النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فإن قلت: قد قال ابن حزم: خبر الأمر بالإسفار صحيح، إلا أنه لا حجة لكم فيه إذا
أضيف إلى الثابت من فعله وثيقة في التغليس حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن من الغلس.
قلت: هو محمول على غلس داخل المسجد، لأن حجرتها ظُّها كانت فيه، وكان سقفه
عريشاً مقارباً، ونحن نشاهد الآن أنه يظن قيام الغلس داخل المسجد، وإن صحنه قد انتشر فيه
ضوء الفجر، وهو الإسفار. قاله الشيخ ابن الهمام إلا أن لفظ حديث الباب: ((من تغليس
رسول الله وَ﴿ بالصلاة)) يُبعّدُ هذا التأويل ولكن ما في ابن ماجه والطحاوي يدل على كون هذا
اللفظ مدرجاً .
وقال الشيخ بدر الدين كثّفُ: ((الثابت من فعله وَ * في التغليس لا يدل على الأفضلية (أي
من كل وجه) لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه، وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف
الخبر الذي فيه الأمر، لأن قوله وَله: ((أعظم للأجر)) أفعل التفضيل، فيقتضي أجرين: أحدهما:
أكمل من الآخر، لأن صيغة ((أفعل)) تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين،
فحينئذ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم
وأكمل منه، فلو كان الإسفار لأجل تقصِّي طلوع الفجر لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه
عن الوقت)) اهـ.
قلت: ويمكن تنوع وجوه الأفضلية واختلافها، فوجود بعضها في التغليس لا ينفي وجود
البعض الآخر في ضده.
قال الحافظ ابن تيمية كثّفُ في منهاج السنة: ((والوقت المفضول قد يختص العمل فيه بما
يوجب أن يكون أفضل منه في غيره، كما أن تأخير العشاء إلى ثلث الليل أفضل، إلا إذا اجتمع
الناس وشقّ عليهم الانتظار، فصلاتها قبل ذلك أفضل. وفي السنن عن أبي بن كعب عن
النبي : ((صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من
صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله)) ولهذا كان الإمام أحمد - في إحدى الروايتين
- يستحب إذا أسفر بالصبح أن يسفر بها، لكثرة الجمع، وإن كان التغليس أفضل، فقد ثبت
بالنص والإجماع أن الوقت المفضول قد يختص بما يكون الفعل فيه أحياناً أفضل)) اهـ.
قال الشعراني كثُّ في الميزان: ((وفي رواية أخرى لأحمد أن الاعتبار بحال المصلين، فإن
شق عليهم التغليس كان الإسفار أفضل، وإن اجتمعوا كان التغليس أفضل)) اهـ.
وقال ابن عابدين تّه تعالى في رد المحتار: ((نعم، ذكر شراح الهداية وغيرهم في باب
التيمم أن أداء الصلاة في أول الوقت أفضل، إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه،
كتكثير الجماعة، ولهذا كان أولى للنساء أن يصلين في أول الوقت، لأنهن لا يخرجن إلى
الجماعة كذا في مبسوطي شمس الأئمة وفخر الإسلام)) اهـ.
٢٨٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والمتبادر منه أنه إذا لم يقصد الصلاة بالجماعة لا يستحب له التأخير هنا، إذ ليس فيه
فضيلة .
وتعقبهم الإتقاني في غاية البيان: بأنه سهو منهم لتصريح أئمتنا باستحباب تأخير بعض
الصلوات بلا اشتراط جماعة.
وأجاب في السراج بأن تصريحهم على ما إذا تضمن التأخير فضيلة، وإلا لم يكن له
فائدة، فلا يكون مستحباً، وانتصر في البحر للإتقاني بما فيه نظر كما أوضحناه فيما علقناه عليه))
اهـ.
قلت: وبهذا يجمع بين روايات فعله 3 98 في التغليس وفي الإسفار، أي فعل تارة كذا،
وتارة كذا، لوجود الأفضلية في كل منهما من بعض الوجوه. وأما قوله وَله: ((أسفروا
بالفجر ... )) فهو مرجح للإسفار وليس له معارض من الأقوال، أو يقال: إنه خطاب لقوم خشوا
تقليل الجماعة جدا أن ينتظروا إلى الإسفار، أو لأهل المساجد الكبيرة التي تجمع الضعفاء
والصبيان وغيرهم، كقوله وقيقول: ((أيكم صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف ... )) الحديث.
قاله الشيخ ولي الله الدهلوي كذّقُ .
ويؤيده ما يعلم من الفرق بين معمول المسجد النبوي ومعمول المساجد الأخرى على
عهده وَّهر في أوقات صلواتهم، فقد تقدم منا في باب تحويل القبلة أن بعض من كان صلى مع
النبي ◌َّ﴿ مرّ بناس من الأنصار في مسجد بني حارثة وهم يصلون العصر، فأخبرهم بالتحويل،
وتقدم في باب استحباب التكبير بالعصر عن أنس بن مالك: ((كنا نصلي العصر ثم يخرج الإنسان
إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر)).
قال النووي: ((ولعل تأخير بني عمرو لأنهم كانوا أهل أعمال في حروثهم وزروعهم
وحوائطهم، فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها، ثم اجتمعوا لها، فتتأخر
صلاتهم لهذا المعنى، فدل هذا على تأخيرهم عما كان النبي ◌ّآر يعجله.
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف في مسألة الباب - والله أعلم -: أن النبي (وَ # كان يغلّس
كثيراً، وكان يسفر أحياناً، واستمر العمل على هذا المنوال في المسجد النبوي على عهد أبي بكر
وعمر ◌ًّا، ثم استقر الأمر على الإسفار في عهد عثمان ظبه كما في حديث مغيث بن سمي
قال: ((صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما
هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا كانت مع رسول الله وَّر وأبي بكر وعمر، فلما طُعن عمر أسفر
بها عثمان)).
قال السندي في تعليقه على ابن ماجه: ((في الزوائد: إسناده صحيح، وقال أيضاً: أي بسبب
٢٨٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
التغليس الشديد خاف عثمان، فأسفر بها، ووافقه الصحابة على ذلك للمصلحة المذكورة)) اهـ.
قال شيخنا المحمود كثّفُهُ: ((ولكثرة الفتوح في عهد عمر، ودخول الناس من عرب وعجم
في الإسلام أفواجاً، وتوسع دائرة المصلين، ولذا وسع المسجد النبوي، ثم قلة المسارعة إلى
الخيرات والرغبة في القربات التي كان في عهد النبي ◌َّه وأبي بكر، وقفل الفتنة عمر چًا،
وظهور الفتن وزيادة الجد والكد، فناسب الإسفار لتكثير الجماعات، والتوسعة على المشغولين
بحوائجهم، ورعاية المصالح السياسية، ووافق الصحابة على ما رأى عثمان واستمر عليه العمل
في عهد علي رظُه، كما ورى الطحاوي عن علي بن ربيعة قال: سمعت علياً يقول لمؤذنه:
((أسفر، أسفر)) يعني بصلاة الصبح، ولما صلى معاوية الصبح بغلس قال أبو الدرداء: ((أسفروا
بهذه الصلاة، فإنه أفقه لكم، إنما تريدون أن تخلوا بحوائجكم)) رواه الطحاوي، وأشار إلى
بعض المصالح المرعية في الإسفار، فكان هو الأنسب والأليق بأحوال مسلمي زماننا. والله
سبحانه وتعالى أعلم بالصواب)).
قال الشيخ بدر الدين العيني: «فإن قلت روى أبو داود من حديث أبي مسعود: (أنه لاَّ
صلى الصبح بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس حتى
مات ◌َّ﴾، لم يعد إلى أن يسفر)) ورواه ابن حبان أيضاً في صحيحه، كلاهما من حديث أسامة بن
زيد الليثي.
قلت: يردّ هذا ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرحمن بن زيد، عن ابن مسعود،
قال: ((ما رأيت رسول الله وَّه صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع، فإنه جمع بين المغرب والعشاء
بجمع، وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها)) انتهى. قالت العلماء: يعني وقتها المعتاد في كل
يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر، وإنما غلّس بها جداً، ويوضحه رواية البخاري: ((والفجر حين
بزغ)) وهذا دليل على أنه يَّر كان يسفر الفجر دائماً، وقلما صلاها بغلس، وبه استدل الشيخ في
((الإمام)) لأصحابنا على أن أسامة بن زيد قد تكلم فيه، فقال أحمد: ليس بشيء. وقال أبو حاتم:
يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال النسائي والدارقطني: ليس بالقوي، اهـ.
قلت: ليس في حديث أبي مسعود حجة لنفي الأسفار المتنازع فيه، فإن المراد من قوله:
(ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها)) لعله هو الإسفار الشديد الذي بينه حديث أبي موسى عند مسلم
في قصة رجل سأله ويل عن الأوقات وفيه: ((ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل
يقول: قد طلعت الشمس)).
وفي حديث بريدة في هذه القصة عند مسلم: ((وصلى الفجر فأسفر بها)) وفي حديث جابر
عند الطبراني بإسناد حسن في هذه القصة: ((ثم أذن للفجر فأخرها حتى كادت الشمس أن تطلع،
فأمره، فأقام الصلاة فصلى)) كما في آثار السنن.
٢٨٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فالإسفار الشديد إلى هذه الغاية لم يعد إليه وي* حتى مات، فليس في حديث أبي مسعود
نفي الإسفار الذي يقول باستحبابه أبو حنيفة وغيره، وهكذا ليس في حديث ابن مسعود إثبات
ذلك الإسفار، بل فيه نفي التغليس الشديد الذي لا أظن الجمهور القائلين بالتغليس أنهم ذهبوا
إليه فقد روى البخاري في كتاب الحج من صحيحه عن عبد الله بن يزيد، قال: ((خرجت مع
عبد الله ظُه إلى مكة، ثم قدمنا جمعاً، فصلى الصلاتين، كل صلاة وحدها بأذان وإقامة،
والعَشاء (بفتح العين) بينهما، ثم صلى الفجر حين يطلع الفجر، وقائل يقول: طلع الفجر، وقائل
يقول: لم يطلع الفجر، ثم قال: إن رسول الله وَّر قال: إن هاتين الصلاتين حُوّلتا عن وقتهما في
هذا المكان: المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعاً حتى يقيموا، وصلاة الفجر هذه الساعة)).
فليس في حديث ابن مسعود إلا أنه # كان لا يغلس هذا التغليس الشديد، ولا يدخل في
الصلاة مع طلوع الفجر من غير تأخير إلا في هذا المقام، وهذا لا يستلزم الإسفار المستحب
عندنا، والله أعلم.
قال في البحر في أبواب التيمم: ((إن وقت الاستحباب هو أول النصف الأخير من الوقت
في الصلاة التي يستحب تأخيرها. قال الكردري في مناقبه: بدليل قولهم: المستحب أن يسفر
الفجر في وقت يؤدي الصلاة بالقراءة المسنونة، ثم لو بدا له في الصلاة الأولى ريب يؤدي الثانية
بالطهارة والتلاوة المسنونة، وذلك لا يتأتى إلا في أول النصف الثاني.
فإن قلت: قد قال البيهقي: رجح الشافعية حديث عائشة بأنه أشبه بكتاب الله تعالى، لأن
الله تعالى يقول: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة
المقدم للصلاة، وإن رسول الله وسي﴿ لا يأمر بأن يصلى صلاة في وقت يصليها هو في غيره، وهذا
أشبه بسنن رسول الله وَلقه.
قلت: المراد من المحافظة هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها، وليس فيها دليل
على أن أول الوقت أفضل، بل الآية دليل لنا، لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول
الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة، ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل
الفجر، فلا يكون محافظاً للصلاة في وقتها، فالإسفار هو الأشبه بكتاب الله، وأقرب إلى
المحافظة على الصلاة، وقد أقسم الله سبحانه وتعالى: بالصبح إذا أسفر (١) ففيه إشعار بكون
الإسفار منظوراً إليه في الصبح، والله أعلم)).
قال العيني كثّفُهُ: ((فإن قلت: قال ابن حازم في كتاب الناسخ والمنسوخ: قد اختلف أهل
العلم في الإسفار بصلاة الصبح والتغليس بها، فرأى بعضهم الإسفار وهو الأفضل، وذهب إلى
(١) قال الله تعالى: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ [المدثر: ٣٤].
٢٨٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٥٧ - (٢٣٢) وحدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ.
قَالا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: إِنْ كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ. فَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفْعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ. مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ.
وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفَاتٍ.
١٤٥٨ _ (٢٣٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ. ح قَالَ:
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ؛ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ
قوله: ((أصبحوا بالصبح)) ورواه محكماً، وزعم الطحاوي أن حديث الإسفار ناسخ لحديث
التغليس، وأنهم كانوا يدخلون مغلسين، ويخرجون مسفرين، وليس الأمر كما ذهب إليه، لأن
حدیث التغليس ثابت، وأن النبي پژ داوم عليه، حتى فارق الدنيا .
قلت: يرد هذا ما رويناه من حديث ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم - وقد ذكرناه
عن قريب - وذكرنا أن فيه دليلاً على أنه وَلّ كان يسفر بالفجر دائماً، والأمر ليس مثل ما ذكره
الطحاوي، وليس مثل ما ذكره ابن حازم، بيان ذلك: أن اتفاق الصحابة ظمه بعد النبي ◌َّر على
الإسفار بالصبح على ما ذكره الطحاوي بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي أنه قال: ((ما اجتمع
أصحاب محمد على شيء ما اجتمعوا على التنوير)) دليل واضح على نسخ التغليس، لأن إبراهيم
أخبر أنهم كانوا اجتمعوا على ذلك، فلا يجوز عندنا - والله أعلم - اجتماعهم على خلاف ما قد
فعله النبي ◌َلّر إلا بعد نسخ ذلك، وثبوت خلافه.
والعجب من بعض شراح البخاري أنه يقول: ووهم الطحاوي حيث ادعى أن حديث
((أسفروا ... )) ناسخ لحديث التغليس، وليس الواهم إلا هو، ولو كان عنده إدراك مدارك المعاني
لما اجترأ على مثل هذا الكلام.
واحتج القائلون بالتغليس أيضاً بحديث ابن مسعود قال: قال رسول الله وَله: ((أفضل
الأعمال الصلاة في أول وقتها)) رواه الترمذي والحاكم، وصححاه، وأصله في الصحيحين، كذا
في بلوغ المرام.
والجواب: أن هذا اللفظ - أي ((في أول وقتها)) - ليس بمحفوظ، ولعله رواية بالمعنى كما
حققه الحافظ في الفتح، وابن التركماني في الجوهر النقي، فلو سلم ثبوته فيحمل على أول
الوقت المختار، كما في المرقاة.
وأما حديث ((أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله)) فهو ضعيف، كذا في عمدة القاري.
والله أعلم بالصواب.
٢٣٣ - (٦٤٦) - قوله: (لما قدم الحجاج المدينة) الخ: الحجاج بفتح الحاء المهملة
٢٨٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْمَدِينَةَ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ(١). فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ يُصَلِّيِ الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةٍ.
وَالْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ نَفِيَّةٌ. وَالْمَغْرِبَ، إِذَا وَجَبَتْ. وَالْعِشَاءَ، أَحْيَاناً يُؤَخِّرُهَا وَأَحْيَاناً يُعَجِّلُ.
كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَؤُوا أَخَرَ. وَالصُّبْحَ، كَانُوا أَوْ (قَالَ):
كَانَ النَّبِيُّ وَِّ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ.
وتشديد الجيم، وآخره جيم، هو ابن يوسف الثقفي، وكان قدومه المدينة أميراً عليها من قبل عبد
الملك بن مروان سنة أربع وسبعين، وذلك عقب قتل ابن الزبير، فأمرّه عبد الملك على
الحرمين، وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق.
قوله: (بالهاجرة) الخ: ظاهره يعارض حديث الإبراد، لأن قوله: ((كان يفعل)) يشعر بالكثرة
والدوام عرفاً، قاله ابن دقيق العيد، ويجمع بين الحديثين بأن يكون أطلق الهاجرة على الوقت
بعد الزوال مطلقاً، لأن الإبراد - كما تقدم - مقيد بحال شدة الحر وغير ذلك، كما تقدم، فإن
وجدت شروط الإبراد أبرد، وإلا عجل، فالمعنى: كان يصلي الظهر بالهاجرة إلا إن احتاج إلى
الإبراد. وتعقب بأنه لو كان ذلك مراده لفصل كما فصل في العشاء، والله أعلم، كذا في الفتح.
قوله: (والشمس نقية) الخ: بالنون أوله، خالصة صافية لم تدخلها صفرة ولا تغير.
قوله: (إذا وجبت) الخ: أي: غابت، وأصل الوجوب السقوط، والمراد سقوط قرص
الشمس .
قوله: (أحياناً يؤخرها) الخ: الأحيان جمع حين، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير
من الزمان على المشهور.
قوله: (وإذا رآهم قد أبطأوا أخر) الخ: فيه أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من
التقديم، ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يفحش التأخير، ولم يشق على الحاضرين، والله
أعلم.
قوله: (كانوا أو قال: كان النبي (*) الخ: فيه حذف واحد، تقديره: ((والصبح كانوا
يصلونها، أو كان النبي ◌َّ يصليها بغلس)) فقوله: بغلس يتعلق بأي اللفظين كان هو الواقع، ولا
يلزم من قوله: ((كانوا يصلونها)) أن النبي ◌ُّر لم يكن معهم، ولا من قوله: ((كان النبي ◌َّ)) أنه
(١) قوله: ((جابر بن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت
المغرب، رقم (٥٦٠) وباب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا، رقم (٥٦٥) والنسائي في سننه، في
كتاب المواقيت، باب آخر وقت المغرب، رقم (٥٢٥) وباب تعجيل العشاء، رقم (٥٢٨) وأبو داود في
سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت صلاة النبي ◌َّ ﴿ وكيف كان يصليها، رقم (٣٩٧) والدارمي في
سننه، في كتاب الصلاة، باب في مواقيت الصلاة، رقم (١١٨٨) وأحمد في مسنده (٣: ٣٦٩).
٢٨٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٥٩ _ (٢٣٤) وحدّثناه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ.
سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَوَاتِ. فَسَأَلْنَا
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ غُنْدَرٍ .
١٤٦٠ . (٢٣٥) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلامَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةً(١) عَنْ صَلاةٍ
رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ. قَالَ:
سَمِعْتُ أَبِي يَسأَلُهُ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّهِ. فَقَالَ: كَانَ لا يُبَالِ بَعْضَ تَأْخِيرِهَا. (قَالَ:
يَعْنِي الْعِشَاءَ). إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَلا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ
كان وحده، بل المراد بقوله: ((كانوا يصلونها)) أي بأصحابه، وكذا قوله: ((كان النبي ◌َّر يصليها»
أي بأصحابه، والله أعلم.
٢٣٤ - ( ... ) - قوله: (بمثل حديث غندر) الخ: أي: محمد بن جعفر.
٢٣٥ - (٦٤٧) - قوله: (ولا يحب النوم قبلها) الخ: قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها
أنه يعرضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضل، ولئلا يتساهل
الناس في ذلك فيناموا عن صلاتها جماعة، وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر،
ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو
في وقتها المختار أو الأفضل، ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من
حقوق الدين والطاعات ومصالح الدنيا .
قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة
فيها، أما ما فيه مصلحة وخير: فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصالحين،
(١) قوله: ((أبا برزة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند
الزوال، رقم (٥٤١) وباب وقت العصر، رقم (٥٤٧) وباب ما يكره من النوم قبل العشاء، رقم (٥٦٨)
وباب ما يكره من السمر بعد العشاء، رقم (٥٩٩) وباب القراءة في الفجر، رقم (٧٧١) والنسائي في سننه،
في كتاب المواقيت، باب أول وقت الظهر، رقم (٤٩٦) وباب كراهية النوم بعد صلاة المغرب، رقم (٥٢٦)
وباب ما يستحب من تأخير العشاء، رقم (٥٣١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت صلاة
النبي و 8 وكيف كان يصليها، رقم (٣٩٨) والترمذي مختصراً في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية
النوم قبل العشاء والسمر بعدها، رقم (١٦٨) وابن ماجه في سننه، في كتاب الصلاة، باب وقت صلاة
الظهر، رقم (٦٧٤) وباب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها، رقم (٧٠١) والدارمي في
سننه، في كتاب الصلاة، باب يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها، رقم (١٤٣٦) وأحمد في مسنده (٤:
٤٢٠ و ٤٢٣ و٤٢٤ و ٤٢٥).
٢٨٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لَقِيتُهُ، بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الظُهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ. وَالْعَصْرَ، يَذْهَبُ الرَّجُلُ
إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. قَالَ: وَالْمَغْرِبَ، لا أَذْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ
لَقِيتُهُ، بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ
الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ. قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا
ومحادثة الضيف والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة
المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في
خير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا لا
كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في معناه، وقد تقدم كثير منها في هذه
الأبواب، والباقي مشهور.
ثم كراهة الحديث بعد العشاء المراد بها بعد صلاة العشاء، لا بعد دخول وقتها، واتفق
العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير، كما ذكرناه.
وأما النوم قبلها فكرهه عمر، وابنه، وابن عباس، وغيرهم من السلف، ومالك
وأصحابنا طّ أجمعين، ورخّص فيه علي وابن مسعود، والكوفيون ظلّ أجمعين.
وقال الطحاوي: يرخص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه، وروي عن ابن عمر مثله،
والله أعلم. كذا في الشرح.
قوله: (حين تزول الشمس) الخ: ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد، لاحتمال أن يكون ذلك
في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد، لأنه يختص بشدة الحر، أو
لبيان الجواز، وقد يتمسك بظاهره من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن
تقديمه من طهارة وستر وغيرهما قبل دخول الوقت، ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث
التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة، قاله
الحافظ ركآتُ .
قوله: (لا أدري أزيّ حين ذكر) الخ: قائل ذلك هو: سيار.
قوله: (فيعرفه) الخ: وفي بعض الروايات: ((فينظر الرجل إلى جليسه إلى جنبه، فيعرف
وجهه))، واستدل بذلك على التعجيل بصلاة الصبح، لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون
في أواخر الغلس، وقد صرح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة ومن المعلوم من عادته و# * ترتيل
القراءة وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلّساً. وادعى الزين بن المنير أنه
مخالف لحديث عائشة الآتي، حيث قالت فيه: ((لا يعرفن من الغلس)) وتعقب بأن الفرق بينهما
ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو
ممكن، وحديث عائشة هنا متعلق بمن هو متلفف، مع أنه على بعد، فهو بعيد.
٢٨٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
بِالسِِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
١٤٦١ - (٢٣٦) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَيَّارِ بْنِ
سَلامَةَ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وََّ لا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرٍ صَلاةِ
الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَكَانَ لا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ
لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
١٤٦٢ - (٢٣٧) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُؤَخِرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. وَكَانَ
يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْمِائَةِ إِلَى السُّتِّينَ. وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ.
(٤١) - باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار،
وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام
١٤٦٣ _ (٢٣٨) حدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي
أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. قَالًا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ(١)؛ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهَِ: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا
كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ
قوله: (بالستين إلى المائة) الخ: يعني: من الآي، وقدّرها في رواية للطبراني بسورة
الحاقة، ونحوها .
(٤١) - باب: كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار
وما يفعله المأموم إذا أخّرها الإمام
٢٣٨ - (٦٤٨) - قوله: (كيف أنت إذا كانت) الخ: قال الطيبي: أي ما حالك حين ما ترى
(١) قوله: ((عن أبي ذر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الإمامة، باب الصلاة مع أئمة الجور، رقم
(٧٧٩) وباب إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة، رقم (٨٦٠) وأبو داود في سننه، في كتاب
الصلاة، باب إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، رقم (٤٣١) والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب
ما جاء في تعجل الصلاة، إذا أخرها الإمام، رقم (١٧٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب إقامة الصلاة
والسنة فيها، باب ما جاء إذا أخروا الصلاة عن وقتها، رقم (١٢٥٦) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة،
باب الصلاة خلف من يؤخر الصلاة عن وقتها، رقم (١٢٣٠) و(١٢٣١) وأحمد في مسنده (٥: ١٥٩
و ١٦٨).
٢٩٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟)) قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ:
((صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا .
من هو حاكم عليك متهاوناً في الصلاة يؤخرها عن أول وقتها، وأنت غير قادر على مخالفته، إن
صليت معه فاتتك فضيلة أول الوقت، وإن خالفته خفت أذاه وفاتتك فضيلة الجماعة، و((عليك))
خبر ((كان)) أي كانت الأمراء مسلطين عليك، قاهرين لك. وفي الحديث: إخبار بالغيب، وقد
وقع في زمن بني أمية، فكان معجزة.
قوله: (يؤخرون الصلاة عن وقتها) الخ: قال النووي: ((أي: عن وقتها المختار، لا عن
جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار،
ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع)).
،قال الحافظ: ((كذا قال، وليس كذلك، فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا
يؤخرون الصلاة عن وقتها، أي وقت الجواز، والآثار في ذلك مشهورة:
منها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: ((أخر الوليد الجمعة حتى
أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء، وهو يخطب))
وإنما فعل ذلك عطاء خوفاً على نفسه من القتل.
ومنها: ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر بن عتبة، قال:
((صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمسى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى)).
ومن طريق ابن عمر: «أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها
معه)) .
ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل قال: ((كنت بمنى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا
الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماء، وهما قاعدان)).
وروى ابن سعد في الطبقات من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي، سمعت ثابتاً
البناني، قال: ((كنا مع أنس بن مالك، فأخر الحجاج الصلاة، فقال أنس يريد أن يكلمه، فنهاه
إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابته، فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئاً مما كنا
عليه على عهد النبي ◌َّ إلا شهادة أن لا إله إلا الله، فقال رجل: فالصلاة يا أبا حمزة؟ قال: قد
جعلتم الظهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله (وَ ليت)). وأخرجه ابن أبي عمر في مسنده
من طريق حماد عن ثابت مختصراً)). كذا في الفتح.
قوله: (أو يميتون الصلاة) الخ: أي: يؤخرونها فيجعلونها كالميت الذي خرجت روحه.
قال السنوسي: ولعله كناية عن عدم قبولها، لأن ما لا روح له من الأعمال لا أثر له.
قوله: (صلّ الصلاة لوقتها) الخ: أي: وقتها المختار. قال الشوكاني: فيه دليل على
٢٩١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ. فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ)). وَلَمْ يَذْكُرْ خَلَفٌ: عَنْ وَقْتِهَا.
وجوب تأدية الصلاة لوقتها، وترك ما عليه أمراء الجور من التأخير، وعلى استحباب الصلاة
معهم، لأن الترك من دواعي الفرقة وعدم الوجوب، لقوله في حديث عبادة بن الصامت عند أبي
داود: ((فقال رجل: يا رسول الله، أصلي معهم؟ فقال: نعم إن شئت)).
قوله: (فإن أدركتها معهم فصل) الخ: فيه أن الإمام إذا أخرها عن أول وقتها يستحب
للمأموم أن يصليها في أول الوقت منفرداً، ثم يصليها مع الإمام، فيجمع فضيلتي أول الوقت
والجماعة، فلو أراد الاقتصار على إحداهما فهل الأفضل: الاقتصار على فعلها منفرداً في أول
الوقت أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت، فيه خلاف مشهور لأصحابنا، واختلفوا
في الراجح، وقد أوضحته في باب التيمم من شرح المهذب، والمختار استحباب الانتظار إن لم
يفحش التأخير.
وفيه الحث على موافقة الأمراء في غير معصية، لئلا تتفرق الكلمة وتقع الفتنة، ولهذا قال
في الرواية الأخرى: ((إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدع الأطراف)).
قوله: (فإنها لك نافلة) الخ: وفي حديث عبد الله بن مسعود من طريق عمرو بن ميمون
الأودي عند أبي داود: ((اجعل صلاتك معهم سبحة)) وهكذا في حديث عبادة بن الصامت عند
ابن ماجه: ((واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)) أي نافلة، وفي لفظ - كما في المنتقى -: ((واجعلوا
صلاتكم معهم تطوعاً».
قال الشوكاني: ((وقد اختلف في الصلاة التي تصلى مرتين: هل الفريضة الأولى أو الثانية:
فذهب الأوزاعي وبعض أصحاب الشافعي إلى أن الفريضة: الثانية إن كانت في جماعة،
والأولى في غير جماعة.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي إلى أن الفريضة: الأولى.
وعن بعض أصحاب الشافعي: أن الفرض أكملهما .
وعن بعض أصحاب الشافعي أيضاً: أن الفرض أحدهما على الإبهام، فيحتسب الله بأيتهما
شاء.
وعن الشعبي وبعض أصحاب الشافعي أيضاً: كلاهما فريضة.
احتج الأولون بحديث يزيد بن عامر عند أبي داود مرفوعاً، وفيه: ((فإذا جئت الصلاة
فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت صليت، ولتكن لك نافلة، وهذه مكتوبة)) ورواه
الدارقطني بلفظ: ((وليجعل التي صلى في بيته نافلة)).
وأجيب بأنها رواية شاذة مخالفة لرواية الحفاظ والثقات، كما قال البيهقي، وقد ضعفها
النووي، وقال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة.
٢٩٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٠٠
واستدل القائلون بأن الفريضة هي الأولى - سواء كانت جماعة أو فرادى - بحديث يزيد بن
الأسود عند أحمد، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم،
وصححه ابن السكن، بلفظ: ((شهدت مع النبي ◌َّر حجته، فصليت معه الصبح في مسجد
الخيف، فلما قضى صلاته وانحرف إذ هو برجلين في آخر القوم لم يصليا معه، فقال: عليَّ
بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، قال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا
قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد الجماعة: فصلّيا
معهم، فإنها لكما نافلة)).
قال الشافعي في القديم: ((إسناده مجهول، لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، ولا
لا بنه جابر راو غیر یعلی.
قال الحافظ: ((يعلى من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره، وقال: قد وجدنا لجابر
راوياً غير يعلى أخرجه ابن مندة في المعرفة)).
ومن حجج أهل القول الثاني حديث الباب، فإنه صريح في المطلوب، ولأن تأدية الثانية
بنية الفرض يستلزم أن يصلي في يوم مرتين، وقد ورد النهي عنه من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((لا
تصلوا صلاة في يوم مرتين)) عند أبي داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان.
وأما جعله مخصصاً بما يحدث فيه فضيلة: فدعوى عاطلة عن البرهان، وكذا حمله على
التكرير لغير عذر)) كذا في نيل الأوطار.
قال القاري في شرح المشكاة: ((حديث الباب محمول على الظهر والعشاء عندنا، وعند
بعض الشافعية، لأن الصبح والعصر لا نفل بعدهما، والمغرب لا تعاد عندنا، لأن النفل لا
يكون ثلاثياً، وإن ضم إليها ركعة ففيه مخالفته للإمام، وعند الشافعية: لأنها تصير شفعاً، فإن
أعادها يكره، وظاهر الحديث الإطلاق، فترفع الكراهة للضرورة، إذ الضرورات تبيح
المحظورات، والمعنى: فصلّها معهم، وهو يحتمل أن ينوي الإعادة أو النافلة)) اهـ.
وأيضاً ضم الركعة في صورة الاقتداء بأمراء الجور يوقعه في أشد مما شرع ذلك لأجله من
التقية، كما في إكمال إكمال المعلم. والبحث في مسألة التنفل بعد الفجر والعصر سيأتي في
موضعه إن شاء الله تعالى.
نعم، بقي الإشكال في حديث يزيد بن الأسود المار آنفاً، وفيه: ((فلا تفعلا، فإذا صليتما
في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)) فإن مورده صلاة الصبح،
كما هو مصرح عند أصحاب السنن، فكيف يجوز تخصيص السبب من الحكم؟
فنقول أولاً - قال التقي السبكي: إن النص الذي فيه الحكم طرداً وعكساً يجوز فيه
تخصيص المورد من النص .
٢٩٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٦٤ - (٢٣٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ
الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((يَا أَبَا
ذَرِّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلاةَ. فَصَلُ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. فَإِنْ صَلَيْتَ لِوَقْتِهَا كَانَتْ
لَكَ نَافِلَةً. وَإِلاَّ كُنْتَ قَدْ أَخْرَزْتَ صَلاتَكَ)).
وثانياً - قال شيخنا المحمود قدس الله روحه: ((إن جواب الرجلين بقولهما: ((إنا قد صلينا
في رحالنا)) بعد ما سئلا بقوله وسلم: ((ما منعكما أن تصليا معنا)) يظهر منه أن المانع من شركة
الجماعة ما كان عندهما إلا كونهما قد صليا في الرحل، ولهذا اكتفيا بذكره في صدد ذكر
المانع، وهذا الذي زعماه لم يكن صحيحاً، فمست الحاجة إلى تصحيح ما أخطأا فيه، وإصلاح
ما وقع من التقصير في وضعهما الضابطة: أن من صلى مرة ولو منفرداً ليس له أن يصلي مع
القوم إذا كانوا يؤدّون تلك الصلاة التي صلاها، فبينه وَل بقوله: ((إذا صليتما في رحالكما ...
الخ)) ونهاهما عن العمل على الضابطة المخترعة من عند أنفسهما بقوله: ((فلا تفعلا)) وأما تفصيل
الأوقات وتخصيص الإعادة بوقت دون وقت فقد بين في موضع آخر، حيث ورد النهي عن
الصلاة بعد الفجر، وبعد العصر، فهو كالمفروغ عنه، وهذا كما أن النبي ◌ّ ﴿ قال لابن عباس في
حديث الترمذي: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعاً ... )) الحديث في جواب قوله: ((لقد نمت))
مع أن المورد فيه هو النبي ◌ّ﴾، وهو غير داخل في ذلك الحكم، فإن نوم الأنبياء ليس بناقض
للوضوء، ولكن سؤال ابن عباس لما كان مشعراً بأن النوم مطلقاً ناقض للوضوء في زعمه كان
التنبيه على إصلاح هذا الغلط أهم من الإعلام بخصائص النبي وير، فانتقل الكلام إلى بيان
ضابطة النوم مع قطع اللحظ عن خصوص مورد السؤال، والله أعلم.
لا يقال: إن حديث ابن عباس ربه هذا في النوم ضعيف ضعفّه الحافظ، لأنا نقول: إن
ضعفه منجبر بتعدد طرقه وكثرة شواهده)) (كما قال الشوكاني في النيل) كذا أفاد شيخنا قدس الله
روحه .
وأما الشيخ ابن الهمام فقد أثبت التعارض بين حديث يزيد بن الأسود وبين أحاديث
النهي، ورجح المحرم على المبيح، كما هو دأبه في أمثال هذا الموضع.
وقد ادعى الشيخ الأنور كَّلُ الاضطراب في حديث يزيد بن الأسود هذا، فقد وقع في
كتاب الآثار للإمام محمد بن الحسن وغيره أنه واقعة الظهر، وفي السنن أنه واقعة الصبح،
وأطال الكلام فيه، كما ذكر محصله في العرف الشذي، فليراجع.
٢٣٩ - ( ... ) - قوله: (فإن صليت الصلاة في وقتها) الخ: قال النووي: ((معناه إذا علمت
من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار فصَلّها لأول وقتها، ثم إن صلوها لوقتها المختار فصَلُّها
أيضاً معهم، وتكون صلاتك معهم نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك في أول الوقت،
أي حصلتها وصُنتها واحتطت لها)).
٢٩٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٤٦٥ - (٢٤٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرِّ؛ قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي
أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ. وَإِنْ كَانَ عَبْداً مُجَدَّعَ الْأَظْرَافِ. وَأَنْ أُصَلَِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. ((فَإِنْ أَدْرَكْتَ
الْقَوْمَ وَقَدْ صَلَّوْا كُنْتَ قَدْ أَخْرَزْتَ صَلاَكَ. وَإِلَّ كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً)) .
١٤٦٦ - (٢٤١) وحدّثني يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ بُدَيْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي
ذَرٍّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، وَضَرَبَ فَخِذِي: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ
الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟)) قَالَ: قَالَ: مَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: ((صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجِّتِكَ. فَإِنْ
أُقِيمَتِ الصَّلاةُ وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلٌ)».
١٤٦٧ - (٢٤٢) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ،
٢٤٠ - ( ... ) - قوله: (أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً) الخ: قيل: هو إشارة لما علمه وَلـ
من الغيب، لأن أبا ذر ظُه حين خرج إلى الربذة كان عاملها حبشياً.
قوله: (مجدّع الأطراف) الخ: أي: مقطع الأطراف، والجدع - بالدال المهملة -: القطع،
والمجدّع أردأ العبيد لخسته وقلة قيمته ومنفعته ونفرة الناس منه.
وفي هذا: الحث على طاعة ولاة الأمور ما لم تكن معصية.
فإن قيل: كيف يكون العبد إماماً وشرط الإمام أن يكون حرّاً قرشيا سليم الأطراف؟
فالجواب من وجهين:
أحدها أن هذه الشروط وغيرها إنما تشترط فيمن تعقد له الإمامة باختيار أهل الحل
والعقد، وأما من قهر الناس لشوكته وقوة بأسه وأعوانه واستولى عليهم وانتصب إماماً: فإن
أحكامه تنفذ، وتجب طاعته، وتحرم مخالفته في غير معصية، عبداً كان أو حراً، أو فاسقاً،
بشرط أن يكون مسلماً .
الجواب الثاني: أنه ليس في الحديث أنه يكون إماماً، بل هو محمول على من يفوض إليه
الإمام أمراً من الأمور، أو استيفاء حق، أو نحو ذلك، كذا في الشرح.
٢٤١ - ( ... ) - قوله: (وضرب فخذي) الخ: أي: للتنبيه وجمع الذهن على ما يقوله له.
قوله: (ثم اذهب لحاجتك) الخ: قال النووي: ((معناه صلّ في أول الوقت، وتصرف في
شغلك، فإن صادفتهم بعد ذلك وقد صلوا أجزأتك صلاتك، وإن أدركت الصلاة معهم فصَلٌ
معهم. وتكون هذه الثانية لك نافلة)).
٢٩٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ؛ قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادِ الصَّلاةَ. فَجَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ. فَأَلْقَيْتُ لَهُ
كُرْسِيّاً. فَجَلَسَ عَلَيْهِ. فَذَكَرْتُ لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ. فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ وَضَرَبَ فَخِذِي. وَقَالَ:
إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرِّ كَمَا سَأَلْتَنِي. فَضَرَب فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ
اللّهِ وَِّ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ وَقَالَ: ((صَلِّ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. فَإِنْ
أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ مَعَهُمْ فَصَلُ. وَلا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ فَلا أُصَلِّي)) .
١٤٦٨ - (٢٤٣) وحدّثنا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ؛ قَالَ: قَالَ ((كَيْفَ أَنْتُمْ))، أَوْ
قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ وَقْتِهَا. فَصَلُ الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا. ثُمَّ إِنْ
أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَصَلٌ مَعَهُمْ. فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ)) .
١٤٦٩ - (٢٤٤) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، (وَهُوَ ابْنُ هِشَام)،
حَذَّثَنِي أَبِي عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ؛ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ: نُصَلِّي يُّوْمَ
الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ. قَالَ فَضَرَبَ فَخِذِي ضَرْبَةً أَوْ جَعَتْنِي. وَقَالَ: سَأَلْتُ
أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذُلِكَ. فَضَرَبَ فَخِذِي. وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ،بَ ◌ّه عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ: ((صَلُّوا
الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا وَاجْعَلُوا صَلاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً)) .
قَالَ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ نَّهِ ضَرَبِ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ.
(٤٢) - باب: فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد في التخلف عنها
١٤٧٠ - (٢٤٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ قَالَ: ((صَلاةُ الْجَمَّاعَةِ أَفْضِّلُ
٢٤٢ - ( ... ) - قوله: (عن أبي العالية البرّاء) الخ: هو بتشديد الراء وبالمد، كان يبري
النبل، واسمه زياد بن فيروز البصري، وقيل: اسمه كلثوم، توفي يوم الاثنين في شوال سنة
تسعين .
(٤٢) - باب: فضل الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها
٢٤٥ - (٦٤٩) - قوله: (صلاة الجماعة أفضل من) الخ: قال النووي: ((احتج أصحابنا
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في
جماعة، رقم (٦٤٨) وفي كتاب التفسير، سورة بني إسرائيل، باب ((إن قرآن الفجر كان مشهوداً)) رقم
(٤٧١٧) والنسائي في كتاب الإمامة، باب فضل الجماعة، رقم (٨٣٩) والترمذي في جامعه، في كتاب =
٢٩٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والجمهور بهذه الأحاديث على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة خلافاً لداود، ولا فرضاً
على الأعيان خلافاً لجماعة من العلماء، والمختار أنها فرض كفاية، وقيل: سنة)) اهـ.
بيان أن الجماعة فرض أو واجب أو سنة مؤكدة وتحقيق ما هو الحق
في ذلك ببيان شاف
وفي النقاية وشرحها: ((والجماعة في الصلاة الفريضة سنة مؤكدة، زاد في المحيط:
وشريعة ماضية لا يرخص لأحد تركها إلا لعذر، حتى لو تركها أهل مصر يؤمرون بها، فإن
ائتمروا وإلا تحل مقاتلتهم، لأنها من شعائر الإسلام وخصائص الدين، فالسبيل إظهارها والزجر
عن ترکها)).
وقال مكحول الشامي: السنة سنتان: سنة أخذها هدى وتركها ضلالة، وهو ما كانت من
أعلام الإسلام وشعائره، وسنة أخذها فضيلة وتركها لا إلى حرج كصلاة الليل.
ويؤيده قول ابن مسعود ظه ((من سرّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء
الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدي، وإنهن من سنن الهدي، ولو أنكم
صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم
لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله
له بكل خطوة حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف منها إلا
منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين، حتى يقام في الصف)) رواه
مسلم، وأبو داود، والنسائي موقوفاً، ورفعه صاحب الهداية، وهو وهم منه.
ومما يؤكد كونها سنة ما ورد في الأحاديث في فضيلة ثواب الجماعة على الفذ، كقوله وتليفون:
((صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً)) رواه الشيخان. وفي
رواية: ((درجة)) وفي أخرى: ((ضعفاً))، وكقوله وَ لفر: ((صلاة الرجل مع رجل أزكى من صلاته
وحده، وصلاة الرجل مع الرجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما زاد فهو أحب إلى الله تعالى))
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي بن كعب. لأن صيغة ((أفضل)) بظاهرها تدل
على الاشتراك في أصل الفضل ونفي البأس عن المفضول، وكذلك قوله: ((أزكى))، والمشترك
ههنا لا بد أن يكون هو الإجزاء والصحة، وإلا فلا صلاة فضلاً عن الفضل والزكاء.
الصلاة، باب ما جاء في فضل الجماعة، رقم (٢١٦) وابن ماجه في سننه، في كتاب المساجد
=
والجماعات، باب فضل الصلاة في جماعة، رقم (٧٨٦) و(٧٨٧) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة،
باب في فضل صلاة الجماعة، رقم (١٢٧٩) وأحمد في مسنده (٢: ٢٦٤ و٢٦٦ و٢٧٣ و٣٢٨ و٣٩٦ و٤٥٤
و ٤٧٣ و ٤٧٥ و ٤٨٥ و٤٨٦ و٥٠١ و٥٢٠ و٥٢٥ و٥٢٩).
٢٩٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ومن أدلتهم على عدم الوجوب حديث: ((إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة
فصليا معهم، فإنها لكما نافلة)).
ومن أدلتهم ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَّر: ((إن أعظم
الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى، فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع
الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها، ثم ينام)). وفي رواية أبي كريب عند مسلم أيضاً: ((حتى
يصليها مع الإمام في جماعة)).
ومن أدلتهم أيضاً: أن النبي ◌ّر أمر جماعة من الوافدين عليه بالصلاة، ولم يأمرهم بفعلها
في جماعة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذه الأدلة توجب تأويل الأدلة القاضية
بالوجوب، كذا في نيل الأوطار.
وقيل: إنها واجبة، واختاره جماعة من المشايخ، ففي الغاية: ((قال عامة مشايخنا: إن
الجماعة واجبة، وفي التحفة: ذكر محمد في غير رواية الأصول أن الجماعة واجبة، وقد سماها
بعض أصحابنا سنة مؤكدة، وهما في المعنى سواء، وكأنه أراد بالسنة المؤكدة كونها قريبة من
الفرض، ومما يدل عليه قوله ◌َ له: ((لقد هممت أن آمر بالمؤذن فيؤذن، ثم آمر رجلاً فيصلي
بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم الحطب إلى قوم يتخلفون عن الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم
بالنار)). رواه الشيخان. وليس المراد ترك الصلاة رأساً، بدليل قوله في رواية أخرى: ((ثم آتي
قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة، فأحرق عليهم)) وبهذا استدل من قال بأنها فرض عين،
وهو أحمد، وداود، وعطاء بن أبي رباح، وأبو ثور، وبقوله وَّر: ((من سمع النداء فلم يأته فلا
صلاة له إلا من عذر)) رواه ابن ماجه، والحاكم وقال: على شرطهما. ولقوله ◌َليّة: ((لا صلاة
لجار المسجد إلا في المسجد)) رواه أبو داود، وصححه عبد الحق.
قلنا: همّ ولم يفعل، فكان تهديداً لإظهار الشعائر، لا لكونها فرضاً. وتعقبه ابن دقيق
العيد فقال: هذا ضعيف، لأنه ◌َ﴿ لا يهُمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله. وأما الترك فلا يدل على
عدم الوجوب لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد
جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري، عن أبي
هريرة بلفظ: ((لو لا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني
يحرقون ... )) الحديث.
وقيل: إن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأساً، لا مجرد الجماعة، وهو متعقب بأن في
رواية مسلم: ((لا يشهدون الصلاة، أي لا يحضرون))، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة عند
أحمد: ((لا يشهدون العشاء في الجميع أي في الجماعة)) وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجه
٢٩٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مرفوعاً: ((لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم)). وفي حديث أبي هريرة عند
أبي داود: ((ثم آتى قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة)).
قلت: ويمكن أن يقال: إن قوله {َّيقول: ((يصلون في بيوتهم)) على سبيل التهكم، أي يدّعون
أداء الصلاة في بيوتهم اعتذاراً عن تركهم الجماعة، مع أنه ليست بهم علة مانعة عن حضور
الجماعة، وحينئذ فالأقرب أن يراد بهم المنافقون الذين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى،
لقوله ﴿ في بعض الروايات: ((ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر)). ولقوله وَليقول :
((لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)) وهذا الوصف لائق
بالمنافقين. وفي حديث ابن مسعود: ((لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق)) وفي بعض
الروايات الصحيحة عن بعض الأنصار: قال رسول الله (ص: ((ما يشهدهما منافق)) يعني العشاء
والفجر، كما في الفتح.
وقال الباجي وغيره: ((إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد
المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع
عقوبة المسلمين بذلك)).
وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزاً، بدليل حديث أبي
هريرة المخرج عند البخاري في الجهاد، الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل
التهديد على حقيقته غير ممتنع. قاله الحافظ تَذَثُ .
قلت: وحديث أبي هريرة الذي أحال عليه لفظه هكذا: ((قال: بعثنا رسول الله وَّ في
بعث، فقال: إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﴾﴿ حين أردنا
الخروج: إنما أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما
فاقتلوهما)). وهذا إنما كان في حق بعض الكافرين الغالين كما هو مصرح في الروايات التي
ذكرها في الفتح. فالتحريق بالنار في وقت جوازه أيضاً إنما كان عقوبة في حق بعض الغلاة من
الكفار، لا في حق المؤمنين، ولا في حق سائر الكفار، فتم ما قاله الباجي وغيره من حمل
الحديث على التهديد والزجر، والله أعلم.
قال في شرح النقاية: ((وأما معنى قوله وقلتله: ((من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له)) أي
كاملة، كما قال: ((لا صلاة العبد الآبق ولا للمرأة الناشزة)).
قا في شرح المنية: ((والأحكام تدل على الوجوب من أن تاركها بلا عذر يعزر، وتردّ
شهادته، ويأثم الجيران بالسكوت عنه، وقد يوفق بأن ذلك مقيد بالمداومة على الترك، كما هو
ظاهر قوله وَّل: ((لا يشهدون الصلاة)) وفي الحديث الآخر: ((يصلون في بيوتهم)) كما يعطيه ظاهر
٢٩٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
إسناد المضارع، نحو: بنو فلان يأكلون البرّ، أي عادتهم، فالواجب الحضور أحياناً، والسنة
المؤكدة التي تقرب منه المواظبة)) اهـ. كذا في ردّ المختار.
وقيل: إنها فرض كفاية، وهو قول الكرخي والطحاوي وأكثر أصحاب الشافعي، لعين ما
استدل به لفرض العين، إلا أن المقصود من الافتراض إظهار الشعائر، وهو يحصل بفعل
البعض، وهو ضعيف، إذ لا شك في أنها كانت تقام على عهده بَّ في مسجده، ومع ذلك قال
في المتخلفين ما قال، وهمّ بتحريقهم، ولم يصدر عنه مثله فيمن يتخلف عن فروض الكفاية.
قال الشوكاني: ((وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، وتبقية
الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل، والتمسك بما يقضي به الظاهر فيه
إهدار للأدلة القاضية بعدم الوجوب، وهو لا يجوز، فأعدل الأقوال وأقربها إلى الصواب أن
الجماعة من السنن المؤكدة التي لا يخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم مشؤوم، وأما أنها فرض
عين أو كفاية أو شرط لصحة الصلاة: فلا، ولهذا قال المصنف (أي صاحب المنتقى) تَُّ بعد
أن ساق حديث أبي هريرة ما لفظه: وهذا الحديث يرد على من أبطل صلاة المنفرد لغير عذر،
وجعل الجماعة شرطاً، لأن المفاضلة بينهما تستدعي صحتهما، وحمل النص على المنفرد لعذر
لا يصح، لأن الأحاديث قد دلت على أن أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر، فروى أبو موسى
عن النبي ◌َّم قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)) رواه
أحمد والبخاري وأبو داود. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((من توضأ فأحسن
الوضوء ثم راح، فوجد الناس قد صلّوا أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها، لا
ينقص ذلك من أجورهم شيئاً)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي)) انتهى.
وثبت في الصحيح من قوله: ((إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا
معكم، قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حبسهم العذر)) وقد قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى
الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] الآية فهذا ومثله
يبيّن أن المعذور يكتب له مثل ثواب الصحيح إذا كانت نيته أن يفعل، وقد عمل ما يقدر عليه إلا
أنه يعارضه حديث عمران بن حصين عند الترمذي، قال: ((من صلى قائماً فهو أفضل، ومن
صلاها قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلاها نائماً فله نصف أجر القاعد)»، فهذا الحديث
حمله المحققون على من كان له عذر مبيح للقعود أو الاضطجاع، ومع ذلك يقدر على القيام في
الأول، وعلى القعود في الثاني بكلفة ومشقة شديدة، فصلاته قاعداً على النصف من صلاته
قائماً، وكذا في الاضطجاع، وحملوا حديث ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان
يعمل صحيحاً مقيماً)) على المعذور العاجز عن عمل الصحيح المقيم.
وقال الحافظ ابن تيمية خلفه: ((وذلك لا يقتضي أن يكون نفس عمله مثل عمل الصحيح،
٣٠٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فليس في الحديث أن صلاة المريض نفسها في الأجر مثل صلاة الصحيح، ولا أن صلاة المنفرد
المعذور في نفسها مثل صلاة الرجل في جماعة، وإنما فيه أن يكتب له من العمل ما كان يعمل
وهو صحيح مقيم، كما يكتب له أجر صلاة الجماعة إذا فاتته مع قصده لها، وأيضاً فليس كل
معذور يكتب له مثل عمل الصحيح، وإنما يكتب له إذا كان يقصد عمل الصحيح، ولكن عجز
عنه، فالحديث يدل على أنه من كان عادته الصلاة في جماعة، والصلاة قائماً، ثم ترك ذلك
لمرضه، فإنه يكتب له ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم، وكذلك من تطوع على الراحلة في
السفر، وقد كان يتطوع في الحضر، فإنما يكتب له ما كان يعمل في الإقامة، فأما من لم تكن
عادته الصلاة في جماعة، ولا الصلاة قائماً، إذا مرض فصلى وحده، أو صلى قاعداً: فهذا لا
يكتب له مثل صلاة المقيم الصحيح)) اهـ.
وهذا الكلام كله إنما هو على تقدير حمل الأحاديث التي فيها تضعيف أجر الجماعة على
المعذور المنفرد، والحق أن هذه الأحاديث ليس فيها قرينة على هذا، ولا إشارة إليه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إن تمت دلالته على الجماعة فهو محمول
على الندب الشامل للسنة المؤكدة دون الفرضية. واستدل القائلون بالفرضية بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا
كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَقُمْ ◌َآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية.
قال الحافظ ابن تيمية كفَّهُ: ((وفيها دليلان: أحدهما أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في
صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدل بالطريق الأولى على وجوبها
حال الأمن. الثاني: أنه سنّ صلاة الخوف جماعة، وسوّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار
القبلة والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند
الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتأخر الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا
كان العدو أمامهم، وقالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة
واجبة بل مستحبة، لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة، وترك المتابعة الواجبة في الصلاة
لأجل فعل مستحب، مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحداناً صلاة تامة، فعلم أنها واجبة)»
اهـ.
قلت: ليس في الآية إلا الإرشاد إلى كيفية صلاة الخوف وهيأتها، إذا أراد النبي وَالقر أن
يقيم لهم الصلاة أي الجماعة، لا بيان إيجاب الجماعة والأمر بها، وهذا كما يقال: إذا أتيت
فلاناً فأته راكباً، فليس فيه الأمر بنفس الإتيان، بل فيه الأمر بالركوب على تقدير الإتيان، وهذا
لا يدل على وجوب الإتيان نفسه، كما هو الظاهر، ونظيره: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآَ فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ ... ﴾ [الطلاق: ١] الخ.
وأما تسويغ الأمور المنافية للصلاة فيها فلا يلزم أن يكون لمحض فرضية الجماعة