النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها اللَّيْلِ: ((اللَّهُمَّ! لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، أول ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة ((الدليل على أن النبي ولو كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر)) ثم ساقه من طريق قيس بن سعد، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: ((كان رسول الله وَلو إذا قام للتهجد، قال بعد ما يكبر: اللهم لك الحمد)). قوله: (أنت نور السموات) إلخ: قال الحافظ: ((أي منورهما، وبك يهتدي من فيهما. وقيل: المعنى أنت المنزه عن كل عيب، يقال: فلان منور، أي مبرأ من كل عيب، ويقال: هو اسم مدح، تقول: فلان نور البلد، أي مزينه)) اهـ. تحقيق معنى النور وبيان إطلاقه على الله سبحانه وتعالى وفي روح المعاني بعد بيان معاني النور عند الحكماء والصوفية واللغويين: ((إذا علمت هذا فاعلم أن إطلاق النور على الله سبحانه وتعالى بالمعنى اللغوي والحكمي السابق غير صحيح، لكمال تنزهه جل وعلا عن الجسمية والكيفية، ولوازمهما، وإطلاقه عليه سبحانه بالمعنى المذكور - وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره - قد جوزه جماعة، منهم حجة الإسلام الغزالي، فإنه - قدس سره - بعد أن ذكر في رسالته مشكاة الأنوار معنى النور ومراتبه، قال: إذا عرفت أن النور يرجع إلى الظهور والإظهار فاعلم أن لا ظلمة أشد من كتم العدم، لأن المظلم سمي مظلماً، لأنه ليس بظاهر للأبصار مع أنه موجود في نفسه، فما ليس بظاهر للأبصار مع أنه موجود في نفسه، فما ليس موجوداً أصلاً كيف لا يستحق أن يكون هو الغاية في الظلمة وفي مقابلته الوجود وهو النور، فإن الشيء ما لم يظهر في ذاته لا يظهر لغيره، والوجود ينقسم إلى ما للشيء من ذاته، وإلا ما له من غيره، فما له الوجود من غيره فوجوده مستعار لا قوام له بنفسه، بل إذا اعتبر ذاته من حيث ذاته فهو عدم محض، وإنما هو وجود من حيث نسبته إلى غيره، وذلك ليس بوجود حقيقي، فالوجود الحق هو الله تعالى، كما أن النور الحق هو الله عز وجل، وقد قال قبل هذا، أقول: ولا أبالي أن إطلاق اسم النور على غير النور الأول مجاز محض، إذ كل ماسواه سبحانه إذا اعتبر فهو في ذاته من حيث ذاته، لا نور له، بل نورانيته مستعارة من غيره، ولا قوام لنورانيته المستعارة بنفسها بل بغيرها، ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض وفسر النور في هذه الآية أعني قوله تعالى: ﴿اللّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥])) بذلك، ثم أشار إلى وجه الإضافة إلى السماوات والأرض بقوله: ((لا ينبغي أن يخفى عليك ذلك بعد أن عرفت أنه تعالى هو النور، ولا نور سواه، وأنه كل الأنوار، والنور الكلي لأن النور عبارة عما تنكشف به الأشياء وأعلى منه ما تنكشف به وله ومنه، وليس فوقه نور منه اقتباسه واستمداده، بل ذلك له في ذاته لذاته، لا من غيره. ثم عرفت أن هذا لا يتصف به إلا النور الأول، ثم عرفت أن السماوات والأرض مشحونة نوراً من طبقتي النور أعني المنسوب إلى البصر والمنسوب إلى البصيرة أي إلى الحس، والعقل كنور الكواكب، وجواهر الملائكة، وكالأنوار المشاهدة المنبسطة، على كل ما على الأرض ١٢٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وكأنوار النبوة والقرآن إلى غير ذلك، وهذا منزع صوفي اهـ. ثم قال: ((وجوز بعض المحققين كون المراد من النور في الآية الموجد كأنه قيل: ((الله موجد السموات والأرض)) ووجه ذلك بأنه مجاز مرسل باعتبار لازم معنى النور، وهو الظهور في نفسه، وإظهار لغيره)) اهـ. والله أعلم. قوله: (أنت قيام السموات والأرض) إلخ :: وفي رواية الثانية: (قيم)). قال العلماء: من صفاته: ((القيام)) و((القيم)) كما صرح به هذا الحديث، و((القيوم)) بنص القرآن، و((قائم)) ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قََّبِؤُّ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: ٣٣]. قال الهروي: ((ويقال)): ((قوام)) قال ابن عباس: القيوم الذي لا يزول. كذا في الشرح، وعمدة القارىء. والقيم، والقيام، والقيوم: بمعنى واحد وهو الدائم بتدبير الخلق المعطى له ما به قواماً، والقائم بنفسه المقيم لغيره، وأصل القيّام والقوّام. قال القرّاء: وأهل الحجاز يصرفون الفعال إلى الفيعال، يقولون للصواغ: الصياغ. قاله الأنباري في كتاب الزاهر. قوله: (أنت رب السماوات) إلخ: قال عياض: الرب لغة: السيد المطاع والمصلح، والمالك، قال بعضهم: وإذا كان بمعنى ((السيد)) فشرط المربوب: العقل، فلا يقال: سيد البحار، ولا يصح ما ذكر، لأن كلاً مطيع لله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتَآَ أَنْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] اهـ. وقال الراغب: ((الرب في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام، يقال: ربّه، وربّاه، ورَبّبَه، وقيل: ((لأن يربني رجل من قريش أحب إليّ من أن يربني رجل من هوازن)) فالرب مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرب مطلقاً إلا الله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيَِّةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَتَّخِذُواْ الْكَتَكَةَ وَالنَّبِّئِنَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] أي آلهة، وتزعمون أنهم الباري مسبب الأسباب، والمتولى لمصالح العباد، وبالإضافة يقال له ولغيره)). قوله: (ومن فيهن) إلخ: أبي في السموات والأرض من العلويات والسفليات من المخلوقات. وقوله: ((من)) غلب فيه العقلاء. قوله: (أنت الحق) إلخ: أي المتحقق الوجود، الثابت بلا شك فيه. قال القرطبي تغذفهُ : ((هذا الوصف له سبحانه وتعالى بالحقيقة خاص به، لا ينبغي لغيره، إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، بخلاف غيره)). ١٢٣ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤْكَ حَقٌّ، · وقال ابن التين: ((يحتمل أن يكون معناه: أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سماك إلهاً فقد قال الحق)) اهـ. وقال الراغب كثّفُهُ: ((والحق في الأسماء الحسنى: الموجد بحسب ما تقتضيه الحكمة، قال: ويقال لكل موجود من فعله بمقتضى الحكمة: حق، ويطلق على الاعتقاد في الشيء المطابق لما دل ذلك الشيء عليه في نفس الأمر، وعلى الفعل الواقع بحسب ما يجب قدراً وزماناً، وكذا القول، ويطلق على: الواجب، واللازم، والثابت، والجائز)). ونقل البيهقي في ((كتاب الأسماء والصفات)) عن الحليمي قال: ((الحق ما لا يسيغ إنكاره، ويلزم إثباته، والاعتراف به، ووجود الباري أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يسيغ جحوده، إذ لا مثبت تظاهرت عليه البينة الباهرة ما تظاهرت على وجود سبحانه وتعالى. كذا في الفتح. وقال العلامة السندي كثّفُ تعالى في حاشيته: ((الظاهر أن تعريف الخبر فيه وفي قوله: ((ووعدك الحق، وقولك الحق)): ليس للقصر، وإنما هو لإفادة أن الحكم به ظاهر مسلم لا منازعة فيه، على ما قال علماء المعاني في قوله: ((ووالدك العبد)) وذلك لأن مرجع هذا الكلام إلى أنه تعالى موجود صادق، وهذا أمر يقول به المؤمن والكافر، قال تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥ والزمر: ٣٨] ولم يعرف فيه منازع يعتد به، وكأنه لهذا عدل إلى التنكير في البقية، حيث وجد المنازع فيها، والله أعلم)). قوله: (ووعدك الحق) إلخ: أي لا خلاف فيه أصلاً وكذا قولك: ((قوله الحق)) أي ليس فيه كذب ولا خطأ . قال الطيبي كثّفُهُ: ((عرف الحق)) فيه ((أنت الحق، ووعدك الحق)) ونكّر في البواقي، لأنه لا منكر سلفاً وخلفاً: أن الله هو الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال: أكل كل شيء ما خلا الله باطل وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصداً أو عجزاً، تعالى الله عنهما، والتنكير في البواقي للتفخيم)) اهـ. وقال السهيلي: ((التعريف للدلالة على أنه المستحق لهذا الاسم بالحقيقة إذ هو مقتضى الأداة، وكذا قوله: ووعده، لأن وعده كلامه، وتركت في البواقي، لأنها أمور محدثة، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وبقاء ما يدوم منه علم بخبر الصادق، لا من جهة استحالة فنائه)). قوله: (ولقاؤك حق) إلخ: فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو عبارة عن مآل الخلق في ٢ ١٢٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ! لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِ مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال وقيل: معنى ((لقاءك حق)) أي الموت، وأبطله النووي . قال الحافظ تثّلهُ: ((واللقاء وما ذكر بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدر وما ذكر بعده هو الموعود به، ويحتمل أن يكون من الخاص بعد العام كما أن ذكر القول بعد الوعد من العام بعد الخاص، قاله الكرماني)). قوله: (والجنة حق) إلخ: أي نعيمها . قوله: (والنار حق) إلخ: أي جحيمها. قال الحافظ: ((فيه إشارة إلى أنهما موجودتان)). قوله: (والساعة حق) إلخ: أي القيامة، وما فيها من الميزان، والصراط، والحوض، والحساب. قال الحافظ تخذله: ((وإطلاق اسم ((الحق)) على ما ذكر من الأمور معناه أنه لا بد من كونها، وإنها مما يجب أن يصدق بها، وتكرار لفظ ((حق)) للمبالغة في التأكيد. قوله: (اللهم لك أسلمت) إلخ: أي أنقدتُ وخضعتُ. قوله: (وبك آمنت) إلخ: أي صدّقت. قوله: (وعليك توكلت) إلخ: أي فوّضت الأمر إليك تاركاً للنظر في الأسباب العادية. قوله: (وإليك أنبت) إلخ: أي رجعت إليك في تدبير أمري. قوله: (وبك خاصمت) إلخ: أي بما علمتني وآتيتني من الحجج خاصمت من خاصم فيك بسيف أو لسان. قال السنوسي: ((وقيل: بتأييدك، وبعزك قاتلت)). قوله: (وإليك حاکمت) إلخ: أي کل من جحد الحق حاكمته إليك، وجعلتك الحكم بيننا، لا من كانت الجاهلية تتحاكم إليه من كاهن ونحوه، وقُدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعاراً بالتخصيص، وإفادة للحصر، وكذا قوله: ((ولك الحمد)). قوله: (فاغفر لي) إلخ: ودعاءه وَّر بذلك مع علمه بأنه مغفور له ومع أنه معصوم من جميع الذنوب على أصح القولين: إشفاق، وتعليم للأمة، وخوف مكر الله عز وجل، فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وتواضع منه وَل . ويحتمل أنه بحسب المقامات، يرى مقامه بالأمس دون ما ارتقى إليه اليوم، فيستغفر من مقامه بالأمس. كذا في شرح الأبي، والله أعلم. قوله: (ما قدمت) إلخ: أي قبل هذا الوقت، وما أخرت عنه. ١٢٥ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهي لا إِلَّه إِلا أَنْتَ)). ١٨٠٦ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّقِدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج. كِلاَهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَلَوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ. أَمَّا حَدِيثُ ابْنٍ جُرَيْجِ فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ. لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّ فِي حَرْفَيْنِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَكَانَ قَيَّامُ. قَيِّمُ. وَقَالَ: وَمَا أَسْرَرْتُ. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ. وَيُخَالِفُ مَالِكاً وَابْنَ جُرَيْجِ فِي أُخْرُفٍ. ١٨٠٧ - (٠٠٠) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّهَ بِهَذَا الْحَدِيثِ - وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ .. ١٨٠٨ - (٢٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ. قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ. قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ(١): قوله: (وما أسررت وما أعلنت) إلخ: أي أخفيت وأظهرت، وأ ما حدثت به نفسي، وما تحرك به لساني. زاد البخاري في التوحيد من طريق ابن جريج، عن سليمان: ((وما أنت أعلم به مني)) وهو من العالم بعد الخاص أيضاً . قوله: (أنت إلهي، لا إله إلا أنت) إلخ: قال الكرماني: ((هذا الحديث من جوامع الكلم)) وقال الحافظ: ((وفيه زيادة معرفة النبي ◌ّ﴾ بعظمة ربه، وعظيم قدرته، ومواظبته على الذكر، والدعاء والثناء على ربه، والاعتراف له بحقوقه والإقرار بصدق وعده ووعيدك، وفيه: استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب، اقتداءً به وَلَّ)). قوله: (وقال: وما أسررت) إلخ: أي مكان قوله: ((وأسررت)). قوله: (ويخالف مالكاً وابن جريج) إلخ: وقد أخرج البخاري حديث سفيان في التهجد، وحديث ابن جريج في التوحيد، فليراجع. (١) قوله: (عائشة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب بأي شيء يستفتح صلاته بالليل، رقم (١٢٢٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، رقم (٧٦٧) و(٧٦٨) والترمذي في جامعه، في كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل، رقم (٣٤٢٠) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، رقم (١٣٥٧) وأحمد في مسنده (٦: ١٥٦). ١٢٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللّهِ وَلَهَ يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)) . ١٨٠٩ - (٢٠١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ. حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاحِشُونُ. قوله: (اللهم رب جبريل) إلخ: قال عياض: ((تخصيصهم بالربوبية - مع أنه تعالى رب كل شيء - مبالغة في تعظيم الخالق بإضافة كل عظيم إلى إيجاده، فيقول: رب السماوات والأرض، ورب النبيين والمرسلين، ورب الجبال والبحار، ورب المشرق والمغرب، ورب العالمين، وكل ما جاء في القرآن والحديث، ولم يأت فيما يستحقر ويستقذر، كالحشرات، والكلاب، والقرود، إلا على وجه العموم)) اهـ. قال القاري في شرح المشكاة: ((قيل لا يجوز نصب رب على الصفة، لأن الميم المشددة بمنزلة الأصوات، فلا يوصف بما اتصل به، فالتقدير: يا ربّ جبريل، قال الزجاج: هذا قول سيبويه، وعندي أنه صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع ((يا)) لا تمتنع من الميم، قال أبو علي: قول سیویه عندي اصح)). قوله: (فاطر السموات) إلخ: أي مبدعهما ومخترعهما. قوله: (عالم الغيب والشهادة) إلخ: أي بما غاب وظهر عند غيره. قوله: (أنت تحكم بين عبادك) إلخ: أي في يوم معادك بموجب ميعادك، بعد تقديرك وقضاءك، بالتمييز بين المحق والمبطل بالثواب والعقاب. قوله: (اهدني) إلخ: أي ثبتني، وزدني الهداية. قوله: (لما اختلف فيه) إلخ: اللام بمعنى ((إلى)) كذا قيل. والأظهر أن الهداية يتعدى [الفاتحة: ١] ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ بنفسه، وبـ((إلى)) وباللام، قال تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَفِيمَ ( إِلَى صِرَاطٍ تُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] و﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] وما موصولة أي للذي اختلف فيه عند مجيء الأنبياء وهو الطريق المستقيم الذي دعوا إليه فاختلفوا فيه. قوله: (من الحق) إلخ: بيان لما اختلف فيه. قوله: (بأذنك) إلخ: أي تيسيرك وتسهيلك على سبيل التمثيل، فإن الملك المحتجب إذا رفع الحجب كان إذا تامنه بالدخول. قوله: (إنك تهدي من تشاء) إلخ: جملة استئنافية متضمنة للتعليل، قائمة مقام التذييل. قوله: (حدثنا يوسف الماجشون) إلخ: هو بكسر الجيم وضم الشين المعجمة، وهو: أبيض الوجه مورده، معرّب من لفظ أعجمي (أي ما مكون). ١٢٧ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَه؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً قوله: (كان إذا قام إلى الصلاة) إلخ: قيل: أي النافلة، لما روى النسائي عن محمد بن مسلمة قال: ((إن رسول الله ◌َ﴿ إذا قام يصلي تطوعاً قال: الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض .... )) الحديث (ولهذا أدخله مسلم في أبواب التهجد) ويعكر عليه ما في رواية ابن حبان: ((كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة .... )) وما رواه الدارقطني: ((كان إذا ابتدأ الصلاة الفريضة ... )) مع إطلاق رواية مسلم وغيره، ولذا أجاب البعض بأنه كان في أول الأمر. كذا في شرح المنية لابن أمير الحاج قاله القاري في شرح المشكاة. قوله: (وجهت وجهي) إلخ: بسكون الياء وفتحها، أي توجهت بالعبادة، بمعنى أخْلَصت عبادتي الله قال الطيبي كَّلهُ: وقيل صرفت وجهي وعملي وبيتي وأخلصت قصدي ووجهتي. وينبغي للمصلي عند تلفظه بذلك أن يكون على غاية من الحضور والإخلاص وإلا كان كاذباً، وأقبح الكذب ما يكون الإنسان واقف بين يدي من لا يخفى عليه خافية. قوله: (للذي فطر السموات) إلخ: أي إلى الذي خلقهما وعملهما من غير مثال سبق، وأعرضت عما سواه، فإن من أوجد مثل هذه المحدثات التي هي على على غاية من الإبداع والإتقان: حقيق بأن تتوجه الوجوه إليه، وأن تعول القلوب في سائر أحوالها عليه، ولا يلتفت لغيره، ولا يرجو إلا دوام رضاه وخيره. قوله: (حنيفاً) إلخ: حال من ضمير ((وجهت)) أي مائلاً عن كل دين باطل إلى الدين الحق، ثابتاً عليه، وهو عند العرب غلب على من كان على ملة إبراهيم ظليلا، وقيل: هو المسلم المستقیم . قال الطيبي كخلفه: ((أي مائلاً عن الأديان الباطلة والآراء الزائغة من: الحنف وهو الميل، يعني أصله الميل المطلق، ثم نقل في العرف إلى ما ذكر، عكس الإلحاد، فإنه في الأصل لمطلق الميل، ومنه اللحد وفي العرف الميل من الحق إلى الباطل، أو مائلاً عن كل جهة وقصد إلى الحضور والإخلاص في عبادة فاطر السموات والأرض، فهو حال مؤكدة، لمعنى ((وجهت (١) ((عن علي بن أبي طالب)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة، رقم (٨٩٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، رقم (٧٦٠) و(٧٦١) والترمذي في جامعه، في كتاب الدعوات، باب منه (بعد ما جاء في الدعاء عند افتتاح الصلاة بالليل) رقم (٣٤٢١ - ٣٤٢٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب سجود القرآن، رقم (١٠٥٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول بعد افتتاح الصلاة، رقم (١٢٤١) وأحمد في مسنده (١: ٩٤ و٩٥ و١٠٢ و١٠٣ و١١٩). ١٢٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ. ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً. إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ. وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ. لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ. وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا. لا وجهي)) وزاد ابن حبان في روايته ((مسلماً)) بعد ((حنيفاً)) أي منقاداً مطيعاً لأمره وقضاءه وقدره. قوله: (وما أنا من المشركين) إلخ: فيه تأكيد وتعريض، والمشرك يطلق على كل كافر من عابد وثن وصنم، ويهودي، ونصراني، ومجوسي، ومرتد، وزنديق، وغيرهم، قاله النووي كثُّ . قوله: (إن صلاتي ونسكي) إلخ: قال أهل اللغة: النسك العبادة، وأصله من النسيكة، وهي الفضة المذابة، المصفاة من كل خلط، والنسيكة أيضاً كل ما يتقرب به إلى الله تعالى قال القاري؛ ((وجمع بينهما لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَّبِّكَ وَأَنْحَرْ جَ﴾ [الكوثر: ٢]. قوله: (ومحياي ومماتي) إلخ: أي حياتي وموتي، قال القاري: ((أي الله خالفهما ومقدرهما، وقيل: طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصية، والتدبير أو حياتي وموتي لله، لا تصرف لغيره فيهما أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي وما أموت عليه: خالصة لوجه الله. أو إرادتي من الحياة والممات خالصة لذكره وحضوره وقربه، وللرضا بأمره وقضائه وقدره. أو جميع أحوالي حياتي وما بعده لله. قوله: (الله) إلخ: هذا لام الإضافة، ولها معنيان: الملك والاختصاص، وكلاهما مراد. قوله: (رب العالمين) إلخ: بدل، أو عطف بيان، أي مالكهم ومُرِبّيهم، وهم ماسوى الله على الأصح وقد سبق تحقيق معنى ((الرب)) قريباً. قوله: (لا شريك له) إلخ: أي في ذاته وصفاته وأفعاله واستحقاقه للمعبودية. قوله: (وبذلك أمرت) إلخ: أي بالتوحيد الكامل الشامل للإخلاص قولاً واعتقاداً. قوله: (وأنا من المسلمين) إلخ: أي المنقادين والمطيعين لله تعالى. قوله: (أنت الملك، لا إله إلا أنت) إلخ: أي القادر على كل شيء، المالك الحقيقي لجميع المخلوقات، المنفرد بالألوهية. قوله: (أنت ربي أونا عبدك) إلخ: اعتراف له تعالى بالربوبية ولنفسه بالعبودية. قوله: (ظلمت نفسي) إلخ: أن اعترفت بالتقصير، قدمه على سؤال المغفرة أدباً، كما قال آدم وحواء: ﴿رَبَّنَا ظَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّرْ تَغْفِّرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قوله: (واهدني لأحسن الأخلاق) إلخ: أي أرشدني لصوابها، ووفقني للتخلق به. قوله: (واصرف عني سيئها) إلخ: أي قبيحها . ١٢٩ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها يَصْرِفُ عَنِّي سَيَِّهَا إِلا أَنْتَ، لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ! وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا قوله: (لبيك) إلخ: أي أدوم على طاعتك دواماً بعد دوام، وقيل: أقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، من ألب بالمكان: أقام به، وقيل: معناه اتجاهي إليك من قولهم، داري تلب دارك، أي تواجهها . فالحاصل أنه مصدر مثنى، من ((لبّ)) أو ((ألبّ)) بعد حذف الزوائد، مضاف إلى المخاطب، وحذف بالإضافة، وأريد بالتثنية التكرير من غير نهاية، كقوله تعالى: ((فارجع البصر كرتين)) إلخ(١) أي كرة بعد كرة، ومرة بعد مرة. قوله: (وسعديك) إلخ: أي ساعدت طاعتك - يا رب - مساعدة بعد مساعدة، وهي الموافقة والمسارعة، أو أسعد بإقامتي على طاعتك، وإجابتي لدعوتك سعادة بعد سعادة. قوله: (والخير كله في يديك) إلخ: قال القاري: ((أي في تصرفك. وقيل: هما كناية عن سعة طوله وكثرة فضله، أو عن قدرته وإرادته، لأنه لا يصدر شيء إلا عنهما)). وقال الطيبي تقذفُ: ((أي الكل عندك كالشيء الموثوق به، المقبوض عليه، يجري بقضائك، لا يدرك من غيرك ما لم تسبق به كلمتك)). قوله: (والشر ليس إليك) إلخ: قال القاري كثّفُ: ((أي لا يتقرب به إليك، أو لا يضاف إليك، بل إلى ما اقترفته أيدي الناس من المعاصي، أوليس إليك قضاءه، فإنك لا تقضي الشر من حيث هو شر، بل لما يصحبه من الفوائد الراجحة، فالمقتضى بالذات هو الخير والشر، داخل في القضاء بالعرض، قاله الطيبي كثّفُ . وقيل: معناه أن الشر ليس شراً بالنسبة إليه، وإنما هو شر بالنسبة إلى الخلق. وقيل: الشر لا يصعد إليك لقوله تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقيل: الشر لا يضاف إليك بحسن التأدب. ولذا لا يقال: يا خالق الخنازير، وأن خلقها، وهذا كقوله تعالى عن إبراهيم عليّل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾﴾ [الشعراء: ٨٠] مضيفاً المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، والخضر أضاف إرادة العيب إلى نفسه، وما كان من باب الرحمة إلى ربه، فقال: ﴿فَأَرَدِتُّ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] وفي هذا إرشاد إلى تعليم الأدب. كذا قالوا . ومنه قوله تعالى: ﴿صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فتأمل فإنه دقیق، ولم أر من ذكره)) اهـ. (١) ليس هكذا نظم القرآن بل نظمه: ((ثم ارجع البصر كرتين)) الملك/ ٤. ١٣٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ)). وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِيٍ، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي)). وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْتَهُمَا وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)). وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، قوله: (أنا بك وإليك) إلخ: أي أعوذ، وأعتمد، وألوذ، وأقوم بك، وأتوجه، وألتجىء، وأرجع، وأتوب إليك أو بك وجدت وإليك انتهى أمري فأنت المبدأ والمنتهي. وقيل: أستعين بك وأتوجه إليك. وقيل: أنا موقن بك، وبتوفيقك علمت، والتجائي وانتمائي إليك. أو بك أحي وأموت، وإليك المصير، أو أنابك إيجاداً وتوفيقاً، إليك التجاء واعتصاماً. قوله: (تباركت) إلخ: أي تعظمت وتمجدت، أو جئت بالبركة، أو تكاثر خيرك، وأصل الكلمة للدوام والثبات. وقال ابن الأنباري: أي تبارك العباد بتوحيدك، والله أعلم. قوله: (وتعاليت) إلخ: عما أوهمه الأوهام، ويتصور عقول الأنام، ولا تستعمل هذه الكلمات إلا لله تعالى. قوله: (أستغفرك وأتوب إليك) إلخ: أو أطلب المغفرة لما مضى، وأرجع عن فعل الذنب فيما بقي، متوجهاً إليك بالتوفيق والثبات إلى الممات. قوله: (خشع لك سمعي) إلخ: أي خضع وتواضع، أو سكن. قوله: (ومُخِّئ) إلخ: قال ابن رسلان: ((والمراد به هنا الدماغ وأصله الودك الذي في العظم، وخالص كل شيء مخّة)). قوله: (وإذا رفع قال: اللهم) إلخ: أي إذا رفع رأسه من الركوع قال حال الرفع: سمع الله لمن حمده، كما في الروايات الصحيحة، فإذا استقر في الاعتدال قال: اللهم ربنا لك الحمد. قوله: (ملأ السماوات) إلخ: هو بكسر الميم، وبنصب الهمزة بعد اللام، ورفعها، واختلف في الراجح منهما، والأشهر النصب، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء واللغات بدلائله مضافاً إلى قائليه، ومعناه حمداً لو كان أجساماً لملأ السموات والأرض لعظمه. قاله النووي ككلّثُ . قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد) إلخ: أي بعد السماوات والأرض. قالع الطيبي تغذُّهُ. وقال ابن حجر: أي بعد ذلك صفة لشيء كالكرسي والعرش وما فوقه، وما تحت أسفل الأرضين مما لا يعلمه ولا يحيط به إلا خالقه وموجده، والأظهر أن المراد بهما الجسمانيات: العلويات والسفليات. قال ابن الملك: وهذا غاية الحمد لله تعالى، حيث حمده ملء كل مخلوقاته الموجودة، ١٣١ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ. تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرٍ مَا يَقُولُ بَيْنَ الَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ («اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ. وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَّمْتُ. وَمَا أَسْرَفْتُ. وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤْخِّرُ. لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ)). ١٨١٠ - (٢٠٢) وحدّثناه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِئٍّ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو النَّصْرِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: ((وَجَّهَتُ وَجْهِي)) وَقَالَ: ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)) وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمْنَ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)) وملء ما يشاء من خلقه من المعدومات الممكنة المعيبة. وقال ميرك: هذا يشير إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ الجهد، فإنه حمده ملأ السماوات وملء الأرض وملأ ما بينهما، ثم ارتفع فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك للحمد منتهى، ولهذه الرتبة التي يبلغها أحد من خلق الله استحق أن يسمى: أحمد. قوله: (خلقه وصوره) إلخ: أي أحسن صورة. قوله: (وشق سمعه) إلخ: أي طريق سمعه، إذ السمع ليس في الأذنين، بل في مقعر الصماخ، وإضافة السمع إلى الوجه لمجاورته، إياه، كما يقال: بساتين البلد، والله أعلم. قوله: (أحسن الخالقين) إلخ: أي المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد، وغيره إنما يوجد صوراً مموّهة ليس فيها شيء من حقيقة الخلق، مع أنه تعالى (@)﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ خالق كل صانع وصنعته، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الزمر: ٦٢]. قوله: (وما أسرفت) إلخ: أي جاوزت الحد مبالغة في طلب الغفران بذكر أنواع العصيان. قوله: (وما أنت أعلم به مني) إلخ: أي من ذنوبي التي لا أعلمها ولا أحفظها عدداً وحكماً. قوله: (أنت المقدم وأنت) إلخ: أي المقدم بعض العباد إليك بتوفيق الطاعات، والموءَخِّرُ بعضَهم بالخذلان عن النصرة. أو أنت المقدم لمن شئت في مراتب الكمال وغايات الجلال، وأنت المُوَخِّرُ لمن شئت عن معالي الأمور إلى سفسافها فنسألك أن تجعلنا ممن قدمته في معالم الدين، ونعوذ بك أن تؤخرنا عن طريق اليقين أو أنت الرافع والخافض والمعز والمذل. قوله: (لا إله إلا أنت) إلخ: فلا مطلوب سواك، ولا محبوب إلا إياك. قوله: (وأنا أول المسلمين) إلخ: أي مكان ((وأنا من المسلمين)). ١٣٢ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَقَالَ: ((وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ)) وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ)) إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَقُلْ: بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ. (٢٧) - باب: استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل ١٨١١ - (٢٠٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةً. ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيرٍ. كُلُّهُمْ عَنٍ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَعْدِ بْنِ قال القاري: ((وكان يقول تلك تارة، وهذه أخرى، لأنه أول مسلمي هذه الأمة، بل جاء أن النور الذي خلق منه إيجاده قبل خلق الخلق بأزمنة طويلة، والسنة لغيره أن يقول الأولى لا غير، إلا أن يقصد الآية. ثم لا فرق بين الرجل والمرأة فيما ورد من الأذكار والأدعية، لحمله على التغليب أو إرادة الأشخاص)) كذا في المرقاة. وقال الشوكاني: ((قال في الانتصار: إن غي النبي إنما يقول: ((وأنا من المسلمين)) وهو وهم، مَنْ شَاء توهم أن معنى ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِيْنَ)) أن أول شخص أتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلّ [الزخرف: ٨١] وقال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ الْعَِدِينَ ( ١٤٣ ] . قال النووي تخلّفُهُ: ((وفي هذا الحديث استحباب دعاء الافتتاح بما في هذا الحديث، إلا أن يكون إماماً لقوم لا يؤثرون التطويل. وفيه استحباب الذكر في الركوع والسجود والاعتدال)) اهـ. وحمل أصحابنا ما ورد من الأذكار في مثل هذا الحديث على النفل، وفي رد المحتار ناقلاً عن صاحب الحلية: قال: على أنه إن ثبت في المكتوبة فليكن في حالة الانفراد، أو الجماعة والمأمومون محصورون لا يثقلون بذلك، كما نص عليه الشافعية، ولا ضرر في التزامه، وإن لم يصرح به مشايخنا، فإن القواعد الشرعية لا تنبؤ عنه، كيف! والصلاة: التسبيح والتكبير والقراءة، كما ثبت في السنة. باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل قوله: (حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة) إلخ: بضم العين من عبيدة، كما في الخلاصة. قال النووي: ((هذا الإسناد فيه أربعة تابعيون، بعضهم عن بعض، وهم: الأعمش، والثلاثة بعده . ١٣٣ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ(١)؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِّ وَِّ ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَاقْتَتَحَ الْبَقَرَةَ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ. ثُمَّ مَضَى. فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ. فَمَضَىْ. فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا. ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا . قوله: (عن صلة بن زفر) إلخ: قال فيه حذيفة رضيُه: قلب صلة بن زفر من ذهب، يعني أنه منور كالذهب، كذا في التهذيب. قوله: (صليت مع النبي (وَ ﴿ ذات ليلة) إلخ: الظاهر أنه في النافلة، والله أعلم. قوله: (يصلي بهافي الركعة) إلخ: معناه ظننت أنه يسلم بها فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكمالها، وهي ركعتان، ولا بد من هذا التأويل فينتظم الكلام بعده، وعلى هذا فقوله: ((ثم مضى)) معناه قرأ معظمها، بحيث غلب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر البقرة، فحينئذٍ قلت: يركع الركعة الأولى بها، فجاوز وافتتح النساء. قوله: (ثم افتتح آل عمران) إلخ: والظاهر أن ما في سنن أبي داود من حديث حذيفة، وفيه: ((فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة أو الأنعام)) قصة أخرى. قال القاضي عياض: ((في حديث الباب دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف، وأنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي وَلّ، بل وكله إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني، قال ابن الباقلاني: هو أصح القولين مع احتمالهما، قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين، والتعليم، وإنه لم يكن من النبي ◌َّ في ذلك نص، ولا حد تحرم مخالفته، ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان، قال: واستجاز النبي ◌ّلهم والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين. (١) قوله: (عن حذيفة) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب تعوذ القارىء إذا أمرّ بآية عذاب، رقم (١٠٠٩) وباب مسألة القارىء إذا مرّ بآية رحمة، رقم (١٠١٠) وباب الذكر في الركوع، رقم (١٠٤٧) وباب ما يقول في قيامه ذلك، رقم (١٠٧٠) وباب نوع آخر (من الدعاء في السجود) رقم (١١٣٤) وباب الدعاء بين السجدتين، رقم (١١٤٦) وفي كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب تسوية القيام والركوع، والقيام بعد الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين في قيام الليل، رقم (١٦٦٥) و(١٦٦٦) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، رقم (٨٧١) و(٨٧٤) والترمذي جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، رقم (٢٦٢) و(٢٦٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، رقم (١٣٥١) وأحمد في مسنده (٥: ٣٨٤ و٣٨٨ و٣٨٩ و٣٩٤ و٣٩٦ و٣٩٧ و ٣٩٨ و٤٠٠ و٤٠١). ١٣٤ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً. إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ. وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ. وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذِ تَعَوَّذَ. ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم)) فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ. ثُمَّ قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً. قَرِيباً مِمَّا رَكْعَ. ثُمَّ سَجَدَ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى)) فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ . قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من النبي وَّ، حدده لهم، كما استقر في مصحف عثمان، وإنما اختلف المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف والعرض الأخير، فيتأول قراءته ول# النساء أولاً ثم آل عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أبي. قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلوا في غير صلاة. قال: وقد أباحه بعضهم وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن منكوساً على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها . قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها و38َّ)) هذا آخر كلام القاضي عياض تقّثُ والله أعلم. كذا في الشرح. وقال أصحابنا الحنفية تخلّفُهُ: إن ترتيب السور في القرآن من واجبات التلاوة، وإنما جوز للصغار تسهيلاً لضرورة التعليم، فيكره التنكيس إذا كان عن قصد، فلو سهواً: فلا. وفي الدر المختار: ويكره الفصل بسورة قصيرة وأن يقرأ منكوساً إلا إذا أختم فيقرأ من البقرة، ثم قال: ولا يكره في النفل شيء من ذلك. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. قوله: (قريباً مما ركع) إلخ: قال النووي كثّفُهُ: «فيه دليل لجواز تطويل الاعتدال عن الركوع، وأصحابنا يقولون: لا يجوز، ويبطلون به الصلاة)) اهـ. وفي فتح الباري: ((قال النووي: الجواب عن هذا الحديث صعب، ولأقوى جواز الإطالة بالذكر)) اهـ. وقد أشار الشافعي تقلّفُ في الأم إلى عدم البطلان، فقال في ترجمة «كيف القيام من الركوع: ((ولو أطال القيام بذكر الله، أو يدعو ساهياً، وهو لا ينوي به القنوت كرهت له ذلك، ولا إعادة ... )) إلى آخر كلامه في ذلك. فالعجب ممن يصحح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيههم ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة: معترض بأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها. والله أعلم. قوله: (فكان سجوده قريباً من قيامه) إلخ: قال الحافظ: ((وهذا إنما يتأتى في نحو من ١٣٥ کتاب: صلاة المسافرين وقصرها قَالَ: وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ: فَقَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ)). ١٨١٢ - (٢٠٤) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلَاَهُمَا عَنْ جَرِيرٍ. قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ(١): صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ . ساعتين، فلعله # أحيى تلك الليلة كلها، وأما ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة، فإن في إخبار عائشة أنه كان يقوم قدر ثلث الليل، وفيه أنّه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، فيقتضي ذلك تطويل الصلاة والله أعلم)). قوله: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق) إلخ: هذا الإسناد كله كوفيون، إلا إسحاق. قوله: (عن عبد الله) إلخ: هو ابن مسعود څته. قوله: (بأمر سوء) إلخ: بإضافة ((أمر)) إلى ((سوء)). قال الحافظ: ((وفي الحديث دليل على اختيار النبي ◌َّر تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود قوياً محافظاً على الاقتداء بالنبي وَل﴿، وَمَا هَمَّ بالقعود إلا بعد طول كثير ما اعتاده. وأخرج مسلم من حديث جابر: ((أفضل الصلاة طول القنت)) فاستدل به على ذلك، ويحتمل أن يراد بالقنوت في حديث جابر: الخشوع)) اهـ. قال العيني كثّفُهُ: ((روى أبو داود من حديث عبد الله بن حبشي الخَثْعَميَ: ((أن النبي ◌َّل سئل: أي الصلاة أفضل فقال: طول القيام)). وهذا يفسر قوله وَلير: ((طول القنوت)) وإن كان القنوت يأتي بمعنى ((الخشوع)) وغيره. قوله: (قيل: وما هممت به) إلخ: فيه تنبيه على فائدة معرفة ما بينهم من الأحوال وغيرها، لأن أصحاب ابن مسعود ما عرفوا مراده من قوله: ((هممت بأمر سوء» حتى استفهموه عنه، ولم ینکر علیهم استفهامهم عن ذلك. قوله: (أن أجلس وأدعه) إلخ: أي أجلس وأتركه قائماً. فيه: أنه ينبغي الأدب مع الأئمة الكبار، وأن لا يخالفوا بفعل ولا قول ما لم يكن حراماً، واتفق العلماء على أنه إذا شق على المقتدي في فريضة أو نافلة: القيام، وعجز عنه: جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود له للتأدّب مع النبي وَّر. وفيه: جواز الاقتداء في غير المكتوبات، وفيه: استحباب تطويل صلاة الليل. (١) قوله: (قال عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب طول القيام فيصلاة الليل، رقم (١١٣٥) وأحمد في مسنده (١: ٣٨٥). ١٣٦ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١٨١٣ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيٍّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. (٢٨) - باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح ١٨١٤ - (٢٠٥) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسَحَاقُ. قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (١)؛ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ. قَالَ: ((ذَاكُ رَجُلْ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ)) أَوْ قَالَ: ((فِي أُذُنِهِ». باب الحث على صلاة الليل وإن قلت قوله: (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) إلخ: هذا الإسناد كله كوفيون إلا إسحاق. قوله: (حتى أصبح) إلخ: زاد أبو الأحوص عن منصور: ((ما قام إلى الصلاة)) كما في صحيح البخاري. قال الحافظ: ((والمراد (بقوله: ((إلى الصلاة))) الجنس، ويحتمل العهد، ويراد به صلاة الليل، أو المكتوبة (من العشاء)، ويؤيده رواية سفيان، هذا عندنا: ((نام عن الفريضة)) أخرجه ابن حبان في صحيحه)) اهـ والله تعالى أعلم. قوله: (في أذنه) إلخ: قال الحافظ: ((واختلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته. قال القرطبي كثُّ وغيره. لا مانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه، لأنه ثبت أن الشيطان يأكل ویشرب وینکح، فلا مانع من أن يبول. وقيل: هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر. وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فحجب سمعه عن الذكر. وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به . وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به، حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، إذ من عادة المستخف بالشيء أن يبول عليه. وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقل أذنه، وأفسد حسه، والعرب تكنى عن الفساد بالبول. قال الراجز: (١) قوله: (عن عبد الله) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب إذا نام ولم يصلّ بال الشيطان في أذنه، رقم (١١٤٤) وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم (٣٢٧٠) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الترغيب في قيام الليل، رقم (١٦٠٩) و(١٦١٠) وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل، رقم (١٣٣٠) وأحمد في مسنده (١ : ٣٧٥ و٤٢٧). ١٣٧ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها ١٨١٥ - (٢٠٦) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ؛ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (١)؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ طَرَقَهُ بال سهيل في الفضيح ففسد(٢) وكنى بذلك عن طلوعه لأنه وقت إفساد الفضيح، فعبر عنه بالبول. ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة في هذا الحديث عند أحمد: ((وقال الحسن: إن بوله والله لثقیل)). وروى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود ربه: ((حسب الرجل من الخيبة والشر أن ينام حتى يصبح، وقد بال الشيطان في أذنه)) وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبي كثّفُ: ((خص الأذن بالذكر - وإن كانت العين أنسب بالنوم - إشارة إلى ثقل النوم، قبل المسامع هي موارد الانتباه، وخص البول لأنه أسهل مدخلاً في التجاويف، وأسرع نفوذاً في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. قوله: (عن علي بن حسين أن الحسين بن علي أخبره) إلخ: علي بن الحسين المذكور في هذا الإسناد هو زين العابدين، وهذا من أصح الأسانيد، ومن أشرف التراجم الواردة فيمن روى عن أبيه عن جده وحكى الدارقطني أن كاتب الليث رواه عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، فقال: عن علي بن الحسين عن الحسن بن علي. وكذا وقع في رواية حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزهري، في تفسير ابن مردويه، وهو وهم، والصواب عن الحسين، ويؤيده رواية حكيم بن حكيم، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، أخرجها النسائي والطبري، كذا في الفتح. قوله: (طرقه وفاطمة) إلخ: بالنصب عطفاً على الضمير، والطروق: الإتيان بالليل. (١) قوله: (عن علي بن أبي طالب) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب تحريص النبي ◌َ ◌ّر على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، رقم (١١٢٧) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة الكهف، باب ((وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)) رقم (٤٧٢٤) وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ((وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً)) رقم (٧٣٤٧) وفي كتاب التوحيد، باب في المشيئة والإرادة، رقم (٧٤٦٥) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الترغيب في قيام الليل، رقم (١٦١٢) و(١٦١٣) وأحمد في مسنده (١ : ٧٧). (٢) قال ابن منظور في لسان العرب (٣: ٤٥) مادة («فضخ)): ((الفضيخ: عصير العنب)) وهو أيضاً شراب يتخذ من البسر المفصوخ وحده من غير أن تمسه النار ... قال الراجز: باب سهيل في الفصيخ ففسد يقول: لما طلع سهيل ذهب زمن البسر وأرطب، فكأنه بال فيه ... )). ١٣٨ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَفَاطِمَةَ. فَقَالَ: ((أَلا تُصَلُّونَ؟)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ. فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُذْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. قوله: (ألا تصلون) إلخ: قال ابن بطال: فيه فضيلة صلاة الليل، وإيقاظ النائمين من الأهل والقرابة لذلك، ووقع في رواية حكيم المذكورة: ((ودخل النبي وَّر علي وعلى فاطمة من الليل، فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته، فصلى هوياً من الليل، فلم يسمع لنا حساً، فرجع إلينا فأيقضنا ... )) الحديث. قال الطبري: ((لو لا ما علم النبي ◌ّ من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَمِّرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ﴾ [َه: ١٣٢])) كذا في الفتح. قوله: (إنما أنفسنا بيد الله) إلخ: قا الحافظ: ((اقتبس عليّ ذلك من قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَلَى اُلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢])) ووقع في رواية حكيم المذكورة: ((قال علي: فجلست وأنا أغرك (١) عيني، وأنا أقول: والله ما نصلي إلا ما كتب الله لنا، وإنما أنفسنا بيد الله)) وفيه إثبات المشيئة الله، وأن العبد لا يفعل شيئاً إلا بإرادة الله)). قوله: (بعثنا) إلخ: أي أقضنا، وأصل البعث إثارة الشيء من موضعه. قوله: (يضرب فخذه) إلخ: فيه جواز ضرب الفخذ عند التأسف. وقال ابن التين كثّفُهُ: (كره احتجاجه بالآية المذكورة، وأراد منه أن ينسب التقصير إلى نفسه. وفيه جواز الانتزاع من القرآن، وترجيح قول من قال: إن اللام في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ﴾ [الكهف: ٥٤])) للعموم لا لخصوص الكفار، وفيه مَنْقَبة لعلي رَظُه حيث لم يكتم ما فيه عليه أدنى غضاضة، فقدمه مصلحة نشر العلم وتبليغه على كتمه. كذا في الفتح من أبواب التهجد. وقال في أبواب الاعتصام: ((ونقل ابن بطال عن المهلب ما ملخصه: ((أن علياً لم يكن له أن يدفع ما دعاه النبي ◌َّه إليه من الصلاة بقوله ذلك، بل كان عليه الاختصام بقوله، فلا حجة لأحد من ترك المأمور)) انتهى. ومن أين له أن علياً لم يمتثل ما دعاه إليه؟ فليس في القصة تصريح بذلك، وإنما أجاب علي بما ذكر اعتذاراً عن تركه القيام بغلبة النوم، ولا يمتنع أنه صلى عقب هذه المراجعة، إذ ليس في الخبر ما ينفيه. وقال الكرماني: ((حرضهم النبي ◌َّو باعتبار الكسب والقدرة الكاسبة. وأجاب عليٍّ باعتبار القضاء والقدر. قال: وضرب النبي ◌َّر فخذه تعجباً من سرعة جواب علي (١) عرك الشيء: دلكه، وباب نصر، كذا ففي المختار الصحاح (ص ٤٢٨). ١٣٩ كتاب: صلاة المسافرين وقصرها ١٨١٦ - (٢٠٧) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١). يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَّرُ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ ويحتمل أن يكون تسليماً لما قال. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: في هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التذكير للغافل خصوصاً القريب والصاحب، لأن الغفلة من طبع البشر، فينبغي للمرء أن يتفقد نفسه ومن يحبه بتذكير الخير والعون عليه، وفيه أن الاعتراض بأثر الحكمة لا يناسب الجواب بأثر القدرة، وأن للعالم إذا تكلم بمقتضى الحكمة في أمر غير واجب أن يكتفي من الذي كلمه في احتجاجه بالقدرة، ويؤخذ الأول من ضربه ود لل على فخذه، والثاني من عدم إنكاره بالقول صريحاً. قال: وإنما لم يشافهه بقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] لعلمه أن علياً لا يجهل أن الجواب بالقدرة ليس من الحكمة، بل يحتمل أن لهما عذراً يمنعهما من الصلاة، فاستحيا عليٍّ من ذكره، فأراد دفع الخجل عن نفسه وعن أهله، فاحتج بالقدرة، ويؤيده رجوعه وَّ مسرعاً، قال: يحتمل أن يكون عليٍّ أراد بما قال استدعاء جواب يزداد به، وفيه جواز محادثة الشخص نفسه فيما يتعلق بغيره، وجواز ضربه بعض أعضائه عند التعجب، وكذا الأسف، ويستفاد من القصة أن من شأن العبودية أن لا يطلب لها مع مقتضى الشرع معذرة إلا الاعتراف بالتقصير، والأخذ من الاستغفار، وفيه فضيلة ظاهرة لعليٍّ رَظُه من جهة عظم تواضعه، لكونه روى هذا الحديث مع ما يشعر به عند من لا يعرف مقداره أنه يوجب غاية العتاب، فلم يلتفت لذلك، بل حدث به لما فيه من الفوائد الدينية)) انتهى ملخصاً. قوله: (يعقد الشيطان) إلخ: قال الحافظ كثّفُهُ: ((كأن المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القرين أو غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين، وهو إبليس، وتجوز نسبة ذلك إليه لكونه الآمر به الداعي إليه . قوله: (على قافية رأس أحدكم) إلخ: أي مؤخر عنقه، وقافية كل شيء: مؤخره، ومنه قافية القصيدة . (١) قوله: (عن أبي هريرة) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصلّ بالليل، رقم (١١٤٢) وفي كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، رقم (٣٢٦٩) والنسائي في سننه، في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الترغيب في قيام الليل، رقم (١٦٠٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، أبواب قيام الليل، باب قيام الليل، رقم (١٣٠٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل، رقم (١٣٢٩) وأحمد في مسنده (٢ : ٢٤٣). ١٤٠ الجزء الخامس من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ. وفي النهاية: ((القافية: القفاء، وقيل: مؤخر الرأس، وقيل: وسطه)). وظاهر قوله: ((أحدكم)) التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويؤيده ما عند ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث جابر مرفوعاً: ((ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد ... )) الحديث، وما في ((الثواب)) لآدم بن أبي إياس من مرسل الحسن نحوه، و((الجرير)) - بفتح الجيم - وهو الحبل. ويمكن أن يخص منه من صلى العشاء في جماعة، كما يفهم من صنيع البخاري في ترجمته، فكأنه يرى أن الشيطان إنما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، وأن يخص منه أيضاً من ورد في حقه أن يحفظ من الشيطان كالأنبياء، ومن تناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه، فقد ثبت أنه لا يقر به شيطان. قوله: (ثلاث عقد) إلخ: جمع عقدة، وقد اختلف في هذا العقد، فقيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، وأكثر من يفعله: النساء، تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة، وتتكلم عليه بالسحر، فيتأثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾﴾ [الفلق: ٤] وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها. وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ الأقرب: الثاني، إذ ليس لك أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: ((إن على رأس كل آدمي جبلاً))، وقيل: هو على المجاز كأنّه شبّه فعل شيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلمّا كان الساحر يمنع بعقده ذلك تفرّق من يحاول عقد، كان هذا مثله من الشيطان للنائم. وقيل: المراد به عقد القلب، وتصميمه على الشيء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليل قطعة طويلة، فيتأخر عن القيام، وانحلال العقد كناية عن علمه بكذبه فیما یوسوس به. وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه: عقدت فلاناً عن امرأته، أي منعته عنها. أو عن تثقيله عليه النوم، كأنه قد شد عليه شداداً . قال القرطبي تخذتُ: ((الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السحر، فإن اتفق له أن يرجع إلى النوم ثلاث مرات لم تنقص النومة الثالثة إلا وقد ذهب الليل)). وقال البيضاوي: ((التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء: الذكر، والضوء، والصلاة، فكأنه منع من كل واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم، ومجال تصرفه، وهو أطوع القوى للشيطان وأسرعها إجابة لدعوته)). وفي كلام الشيخ الملوي أن العقد يقع على خزانة الإلهيات من الحافظة، وهي الكنز