النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
عُلَيَّةَ. جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ هُشَيْمٍ.
يرتفع عنه بقصد الإقامة اسم السفر؟ ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الإقامة مدة لا يرتفع فيها
عنه اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة، وعاقه عائق عن السفر: أنه يقصر أبداً،
وإن أقام ما شاء الله، ومن راعى الزمان الأقل من مقامه تأول مقامه في الزمان الأكثر مما ادعاه
خصمه على هذه الجهة، فقالت المالكية مثلاً: إن الخمسة عشر يوماً التي أقامها عليه الصلاة
والسلام عام الفتح إنما أقامها وهو أبداً ينوي أنه لا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في
الزمان الذي حدوه، والأشبه بالمجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لأكثر
الزمان الذي روي عنه عليه السلام والسلام أنه أقام فيه مقصراً، ويجعل ذلك حداً من جهة أن
الأصل هو الإتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول: إن الأصل في هذا هو
أقل الزمان الذي وقع عليه الإجماع وما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام أقام مقتصراً أكثر من
ذلك الومان فيحتمل أن يكون أقامه لأنه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون أقامه بنية الزمان الذي
تجوز إقامته فيه مقصراً باتفاق، فعرض له أن أقام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال وجب
التسمك بالأصل)) اهـ.
والذي يظهر للعبد الضعيف - والله أعلم - أن الأصل في الصلاة هو الإتمام، ولا يجوز
القصر إلا بعارض السفر، فلا يتجاوز عن أكثر الزمان الذي ثبت فيه القصر عن النبي وَلقول ثبوتاً لا
مرد له، ولا اختلاف فيه، وليس هو إلا خمسة عشر يوماً، فقد روى أبو داود من طريق ابن
إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس: ((أقام رسول الله ◌َيّر بمكة عام الفتح خمس
عشرة، يقصر الصلاة)).
قال الحافظ في الفتح: ((ضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد، لأن رواتها ثقات،
ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي عن عراك بن مالك، عن عبيد الله كذلك)) ثم
أفصح الحافظ بتصحيحه، وتصدى للجمع بينه وبين سائر الروايات عن ابن عباس، وإن أشار إلى
شذوذه في التلخيص.
وقد روى البخاري عن ابن عباس، وفيه: تسعة عشر، وروى أبو داود عنه: سبعة عشر،
وروي أيضاً عن عمران بن حصين، وفيه: ثمان عشرة ليلة.
قال الحافظ في التلخيص: ((ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد، وفيه
علي بن زيد بن جدعان، ودعوى صاحب التهذيب أنها سالمة من الاختلاف، أي على راويها،
وهو وجه من الترجيح: يفيد لو كان راويها عمدة. وقد ادعى البيهقي أن ابن المبارك لم يختلف
عليه في رواية تسعة عشر، وفيه نظر لما أسلفناه من رواية عبد بن حميد، فإنها من طريقه أيضاً،
وهي: أقام عشرین)) اهـ.
فبقي حديث ابن عباس، وفيه كما ترى اختلاف يورث نوعاً من التردد لا محالة في ما زاد

٤٠٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٨٦ - (٠٠٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: حَدَّثَنِي
يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْحَجّ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ.
على خمسة عشر، وما جمع به البيهقي بين هذا الاختلاف بأن من قال: تسع عشرة، عدّ يومي
الدخول والخروج، ومن قال: سبع عشرة، حذفهما، ومن قال: ثمان عشرة، عد أحدهما. وأما
رواية خمس عشرة فحمله الحافظ على أن الراوي ظن أن الأصل في الرواية سبع عشرة، فحذف
منها يومي الدخول والخروج، فهذا كله محتمل لا متعين، ومثله لا يقطع عرق التردد، فالأحوط
الأخذ بالمتيقن، أي خمسة عشر يوماً، والعمل في غير المتيقن على الأصل، وهو الإتمام، وإليه
ذهب سعيد بن جبير رضپئه .
قال العيني: ((والثاني والعشرون عند أبي بكر بن أبي شيبة بسند صحيح، قال سعيد بن
جبير رَُّه: إذا أراد أن يقيم أكثر من خمسة عشر يوماً أتم الصلاة)) اهـ.
وعند أصحابنا (أي: الحنفية) إن نوى أقل من خمسة عشر يوماً قصر صلاته، لأن المدة
خمسة عشر يوماً كمدة الطهر، لما روي عن ابن عباس وابن عمر ظه قالا: ((إذا قدمت بلدة
وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى
تظعن قاقصرها)) رواه الطحاوي، وروى ابن شيبة في مصنفه: حدثنا وكيع، حدثنا عمر بن ذر،
عن مجاهد: ((أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتم الصلاة)) وروى هشيم
عن داود بن أبي هند، عن ابن المسيب، أنه قال: ((إذا أقام المسافر خمس عشرة ليلة أتم
الصلاة، وما كان دون ذلك فليقصر)) اهـ. فالخلاف بين سعيد بن جبير وبين أصحابنا ليس إلا في
نفس خمس عشرة، لا فيما دونها، ولا فيما فوقها، فليتنبه له .
وأما إقامته رَّه بتبوك عشرين يوماً، فقد رواه أحمد وأبو داود، عن عبد الرزاق، عن
معمر، عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، بهذا. قال أبو داود: غير
معمر لا يسنده، ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث معمر، وصححه ابن حزم والنووي، وأعله
الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن
يحيى بن أبي كثير عن ابن ثوبان مرسلاً، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى عن أنس، فقال: ((بضع
عشرة)) .
قلت: وبهذا اللفظ رواه جابر، أخرجه البيهقي من طريقه بلفظ: ((غزوت مع النبي ◌َّ
غزوة تبوك، فأقام بها بضع عشرة، فلم يزد على ركعتين، حتى رجع)) وروى الطبراني في الأوسط
من حديث أنس مثل حديث الباب، وهو ضعيف، فإنه من رواية الأوزاعي عن يحيى عن أنس،
وهو معلول بما تقدم، وقد اختلف فيه على الأوزاعي أيضاً، ذكره الدارقطني في العلل، وقال:

٤٠٣
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٥٨٧ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو
أُسَامَةَ. جَمِيعاً عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ بِمِثْلِهِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْحَجَّ.
(٢) - باب: قصر الصلاة بمنى
١٥٨٨ - (١٦) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، وَهْوَ
ابْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيِهِ (١)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِ؛
أَنَّهُ صَلَّى صَلاَةَ الْمُسَافِرِ، بِمِنَّى وَغَيْرِهِ، رَّكْعَتَيْنِ. وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ، صَدْراً
مِنْ خِلاَفَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعاً .
الصحيح عن الأوزاعي، عن يحيى، أن أنساً كان يفعل، قلت: ويحيى لم يسمع من أنس. كذا
قال الحافظ في التلخيص.
وقال الأبي: ((لا حجة في تقصيره في إقامة العشرين يوماً بتبوك، لأن حكم الجيش ببلد
الحرب يقصر، لأنه لا ينوي إقامة معينة، ولا يعلم متى يأتي ما يرجحه)) اهـ.
(٢) - باب: قصر الصلاة بمنى
١٦ - (٦٩٤) - قوله: (بمنى وغيره) الخ: قال النووي: «هكذا هو في الأصول: ((وغيره))
وهو صحيح، لأن ((منى)) تذكر وتؤنث بحسب القصد، إن قصد الموضع: فمذكر، أو البقعة:
فمؤنثة، وإذا ذكر صرف، وكتب بالألف، وإن أنث لم يصرف وكتب بالياء، والمختار تذكيره
وتنوینه، وسمي ((منى)) لما يمنى به من الدماء، أي: يراق)).
قوله: (ثم أتمها أربعاً) الخ: يعني: ثم في أواخر خلافته صلى أربع ركعات في منى، وقد
تقدم الكلام فيه في أوائل هذا الباب.
قال عياض: ((لم يختلف أن الحاج الآفاقي يقصر، واختلف في الحاج من أهل مكة وعرفة
ومنى، فقال مالك: يقصرون للسنة ولأن تكرارهم في المناسك قدر مسافة القصر، وأباه الشافعي
وأبو حنيفة إذ ليسوا على مسافة القصر)). كذا في شرح الأبي.
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى، رقم
(١٠٨٢) وفي كتاب الحج، باب الصلاة بمنى، رقم (١٦٥٥) والنسائي في سننه، في كتاب تقصير الصلاة
في السفر، باب الصلاة بمنى، رقم (١٤٥١) و(١٤٥٢) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب قصر
الصلاة في السفر، رقم (١٥١٤) وفي كتاب مناسك الحج، باب قصر الصلاة بمنى، رقم (١٨٨٢) وأحمد
في مسنده (٢: ٨ و١٦ و٣١ و٤٤ و ٤٥ و ٥٥ و٥٩).

٤٠٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٨٩ - (٠٠٠) وحدّثناه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيْدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
ح وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَّعْمَرٌ. جَمِيعاً عَنِ
الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. قَالَ: بِمِنّى. وَلَمْ يَقُلْ: وَغَيْرِهِ.
١٥٩٠ - (١٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلَهُ بِمِنَّى رَكْعَتَيْنٍ. وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ. وَعُمَرُ
بَعْدَ أَبِيّ بَكْرٍ. وَعُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلاَفَتِهِ. ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى، بَعْدُ، أَرْبَعاً .
فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعاً. وَإِذَا صَلَّهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
١٥٩١ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى،
وَهُوَ الْقَطَّانُ. ح وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ. ح وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا
عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
١٥٩٢ - (١٨) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ. سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عَاصِم عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: صَلَّى النّبِيُّ نَّهِ بِمِنَّى صَلاَةً
الْمُسَافِرٍ. وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَعُثْمَانُ ثَمَأَنِيَ سِنِينَ. أَو قَالَ سِتَّ سنينَ. قَالَ: حَفْصٌ: وَكَانَ
ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِمِنَّى رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ يَأْتِي فِرَاشَهُ. فَقُلْتُ: أَيْ عَمِّ، لَوْ صَلَّيْتَ بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ.
قَالَ: لَوْ فَعَلْتُ لأَتْمَمْتُ الصَّلاَةَ.
١٥٩٣ - (٠٠٠) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ. ح
وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ
يَقُولاَ فِي الْحَدِيثِ: بِمِنَّى. وَلَكِنْ قَالاَ: صَلَّى فِي السَّفَرِ .
١٥٩٤ - (١٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ. حَدَّثَنَا
إِبْرَاهِيمُ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (١). فَاسْتَرْجَعَ. ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لَهَ بِمِنَّى
١٩ - (٦٩٥) - قوله: (فاسترجع) الخ: أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(١) قوله: ((لعبد الله بن مسعود)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة
بمنى، رقم (١٠٨٤) وفي كتاب الحج، باب الصلاة بمنى، رقم (١٦٥٧) والنسائي في سننه، في كتاب
تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٤٤٠) وباب الصلاة بمنى، رقم (١٤٤٩) و(١٤٥٠) وأبو داود في سننه،
في كتاب المناسك، باب الصلاة بمنى، رقم (١٩٦٠) والدارمي في سننه، في كتاب مناسك الحج، باب
قصر الصلاة بمنى، رقم (١٨٨١) وأحمد في مسنده (١: ٤١٦ و٤٢٢ و٤٢٥ و٤٦٤).

٤٠٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
رَكْعَتَيْنٍ. وَصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ بِمِنَّى رَكْعَتَيْنٍ وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمِنّى
رَكْعَتَيْنٍ. فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانٍ مُتَقَبَّلْتَانِ .
١٥٩٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ.
قوله: (فليت حظي من أربع ركعات) الخ: قال الحافظ: ((من: للبدلية، مثل قوله تعالى:
﴿ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وهذا يدل على أنه كان يرى الإتمام جائزاً،
وإلا لما كان له حظ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع
ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأولى، ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود صلى
أربعاً، فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعاً، فقال: ((الخلاف شر)) وفي رواية البيهقي:
((إني لأكره الخلاف)) ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول، وهذا يدل على أنه لم يكن يعتقد أن
القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية، وهي رواية عن مالك
وعن أحمد) اهـ.
وقال في أبواب الحج: ((والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله، لعدم
اطلاعه على الغيب، وهل يقبل الله صلاته أم لا، فتمنى أن يقبل منه من الأربع التي يصليها
ركعتان، ولو لم يقبل الزائد وهو يشعر بأن المسافر عنده مخير بين القصر والإتمام، والركعتان لا
بد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء فحاصله أنه قال: إنما أتم متابعة لعثمان،
وليت الله قبل مني ركعتين من الأربع)) اهـ.
ونقل الداودي عن ابن مسعود: ((أنه كان يرى القصر فرضاً، وقال: خشي ابن مسعود أن
لا يجزىء الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده)) اهـ.
وقال النووي: ((معناه (أي: قوله: ((فليت حظي ... )) الخ) ليت عثمان صلى ركعتين بدل
الأربع كما كان النبي ◌َّر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان - رضوان الله عليهم أجمعين - في صدر
خلافته: يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول الله (صل﴿ وصاحباه)) اهـ.
قال في العرف الشذي: ((وأما اقتداء ابن مسعود رظُله خلف عثمان فالجواب عنه على
مشربنا أن عثمان لما تأول صار مجتهداً في مسألته، فإذا اقتداء ابن مسعود خلف عثمان في
المسألة المجتهد فيها، وذلك جائز عندنا، كما في رد المحتار. وأجاب شمس الأئمة السرخسي
بما حاصله: أن سنة النبي ◌َّير كان القصر ههنا في منى، ولما أقام عثمان وتأهل بمكة قال ابن
مسعود: كان الأولى له أن يقتدي خلف من يقصر، ويكون الإمام من يقصر، لتكون سنة النبي ◌َّ
باقية على هيأتها وصورتها، ولا يكون هو إماماً، لأنه مقيم يصلي أربعاً، ولكنه لما صلى بهم
عثمان لمصالح، وكان مقيماً في زعمه: صلى خلفه ابن مسعود أربعاً، لأن صلاته هذه خلف من
يزعمه أنه مقيم، فإذن لا ضير علينا، والله أعلم)).

٤٠٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
ح وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ وَابْنُ خَشْرَمٍ. قَالاً:
أَخْبَرَنَا عِيسى. كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
١٥٩٦ - (٢٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ قُتَيْبَةُ:
حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ(١)؛ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ
رَسُولِ اللّهِ وَلَهُ بِمِنِّى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرَهُ، رَكْعَتَيْنِ.
١٥٩٧ - (٢١) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو
إِسْحَاقَ. حَدَّثَنِي حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الخُزَاعِيُّ؛ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ بِمِنَّى،
وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
قَالَ مُسْلِمٌ: حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
لأُمِّهِ .
٢٠ - (٦٩٦) - قوله: (آمن ما كان الناس وأكثر) الخ: قال السندي كلّفه: ((المقصود
واضح، وهو أنه صلى حين كان الناس آمن وأكثر، إلا أن الكلام فيه من حيث الإعراب،
والأقرب فيه أن ((آمن)) صفة لوقت مقدر، وهو مضاف إلى ما بعده بحذف المضاف، و((ما)) في
قوله: ((ما كان)) مصدرية، و((كان)) تامة، والتقدير: أي صليت وقتاً هو آمن أوقات وجود الناس،
على أن نسبة الأمن والكثرة إلى الوقت مجازية، والمقصود نسبتهما إلى ما في الوقت من وجود
الناس، والله تعالى أعلم)) اهـ. وقيل غير ذلك، كما بسطه في الفتح والمرقاة وغيرهما .
قال الحافظ: ((وفي هذا الحديث رد على من زعم أن القصر مختص بالخوف، والذي قال
ذلك تمسك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَيُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ
يَفْئِتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١] ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم
المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب،
ثم زال السبب وبقي الحكم، كالرمل)) اهـ.
وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الهيأة، وقد تقدم البحث في ذلك.
٢١ - ( ... ) - قوله: (هو أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب) الخ: قال النووي: ((هكذا
(١) قوله: ((عن حارثة بن وهب)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة
بمنى، رقم (١٠٨٤) وفي كتاب الحج، باب الصلاة بمنى، رقم (١٦٥٦) والنسائي في سننه، في كتاب
تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٤٤٦) و(١٤٤٧) وأبو داود في سننه، في كتاب المناسك، باب القصر
لأهل مكة، رقم (١٩٦٥ والترمذي في جامعه، في كتاب الحج، باب ما جاء في تقصير الصلاة بمنى، رقم
(٨٨٢) وأحمد في مسنده (٤: ٣٠٦).

٤٠٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
(٣) - باب: الصلاة في الرحال في المطر
١٥٩٨ - (٢٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَ
عُمَرَ (١) أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ. فَقَّالَ: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلاَ صَلُّوا فِي
الرِّحَالِ.
ضبطناه: أخو عبيد الله، بضم العين، مصغر، ووقع في بعض الأصول: أخو عبد الله، بفتح
العين، مكبر، وهو خطأ والصواب الأول، وكذا نقله القاضي تقدّثُ عن أكثر رواة صحيح مسلم،
وكذا ذكره البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم، وابن عبد البر، وخلائق لا يحصون، كلهم
يقولون: بأنه أخو عبيد الله، مصغر، وأمه مليكة بنت جرول الخزاعي، تزوجها عمر بن
الخطاب، فأولدها ابنه عبيد الله، وأما عبد الله بن عمر وأخته حفصة فأمهما زينب بنت مظعون)).
(٣) - باب: الصلاة في الرحال في المطر
٢١ - ( ... ) - قوله: (ألا صلوا في الرحال) الخ: ألا بالتخفيف، للتنبيه. والرحال: جمع
رحل، وهو مسكن الرجل، وما فيه من أثاثه. أي صلوا في بيوتكم ومنازلكم، قال النووي: هذا
الحديث دليل على تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وأنها متأكدة إذا لم يكن
عذر، وأنها مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها، وتحمل المشقة، لقوله في الرواية الثانية: (ليصل
من شاء في رحله)) اهـ.
وقد ذكر علماؤنا الحنفية الأعذار في التأخر عن الجماعة، فبلغت إلى عشرين عذراً، منها:
المطر الكثير، والوحل، والبرد الشديد، والظلمة الشديدة، والريح الشديد ليلاً، لعظم مشقته فيه
دون النهار.
قال ابن عابدين: «لم يذكر (صاحب الدر المختار) الحر الشديد، ولم أر من ذكره من
علمائنا، ولعل وجهه أن الحر الشديد إنما يحصل غالباً في صلاة الظهر، وقد كفينا مؤنته بسنية
(١) قوله: (ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا
جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: ((الصلاة في الرحال)) في الليلة الباردة أو المطيرة،
رقم (٦٣٢) وباب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، رقم (٦٦٦) والنسائي في سننه، في كتاب
الأذان، باب الأذان في التخلّف عن شهود الجماعة في الليلة المطيرة، رقم (٦٥٥) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، تفريع أبواب الجمعة، باب التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة، رقم (١٠٦٠ - ١٠٦٤)
وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجماعة في الليلة المطيرة، رقم (٩٣٧)
والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الرخصة في ترك الجماعة إذا كان مطر في السفر، رقم (١٢٧٨)
وأحمد في مسنده (٢: ٤ و١٠ و٥٣ و٦٣ و١٠٣).

٤٠٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٥٩٩ - (٢٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ.
حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَّةٍ ذَاتٍ بَرْدٍ وَرِيحٍ وَمَطَرٍ. فَقَالَ فِي آخِرِ
نِدَائِهِ: أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ كَانَ
يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ، فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: أَلاَ صَلُّوا فِي
ڕِحَالِكُمْ .
١٦٠٠ - (٢٤) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلاَةِ بِضَجْنَانَ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: أَلاَ صَلَّوا فِي
رِحَالِكُمَّ. وَلَمْ يُعِدَ، ثَانِيَةً: أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.
١٦٠١ - (٢٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ
الإبراد. نعم! قد يقال: لو ترك الإمام هذه السنة وصلى في أول الوقت كان الحر الشديد عذراً،
تأمل)) اهـ.
قوله: (ليلة باردة أو ذات مطر) الخ: وفي رواية البخاري: ((في الليلة الباردة أو المطيرة))
وفي صحيح أبي عوانة: ((ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح)) ودل ذلك على أن كلا من الثلاثة
عذر في التأخر عن الجماعة، ونقل ابن بطال في الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح
عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن
إسحاق عن نافع في هذا الحديث: ((في الليلة المطيرة، والغداة القرة)) وفيها بإسناد صحيح من
حديث أبي المليح عن أبيه: ((أنهم مطروا يوماً، فرخص لهم)) ولم أر في الأحاديث الترخص
بعذر الريح في النهار صريحاً، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجهاً، كذا قال
الحافظ في الفتح، وتقدم ما قاله علماؤنا رحمهم الله.
٢٣ - ( ... ) - قوله: (في السفر) الخ: قال الحافظ: ((ظاهره اختصاص ذلك بالسفر،
ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه، والله أعلم)).
٢٤ - ( ... ) - قوله: (بضجنان) الخ: هو بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم، بعدها نون على
وزن فعلان، غير مصروف، قال صاحب الصحاح وغيره: هو جبل بناحية مكة، وقال أبو موسى
في ذيل الغريبين: هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة، وقال صاحب المشارق ومن تبعه: هو
جبل على بريد من مكة، وقال صاحب الفائق: بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً، وبينه وبين
وادي مريسعة أميال، انتهى.
وهذا القدر أكثر من بريدين وضبطه بالأميال يدل على مزيد اعتناء، وصاحب الفائق ممن
شاهد تلك الأماكن واعتنى بها، بخلاف من تقدم ذكره ممن لم يرها أصلاً .

٤٠٩
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
جَابِرٍ (١). ح وَحَدَّثَنَا أَحَمْدُ بْنُ يُونُسَ. قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ؛ قَالَ:
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا. فَقَالَ: ((لِيُصَلُ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَخْلِهِ).
١٦٠٢ - (٢٦) وحدّثنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ
صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ(٢)؛ أَنَّهُ قَالَ، لِمُؤَذِّنِهِ
فِي يَوْمِ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَّسُولُ اللَّهِ، فَلاَ تَقُلْ:
حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ.
٢٦ - (٦٩٩) - قوله: (فلا تقل: حي على الصلاة) الخ(*): قال الحافظ كَّهُ: ((وبوّب عليه
ابن خزيمة، وتبعه ابن حبان، ثم المحب الطبري: ((حذف حي على الصلاة في يوم المطر)) وكأنه
نظر إلى المعنى، لأن حي على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة، والصلاة في الرحال، وصلوا
في بيوتكم: يناقض ذلك، وعند الشافعية وجه: أنه يقول ذلك بعد الأذان، وآخر: أنه يقول بعد
الحيعلتين، والذي يقتضيه الحديث ما تقدم)).
قال النووي: ((فيه (أي: في حديث ابن عباس) أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي
حديث ابن عمر (عند البخاري: ((كان يأمر مؤذناً يؤذن ثم يقول على إثره: ألا صلوا في الرحال)))
أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نصّ عليه الشافعي، لكن بعده أحسن، ليتم نظم
الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح
حديث ابن عباس)) انتهى.
وكلامه يدل على أنها تزاد مطلقاً إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من ((حيّ على
الصلاة)) وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد
الرزاق وغيره بإسناد صحيح، عن نعيم بن النحام، قال: ((أذن مؤذن النبي ◌ُّر للصبح في ليلة
(١) قوله: ((عن جابر)) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب التخلف عن الجماعة في الليلة
الباردة، رقم (١٠٦٥) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء إذا كان المطر فالصلاة في
الرحال، رقم (٤٠٩) وأحمد في مسنده (٣: ٣١٢ و٣٢٧ و٣٩٧).
(٢) قوله: ((عن عبد الله بن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب الكلام في
الأذان، رقم (٦١٦) وباب هل يصلي الإمام بمن حضر؟ وهل يخطب يوم الجمعة في المطر؟ رقم (٦٦٨)
وفي كتاب الجمعة، باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، رقم (٩٠١) وأبو داود في سننه، في
كتاب الصلاة، باب التخلف عن الجماعة في الليلة الباردة، رقم (١٠٦٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب
إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الجماعة في الليلة المطيرة، رقم (٩٣٨) و(٩٣٩) وأحمد في مسنده (١:
٢٧٧).
(*) قلت: يظهر للعبد الضعيف أن لا يجوز العمل على حديث ابن عباس على قواعد الحنفية، لأن كلمة ((حي
على الصلاة)) في الأذان ثبت بالتواتر، وهو يفيد القطع، فلا يعارضه خبر الواحد لكونه ظنياً. تأمل (رف).

٤١٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ. فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ
مِنِّي. إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ. وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِ جَكُمْ، فَتَمْشُوا فِي الطَّينِ وَالدَّخْضِ.
باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها))، اهـ.
قال الحافظ في موضع آخر: ((ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى
الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى ((هلموا إلى الصلاة)) ندب لمن أراد أن
يستكمل الفضيلة، ولو بحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم، قال: ((خرجنا مع
رسول الله ◌َّ﴿ في سفر، فمطرنا، فقال: ليصل من شاء منكم في رحله)).
قوله: (من هو خير مني) الخ: يعني النبي ◌َّل.
قوله: (إن الجمعة عزمة) الخ: بسكون الزاي، ضد الرخصة، أي: متحتمة واجبة، قال
الحافظ: ((والذي يظهر أنه لم يترك بقية الأذان، وإنما أبدل قوله: ((حيّ على الصلاة)) بقوله:
(صلوا في بيوتكم) والمراد بقوله: ((إن الجمعة عزيمة)) أي فلو تركت المؤذن يقول: ((حيّ على
الصلاة)) لبادر من سمعه إلى المجيء في المطر، فيشق عليهم، فأمرته أن يقول: ((صلوا في
بيوتكم)) لتعلموا أن المطر من الأعذار التي تصير العزيمة رخصة)) اهـ.
وقال الزين بن المنير: ((الظاهر أن ابن عباس لا يرخص في ترك الجمعة، وأما قوله:
((صلوا في بيوتكم)) فإشارة منه إلى العصر، فرخص لهم في ترك الجماعة فيها، وأما الجمعة فقد
جمعهم لها، فالظاهر أنه جمع بهم فيها. قال: ويحتمل أن يكون جمعهم للجمعة ليعلمهم
بالرخصة في تركها في مثل ذلك، ليعلموا به في المستقبل)) انتهى.
والذي يظهر أنه لم يجمعهم، وإنما أراد بقوله: ((صلوا في بيوتكم)) مخاطبة من لم يحضر
وتعليم من حضر، كذا قال الحافظ في الفتح: ((ولكن ما أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن
الحارث، قال: ((خطبنا ابن عباس في يوم رزع، فلما بلغ المؤذن: حيّ على الصلاة، فأمره أن
ينادي: الصلاة في الرحال ... )) الحديث، ظاهره يؤيد ما قاله ابن المنير كثّتُهُ، والله أعلم.
قوله: (أن أحرجكم) الخ: من الإحراج، بالحاء المهملة، وبالجيم، من الحرج، وهو
المشقة، والمعنى: ((إني كرهت أن أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر،
ويروى: ((أن أخرجكم)) من الإخراج، بالخاء المعجمة، من الخروج، ويروى: ((كرهت أن
أؤثمكم)) أي أن أكون سبباً لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدوركم. كذا في عمدة القاري.
وفي رواية جرير، عن عاصم، عند ابن خزيمة: ((أن أحرج الناس وأكلفهم أن يحملوا
الخبث من طرقهم إلى مسجدكم)). كذا في الفتح.
قوله: (والدحض) الخ: بفتح الدال، والحاء المهملتين، وفي آخره ضاد معجمة، ويجوز
تسكين الحاء. قال النووي: ((الدحض، والزلل، والزلق، والردغ - بفتح الراء وإسكان الدال

٤١١
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦٠٣ - (٢٧) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ
عَبْدِ الْحَمِيدِ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ اَلْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، فِي يَوْمِ
ذِي رَدْغْ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ. وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ مَنَّ
هُوَ خَيْرٌّ مِنِّي. يَعْنِي النَّبِيَّ وَّهِ.
وِقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَادٌ عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، بِنَحْوِهِ.
١٦٠٤ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، هُوَ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ
زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَعَاصِمُ الأَحْوَلُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ: يَعْنِي النَّبِيَّ ◌َِّ.
١٦٠٥ - (٢٨) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ
ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ عُلَيَّةَ. وَقَالَ: وَكَرِهْتُ أَنْ تَمْشُوا
فِي الدَّحْضِ وَالزَّلَلِ .
١٦٠٦ - (٢٩) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنْ عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَمَرَ مُؤَذْنَهُ، فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي يَوْمٍ
مَطِيرٍ، بِنَحْوِ حَدِثِهِمْ. وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: فَعَلَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي. يَعْنِي النَّبِيَّ ◌َرَ.
١٦٠٧ - (٣٠) وحدّثناه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الحَضْرَمِيُّ. حَدَّثَنَا
وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا أَيُوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ - قَالَ وُهَيْبٌ: لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ - قَالَ: أَمَرَ ابْنُ
عَبَّاسٍ مُؤَذِّنَهُ فِي يَوْمٍ جُمُعَةٍ، فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
المهملة وبالغين المعجمة - كله: بمعنى واحد، ورواه بعض رواة مسلم: ((رزغ)» بالزاي، بدل
الدال بفتحها وإسكانها، وهو الصحيح، وهو بمعنى الردغ، وقيل: هو المطر الذي يبل وجه
الأرض».
( ... ) - قوله: (هو الزهراني) الخ: قال القاضي: ((كذا وقع هنا، جمع بين العتكي
والزهراني، وتارة يقول: العتكي فقط، وتارة: الزهراني، قال: ولا يجتمع العتك وزهران إلا في
جدهما، لأنهما ابنا عم، وليس أحدهما من بطن الآخر، لأن زهران: ابن الحجر بن عمران بن
عمرو، والعتك: ابن أحد بن عمرو)) وقد سبق التنبيه على هذا في أوائل الكتاب.
وفي هذا الحديث: دليل على سقوط الجمعة بعذر المطر ونحوه، وهو مذهبنا ومذهب
آخرين، وعن مالك كثّفُ تعالى خلافه، والله تعالى أعلم بالصواب، كذا في الشرح.
٣٠ - ( ... ) - قوله: (قال وهيب: لم يسمعه منه) الخ: أي: قال وهيب: أيوب لم يسمعه
٠

٤١٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤) - باب: جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت
١٦٠٨ - (٣١) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وََّ كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ. حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ
نَاقَتُهُ.
١٦٠٩ - (٣٢) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ
عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ
تَوَجَّهَتْ بِهِ.
من عبد الله بن الحارث. قال الحافظ: ((وفيه نظر، لأن في رواية سليمان بن حرب، عن حماد،
عن أيوب، وعبد الحميد، قالا: سمعنا عبد الله بن الحارث، كذلك أخرجه الإسماعيلي وغيره)).
(٤) - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت
٣١ - (٧٠٠) - قوله: (يصلي سبحته) الخ: أي: نافلته. وسيأتي في حديث ابن عمر:
(يسبح على الراحلة)).
قال الحافظ: ((قد تكرر في الحديث كثيراً، وسيأتي قريباً حديث عائشة: سبحة الضحى،
والتسبيح حقيقة في قول: ((سبحان الله)) فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض
على الكل، أو لأن المصلي منزه لله سبحانه وتعالى بإخلاص العبادة، والتسبيح التنزيه، فيكون
من باب الملازمة. وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي، والله أعلم.
٣٢ - ( ... ) - قوله: (حيث توجهت به) الخ: قال ابن التين: «مفهومه أنه يجلس عليها
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الوتر، باب الوتر على الدابة، رقم
(٩٩٩) وباب الوتر في السفر، رقم (١٠٠٠) وفي كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة التطوع على الدواب
وحيثما توجهت به، رقم (١٠٩٥) وباب الإيماء على الدابة، رقم (١٠٩٦) وباب ينزل للمكتوبة، رقم
(١٠٩٨) وباب من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها، رقم (١١٠٥) والنسائي في سننه، في كتاب
المساجد، باب الصلاة على الحمار، رقم (٧٤١) وفي كتاب القبلة، باب الحال التي يجوز عليها استقبال
غير القبلة، رقم (٧٤٤) وفي كتاب قيام الليل، باب الوتر على الراحلة، رقم (١٦٨٧) و(١٦٨٨) و(١٦٨٩)
وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب التطوع على الراحلة والوتر، رقم (١٢٢٤) و(١٢٢٦) والترمذي
في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوتر على الراحلة، رقم (٤٧٢) وفي كتاب تفسير القرآن،
باب ومن سورة البقرة، رقم (٢٩٥٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء
في الوتر على الراحلة، رقم (١٢٠٠) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب الوتر على الراحلة. رقم
(١٥٩٨) وأحمد في مسنده (٢: ٤ و٧ و١٣ و٢٠ و ٣٨ و٤٠ و٤١ و ٤٤ و٤٥ و٤٦ و٤٩ و٥٦ و٥٧ و٦٦
و٧٢ و٧٥ و٨١ و٨٣ و١٠٥ و١١٣ و١٢٥ و١٢٦ و١٢٨ و١٣٧ و١٤٢).

٤١٣
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦١٠ - (٣٣) وحدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ يُصَلِّي، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ.
قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَتَّ وَجْهُ الَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
١٦١١ - (٣٤) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ أَبِي زَائِدَةً.
ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَفِي
على هيأته التي يركبها عليها، ويستقبل بوجهه ما استقبلته الراحلة)).
٣٣ - ( ... ) - قوله: (وفيه نزلت: فأينما تولوا) الخ: قال الملهب: ((هذه الأحاديث تخص
قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤ و١٥٠] وتبين أن قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا
تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ١١٥] في النافلة، وقد أخذ بمضمون هذه الأحاديث فقهاء الأمصار، إلا
أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، والحجة لذلك
حديث الجارود بن أبي سبرة، عن أنس: ((أن النبي ◌َ * كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل
بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهت ركابه)) أخرجه أبو داود، وأحمد، والدارقطني.
واختلفوا في الصلاة على الدواب في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، فذهب الجمهور
إلى جواز ذلك في كل سفر، غير مالك، فخصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة. قال الطبري: لا
أعلم أحداً وافقه على ذلك.
قلت: لم يتفق على ذلك عنه، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره وَّر، ولم
ينقل عنه أنه سافر سفراً قصيراً، فصنع ذلك، وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك)).
قال الحافظ: ((وكأن السر فيما ذكر تيسر تحصيل النوافل على العباد وتكثيرها، تعظيماً
لأجورهم رحمة من الله بهم، وقد طرد أبو يوسف ومن وافقه التوسعة في ذلك، فجوّزه في
الحضر أيضاً، وقال به من الشافعية: أبو سعيد الإصطخري، واستدل بقوله: ((حيث كان وجهه)
على أن جهة الطريق تكون بدلاً عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامداً قاصداً لغير
حاجة المسير، إلا إن كان سائراً في غير جهة القبلة فانحرف إلى جهة القبلة، فإن ذلك لا يضره
على الصحيح)) اهـ.
قال في العرف الشذي: ((تجوز النافلة على الدابة عند الكل في خارج البلدة، وقال أبو
يوسف بجوازها عليها في داخل البلدة أيضاً، وأما المكتوبة فلا تجوز على الدابة، نعم! تجوز
للخائف المطلوب، ولا تجوز للطالب)) اهـ.
وفي الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَتَمَّ وَجْهُ اَلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] أقوال للمفسرين، يقف عليها من راجع
کتبهم، والله أعلم.

٤١٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدِيثِ ابْنٍ مُبَارَكٍ وَابْنٍ أَبِي زَائِدَةَ: ثُمَّ تَلاَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ . وَقَالَ:
فِي هَذَا نَزَلَّتْ.
١٦١٢ - (٣٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى
الْمَازِنِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنٍ عُمَر - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يُصَلِّي عَلَى
حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّةٌ إِلَى خَيْبَرَ.
١٦١٣ - (٣٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ: عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ
عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ:
كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقٍ مَكَّةَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. ثُمَّ
أَدْرَكْتُهُ. فَقَال لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: حَشِيتُ الْفَجْرَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ. فَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ! قَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ بِهِ كَانَ يُوتِّرُ عَلَى الْبَعِيرِ.
٣٥ _ ( ... ) - قوله: (يصلي على حمار) الخ: قال الدارقطني وغيره: ((هذا غلط من
عمرو بن يحيى المازني، قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبي وَّر على راحلته، أو على البعير،
والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس، كما ذكره مسلم بعد هذا، ولهذا لم يذكر
البخاري حدیث عمرو)).
هذا كلام الدارقطني ومتابعيه، وفي الحكم بتغليط رواية عمرو: نظر، لأنه ثقة نقل شيئاً
محتملاً، فلعله كان الحمار مرة، والبعير مرة، أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذ، فإنه مخالف
لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذ مردود. وهو المخالف للجماعة، والله أعلم، كذا
قال الشارح تقذفهُ، ولكن للحديث شاهد رواه السراج من طريق يحيى بن سعيد عن أنس: ((أنه
رأى النبي ◌َّه يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر)) حسّن إسناده الحافظ كثُّ في الفتح،
والله أعلم.
قوله: (وهو موجّه إلى خيبر) الخ: بكسر الجيم، أي متوجه، ويقال: قاصد، ويقال:
مقابل.
٣٦ - ( ... ) - قوله: (أليس لك في رسول الله) الخ: فيه إرشاد العالم لرفيقه ما قد يخفى
عليه من السنن.
قوله: (بلى والله) الخ: فيه الحلف على الأمر الذي يراد تأكيده.
قوله: (كان يوتر على البعير) الخ: قال الحافظ: ((هذا لا يعارض ما رواه أحمد بإسناد
صحيح، عن سعيد بن جبير: ((أن ابن عمر كان يصلي على الراحلة تطوعاً، فإذا أراد أن يوتر

٤١٥
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
١٦١٤ - (٣٧) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَخْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
١٦١٥ - (٣٨) وحدّثني عِيسَى بْنُ حَمَّادِ الْمِصْرِيُّ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ. حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يُوتِرُ عَلَى
رَاحِلَتِهِ .
١٦١٦ - (٣٩) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِ يُونُسُ عَنِ ابْنِ
نزل، فأوتر على الأرض)) لأنه محمول على أنه فعل كلا من الأمرين، ولا نزاع في أن صلاته
على الأرض أفضل. وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عمر: ((أنه كان يوتر على راحلته،
وربما نزل فأوتر بالأرض)) وإنما أنكر على سعيد بن يسار - مع كونه كان يفعله - لأنه أراد أن يبين
له أن النزول ليس بحتم، ويحتمل أن يتنزل فعل ابن عمر على حالین: فحيث أوتر على الراحلة
كان مجداً في السير، وحيث نزل فأوتر على الأرض كان بخلاف ذلك.
قال: واستدل به على أن الوتر ليس بفرض، وعلى أنه ليس من خصائص النبي وَلّ وجوب
الوتر عليه لكونه أوقعه على الراحلة. وأما قول بعضهم: إنه كان من خصائصه أيضاً أن يوقعه
على الراحلة، مع كونه واجباً عليه، فهي دعوى لا دليل عليها، لأنه لم يثبت دليل وجوبه عليه
حتى يحتاج إلى تكلف هذا الجمع)) اهـ.
قال الشيخ الأنور أطال الله بقاءه: ((والجواب من جانب الأحناف: أن ابن عمر من الذين
يطلقون لفظ الوتر على جميع صلاة الليل، فلعل مراد ابن عمر أن صلاة الليل كانت على
الراحلة، وأما الوتر الاصطلاحي بخصوصه فعلى الأرض)) اهـ.
قلت: إلا أن ظاهر قوله في حديث الباب: ((فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت)) يدل على
أن مراد سعيد بن يسار هو الوتر الاصطلاحي، وإنكار ابن عمر قد وقع عليه، وأصرح منه ما
أخرجه البخاري من طريق جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((كان النبي ◌َّ يصلي في
السفر على راحلته حيث توجهت به يؤمي إيماء، صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته))
فأفرد الوتر من صلاة الليل بالذكر، ونبه على أن الوتر ليس حكمه حكم الفرائض، والله أعلم.
وقال بعض الحنفية: لعل الإيتار على الراحلة كان حين عدم تأكد الوتر، وهذا يحتاج إلى
دليل على أن الوتر كان سنة غير واجب في وقت ما، وأن الإيتار على الراحلة وقع قبل إيجابه،
وأجاب بعضهم بحمل فعل النبي ◌َّر على عذر، كالمطر، والطين، وغيرهما. وقالوا على سبيل
الإلزام: إن قيام الليل كان واجباً عليه وَلقر عند أكثر الشوافع، ومع هذا فقد صلاها على الدابة،
فما هو جوابكم فيه هو جوابنا في الوتر، والله أعلم.

٤١٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يُسَبْحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ
قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّةً. وَيُوتِرُ عَلَيْهَا. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ.
١٦١٧ - (٤٠) وحدّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ. أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاهُ(١) أُخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ
رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّي السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ، فِي السَّفَرِ، عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ.
١٦١٨ - (٤١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ.
حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ؛ قَالَ: تَلَقَّيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ (٢) حِينَ قَدِمَ الشَّامَ. فَتَلَقَّيْنَاهُ بِعَيْنِ الثَّمْرِ.
٣٩ - ( ... ) - قوله: (لا يصلي عليها المكتوبة) الخ: استدل به على أن الفريضة لا تصلى
على الراحلة. قال ابن دقيق العيد: وليس ذلك بقوي، لأن الترك لا يدل على المنع، إلا أن
يقال: إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافر، فترك الصلاة لها على الراحلة دائماً يشعر
بالفرق بينهما وبين النافلة، في الجواز وعدمه.
٤٠ - (٧٠١) - قوله: (أن أباه أخبره) الخ: أي: عامر بن ربيعة. قال الحافظ: ((هو العنزي
بفتح المهملة، وبالنون، بعدها زاي، حليف آل الخطاب، كان من المهاجرين الأولين)).
٤١ - (٧٠٢) - قوله: (حين قدم من الشام) الخ: هكذا وقع ((من الشام)) في النسخة
المصرية عندنا، لكن قال النووي؛ ((قوله: ((تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام)) هكذا هو في
جميع نسخ مسلم، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الروايات لصحيح مسلم)) اهـ.
قال الحافظ: ((كان أنس قد توجه من البصرة إلى الشام يشكو من الحجاج للخليفة، وهو إذ
ذاك الوليد بن عبد الملك، ثم رجع من الشام إلى البصرة فخرج أنس بن سيرين من البصرة
ليتلقاه. قال الحافظ: ووقع في رواية مسلم: ((حين قدم الشام)) وغّطوه، لأن أنس بن سيرين إنما
تلقاه لما رجع من الشام، ويمكن توجيهه بأن يكون المراد بقوله: ((حين قدم الشام)) مجرد ذكر
الوقت الذي وقع له فيه ذلك، كما تقول: فعلت كذا لما حججت.
(١) قوله: ((أباه)) أي عامر بن ربيعة، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب
صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت به، رقم (١٠٩٣) وباب ينزل للمكتوبة، رقم (١٠٩٧) وباب من
تطوع في السفر في غير دبر الصلوات وقبلها رقم (١١٠٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب
الصلاة على الراحلة، رقم (١٥٢٢) وأحمد في مسنده (٣: ٤٤٤ و٤٤٥ و٤٤٦).
(٢) قوله: ((أنس بن مالك)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب صلاة التطوع
على الحمار، رقم (١١٠٠) والنسائي في سننه، في كتاب المساجد، باب الصلاة على الحمار، رقم (٧٤٢)
وأحمد في مسنده (٣: ١٢٦).

٤١٧
کتاب: صلاة المسافرين وقصرها
فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ ذَلِكَ الْجَانِبَ - وَأَوْمَأَ هَمَّامٌ عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ - فَقُلْتُ لَهُ:
رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. قَالَ: لَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَهَ يَفْعَلُهُ، لَمْ أَفْعَلْهُ.
(٥) - باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر
١٦١٩ - (٤٢) حدّثنا يَحْيِىُ بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ (١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
قال النووي: ((رواية مسلم صحيحة، ومعناه: تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام)) اهـ.
وإنما حذف ذكر رجوعه للعلم به، والله أعلم.
قوله: (بعين التمر) الخ: هو موضع بطريق العراق مما يلي الشام، وكانت به وقعة شهيرة
في آخر خلافة أبي بكر بين خالد بن الوليد والأعاجم، ووجد بها غلماناً من العرب كانوا رهناً
تحت يد كسرى، منهم جد الكلبي المفسر، وحمران مولى عثمان، وسيرين مولى أنس.
قوله: (رأيتك تصلي لغير القبلة) الخ: فيه إشعار بأنه لم ينكر الصلاة على الحمار، ولا
غير ذلك من هيأة أنس في ذلك، وإنما أنكر عدم استقبال القبلة فقط.
قوله: (لولا أني رأيت رسول الله) الخ: يعني: ترك استقبال القبلة للمتنفل على الدابة.
(٥) - باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر
٤٢ - (٧٠٣) - قوله: (إذا عجل به السير) الخ: بفتح العين وكسر الجيم، أي أسرع وحضر
به السير، ونسبة الفعل إليه مجاز وتوسع.
مذاهب الأئمة في الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما
قوله: (جمع بين المغرب والعشاء) الخ: قال الشيخ بدر الدين العيني بعد نقل أحاديث
(١) قوله: ((عن ابن عمر)) الحديث أخرجه في صحيحه، في كتاب تقصير الصلاة، باب يصلي المغرب ثلاثاً في
السفر، رقم (١٠٩١) و(١٠٩٢) وباب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء. رقم (١١٠٦) وباب هل يؤذن
أو يقيم إذا جمع بين المغرب والعشاء، رقم (١١٠٩) وفي كتاب الحجر، باب النزول بين عرفة وجمع، رقم
(١٦٦٨) وباب من جمع بينهما ولم يتطوع، رقم (١٦٧٣) وفي كتاب العمرة، باب المسافر إذا جد به السير
يعجل إلى أهله، رقم (١٨٠٥) وفي كتاب الجهاد، باب السرعة في السير، رقم (٣٠٠٠) والنسائي في سننه،
في كتاب المواقيت، باب الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين المغرب والعشاء، رقم (٥٩٢) و(٥٩٣)
و(٥٩٦) و(٥٩٧) وباب الحال التي يجمع فيها بين الصلاتين، رقم (٥٩٩ - ٦٠١) وأبو دادو في سننه، في
كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين رقم (١٢٠٧) و(١٢٠٩) و(١٢١٢) و(١٢١٣) و(١٢١٧) والترمذي
في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين، رقم (١٥٢٥) وأحمد في سمنده (٢ :
٤ و٧ و٨ و١٢ و ٥١ و٥٤ و٦٣ و٧٧ و٨٠ و١٠٢ و١٠٦ و١٤٨ و١٥٠).

٤١٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الجمع: ((فذهب قوم إلى ظاهر هذه الأحاديث، وأجازوا الجمع بين الظهر والعصر، وبين
المغرب والعشاء في السفر، في وقت أحدهما، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقال ابن
بطال: قال الجمهور: المسافر يجوز له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء
مطلقاً .
وقال شيخنا زين الدين: وفي المسألة ستة أقوال:
أحدها جواز الجمع، مثل ما قاله ابن بطال، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة، منهم:
علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل،
وأبو موسى، وابن عمر، وابن عباس، وبه قال جماعة من التابعين، منهم: عطاء بن أبي رباح،
وطاؤس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وربيعة الرأي، وأبو الزناد، ومحمد بن المنكدر،
وصفوان بن سليم، وبه قال جماعة من الأئمة، منهم: سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، ومن المالكية: أشهب، وحكاه ابن قدامة عن مالك أيضاً،
والمشهور عن مالك تخصيص الجمع بجد السير.
والقول الثاني: إنما يجوز الجمع إذا جدّ به السير، روي ذلك عن أسامة بن زيد، وابن
عمر، وهو قول مالك في المشهور عنه.
والقول الثالث: إنه يجوز إذا أراد قطع الطريق، وهو قول ابن حبيب من المالكية، وقال
ابن العربي: وأما قول ابن حبيب فهو قول الشافعي، لأن السفر نفسه إنما هو لقطع الطريق.
والقول الرابع: إن الجمع مكروه، قال ابن العربي: إنها رواية المصريين عن مالك.
والقول الخامس: إنه يجوز جمع التأخير لا جمع التقديم، وهو اختيار ابن حزم.
والقول السادس: إنه لا يجوز مطلقاً بسبب السفر، وإنما يجوز بعرفة والمزدلفة، وهو قول
الحسن، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والأسود، وأبي حنيفة، وأصحابه، وهو رواية ابن
القاسم عن مالك، واختاره، وفي التلويح: وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع الجمع في غير
هذين المكانين، وهو قول ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص - فيما ذكره ابن شداد في كتابه دلائل
الأحكام - وابن عمر في رواية أبي داود، وابن سيرين، وجابر بن زيد، ومكحول، وعمرو بن
دينار، والثوري، والأسود وأصحابه، وعمر بن عبد العزيز، وسالم، والليث بن سعد.
وقال ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا وكيع، حدثنا أبو هلال، عن حنظلة السدوسي، عن
أبي موسى: أنه قال: ((الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر)) قال صاحب التلويح: وأما
قول النووي: ((إن أبا يوسف ومحمداً خالفا شيخهما، وإن قولهما كقول الشافعي وأحمد، فقد
رده عليه صاحب الغاية في شرح الهداية بأن هذا لا أصل له عنهما .

٤١٩
كتاب: صلاة المسافرين وقصرها
قلت: الأمر كما قاله، وأصحابنا أعلم بحال أئمتنا الثلاثة رحمهم الله)) اهـ.
قلت: وما قاله في القول الرابع أنه اختيار ابن حزم، كذا نقله الأكثرون، ولكن نصه في
المحلى هكذا: ((ونحن نرى الجمع بين الظهر والعصر، ثم بين المغرب والعشاء أبداً بلا
ضرورة، ولا عذر، ولا مخالفة لسنن، لكن بأن يؤخر الظهر - كما فعل رسول الله وَلقول - إلى آخر
وقتها، فيبتدىء في وقتها، ويسلم منها، وقد دخل وقت العصر فيؤذن للعصر، ويقام، وتصلى في
وقتها، وتؤخر المغرب كذلك إلى آخر وقتها، فيكبر لها في وقتها، ويسلم منها، وقد دخل وقت
العشاء، فيؤذن لها ويقام، وتصلى العشاء في وقتها، فقد صح بهذا العمل موافقة الأحاديث
كلها، وموافقة يقين الحق في أن تؤدى كل صلاة في وقتها، ولله الحمد)).
قال العلامة ابن رشد المالكي في بداية المجتهد: ((أجمعوا على أن الجمع بين الظهر
والعصر في وقت الظهر بعرفة سنة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضاً في وقت العشاء سنة
أيضاً، واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين، فأجازه الجمهور على اختلاف بينهم في
المواضع التي يجوز فيها من التي لا يجوز، ومنعه أبو حنيفة وأصحابه بإطلاق.
وسبب اختلافهم أولاً: اختلافهم في تأويل الآثار التي رويت في الجمع، والاستدلال منها
على جواز الجمع، لأنها كلها أفعال، وليست أقوالاً، والأفعال يتطرق الاحتمال إليها كثيراً أكثر
من تطرقه إلى اللفظ. وثانياً: اختلافهم أيضاً في تصحيح بعضها. وثالثاً: اختلافهم أيضاً في
إجازة القياس في ذلك، فهي ثلاثة أسباب كما ترى.
أما الآثار التي اختلفوا في تأوليها، فمنها: حديث أنس الثابت باتفاق، أخرجه البخاري
ومسلم، قال: ((كان رسول الله وَل﴿ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر،
ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب)).
ومنها: حديث ابن عمر أخرجه الشيخان أيضاً، قال: ((رأيت رسول الله ◌َ و إذا عجل به
السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء)).
والحديث الثالث حديث ابن عباس، خرّجه مالك ومسلم، قال: ((صلى رسول الله وَل
الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، في غير خوف ولا سفر)).
فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الأحاديث إلى أنه أخر الظهر إلى وقت العصر
المختص بها، وجمع بينهما، وذهب الكوفيون إلى أنه إنما أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها،
وصلاةَ العصر في أول وقتها، على ما جاء في حديث إمامة جبريل، قالوا: وعلى هذا يصح
حمل حديث ابن عباس، لأنه قد انعقد الإجماع أنه لا يجوز هذا في الحضر لغير عذر، أعني أن
تصلى الصلاتان معاً في وقت إحداهما، واحتجوا لتأوليهم أيضاً بحديث ابن مسعود قال:

٤٢٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((والذي لا إله غيره، ما صلى رسول الله وَظهور صلاة قط إلا في وقتها، إلا صلاتين جمع بين الظهر
والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع)) قالوا: وأيضاً فهذه الآثار محتملة أن تكون على ما
تأولناه نحن، أو تأولتموه أنتم، وقد صح توقيت الصلاة وتبيانها في الأوقات، فلا يجوز أن
تنتقل عن أصل ثابت بأمر محتمل.
وأما الأثر الذي اختلفوا في تصحيحه، فما رواه مالك من حديث معاذ بن جبل: ((أنهم
خرجوا مع رسول الله ﴿ عام تبوك، فكان رسول الله وَله يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب
والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوماً، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج،
فصلى المغرب والعشاء جميعاً)). وهذا الحديث لو صح لكان من تلك الأحاديث في إجازة
الجمع، لأن ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب، وإن كان لهم أن يقولوا: إنه أخر المغرب
إلى آخر وقتها، وصلى العشاء في أول وقتها، لأنه ليس في الحديث أمر مقطوع به على ذلك،
بل لفظ الراوي محتمل .
وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك فهو أن يلحق سائر الصلوات في السفر بصلاة
عرفة والمزدلفة، أعني أن يجاز الجمع قياساً على تلك، فيقال - مثلاً - صلاة وجبت في سفر،
فجاز أن تجمع أصله جمع الناس بعرفة والمزدلفة، وهو مذهب سالم بن عبد الله، أعني جواز
هذا القياس، لكن القياس في العبادات يضعف، فهذه هي أسباب الخلاف الواقع في جواز
الجمع)) اهـ.
دلائل من قال بعدم جواز الجمع الحقيقي الوقتي
واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي أدوها في أوقاتها،
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] أي فرضاً موقوتاً، وقوله
تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِينَ ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَتِهِمْ سَاهُونَ ﴾﴾ [الماعون: ٤ و٥] قال طائفة من
السلف: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، وقوله تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفُ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [مريم:
٥٩] قال طائفة من السلف: إضاعتها تأخيرها عن وقتها، ولو تركوها لكانوا كفاراً، وبأن تأخير
الصلاة عن وقتها من الكبائر، فلا يباح بعذر السفر والمطر، كسائر الكبائر. والدليل على أنه من
الكبائر ما روى ابن أبي شيبة عن أبي موسى، كما مرّ آنفاً في كلام العيني.
وما روى البيهقي والحاكم عن أبي العالية عن عمران: الجمع من غير عذر من الكبائر،
وأعله البيهقي بالإرسال، قال: أبو العالية لم يسمع من عمر، وردّ عليه صاحب الجوهر النقي
فقال: أبو العالية أسلم بعد موت النبي وَ ل# بسنتين، ودخل على أبي بكر، وصلى خلف عمر،
وقد حكى مسلم الإجماع على أنه يكفي لاتصال الإسناد المعنعن ثبوت كون الشخصين في عصر
واحد) اهـ.