أن السواك ليس بواجب اتفاقاً، والطيب أيضاً
عند عامة السلف، فكذلك الغسل.
ومن القرائن المؤيدة لعدم الوجوب ما سيأتي من حديث أبي هريرة: ((من توضأ فأحسن
الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له)). قال القرطبي: ((ذكر الوضوء وما معه مرتباً عليه
الثواب المقتضي للصحة، فدل أن الوضوء كاف)).
وقال الحافظ تَقُّ في التلخيص: ((إنه من أقوى ما يستدل على عدم فرضية الغسل)) اهـ.
قلت: ولا يقدح فيه وروده من وجه آخر بلفظ: ((من اغتسل .... )) فإن الغرض أن الوضوء
كاف لتحصيل الثواب، وأما الغسل فترتب الثواب عليه أولى، والدليل الصريح على عدم
الوجوب ما قدمنا من حديث الحسن عن سمرة. والله أعلم.
قال علي القاري كثّفُهُ: ((وأما ادعاء أن حديث الوجوب أصح فقدم على هذا: فغير
صحيح، لأن أصحيته لا تقتضي تقديمه إلا على ضده الذي لا يمكن الجمع بينه وبينه، وأما ما
يمكن الجمع بينه وبينه فلا يجوز إلغاء الصحيح بالأصح، بل يتعين الجمع بينهما، فمن ثم أولنا
الأصح بما يوافق الصحيح، لتعذره لما تقرر أن الوجوب يطلق كثيراً شائعاً على التأكيد، كما
يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب عليّ، وأما مدح الاقتصار على الوضوء وجعل الغسل أفضل
منه: فلا يطلق ذلك مع فرض وجوب الغسل مطلقاً)) اهـ.
وما قلنا في الابتداء أن غسل الجمعة سنة عندنا فهكذا هو في المتون، وذهب بعض
مشايخنا إلى أنه مستحب، أخذا من قول محمد: إن غسل الجمعة حسن.
قال ابن الهمام: ((وهو النظر، لأنا إن قلنا بأن الوجوب انتسخ لا يبقى حكم آخر بخصوصه

٢٧٢
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إلا بدليل، والدليل المذكور يفيد الاستحباب، وكذا إن قلنا بأنه من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء
علته، وإن حملنا الأمر على الندب فدليل الندب يفيد الاستحباب، إذ لا سنة دون مواظبته وَق،
ولیس ذلك لازم الندب)) اهـ.
لكن قال تلميذه ابن أمير الحاج: ((والذي يظهر استنان غسل الجمعة لما عن عائشة رضيعليها:
((أن رسول الله ولو كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة وغسل الميت، ومن
الحجامة)) رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، والحاكم، وقال: على شرط الشيخين. وقال
البيهقي: رواته كلهم ثقات مع ما تقدم، فإن هذا الحديث ظاهره يفيد المواظبة، وما تقدم يفيد
جواز الترك من غير لوم، وبهذا القدر تثبت السنة)) اهـ.
وفي مجمع الزوائد، عن ابن مسعود قال: ((من السنة الغسل يوم الجمعة)) رواه البزار
ورجاله ثقات، وفيه أيضاً عن علي قال: ((يستحب الغسل يوم الجمعة، وليس بحتم)) رواه
الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، والمراد بالاستحباب عدم الوجوب، فلا ينافي السنية .
اختلاف فقهاء الحنفية في أن الغسل
يوم الجمعة للصلاة أم لليوم
ثم اختلف فقهاؤنا، فعند أبي يوسف: الغسل في يوم الجمعة للصلاة لا لليوم، لأنها
أفضل من الوقت. وعند الحسن: لليوم، إظهاراً لفضيلته.
قال ابن عابدين: ((كونه للصلاة هو الصحيح، وهو ظاهر الرواية، وهو قول أبي يوسف،
وقال الحسن بن زياد: إنه اليوم، ونسب إلى محمد، والخلاف المذكور جار في غسل العيد
أيضاً، كما في القهستاني عن التحفة.
وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه لو اغتسل، وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء،
نال الفضل عند الحسن لا عند الثاني، أي أبي يوسف، قال في الكافي. وكذا فيمن اغتسل قبل
الفجر، وصلى به: ينال عند الثاني لا عند الحسن لأنه اشترط إيقاعه فيه إظهاراً لشرفه ومزيد
اختصاصه عن غيره، كما في النهر. قيل: وفيمن اغتسل قبل الغروب، واستظهر في البحر ما
ذكره الشارح عن الخانية من أنه لا يعتبر إجماعاً، لأنه سبب مشروعيته دفع حصول الأذى من
الرائحة عند الاجتماع، والحسن وإن قال هو لليوم لكن بشرط تقدمه على الصلاة، ولا يضر
تخلل الحدث بينه وبين الغسل عنده، وعند أبي يوسف يضر)) اهـ.
ولسيدي عبد الغني النابلسي هنا بحث نفيس ذكره في شرح هداية ابن العماد:
حاصله أنهم صرحوا بأن هذه الاغتسال الأربع للنظافة لا للطهارة، مع أنه لا تخلل

٢٧٣
كتاب: الجمعة
الحدث تزداد النظافة بالوضوء ثانياً، ولئن كانت كانت للطهارة أيضاً فهي حاصلة بالوضوء ثانياً
مع بقاء النظافة فالأولى عندي الإجزاء، وإن تخلل الحدث، لأن مقتضى الأحاديث الواردة في
ذلك طلب حصول النظافة فقط)) اهـ.
ويؤيده طلب التبكير للصلاة، وهو في الساعة الأولى أفضل، وهي إلى طلوع الشمس،
فربما يعسر مع ذلك بقاء الوضوء إلى وقت الصلاة، ولا سيما في أطول الأيام، وإعادة الغسل
أعسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، وربما أداء ذلك إلى أن يصلي حاقناً، وهو حرام.
ويؤيده أيضاً ما في المعراج: ((لو اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استن بالسنة لحصول
المقصود، وهو قطع الرائحة)) اهـ.
ويؤيده قول أبي يوسف قوله ﴿ ﴿ عن المؤلف: ((من جاء منكم الجمعة فليغتسل)) زاد
البيهقي: ((من لم يأتها فليس عليه غسل)). قال النووي في الخلاصة: وسندها صحيح، كذا في
نصب الراية .
قال ابن دقيق العيد: ((في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل المجيء إلى الجمعة،
واستدل به لمالك في أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلاً بالذهاب، ووافقه الأوزاعي والليث،
والجمهور قالوا يجزىء من بعد الفجر، ويشهد لهم حديث ابن عباس الآتي قريباً، وقال الأثرم:
سمعت أحمد سئل عمن اغتسل ثم أحدث: هل يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أسمع فيه أعلى
من حديث ابن أبزى، يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد، عن
عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه - وله صحبة ـ ((أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يحدث فيتوضأ،
ولا يعيد الغسل)) ومقتضى النظر أن يقال: إذا عرف أن الحكمة في الأمر بالغسل يوم الجمعة
والتنظيف: رعاية الحاضرين من التأذي بالرائحة الكريهة، فمن خشي أن يصيبه في أثناء النهار ما
يزيل تنظيفه - استحب له أن يؤخر الغسل لوقت ذهابه، ولعل هذا هو الذي لحظه مالك، فشرط
اتصال الذهاب بالغسل ليحصل الأمن مما يغاير التنظيف، والله أعلم)).
قال ابن دقيق العيد: ((ولقد أبعد الظاهري إبعاداً يكاد أن يكون مجزوماً ببطلانه، حيث لم
يشترط تقدم الغسل على إقامة صلاة الجمعة، حتى لو اغتسل قبل الغروب كفى عنه تعلقاً بإضافة
الغسل إلى اليوم، كما في بعض الروايات، وقد تبين من بعض الروايات أن الغسل لإزالة الروائح
الكريهة، كما سيأتي من حديث عائشة. قال: وفهم منه أن المقصود عدم تأذي الحاضرين،
وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة، وكذلك أقول: لو قدمه بحيث لا يتحصل هذا المقصود لم
يعتد به، والمعنى إذا كان معلوماً كالنص قطعاً أو ظناً مقارناً فاتباعه وتعليق الحكم به أولى من
اتباع مجرد مجرد اللفظ .

٢٧٤
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٤٩ - (٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحِ. أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ بَله؛ أَنَّهُ قَالَ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ)).
١٩٥٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ.
أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ، عَنٍ
النَّبِيِّ ◌َُّ. بِمِثْلِهِ.
١٩٥١ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ. بِمِثْلِهِ.
١٩٥٢ - (٣) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ
قلت: وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة،
ولا فعل ما أمر به، وادعى ابن حزم أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين، وأطال في تقرير
ذلك بما هو بصدد المنع والرد، ويفضي إلى التطويل بما لا طائل تحته، ولم يورد عن أحد ممن
ذكر التصريح بأجزاء الاغتسال بعد صلاة الجمعة، وإنما أورد عنهم ما يدل على أنه لا يشترط
اتصاله الغسل بالذهاب إلى الجمعة، فأخذ هو منه أنه لا فرق بين ما قبل الزوال أو بعده،
والفرق بينهما ظاهر كالشمس، كذا في الفتح.
قوله: (من جاء منكم الجمعة) إلخ: هذه الرواية محمولة على رواية الليث السابقة، أي
أراد المجيء، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ تَجْوَنَكُمْ ﴾﴾ [المجادلة: ١٢]
فإن المعنى إذا أردتم المناجاة بلا خلاف، ويقوى رواية الليث حديث أبي هريرة بلفظ: ((من
اغتسل يوم الجمعة ثم راح .... )) فهو صريح في تأخير الرواح عن الغسل، وعرف بهذا فساد
قول من حمله على ظاهره، واحتج به على أن الغسل لليوم لا للصلاة، لأن الحديث واحد،
ومخرجه واحد، وقد بين الليث في روايته الرماد، وقواه حديث أبي هريرة كذا في الفتح.
وقوله فيه: ((الجمعة)) المراد به: الصلاة، أو المكان الذي تقام فيه، وذكر المجيء لكونه
الغالب، وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاوراً للجامع أو مقيماً به.
قوله: (بينا هو يخطب) إلخ: أصله ((بين)) وأشبعت الفتحة، وهي ظرف زمان فيه معنى
المفاجأة .
(١) قوله: (عن أبيه) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم =

٢٧٥
كتاب: الجمعة
النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ وَ لِهِ. فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هُذِهِ؟
فَقَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ الْيَوْمَ. فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ النِّدَاءَ. فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ
تَوَضَّأْتُ. قَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضاً!
قوله: (دخل رجل) إلخ: هو عثمان بن عفان ظه، كما هو المصرح في الرواية الآتية،
قال ابن عبد البر: ولا أعلم خلافاً في ذلك.
قوله: (أيّة ساعة هذه) إلخ: أيّة: بتشديد التحتانية، تأنيث ((أي)) يستفهم بها، والساعة اسم
لجزء من النهار مقدر، وتطلق على الوقت الحاضر، وهو المراد هنا، وهذا الاستفهام استفهام
توبيخ وإنكار، وكأنه يقول: لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار في رواية أبي
هريرة، فقال عمر: ((لم تحتبسون عن الصلاة)) وفي رواية مسلم: ((فعرض به عمر، ما بال رجال
بتأخرون بعد النداء)).
والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله، فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الآخر، ومراد عمر
التلميح إلى ساعات التبكير التي وقع الترغيب فيها، وأنها إذا انقضت طوت الملائكة الصحف،
كما سيأتي قريباً، وهذا من أحسن التعريضات وأرشق الكنايات، وفهم عثمان ذلك فبادر إلى
الاعتذار عن التأخر.
قوله: (إني شغلت) إلخ: بضم أوله، وقد بين جهة شغله في رواية عبد الرحمن بن مهدي،
حيث قال: ((انقلبت من السوق، فسمعت النداء)) والمراد به الأذان بين يدي الخطيب.
قال السندي: ((كلاهما ما كان حال الاشتغال بالخطبة، فلا يشمله النهي في حديث ((إذا
قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت - والإمام يخطب -.... )) فصار ككلام النبي ◌َّ لداخل في
المسجد حال الخطبة: ((أركعت ركعتين)) وقوله: ((لا)) ومثله لا يضر، لعدم شمول النهي له)).
وقال الأبي: ((ولا يكونان لاغيين، وإنما اللاغي من أعرض عن استماعها، ويشغل نفسه
باستماع غيرها مما لا يسوغ في الشرع)) انتهى.
قوله: (فلم أزد على أن توضأت) إلخ: وهذا يدل على أنه دخل المسجد في ابتداء شروع
عمر في الخطبة .
قوله: (والوضوء أيضاً) إلخ: قال الحافظ في الفتح: ((قوله: ((والوضوء)) في رويتنا
بالنصب، وعليه اقتصر النووي في شرح مسلم، أي: والوضوء أيضاً اقتصرت عليه، أو اخترته
الجمعة، رقم (٨٧٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة، رقم
=
(٤٩٤) (٤٩٥) وأحمد في مسنده (١: ٣٩ و٤٥).

٢٧٦
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ .
دون الغسل، والمعنى: ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت
على الوضوء.
وجوز القرطبي الرفع على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: والوضوء أيضاً يقتصر عليه.
وقوله: ((أيضاً)) أي ألم يكفك إن فاتك التبكير إلى الجمعة حتى أضفت إليه ترك الغسل
المرغب فيه؟
ولم أقف في شيء من الروايات على جواب عثمان عن ذلك، والظاهر أنه سكت عنه
اكتفاء بالاعتذار الأول، لأنه قد أشار إلى أنه كان ذاهلاً عن الوقت، وأنه بادر عند سماع النداء،
وإنما ترك الغسل لأنه تعارض عنده إدراك سماع الخطبة والاشتغال بالغسل، وكل منهما مرغب
فيه، فأثر سماع الخطبة، ولعله كان يرى فرضيته، فلذلك آثره والله أعلم.
وقال السندي تَغَفُ: ((واستدل بعدم أمر عمر ربه له بالغسل، وسكوت الصحابة: على أن
الغسل غير واجب بالإجماع، وهذا كما ترى، إذ يجوز أن يكون وجوب الغسل مختلفاً فيه
عندهم، ويكون سكوتهم كسكوت الناس على الأمر المختلف فيه ضرورة أن المختلف فيه لا يرد
على فاعله إذا كان مقلداً، فكيف إذا كان مجتهداً؟ فافهم)).
وقال الأبي: ((لا يمكن أن يقال: إنه واجب عارضه واجب آكد منه)) انتهى. يريد أنه لم
يأمره لضيق وقت الصلاة، والصلاة آكد منه، والله تعالى أعلم. وقد تقدم بعض ما يتعلق به في
شرح أول أحاديث الباب.
قوله: (وقد علمت أن رسول الله) إلخ: قال الحافظ: ((وفي هذا الحديث من الفوائد: تفقد
الإمام رعيته، وأمره لهم بمصالح دينهم، وإنكاره على من أخل بالفضل، وإن كان عظيم المحل،
ومواجهته بالإنكار ليرتدع من هو دونه بذلك، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثناء
الخطبة لا يفسدها، وسقوط منع الكلام عن المخاطب بذلك. وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمر،
وإباحة الشغل، والتصرف يوم الجمعة قبل النداء، ولو أفضى إلى ترك فضيلة البكور إلى الجمعة،
لأن عمر لم يأمر برفع السوق بعد هذه القصة.
واستدل به مالك على أن السوق لا يمنع يوم الجمعة قبل النداء، لكونها كانت في زمن
عمر، ولكون الذاهب إليها مثل عثمان وفيه شهود الفضلاء السوق، ومعاناة المتجر فيها وفيه أن
فضيلة التوجه إلى الجمعة إنما تحصل قبل التأذين، وفيه الرد على من ادعى إجماع أهل المدينة
على ترك التبكير إلى الجمعة، لأن عمر أنكر عدم التبكير بمحضر من الصحابة وكبار التابعين من
أهل المدينة. والله أعلم)).

٢٧٧
كتاب: الجمعة
١٩٥٣ - (٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ(١)؛
قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَقَّانَ. فَعَرَّضَ
بِهِ عُمَرُ. فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَتَأَخِرُونَ بَعْدَ النِّدَاءِ! فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا زِدْتُ
حِينَ سَمِعْتُ النِّدَاءَ أَنْ تَوَضَّأْتُ. ثُمَّ أَقْبَلْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالْوُضُوءَ أَيْضاً! أَلَمْ تَسْمَعُوا
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلْيَغْتَسِلْ)).
(١) - باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ
من الرجال وبيان ما أمروا به
١٩٥٤ - (٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
سُلَيْمِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ(٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِ قَالَ: «الْغُسْلُ،
يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمِ)) .
قوله: (الغسل يوم الجمعة) إلخ: وفي صحيح البخاري: ((غسل يوم الجمعة)) بإضافة
((الغسل)) إلى ((اليوم)).
قوله: (واجب على كل محتلم) إلخ: أي بالغ، وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، واستدل
بقوله: ((واجب)) على فرضية غسل الجمعة وتقدم الكلام عليه في شرح أول أحاديث الباب،
فراجعه .
(١) قوله: (أبو هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب (بدون ترجمة، بعد باب
فضل الجمعة) رقم (٨٨٢) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة، رقم (٣٤٠)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الغسل يوم الجمعة، رقم (١٥٤٧) وأحمد في مسنده (١ : ١٥
و ٣٦).
(٢) قوله: (عن أبي سعيد الخدري) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب وضوء
الصبيان، ومتى يجب عليهم الغسل والطهور؟ .... ، رقم (٨٥٨) وفي كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم
الجمعة، رقم (٨٧٩) وباب الطيب للجمعة، رقم (٨٨٠) وباب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من
النساء والصبيان وغيرهم، رقم (٨٩٥) وفي كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، رقم (٢٦٦٥)
والنسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب الأمر بالسواك يوم الجمعة، رقم (١٣٧٦) وباب إيجاب الغسل
يوم الجمعة، رقم (١٣٧٩) وباب الهيئة للجمعة رقم (١٣٨٤) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب
في الغسل يوم الجمعة، رقم (٣٤١) و(٣٤٤) وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب
ما جاء في الغسل يوم الجمعة، رقم (١٠٨٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الغسل يوم
الجمعة، رقم (١٥٤٥) و(١٥٤٦) وأحمد في مسنده (٣: ٦٠).

٢٧٨
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٩٥٥ - (٦) حدّثني هارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ
وَهْبِ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ؛ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَهُ، عَنْ
عُرْوَةً بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّهَا قَالَتَ: كَانَ النَّاسُ يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ مِنَ
الْعَوَالِي. فَيَأْتُونَ فِي الْعَبَاءِ. وَيُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ. فَتَخْرُجُ مِنْهُمُ الرِّيحُ. فَأَتَّى رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
إِنْسَانٌ مِنْهُمْ. وَهُوَ عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ شَهِ: ((لَوْ أَنَّكُمْ تَطَّهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هذَا)) .
١٩٥٦ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
قال النووي: ((واجب على كل محتلم، أي متأكد في حقه، كما يقول الرجل لصاحبه:
حقك واجب عليّ أي متأكد، لا أن المراد الواجب المحتم المعاقب عليه.
قوله: (ينتابون) إلخ: أي يحضرونها نوبا، والانتياب افتعال من النوبة، وفي رواية:
«يتناوبون)).
قوله: (ومن العوالي) إلخ: تقدم تفسيرها في المواقيت، وأنها على أربعة أميال فصاعداً من
المدينة .
قال القرطبي: ((فيه رد على الكوفيين، حيث لم يوجبوا الجمعة على من كان خارج
المصر))، كذا قال.
وفيه نظر، لأنه لو كان واجباً على أهل العوالي ما تناوبوا، ولكانوا يحضرون جميعاً، والله
أعلم، كذا في الفتح.
قوله: (فيأتون في العباء) إلخ: هو بالمد جمع ((عباءة)) بالمد، و((عباية)) بزيادة ياء، لغتان
مشهورتان .
قوله: (لو أنكم تطهرتم) إلخ: ((لو)) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب، أو للشرط، والجواب
محذوف، تقديره: لكان حسناً، وقد وقع في حديث ابن عباس عند أبي داود أن هذا كان مبدأ
الأمر بالغسل للجمعة، ولأبي عوانة من حديث ابن عمر نحوه.
قوله: (ليومكم هذا) إلخ: أي في يومكم هذا، أو لصلاة يومكم هذا.
(١) قوله: (عن عائشة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب من أين تؤتى الجمعة
وعلى من تجب؟ رقم (٩٠٢) وباب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، رقم (٩٠٣) وفي كتاب البيوع، باب
كسب الرجل وعلمه بيده، رقم (٢٠٧١) والنسائي في سننه، في كتاب الجمعة، باب الرخصة في ترك الغسل
يوم الجمعة (١٣٨٠) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة،
رقم (٣٥٢) وأحمد في مسنده (٦: ٦٢ و٦٣).

٢٧٩
كتاب: الجمعة
عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ. فَكَانُوا يَكُونُ
لَهُمْ تَفَلٌ. فَقِيلَ لَهُمْ: لَوِ اغْتَسَلْتُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
(٢) - باب: الطيب والسواك يوم الجمعة
١٩٥٧ - (٧) وحدّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا
عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلاَلٍ وَيُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ، حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِيِّ بَكْرِ بْنِ
الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((غُسْلُ يَوْم الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُخْتَلِمٍ. وَسِوَاكٌ. وَيَمَسُ مِنَ الطَّيبِ مَا
قَدَرَ عَلَيْهِ)).
قوله: (كان الناس أهل عمل) إلخ: وفي رواية عند البخاري: ((كان الناس مهنة أنفسهم))
بنون وفتحات، جمع ((ماهن)) ككتبة وكاتب، أي خدم أنفسهم، وحكى ابن التيم أنه روى بكسر
أوله وسكون الهاء، ومعناه بإسقاط محذوف، أي: ذوي مهنة.
قوله: (ولم تكن لهم كفاة) إلخ: جمع كاف، كقاض وقضاة، أي لم يكن لهم من يكفيهم
العمل من الخدم.
قوله: (يكون لهم تفل) إلخ: بتاء مثناة فوق، ثم فاء مفتوحتين، أي رائحة كريهة .
قوله: (لو اغتسلتم) إلخ: فيه أنه يندب لمن أراد المسجد أو مجالسته الناس أن يجتنب
الريح الكريهة في بدنه وثوبه .
قوله: (ويمس من الطيب) إلخ: بفتح الميم على الأفصح، وقد أشار البخاري في تراجمه
إلى أن ما عدا الغسل من الطيب والدهن والسواك وغيرها ليس هو في الآكد كالغسل، وإن كان
الترغيب ورد في الجميع، لكن الحكم يختلف إما بالوجوب عند من يقول به، أو بتأكيد بعض
المندوبات على بعض.
قوله: (ما قدر عليه) إلخ: قال عياض: ((قوله: ((ما قدر عليه)) إرادة التأكيد ليفعل ما أمكنه،
ويحتمل إرادة الكثرة، والأول أظهر، ويؤيده قوله: ((ولو من طيب المرأة)) لأنه يكره استعماله
للرجل، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، فإباحته للرجل لأجل عدم غيره، يدل على تأكد الأمر
في ذلك ويؤخذ من اقتصاره على المس الأخذ بالتخفيف في ذلك)).
قال الزين بن المنير: ((فيه تنبيه على الرفق، وعلى تيسير الأمر في التطيب، بأن يكون بأقل
ما يمكن، حتى إنه يجزىء مسه من غير تناول قدر ينقصه، تحريضاً على امتثال الأمر فيه».
(١) قوله: (عن أبيه) انظر تخريج حديث رقم (١٩٦٧).

٢٨٠
الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
إِلاَّ أَنَّ بُكَيْراً لَمْ يَذْكُرْ: عَبْدَ الرَّحْمُنِ. وَقَالَ فِي الطَّيبِ: ((وَلَوْ مِنْ طِيبٍ الْمَرْأَةِ)).
١٩٥٨ - (٨) حدّثنا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ. ح
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ
مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِّ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ نَّهُ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.
قَالَ طَاوُسٌ: فَقُلْتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ: وَيَمَسُ طِيباً أَوْ دُهْناً، إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ قَالَ: لاَ أَعْلَمُهُ.
١٩٥٩ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح وَحَدَّثَنَا
هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا الضَّخَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ.
١٩٦٠ - (٩) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(٢)، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ؛ قَالَ: ((حَقٌّ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ
مُسْلِمٍ، أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلُّ سَبْعَةٍ أَيَّامِ، يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ)).
١٩٦١ - (١٠) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ
قوله: (لا أعلمه) إلخ: هذا يخالف ما رواه عبيد بن السباق، عن ابن عباس مرفوعاً: ((من
جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان له طيب فليمس منه)) أخرجه ابن ماجه من رواية صالح بن
أبي الأخضر، عن الزهري، عن عبيد، وصالح ضعيف، وقد خالفه مالك، فرواه عن الزهري،
عن عبيد بن السباق بمعناه مرسلاً. فإن كان صالح حفظ فيه ابن عباس احتمل أن يكون ذكره ما
نسیه، أو عكس ذلك.
قوله: (حق الله) إلخ: أي ثابت، ولازم أو جدير ولائق.
قوله: (على كل مسلم) إلخ: أي بالغ عاقل، كما سبق في حديث الخدري ظُته، وتقدم
البحث في وجوب غسل الجمعة.
قوله: (في كل سبعة أيام) إلخ: أي يوماً، وقد عينه في حديث جابر عند النسائي أنه يوم
الجمعة .
(١) قوله: (عن ابن عباس) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة، رقم
(٨٨٤) و(٨٨٥) وأبو داود في سننه، في كتاب الطهارة، باب في الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة، رقم
(٣٥٣) وأحمد في مسنده (١: ٢٦٥).
(٢) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد
الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم، رقم (٨٩٧) و(٨٩٨) وفي كتاب أحاديث الأنبياء، باب (بدون
ترجمة، بعد باب حديث الغار) رقم (٣٤٨٧) وأحمد في مسنده (٢: ٣٤٢).