النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. فَقَال رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَوَاللَّهِ، إِنْ صَلَّيْتُهَا)) فَنَزَلْنَا
إِلَى بُطْحَانَ. فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. وَتَوَضَّأْنَا. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ الْعَصْرَ بَعْدَ ما غَرَبَتِ
الشَّمْسُ. ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
١٤٢٩ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ :
حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، فِي
هَذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ.
قال الحافظ: ((فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبي ◌َّ، فكيف اختص بأن أدرك صلاة
العصر قبل غروب الشمس بخلاف بقية الصحابة، والنبي وَّلقر معهم؟
فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر
حينئذ متوضئاً فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي ◌ّر فأعلمه بذلك في الحال التي كان
النبي ◌َّه فيها، قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء)) اهـ.
قوله: (فوالله إن صليتها) الخ: إنما حلف النبي وَ* تطبيباً لقلب عمر مظ لته، فإنه شق عليه
تأخير العصر إلى قريب من الغروب، فأخبره النبي ◌َّر أنه لم يصلها بعد، ليكون لعمر به أسوة،
ولا يشق عليه ما جرى، وتطيب نفسه، وأكد ذلك الخبر باليمين.
وفيه دليل على جواز اليمين من غير استحلاف، وهي مستحبة إذا كان فيه مصلحة من توكيد
الأمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهم نسيان، أو غير ذلك من المقاصد السائغة. وقد كثرت في
الأحاديث، وهكذا القسم من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَلَّرِيَةِ﴾، ﴿وَالْتُورِ﴾، ﴿وَالْمُرْسَتِ﴾ ،
﴿وَلَمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالشَّْسِ وَضُحَنَهَا﴾، ﴿وَّلِ إِذَا يَغْثَى﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَلِيْنِ﴾، ﴿ وَالْعَدِيَّتِ﴾،
﴿وَالْعَصْرٍ﴾ ونظائرها، كل ذلك لتفخيم المقسم عليه وتوكيده، والله أعلم. كذا في الشرح.
قوله: (إلى بطحان) الخ: بضم أوله وسكون ثانيه، واد بالمدينة، وقيل: هو بفتح أوله
و کسر ثانیه، حكاه أبو عبيد البكري.
قوله: (ثم صلى بعدها المغرب) الخ: فيه ترتيب الفوائت، وتقديم الفائتة على الحاضرة،
وفي المسألة تفصيل مبسوط في الفقه. وفيه أن وقت المغرب متسع، لأنه قدم العصر عليها، فلو
كان ضيقاً لبدأ بالمغرب، ولا سيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال
بأن وقت المغرب ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث. قاله الحافظ في الفتح.

٢٦٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٧) - باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما
١٤٣٠ - (٢١٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ بِاللَّيْلِ.
وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ. وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاة الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ .
(٣٧) - باب: فصل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما
٢١٠ - (٦٣٢) - قوله: (يتعاقبون فيكم) الخ: فيه دليل لمن قال من النحويين: يجوز إظهار
ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وهو لغة بني الحارث، وحكوا فيه قولهم: أكلوني
البراغيث، وعليه حمل الأخفش ومن وافقه قول الله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَمُواْ﴾ [الأنبياء:
٣].
قال سيبويه وأكثر النحويين: لا يجوز إظهار الضمير مع تقديم الفعل، ويتأولون كل هذا،
ويجعلون الاسم بعده بدلاً من الضمير، ولا يرفعونه بالفعل، كأنه لما قيل: ((وأسروا النجوى))
قيل: من هم؟ قيل: الذين ظلموا. وكذا ((يتعاقبون)) ونظائره. كذا في الشرح.
ومعنى قوله: ((يتعاقبون)) أي: تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية.
قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين، بأن يأتي هذا مرة ويعقبه
هذا. ومنه: تعقيب الجيوش: أن يجهز الأمير بعثاً إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن
يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين. كذا في الفتح.
قوله: (فيكم) الخ: أي: المصلين، أو مطلق المؤمنين.
قوله: (ملائكة) الخ: قيل: هم الحفظة، نقله عياض وغيره عن الجمهور، وتردد ابن
بزيزة، وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم، ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد،
ولا أن حفظة الليل غير حفظة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال
منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله: ((كيف تركتم عبادي)) قاله الحافظ في الفتح.
قوله: (ويجتمعون) الخ: قال الزين بن المنبر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك منزل
على حالين.
(١) قوله: ((عن أبي هريرة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة
العصر، رقم (٥٥٥) وفي كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم (٣٢٢٣) وفي كتاب التوحيد، باب
قوله الله تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح﴾، رقم (٧٤٢٩) وباب كلام الرب مع جبريل ونداء الله الملائكة،
رقم (٧٤٨٦) والنسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، رقم (٤٨٦) وأحمد في
مسنده (٢ : ٤٨٦).

٢٦٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ. فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِم:
قلت: وهو ظاهر.
قال عياض: ((والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده
وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن
الشهادة)» .
قوله: (ثم يعرج الذين باتوا فيكم) الخ: قال البيهقي: وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في
السماء، وأما ما وقع من التعبير في ذلك بقوله: ((إلى الله تعالى)) فهو على ما تقدم عن السلف في
التفويض، وعن الأئمة بعدهم في التأويل.
استدل به بعض الحنفية على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ
منها آخر النهار.
وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في حديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ
من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضاً من أن
تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق، وتقيم ملائكة الليل، ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت
بقوله: ((باتوا فيكم))، لأن اسم المبيت صادق عليهم، ولو تقدمت إقامتهم بالليل إقامتهم قطعة من
النهار. كذا في الفتح.
ولكن لا يلائمه ما قال في شرح قوله: ((تركناهم وهم يصلون)) كما سيأتي.
قوله: (فيسألهم ربهم) الخ: اختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين
ظلموا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿فَذَّكِرْ إِن نَّفَعَتِ
الذِّكْرَى ﴾﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى: ﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي
والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره، وقيل غير ذلك.
قال الحافظ: ((وقد وقع فيما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال
رسُول الله : ((تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون
في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد
ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي ... )) الحديث. وهذه
الرواية تزيل الإشكال وتغني عن كثير من الاحتمالات التي ذكروها، وهي المعتمد، ويحمل ما
نقص منها على تقصير بعض الرواة)).
قال الحافظ: ((والحكمة فيه (أي في السؤال منهم) استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير،
واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة
من قال من الملائكة: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ وَحْنُ نُسَبْحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ

٢٦٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَنَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)).
إِنِّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] أي وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم)).
وقال عياض: ((هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني
آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع)). كذا في الفتح.
قوله: (كيف تركتم عبادي) الخ: قال ابن أبي جمرة: وقع السؤال عن آخر الأعمال لأن
الأعمال بخواتيمها. قال: والعباد المسؤل عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ
لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢].
قوله: (تركناهم وهم يصلون) الخ: قال الحافظ: ((لم يراعوا الترتيب الوجودي، لأنهم
بدأوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال، لأنه قال: كيف تركتم؟ ولأن
المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.
وقوله: ((تركناهم وهم ... )) ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمت أم منع مانع
من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي ويحتمل أن يكون
المراد بقولهم ((وهم يصلون)) أي ينتظرون صلاة المغرب)).
وقال ابن التين: ((الواو في قولهم: ((وهم يصلون)) واو الحال، أي تركناهم على هذه
الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم والخبر ناطق
بأنهم يشهدونها. لأنا نقول هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها،
وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك ومن شرع في أسباب ذلك.
تنبيه:
استنبط منه بعض الصوفية أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئاً من أموره إلا وهو على
طهارة، كشعره: إذا حلقه، وظفره: إذا قلمه، وثوبه: إذا أبدله ونحو ذلك. اهـ.
قوله: (وأتيناهم وهم يصلون) الخ: قال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر ما سئلوا
عنه، لأنهم علموا أنه سؤال يستدعي التعطف على بني آدم فزادوا في موجب ذلك.
قلت: ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في
آخر هذا الحديث: ((فاغفر لهم يوم الدين)). قال: ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه
عنها وقع السؤال والجواب، وفيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما
الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، وقد ورد أن
الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك
في رزقه وفي عمله، والله أعلم.
ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما، وفيه: تشريف هذه الأمة

٢٦٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٣١ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نٌَّ قَالَ: ((وَالْمَلائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ)) بِمِثْلٍ
حَدِيثٍ أَبِي الزِّنَادِ.
١٤٣٢ - (٢١١) وحدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ. أَخْبَرَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ. قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ (١)
وَهُوَ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. إِذْ نَظَرَّ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ
سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ. لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ. فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى
على غيرها، ويستلزم تشريف نبيها على غيره. وفيه: الإخبار بالغيوب، ويترتب عليه زيادة
الإيمان. وفيه: الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي،
ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا، وسؤال ربنا عنا. وفيه: إعلامنا بحب ملائكة الله لنا
لنزداد فيهم حباً، ونتقرب إلى الله بذلك. وفيه: كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من
الفوائد. والله أعلم، كذا في الفتح.
٢١١ - (٦٣٣) - قوله: (كما ترون هذا القمر) الخ: أي: رؤية محققة لا شك فيها، ولا
مشقة، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي. والرؤية مختصة بالمؤمنين، وأما الكفار فلا
يرونه سبحانه وتعالى، وقيل: يراه منافقو هذه الأمة، وهذا ضعيف، والصحيح الذي عليه جمهور
أهل السنة أن المنافقين لا يرونه كما لا يراه الكفار باتفاق العلماء، وقد سبق بيان هذه المسألة
في كتاب الإيمان.
قوله: (لا تضامون) الخ: بضم أوله مخففاً، أي: لا يحصل لكم ضیم حينئذ، وروي بفتح
أوله والتشديد، من الضم، والمراد نفي الازدحام، وتقدم شرحه وضبطه في كتاب الإيمان.
قوله: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) الخ: فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية
للاستطاعة، كالنوم، والشغل، ومقاومة ذلك بالاستعداد له، وجواب ((إن)) محذوف، أي:
فافعلوا، كما في رواية، أو ((فلا تفعلوا)) كما في أخرى.
(١) قوله: ((جرير بن عبد الله)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل
صلاة العصر، رقم (٥٥٤) وباب فضل صلاة الفجر، رقم (٥٧٣) وفي كتاب التفسير، تفسير سورة ق، باب
﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب﴾ رقم (٤٨٥١) وفي كتاب التوحيد، باب قول الله
تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾، رقم (٧٤٣٤) و(٧٤٣٥) و(٧٤٣٦) وأبو داود في سننه، في
كتاب السنة، باب في الرؤية، رقم (٤٧٢٩) والترمذي في جامعه، في كتاب صفة الجنة، باب ما جاء في
رؤية الرب تبارك وتعالى، رقم (٢٥٥١) وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، رقم
(١٧٧) وأحمد في مسنده (٤: ٣٦٠ و٣٦٢ و٣٦٥).

٢٦٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ. ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ
رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعٍ اُلَّشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
١٤٣٣ - (٢١٢) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ
وَوَكِيعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ سَتُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّكُمْ فَتَرَوْنَهُ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ))
وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ. وَلَمْ يَقُلْ: جَرِيرٌ.
١٤٣٤ - (٢١٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ.
جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ ابْنٍ أَبِي خَالِدٍ وَمِسْعَرٍ وَالْبَخْتَرِيِّ بْنِ
الْمُخْتَارِ. سَمِعُوهُ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَنَّبَةً عَنْ أَبِيهِ (١). قَالَ: سَمِعْثُ
رَسُولَ اللَّهِ بِهِ يَقُولُ: ((لَنْ يَلِجَ الثَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) يَعْنِي
قال الخطابي: ((هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين))
اهـ.
وقد يستشهد لذلك بما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر رفعه، قال: ((إن أدني أهل
الجنة منزلة ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية)) وفي
سنده ضعف .
قوله: (يعني الفجر والعصر) الخ: قال العلماء: وجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر
الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من
اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال وغير ذلك، فهما أفضل الصلوات، فناسب أن يجازى
المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر إلى الله تعالى.
٢١٣ - (٦٣٤) - قوله: (لن يلج النار) الخ: أي: لن يدخل. قال السندي كثّفُهُ: ((لا يحسن
حملها على نفي التأييد، أي لا يدخل على الدوام، لأن نفي الدوام يكفي فيه الإيمان، فلا بد من
حملها على نفي أصل الدخول، وحينئذ فالأقرب أن يراد بقوله: ((صلي قبل طلوع
الشمس ... الخ)) أي داوم على الصلاة قبل طلوع الشمس، فلعل المداوم عليهما لا يدخل النار
أصلاً، إذ لم يعلم أن أحداً من المداومين يدخل النار كما لا يخفى، ولعل من أراد الله تعالى له
الدخول فيها لا يوفقه المداومة على هاتين الصلاتين. والله تعالى أعلم)).
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فضل صلاة العصر، رقم (٤٧٢)
وباب فضل صلاة الجماعة، رقم (٤٨٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في المحافظة على
وقت الصلوات، رقم (٤٢٧) وأحمد في مسنده (٤: ١٣٦ و٢٦١).

٢٦٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. فَقَال لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. أَنْتَ سَمِعْتَ هُذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؟ قَالَ:
نَعَمْ. قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِي سَمِغَتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَرَ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي.
١٤٣٥ - (٢١٤) وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ،
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَّيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَّيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((لا يَلِجُ النَّارَ مَنْ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)) وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ
أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنَ النَّبِيِّ نََِّّ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَنَا
أَشْهَدُ. لَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيِّ وََّ يَقُولُهُ، بِالْمَكَّانِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنْهُ.
١٤٣٦ - (٢١٥) وحدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنِي
أَبُو جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ (١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ
دَخَلَ الْجَنَّةَ)) .
١٤٣٧ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ. ح قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ
خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم. قَالا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ وَنَسَبًا أَبَا بَكْرٍ
فَقَالا : ابْنُ أَبِي مُوسَى.
٢١٥ - (٦٣٥) - قوله: (أبو جمرة الضبعي) الخ: بالجيم والراء.
قوله: (من صلى البردين) الخ: بفتح الموحدة وسكون الراء، تثنية ((برد)) والمراد: صلاة
الفجر والعصر. قال الخطابي: سميتا ((بردين)) لأنهما تصليان في بردي النهار، وهما طرفاه حين
يطيب الهواء وتذهب سورة الحر. ونقل عن أبي عبيدة: أن صلاة المغرب تدخل في ذلك أيضاً.
وقال البزار في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوات
ما محصله: أن ((من)) موصولة لا شرطية، والمراد: الذين صلوهما أول ما فرضت الصلاة ثم
ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس، لأنها فرضت أولاً ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم
فرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن ناس مخصوصين لا عموم فيه.
قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلف، والأوجه أن ((من)) في الحديث شرطية، وقوله:
(دخل)) جواب الشرط، وعدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن يقول: ((يدخل الجنة)) إرادة
للتأكيد في وقوعه بجعل ما سيقع كالواقع. كذا في الفتح.
(١) قوله: ((عن أبيه)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب ماوقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر،
رقم (٥٧٤) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الغداة وصلاة العصر، رقم (١٤٣٢)
وأحمد في مسنده (٤: ٨٠).

٢٦٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٣٨) - باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس
١٤٣٨ - (٢١٦) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ)، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ(١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهَ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا
غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ.
١٤٣٩ - (٢١٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلم. حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي أَبُوِ النَّجَاشِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيج(٢) يَقُول: كُنَّا نُصَلِّ
الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَّهِ. فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ.
(٣٨) - باب: بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس
٢١٦ - (٦٣٦) - قوله: (وتوارت بالحجاب) الخ: أي: استترت، وهذا تفسير وتأكيد
لقوله: ((غربت الشمس)).
٢١٧ - (٦٢٧) - قوله: (أبو النجاشي) الخ: هو عطاء بن صهيب مولى رافع بن خديج
شیخه، قال ابن حبان: صحبه ست سنين.
قوله: (مواقع نبله) الخ: بفتح النون وسكون الموحدة، أي: المواضع التي تصل إليها
سهامه إذا رمى بها. وروى أحمد في مسنده من طريق علي بن بلال عن ناس من الأنصار قالوا :
(كنا نصلي مع رسول الله وَّ﴿ المغرب، ثم نرجع فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا
سهامنا)) إسناده حسن، والنبل هي السهام العربية، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها، قاله ابن
سيدة. وقيل: واحدها نبلة، مثل: تمر وتمرة، ومقتضاه: المبادرة بالمغرب في أول وقتها بحيث
إن الفراغ منها يقع والوضوء باق.
قال الحافظ: واستدل بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة - بالموحدة ثم المهملة
- رفعه في أثناء حديث: ((ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد، والشاهد النجم)). اهـ.
(١) قوله: ((عن سلمة بن الأكوع)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت
المغرب، رقم (٥٦١) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت المغرب، رقم (٤١٧)
والترمذي في جامعه، في كتاب الصلاة، باب ما جاء في وقت المغرب، رقم (١٦٤) وابن ماجه في سننه،
في كتاب الصلاة، باب وقت صلاة المغرب، رقم (٦٨٨) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب وقت
المغرب، رقم (١٢١٢) وأحمد في مسنده (٤: ٥١ و٥٤).
(٢) قوله: ((رافع بن خديج)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت
المغرب، رقم (٥٥٩) وابن ماجه في سننه، في كتاب الصلاة، باب وقت صلاة المغرب، رقم (٦٨٧)
وأحمد في مسنده (٤: ١٤١ و١٤٢).

٢٦٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٤٠ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ
الدِّمَشْقِيُّ. حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ. حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ. حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي
الْمَغْرِبَ، بِنَحْوِهِ.
(٣٩) - باب: وقت العشاء وتأخيرها
١٤٤١ _ (٢١٨) وحدّثنا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ
عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَِّ(١) قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولَّ اللَّهِ وَلِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلاةِ الْعِشَاءِ. وَهِيَ
الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ. فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ
وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ. فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: ((مَا يَنْتَظِرُهَا
أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ)»
(٣٩) - باب: وقت العشاء وتأخيرها
٢١٨ - (٦٣٨) - قوله: (أعتم رسول الله) الخ: أي: أخّرها حتى اشتدت عتمة الليل، وهي
ظلمته .
قوله: (وهي التي تدعى العتمة) الخ: أي: يدعوها الناس العتمة، وفيه إشعار بغلبة
استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار من عرف النهي عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف.
قوله: (نام النساء والصبيان) الخ: أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم بذلك
لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم، ومحل الشفقة والرحمة، بخلاف الرجال. وفي حديث ابن عمر
في هذه القصة: ((حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا)) ونحوه في حديث ابن عباس، وهو
محمول على أن الذي رقد: بعضهم، لا كلهم، ونسب الرقاد إلى الجميع مجازاً. قاله
الحافظ كالمُ .
قوله: (من أهل الأرض غيركم) الخ: زاد البخاري: ((قال: ولا تصلى يومئذ إلا بالمدنية))
أي صلاة العشاء، والمراد أنها لا تصلى بالهيأة المخصوصة - وهي الجماعة - إلا بالمدينة، وبه
(١) قوله: ((عائشة زوج النبي (َّ)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل
العشاء، رقم (٥٦٦) وباب النوم قبل العشاء لمن غُلِبَ، رقم (٥٦٩) وفي كتاب الأذان، باب وضوء الصبيان
ومتى يجب عليهم الغسل والطهور، رقم (٨٦٢) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب آخر وقت
العشاء، رقم (٥٣٦) و(٥٣٧) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب ما يستحب من تأخير العشاء،
رقم (١٢١٦) و(١٢١٧) وأحمد في مسنده (٦: ٣٤ و١٥٠ و١٩٩ و٢١٥ و٢٧٢).

٢٧٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلامُ فِي النَّاسِ.
زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِّ قَالَ: ((وَمَا كَانَ
لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ بِ عَلَى الصَّلاةِ) وَذَاكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
١٤٤٢ - (٠٠٠ ) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي،
عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ: وَذُكِرَ لِي، وَمَا
بَعْدَهُ.
١٤٤٣ - (٢١٩) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. كِلاهُمَا عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ. ح قَالَ وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. ح قَالَ:
وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، (وَأَلْفَاظُهُمْ
مُتَقَارِبَةٌ)، قَالُوا جَمِيعاً: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أُمِّ كُلْتُومٍ بِنْتِ
أَبِي بَكْرٍ ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ نَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ. حَتَّى ذَهَبَّ عَامَّةُ
اللَّيْلِ. وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ. ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّىُ. فَقَّالَ: ((إِنَّهُ لَوَقْتُهَا. لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى
أُمَّتِي)) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: ((لَوْلا أَن يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي)).
صرح الداودي، لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سرّاً، وأما غير مكة
والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها .
قوله: (وذلك قبل أن يفشو الإسلام) الخ: أي: في غير المدينة، وإنما فشا الإسلام في
غيرها بعد فتح مكة.
قوله: (أن تنزروا) الخ: بفتح المثناة الفوقانية وسكون النون وضم الزاى بعدها راء، أن
تُلِحوا عليه، وروي بضم أوله بعدها موحدة، ثم راء مكسورة، ثم زاى، من الإبراز، وهو
الإخراج، أي: تخرجوا.
٢١٩ - ( ... ) - قوله: (حتى ذهب عامة الليل) الخ: أي: كثير منه، وليس المراد أكثره،
ولا بد من هذا التأويل، لقوله وَلـ: ((إنه لوقتها)) ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد
نصف الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. كذا في
الشرح.
قوله: (إنه لوقتها، لولا) الخ: معناه أنه لوقتها المختار، أو الأفضل، ففيه تفضيل
تأخيرها، وأن الغالب كان تقديمها، وإنما قدمها للمشقة في تأخيرها، ومن قال بتفضيل التقديم
قال: لو كان التأخير أفضل لواظب عليه، ولو كان فيه مشقة. ومن قال بالتأخير قال: قد نبّه على
تفضيل التأخير بهذا اللفظ، وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، ومعناه - والله أعلم - أنه

٢٧١
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٤٤ - (٢٢٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: (قَالَ إِسْحَاقُ:
أَخْبَرَنَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكْمِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ(١)؛ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ. فَخَرَجَ إِلَيْنَا
حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ. فَلا نَذْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذُلِكَ. فَقَالَ حِينَ
خَرَجَ: ((إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلاةَ مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ. وَلَوْلا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ
بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ)) ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَلَّى.
١٤٤٥ - (٢٢١) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
أَخْبَرَنِي نَافِعٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَلِهِ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا. حَتَّى
وَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ رَقَدْنَا. ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَزِ،
ثُمَّ قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اللَّيْلَةَ، يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ غَيْرُكُمْ)) .
١٤٤٦ - (٢٢٢) وحدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ. حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدِ الْعَمِّيُّ،
خشي أن يواظبوا عليه، فيفرض عليهم، ويتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح،
وعلل تركها بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها لزوال العلة التي
خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء.
قال الخطابي وغيره: إنما يستحب تأخيرها لتطويل مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في
صلاة. كذا في الشرح.
٢٢٠ - (٦٣٩) - قوله: (لصلاة العشاء الآخرة) الخ: فيه دليل على جواز وصفها بالآخرة
خلافاً لمن کرهه.
قوله: (حتى رقدنا في المسجد) الخ: استدل به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء،
ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعداً متمكناً، أو لاحتمال أن يكون مضطجعاً،
لكنه توضأ وإن لم ينقل، اكتفاء بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء. كذا في الفتح.
وقد سبق إيضاح هذه المسألة وبسطها في آخر كتاب الطهارة.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب النوم
قبل العشاء لمن غُلِبَ، رقم (٥٧٠) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب آخر وقت العشاء، رقم
(٥٣٨) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت العشاء الآخرة، رقم (٤٢٠) وأحمد في مسنده
(٢: ٢٨ و٨٨ و١٢٦).

٢٧٢
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسِاً (١) عَنْ خَاتَم رَسُولِ اللَّهِ وَِّ. فَقَالَ:
أَخَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ. ثُمَّ جَاءَ
فَقَالَ: ((إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا. وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاةَ)). قَالَ
أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ. وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَىُ بِالْخِنْصِرِ.
١٤٤٧ - (٢٢٣) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيع.
حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: نَظَرْنَا رَسُولَ اللّهِ وَهِ لَيْلَةً. حَتَّى
كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّىَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ
خَاتَمِهِ، فِي بَدِهِ، مِنْ فِضَّةٍ.
١٤٤٨ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاح الْعَطَّارُ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ
٢٢٢ - (٦٤٠) - قوله: (إلى وبيص خاتمه) الخ: بموحدة، وآخره مهملة، هو البريق وزناً
ومعنى .
قوله: (ورفع إصبعه اليسرى) الخ: أي: رفع أنس ◌َظُه، وفي الإصبع عشر لغات: كسر
الهمزة، وفتحها، وضمها، مع كسر الباء، وفتحها، وضمها، والعاشرة أصبوع، وأفصحهن:
کسر الهمزة مع فتح الباء.
قوله: (بالخنصر) الخ: تقديره: مشيراً بالخنصر، أي إن الخاتم كان في خنصر اليد
الیسری .
٢٢٣ - ( ... ) - قوله: (نظرنا رسول الله) الخ: أي: انتظرنا، يقال: نظرته وانتظرته
بمعنى .
قوله: (قدموا معي في السفينة) الخ: كان أبو موسى خرج من اليمن لقبول الإسلام،
وركب السفينة، ثم الهواء قذقها إلى الحبشة، فأقام بها سبع سنين حتى رجع قريباً من غزوة خيبر
إلى المدينة مع المهاجرين، ونزل ببقيع بطحان، وليس هو بجنة البقيع.
(١) قوله: ((أنسا)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العشاء إلى نصف
الليل، رقم (٥٧٢) وباب السمر في الفقه والخير بعد العشاء، رقم (٦٠٠) وفي كتاب الأذان، باب من
جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد، رقم (٦٦١) وباب يستقبل الإمام الناس إذا سلم، رقم
(٨٤٧) وفي كتاب اللباس، باب فص الخاتم، رقم (٥٨٦٩) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب
آخر وقت العشاء، رقم (٥٤٠) وفي كتاب الزينة من السنن، باب صفة خاتم النبي ◌َّر، رقم (٥٢٠٥) وابن
ماجه في سننه، في كتاب الصلاة، باب وقت صلاة العشاء، رقم (٦٩٢) وأحمد في مسنده (٣: ١٨٢
و ٢٠٠ و ٢٦٧).

٢٧٣
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ. حَدَّثَنَا قُرَّةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
١٤٤٩ - (٢٢٤) وحدّثنا أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ
عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى(١). قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَضْحَابِي، الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي
فِي السَّفِينَةِ، نُزُولاً فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ. وَرَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ بِالْمَدِينَةِ. فَكَانَ يَتَنَاوَبُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ عِنْدَ صَلاةِ الْعِشَاءِ، كُلَّ لَيْلَةٍ، نَفَرٌ مِنْهُمْ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَوَافَقْنَا
رَسُولَ اللّهِ وَ أَنَا وَأَصْحَابِي. وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ. حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلاةِ. حَتَّى ابْهَارَّ
اللَّيْلُ. ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَصَلَّى بِهِمْ. فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: ((عَلَى
رِسْلِكُمْ. أَعْلِمُكُمْ، وَأَبْشِرُوا، أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ، يُصَلِي هَذِهِ
٢٢٤ - (٦٤١) - قوله: (بقيع بطحان) الخ: بفتح الموحدة من بقيع، وضمها من بطحان،
وتقدم ذكر بطحان في ((باب الصلاة الوسطى)).
قوله: (وله بعض الشغل في أمره) الخ: فيه دلالة على أن تأخير النبي ◌َّر إلى هذه الغاية
لم يكن قصداً، ومثله قوله في حديث ابن عمر: ((شغل عنها ليلة)) وكذا قوله في حديث عائشة:
((أعتم بالصلاة ليلة)) يدل على أن ذلك لم يكن من شأنه، والفيصل في هذا حديث جابر: ((كانوا
إذا اجتمعوا عجل، وإذا أبطأوا أخرّ)).
فائدة:
الشغل المذكور كان في تجهيز جيش، رواه الطبري من وجه صحيح عن الأعمش، عن أبي
سفيان، عن جابر. كذا في الفتح.
قوله: (حتى ابهارّ الليل) الخ: بالموحدة وتشديد الراء، أي طلعت نجومه واشتبكت،
والباهر: الممتلىء نوراً، قاله أبو سعيد الضرير، وعن سيبويه: ابهارّ الليل: كثرت ظلمته، وابهارٌ
القمر: كثر ضوءه. وقال الأصمعي: ابهارّ: انتصف مأخوذ من بهرة الشيء، وهو وسطه، ويؤيده
أن في بعض الروايات: ((حتى إذا كان قريباً من نصف الليل)) وهو في حديث أبي سعيد، وفي
الصحاح: ابهارّ الليل: ذهب معظمه وأكثره، وقد تقدم عن عائشة: ((حتى ذهب عامة الليل)).
قوله: (على رسلكم) الخ: بكسر الراء، ويجوز فتحها، والمعنى: تأنّوا.
قوله: (أن من نعمة الله عليكم) الخ: استدل بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا
يعارض ذلك فضيلة أول الوقت، لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح
(١) قوله: ((عن أبي موسى)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل
العشاء، رقم (٥٦٧).

٢٧٤
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
السَّاعَةَ، غَيْرُكُمْ)) أَوْ قَالَ: ((مَا صَلَّى، هَذِهِ السَّاعَةَ، أَحَدٌ غَيْرُكُمْ)) (لا نَذْرِي أَيَّ الْكُلِمَتَيْنِ
قَالَ). قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ.
١٤٥٠ _ (٢٢٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج.
قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلَّ الْعِشَاءَ، الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ الْعَتَمَةَ، إِمَّأَمَاً
وَخِلْواً؟ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ(١) يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللّهِ وَ﴿وَ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ قَالَ: حَتَّى
رَقَدَ نَاسٌ وَاسْتَيْقَظُوا. وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا. فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: الصَّلاةَ. فَقَالَ
عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللّهِ وَّلِ كَأَنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ. يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءَ. وَاضِعاً
يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ. قَّالَ: ((لَوْلا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لِأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ)).
قَالَ: فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءٌ كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .....
ذلك الآن للأئمة، لأنه وَّ أمر بالتخفيف، وقال: ((إن فيهم الضعيف وذا الحاجة)) فترك التطويل
عليهم في الانتظار أولى. فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق
على أحد من المأمومين: فالتأخير في حقه أفضل، وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم، وهو
اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية، والله أعلم.
ونقل ابن المنذر عن الليث، وإسحاق: أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث.
وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر الصحابة والتابعين،
وهو قول الشافعي في الجديد.
قوله: (فرجعنا فرحين) الخ: وسبب فرحهم علمهم باختصارهم بهذه العبادة التي هي نعمة
عظمى، مستلزمة للمثوبة الحسنى، مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله وَله .
٢٢٥ - (٦٤٢) - قوله: (وخلواً) الخ: بكسر الخاء، منفرداً.
قوله: (فقال: الصلاة) الخ: هي بالنصب، بفعل مضمر، تقديره مثلاً: صلّ الصلاة، وساغ
هذا الحذف لدلالة السياق عليه .
قوله: (يقطر رأسه) الخ: معناه أنه اغتسل حينئذ.
قوله: (قال: فاستثبت عطاء) الخ: القائل ابن جريح، وعطاء هو: ابن أبي رباح.
(١) قوله: ((ابن عباس)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب مواقيت الصلاة، باب النوم قبل العشاء
لمن غُلِبَ، رقم (٥٧١) وفي كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو، رقم (٧٢٣٩) والنسائي في سننه، في
كتاب المواقيت، باب ما يستحب من تأخير العشاء، رقم (٥٣٢) و(٥٣٣) والدارمي في سننه، في كتاب
الصلاة، باب ما يستحب من تأخير العشاء، رقم (١٢١٨) وأحمد في مسنده (١: ٢٢١ و٣٦٦).

٢٧٥
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئاً مِنْ تَبْدِيدٍ. ثُمَّ وَضَعَ أَظْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ. ثُمَّ
صَبَّهَا. يُمِرُّهَا كَذْلِكَ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ. ثُمَّ عَلَى
الصُّدْغِ وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لا يُقَصِّرُ وَلا يَبْطِشُ بِشَيْءٍ. إِلا كَذَلِكَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ
أَخَرَهَاَ النَّبِيُّ وََّ لَيْلَتَئِذِ؟ قَالَ: لا أَدْرِي.
قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلَِّهَا، إِمَاماً وَخِلْواً، مُؤَخَّرَةً. كَمَا صَلاَّهَا النَّبِّ وَيَّ
لَيْلَتَئِذٍ. فَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ ذُلِكَ خِلْواً أَوْ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ. فَصَلُّهَا
وَسَطاً. لا مُعَجَّلَةً وَلا مُؤَخَّرَةً.
١٤٥١ _ (٢٢٦) حدّثنا يَحْيَىُ بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
(قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ)، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةً(١)؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُؤَخِّرُ صَلاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ.
١٤٥٢ - (٢٢٧) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. قَالا: حَدَّثَنَا أَبُو
عَوَانَةَ عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّه يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْواً
مِنْ صَلاتِكُمْ. وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلاتِكُمْ شَيْئاً. وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلاةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي
گامِلٍ : يُخَفِّفُ.
قوله: (فبدّد لي عطاء) الخ: أي: فرّق.
قوله: (علی قرن الرأس) الخ: أي: جانبه.
قوله: (ثم صبّها) الخ: قال النووى: هكذا هو في أصول رواياتنا، قال القاضي: وضبطه
بعضهم: قلبها، وفي البخاري: ضمها، والأول هو الصواب، ووجّه الحافظ تَُّ رواية
البخاري.
قوله: (حتى مسّت إبهامه طرف) الخ: إبهامه بالإفراد، وفي بعض الروايات: ((إبهاميه))
بالتثنية، وهو منصوب بالمفعولية، وفاعله طرف الأذن، وعلى هذا فهو مرفوع، وعلى الرواية
الأولى: ((طرف)) منصوب، وفاعله ((إبهامه)) وهو مرفوع.
قوله: (لا يقصر ولا يبطش) الخ: أي: لا يبطىء ولا يستعجل، ويقصر: بالقاف، هو
الأصوب، وقيل: بالعين.
(١) قوله: ((عن جابر بن سمرة)) لم أجد هذا الحديث عند أحد من أصحاب الأصول الستة سوى مسلم رحمه الله
تعالى، وقد أخرجه أحمد في مسنده (٥: ٩٣ و٩٥ و١٠٥).

٢٧٦
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
١٤٥٣ - (٢٢٨) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنٍ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (١)؛ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللّهِ وَلَ يَقُولُ: ((لا تَغْلِيَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلائِكُمْ. أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ.
٢٢٨ - (٦٤٤) - قوله: (لا تغلبتكم الأعراب) الخ: أي: في قولهم للعشاء: العتمة.
قال الطيبي: يقال: ((غلبه على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهراً، والمعنى لا تتعرضوا
لما هو من عادتهم من تسمية المغرب: بالعشاء، والعِشاء: بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب اسم
العشاء التي سماها الله بها. قال: فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم)).
وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسماً، وهم يسمونها اسماً، فإن سميتموها بالاسم
الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه انقطع له، حتى غلبه ولا
يحتاج إلى تقدير ((غصب)) ولا ((أخذ)).
وقال التوربشتي: ((المعنى لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيغلب
مصطلحهم على الاسم الذي شرّعته لكم)).
وقال القرطبي: ((الأعراب من كان من أهل البادية وإن لم يكن عربياً، والعربي من ينتسب
إلى العرب، ولو لم يسكن البادية)).
قال الحافظ: ((وسرّ النهي عن موافقة الأعراب على ذلك أن لفظ العشاء لغة: هو أول
ظلام الليل، وذلك من غيبوبة الشفق، فلو قيل للمغرب: عشاء، لأدّى إلى أن أول وقتها غيبوبة
الشفق. ونقل القرطبي عن غيره: إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن
يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها
العتمة .
قلت: وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفاً من السؤال
والصعاليك، فعلى هذا فهي فعلة دنيوية مكروهة، لا تطلق على فعلة دينية محبوبة، ومعنى العتم
في الأصل: تأخير مخصوص. وقال الطبري: العتمة بقية اللبن تغبق بها الناقة بعد هويّ من
الليل، فسميت الصلاة بذلك لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة)) كذا في الفتح.
(١) قوله: ((عن عبد الله بن عمر)) الحديث أخرجه النسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب الكراهية في ذلك
(أي في أن يقال للعشاء العتمة) رقك ٥٤٢) و(٥٤٣) وأبو داود في سننه، في كتاب الأدب، باب في صلاة
العتمة، رقم (٤٩٨٤) وابن ماجه في سننه، في كتاب الصلاة، باب النهي أن يقال: صلاة العتمة، رقم
(٧٠٤) وأحمد في مسنده (٢: ١٠ و١٩ و٤٩ و١٤٤).

٢٧٧
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ)).
١٤٥٤ - (٢٢٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنٍ عُمَرَ؛ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((لا تَغْلِيَنَّكُمُ الأَغْرَابُ عَلَى أَسْمِ صَلائِكُمُ الْعِشَاءِ. فَإِنَّهَا، فِي كِتَابِ اللَّهِ،
الْعِشَاءُ. وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلابِ الإِيلِ)).
قوله: (وهم يعتمون بالإبل) الخ: قال النووي: ((معناه أن الأعراب يسمونها العتمة لكونهم
يعتمون بحلاب الإبل، أي: يؤخّرونه إلى شدة الظلام، وإنما اسمها في كتاب الله: العشاء في
قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] فينبغي لكم أن تسموها العشاء، وقد جاء في
الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة، كحديث: ((لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو
حبوا)» وغير ذلك.
والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهي عن العتمة
للتنزيه لا للتحريم. والثاني: يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء، فخوطب بما
يعرفه، واستعمل لفظ ((العتمة)) لأنه أشهر عند العرب، وإنما كانوا يطلقون العِشاء على المغرب
ففي صحيح البخاري: ((لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: وتقول
الأعراب: العشاء)) فلو قال: ((لو يعلمون ما في الصبح والعشاء)) لتوهموا أن المراد المغرب،
والله أعلم».
قال الحافظ: ((وهذا ضعيف، لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: («لو يعلمون ما في
الصبح والعشاء)) فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة، وبالعتمة تارة من تصرف الرواة. وقيل: إن
النهي عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز، وتعقب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور،
وفي كلٍ من القولين نظر، للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ، ولا بعد في أن ذلك كان جائزاً،
فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه، لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية، ومع ذلك فلا
يحرم ذلك، بدليل أن الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، وأما استعمالها في
مثل حديث أبي هريرة فلرفع الالتباس بالمغرب، والله أعلم)) انتهى.
والمراد بحديث أبي هريرة: هو ((لو يعلمون ما في العتمة والصبح)).

٢٧٨
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤٠) - باب: استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها،
وهو التغليس. وبيان قدر القراءة فيها
١٤٥٥ _ (٢٣٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كُلُّهُمْ
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عَائِشَةَ(١)؛ أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِينَ الصُّبْحَ مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ. ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ
بِمُرُوطِهِنَّ. لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ.
(٤٠) - باب: بيان استحباب التبكير بالصبح
في أول وقتها، وهو التغليس وبيان قدر القراءة فيها
٢٣٠ - (٦٤٥) - قوله: (أن نساء المؤمنات) الخ: تقديره: نساء الأنفس المؤمنات، أو
نحو ذلك، حتى لا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إن نساء هنا بمعنى الفاضلات، أي
فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي: فضلاؤهم.
قوله: (متلفعات) الخ: قال الأصمعي: التلفع أن تشتمل بالثوب، حتى تجلل به جسدك.
وفي شرح الموطأ لابن حبيب: ((التلفع: لا يكون إلا بتغطية الرأس، والتلفف: يكون بتغطية
الرأس وكشفه)).
قوله: (بمروطهن) الخ: جمع مرط، بكسر أوله، كساء من خزّ أو صوف غيره، وعن
النضر بن شميل ما يقتضي أنه خاص بلبس النساء.
قوله: (لا يعرفهن أحد) الخ: وفي رواية للبخاري: ((ولا يعرف بعضهن بعضاً)) قاله في
المنتقى .
قال الداودي: معناه: لا يعرفن أنساء أم رجال، أي: لا يظهر للرائي إلا الأشباح خاصة،
وقيل: لا يعرف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة وزينب، وضعفه النووي بأن المتلفعة في النهار
لا تعرف عينها، فلا يبقى في الكلام فائدة. وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان، فلو كان
(١) قوله: ((عن عائشة)) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب في كم تصلي المرأة في
الثياب، رقم (٣٧٢) وفي كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، رقم (٥٧٨) وفي كتاب الأذان، باب
انتظار الناس قيام الإمام العالم، رقم (٨٦٧) وباب سرعة انصراف النساء من الصبح وقلة مقامهن في
المسجد، رقم (٨٧٢) والنسائي في سننه، في كتاب المواقيت، باب التغليس في الحضر، رقم (٥٤٦)
و(٥٤٧) وأبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب في وقت الصبح، رقم (٤٢٣) والترمذي في جامعه،
في كتاب الصلاة، باب ما جاء في التغليس بالفجر، رقم (١٥٣) وابن ماجه في سننه، في كتاب الصلاة،
باب وقت صلاة الفجر، رقم (٦٦٩) والدارمي في سننه، في كتاب الصلاة، باب التغليس في الفجر، رقم
(١٢١٩) وأحمد في مسنده (٦: ٣٣ و٣٧ و١٧٨ و١٧٩ و٢٤٨ و٢٥٨).

٢٧٩
كتاب: المساجد ومواضع الصلاة
١٤٥٦ - (٢٣١) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ؛ أَنَّ
ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ؛ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَِّ قَالَتْ: لَقَدْ
كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ. مُتَلَفْعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ. ثُمَّ يَنْقَلِيْنَ
إِلَى بُيُوتِهِنَّ وَمَا يُعْرَفْنَ. مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللهِ وَ له بِالصَّلاةِ.
المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر، لأن لكل
امرأة هيئة غير الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مغطى، ولفظ ((لا يعرف بعضهن بعضاً))
أوضح في المراد حينئذ.
٢٣١ - ( ... ) - قوله: (يشهدن الفجر) الخ: أي: يحضرنها .
قوله: (من تغليس رسول الله ﴿﴿ بالصلاة) الخ: أي: من أجل تغليسه. قال الشيخ بدر
الدين العيني: احتج به مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس.
الدليل على استحباب الإسفار بالفجر
ولنا أحاديث كثيرة في هذا الباب، رويت عن جماعة من الصحابة.
منهم رافع بن خديج: روى أبو داود من حديث محمود بن لبيد عنه قال: قال
رسول الله وسلم: ((أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم لأجركم، أو أعظم للأجر)) ورواه الترمذي أيضاً،
وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي وابن ماجه أيضاً. قوله: ((أصبحوا بالصبح)) أي
نوروا به، ويروى: ((أصبحوا بالفجر)). ورواه ابن حبان في صحيحه، ولفظه: ((أسفروا بصلاة
الصبح، فإنه أعظم للأجر)) وفي لفظ له: ((فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم لأجركم)) وفي لفظ
الطبراني: ((فكلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر)) اهـ.
ثم أخرج هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة رؤيته، ثم قال:
فإن قلت كان ينبغي أن يكون الإسفار واجباً لمقتضى الأوامر فيه.
قلت: الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقاً مجرداً عن القرائن الصارفة إلى غيره،
وهذه الأوامر ليست كذلك، فلا تدل إلا على الاستحباب.
فإن قلت: قد يؤول الاستحباب في هذه الأحاديث بظهور الفجر، وقد قال الترمذي:
((وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يصبح الفجر(١)، ولا شك فيه ولم يروا أن
الإسفار تأخير الصلاة)) .
(١) قوله: ((أن يصبح الفجر)) كذا ههنا بالصاد المهملة والباء الموحدة من الإصباح، وفي جامع الترمذي (١:
٢٩١ بتحقيق أحمد محمد شاكر رحمه الله): ((أن يضح الفجر)) وقال في تعليقاته: ((يضح: بفتح الياء وكسر
الضاد المعجمة وآخره حاء مهملة، مضارع ((وضح)) .... )).

٢٨٠
الجزء الرابع من كتاب فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قلت: هذا التأويل غير صحيح، فإن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور
النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الصبح، فثبت أن المراد بالإسفار
إنما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة.
وأيضاً فقوله: ((أعظم للأجر)» يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار
هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت.
وأيضاً يبطل تأويلهم ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود
الطيالسي، في مسانيدهم، والطبراني في معجمه، من حديث رافع بن خديج قال: قال
رسول الله # لبلال: ((يا بلال، نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار))
اهـ.
قلت: وفي الصحيح: ((كنا نصلي المغرب مع النبي ◌َّ فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع
نبله)) وفي مسند أحمد عن ناس من الأنصار قالوا: ((كنا نصلي مع رسول الله صل المغرب ثم
نرجع فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا)). فبهذا يتبين أن الدخول في
صلاة الفجر قبيل طلوع الشمس يكون على حد الفراغ والانصراف من المغرب بعيد غروبها،
فحديث رافع بن خديج دليل على الندب إلى الإسفار بالغاية، وهذا يرد تأويلهم الإسفار بتبيُّن
الفجر.
قال العيني تغذّفُ: ((وحديث آخر يبطل تأويلهم رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت
السرقسطي في كتابه غريب الحديث: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا محمد بن عبد الأعلى،
حدثنا المعتمر، سمعت بياناً، أخبرنا سعيد، قال: سمعت أنساً يقول: ((كان رسول الله وَله يصلي
الصبح حين يفسح البصر)) انتهى. يقال: فسح البصر وانفسح: إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به
إسفار الصبح)) اهـ.
قلت: وفي حديث أنس مظله عند أبي يعلى بإسناد حسن - كما في مجمع الزوائد - في
جواب من سأله عن وقت النبي وَّر في الصلاة، قال: ((ويصلي الغداة حين يفتتح البصر)).
قال العيني: ((فإن قلت: قد قيل: إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة، لأن
الصبح لا يستبين فيها جداً، فأمرهم بزيادة التبيّن، استظهاراً باليقين في الصلاة.
قلت: هذا تخصيص بلا مخصص، وهو باطل، ويرده أيضاً ما أخرجه ابن أبي شيبة، عن
إبراهيم النخعي: ((ما اجتمع أصحاب محمد بَّيم على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر)).
وأخرجه الطحاوي في شرح الآثار بسند صحيح، ثم قال: ولا يصح أن يجتمعوا على خلاف ما
كان عليه رسول الله (َێ).