النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وفي التهذيب: ((قال علي بن المديني في أبي العالية: أنه سمع من عمر)) اهـ.
قال الزيلعي: ((ثم أسنده (أي الحاكم) عن أبي قتادة العدوي، أن عمر كتب إلى عامل له:
((ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، والفرار من الزحف، والنهبى))، قال:
وأبو قتادة أدرك عمر، فإذا انضمّ هذا إلى الأول صار قوياً)) اهـ. ولا حاجة لنا إلى التمسك بما
روى الترمذي من طريق حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، فإنه ضعيف عند الأئمة، وأما كون
السفر والمطر عذراً فهو محل البحث.
قال صاحب البدائع: ((ولأن هذه الصلوات عرفت موقتة بأوقاتها، بالدلائل المقطوع بها
من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، فلا يجوز تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال، أو
بخبر الواحد، مع أن الاستدلال فاسد، لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة
عن وقتها، ألا ترى أنه يجوز الجمع بين الفجر والظهر (أو العصر والمغرب) مع ما ذكرتم (أيها
القائلون بالجمع) من العذر، والجمع بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة، لأن
الصلاة لا تضاد الوقوف بعرفة، بل ثبت غير معقول المعنى، بدليل الإجماع والتواتر عن
النبي ◌َّل، فصلح معارضاً للدليل المقطوع به، وكذا الجمع بمزدلفة غير معلول بالسير، ألا ترى
أنه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر، وما روي من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في
معارضة الدليل المقطوع به)) اهـ.
قال الطحاوي كثُّهُ: ((فإن اعتل معتل بالصلاة بعرفة وبجمع، قيل له: قد رأيناهم أجمعوا
أن الإمام بعرفة لو صلى الظهر في وقتها في سائر الأيام، وصلى العصر في وقتها فس سائر
الأيام، وفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء بمزدلفة، فصلى كل واحدة منهما في وقتها، كما
صلى سائر الأيام: كان مسيئاً، فثبت بذلك أن عرفة وجمعاً مخصوصتان بهذا الحكم، وأن حكم
ماسواهما في ذلك بخلاف حکمهما)) اهـ.
قال العينى كثّثُ: ((واستدل أصحابنا بما رواه البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود
فـ
قال: ((ما رأيت رسول الله ( صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء
بجمع، صلى صلاة الصبح في الغد قبل وقتها)) وبما رواه مسلم عن أبي قتادة، أن النبي وَل
قال: ((ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة: أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة
أخرى)».
قال الطحاوي تقذفُ: ((وقد كان قوله ذلك وهو مسافر، فدل ذلك أنه أراد به المسافر
والمقيم، فلما كان مؤخر الصلاة إلى وقت التي بعدها مفرّطاً فاستحال أن يكون رسول الله وَله
جمع بين الصلاتين بما كان به مفرّطاً، ولكنه جمع بينهما يخلاف ذلك، فصلى كل صلاة منهما
في وقتها، وهذا ابن عباس رظُه قد روي عنه عن سول الله وَظهر أنه جمع بين الصلاتين، ثم قد

٤٢٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قال ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثناأبو داود قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن ليث، عن طاؤس، عن
ابن عباس قال: ((لا يفوت صلاة حتى يجيء وقت الأخرى)) فأخبر ابن عباس أن مجيء وقت
الصلاة بعد الصلاة التي قبلها فوت لها، فثبت بذلك أن ما علمه من جمع رسول الله وَلقول بين
الصلاتين كان بخلاف صلاته إحداهما في وقت الأخرى، وقد قال أبو هريرة أيضاً مثل ذلك))
اهـ.
ولكن تقدم في شرح هذا الحديث من السندي في ((باب قضاء الفوائت)» ما يخدش
الاستدلال به، فليراجع.
قال العيني تقذفُهُ: ((والجواب عن هذه الأحاديث التي فيها الجمع في غير عرفة وجمع: ما
قاله الطحاوي في شرح معاني الآثار: أنه صلى الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، لا
أنه صلاهما في وقت واحد، ويؤيد هذا المعنى حديث ابن عباس، قال: ((صلى رسول الله وَليه
الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر)) رواه مسلم. وفي
لفظ: قال: ((جمع رسول الله ◌َ لول بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف
ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته)). قال ولم يقل أحد
منا ولا منهم بجواز الجمع في الحضر (من غير علة) فدل على أن معنى الجمع ما ذكرناه من
تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية في أول وقتها)) اهـ. أي الجمع الفعلي الصوري، لا
الوقتي المعنوي، وسيأتي تحقيقه في شرح حديث أبن عباس.
واحتج القائلون بالجمع في السفر بأحاديث:
منها: حديث ابن عمر، وهو حديث الباب، وفيه من رواية مالك لفظ الجمع، وهذا
يحتمل أن يكون جمعاً فعلياً أو وقتياً، نعم! رواية عبيد الله بلفظ ((جمع بين المغرب والعشاء بعد
أن يغيب الشفق)) بظاهرها تدل على الجمع الوقتي، ولكن الشفق يطلق على كل من الحمرة
والبياض، فيحتمل أن يراد بالشفق الحمرة، وعند أبي حنيفة تغلّفُ يبقى وقت المغرب بعد غيبوبة
الشفق الأحمر، وأيضاً قال الطحاوي: قد يجوز أن يكون أراد أن صلاته العشاء الآخرة التي بها
كان جامعاً بين الصلاتين بعد ما غاب الشفق، وإن كان قد صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق، لأنه
لم يكن قط جامعاً بينهما حتى صلى العشاء الآخرة، فصار بذلك جامعاً بين المغرب والعشاء،
وقد ورد ذلك مفسراً على ما قلنا من فعل ابن عمر، كما سيأتي، وهذا لا ينافي الجمع الفعلي
الصوري الذي قلنا به، وقد أخرج ابن جرير عن ابن عمر: ((إذا بادر أحدكم الحاجة فشاء أن
يؤخر المغرب ويعجل العشاء، ثم يصليهما جميعاً: فعل))، كذا في كنز العمال. فبهذا يتأيد إرادة
الجمع الفعلي، وما في البخاري، قال سالم: ((وكان عبد الله يفعله إذا أعجله السير، يقيم
المغرب فيصليها ثلاثاً، ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى یقیم العشاء، فیصلیها ركعتين، ثم يسلم،

٤٢٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
ولا يسبح بينهما بركعة ... )) الحديث، يشير إشارة واضحة إلى أداء المغرب في آخر وقته،
والعشاء في أول وقته بعد تحقق دخوله، وهذا هو الجمع الفعلي، والله أعلم.
وأما جمعه بين الصلاتين حين استصرخ على زوجته صفية ابنة أبي عبيد، فقد اضطرب فيه
الروايات كثيراً، ففي بعضها عند أبي داود: ((فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما)) وفي
رواية عند النسائي: ((حتى إذا كان في آخر الشفق نزل فصلى المغرب، ثم أقام العشاء، وقد
توارى الشفق)). وفي رواية له: ((وسار حتى كاد الشفق أن يغيب، ثم نزل فصلى، وغاب الشفق
فصلى العشاء)). وفي رواية لأبي داود: ((حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب، ثم
انتظر حتى غاب الشفق، فصلى العشاء)) ثم أسند الحديث إلى النبي ◌َّر، وفي رواية له: ((حتى
إذا كان عند ذهاب الشفق نزل فجمع بينهما)) وفي رواية له: ((فسار حتى غاب الشفق وتصوبت
النجوم، ثم إنه نزل فصلى الصلاتين جميعاً)) وفي رواية إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذويب عند
النسائي: ((حتى ذهب بياض الأفق وفحمة العشاء، ثم نزل)) وعند الطحاوي من رواية إسماعيل بن
أبي ذويب: ((حتى ذهبت فحمة العشاء، ورأينا بياض الأفق، فنزل فصلى)) وفي رواية: ((فسار
عنده حتى همّ الشفق أن يغيب، وأصحابه ينادونه للصلاة فأبى عليهم ... )) الحديث، وفي رواية
للنسائي: ((حتى إذا كان بين الصلاتين (أي الظهر والعصر) نزل)) وفيها: ((حتى إذا اشتبكت النجوم
نزل)) وفي رواية عند البيهقي تعليقاً: ((أخر المغرب بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هوي من
الليل، ثم نزل فصلى المغرب والعشاء)) وفي رواية له تعليقاً: ((سار قريباً من ربع الليل، ثم نزل
فصلى)) وأسنده في الخلافيات، ولفظه: ((فسرنا أميالاً، ثم نزل فصلى)) وعند ابن خزيمة: ((فسرنا
حتى كان نصف الليل أو قريباً من نصفه نزل فصلى)) وفي رواية للبخاري في الجهاد، من طريق
أسلم مولى عمر: ((حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جمعاً بينهما)).
فهذه الروايات - كما ترى - لا سبيل إلى التطبيق بينها إلا بحملها على تعدد الوقائع، أو
بصرف بعضها عن ظواهرها، والأول بعيد، فإن في أكثرها ما يدل على أن صنيع ابن عمر هذا
إنما كان في مسيره إلى صفية ابنة أبي عبيد، بل ذكر أبو داود في سننه عن أيوب عن نافع، عن
ابن عمر: ((أنه لم يُر ابن عمر جمع بينهما قط إلا تلك الليلة يعني ليلة استصرخ على صفية)» قال:
ورُوي من حديث مكحول عن نافع: ((أنه رأى ابن عمر فعل ذلك - أي الجمع بين الصلاتين - مرة
أو مرتين)) وهذا على الشك، والمتيقن عنده ليس إلا مرة، ويؤيده ما روى النسائي عن كثير بن
قاروَنْدَا، قال: سألنا سالم بن عبد الله عن الصلاة في السفر، فقلنا: أكان عبد الله يجمع بين
شيء من الصلوات في السفر؟ فقال: لا إلا بجمع، ثم أتيته(١). فقال: كانت عنده صفية،
(١) وفي البدل ناقلاً عن النسائي: ((ثم انتبه)) فليراجع نسخة أخرى. من المؤلف رحمه الله. قلت: راجعت =

٤٢٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فأرسلت إليه: أني في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، فركب وأنا معه، فأسرع السير،
حتى حانت الصلاة، فقال له المؤذن: الصلاة، با أبا عبد الرحمن، فسار حتى إذا كان بين
الصلاتين نزل، فقال للمؤذن: أقم ... )) الحديث، فسالم ونافع كلاهما ليس عندهما عن ابن
عمر شيء في جمعه بين الصلاتين غير هذه القصة، وقد وقع فيها اختلاف شديد كما ذكرنا،
فالأولى أن يحمل صنيع ابن عمر في هذه القصة على الجمع الفعلي الصوري، كما هو مصرح
في كثير من الروايات، أي نزل في آخر وقت المغرب حين كاد أن يغيب الشفق، وأدى صلاة
المغرب، ثم بعد غيوب الشفق وتحقق وقت العشاء صلى العشاء، ومن قال: ((حتى غاب الشفق))
أو ((كان بعد غروب الشفق)) ونحوهما فيحمل على قرب غيوب الشفق وكيدودته تجوزاً، كقوله
تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي قاربن بلوغ الأجل، أو على أنه ظن ذلك، أو يقال:
إن المراد بقوله: ((غاب الشفق)) و((كان بعد غروب الشفق)»: الشفق الأحمر والبياض عند أهل
اللغة كما تقدم في باب المواقيت.
وأما روايات ربع الليل أو نصف الليل، فقد أعلها النيموي تقُّ في آثار السنن، ونبه العيني
على إعلالها في شرح البخاري، ولو صح شيء منها فيراد به المبالغة في بيان تأخير المغرب،
ومثله كثير في المحاورات، والله أعلم.
ومن حجج القائلين بالجمع في السفر: حدث جابر عند أبي داود والنسائي من طريق
مالك، عن أبي الزبير، عن جابر: ((أن النبي ◌َّر غابت له الشمس بمكة، فجمع بينهما بسرف)).
وهذا بظاهره يخالف عادته وَلقر المعروفة في السفر، المروية عن ابن عباس ومعاذ وغيرهما، من:
((أنه وَ لّ كان إذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله
ركب، حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما)) فيبعد كل البعد أن تحين له المغرب بمكة، فلا
يصليها ويرتحل، ويجمع بينها وبين العشاء في سرف، فلعل قوله: ((غابت له الشمس)) أطلق على
مقاربة غيوبها مبالغة، ويلائمه ما وقع عند ابن جرير في هذا الحديث بلفظ: ((خرج رسول الله واليه
من مكة عند غروب الشمس، حتى أتى سرف، وهي بتسعة أميال من مكة)) اهـ. (كنز العمال ٤:
٢٤٢).
عدة نسخ تيسرت لي من سنن النسائي - ومنها: النسخة التي اعتنى بها العلامة المفضال الشيخ عبد الفتاح
أبو غدّة، وهي المصورة من الطبعة المصرية، ومنها: النسخة المطبوعة من المكتبة الرحيمية بدهلي سنة
١٣٥٠ هـ، ومنها: نسخة أصح المطابع بكراتشي - ففي كل منها وقع: ((أتيته)) ولكن أثبت الأستاذ محمد
عطاء الله الفوجياني في النسخة التي علق عليها: (انتبه)).
وقال في حاشية المطبوعة بدهلي (١: ٦٩): ((وقع هذا اللفظ في الهندية والمصري والقلمية: ((أتيته)) وفي
جدول أغلاط الهندية: ((انتبه)) ولعله الصواب)).

٤٢٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
وقال هشام بن سعد: ((بينهما عشرة أميال)). وقال ياقوت في المعجم: موضع على ستة
أميال بمكة، وقيل: سبعة، وتسعة، واثني عشر. فلعله ◌َّ خرج من مكة قبيل الغروب مجداً
مسرعاً في السير، لاهتمامه بأداء الصلاة، وبلغ سرف في آخر وقتها، وليس في هذا بعد،
لاسيما إذا كان الارتحال على ناقته القصواء المعروفة بسرعة السير، والله سبحانه وتعالى أعلم.
ومن حججهم: حديث معاذ عند الترمذي، وأبي داود، وغيرهما: ((أن النبي وَّ كان في
غزوة تبوك، إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً،
وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب
أخّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع
المغرب)).
قال الشوكاني في نيل الأوطار: ((أخرجه أيضاً ابن حبان، والحاكم، والدارقطني،
والبيهقي، قال الترمذي: حسن غريب، تفرد به قتيبة، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من
حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، وليس فيه جمع التقديم - يعني الذي أخرجه مسلم
- وقال أبو داود: هذا حديث منكر، وليس في جمع التقديم حديث قائم. وقال أبو سعيد ابن
يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط فيه، وأعلّه الحاكم، وطوّل، وابن
حزم، وقال: إنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، ولا يعرف له عنه رواية. وقال:
أيضاً: إن أبا الطفيل مقدوح، لأنه كان حامل رأية المختار، وهو يؤمن بالرجعة، وأجيب عن
ذلك بأنه خرج مع المختار على قاتلي الحسين، وبأنه لم يعلم من المختار الإيمان بالرجعة.
قال في البدر المنير: ((إن للحفاظ في هذا الحديث خمسة أقوال:
أحدها : أنه حسن غريب، قاله الترمذي.
ثانيها : أنه محفوظ صحیح، قاله ابن حبان.
ثالثها : أنه منکر، قاله أبو داود.
رابعها : أنه منقطع، قاله ابن جزم.
خامسها : أنه موضوع، قاله الحاكم.
وأصل حديث أبي الطفيل في صحيح مسلم. وأبو الطفيل عدل ثقة مأمون)) اهـ.
قال الحافظ: ((وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في
علوم الحديث، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد،
عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي

٤٢٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الزبير، كمالك، والثوري، وقرة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم)) اهـ.
قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((حديث قتيبة أيضاً - على تقدير صحته - يحمل على
الجمع الفعلي الصوري، وغرض الراوي كما يعلم من السياق إنما هو بيان ترتيب الجمع
والارتحال، لا التفريق بين كيفية الجمع، يعني: أنه ◌ّلو كان إذا أراد الارتحال قبل زيغ الشمس
أو غروبها لم ينتظر في منزله مجيء الظهر أو المغرب، بل يرتحل، ثم ينزل للجمع الصوري،
وإذا أراد الارتحال بعد زيغ الشمس أو غروبها انتظر حتى يتمكن من الجمع الصوري بينهما في
منزله، ثم يرتحل، ففي الصورة الأولى أخر الجمع من الارتحال، وفي الثانية عُجل الارتحال
قبل الجمع، وفي هذا التشقيق سهولة عظيمة للمسافر من حيث صيانة الوقت من التعطل،
وتخفيف مؤنة الحمل والنقل مرة بعد مرة، كما لا يخفى على من جرّب شؤون السفر، ولما كان
المنظور إليه بالذات في الأولى: تأخيرَ الظهر، وفي الثانية: تعجيلَ العصر، عبّر الراوي بلفظ
التأخير في إحداهما، والتعجيل في الأخرى، فهذا التفنن في ذكر الشقّين من حسن التعبير، لا
لتنويع الجمع، كما يشعر به سياق حديث ابن عباس عند أحمد، قال: ((كان إذا نزل منزلاً
فأعجبه المنزل أخّر الظهر حتى يجمع بين الظهر والعصر، وإذا سار ولم يتها له المنزل أخّر
الظهر حتى يأتي المنزل، فيجمع بين الظهر والعصر)) (مسند أحمد ١: ٢٤٤) فليس في الصورتين
إلا تأخير الظهر في الأولى قبل المسير، وفي الثانية بعده.
وبالجملة لما كان حديث معاذ بن جبل هذا مع عدم الوثوق بصحته محتملاً لكل من الجمع
الفعلي والوقتي: حملناه على الفعلي لأدلة قائمة على منع الجمع الوقتي، كما تقدم، ولا سيما
جمع التقدیم.
قال شارح بلوغ المرام: ((اعلم أن جمع التقديم فيه خطر عظيم، وهو كمن صلّى الصلاة
قبل دخول وقتها، فيكون حال الفاعل كما قال الله: ﴿وَهُمْ يَخْسَبُونَ أَنَهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣
و١٠٤] - الآية من ابتداءها(١) - وهذه الصلاة المقدمة لا دلالة عليها بمنطوق ولا مفهوم، ولا
عموم ولا خصوص» اهـ.
وقد روي عن معاذ بن جبل نفسه قال: ((خرجنا مع رسول الله وَّر في غزوة تبوك، فجعل
يجمع بين الظهر والعصر، يصلي الظهر في آخر وقتها ويصلي العصر في أول وقتها، ثم يسير،
ويصلي المغرب في آخر وقتها ما لم يغب الشفق، ويصلي العشاء في أول وقتها حين يغيب
الشفق)) الحديث رواه الطبراني في الأوسط، وقال: لم يروه عن ابن ثوبان إلا غصن بن
(١) قال تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم
يحسبون صنعاً﴾ [الكهف: ١٠٣ و١٠٤].

٤٢٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
إسماعيل، تفرد به محمد بن غالب. قال الهيثمي: ولم أجد من ذكر غصنا هذا. انتهى. كذا في
مجمع الزوائد.
قلت: في لسان الميزان: ((غصن بن إسماعيل من أهل أنطاكية، يروي عن ابن وهب، وعنه
محمد بن غالب الأنطاكي، ربما خالف، قاله ابن حبان في الثقات)) اهـ. ومثل هذا يكفي لتعيين
معنى الجمع في مثل حديث قتيبة، والله أعلم. وهكذا كل حديث احتج به القائلون بالجمع
الوقتي يحتمل الجمع الصوري الفعلي.
وقد روي الجمع الفعلي عن علي، قال العيني كثّفُهُ: ((أخرج حديثه أبو داود بسند لا بأس
به: ((كان إذا سافر سار بعد ما تغرب الشمس حتى تكاد أن تظلم، ثم ينزل فيصلي المغرب، ثم
يتعشى، ثم يصلي العشاء، ويقول: هكذا رأيت رسول الله (﴿ ﴿ يصنع)). وعن عائشة: ((أن
النبي ( 18 كان يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء في السفر)) رواه
أحمد، وفيه مغيرة بن زياد، وثقه ابن معين، وابن عدي، وأبو زرعة، وضعّفه البخاري وغيره.
وعن أبي سعيد الخدري قال: ((جمع رسول الله وَله بين الظهر والعصر، وبين المغرب
والعشاء، أخر المغرب وعجل العشاء، فصلاهما جميعاً)) رواه الطبراني في الأوسط، وقال:
تفرد به محمد بن عبد الوهاب الحارثي، ورواه البزار مختصراً: ((كان يجمع بين الصلاتين في
السفر)) وقال: لا نعلمه عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، ومحمد بن عبد الوهاب ثقة مشهور
بالعبادة، وبقية رجاله ثقات، كذا في مجمع الزوائد.
قال الخطابي في الرد على تأويل أصحابنا: ((إن الجمع الفعلي رخصة، فلو كان على ما
ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها لا
يدركها أكثر الخاصة فضلاً عن العامة)). وسيأتي الجواب عنه في شرح حديث ابن عباس.
وقال الشيخ ابن قدامة في المغني: ((لو كان الجمع هكذا (أي الفعلي الصوري كما زعمه
الحنفية) لجاز الجمع بين العصر والمغرب، وبين العشاء والصبح، قال: ولا خلاف بين الأمة
في تحریم ذلك)) اهـ.
قلت: قد هيّأ لنا الشيخ بهذا الاعتراض دليلاً آخر قوياً على أن مراد الشارع بالجمع:
الجمع الفعلي لا الوقتي، فإن الشارع - صلوات الله وسلامه عليه - لم يُبح لنا الجمع إلا في
صلاتين يلتقي آخر إحداهما بأول وقت الأخرى، بحيث لا يتخلل بينهما وقت كراهة، حتى
يتمكن العبد من الجمع الفعلي بينهما، ولهذا لا يتصور الجمع بين الفجر والظهر، فإنهما لا
يلتقيان أصلاً، ولا بين العصر والمغرب، أو العشاء والفجر، فإن بينهما وقت كراهة، فلو جمع
أحد - مثلاً - بين العصر والغرب جمعاً صورياً: لأدّى العصر في وقت اصفرار الشمس، أو حال

٤٢٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بين أدائهما وقت كراهة، وكذا العشاء بعد انتصاف الليل يكره كراهة تحريم، ولا يطلق الجمع
الصوري عليه مع تخلل هذا المقدار من الوقت بينها وبين الفجر.
فإن قيل: إن تأخير المغرب إلى اشتباك النجوم أيضاً مكروه، قلنا: فيه اختلاف أصحابنا،
وفي رواية: لا يكره ما لم يغب الشفق، كما في البحر، وفي الحلية بعد كلام: ((والظاهر أن
السنة فعل المغرب فوراً، وبعده مباح إلى اشتباك النجوم، فيكره بلا عذر» اهـ. والعذر: كسفر،
ومرض، وحضور مائدة، أو غيم، وعلى كل حال ليس تأخيره كتأخير العشاء إلى ما بعد نصف
الليل، أو تأخير العصر إلى الاصفرار، وهذا الفرق يستفاد من قوله وَ له وفعله:
أما القول فحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ففيه: ((ووقت صلاة العصر ما لم تصفر
الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط نور الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل)).
وأما الفعل ففي حديث أبي موسى: ((أنه ◌َ ل أخر العصر في اليوم الثاني (حين أتاه السائل
عن المواقيت) فانصرف منها، والقائل يقول: احمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند
سقوط الشفق)). وفي لفظ: ((فصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وأخّر العشاء حتى كان ثلث
الليل الأول)).
وفي حديث بريدة: ((وصلى العصر والشمس مرتفعة، أخّرها فوق الذي كان، وصلى
المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل)). فانظر كيف فَاوَتَ بين
تأخير المغرب وتأخير العشاء والعصر، فإنه أخر المغرب إلى آخر وقت الجواز لعذر التعليم
والتعريف بحدود الأوقات، وفي العصر والعشاء لم يجاوز إلى الاصفرار أو ما وراء نصف
الليل، فهكذا لا يكره تأخير المغرب إلى آخر الوقت للجمع الصوري، بخلاف العصر والعشاء،
وهذا أعظم دليل على أن الشارع لم يقصد بالجمع للمسافر الجمع الوقتي، فإن الجمع الوقتي أي
أداء صلاة في وقت أخرى لا يظهر وجه لتخصيصه بصلاة دون صلاة، ولا مانع يمنع من صلاة
العشاء في وقت الفجر، أو الفجر في وقت الظهر، أو العصر في وقت المغرب، وبالعكس على
رأيكم، والمسافر ربما تدعوه الضرورة إليه.
وأما الجمع بمزدلفة وعرفة فلا يقاس عليه جمع المسافر، كما تقدم في أوائل هذا البحث،
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
قال العلامة ابن عابدين كثّثه: ((قال الشيخ محي الدين ابن عربي: ((والذي أذهب إليه أنه لا
يجوز الجمع في غير عرفة ومزدلفة، لأن أوقات الصلاة قد ثبتت بلا خلاف، ولا يجوز إخراج
صلاة عن وقتها إلا بنص غير محتمل، إذ لا ينبغي أن يخرج عن أمر ثابت بأمر محتمل، هذا لا
يقول به من شمّ رائحة العلم، وكل حديث ورد في ذلك فمحتمل أنه يتكلم فيه مع احتمال أنه

٤٢٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦٢٠ - (٤٣) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّنَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالَ:
أَخْبَرَنِي نَافِعٌ؛ أَنَّ أَبْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ
يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ ﴿ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ.
١٦٢١ - (٤٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ،
عَنْ أَبِيهِ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ بَ﴿ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ.
١٦٢٢ - (٤٥) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنَ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ، إِذَا أَغْجَلَهُ
السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلاةِ الْعِشَاءِ.
١٦٢٣ - (٤٦) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ، عَنْ
عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ(١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهَ، إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ
أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ. ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ
صحيح، لكنه ليس بنص)) اهـ. كذا نقله عنه سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه (الكبريت
الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر).
٤٣ - ( ... ) - قوله: (إذا جدّ به السير) الخ: أي: اشتد، قال في الحكم: وقال ابن
الأثير: أي: إذا اهتم به، وأسرع فيه، يقال: جد يجُد، ويجِد، بالضم والكسر، وجدّ به الأمر
وأجدّ، وجدّ فيه: إذا اجتهد.
قوله: (بعد أن يغيب الشفق) الخ: تقدم معناه.
٤٦ - (٧٠٤) - قوله: (قبل أن تزيغ الشفق) الخ: أي: تميل.
قوله: (أخّر الظهر إلى وقت العصر) الخ: قال السندي كثّهُ في حاشية النسائي: ((ظاهره أنه
(١) قوله: ((عن أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب يؤخر
الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، رقم (١١١١) وباب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس
صلى الظهر ثم ركب، رقم (١١١٢) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه
المسافر بين الظهر والعصر، رقم (٥٨٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الجمع بين الظهر
والعصر، رقم (٥٨٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، رقم (١٢١٨)
و(١٢١٩) وأحمد في مسنده (٣: ١٣٨ و١٥١ و٢٤٧ و٢٦٥).

٤٣٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّى الظُهْرَ ثُمَّ رَكِبَ.
١٦٢٤ - (٤٧) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارِ الْمَدَايِنِيُّ. حَدَّثَنَا
لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ؛ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ََِّ، إِذَا أَرَادَ
أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، أَشَخَرَ الظّهْرَ حَتَى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ. ثُمَّ يَجْمَعُ
بَيْنَهُمَا .
كان يجمع بينهما في وقت العصر، ومن لا يقول به يحمل قوله: ((إلى وقت العصر)) على معنى
((إلى قرب وقت العصر)) ويحمل الجمع على الجمع فعلاً، لا وقتاً)).
قوله: (صلى الظهر ثم ركب) الخ: قال الحافظ: كذا فيه: ((الظهر)) فقط، وهو المحفوظ
عن عقيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه كان لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية
منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، كما تقدم، لكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث
عن شبابة، فقال: ((كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس، صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم
ارتحل)) أخرجه الإسماعيلي، وأعلّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن
إسحاق، وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان، وقد وقع نظيره في الأربعين للحاكم، قال:
((حدثنا محمد بن يعقوب - هو الأصم - حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني - وهو أحد شيوخ مسلم
- قال: حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((فإن زاغت الشمس قبل
أن يرتحل صلى الظهر والعصر، ثم ركب)) قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد
التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيد. انتهى. قلت: وهي
متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر، لأن البيهقي أخرج هذا
الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقروناً برواية أبي داود عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا
أن في رواية قتيبة: ((كان رسول الله وَّ)) وفي رواية حسان: ((أن رسول الله بَّر)) اهـ.
قلت: وهذه الزيادة لو صحت كان معناه معنى حديث معاذ بن جبل، كما تقدم.
٤٧ - ( ... ) - قوله: (حتى يدخل أول وقت العصر) الخ: أي: يقرب دخوله، أو المراد
بتأخير الظهر أنه عند فراغه منها دخل وقت صلاة العصر، ثم يقع الجمع بينهما، فإن المصلي لا
يكون جامعاً بين الصلاتين إلا بعد ضم الأخرى إلى الأولى، كما قال الطحاوي، وروى البزار
عن أنس: ((أنه كان إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخّر الظهر إلى آخر وقتها،
وصلاها وصلى العصر في أول وقتها، ويصلي المغرب في آخر وقتها، ويصلي العشاء في أول
وقتها، ويقول: هكذا كان رسول الله (َ ﴿ يجمع بين الصلاتين في السفر)) وفي سنده ابن إسحاق،
وهو ثقة، ولكنه مدلس. قاله الهيثمي في مجمع الزوائد. ونحن لا نحتج بحديث محمد ابن
إسحاق هذا، ولكن حديث أنس لما كان محتملاً للمعنيين حصل الترجيح بحديثه لأحدهما .

٤٣١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦٢٥ - (٤٨) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ. قَالا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ: إِذَا عَجِلَ
عَلَيْهِ السَّفَرُ، يُؤَخِّرُ الظَّهْرَ إِلَى أَوَّلِّ وَقْتِ الْعَصْرِ. فَيَجْمَعُ بَيْنَّهُمَا. وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى
يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
(٦) - باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر
١٦٢٦ - (٤٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(١)؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً.
وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً. فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلا سَفَرٍ .
٤٨ - ( ... ) - قوله: (إذا عجل عليه السفر) الخ: قال النووي: هكذا هو في الأصول:
((عجل عليه)) وهو بمعنى ((عجل به)) في الروايات الباقية.
قوله: (حين يغيب الشفق) الخ: وعند الطحاوي من هذه الطريق: ((حتى يغيب الشفق)).
(٦) - باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر
٤٩ - (٧٠٥) - قوله: (في غير خوف ولا سفر) الخ: تأوله البعض على أنه كان في مطر،
كما قال مالك، ويرده ما سيأتي: ((من غير خوف ولا مطر)).
قال ابن رشد: ((وأما الجمع في الحضر لعذر المطر فأجازه الشافعي ليلاً كان أو نهاراً،
ومنعه مالك في النهار، وأجازه في الليل، وأجازه أيضاً في الطين دون المطر في الليل، وقد
عذل الشافعي مالكاً في تفريقه من صلاة النهار في ذلك وصلاة الليل، لأنه روى الحديث
وتأوّله، أعني خصص عمومه من جهة القياس، وذلك أنه قال في قول ابن عباس: ((جمع
رسول الله وَلو بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر)): أرى ذلك كان
(١) قوله: ((عن ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب تأخير الظهر
إلى العصر، رقم (٥٤٣) وباب وقت المغرب، رقم (٥٦٢) وفي كتاب التهجد، باب من لم يتطوع بعد
المكتوبة، رقم (١١٧٤) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم، رقم
(٥٩٠) و(٥٩١) وباب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (٦٠٢) و(٦٠٣) و(٦٠٤) وأبو داود في سننه،
في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين، رقم (١٢١٠) و(١٢١١) و(١٢١٤) والترمذي في
جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (١٨٧) وفي كتاب إقامة
الصلاة والسنة فيها، باب الجمع بين الصلاتين في السفر، رقم (١٠٦٩) وأحمد في مسنده (١: ٢١٧ و٢٤٤
و٢٥١ و٣٥١ و٣٦٧ و٣٦٨).

٤٣٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
في مطر، قال: فلم يأخذ بعموم الحديث ولا بتأويله، أعني تخصيصه، بل رد بعضه وتأوّل
بعضه، وذلك شيء لا يجوز بإجماع، وذلك أنه لم يأخذ بقوله فيه: ((جمع بين الظهر والعصر))
وأخذ بقوله: ((والمغرب والعشاء)) وتأوله، وأحسب أن مالكاً تغلفهُ إنما ردّ بعض هذا الحديث،
لأنه عارضه العمل، فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع في الحضر بين
المغرب والعشاء، على ما روي أن ابن عمر: ((كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء: جمع
معهم)) لكن النظر في هذا الأصل الذي هو العمل كيف يكون دليلاً شرعياً؟ فيه نظر، فإن متقدمي
شيوخ المالكية كانوا يقولون: إنه من باب الإجماع، وذلك لا وجه له، فإن إجماع البعض لا
يحتج به، وكان متأخروهم يقولون: إنه من باب نقل التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع وغيره
مما نقله أهل المدينة خلفاً عن سلف، والعمل إنما هو فعل، والفعل لا يفيد التواتر، إلا أن
يقترن بالقول، فإن التواتر طريقه الخبر لا العمل، وبأن جعل الأفعال تفيد التواتر: عسير، بل
لعله ممنوع، والأشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة تَّتُهُ،
وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها وتكرر وقوع أسبابها غير منسوخة،
ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خلفاً عن سلف، وهو أقوى من
عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة، لأن أهل المدينة أحرى أن لا يذهب ذلك عليهم من
غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل. وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا
اقترنت بالشيء المنقول، إن وافقته أفادت به غلبة ظن، وإن خالفته أفادت به ضعف ظن، فأما
هل تبلغ هذه القرينة مبلغاً ترد بها أخبار الآحاد الثابتة: ففيه نظر، وعسى أنها تبلغ في بعض ولا
تبلغ في بعض لتفاضل الأشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة
إليها أمس - وهي كثيرة التكرار على المكلفين - كان نقلها من طريق الآحاد من غير أن ينتشر قولاً
أو عملاً فيه ضعف، وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن النقل فيه
اختلال، وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره)) اهـ.
الدليل لمن يقول بجواز الجمع بين الصلاتين مطلقاً بشرط أن لا يتخذ ذلك
خلقاً وعادة، والجواب عن الجمهور، وأقوال العلماء في الجمع الصوري
قال الشوكاني: ((وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقاً، بشرط أن لا
يتخذ ذلك خلقاً وعادة، قال في الفتح: وممن قال به: ابن سيرين، وربيعة، وابن المنذر،
والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. وذهب الجمهور إلى أن
الجمع لغير عذر لا يجوز، وحكى في البحر عن البعض أنه إجماع، ومنع ذلك مسنداً بأنه قد
خالف في ذلك من تقدم. واعترض عليه صاحب المنار بأنه لا اعتداد بخلاف حادث بعد إجماع
الصدر الأول.

٤٣٣
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
٠٠
وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأجوبة :
منها أن الجمع المذكور كان للمرض، وقوّاه النووي، قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه لو كان
جمعه لو بين الصلاتين لعارض المرض: لما صلى معه إلا من له نحو ذلك العذر، والظاهر
أنه ﴾ جمع بأصحابه، وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته.
ومنها: أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم مثلاً، فبان أن وقت العصر قد
دخل، فصلاها. قال النووي: وهو باطل، لأنه وإن كان فهي أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا
احتمال فيه في المغرب والعشاء. قال الحافظ: وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب
إلا وقت واحد، والمختار عنه خلافه، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء، وعلى هذا فالاحتمال
قائم .
ومنها: أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل العصر في
أول وقتها، قال النووي: وهذا احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا
تحتمل. قال الحافظ: وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي، ورجحه إمام الحرمين، وجزم به
من القدماء: ابن الماجشون، والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء - وهو راوي
الحديث عن ابن عباس - قد قال به. قال الحافظ أيضاً: ويقوي ما ذكر من الجمع الصوري أن
طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن يحمل على مطلقها، فيستلزم إخراج
الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر، وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج،
ويجمع بها بين مفترق الأحاديث، فالجمع الصوري أولى، والله أعلم)» اهـ.
ومما يدل على تعيين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن
عباس، بلفظ ((صليت مع النبي وَّر الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، أخّر الظهر
وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء)). فهذا ابن عباس رواي حديث الباب، قد صرح
بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، وما يؤيد ذلك ما رواه الشيخان، عن
عمرو بن دينار، أنه قال: ((يا أبا الشعثاء، أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل
العشاء، قال: وأنا أظنه)) وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس، كما تقدم.
ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري: ما أخرجه مالك في الموطأ، والبخاري،
وأبو داود، والنسائي، عن ابن مسعود قال: ((ما رأيت رسول الله وَلو صلى صلاة لغير ميقاتها إلا
صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها)) فنفى ابن مسعود
مطلق الجمع، وحصره في جمع المزدلفة، مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة، كما تقدم،
وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري، ولو كان جمعاً حقيقياً لتعارض روايتاه،
والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب.

٤٣٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضاً: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر،
قال: ((خرج علينا رسول الله ◌َيهر، فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر
المغرب ويعجل العشاء، فيجمع بينهما)) وهذا هو الجمع الصوري، وابن عمر هو ممن روى
جمعه 0 بالمدينة، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه، وهذه الروايات معينة لما هو المراد بلفظ
((جمع)) لما تقرر في الأصول من أن لفظ ((جمع بين الظهر والعصر)) لا يعم وقتها، كما في
محتضر المنتهى، وشروحه، والغاية وشرحها، وسائر كتب الأصول، بل مدلوله لغة: الهيئة
الاجتماعية، وهي موجودة في جمع التقديم والتأخير، والجمع الصوري، إلا أنه لا يتناول
جميعها ولا اثنين منها، إذ الفعل المثبت لا يكون عامّاً في أقسامه، كما صرح بذلك أئمة
الأصول، فلا يتعين واحد من صور الجمع المذكور إلا بدليل، وقد قام الدليل على أن الجمع
المذكور في الباب هو الجمع الصوري، فوجب المصير إلى ذلك.
وقد زعم بعض المتأخرين أنه لم يرد الجمع الصوري في لسان الشارع وأهل عصره، وهو
مردود بما ثبت عنه وَّر من قوله للمستحاضة: ((وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر
فتغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين)) ومثله في المغرب والعشاء، وبما سلف عن ابن عباس، وابن
عمر، وقد روي عن الخطابي، أنه لا يصح حمل الجمع المذكور في الباب على الجمع
الصوري، لأنه يكون أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها
مما لا يدركه الخاصة، فضلاً عن العامة .
ويجاب عنه بأن الشارع قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف
والبيان، حتى إنه عيّنها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة، فضلاً عن الخاصة،
والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وفعل الأولى في أول وقتها: متحقق بالنسبة
إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان ذلك دينه وَلتر، حتى قالت عائشة: ((ما صلى
صلاة لآخر وقتها مرتين، حتى قبضه الله تعالى)) ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة
والخروج إليهما مرة أخف من خلافه، وأيسر.
وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح: ((إن قوله وَليقول: ((لئلا تحرج أمتي)) يقدح في حمله
على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج)).
قلت: ولو كان الأمر كما قاله الخطابي والحافظ: لما أوقع المستحاضة في ذلك الحرج
العظيم، والضيق الشديد.
وبهذا يندفع أيضاً ما قال ابن تيمية وغيرهما: إن الأوقات التي بيّنها النبي ◌َّ بقوله وفعله
نوعان بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية، وأوقات العذر والضرورة، فالوقتان
المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأهل الرفاهية والسعة، فيا لله العجب! أي معذور كان

٤٣٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦٢٧ - (٥٠) وحدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَوْنُ بْنُ سَلاَّم. جَمِيعاً عَنْ زُهَيْرٍ. قَالَ ابْنُ
يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: صَلَّى
أحق بالانتفاع بالجمع الوقتي من تلك المستحاضة التي هداها النبي ◌َّ إلى الجمع الفعلي
الصوري؟!
فإن قلت: الجمع الصوري هو فعل لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها، فلا
يكون رخصة، بل عزيمة، فأي فائدة في قوله وَليقول: ((لئلا تحرج أمتي)»؟ مع شمول الأحاديث
المعينة للوقت للجمع الصوري، وهل حمل على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الإطراح
لفائدته وإلغاء مضمونه؟
قلت: لا شك أن الأقوال الصادرة منه 8 شاملة للجمع الصوري، كما ذكرت، فلا يصح
أن يكون رفع الحرج منسوباً إليها، بل هو منسوب إلى الأفعال ليس إلا، لما عرفناك من أنه وَالر
ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم
لملازمته يقر لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعاً صورياً تخفيف وتسهيل على من اقتدى
بمجرد الفعل، وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة
من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم ويّ بالنحر، حتى دخل وَّ على أم سلمة مغموماً،
فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له، ففعل، فنحروا أجمع، وكادوا يهلكون غماً من
شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق.
ومما يدل على أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز إلا لعذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس
عن النبي ◌ِّ قال: ((من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)) وفي
إسناده حنش بن قيس، وهو ضعيف.
ومما يدل على ذلك ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه: ((جميع ما
في كتابي هذا من الحديث هو معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث
ابن عباس: ((أن النبي والر جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف
ولا سفر)) وحديث أنه قال ◌َّير: ((إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه)) انتهى.
ولا يخفاك أن الحديث صحيح، وترك الجمهور للعمل به لا يقدح في صحته، ولا يوجب
سقوط الاستدلال به، وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف، وإن كان ظاهر كلام الترمذي أنه
لم يأخذ به أحد، ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت مقدم، فالأولى التعويل على ما قدمنا من
أن ذلك الجمع صوري، بل القول بذلك متحتم لما سلف، وقد جمعنا في هذه المسألة رسالة
مستقلة، سميناها: ((تنشيف السمع بإبطال أدلة الجمع)) فمن أحب الوقوف عليه فليطلبها. كذا في
نيل الأوطار مع بعض زيادات منا .

٤٣٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ الظُهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ .
قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيداً: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي.
فَقَال: أَرَادَ أَنْ لا يُخْرِجَ أَحَداً مِنْ أُمَّتِهِ.
١٦٢٨ - (٥١) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ.
حَدَّثَنَا قُرَّةُ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِه
جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاةِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا، فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ. فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَالْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ.
قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لا يُخْرِجَ أُمَّتَهُ.
١٦٢٩ - (٥٢) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ
عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ عَامِرٍ عَنْ مُعَاذٍ(١). قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ شَهِ فِي غَزْوَةٍ تَّبُوكَ. فَكَانَ
يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً.
١٦٣٠ - (٥٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا
٥٠ _ ( ... ) - قوله: (أن لا يحرج أحداً من أمته) الخ: يحرج بالياء المضمومة آخر
الحروف، من الإحراج، أي: أن لا يوقع أحداً منهم في الحرج والضيق.
قال الشوكاني: ومعناه إنما فعل ذلك لئلا يشق عليهم ويثقل، فقصد إلى التخفيف عنهم،
وقد أخرج ذلك الطبراني في الأوسط والكبير، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود،
بلفظ: ((جمع رسول الله وَّه بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال:
صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي)) وقد ضعف بأن فيه ابن عبد القدوس، وهو مندفع، لأنه لم يتكلم
فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء وتشيعه، والأول غير قادح باعتبار ما نحن فيه، إذ لم يروه عن
ضعيف، بل رواه عن الأعمش، كما قال الهيثمي، والثاني ليس بقدح معتد به ما لم يجاوز الحد
المعتبر، ولم ينقل عنه ذلك، على أنه قد قال البخاري: إنه صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس
به .
(١) قوله: ((عن معاذ)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه
المسافر بين الظهر والعصر، رقم (٥٨٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين،
رقم (١٢٠٦) و(١٢٠٨) و(١٢٢٠) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين
الصلاتين، رقم (٥٥٣) و(٥٥٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجمع بين
الصلاتين في السفر، رقم (١٠٧٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين، رقم
(١٥٢٣) وأحمد في مسنده (٥: ٢٢٩ و٢٣٠ و٢٣٣ و٢٣٦ و٢٣٧ و٢٤١).

٤٣٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ أَبُو الظُّفَيْلِ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ.
قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لهِ فِي غَزْوَةٍ تَّبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قَالَ: فَقُلْتُ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لا يُخْرِجَ أُمَّتَهُ.
١٦٣١ - (٥٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً.
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ، قَالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. كِلاهُمَا
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١)؛ قَالَ:
جَمَّعَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بِالْمَدِينَةِ. فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلا
مَطَرٍ .
فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قِيلَ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لا
يُحْرِجَ أُمَّتَهُ .
١٦٣٢ - (٥٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو،
عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ النَّبِيِّ وََّ ثَمَانِياً جَمِيعاً.
٥٣ - ( ... ) - قوله: (حدثنا عامر بن واثلة أبو الطفيل) الخ: قال النووي: ((هكذا
ضبطناه: عامر بن واثلة، وكذا هو في بعض نسخ بلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن جمهور
رواة صحيح مسلم، ووقع لبعضهم: عمرو بن واثلة، وكذا وقع في كثير من أصول بلادنا في هذه
الرواية الثانية، وأما الرواية الأولى لمسلم: ((عن أحمد بن عبد الله، عن زهير، عن أبي الزبير،
عن أبي الطفيل: عمار)) فهو عامر باتفاق الرواة هنا، وإنما الاختلاف في الرواية الثانية،
والمشهور في أبي الطفيل: عامر، وقيل: عمرو، وممن حكى الخلاف فيه البخاري في تاريخه،
وغيره من الأئمة، والمعتمد المعروف: عامر، والله أعلم)) كذا في الشرح.
قوله: (أراد أن لا يحرج أمته) الخ: قال ابن سيد الناس: قد اختلف في تقييده، فروي:
(يحرج)) بالياء المضمومة آخر الحروف، و((أمته)) منصوب على أنه مفعوله، وروي: ((تحرج)) بالتاء
ثالثة الحروف، مفتوحة، وضم ((أمته)) على أنها فاعله، أي لئلا يشق عليهم ويثقل. قال الأبي:
هو بيان لجواز تأخير الصلاة لآخر وقتها. قال الحافظ في التلخيص: وفي رواية للطبراني:
((جمع بالمدينة من غير علة، قيل له: ما أراد بذلك؟ قال: التوسع على أمته)) اهـ.
٥٥ _ ( ... ) - قوله: (ثمانياً جميعاً) الخ: أي: الظهر والعصر.
(١) قد سبق تخريج هذا الحديث تحت الحديث ذي الرقم (١٦٣٠).

٤٣٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَسَبْعاً جَمِيعاً.
قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا الشَّعْنَاءِ! أَظُنُّهُ أَخَّرَ الظُهْرَ وَعَجَّلَ الْعَصْرَ. وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَعَجَّلَ
الْعِشَاءَ. قَالَ: وَأَنَا أَظُنَّ ذَاكَ.
١٦٣٣ - (٥٦) وحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعاً وَثَمَّانِياً،
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
١٦٣٤ - (٥٧) وحدَثني أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: خَطَبَنَا أَبْنُ عَبَّاسٍ يَوْماً بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ
وَبَدَتِ النُّجُومُ. وَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الصَّلاَةَ. الصَّلاَةَ. قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِیم،
لاَ يَفْتُرُ وَلاَ يَنْثَنِي: الصَّلاَةَ. الصَّلاَةَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتُعَلِّمُنِي بِالسُّنَّةِ؟ لاَ أُمَّ لَكَ! ثُمَّ
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِ ◌ّهِ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ: فَحَاكَ فِي صَدْرِي مِنْ ذُلِكَ شَيْءٌ. فَأَتَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ،
فَسَأَلْتُهُ، فَصَدَّقَ مَقَالَتَهُ.
قوله: (وسبعاً جميعاً) الخ: أي: المغرب والعشاء.
قوله: (يا أبا الشعثاء) الخ: كنية جابر بن زيد الراوي عن ابن عباس.
قوله: (وأنا أظن ذلك) الخ: وهذا هو الجمع الفعلي الصوري.
٥٧ - ( ... ) - قوله: (عن الزبير بن الخريت) الخ: هو بخاء معجمة وراء مكسورتين،
والراء مشددة، ثم مثناة تحت، ومن فوق.
قوله: (لا يفتر ولا ينثني) الخ: أي: لا يضعف ولا ينكسر، ولا ينصرف عن مناداته.
قوله: (لا أمّ لك) الخ: هو كقولهم: لا أب له، وقد سبق شرحه في كتاب الإيمان في
حديث حذيفة في الفتنة التي تموج كموج البحر.
قوله: (فحاك في صدري) الخ: هو بالحاء والكاف، أي وقع في نفسي نوع شك وتعجب
واستبعاد، يقال: حاك يحيك، وحكّ يحكّ، واحتكّ، وحكى الخليل أيضاً: أحاك، وأنكرها
ابن درید.
قوله: (فصدّق مقالته) الخ: أي: صدّق أبو هريرة مقالة ابن عباس في الجمع.
قال العلامة السندي: ((وأقرب ما قيل فيه: أنه محمول على الجمع فعلاً لا وقتاً، وهو أنه
أخّر الأولى حتى صلاها في آخر وقتها، فلما فرغ منها دخل وقت الثانية، فصلاها، وهذا هو

٤٣٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦٣٥ - (٥٨) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُدَيْرٍ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقِ الْعُقَيْلِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسِ: الصَّلاَةَ. فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ:
الصَّلاَةَ. فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: الصَّلاَةَ. فَسَكَتَ. ثُمَّ قَالَ: لاَّ أُمَّ لَكَ! أَتُعَلِّمُنَا بِالصَّلاَةِ؟ وَكُنَّا
نَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ.
(٧) - باب: جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال
١٦٣٦ - (٥٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (١)؛ قَالَ: لا يَجْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ مِنْ
التأويل الذي نقله مسلم عن أبي الشعثاء في ما بعد، ولا يشكل عليه إلا قوله: ((أراد أن لا يحرج
أحد من أمته)) لأن هذا فعل جائز لهم على مقتضى شرع أوقات الصلوات ممتدة متصلة، سواء
فعل أو لم يفعل، فأي فائدة لهم في خصوص هذا الفعل؟ وأي حرج يندفع عنهم به؟
وقد يجاب بأن المراد دفع الحرج ببيان جواز تأخير الصلاة لآخر وقتها لمن لم يعرف،
وقول النووي: ((هذا تأويل ضعيف)) ليس بشيء، لأن سائر التأويلات أبعد منه، وأما تأويله
بحمله على المرض - كما اختاره النووي - فبعيد جداً، إذ جمع طرق الحديث يفيد أن صلاته وله
كانت بالجماعة، ومن المستبعد أن يكون الكل مرضى، ومرض البعض لا يكفي، ولا يكون سبباً
للرخصة لغيره، وأيضاً لا يتوجه حينئذ تأخير ابن عباس صلاته مع الجماعة يوم الخطبة، على ما
سيجيء، إلا أن يفرض الكل في تلك الواقعة مرضى، وهذا بعيد، بل باطل، بخلافه على
التأويل الأول إذ يجوز التأخير إلى آخر الوقت، سيما لمصلحة تبليغ العلم، والله تعالى أعلم،
ويمكن تأويله بحمله على السفر، فيكون المراد بقوله: ((بالمدينة)) أي بقربها، ومعنى قوله: ((من
غير سفر)) أي غير سير بأن كانت حالة النزول إلا أنه لا يتوجه حينئذ تأخير ابن عباس صلاته مع
الجماعة يوم الخطبة أيضاً، إلا أن يفرض الواقعة في السفر، والله تعالى أعلم)) اهـ.
(٧) - باب: جواز الانصراف من الصلاة عن اليمين والشمال
٥٩ - (٧٠٧) - قوله: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا معاوية، ووكيع) الخ: قال
(١) قوله: ((عن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الانفتال والانصراف عن
اليمين والشمال، رقم (٨٥٢) والنسائي في سننه، في كتاب الافتتاح، باب الانصراف من الصلاة، رقم
(٣١٦١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب كيف الانصراف من الصلاة، رقم (١٠٤٢) وابن ماجه
في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الانصراف من الصلاة، رقم (٩٣٠) والدارمي في سننه،
في كتاب الصلاة، باب على أي شقّيه ينصرف من الصلاة، رقم (١٣٥٧) وأحمد في مسنده (١: ٣٨٣
و ٤٢٩ و٤٥٩ و ٤٦٤).

٤٤٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
نَفْسِهِ جُزْءًا، لا يَرَى إِلا أَنَّ حَقّاً عَلَيْهِ، أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ إِلاَّ عَنْ يَمِينِهِ. أَكْثَرُ مَا رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَلّهِ يَنْصَرِفُ عَنْ شِمَالِهِ.
النووي: ((هذا الإسناد كله كوفيون، وفيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض: الأعمش، وعمارة،
والأسود)).
قوله: (لا يرى) الخ: بفتح الياء آخر الحروف، بمعنى ((يعتقد)) أو: يرى بضم الياء، بمعنى
(يظن)) ووجه ارتباط هذه الجملة بما قبله هو: إما أن يكون بياناً للجعل أو يكون استينافاً،
تقديره: كيف يجعل للشيطان شيئاً من صلاته؟ فقال: يرى أن حقاً عليه ... إلى آخره، وفي
صحيح البخاري: ((يرى أن حقاً عليه)).
قوله: (إلا أن حقاً) الخ: منصوب لأنه اسم ((أن)) وقوله: ((أن لا ينصرف)) في محل الرفع
على أنه خبر ((أن)) والمعنى: يرى أن واجباً عليه عدم الانصراف إلا عن يمينه.
قوله: (أن لا ينصرف) الخ: لفظ الانصراف يحتمل معنيين: أحدهما الرجوع والتوجه
لحاجته إذا انصرف إليها، والتحول والتوجه إلى أحد جانبيه جالساً للأذكار وغيرها .
قوله: (ينصرف عن شماله) الخ: وفي الفتح: ((ظاهره يعارض حديث أنس الآتي بعده،
لأنه عبر في كل منهما بصيغة: ((أفعل))، قال النووي: يجمع بينهما بأنه وَل و كان يفعل تارة هذا،
وتارة هذا، فأخبر كل منهما بما اعتقد أنه الأكثر، وإنما كره ابن مسعود أن يعتقد وجوب
الانصراف عن اليمين.
قلت: ((وهو موافق للأثر المذكور)) اهـ. يعني: ((كان أنس بن مالك ينفتل عن يمينه وعن
يساره، ويعيب على من يتوخى أو من يعمد الانفتال عن يمينه)).
قال الحافظ: ((ويمكن أن يجمع بينهما بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث ابن مسعود على
حالة الصلاة في المسجد، لأن حجرة النبي ◌َّر كانت من جهة يساره، ويحمل حديث أنس على
ما سوى ذلك، كحال السفر، ثم إذا تعارض اعتقاد ابن مسعود وأنس رجح ابن مسعود، لأنه
أعلم وأسن وأجل وأكثر ملازمة للنبي وَله، وأقرب إلى موقفه في الصلاة من أنس، وبأن في
إسناد حديث أنس من تكلم فيه - وهو السدي - وبأنه متفق عليه، بخلاف حديث أنس في
الأمرين، وبأن رواية ابن مسعود توافق ظاهر الحال، لأن حجرة النبي ◌َ ◌ّ كانت على جهة
يساره، كما تقدم)) اهـ.
قال العلماء: يستحب الانصراف إلى جهة حاجته، لكن قالوا: إذا استوت الجهتان في
حقه فاليمين أفضل، لعموم الأحاديث المصرحة بفضل التيامن، كذا في الفتح.
وفي كتب الحنفية: أن المقتدي والمنفرد إن لبثا أو قاما إلى التطوع في مكانه الذي صليا
فيه المكتوبة: جاز، والأحسن أن يتطوع في مكان آخر، وأما الإمام فقال في الخانية: يستحب له